Indexed OCR Text
Pages 281-300
٢٨١ ٤٥- (الْمَوَاضِحُ) - حديث رقم ٤٨٥٤ كان من رجل، أو امرأة، يعني أنهما لا يختلفان في أرش الموضحة؛ لأنها دون ثلث الدية، وهما يستويان فيما دون الثلث، ويختلفان فيما زاد، وعند الشافعي أن موضحة المرأة على النصف من موضحة الرجل، بناءً على أن جراح المرأة على النصف من جراح الرجل، في الكثير والقليل. قال: وعموم الحديث الذي رويناه حجة عليه، وفيه كفاية . وأكثر أهل العلم على أن الموضحة في الرأس والوجه سواء، رُوي ذلك عن أبي بكر، وعمر رضي الله عنهما، وبه قال شريح، ومكحول، والشعبي، والنخعي، والزهري، وربيعة، وعبيد الله بن الحسن، وأبو حنيفة، والشافعي، وأحمد، وإسحاق. ورُوي عن سعيد بن المسيب، أنه قال: تضعف موضحة الوجه على موضحة الرأس، فيجب في موضحة الوجه عشر من الإبل؛ لأنَّ شينها أكثر، وذكره القاضي رواية عن أحمد، وموضحة الرأس يسترها الشعر والعمامة. وقال مالك: إذا كانت في الأنف، أو في اللّخي الأسفل، ففيها حكومة؛ لأنها تبعد عن الدماغ، فأشبهت موضحة سائر البدن . قال: ولنا عموم الأحاديث، وقول أبي بكر وعمر رضي الله عنهما: الموضحة في الرأس والوجه سواء، ولأنها موضحة، فكان أرشها خمسا من الإبل، كغيرها مما سلموه، ولا عبرة بكثر الشين، بدليل التسوية بين الصغيرة والكبيرة، وما ذكروه لمالك لا يصح، فإن الموضحة في الصدر أكثر ضررا، وأقرب إلى القلب، ولا مقدر فيها. وقد رُوي عن أحمد رحمه اللَّه، أنه قال: موضحة الوجه أحرى أن يزاد في ديتها، وليس معنى هذا أنه يجب فيها أكثر والله أعلم- وإنما معناه أنها أولى بإيجاب الدية، فإنه إذا وجب في موضحة الرأس مع قلة شينها، واستتارها بالشعر، وغطاء الرأس خمس من الإبل، فلأن يجب ذلك في الوجه الظاهر الذي هو مجمع المحاسن، وعنوان الجمال أولى، وجّعلُ كلام أحمد على هذا أولى من حمله على ما يخالف الخبر والأثر، وقولَ أكثر أهل العلم، ومصيره إلى التقدير بغير توقيف، ولا قياس صحيح. قال: ويجب أرش الموضحة في الصغيرة، والكبيرة، والبارزة، والمستورة بالشعر؛ لأن اسم الموضحة يشمل الجميع، وحدُّ الموضحة ما أفضى إلى العظم، ولو بقدر إبرة، ذكره ابن القاسم والقاضي. انتهى ((المغني)) باختصار ١٢/ ١٥٨ - ١٦٠. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد تبيّن بما ذكره ابن قدامة رحمه اللّه تعالى أن الأرجح هو ما ذهب إليه أحمد ومن معه من أنَّ في الموضحة خمسًا من الإبل مطلقًا، سواء كان من الرجل، أو المرأة؛ عملًا بظاهر عموم حديث الباب. والله تعالى أعلم ٢٨٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْقَسَامَةِ بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في موضحة غير الرأس والوجه: ذهب أكثر أهل العلم إلى أنه ليس في موضحة غير الرأس والوجه مقدر، وبه قال مالك، والثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وابن المنذر، قال ابن عبد البر: ولا يكون في البدن موضحة -يعني ليس فيها مقدر- قال: وعلى ذلك جماعة العلماء، إلا الليث بن سعد، قال: الموضحة تكون في الجسد أيضا، وقال الأوزاعي: في جراحة الجسد على النصف من جراحة الرأس، وحُكي نحو ذلك عن عطاء الخراساني، قال في الموضحة في سائر الجسد: خمسة وعشرون دينارا. وحجة الأولين أن اسم الموضحة إنما يُطلق على الجراحة المخصوصة، في الوجه والرأس، وقول الخليفتين الراشدين- يعني أبا بكر، وعمر رضي اللّه تعالى عنهما -: الموضحة في الوجه والرأس سواء، يَدُلُّ على أن باقي الجسد بخلافه، ولأن الشين فيما في الرأس والوجه أكثر، وأخطر مما في سائر البدن، فلا يلحق به، ثم إيجاب ذلك في سائر البدن يفضي إلى أن يجب في موضحة العضو أكثر من ديته، مثل أن يوضح أنملة ديتها ثلاثة وثلث، ودية الموضحة خمس، وأما قول الأوزاعي، وعطاء الخراساني، فتَحَكُّم، لا نص فيه، ولا قياس يقتضيه، فيجب اطْراحه. قاله في ((الغني)) ١٢/ ١٦١ . قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد تبيّن بما ذكر أن الأرجح هو ما عليه الجمهور من أنه لا مقدّر في موضحة غير الرأس والوجه، بل يجب فيها حكومة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)) . ٤٦- (ذِكْرُ حَدِيثِ عَمْرِو حَزْمِ فِي الْعُقُولِ، واخْتِلَافِ النَّاتِلِينَ لَهُ) قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((العُقُول)): بالضمّ جمع عَقْل بالفتح، كفلس وفُلُوس. ووجه الاختلاف في هذا الحديث أنه اختُلِف فيه على يحيى بن حمزة، فرواه عنه الحكم بن موسى، عن سليمان بن داود، عن الزهريّ، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو ٤٦- (ذِكْرُ حَدِيثِ عَمْرو حَزْم فِي ... - حديث رقم ٤٨٥٥ ٢٨٣= ابن حزم، عن أبيه، عن جدّه: أن رسول اللَّه ◌َلّر، وخالفه محمد بن بكّار، فرواه عن يحيى، عن سليمان بن أرقم، عن الزهريّ، عن أبي بكر، به، ورجّح المصنّف هذا الطريق، مع أن سليمان متروك، وجعل رواية الحكم بن موسى خطأ، وكذلك قال أبو داود في ((المراسيل)): وقد وَهِم الحكم بن موسى في قوله: سليمان بن داود، وقال أيضًا: قد أُسند هذا الحديث، ولا يصحّ، والذي في إسناده سليمان بن داود وَهَمّ، إنما هو سليمان بن أرقم. انتهى. وخالفهما یونس بن یزید، فرواه ٤٨٥٧- عن الزهريّ، مرسلًا، وكذلك رواه سعيد ابن عبد العزيز ٤٨٥٨- عن الزهر، فأرسله، ورواه مالك ٤٨٥٩ - عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، مرسلًا، ورجح الأكثرون أن المرسل هو المحفوظ؛ لأن طريق الوصل فيه سليمان بن أرقم، وهو متروك، كما قال المصنّف، لكن المرسل قد اعتضد بتلقّى الأمة بالقبول، فهو صحيح، وسيأتي مزيد إيضاح لذلك إن شاء الله تعالى. ٤٨٥٥- (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْتِى بْنُ حَمْزَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّد بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزَم، عَنْ أَبِيهِ، عَن جَدِّهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وََّ، كَتَبَ إِلَى أَهْلِ الْيَمَنِ كِتَابًا، فِيهِ الْفَرَائِضُ، وَالْسُّنَنُ، وَالدِيَاتُ، وَبَعَثَ بِهِ مَعَ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، فَقُرِئَتْ عَلَى أَهْلِ الْيَمَنِ، هَذِهِ نُسْخَتُهَا: ((مِنْ مُحَمَّدِ النَّبِيِّ وَِّ، إِلَى شُرَخْبِيلَ بْنِ عَبْدِ كُلَالٍ، وَنُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ كُلَالٍ، وَالْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ كُلَالٍ، قَيْلِ ذِي رُعَيْنٍ، وَمَعَافِرَ، وَهَمْدَانَ، أَمَّا بَعْدُ ... وَكَانَ فِي كِتَابِهِ: أَنَّ مَنِ اعْتَبَطَ مُؤْمِنًا