Indexed OCR Text
Pages 221-240
= ٢٢١ ٣٩- (بابُ دِيَةٍ جَنِينِ الْمَرْأَةِ) - حديث رقم ٤٨١٩ قال: اقتتلت امرأتان من هذيل، فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها، وما في بطنها، فاختصموا إلى رسول اللّه وَّله، فقضى رسول اللَّه وَ له، أن دية جنينها عبد أو أمة، وقضى بدية المرأة على عاقلتها، وورَّثها ولدها، ومن معهم))، متفق عليه. والغرة: عبد، أو أمة، سُميا بذلك لأنهما من أنفس الأموال، والأصل في الغرة الخيار. [فإن قيل]: فقد رُوي في هذا الخبر: ((أو فرس، أو بغل))؟. [قلنا]: هذا لا يثبت، رواه عيسى بن يونس، ووَهِمَ فيه، قاله أهل النقل، والحديث الصحيح المتفق عليه إنما فيه عبد أو أمة. قال: وإنما تجب الغرّة، إذا سقط من الضربة، ويعلم ذلك بأن يسقط عقيب الضرب، أو ببقائها متألمة إلى أن يسقط، ولو قتل حاملالم يسقط جنينها، أو ضَرَب مَن في جوفها حركة، أو انتفاخ، فسَكَّنَ الحركةَ، وأذهبهالم يضمن الجنين، وبهذا قال مالك، وقتادة، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وابن المنذر. وحُكي عن الزهري أن عليه الغرةَ؛ لأن الظاهر أنه قتل الجنين، فلزمته الغرة، كما لو أسقطت . وحجة الأولين أنه لا يثبت حكم الولد، إلا بخروجه، ولذلك لا تصح له وصية، ولا ميراث، ولأن الحركة يجوز أن تكون لريح في البطن سكنت، ولا يجب الضمان بالشك، فأما إذا ألقته ميتا، فقد تحقق، والظاهر تلفه من الضربة، فيجب ضمانه، سواء ألقته في حياتها، أو بعد موتها، وبهذا قال الشافعي، وأحمد؛ لأنه جنين تَلِف بجنايته، وعلم ذلك بخروجه، فوجب ضمانه، كما لو سقط في حياتها، ولأنه لو سقط حيا ضمنه، فكذلك إذا سقط ميتا، كما لو أسقطته في حياتها . وقال مالك، وأبو حنيفة: إن ألقته بعد موتها لم يضمنه؛ لأنه يجري مجرى أعضائها، وبموتها سقط حكم أعضائها . وتُعُقّب بأن هذا ليس بصحيح؛ لأنه لو كان كذلك، لكان إذا سقط ميتا ثم ماتت، لم يضمنه كأعضائها، ولأنه آدمي موروث فلا يدخل في ضمان أمه، كما لو خرج حيا. فأما إن ظهر بعضه من بطن أمه، ولم يخرج باقيه ففيه الغرة، وبه قال الشافعي، وأحمد؛ لأنه قاتل لجنينها، فلزمته الغرة، كما لو ظهر جميعه، ويفارق ما لو لم يظهر منه شيء؛ لأنه لم يتيقن قتله، ولا وجوده. وقال مالك، وابن المنذر: لا تجب الغرة حتى تلقيه؛ لأن النبي وَلّ إنما أوجب الغرة في الجنين الذي ألقته المرأة، وهذه لم تلق شيئا، فأشبه ما لو لم يظهر منه شيء. انتهى ((المغني)) بتصرّف، واختصار ١٢/ ٦٠-٦٣. والله تعالى أعلم ٢٢٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْقَسَامَةِ بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في المراد بالغرّة: قال الموفّق رحمه الله تعالى: ما ملخّصه: المراد بالغرة في قول أكثر أهل العلم: هو عبد، أو أمة. وقال عروة، وطاوس، ومجاهد: عبد، أو أمة، أو فرس؛ لأن الغرة اسم لذلك، وقد جاء في حديث أبي هريرة تَّه، قال: ((قضى رسول اللَّه ◌َلّر في الجنين بغرة: عبد، أو أمة، أو فرس، أو بغل))، وجعل ابن سيرين مكان الفرس مائة شاة، ونحوه، قال الشعبي: لأنه رُوي في حديث عن النبي بَّر، أنه جعل في ولدها مائة شاة، رواه أبو داود. ورُوي عن عبد الملك بن مروان، أنه قضى في الجنين، إذا أُمْلِص بعشرين دينارا، فإذا كان مضغة فأربعين، فإذا كان عظما فستين، فإذا كان العظم قد كُسي لحما فثمانين، فإن تم خلقه، وكُسي شعره فمائة دينار، وقال قتادة: إذا كان عَلَقَّة فثلث غرة، وإذا كان مضغة فثلثي غرة. وحجة الأولين قضاءُ رسول اللّه وَلّره في إملاص المرأة بعبد، أو أمة، وسنة رسول اللَّه وَ له قاضية على ما خالفها، وذكر الفرس والبغل في الحديث وَهَمْ، انفرد به عيسى ابن يونس عن سائر الرواة، فالظاهر أنه وَهِمَ فيه، وهو متروك في البغل بغير خلاف، وكذلك في الفرس. قال الموفّق: وهذا الحديث الذي ذكرناه أصح ما رُوي فيه، وهو متفق عليه، وقد قال به أكثر أهل العلم، فلا يلتفت إلى ما خالفه، وقول عبد الملك بن مروان تَمُم بتقدير لم يَرِد به الشرع، وكذلك قتادة، وقول رسول اللّه وَّرله أحق بالاتباع من قولهما. انتهى كلام الموفّق باختصار، وتصرّف («المغني)» ٦٤/١٢-٦٥. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي ذكره الموفّق رحمه الله تعالى، من ترجيح قول الجمهور في المراد بالغرّة، وأن تقدير الشارع هو الأحقّ بالاتباع، هو الصواب؛ لوضوح أدلّته، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): إذا ثبت ما تقدّم فإنه تلزمه الغرة، فإن أراد دفع بدلها، ورضي المدفوع إليه جاز؛ لأنه حق آدمي، فجاز ما تراضيا عليه، وأيهما امتنع من قبول البدل، فله ذلك؛ لأن الحق فيها، فلا يقبل بدلها إلا برضاهما، وتجب الغرة سالمة من العيوب، وإن قل العيب؛ لأنه حيوان وجب بالشرع فلم يقبل فيه المعيب، كالشاة في الزكاة؛ لأن الغرة الخيار؛ والمعيب ليس من الخيار، ولا يقبل فيها هَرِمة، ولا ضعيفة، ولا خُنثى، ولا خصي، وإن كثرت قيمته؛ لأن ذلك عيب، ولا يتقدر سنُّها عند أحمد، وأبي ٢٢٣ ٣٩- (بَأَبُ دِيَةٍ جَنِينِ المَرأةِ) - حديث رقم ٤٨١٩ حنيفة، وقال بعضهم: لا يقبل فيها من له دون سبع سنين، وهو مرويّ عن أصحاب الشافعي، وبعض الحنابلة؛ لأنه يحتاج إلى من يكفله له، ويحضنه، وليس من الخيار، وذكر بعض أصحاب الشافعي، أنه لا يقبل فيها غلام بلغ خمسة عشر سنة؛ لأنه لا يدخل على النساء، ولا ابنة عشرين؛ لأنها تتغير، قال الموفق: وهذا تَحكّم لم يرد الشرع به، فيجب أن لا يُقَبَل، وما ذكروه من الحاجة إلى الكفالة باطل بمن له فوق السبع، ولأن بلوغه قيمة الكبير مع صغره، يدل على أنه خيار، ولم يشهد لما ذكروه نَصِّ، ولا له نظير يقاس عليه، والشاب البالغ أكمل من الصبي عقلًا وبِنْيَةً، وأقدر على التصرف، وأنفع في الخدمة، وقضاء الحاجة، وكونُه لا يدخل على النساء، إن أريد به النساء الأجنبيات، فلا حاجة إلى دخوله عليهن، وإن أريد به سيدته فليس بصحيح؛ فإن الله تعالى قال: ﴿لِسْتَعْدِنِكُمُ الَّذِيْنَ مَلَكَتْ أَيْفَتِكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُواْ الْحُلُمَ مِنْكُرْ﴾ إلى قوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاٌ بَعْدَهُنُّ ◌َّفُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضِنَّ﴾ [النور: ٥٨]، ثم لولم يدخل على النساء لحصل من نفعه أضعاف ما يحصل من دخوله، وفوات شيء إلى ما هو أنفع منه لا يعد فواتا، كمن اشترى بدرهم ما يساوي عشرة، لا يعد فواتا، ولا خسرانا . ولا يعتبر لون الغرة؛ ولأن النبي وَلّ، قضى بعبد، أو أمة وأطلق، مع غلبة السواد على عبيدهم وإمائهم، ولأنه حيوان يجب ديةً فلم يعتبر لونه، كالإبل في الدية. وذُكر عن أبي عمرو بن العلاء: أن الغرة لا تكون إلا بيضاء، ولا يقبل عبد أسود، ولا جارية سوداء. انتهى ((المغني)) بتصرّف، واختصار ١٢ / ٦٤ - ٦٦ وهو بحث نفيس. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السابعة): قال الموفّق رحمه الله تعالى: ما حاصله: قيمة الغرة نصف عشر الدية، وهي خمس من الإبل، وروي ذلك عن عمر، وزيد رضي الله عنهما، وبه قال النخعي، والشعبي، وربيعة، وقتادة، ومالك، والشافعي، وإسحاق، وأصحاب الرأي، ولأن ذلك أقل ما قدره الشرع في الجنايات، وهو أرش الموضحة، ودية السن فرددناه إليه. [فإن قيل]: فقد وجب في الأنملة ثلاثة أبعرة وثلث، وذلك دون ما ذكرتموه. [قلنا]: الذي نص عليه صاحب الشريعة غرةً، قيمتها أرش الموضحة، وهو خمس من الإبل. انتهى ((المغني)) ٦٦/١٢ باختصار. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثامنة): في اختلاف أهل العلم في حكم الغرّة، هل يورث، أم لا؟: ذهبت طائفة إلى أن الغرة موروثة عن الجنين، كأنه سقط حيا؛ لأنها دية له، وبدل ٢٢٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْقَسَامَةِ عنه، فيرثها ورثته كما لو قتل بعد الولادة، وبهذا قال مالك، والشافعي، وأصحاب الرأي. وذهب الليث إلى أنه لا يورث، بل يكون بدلُهُ لأمه؛ لأنه كعضو من أعضائها، فأشبه يدها . وحجة الأولین أنها دية آدمي حر، فوجب أن تکون موروثة عنه، کما لو ولدته حیا، ثم مات، وقوله: إنه عضو من أعضائها لا يصح؛ لأنه لو كان عضوا لدخل بدلُهُ في دية أمه كيدها، ولَمَا مُنِع القصاص من أمه، وإقامة الحد عليها من أجله، ولما وجبت الكفارة بقتله، ولما صَحّ عتقه دونها، ولا عتقها دونه، ولا تَصَوُّرُ حياتِهِ بعد موتها، ولأن كل نفس تضمن بالدية، تورث كدية الحي. انتهى ((المغني)) ٦٧/١٢ بتصرّف، واختصار. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة التاسعة): فيما قاله أهل العلم فيما إذا كان الجنين أكثر من واحد: قال الموفّق رحمه الله تعالى: إذا ضرب بطن امرأة، فألقت أجنة، ففي كل واحدة غرة، وبهذا قال الزهري، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وابن المنذر، قال: ولا أحفظ عن غيرهم خلافهم، وذلك لأنه ضمان آدمي، فتعدد بتعدده كالديات، وإن ألقتهم أحياء، في وقت يعيشون في مثله، ثم ماتوا ففي كل واحدة دية كاملة، وإن كان بعضهم حيا فمات، وبعضهم ميتا ففي الحي دية، وفي الميت غرة. قاله في ((المغني)) وهو بحث نفيس. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة العاشرة): في اختلاف أهل العلم، هل تتحمل العاقلة دية الجنين، أم لا؟: قال الموفّق أيضًا: وتحمل العاقلة دية الجنين، إذا مات مع أمه، نَصَّ عليه أحمد، إذا كانت الجناية عليها خطأ، أو شبه عمد؛ لما رَوَى المغيرة بن شعبة تَّه: ((أن رسول اللَّه وَلّ، قضى في الجنين بغرة عبد، أو أمة، على عصبة القاتلة))، وإن كان قتل الأم عمدا، أو مات الجنين وحده لم تحمله العاقلة. وقال الشافعي: تحمله العاقلة على كل حال، بناء على قوله: إن العاقلة تحمل القليل والكثير، والجناية على الجنين ليست تعمد؛ لأنه لا يتحقق وجوده، ليكون مقصودا بالضرب. قال: ولنا أن العاقلة لا تحمل ما دون الثلث، على ما ذكرناه، وهذا دون الثلث، وإذا مات وحده، أو من جناية عمد فدية أمه على قاتلها، فكذلك ديته؛ لأن الجناية لا يحمل بعض ديتها الجاني، وبعضها غيره، فيكون الجميع على القاتل، كما لو قطع عمدا، فسرت الجناية إلى النفس. انتهى. ٢٢٥ = ٣٩- (بَأَبُ دِيَّةٍ جَنِينِ الْمَرْأَةِ) - حديث رقم ٤٨٢٠ قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: عند أن ما ذهب إليه الشافعيّ أرجح؛ لظهور ما ذكره من الحجة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٨٢٠- (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَّةَ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِيّ هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ قَالَ: اقْتَتَلَتِ امْرَ أَتَانٍ مِنْ هُذَّيْلٍ، فَرَمَتْ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى بِحَجَرٍ - وَذَكَرَ كَلِمَةٌ مَعْنَاهَا- فَقَتَلَتْهَا وَمَا فِي بَطْنِهَا، فَاخْتَصَمُوا إِلَى رَسُولِ اللّهِ وَ، فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ وَّةِ، أَنَّ دِيَةَ جَنِيِهَا غُرَّةٌ، عَبْدٌ، أَوْ وَلِيدَةٌ، وَقَضَى بِدِيَةِ الْمَرْأَةِ عَلَى عَاقِلَتِهَا، وَوَرَّثَهَا وَلَدَهَا وَمَنْ مَعَهُمْ، فَقَالَ حَمَلُ بْنُ مَالِكِ بْنِ النَّابِغَةِ الْهُذَلِيُّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ أُغَرَّمُ مَنْ لَا شَرِبَ وَلَا أَكَلِّ، وَلَا نَطَقَ وَلَا اسْتَهَلَّ؟، فَمِثْلُ ذَلِكَ يُطَلَّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((إِنَّمَا هَذَا مِنْ إِخْوَانٍ الْكُهَّانِ))، مِنْ أَجْلِ سَجْعِهِ الَّذِي سَجَعَ). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة . وقوله: ((فقتلتها، وما في بطنها))، وفي رواية للبخاريّ: ((فأصاب بطنها، وهي حامل))، في رواية: ((فخذفت، فأصاب قبلها))، ووقع في رواية حمل بن مالك: ((فضربت إحداهما الأخرى بمسطح))، وفي رواية عُبيد بن نُضيلة، عن المغيرة بن شعبة رَوّه الآتي آخر الباب قال: ((أن امرأة ضربت ضرتها بعمود فُسطاط، وهي حبلى، فقتلتها))، وكذا في حديث أبي المليح بن أسامة، عن أبيه: ((فضربت الْهُذلية بطن العامرية بعمود فسطاط، أو خباء))، وفي حديث عُوَيم: ((ضربتها بمسطح بيتها، وهي حامل)). أفاده في ((الفتح)) ١٤ / ٢٤٢. وقال النوويّ في ((شرح مسلم)): قوله: ((ضربتها بعمود فُسطاط))، هذا محمول على حجر صغير، وعمود صغير، لا يُقصد به القتل غالبا، فيكون شِبه عمد تجب فيه الدية على العاقلة، ولا يجب فيه قصاص، ولا دية على الجاني، وهذا مذهب الشافعي والجماهير. انتهى. وقوله: ((بحجر)): ولعلها رمتها بحجر، وعمود جميعًا. وقوله: ((أو وليدة))- بفتح الواو، وكسر اللام -: هي الأمة، وجمعها وَلائد. وقوله: ((وقضى بدية المرأة)): أي المقتولة. وقوله: ((على عاقلتها)): أي عاقلة القاتلة . وقال أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: قوله: ((وقضى بدية المرأة على عاقلتها)) فيه تلفيفٌ في الضمائر، أزالته الرواية الأخرى التي قال فيها: ((فجعل دية المقتولة على ٢٢٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْقَسَامَةِ عصبة القاتلة)). وقد احتجّ بظاهر الحديث من رأى أنه لا يُستقاد ممن قتل بمثقّل، وإنما عليه الدية، وهم الحنفيّة، ولا حجة لهم في ذلك؛ لما تقدّم من أن النبيّ وَلّ قد أقاد ممن قتل بحجر، كما تقدّم في حديث اليهوديّ، ولقوله تعالى: ﴿فَمَنِ أَعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَأَعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا أُعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]، والمماثلة بالمثقّل ممكنة، ولإمكان كون هذا القتل خطأ، أو شبه العمد، فاندفع القصاص بذلك، ولو سُلّم أنه كان عمدًا لكان ذلك برضا العصبة، وأولياء الدم، لا بالحكم، وكلّ ذلك محتملٌ، فلا حجة لهم فيه. وفيه ما يدلّ على أن العاقلة تحمل الدية، وقد أجمع المسلمون على أنها تحمل دية الخطإ، وما زاد على الثلث، واختلفوا في الثلث، فقال الزهريّ: الثلث، فدونه هو في مال الجاني، ولا تحمله العاقلة. وقال سعيد بن المسيب: الثلث فما زاد على العاقلة، وما دون الثلث في مال الجاني، وبه قال مالك، وعطاء، وعبد العزيز بن أبي سلمة، وأما ما دون الثلث فلا تحمله العاقلة عند من ذُكر، ولا عند أحمد. وقالت طائفة: عقل الخطإ على عاقلة الجاني، قلّت الجناية، أو كثرت، وهو قو الشافعيّ. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ما قاله الإمام الشافعيّ رحمه اللّه تعالى، من تحمل العاقلة عقل الخطإ مطلقًا هو الأرجح عندي؛ لإطلاق النصوص الواردة في ذلك. والله تعالى أعلم. قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: [فإن قيل]: كيف ألزم العاقلة الدية، والقتل عمدٌ، والعاقلة لا تعقل عمدًا، ولا صلحًا، ولا اعترافًا؟. [فالجواب]: أن هذا الحديث خرّجه النسائيّ ٤٧٤١/١١-من حديث حمل بن مالك رَّه، وقال فيه: ((قضى رسول اللّه وَ لهفي جنينها بغرّة، وأن تُقتل بها))، وهو طريقٌ صحيح، وهذا نصّ في أنه قضى بالقصاص من القاتلة، بخلاف الأحاديث المتقدّمة، فإن فيها: أنه قضى على العاقلة بالدية. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: في تصحيحه الحديث على الإطلاق، نظر، فإن هذه الزيادة، وهي قوله: ((وأن تُقتل المرأة)) غير صحيحة، كما سبق بيان ذلك في ١١/ ٤٧٤١ وسيأتي أيضًا في الباب التالي، إن شاء اللَّه تعالى. ووجه التلفيق، وبه يحصل الجواب على التحقيق: أن رسول اللَّه ◌َ ل قضى بقتل القاتلة أوّلًا، ثم إن العصبة، والألياء اصطلحوا، عن أن التزم العصبة الدية، ويعفو الألياء، فقضى النبيّ وَلّ بالدية على العصبة، لَمّا التزموها. والله تعالى أعلم. انتهى (المفهم)) ٦٥/٥ -٦٧ . = ٢٢٧ ٣٩- (بَابُ دِيَةٍ جَنِينِ الْمَرْأَةِ) - حديث رقم ٤٨٢٠ قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الذي قاله القرطبيّ من كون قتل هذه المرأة عمدًا، وأن القصاص كان واجبًا، إلا أن أنهم اصطلحوا على الدية، وهو مقتضى ما مشى عليه المصنّف في ((باب قتل المرأة بالمرأة)) ٤٧٤١/١١ حيث استدلّ بالحديث على مشروعيّة قتل المرأة إذا قتلت امرأة عمدًا، لكنه خالف ذلك في الباب التالي حيث استدلّ بالحديث على أن هذا من شبه العمد، وليس عمدًا، وأن الواجب فيه الدية على العاقلة، وهذا هو الحقّ؛ لأن زيادة ((وأن تُقتل المرأة)) غير صحيحة، وأحاديث أبي هريرة، والمغيرة بن شعبة رضي الله تعالى عنهما، على خلافها، كما سيأتي تمام البحث فيه هناك، إن شاء اللّه تعالى. والله تعالى أعلم. وقوله: ((ووزّثها ولدها، ومن معهم))، وفي رواية: ((وورّثها عصبتها، ومن معهم)) : قال القرطبيّ: أعاد الضمير الأول على الدية، والثاني على المقتولة، وعَنَى بالعصبة: بنيها، وبمن معهم من الزوج، ولم يُختلف في أن الزوج يرث هنا من دية زوجته فرضه، وإن كانوا قد اختلفوا فيه، هل يرث من دية الجنين؟. والدية موروثة على الفرائض، سواء كانت عن خطإ، أو عن عمد تعذّر فيه القوَد، والذي يبيّن الحقّ في هذا الباب حديثان خرّجهما الترمذيّ: [أحدهما] ٢١١٠: عن سعيد بن المسيّب، قال: قال عمر رَّ: الدية على العاقلة، ولا ترث المرأة من زوجها شيئًا، فأخبره الضحاك بن سفيان الكلابيّ رَمّه أن رسول اللّه وَ ل كتب إليه: أن ورِث امرأة أَشيم الضّبابيّ من دية زوجها، وقال: هذا حديث حسن صحيح. [وثانيهما] ٢١١١: عن سعيد بن المسيّب، عن أبي هريرة ◌َّه: أن رسول اللَّه وَله قضى في جنين امرأة من بني لحيان، سقط ميتًا، بغرّة: عبد، أو أمة، ثم إن المرأة التي قضى عليها بغرّة توفّيت، فقضى رسول اللَّه وَ لّر بأن ميراثها لبنيها وزوجها، وأن عقلها على عصبتها)). ثم حيث وجبت الدية على العاقلة، فلا تؤخذ منهم حالّةً، بل منجّمةً في ثلاث سنين، وهو قول عامّة أهل العلم من السلف والخلف، وتوزَّعُ على الأحرار البالغين الأغنياء الذكور، فلا تؤخذ من عبد، ولا من صبيّ، ولا من امرأة، ولا من فقير بالإجماع، على ما حكاه ابن المنذر. واختلفوا في قدر ما يُوزّع على من يُطالب بها، فقال الشافعيّ من كثر ماله أُخذ منه نصف دينار، ومن كان دونه ربع دينار، لا ينقص منه، ولا يُزاد عليه. وحكَى أبو ثور عن مالك أنه قال: على كلّ رجل ربع دينار، وبه قال أبو ثور. وقال أحمد: يحملون ٢٢٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْقَسَامَةِ بقدر ما يُطيقون. وقال أصحاب الرأي: ثلاثة دراهم، أو أربعة. قال القرطبيّ: والقول ما قاله أحمد، فإن التحديد يحتاج إلى شرع جديد. انتهى ((المفهم)) ٦٧/٥-٦٨. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله القرطبيّ من ترجيح مذهب أحمد رحمهما الله تعالى في تحميل العاقلة بقدر الطاقة، هو الحقّ؛ لإطلاق النصوص. والله تعالى أعلم. وقوله: ((وورّثها ولدها)): بتشديد الراء: قال السنديّ: والظاهر أن الضمير للقاتلة، بناء على أنها ماتت بعد ذلك أيضًا. انتهى. قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذا الذي قاله السنديّ غير بعيد من ظاهر السياق، لكن تقدّم في كلام النوويّ ما يدلّ على أن الصواب أن الضمير للمرأة المجنيّ عليها، لا للجانية، فتأمّل. والله تعالى أعلم. وقوله: ((فقال حمَلُ بن مالك الْهُذَليّ الخ)): ((حمل))- بفتح الحاء المهملة، والميم. وهو هذليّ من قبيلة القاتلة، ولحيان فخذ من هُذيل، ولذلك صدق أن يقال على القاتلة أنها هذليّة، لحيانيّة، ولحيان يقال: بفتح اللام، وكسرها. قاله في ((المفهم)) ٦٥/٥. وقوله: ((ولا استهلّ)): أي ولا صاح عند الولادة؛ ليُعرف به أنه مات بعد أن كان حیّا . وقوله: ((فمثل ذلك يُطَلُّ)): قال النوويّ رحمه اللّه تعالى: رُوى في (الصحيحين))، وغيرهما بوجهين: [أحدهما]: يُطلّ- بضم الياء المثناة، وتشديد اللام -: ومعناه: يُهُدَر، ويُلغَى، ولا يُضمَن. [والثاني]: (بَطَلَ))- بفتح الباء الموحدة، وتخفيف اللام- على أنه فعل ماض، من البطلان، وهو بمعنى الْمُلغَى أيضا، وأكثر نسخ بلادنا بالمثناة، ونقل القاضي أن جمهور الرواة في ((صحيح مسلم)) ضبطوه بالموحدة، قال أهل اللغة: يقال: طُلَّ دمُهُ- بضم الطاء، وأَطِلّ: أي أهدر، وأطله الحاكم، وطَلَّه: أهدره، وجوز بعضهم طَلَّ دَمُهُ- بفتح الطاء في اللازم، وأباها الأكثرون. وقوله وَّ: ((إنما هذا من إخوان الكُهّان، من أجل سجعه الذي سجع))، وفي الرواية الأخرى: ((سَجْعٌ كسجع الأعراب)»: قال النوويّ: قال العلماء: إنما ذم سجعه لوجهين: [أحدهما]: أنه عارض به حكم الشرع، ورام إبطاله. [والثاني]: أنه تكلفه في مخاطبته، وهذان الوجهان من السجع مذمومان، وأما السجع الذي كان النبي ◌ُّل يقوله في بعض الأوقات، وهو مشهور في ٢٢٩ ٣٩- (بَأَبُ دِيَةٍ جَنِين المرأةِ) - حديث رقم ٤٨٢٠ الحدیث، فليس من هذا؛ لأنه لا یعارض به حكم الشرع، ولا یتکلفه، فلا نهی فیه، بل هو حسن، ويؤيد ما ذكرنا من التأويل، قوله وَله: ((كسجع الأعراب))، فأشار إلى أن بعض السجع هو المذموم. والله أعلم. انتهى ((شرح مسلم)) ١٧٨/١١. وقال في ((الفتح))- عند قوله: ((فقال حمل بن النابغة الخ)) -: وفي رواية عبد الرحمن ابن خالد: «فقال ولي المرأة التي غُرُّمت: كيف أغرم يا رسول اللّه، من لاشرب ولا أكل، ولا نطق ولا استهل، فمثل ذلك يُطَلّ، فقال النبي ◌َّر: إنما هذا من إخوان الكهان))، وفي مرسل سعيد بن المسيب عند مالك: ((قضى في الجنين يُقتَل في بطن أمه، بغرة: عبد، أو وليدة))، وفي رواية الليث، من طريق سعيد، الموصولة نحوه عند الترمذي، ولكن قال: ((إن هذا ليقول بقول شاعر، بل فيه غرة))، وفيه: ((ثم إن المرأة التي قضي عليها بالغرة توفيت، فقضى رسول اللّه وَ لّ بأن ميراثها لبنيها وزوجها، وأن العقل على عصبتها))، وفي رواية عكرمة، عن ابن عباس: ((فقال عمها: إنها قد أسقطت غلاما، قد نبت شعره، فقال أبو القاتلة: إنه كاذب، إنه والله ما استهل، ولا شرب ولا أكل، فمثله يُطَلّ، فقال النبي بَّر: أسجع كسجع الجاهلية، وكهانتها؟))، وفي رواية عُبيد بن نُضَيلة، عن المغيرة ◌َّه: ((فجعل رسول اللّه ◌َلهدية المقتولة على عصبة القاتلة، وغرّةً لما فيه بطنها، فقال رجل من عصبة القاتلة: أنغرم من لا أكل))، وفي آخره: ((أسجع كسجع الأعراب، وجعل عليهم الدية))، وفي حديث عويم، عند الطبراني: ((فقال أخوها، العلاء بن مسروح: يا رسول الله، أنغرم من لا شرب، ولا أكل، ولا نطق ولا استهل، فمثل هذا يطل، فقال: أسجع كسجع الجاهلية»، ونحوه عند أبي يعلى، من حديث جابر، لكن قال: ((فقالت عاقلة القاتلة))، وعند البيهقي، من حديث أسامة بن عمير: ((فقال أبوها: إنما يعقلها بنوها، فاختصموا إلى رسول اللَّه وَل، فقال: الدية على العصبة، وفي الجنين غرة، فقال: ما وُضع فحل، ولا صاح فاستهل، فأبطله فمثله يطل)). قال الحافظ: وبهذا يجمع الاختلاف، فيكون كل من أبيها وأخيها وزوجها قالوا ذلك؛ لأنهم كلهم من عصبتها، بخلاف المقتولة، فان في حديث أسامة بن عمير أن المقتولة عامرية، والقاتلة هذلية، ووقع في رواية أسامة، فقال: ((دعني من أراجيز الأعراب))، وفي لفظ: ((أسجاعة بك؟))