قَتْلَاَ، عَنْ بَيْنَةٍ، فَإِنَةُ قَوَدٌ، إِلَّا أَنْ يَرْضَى أَوْلِيَاءُ الْمَقْتُولِ، وَأَنَّ فِي النَّفْسِ الدَّيَةَ، مِائَةً مِنَ الْإِبِلِ، وَفِي الْأَنْفِ إِذَا أُوْعِبَ جَدْعُهُ الدِّيَّةُ، وَفِي اللُّسَانِ الدِّيَّةُ، وَفِي الشَّفَتَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِي الْبَيْضَتَيْنِ الدِّيَّةُ، وَفِي الذَّكَرِ الدِّيَّةُ، وَفِي الصُّلْبِ الدِّيَّةُ، وَفِي الْعَيْنَيْنِ الدِّيَّةُ، وَفِي الرِّجْلِ الْوَاحِدَةِ نِصْفُ الدِّيَةِ، وَفِي الْمَأْمُومَةِ ثُلُثُ الدِّيَّةِ، وَفِي الْجَائِفَةِ ثُلُثُ الَّذِيَةِ، وَفِي الْمُنَقْلَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ مِنَ الْإِبِلِ، وَفِي كُلِّ أَصْبُعِ مِنْ أَصَابِعِ الْيَدِ وَالرُّجْلِ، عَشْرٌ مِنَ الْإِبِلِ، وَفِي السُّنْ خَمْسٌ مِنَ الْإِبِلِ، وَفِي الْمُوضِحَّةِ خَمْسٌ مِنَ الْإِبِلِ، وَأَنَّ الرَّجُلَ يُقْتَلُ بِالْمَرْأَةِ، وَعَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ أَلْفُ دِينَارٍ»). رجال هذا الإسناد: ثمانية : ١ - (عمرو بن منصور) أبو سعيد النسائيّ، ثقة ثبت [١١]١٠٨/ ١٤٧ من أفراد المصنّف. ٢- (الحكم بن موسى) بن أبي زُهير شير زاد البغداديّ، أبو صالح الْقَنْطريّ، صدوقٌ [١٠]. رَأَى مالك بن أنس، وروى عن ضمرة بن ربيعة، وإسماعيل بن عياش، وشعيب بن ٢٨٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْقَسَامَةِ إسحاق، وابن المبارك، والوليد بن مسلم، ويحيى بن حمزة الحضرمي، وعيسى بن يونس، والْهِقْل بن زياد، ومعاذ بن معاذ العنبري، وغيرهم. ورَوى عنه البخاري تعليقًا، ومسلم، وأبو داود في ((المراسيل))، ورَوَى له النسائي، وابن ماجه بواسطة عمرو بن منصور، وأبي زرعة، وأبو حاتم، وأحمد بن حنبل، وابنه عبد اللّه، والدارمي، وأبو قدامة السرخسي، وابن المديني، والذهلي، والزعفراني، وأبو زرعة الدمشقي، وغيرهم. قال ابن معين: ليس به بأس، وقال مرة: ثقة، وكذا قال العجلي. وقال أبو حاتم: صدوق. وقال ابن سعد: ثقة، كثير الحديث، وكان رجلا صالحا، ثَبْتًا في الحديث. وقال موسى بن هارون: حدثنا الحكم بن موسى، أبو صالح الشيخ صالح، وقال: بلغني عن ابن المديني أنه قال كذلك، وكذا قال البغوي. وقال الصالح جزرة: الثقة المأمون. وقال ابن قانع: ثقة. وذكره ابن حبان في ((الثقات)). وقال البخاري، وجماعة: مات سنة (٢٣٢) زاد البغوي: ليومين من شوال. روى له البخاري في التعاليق، ومسلم، والمصنّف، وأبو داود في ((المراسيل))، وابن ماجه، وله عند المصنّف هذا الحديث فقط. ٣- (يحيى بن حمزة) أبو عبد الرحمن الحضرميّ الدمشقيّ القاضي، ثقة، رُمي بالقدر [٨] ٦٠ /١٧٦٨ . ٤ - (سليمان بن داود) الخولانيّ، أبو داود الدمشقيّ الدرانيّ، سكن داريا، صدوقٌ [٧]. وفي (تهذيب التهذيب)) ٢/ ٩٣ -: رَوَى عن الزهري، وعمر بن عبد العزيز، وأبي بردة بن أبي موسى، وأبي قلابة، وأيوب بن نافع بن كيسان. وعنه يحيى بن حمزة الحضرمي، وصدقة بن عبد الله السمين، وهشام بن الغاز، والْوَضِين بن عطاء. قال القاضي، أبو علي الخولاني في ((تاريخ داريا)»: كان حاجبا لعمر بن عبد العزيز، وكان مُقَدَّما عنده، وولده بداریا إلى اليوم. ورَوَى الحكم بن موسى، عن يحيى بن حمزة، عن سليمان بن داود، عن الزهري، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده، حديثَ الصدقات بطوله، وفيه: الدياتُ وغيرُ ذلك، قال أبو داود: هذا وَهَمّ من الحكم، ورواه محمد بن بكار بن بلال، عن يحيى بن حمزة، عن سليمان بن أرقم، عن الزهري، وكذا حَکَی غير واحد أنه قرأه في أصل يحيى بن حمزة، وقال النسائي: هذا أشبه بالصواب، وسليمان بن أرقم متروك. وقال أبو يعلى الموصلي، عن ابن معين: ليس بمعروف، وليس يصح هذا الحديث. وقال أبو حاتم: لا بأس به، يقال: إنه سليمان بن أرقم. وقال ابن ٤٦- (ذِكْرُ حَدِيثِ عَمْرِو حَزْم فِي - حديث رقم ٤٨٥٥ ٢٨٥ المديني: منكر الحديث، وضعفه. وقال غير واحد، عن ابن معين: ليس بشيء. قال عثمان الدارمي: أرجو أنه ليس كما قال، فإن يحيى بن حمزة، رَوَى عنه أحاديث حسانا، كأنها مستقيمة، وقال البغوي: سمعت أحمد بن حنبل، سُئل عن حديث الصدقات، الذي يرويه يحيى بن حمزة، أصحيح هو؟ فقال: أرجو أن يكون صحيحا. وقال ابن عدي: للحديث أصل في بعض ما رواه معمر، عن الزهري، لكنه أفسد إسناده، ورواه سليمان بن داود هذا، فجوّد الإسناد. وقال يعقوب بن سفيان: لا أعلم في جميع الكتب أصح من كتاب عمرو بن حزم. وقال ابن حبان: سليمان بن داود الخولاني، من أهل دمشق، ثقة مأمون، وسليمان بن داود اليمامي، لا شيء، وجميعًا یرویان عن الزهري. وقال البيهقي: وقد أثنى على سليمان بن داود أبو زرعة، وأبو حاتم، وعثمان بن سعيد، وجماعة من الحفاظ، ورأوا هذا الحديث الذي رواه في الصدقات، موصول الإسناد حسنًا. قال الحافظ: أما سليمان بن داود الخولاني، فلا ريب في أنه صدوق، لكن الشبهة دخلت على حديث الصدقات، من جهة أن الحكم بن موسى غلط، في اسم والد سليمان، فقال: سليمان بن داود، وإنما هو سليمان بن أرقم، فمن أخذ بهذا ضَعَّفَ الحديث، ولا سيما مع قول من قال: إنه قرأ كذلك في أصل يحيى بن حمزة، فقد قال صالح جزرة: نظرت في أصل كتاب يحيى بن حمزة حديثَ عمرو بن حزم، في الصدقات، فإذا هو عن سليمان بن أرقم، قال صالح: كتب عنّي مسلم بن الحجاج هذا الكلام. وقال الحافظ أبو عبد الله بن منده: قرأت في كتاب يحيى بن حمزة بخطه، عن سليمان بن أرقم، عن الزهري. وأما من صححه، فأخذوه على ظاهره، في أنه سليمان بن داود، وقَوِيَ عندهم أيضا بالمرسل الذي رواه معمر، عن الزهري، والله أعلم. وذكر ابن حبان أن أبا اليمان، روى عن شعيب، عن الزهري بعض الحديث. انتهى. تفرّد به المصنّف بهذا الحديث فقط، وكذلك أبو داود في ((المراسيل)). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: سيأتي تمام البحث في هذا الحديث في المسألة الأولى، إن شاء اللّه تعالى. ٥- الزهريّ) محمد بن مسلم الإمام الحجة المشهور [٤] ١/١ . ٦- (أبو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْم) الأنصاريّ النّجاريّ- بالنون، والجيم- المدنيّ القاضي، اسمه كنيته، وقيل: إنه يُكنى أبا محمد، ثقة عابدٌ [٥] مات سنة (١٢٠ هـ) وقيل: غير ذلك تقدم في ١١٨/ ١٦٣. ٢٨٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْقَسَامَةِ ٧- (محمد بن عمرو بن حزم) بن زيد بن لُوذان، الأنصاري النَّجاري، أبو عبد الملك المدني، ويقال: أبو سليمان، له رؤية، وليس له سماعٌ، إلا من الصحابة. وفي (تهذيب التهذيب)) ٦٦٠/٣: وُلد في حياة النبي ◌َّ، سنة عشر بنجران، قاله ابن سعد، رَوَى عن أبيه، وعمر بن الخطاب، وعمرو بن العاص. ورَوَى عنه ابنه أبو بكر، وعمر بن كثير بن أفلح. قال النسائي: ثقة. وقال ابن سعد عن الواقدي: كان ثقة قليل الحديث. قال ابن سعد: وقُتل يوم الْحَرَّة، سنة ثلاث وستين، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: وَلَّته الأنصار أمرها يوم الحرة. قال الحافظ: أمير الأنصار يوم الحرة عبد الله بن حنظلة بن الغسيل، هذا ما لا خلاف فيه، ولعلهم بعد قتل ابن حنظلة أجمعوا على ابن حزم، فالله تعالى أعلم، ثم ظهر لي أنه كان مُقَدَّما على الخزرج، وكان ابن حنظلة مقدما على الأوس، ولما قتل ابن حزم كان سبب هزيمة أهل المدينة. وقال البخاري في ((تاريخه)): قال محمد بن سلمة، عن ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر ابن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده محمد بن عمرو، قال: كنت أتکنی أبا القاسم، فجئت أخوالي بني ساعدة، فنهوني، وقالوا: إن النبي ◌َّ قال: ((من تسمى باسمي، فلا يكتن بكنيتي))، فحولت كنيتي بأبي عبد الملك. روى له المصنّف، وأبو داود في ((المراسيل))، وله عند المصنف هذا الحديث فقط، كرره مرّتين، هذا، والحديث التالي. ٨- (عمرو بن حزم) الأنصاريّ الصحابيّ المشهور، شَهِد الخندق، فما بعدها، وكان عامل النبيّ وَّر على نجران، مات بعد (٥٠)، وقيل: في خلافة عمر، وهو وَهَمّ تقدّم في ٢٠٤٥/١٠٥ . والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ أَبِيهِ) محمد بن عمرو (عَنْ جَدِهِ) عمرو ابن حزم رَّيه (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وََّّهِ، كُتُبَ) أي أمر بأن يُكتب (إِلَى أَهْلِ الْيَمَنِ) والمراد أهل نجران، كما سيأتي بعدُ، ولا تنافي؛ لأن نجران من اليمن، قال الفيّوميّ: ونَجْران: بلدة من بلاد هَمْدان، من اليمن، قال البكريّ: سُمّيت باسم بانيها نجران بن زيد بن يشْجُب بن يَعْرُب بن فَحْطان. انتهى. (كِتَابَا، فِيهِ الْفَرَائِضُ) أي بيانها (وَالسُّنَنُ) من عطف العامّ على الخاصّ (وَالدِّيَاتُ) أي بيان مقدارها، وأسنانها، و((الديات)) بكسر الدال، وتخفيف التحتانيّة: جمع دِيَة، مثلُ عِدات وعِدَة، وأصلها وَذية بفتح الواو، وسكون الدال، تقول: وَدَى القتيلَ يَدِيه: إذا أعطى وَلِيَّه دِيته، وهي ما جُعل في مقابلة النفس، وسُمّي ديةً تسميةً بالمصدر، وفاؤها محذوفةٌ، والهاء عِوَضٌ، وفي الأمر: دِ ٤٦- (ذِكْرُ حَدِيثِ عَمْرو خَزْم فِي - حديث رقم ٤٨٥٥ ٢٨٧ === القتيلَ بدال مكسورة حسبُ،، فإن وقفتَ قُلتَ: دِهْ بهاء السكت (وَبَعَثَ بِهِ) أي بذلك الكتاب (مَعَ عَمْرِو بْنِ حَزْم) أي حين ولّاء ◌َّ على أهل نجران، أرسل بالكتاب معه؛ ليقرأه عليهم (فَقُرِئَتْ) أنّث الضمير مع أن مرجعه مذكّرٌ، وهو الكتاب؛ لتأويله بالنسخة (عَلَى أَهْلِ الْيَمَنِ) أي وهم أهل نجران (هَذِهِ نُسْخَتُهَا) أي هذه الكلمات، أو الجمل الآتية نسخة ذلك الكتاب، والنسخة بضم، فسكون: الكتاب المنقول، والجمع نُسَخْ، كغرفة وغُرَف، يقال: نسختُ الكتاب نَسْخًا، من باب نفَعَ: إذا نقلته، وانتسخته كذلك، قاله في ((المصباح))، والظاهر أن هذا الكتاب الذي كان عند أبي بكر بن محمد بن عمرو كان منسوخًا من الكتاب الأصليّ الذي بعث به النبيّ وَّ عمرو بن حزم، والله تعالى أعلم. (مِنْ مُحَمَّدٍ) متعلّق بمقدّر، خبر لمحذوف: أي هذا مبعوث من محمد بََّ، ومثله الجارّ بعده (النِّيِّ وَِّ، إِلَى شُرَخْبِيلَ) بضم المعجمة، وفتح الراء، وسكون المهملة (بنِ عَبْدِ كُلَالٍ) بضم الكاف (وَنُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ كُلَالٍ، وَالْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ كُلَالٍ، قَيْلِ ذِيٍ رُعَيْنٍ) ((القَيْلُ)) بفتح، فسكون، كالْمِقَوَلِ، كمِنبر: المَلِكُ، أو من ملوك حمير، يقول ما شاء، فيَنفُذُ، أو هو دون الملك الأعلى، فهو في حِمْير كالوزير في الإسلام، كما في ((فقه اللغة)) للثعالبيّ، وأصل قَيْل قَيّل، كفَيْعِلِ، سمّي به لأنه يقول ما شاء، فَيَنفُذُ، جمعه أقوالٌ، وأقيالٌ، ومَقَاولُ، ومَقاوِلةٌ. أفاده في ((القاموس))، مع زيادة يسيرة. فـ((قيل)) مضاف، و((ذي رُعين)) وما بعده مضاف إليه. و((ذو رُعين)) كزُبير: ملك حِمير. قاله في القاموس (وَمَعَافِرَ) بفتح الميم: أبو حيّ من همدان، لا ينصرف. قاله في ((القاموس)) أيضًا (وَهَمْدَانَ) بفتح، فسكون: قبيلة باليمن، قاله في ((القاموس)) أيضًا (أَمَّا بَعْدُ) رواية المصنّف رحمه اللّه تعالى هذه فيها اختصار، فإنَّ الحديث طويل، وقد ساقه الحافظ الزيلعيّ في كتابه ((نصب الراية في ((تخريج أحاديث الهداية))، في ((كتاب الزكاة)) في ((باب صدقة السوائم)) ٣٣٩/٢-٣٤٢ - عند قول صاحب ((الهداية)): ((بهذا اشتهرت كتب الصدقات من رسول اللّه وَلَّ))، فذكر ((كتاب أبي بكر الصدّيق رَّه))، و((كتاب عمر رصێه))، ثم قال : ومنها كتاب عمرو بن حزم أخرجه النسائي في ((الديات)) وأبو داود في ((مراسيله))، النسائي عن يحيى بن حمزة، عن سليمان بن داود، عن الزهري، ثم أخرجه عن يحيى، عن سليمان بن أرقم، عن الزهري به، وقال: هذا أشبه بالصواب، وسليمان بن أرقم متروك الحديث. انتهى. وأبو داود في ((مراسيله)) عن سليمان بن أرقم، عن الزهري، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده: أن رسول اللَّه وَلّر، كتب إلى أهل اليمن، بكتاب فيه الفرائض، والسنن، والديات، وبعث به مع عمرو بن حزم، ٢٨٨ = شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْقَسَامَةِ فقرئت على أهل اليمن، وهذه نسختها : ((بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد النبي ◌ََّ إلى شرحبيل بن عبد كُلال، قَيْلِ ذي رُعَين، ومَعَافر، وهَمْدان: أما بعد، فقد رجع رسولكم، وأعطيتم من المغانم خمس اللَّه، وما كَتَب اللَّه عز وجل على المؤمنين، من العشر في العقار، وما سقت السماء، وكان سَيْحًا، أو كان بَعْلًا فيه العشر، إذا بلغ خمسة أوسق، وما سُقِي بالرِّشَا والدالية، ففيه نصف العشر، وفي كل خمس من الإبل سائمةً شاةٌ، إلى أن تبلغ أربعا وعشرين، فإذا زادت واحدة على أربع وعشرين، ففيها بنت مخاض، فإن لم توجد ابنة مخاض، فابن لبون ذكر، إلى ان يبلغ خمسا وثلاثين، فإن زادت على خمس وثلاثين واحدة، ففيها ابنت لبون، إلى أن تبلغ خمسا وأربعين، فإن زادت واحدة، ففيها حقة، طَرُوقة الْجَمَل، إلى أن تبلغ ستين، فإن زادت على ستين واحدة، ففيها جذعة إلى أن تبلغ خمسا وسبعين، فإن زادت واحدة على خمس وسبعين، ففيها ابنتا لبون، إلى أن تبلغ تسعين، فان زادت واحدة، ففيها حقتان، طروقتا الجمل، إلى أن تبلغ عشرين ومائة، فما زادت على عشرين ومائة، ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة طروقة الجمل، وفي كل ثلاثين باقورة، تبيع جذع، أو جذعة، وفي كل أربعين باقورة بقرة، وفي كل أربعين شاةً سائمةً شاةٌ، إلى أن تبلغ عشرين ومائة، فإذا زادت على العشرين ومائة واحدة، ففيها شاتان، إلى أن تبلغ مائتين، فإن زادت واحدة، ففيها ثلاث شياه، إلى أن تبلغ ثلاثمائة، فان زادت ففي كل مائة شاةٍ شاةٌ، ولا يؤخذ في الصدقة هَرِمَةٌ، ولا عَجْفاء، ولا ذات عَوَار، ولاتَيْسُ الغنم، ولا يُجمَع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع، خشيةً الصدقة، وما أخذ من الخليطين، فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية، وفي كل خمس أواق، من الورق، خمسة دراهم، وما زاد ففي كل أربعين درهما درهم، وليس فيما دون خمس أواق شيء، وفي كل أربعين دينارا دينار، والصدقة لا تحل لمحمد، ولا لأهل بيته، إنما هي الزكاة، تُزَكَّى بها أنفسهم، في فقراء المؤمنين، وفي سبيل الله، وليس في رقيق، ولا مزرعة، ولاعُمَّالها شيء، إذا كانت تؤدي صدقتها من العشر، وأنه ليس في عبد مسلم، ولا فرسه شيء. وكان في الكتاب إن أكبر الكبائر عند الله يوم القيامة، الإشراك بالله، وقتل النفس المؤمنة بغير حق، والفرار في سبيل اللَّه يوم الزحف، وعقوق الوالدين، ورمي المحصنة، وتعلم السحر، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، وأن العمرة الحج الأصغر، ولا يمس القرآن إلا طاهر، ولا طلاق قبل إملاك، ولا عتاق حتى يبتاع، ولا يُصَلِّيَنَّ أحدكم في ثوب واحد، وشقه باد، ولا يصلين أحدكم عاقصا شعره. 1 ٤٦- (ذِكْرُ حَدِيثٍ عَمْرو خَزْم فِي - حديث رقم ٤٨٥٥ = ٢٨٩ وكان في الكتاب أن من اعتبط مؤمنا قتلا، عن بينة، فإنه قود، إلا أن يرضى أولياء المقتول، وأن في النفس الدية مائة من الإبل، وفي الأنف إذا أوعب جدعه الدية، وفي اللسان الدية، وفي الشفتين الدية، وفي البيضتين الدية، وفي الذكر الدية، وفي الصلب الدية، وفي العينين الدية، والرجل الواحدة نصف الدية، وفي المأمومة ثلث الدية، وفي الجائفة ثلث الدية، وفي المنقلة خمس عشرة من الإبل، وفي كل إصبع من أصابع اليد، أو الرجل عشر من الإبل، وفي السن خمس من الإبل، وفي الموضحة خمس من الإبل، وأن الرجل يُقتل بالمرأة، وعلى أهل الذهب ألف دينار. انتهى. (وَكَانَ فِي كِتَابِهِ) أي كتاب رسول اللّه وَّهِ المذكور (أَنَّ مَنِ اعْتَبَطَ مُؤْمِنًا) أي قتله بلا ذنب يوجب قتله. قال الفيّومي: عبطتُ الشاة عَبْطًا، من باب ضرب: ذبحتها، صحيحةً، من غير علّة بها، ولحمٌ عَبِيطٌ : أي صحيحٌ طَريّ، ودمّ عبيطٌ : طريّ خالصٌ، لا خَلْط فيه، قال في ((التهذيب)): العَبيط من اللحم ما كان سَليمًا من الآفات، إلا الكسر، ولا يقال: عبيط إذا كان الذبح من آفة، ولا يقال للشاة عبيطة، ومُعتَبِطٌ إذا ذُبحت من آفةٍ، غیرِ الکسر. انتھی. والمراد به هنا: أنه قتل مؤمنا بلا جناية كانت منه، ولا جريرة توجب قتله. وقوله ((قَتْلًا) مصدر ((اعتبط)) من غير لفظه، كقعدت جلوسًا (عَنْ بَيْنَةٍ) أي بحجة، والمراد وجود الشهود على قتله، أو ثبوته بإقراره (فَإِنّةً قَوَدٌ) بفتحتين: أي فإن القاتل يُقتل به قصاصًا (إِلَّا أَنْ يَرْضَى أَوْلِيَاءُ الْمَقْتُولِ) أي بقبول الدية، فلهم ذلك، وفيه أن الأصل القصاص، وأن قبول الدية تخفيف من اللَّه عز وجل (وَأَنَّ فِي النّفْسِ الدِّيَةَ) أي الكاملة (مِائَّةً مِنَ الْإِلِ) بالنصب على أنه بدل من ((الديةَ)). (وَفِي الْأَنَفَ إِذَا أُوعِبَ) بضم أوله: أي أخذ كله، قال في (المصباح)): وَعَبته وَعْبًا، من باب وَعَدَ، وأوعبته إيعابًا، واستوعبته، كلُّها بمعنَى، وهو أخذ الشيء جميعِهِ. قال الأزهريّ: الْوَعْبُ: إيعابك الشيءَ في الشيء، حتى تأتي عليه كلْه: أي تُدخله فيه، وفي الحديث: ((في الأنف إذا استُوعب جَذْعًا الديةُ)): أي إذا لم يُتْرَك منه شيءٍ، وجاءوا موعِبين: أي جميعهم، لم يبق منهم أحد. انتهى (جَدْعُهُ) بالرفع فاعل ((أُوعِب))، و(«الجدع)) بفتح، فسكون: القطع (الدِّيَةُ) مبتدأ مؤخّر خبره الجارّ والمجرور قبله، أي ((في الأنف))، و((إذا)) يحتمل أن تكون ظرفًا مجرّدا عن الشرط، فتتعلّق بالنسبة الحاصلة بين المبتدأ والخبر، أو هي شرطية، معترضة بين المبتدأ والخبر، وجوابها ما دلّ عليه المبتدأ والخبر. والمعنى أنه إذا قطع أنف الشخص كلّه خطأً وجبت فيه الدية الكاملة، ويأتي تمام ٢٩٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْقَسَامَةِ البحث فيه في المسألة الرابعة، إن شاء الله تعالى. (وَفِي اللِّسَانِ الدِّيَةُ) مبتدأ وخبر، وكذا ما بعده: يعني أنه إذا قُطع لسان الإنسان خطأ وجبت الدية الكاملة، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة الخامسة إن شاء الله تعالى. (وَفِي الشَّفَتَيْنِ الدِّيَةُ) أي إذا قطع شفاه العليا والسفلى وجبت. به الدية الكاملة. قال في ((المغني)) ١٢/ ١٢٣-١٢٤: حدّ الشفة السفلى من أسفل ما تجافَى عن الأسنان، واللّة مما ارتفع عن جلدة الذَّقَن. وحدُّ العليا من فوق ما تجافى عن الأسنان، واللَّةِ إلى اتّصاله بالمَنْخِرِين والحاجز، وحدّهما طولًا طولُ الفم إلى حاشية الشِّدْقَين، وليست حاشية الشدقين منهما. انتهى. وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة السادسة، إن شاء الله تعالى. (وَفِي الْبَيْضَتَيْنِ الدِّيَةُ) أي في قطع الأنثيين خطأ الدية الكاملة. وسيأتي تمام البحث في ذلك، في المسألة السابعة إن شاء اللَّه تعالى. (وَفِي الذَّكَرِ الدِّيَّةُ) أي قطع ذكره خطأ ففيه الدية الكاملة وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة الثامنة، إن شاء اللّه تعالى (وَفِي الصُّلْبِ) بضم الصاد المهملة، وسكون اللام، وتُضمّ للإتباع: هو كلُّ ظهر له فَقَارٌ (الدِّيَةُ) أي إذا قطع صلبه خطأ، ففيه الدية الكاملة وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة التاسعة، إن شاء اللَّه تعالى (وَفِي الْعَيْنَيْنِ الدِّيَةُ) أي إذا أصيبت عيناه خطأ، ففيه الدية الكاملة، وقد سبق تمام البحث فيه في ٤٢ / ٤٨٤٢- باب ((العين العوراء الخ))، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. (وَفِي الرِّجْلِ الْوَاحِدَةِ نِصْفُ الدِّيَّةِ) أي قطعت رجله الواحدة خطأ ففيها نصف الدية، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة الحادية عشرة، إن شاء الله تعالى. (وَفِي الْمَأْمُومَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ) أي في الجراحة التي تصل إلى جلدة الدماغ، ويقال لها: الآمّة أيضًا، قال ابن عبد البر: أهل العراق يقولون لها: الآمة، وأهل الحجاز: المأمومة، وهي الجراحة الواصلة إلى أُمّ الدماغ، سُمِيت أم الدماغ، لأنها تحوطه وتجمعه، فإذا وصلت الجراحة إليها سميت آمّة، ومأمومة، يقال: أمّ الرجلُ آمّة، ومأمومة. انتهى. وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة الثانية عشرة، إن شاء الله تعالى. (وَفِي الْجَائِفَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ) الجائفة: هي الطعنة التي تصل إلى جوف الرأس، أو جوف البطن، فإذا كانت خطأ وجب فيها ثلث الدية، وسيأتي البحث عنه في المسألة الثالثة عشرة، إن شاء الله تعالى. (وَفِي الْمُتَقْلَةِ) قال في ((المغني)) ١٦٤/١٢: المنقلة زائدة على الهاشمة، وهي التي تكسر العظام، وتزيلها عن مواضعها، فيحتاج إلى نقل العظم؛ ليلتئم. انتهى. (خَمْسَ عَشْرَةَ مِنَ الْإِبِلِ) هذا بإجماع من أهل العلم، حكاه ابن المنذر. قاله في ((المغني)) وسيأتي ٤٦- (ذِكْرُ حَدِيثٍ عَمْرو حَزْم فِي ... - حديث رقم ٤٨٥٥ ٢٩١= تمام البحث فيه في المسألة الخامسة عشرة، إن شاء الله تعالى. (وَفِي كُلِّ إِصْبُعٍ مِنْ أَصَابِعِ الْيَدِ وَالرُّجْلِ، عَشْرٌ مِنَ الْإِبِلِ) أي إذا قطع أحد أصابع اليدين، أو الرجلين ففيه عشَر من الإبلَ؛ لأن في كلها الديةَ كاملة، ففي واحدة منها عشر الدية؛ لأنها عشر الكلّ، وهذا قول عامّة أهل العلم؛ لهذا الحديث، وقد تقدم تمام البحث فيه في ٤٤/ ٤٨٤٥- ((باب عقل الأصابع))، فراجعه تستفد، وباللّه تعالى التوفيق. (وَفِي السِّنْ خَمْسٌ مِنَ الْإِبِلِ) أي في كلّ سنّ إذا أُصيبت خطأ ففيها خمس من الإبل، بلا خلاف بين أهل العلم في ذلك، وقد تقدّم تمام البحث فيه في ٤٨٤٣/٤٣- باب ((عقل الأسنان))، فراجعه تستفد، وباللّه تعالى التوفيق. (وَفِي الْمُوضِحَةِ خَمْسٌ مِنَ الْإِبِلِ) أي تجب خمس من الإبل إذا جرحه موضحة في رأسه، أو وجهه، و((الموضحة)) اسم فاعل من أوضح، وهي من شِجاج الرأس، أو الوجه، وليس في الشجاج ما فيه قصاص سواها، ولا يجب المقدر في أقل منها، وهي التي تصل إلى العظم، سُميت موضحة؛ لأنها أبدت وَضَحَ العظم، وهو بياضه، وأجمع أهل العلم على أن أرشها مُقَدّرٌ، قاله ابن المنذر. وقد تقدّم تمام البحث فيها في الباب الماضي، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. (وَأَنَّ الرَّجُلَ يُقْتَلُ بِالْمَرْأَةِ) يعني أنه إذا قتل الرجل المرأة عمدًا ظلمًا يقتل بها قصاصًا، وقد تقدّم تمام البحث في هذا في باب ((القَوَد من الرجل للمرأة))، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. (وَعَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ أَلْفُ دِينَارٍ) أي يجب على من لا يجد إبلا يؤذيها ديةً، إذا كان من أهل الذهب أن يؤدّي ألف دينار دية من قتله خطأ، وقد تقدّم اختلاف العلماء، هل الأصل في الدية، الإبل، وما عداها بدل عنها، أو كلّ أصل برأسه، والأول أرجح، فراجع باب ((٤٧٩٣/٣٢-كم دية شبه العمد؟))، تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حيث عمرو بن حزم تظلّه هذا صحيحٌ عندي، فقد صححه ابن حبّان، والحاكم، والبيهقيّ، ونقل عن أحمد أنه قال: أرجو أن يكون صحيحًا، بل قال ابن الجوزيّ في ((التحقيق)): قال أحمد رحمه الله تعالى: كتاب عمرو بن حزم في الصدقات صحيح. والحاصل أنه وإن رجّح الأكثرون إرساله لكن تصحيحه هو الأرجح عندي؛ لما سيأتي. (اعلم): أنه قد تكلّم أهل العلم في هذا الحديث، ومنهم المصنّف، ودونك عباراتهم: ٢٩٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْقَسَامَةِ قال الحافظ رحمه الله تعالى في ((التلخيص الحبير)) ٤/ ٣٤ : قوله: رُوي عن عمرو بن حزم: أن النبي ◌َّر، كتب في كتابه إلى أهل اليمن: ((أن الذكر يقتل بالأنثى)): هذا طرف من كتاب النبي بَّر، وهو مشهور، قد رواه مالك، والشافعي عنه، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه: أن في الكتاب الذي كتبه رسول اللَّه وَّ لعمرو بن حزم في العقول، ووصله نعيم بن حماد، عن ابن المبارك، عن معمر، عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم، عن أبيه، عن جده، وجَدُه محمد بن عمرو بن حزم، وُلِد في عهد النبي ◌ََّ، ولكن لم يسمع منه. وكذا أخرجه عبد الرزاق، عن معمر، ومن طريقه الدارقطني، ورواه أبو داود، والنسائي، من طريق ابن وهب، عن يونس، عن الزهري، مرسلًا، ورواه أبو داود في ((المراسيل)) عن ابن شهاب، قال: قرأت في كتاب رسول اللَّه وَلّ لعمرو بن حزم، حين بعثه إلى نجران، وكان الكتاب عند أبي بكر بن حزم، ورواه النسائي، وابن حبان، والحاكم، والبيهقي، موصولًا، مطولًا، من حديث الحكم بن موسى، عن يحيى بن حمزة، عن سليمان بن داود، حدثني الزهري، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده. وفرّقه الدارمي في ((مسنده)) عن الحكم مُقَطَّعا. وقد اختلف أهل الحديث، في صحة هذا الحديث، فقال أبو داود في ((المراسيل)): قد أُسنِد هذا الحديث، ولا يصح، والذي في إسناده سليمان بن داود وَهَمّ، إنما هو سليمان بن أرقم. وقال في موضع آخر: لا أَحَدِّث به، وقد وَهِمَ الحكم بن موسى، في قوله: سليمان ابن داود، وقد حدثني محمد بن الوليد الدمشقي، أنه قرأه في أصل يحيى بن حمزة: ((سليمان بن أرقم))، وهكذا قال أبو زرعة الدمشقي: إنه الصواب، وتبعه صالح بن محمد جزرة، وأبو الحسن الهروي، وغيرهما. وقال جزرة: نا دُحَيم، قال: قرأت في كتاب يحيى بن حمزة، حديث عمرو بن حزم، فإذا هو: ((عن سليمان بن أرقم))، قال صالح: كتب هذه الحكاية عَنّي مسلم بن الحجاج. قال الحافظ: ويؤكد هذا ما رواه النسائي، عن الهيثم بن مروان، عن محمد بن بَكّار، عن يحيى بن حمزة، عن سليمان بن أرقم، عن الزهري، وقال: هذا أشبه بالصواب. وقال ابن حزم: صحيفة عمرو بن حزم منقطعة، لا تقوم بها حجة، وسليمان ابن داود متفق على تركه. وقال عبد الحق: سليمان بن داود هذا الذي يروي هذه النسخة، عن الزهري ضعيف، ويقال: إنه سليمان بن أرقم. وتعقبه ابن عدي، فقال: هذا خطأ، إنما هو سليمان بن داود، وقد جَوَّده الحكم بن ٤٦- (ذِكْرُ حَدِيثِ عَمْرو حَزْم فِي - حديث رقم ٤٨٥٥ ٠٠ ٢٩٣ موسی انتهى. وقال أبو زرعة: عرضته على أحمد، فقال: سليمان بن داود هذا ليس بشيء. وقال ابن حبان: سليمان بن داود اليمامي ضعيف، وسليمان بن داود الخولاني ثقة، وكلاهما يروي عن الزهري، والذي رَوَى حديث الصدقات هو الخولاني، فمن ضعفه، فإنما ظن أن الراوي له هو اليمامي. قال الحافظ: ولولا ما تقدم من أن الحكم بن موسى وَهِمَ في قوله سليمان بن داود، وإنما هو سليمان بن أرقم، لكان لكلام ابن حبان وجه. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لما ذا لا يكون الحديث من كليهما؟؛ فإن كلّ منهما ممن روى عن الزهريّ، فيحتمل أن يكون يحيى بن حمزة سمعه من سليمان بن داود، ومن سليمان بن أرقم، وكلاهما رواياه عن الزهريّ، فيكون صحيحًا من رواية ابن داود، ولذا صححه بعض المحدثين، كما نقله الحافظ بقوله : وصححه الحاكم، وابن حبان كما تقدم، والبيهقي، ونقل عن أحمد بن حنبل، أنه قال: أرجو أن يكون صحيحا، قال: وقد أثنى على سليمان بن داود الخولاني هذا أبو زرعة، وأبو حاتم، وعثمان بن سعيد، وجماعة من الحفاظ، قال الحاكم: وحدثني أبو أحمد الحسين بن علي، عن ابن أبي حاتم، عن أبيه، أنه سُئل عن حديث عمرو بن حزم؟ فقال: سليمان بن داود عندنا ممن لا بأس به. وقد صحح الحديث بالكتاب المذكور جماعة من الأئمة، لا من حيث الإسناد، بل من حيث الشهرة، فقال الشافعي في ((رسالته)): لم يقبلوا هذا الحديث، حتى ثبت عندهم أنه كتاب رسول اللّه وَّله. وقال ابن عبد البر: هذا كتاب مشهور عند أهل السير، معروف ما فيه عند أهل العلم، معرفةً يُستَغنى بشهرتها عن الإسناد؛ لأنه أشبه المتواتر في مجيئه؛ لتلقي الناس له بالقبول والمعرفة، قال: ويدل على شهرته ما رَوَى ابنُ وهب، عن مالك، عن الليث بن سعد، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، قال: وُجِد كتابٌ عند آل حزم، يذكرون أنه كتاب رسول اللَّه ◌َّر. وقال العقيلي: هذا حديث ثابت محفوظ، إلا أنا نَرَى أنه كتاب غير مسموع، عمن فوق الزهري. وقال يعقوب بن سفيان: لا أعلم في جميع الكتب المنقولة، كتابا أصح من كتاب عمرو بن حزم هذا، فإن أصحاب رسول اللّه وَلّه، والتابعين، يرجعون إليه، ويدعون رأيهم. وقال الحاكم: قد شهد عمر بن عبد العزيز، وإمام عصره الزهري، لهذا الكتاب بالصحة، ثم ساق ذلك بسنده إليهما. انتهى ((التلخيص الحبير)) ٤/ ٣٤-٣٦ . وقال الحافظ الزيلعيّ رحمه الله تعالى في كتابه («نصب الراية)) ٣٤١/٢-٣٤٢: قال ٢٩٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْقَسَامَةِ النسائي: وسليمان بن أرقم متروك. انتهى. ورواه عبد الرزاق في ((مصنفه)): أنبأ معمر، عن عبد الله بن أبي بكر به، وعن عبد الرزاق، رواه الدارقطني في ((سننه))، وأخرجه الدار قطني أيضا عن إسماعيل بن عياش، عن يحيى بن سعيد، عن أبي بكر به، ورواه كذلك ابن حبان في (صحيحه)) في ((النوع السابع والثلاثين)) من ((القسم الخامس))، والحاكم في ((المستدرك)) كلاهما عن سليمان بن داود، حدثني الزهري به، قال الحاكم: إسناده صحيح، وهو من قواعد الإسلام. انتهى. وقال ابن الجوزي رحمه اللَّه في ((التحقيق)): قال أحمد بن حنبل رضي الله عنه: كتاب عمرو ابن حزم في الصدقات صحيح، قال: وأحمد يشير بالصحة إلى هذه الرواية، لا لغيرها؛ لما سيأتي، وقال بعض الحفاظ من المتأخرين: ونسخة كتاب عمرو ابن حزم، تلقاها الأئمة الأربعة بالقبول، وهي متوارثة، كنسخة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وهي دائرة على سليمان بن أرقم، وسليمان بن أبي داود الخولاني، عن الزهري، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده، وكلاهما ضعيف، بل المرجح في روايتهما سليمان بن أرقم، وهو متروك، لكن قال الشافعي رضي الله عنه في ((الرسالة)): لم يقبلوه حتى ثبت عندهم أنه كتاب رسول اللَّه وَله، وقال أحمد رضي الله عنه: أرجو أن يكون هذا الحديث صحيحا. وقال يعقوب بن سفيان الفسوي: لا أعلم في جميع الكتب المنقولة أصح منه، كان أصحاب النبي وَل والتابعون يرجعون إليه، ويَدَعُون آراءهم. انتهى. ورواه البيهقي في ((سننه)) بسند ابن حبان، ثم قال: وقد أثنى جماعة من الحفاظ، على سليمان بن داود الخولاني، منهم أحمد بن حنبل، وأبو حاتم، وأبو زرعة الرازيان، وعثمان بن سعيد الدارمي، وابن عدي الحافظ، قال: وحديثه هذا يوافق رواية من رواه مرسلًا، ويوافق رواية من رواه من جهة أنس بن مالك، وغيره موصولًا. انتهى ((نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية)) ٣٤١/٢-٣٤٢ . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحاصل أن الحديث صحيحٌ، فإنه إن ثبتت رواية سليمان بن داود، -كما قاله كثيرون- فواضح، وإلا فهو مرسلٌ عضده تلقّي الأئمة بالقبول، فهو صحيحٌ بذلك. والله تعالى أعلم بالصواب. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له: هذا الحديث من أفراد المصنّف رحمه اللّه تعالى لم يُخرجه من أصحاب الأصول غيره، أخرجه هنا-٤٨٥٥/٤٦ و٤٨٥٦ و٤٨٥٧ و ٤٨٥٨ و٤٨٥٩ و٤٨٤٨/٤٤- وفي ((الكبرى)) ٧٠٤٨/٤٥ و٧٠٤٩ و٧٠٦٠ و٧٠٦١ و٧٠٦٢ و٧٠٥١/٤٣. وأخرجه ٤٦- (ذِكْرُ حَدِيثٍ عَمرو حَزْم فِى . - حديث رقم ٤٨٥٥ ٢٩٥ = مالك في ((الموطّا)) في ((كتاب العقول)) ٨٤٩/٢ و(الدارمي) في ((الديات)) ١٩٣/٢، وأبو داود في ((المراسيل)) والحاكم في ((المستدرك)) ٣٩٧/١ والبيهقيّ في ((سننه)) ٨/ ٧٣ و١٠٠ . والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان كتاب عمرو بن حزم رَّه، وبيان اختلاف الناقلين له، وقد أسلفت بيان ذلك في أول الباب. (ومنها): ما كان عليه النبي ◌ُّر من شدّة اهتمامه في تبليغ الأحكام إلى الأمة، فكان يُرسل أصحابه إلى البلدان النائية، ويولّيهم ليطّدوا الإسلام بين ربوعها. (ومنها): أن الإمام ينبغي له أن يكتب إلى رؤساء القبائل، والبلدان بما يريد أن يأمرهم به، حتى تسجيب رعيّتهم إذا استجابوا. (ومنها): أنه ينبغي تفخيم رئيس القوم، ووصفه بأحب الأصاف إليه، حتى لا يأنف من الدعوة، ويتكبّر عنها، فإنه بَّ وصفهم بأنهم قَيْلُ ذي رُعَين، ومَعَافِر، وهَمْدان، والقَيْلُ: هو المَلِكُ، كما سبق بيانه. (ومنها): جواز كتابة الحديث، وقد كان فيه خلاف بين السلف، ثم ارتفع، فصار مجمعًا عليه، وسبب الاختلاف ما أخرجه مسلم في ((صحيحه)) من حديث أبي سعيد الخدريّ ◌َنَّه، مرفوعًا: ((لا تكبوا عني شيئًا إلا القرآن، ومن كتب عني شيئًا غير القرآن، فليمحُه))، وقد أجاب عنه العلماء، كما أشار إلى ذلك السيوطيّ في ((ألفيّة الحديث))، حيث قال: كِتَابَةُ الْحَدِيثِ فِيهِ اخْتُلِفَا ثُمَّ الْجَوَازُ بَعْدُ إِجَاعًا وَفَا (لَاتَكْتُبُوا عَنِّيَ)) فَالْخُلْفُ نُمِي مُسْتَتَدُ الْمَتْعِ حَدِيثُ مُسْلِم وَآخَرُونَ عَلَّلُوا بِالْخَوْفِ فَبْعْضُهُمْ أَعَلّهُ بِالْوَقْفِ لِأَمْنِهِ وَقِيلَ ذَا لِمَنْ نَسَخْ مِنِ اخْتِلَاطِ بِالْقُرَانِ فَانْتَسَخْ الْكُلَّ فِي صَحِيفَةٍ وَقِيلَ بَلْ لَآَمِنِ نِسْيَانَهُ لَا ذِي خَلَلْ (ومنها): أن من قتل مؤنًا عمدًا، فالواجب عليه القصاص، إلا إذا رضي أولياء المقتول أن يأخذوا الدية، فلهم ذلك؛ تخفيفًا من الله سبحانه وتعالى على هذه الأمة، كما سبق بيانه مستوفّى. (ومنها): أن الأصل في دية قتل الخطإ مائة من الإبل، وما عداها من الذهب، وغيره فبدل عنها. (ومنها): وجوب الديات في الجراحات، والشجاج المذكورة في هذا الحديث، وسأذكرها، مع بيان أقوال أهل العلم، وأدلّتهم مفصّلة في المسائل التالية، إن شاء اللّه تعالى. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في الأنف إذا جُدع: ٢٩٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْقَسَامَةِ قال الموفّق رحمه الله تعالى في ((المغني)) ١١٩/١٢-١٢١: وفي الأنف الدية، إذا كان قطع مارنه، بغير خلاف بنيهم، حكاه ابن عبد البر، وابن المنذر عمن يحفظ عنه من أهل العلم، وفي كتاب عمرو بن حزم، عن النبي وََّ، أنه قال: ((وفي الأنف إذا أَوعب جدعًا الدية))، وفي رواية مالك في ((الموطإ)): ((إذا أُوعِي جدعًا- يعني إذا استوعب، واستؤصل))، ولأنه عضو فيه جمال ومنفعة، ليس في البدن منه إلا شيء واحد، فكانت فيه الدية كاللسان، وإنما الدية في مارنه، وهو ما لان منه، هكذا قال الخليل وغيره؛ لأنه يُروَى عن طاوس، أنه قال: كان في كتاب رسول اللَّه وَلّ: ((وفي الأنف إذا أوعب مارنه جدعًا الدية))، ولأن الذي يقطع فيه ذلك، فانصرف الخبر إليه، فإن قُطع بعضه ففيه بقدره من الدية، يُمسَح، ويعرف قدر ذلك منه، كما قلنا في الأذنين، وقد روي هذا عن عمر بن عبد العزيز، والشعبي، والشافعي، وإن قطع أحد المنخرين، ففيه ثلث الدية، وفي المنخرين ثلثاها، وفي الحاجز بينهما الثلث، قال أحمد: في الْوَتَرَةُ (١) الثلث، وفي الْخَرَمَةَ(٢) في كل واحدمنهما الثلث، وبهذا قال إسحاق، وهو أحد الوجهين لأصحاب الشافعي؛ لأن المارن يشتمل على ثلاثة أشياء من جنس، فتوزعت الدية على عددها، كسائر ما فيه عدد من جنس، من اليدين، والأصابع، والأجفان الأربعة. قال: وإن قطع المارن مع القصبة، ففيه الدية في قياس المذهب، وهذا مذهب مالك، ويحتمل أن تجب الدية في المارن، وحكومة في القصبة، وهذا مذهب الشافعي؛ لأن المارن وحده موجب للدية، فوجبت الحكومة في الزائدة، كما لو قطع القصبة وحدها، مع قطع لسانه. قال: ولنا قوله عليه السلام: ((في الأنف إذا أُوعب جدعا الدية))، ولأنه عضو واحد فلم يجب به أكثر من دية، كالذكر إذا قطع من أصله، وما ذكروه يبطل بهذا، ويفارق ما إذا قطع لسانه، وقصبته لأنهما عضوان، فلا تدخل دية أحدهما في الآخر، وأما العضو الواحد فلا يبعد أن يجب في جميعه ما يجب في بعضه، كالذكر يجب في حشفته الدية التي يجب في جميعه، وأصابع اليد يجب فيها ما يجب في اليد من الكوع، وكذلك أصابع الرجل، وفي الثدي كله مثلُ ما في حَلَمَته، فأما إن قطع الأنف وما تحته من اللحم، ففي اللحم حكومة؛ لأنه ليس من الأنف، فأشبه ما لو قطع الذكر واللحم الذي تحته. انتهى. - (١) الوترة بالتحريك: حجاب ما بين المنخرين. (٢) الخرمة: موضع الخرم من الأنف. ٢٩٧ ٤٦- (ذِكْرُ حَدِيثٍ عَمْرو خَزْم فِي ... - حديث رقم ٤٨٥٥ قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: عندي أن المذهب الأول هو الأرجح؛ لظاهر حديث عمرو بن حزم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في أقوال أهل العلم في اللسان إذا قُطع : قال ابن قدامة رحمه الله تعالى: أجمع أهل العلم على وجوب الدية في لسان الناطق، ورُوي ذلك عن أبي بكر، وعمر، وعلي، وابن مسعود رضي اللَّه عنهم، وبه قال أهل المدينة، وأهل الكوفة، وأصحاب الرأي، وأصحاب الحديث، وغيرهم، وفي كتاب النبي ◌َّر لعمرو بن حزم: ((وفي اللسان الدية))، ولأن فيه جمالا ومنفعة، فأشبه الأنف، فأما الجمال، فقد رُوي أن النبي ◌َّرَ، سئل عن الجمال؟، فقال: ((في اللسان))(١)، ويقال: جمال الرجل في لسانه، والمرء بأصغريه: قلبه، ولسانه، ويقال: ما الإنسان لولا اللسان، إلا صورة ممثلة، أو بهيمة مهملة، وأما النفع، فإن به تُبْلَغُ الأغراض، وتُستَخلَص الحقوق، وتُدُفُع الآفات، وتُقضَى به الحاجات، وتُتَمُّ العبادات في القراءة، والذكر، والشكر، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والتعليم، والدلالة على الحق المبين، والصراط المستقيم، وبه يَذوق الطعام، ويستعين في مضغه، وتقلیبه، وتنقية الفم، وتنظيفه، فهو أعظم الأعضاء نفعا، وأتمها جمالا، فإيجاب الدية في غيره تنبيه على إيجابها فيه، وإنما تجب الدية في لسان الناطق، فإن كان أخرس لم تجب فيه دية كاملة، بغير خلاف؛ لذهاب نفعه المقصود منه، كاليد الشلاء، والعين القائمة. انتهى كلام ابن قدامة، وهو بحث نفيس. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): في أقوال أهل العلم في دية الشفتين: قال الموفّق رحمه الله تعالى: لا خلاف بين أهل العلم، أن في الشفيتين الديةَ، وفي كتاب عمرو بن حزم، الذي كتبه له رسول اللَّه ◌َلّر: ((وفي الشفتين الدية))، ولأنهما عضوان ليس في البدن مثلهما، فيهما جمال ظاهر، ومنفعة كاملة، فإنهما طَبَقٌ على الفم، تقيانه مايؤذيه، ويستران الأسنان، ويردان الرِّيق، ويُنفَخ بهما، ويَتِم بهما الكلام، فإن فيهما بعض مخارج الحروف، فتجب فيهما الدية، كاليدين والرجلين، وظاهر المذهب أن في كل واحدة منهما نصف الدية، ورُوي هذا عن أبي بكر، وعلي رضي اللَّه عنهما، وإليه ذهب أكثر الفقهاء، ورُوي عن أحمد رحمه اللَّه رواية أخرى: أن في العُليا ثلث الدية، وفي السفلى الثلثين؛ لأن هذا يُروى عن زيد بن ثابت، وبه قال سعيد بن المسيب، والزهري، ولأن المنفعة بها أعظم؛ لأنها التي تدور، وتتحرك، وتحفظ الريق (١) أورده السيوطيّ في ((الجامع الكبير) ٤٠٣/١ وعزاه إلى ابن الأنباريّ. ويحتاج إلى النظر في سنده؟؟؟. ٢٩٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْقَسَامَةِ والطعام، والعليا ساكنة، لا حركة فيها. قال: ولنا قول أبي بكر، وعلي رضي اللَّه عنهما، ولأن كل شيئين وجبت فيهما الدية، وجب في أحدهما نصفها، كسائر الأعضاء، ولأن كل ذي عدد، وجبت فيه الدية، يُسَوَّى بين جميعه فيها، كالأصابع، والأسنان، ولا اعتبار بزيادة النفع؛ بدليل ما ذكرنا من الأصل. انتهى ((المغني)) ١٢٢/١٢-١٢٣. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الذي صححه ابن قدامة رحمه الله تعالى هو الذي يظهر لي ترجيحه؛ لوضوح حجته. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السابعة): في أقوال أهل العلم في دية الأنثيين: قال الموفّق رحمه الله تعالى: لا نعلم في هذا خلافا أن في الأنثيين الديةَ، وفي كتاب النبي ◌َّ لعمرو بن حزم: ((وفي البيضتين الديةُ))، ولأن فيهما الجمال والمنفعة، فإن النسل يكون بهما، فكانت فيهما الدية كاليدين، ورَوَى الزهري، عن سعيد بن المسيب، أنه قال: مضت السنة أنه في الصلب الدية، وفي الأنثيين الدية، وفي إحداهما نصف الدية، في قول أكثر أهل العلم. وحُكي عن سعيد بن المسيب: أن في اليسرى ثلثي الدية، وفي الثانية ثلثها؛ لأن نفع اليسرى أكثر؛ لأن النسل يكون بها. قال: ولنا أن ما وجبت الدية في شيئين منه، وجب في أحدهما نصفها كاليدين، وسائر الأعضاء، ولأنهما ذو عدد تجب فيه الدية، فاستوت ديتهما كالأصابع، وما ذكروه ينتقض بالأصابع، والأجفان، تستوي دياتها مع اختلاف نفعها، ثم يحتاج إلى إثبات ذلك الذي ذكره. انتهى («المغني)) ١٤٧/١٢-١٤٨. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: عندي أن ما ذهب إليه أكثر العلم من وجوب نصف الدية في واحدة من الأنثيين هو الأرجح؛ لظهور حجته. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثامنة): في اختلاف أهل العلم في دية الذكر: قال الموفّق رحمه اللّه تعالى: أجمع أهل العلم على أن في الذكر الدية، وفي كتاب النبي بَّ لعمرو بن حزم: ((وفي الذكر الديةُ))، ولأنه عضو واحد، فيه الجمال والمنفعة، فكملت فيه الدية، كالأنف، واللسان، وفي شَلَلِهِ ديته؛ لأنه ذهب بنفعه، فأشبه ما لو أشل لسانه، وتجب الدية في ذكر الصغير، والكبير، والشيخ، والشاب سواء، قدر على الجماع، أو لم يقدر، فأما ذكر الْعِنِين فأكثر أهل العلم على وجوب الدية؛ لعموم الحديث؛ ولأنه غير مأيوس من جماعه، وهو عضو سليم في نفسه، فكملت ديته، كذكر الشيخ. وذكر القاضي فيه عن أحمد روايتين: [إحداهما] تجب فيه ٤٦- (ذِكْرُ حَدِيثٍ عَمْرُو حَزْم فِي ... - حديث رقم ٤٨٥٥ ٢٩٩ = الدية؛ لذلك. [والثانية]: لا تكمل ديته، وهو مذهب قتادة؛ لأن منفعته الإنزال، والإحبال، والجماع، وقد عُدِم ذلك منه في حال الكمال، فلم تكمل ديته كالأشل، وبهذا فارق ذكر الصبي، والشيخ، واختلفت الرواية في ذَكَر الخصي، فعنه فيه دية كاملة، وهو قول سعيد بن عبد العزيز، والشافعي، وابن المنذر؛ للخبر، ولأن منفعة الذكر الجماع، وهو باق فيه. والثانية: لا تجب فيه، وهو قول مالك، والثوري، وأصحاب الرأي، وقتادة، وإسحاق؛ لما ذكرنا في ذكر العنين، ولأن المقصود منه تحصيل النسل، ولا يوجد ذلك منه، فلم يكمل ديته كالأشل، والجماع يذهب في الغالب، بدليل أن البهائم يذهب جماعها بخصائها، والفرق بين ذكر العنين، وذكر الخصي، أن الجماع في ذكر العنين أبعد منه في ذكر الخصي، واليأس من الإنزال متحقق، في ذكر الخصي، دون ذكر العنين، فعلى قولنا: لا تكمل الدية في ذكر الخصي. انتهى («المغني)) ١٤٦/١٢ - ١٤٧. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن القول بوجوب الدية الكاملة في الذكر، ولو كان لعنّين، أو خصيّ، هو الأرجح؛ لإطلاق قوله وَّير: ((وفي الذكر الدية)). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة التاسعة): في اختلاف أهل العلم في دية الصلب: قال الموفّق رحمه الله تعالى: وفي الصلب الدية، إذا كُسر فلم ينجبر، لما رُوي في كتاب النبي ◌َّ لعمرو بن حزم: ((وفي الصلب الدية))، وعن سعيد بن المسيب، أنه قال: ((مضت السنة أن في الصلب الدية))، وهذا ينصرف إلى سنة النبي وَّة، وممن قال بذلك: زيد بن ثابت، وعطاء، والحسن، والزهري، ومالك. وقال القاضي، وأصحاب الشافعي: ليس في كسر الصلب دية، إلا أن يذهب مشيه أو جماعه، فتجب الدية لتلك المنفعة؛ لأنه عضو لم تذهب منفعته، فلم تجب فيه دية كاملة، كسائر الأعضاء. قال: ولنا الخبر، ولأنه عضو ليس في البدن مثله، فيه جمال ومنفعة، فوجبت الدية فيه بمفرده، كالأنف. انتهى. ((المغني)) ١٤٤/١٢-١٤٥. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ما ذهب إليه الأولون من وجوب الدية في كسر الصلب، هو الأرجح عندي؛ لصحة حديث الباب. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة العاشرة): في اختلاف أهل العلم في دية اليدين: قال الموفّق رحمه اللّه تعالى: أجمع أهل العلم على وجوب الدية في اليدين، ١ ٣٠٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْقَسَامَةِ ووجوب نصفها في إحداهما، وروي عن معاذ بن جبل رضي الله عنه: أن النبي وَ لغيره، قال: ((وفي اليدين الدية، وفي الرجلين الدية))، أخرجه عبد الراق في ((مصنّفه)) ٩/ ٣٨٠، وفي كتاب النبي ◌َّ، لعمرو بن حزم: ((وفي اليد خمسون من الإبل))، ولأن فيهما جمالا ظاهرا، ومنفعة كاملة، وليس في البدن من جنسهما غيرهما، فكان فيهما الدیة، کالعینین. واليد التي تجب فيها الدية من الكوع؛ لأن اسم اليد عند الإطلاق ينصرف إليها، بدليل أن اللَّه تعالى لما قال: ﴿وَالسََّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَقْطَعُوْاْ أَبْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] كان الواجب قطعهما من الكوع، وكذلك التيمم يجب فيه مسح اليدين إلى الكوعين، فإن قطع يده من فوق الكوع، مثل أن يقطعها من المرفق، أو نصف الساعد، فليس عليه إلا دية اليد، نص عليه أحمد، في رواية أبي طالب، وهذا قول عطاء، وقتادة، والنخعي، وابن أبي ليلى، ومالك، وهو قول بعض أصحاب الشافعي، وظاهر مذهبه عند أصحابه: أنه يجب مع دية اليد حكومة لما زاد؛ لأن اسم اليد لها إلى الكوع، ولأن المنفعة المقصودة في اليد، من البطش، والأخذ، والدفع، بالكف، وما زاد تابع للكف، والدية تجب في قطعها من الكوع بغير خلاف، فتجب في الزائد حكومة، كما لو قطعه بعد قطع الكف، قال أبو الخطاب: وهذا قول القاضي. قال: ولنا إن اليد اسم للجميع إلى المنكب، بدليل قوله تعالى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦]، ولما نزلت آية التيمم، مسحت الصحابة إلى المناكب، وقال ثعلب: اليد إلى المنكب، وفي عرف الناس أن جميع ذلك يسمى يدا، فإذا قطعها من فوق الكوع، فما قطع إلا يدا، فلا يلزمه أكثر من ديتها، فأما قطعها في السرقة، فلأن المقصود يحصل به، وقطع بعض الشيء يسمى قطعا له، كما يقال قطع ثوبه، إذا قطع جانبا منه، وقولهم: إن الدية تجب في قطعها من الكوع، قلنا: وكذلك تجب بقطع الأصابع منفردة، ولا يجب بقطعها من الكوع أكثر مما يجب في قطع الأصابع، والذكر يجب في قطعه من أصله، مثل ما يجب بقطع حشفته، فأما إذا قطع اليد من الكوع، ثم قطعها من المرفق، وجب في المقطوع ثانيا حكومة؛ لأنه وجبت عليه دية اليد بالقطع الأول، فوجبت بالثاني حكومة، كما لو قطع الأصابع، ثم قطع الكف، أو قطع حشفة الذكر، ثم قطع بقيته، أو كما لو فعل ذلك اثنان. انتهى («المغني)) ١٣٨/١٢ -١٤٠. قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: عندي أن ما ذهب إليه الإمام أحمد رحمه اللّه تعالى من أنه إذا قطعهما من فوق الكوع، أو من المرفق، أو نصف الساعد تجب الدية فقط هو الأرجح؛ لظهور أدلته، كما حققه الموفّق رحمه الله تعالى آنفًا. والله تعالى أعلم