، وفي آخر: ((أسجع كسجع الجاهلية؟، قيل : يا رسول اللَّه، إنه شاعر))، وفي لفظ: ((لسنا من أساجيع الجاهلية في شيء))، وفيه: فقال: إن لها ولدا هم سادة الحي، وهم أحق أن يعقلوا عن أمهم، قال: بل أنت أحق أن تعقل عن أختك من ولدها، فقال مالي شيء: قال حمل: وهو يومئذ على صدقات هذيل، ٢٣٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْقَسَامَةِ وهو زوج المرأة، وأبو الجنين، أقبض من صدقات هذيل))، أخرجه البيهقي، وفي رواية ابن أبي عاصم: ((ما له عبد، أو أمة، قال عشر من الإبل، قالوا: ما له من شيء، إلا أن تعينه من صدقة بني لحيان، فأعانه بها، فسعى حمل عليها حتى استوفاها»، وفي حديثه عند الحارث بن أبي أسامة: ((فقضى أن الدية على عاقلة القاتلة، وفي الجنين غرة: عبد، أو أمة، أوعشر من الإبل، أو مائة شاة)). انتهى ((فتح)) ١٤ / ٢٤٢ - ٢٤٤. والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق تمام البحث فيه في الحديث الماضي، فلا تغفل. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل . ٤٨٢١- (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَّمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً: ((أَنَّ امْرَأَتَيْنِ مِنْ هُذَيْلِ، فِي زَمَانِ رَسُوَّلِ اللَّهِ نَّهِ رَمَتْ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى، فَطَرَحَتْ جَنِينَهَا، فَقَضَى فِيهِ رَسُولُ اللّهِ ◌ِّهِ، بِغُرَّةٍ: عَبْدٍ، أَوْ وَلِيدَةٍ»). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق شرحه، وبيان مسائله قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٨٢٢- (قَالَ الْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةَ عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنَ سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيَّبِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ◌ِّرِ، قَضَى فِي الْجَنِينِ، يُقْتَلُ فِي بَطْنَ أُمِّهِ، بِغُرَّةٍ: عَبْدٍ، أَوْ وَلِيدَةٍ، فَقَالَ الَّذِي قَضَى عَلَيْهِ: كَيْفَ أَغَرَّمُ مَنْ لَاَ شَرِبَ، وَلَا أَكَلَ، وَلَا اسْتَهَلَّ، وَلَا نَطَقَ؟، فَمِثْلُ ذَلِكَ يُطَلَّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِّ: ((إِنَّمَا هَذَا مِنَ الْكُهَّانِ))). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: ((ابن القاسم)): هو عبد الرحمن الْعُتَقيّ الفقيه المصريّ. و((مالك)): هو ابن أنس إمام دار الهجرة. وقوله: ((من الْكُهَان))- بضمّ الكاف، وتشديد الهاء -: جمع كاهن، اسم فاعل من کھن له، کمنع، ونصر، وکرُم، گھانة بالفتح، وتکھّن تکھُنا: قضی له بالغيب، فهو كاهنٌ، ويُجمع على كَهَنَّة، وحرفته الكِهانة بالكسر. قاله في ((القاموس)). وفي رواية: ((إنما هذا من إخوان الْكُّان))، قال القرطبيّ: فسّره الراوي بقوله: ((من أجل سجعه)) يعني أنه تشبّه بالكهّان، فسجع كما يسجعون، حين يُخبرون عن المغيّبات، كما قد ذكر ابن إسحاق من سجع شِقّ، وسَطيح، وغيرهما، وهي عادة مستمرّةٌ في الكهان. وقيل: إنما أنكر النبيّ وَلّر ذلك السجع؛ لأنه جاء به في مقابلة حكم الله، مستبعدًا له، ولا يذمّ من حيث السجع؛ لأن النبيّ بَّر قد تكلّم بكلام يشبه السجع في غير ما موضع. وقيل: إنما أنكر عليه تكلّف الأسجاع على طرق الكهّان، ٢٣١ ٣٩- (بَأَبُ دِيَةٍ جَنِينِ الْمَرْأةً) - حديث رقم ٤٨٢٣ = وحُوشية(١) الأعراب، وليس بسجع فصحاء العرب، ولا على على مقاطعها. قال القرطبيّ: وهذا القول الأخير إنما يصحّ أن يقال على قوله وقال: ((أسجع كسجع الأعراب؟))، لا على قوله: ((إنما هذا من إخوان الكهّان))، فتأمله. انتهى ((المفهم)) ٥٪ ٦٤-٦٥ . والحديث مرسل صحيحٌ بما سبقه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٨٢٣- (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَلَفٌ -وَهُوَ ابْنُ تَمِيم - قَالَ: حَدَّثَنَا زَائِدَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ نُضَيْلَةَ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شَعْبَةَ: أَنَّ امْرَأَةً ضَرَبَتْ ضَرَّتَهَا بِعَمُودِ فُسْطَاطِ، فَقَتَلَتْهَا، وَهِيَ خُبْلَى، فَأَتِيَ فِيهَا النَِّيُّ ◌َّهِ، فَقَضَى رَسُولُ اللّهِ وَ، عَلَى عَصَبَةِ الْقَاتِلَةِ بِالدِّيَّةِ، وَفِي الْجَنِينِ غُرَّةً، فَقَالَ عَصَبَتُهَا: أَدِي مَنْ لَا طَعِمَ، وَلَا شَرِبَ، وَلَا صَاحَ فَاسْتَهَلَّ، فَمِثْلُ هَذَا يُطَلُّ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((أَسَجْعٌ كَسَجْعِ الْأَعْرَابِ»). رجال هذا الإسناد : سبعة : ١- (عليّ بن محمد بن عليّ) بن أبي الْمَضَاء الْمِصْيصيّ القاضي، ثقة [١١] ٨٣/ ٢٤١٥ من أفراد المصنّف. ٢- (خلف بن تميم) بن أبي عتّاب أبو عبد الرحمن الكوفيّ، نزيل المِصّيصة، صدوقٌ عابدٌ [٩] ٢٤١٥/٨٣ من أفراد المصنّف، وابن ماجه. ٣- (زائدة) بن قُدامة الثقفيّ، أبو الصلت الكوفيّ، ثقة ثبتٌ، صاحب سنّة [٧] ٧٤] ٩١ . ٤- (منصور) بن المعتمر أبو عتّاب الكوفي، ثقة ثقة ثبت [٦] ٢/٢. ٥- (إبراهيم) بن يزيد بن قيس النخعيّ، أبو عمران الكوفي، ثقة فقيه، يرسل كثيرً ا ٢٩/ ٣٣ . ٦- (عُبيد بن نُضَيلة)- بالتصغير فيهما-، ويقال: ابن نَضْلَة- بفتح النون، وسكون العجمة- الْخُزاعيّ، أبو معاوية الكوفيّ المقرىء، ثقة [٣]. رَوَى عن ابن مسعود، والمغيرة بن شعبة، وسليمان بن صرد، وقرأ القرآن على علقمة، ورَوَى عنه، وعن مسروق، وعَبِيدة السلماني. وعنه إبراهيم النخعي، وأشعث ابن سليم، والحسن الْعُرَني، وحمران بن أعين، وقرأ عليه. قال العجلي: كوفي تابعي (١) ذكر في ((القاموس)) من معاني الْحُوشيّ)) بالضمّ: الغامض من الكلام، ولعله المراد هنا، والله تعالى أعلم .. ٢٣٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْقَسَامَةِ ثقة، كان مُقرئ أهل الكوفة في زمانه. وقال النسائي: ثقة. وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وذكره أبو أحمد العسكري في ((الصحابة))، ثم قال: وليس يصح سماعه، وأكبر ظني أنه مرسل. وقال أبو نعيم الحافظ في ((المعرفة)): مختلف في صحبته. وذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من أهل الكوفة، وقال: رَوَى عن علي في الفريضة، وقيل: إنه قرأ على عبد الله، ثم قرأ على علقمة. وذكره ابن حزم في ((كتاب طبقات القراء)) في الطبقة الأولى من أهل الكوفة، مع أبي عمرو الشيباني، وأبي عبد الرحمن السُّلَمي، وتميم بن حَذْلَم، وأبي ميسرة، عمرو بن شرحبيل، والحارث بن قيس، وهذيل بن شُرَحبيل، وقال: كل هؤلاء أخذ القراءة عن ابن مسعود، وأدركوا كلهم النبي ◌َّر، إلا أنهم لم يلقوه. وفي ((كتاب الكني)) للنسائي، عن ابن سيرين، قال: ذكرت لأبي معاوية، عُبيد بن نُضيلة، وقال عاصم بن بهدلة: كان والله قارئا للقرآن. وقال ابن حبان في (الثقات)): عُبيد بن نَضْلَة، وقد قيل: عُبيد بن نُضيلة، وقال: مات في ولاية بشر بن مروان على العراق، سنة أربع وسبعين. وقال خليفة: مات في ولاية بشر بن مروان سنة (٣) أو (٧٤)، وقال ابن سعد: كان ثقة، قليل الحديث. روى له مسلم، والأربعة، وله عند المصنّف في هذا الكتاب هذا الحديث، كرّره ست مرّات، برقم ٤٨٢٣ و٤٨٢٤ و٤٨٢٥ و٤٨٢٦ و٤٨٢٧ و٤٨٢٨ . وقال في ((التهذيب)): له في الكتب حديثان. ٧- (المغيرة بن شعبة) بن مسعود بن مُعَتِّب الثقفيّ الصحابيّ المشهور، أسلم رَظريه قبل الحديبية، ووليَ إِمْرة البصرة، ثم الكوفة، مات ◌َظاليه سنة (٥٠هـ) على الصحيح، تقدّمت ترجمته في ١٧/١٦ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سباعيات المصنف رحمه اللَّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخ المصنف، فإنه من أفراده، وخلف بن تميم، فإنه من أفراده، وابن ماجه. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه، فمصيصيّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ) رضي اللَّه تعالى عنه (أَنَّ امْرَأَةً ضَرَبَتْ ضَرَّتُها) بفتح الضاد المعجمة، وتشديد الراء: قال أهل اللغة: كل واحدة من زوجتي الرجل ضَرَّةٌ للأخرى، سميت بذلك لحصول الْمُضَارَّة بينهما في العادة، تَضَرَّر كل واحدة بالأخرى. قاله ٣٩- (بَأَبُ دِيَّةٍ جَنِينِ الْمَزْأَةِ) - حديث رقم ٤٨٢٣ ٢٣٣ النوويّ في ((شرح مسلم)). وقال الفيّوميّ: ضرّة المرأة: امرأة زوجها، والجمع ضَرّات على القياس، وسُمع ضَرَائر، وكأنها جمع ضَرِيرة، مثلُ كَرِيمة وكرائم، ولا يكاد يوجد لها نَظير، ورجلٌ مُضِرّ: ذو ضَرَائر، وامرأة مُضِرّ أيضًا: لها ضرائر، وهو اسم فاعل من أضرّ: إذا تزوّج على ضَرّ. انتهى. (بِعَمُودِ فُسْطَاطِ) ((العَمُود))- بفتح العين -: الخشبة القائمة في وسط الخِباء، والجمع أَعمِدةٌ، وعُمُدٌ- بضمتين- والعَمَد- بفتحتين- اسم للجمع. أفاده في ((اللسان)). و((الفُسطاط))- بضمّ الفاء، وكسرها -: بيتٌ من الشَّعْر، والجمع فَسَاطيط. قاله في ((المصباح)). وفي رواية أخرى: ((بحجر))، ولا تعارض بينهما؛ إذ يحتمل أن تكون جمعت ذلك عليها، فأخبر أحد الراويين بإحدى الآلتين، والثاني بلأخرى. قاله في ((المفهم)) ٥٪ ٥٩- ٦٠ (فَقَتَلَتْهَا، وَهِيَ حُبْلَى) وفي رواية: ((فقتلتها، وما في بطنها)): قال القرطبيّ: ظاهر العطف بالفاء أن القتل وقع عقب الضرب، وليس كذلك؛ لما في رواية سعيد بن المسيّب، عن أبي هريرة رَبّه، قال: ((إن رسول اللّه وَ لّقضى في جنين امرأة، من بني لحيان، سقط ميتًا، بغرّة: عبد، أو وليدة، ثم إن المرأة تُوفّيت))، متّفقٌ عليه، وتقدّم للمصنّف قبل ثلاثة أحاديث ٤٨١٩ . قال: وهذا في تأخّر موتها عن وقت الضرب، وفي هذه الرواية أيضًا بيان أن الجنين خرج ميتًا، والأُولى محتملةٌ لأن يكون خرج، ولأن يكون لم يخرُج، لكنه مات، وبينهما فرقٌ، فإنه إذا مات في بطنها، ولم يخرج، فلا شيء فيه عند كافّة العلماء؛ لأنه لم تتحقّق حياته، ولأنه كالعضو منها، ولم ينفصل عنها، فلا شيء فيه. وأجمع أهل العلم على أن في الجنين الذي يسقط من ضرب أمه حيّا، ثم يموت الدية كاملةً في الخطإ، وفي العمد بعد القسامة، وقيل: بغير قسامة، لكن اختلفوا فيما به تُعلم حياته . وقد اتفقوا على أنه إذا استُهلّ صارخًا، أو ارتضع، أو تنفّس نفَسًا مُحقّقًا حيٍّ، فيه الدية كاملة. واختلفوا فيما إذا تحرّك، فقال الشافعيّ، وأبو حنيفة: حركته تدلّ على حياته. وقال مالك: لا، إلا أن يقارنها طول إقامة، وسببه اختلاف شهادة الحركة في الوجود للحياة. انتهى ((المفهم)) ٦٠/٥ . (فَأَتِيَ) بالبناء للمفعول (فِيهَا) أي بسببها (النَِّيُّ) بالرفع على أنه نائب فاعل ((أُتي)) (وَِّ، فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ نَّهِ، عَلَى عَصَبَةِ الْقَاتِلَةِ بِالدِّيَّةِ، وَفِي الْجَنِينِ غُرَّةً) قال القرطبيّ : وهذا نصّ في أن الغرّة تقوم بها العاقلة، وبه قال الكوفيّون، والشافعيّ، وهو أحد قولي مالك. وقيل: على الجاني، وهو المشهور من قول مالك، وقاله أهل البصرة. ٢٣٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْقَسَامَةِ واختلفوا، هل تلزمه الكفّارة مع الغرّة، أم لا؟، قولان: الأول لمالك. انتهى. (فَقَالَ عَصَبَتُهَا: أَدِي) مضارع وَدَى القاتل القتيل، من باب ضرب: إذا أعطى وليّه المال الذي هو بدل النفس (مَنْ لَا طَعِمَ) بكسر العين المهملة، من باب تَعِب (وَلَا شَرِبَ) بكسر الراء، بوزن سابقه (وَلَا صَاحَ) أي رفع صوته عند الولادة (فَاسْتَهَلَّ) أي فيقال: إنه استهلّ، ولا بُدّ من تقدير مثل ذلك، والاستهلال هو الصياح عند الولادة، فلا يصحّ أن يُعطف عليه بالفاء، فيُتأمّل. قاله السنديّ (فَمِثْلُ هَذَا يُطَلُّ) مبتدأ وخبر، أي مثل هذا الجنين الذي سقط ميتًا يُدر دمه، ولا يستحقّ الضمان (فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((أَسَجْعٌ كَسَجْعِ الْأَعْرَابِ) الهمزة للاستفهام الإنكاريّ، و((سجعٌ)) بالرفع خبر لمقدّر: أي أي أهذا سجعَ مثلُ سجع الأعرابِ؟. والسجع- بفتح، فسكون: الكلام المقَفَّى، أو موالاة الكلام على رويّ، جمعه أَسجاعْ، كالأُسجوعة بالضمّ، جمعه أَساجيع، وكمنع: نطق بكلام له فواصل، فهو سجّاعةٌ، وسجعت الحمامة: ردّدت صوتها، فهي ساجعةٌ، وسجوعٌ. قاله في ((القاموس)). [تنبيه]: أخرج الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى حديث المغيرة بن شعبة رَّ هذا في (صحيحه)) من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عنه، ولفظه في ((الديات)): ٦٥٠٩ - حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا وهيب، حدثنا هشام، عن أبيه، عن المغيرة بن شعبة، عن عمر رضي الله عنه: أنه استشارهم في إملاص المرأة، فقال المغيرة: ((قضى النبي ◌َّ بالغرة، عبد: أو أمة، فشهد محمد بن مسلمة، أنه شهد النبي گلی* قضى به)). ٦٥١٠ - حدثنا عبيد الله بن موسى، عن هشام، عن أبيه، أن عمر نَشَدَ الناس، من سمع النبي ◌َّ، قضى في السقط؟ فقال المغيرة: أنا سمعته قضى فيه بغرة: عبد، أو أمة، قال: انت بمن يشهد معك على هذا، فقال محمد بن مسلمة: أنا أشهد على النبي وَالر بمثل هذا. ولفظه في ((في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنّة)): ٧٣١٧ - حدثنا محمد أخبرنا أبو معاوية، حدثنا هشام، عن أبيه، عن المغيرة بن شعبة، قال: سأل عمر بن الخطاب، عن إملاص المرأة، وهي التي يُضرب بطنها، فتُلقِي جنينا؟ فقال: أيكم سمع من النبي وَّر فيه شيئا؟ فقلت: أنا، فقال: ما هو؟ قلت: سمعت النبي وَيم يقول: ((فيه غرة: عبدٌ، أو أمة))، فقال: لا تَبْرَح حتى تجيثني بالمخرج فيما قلت، فخرجت، فوجدت محمد بن مسلمة، فجئت به، فشهد معي أنه سمع النبي وَّة، يقول: ((فيه غرة: عبدٌ، أو أمةٌ)). ٢٣٥ == ٣٩- (بَأَبُ دِيَةٍ جَنِين المَرأةً) - حديث رقم ٤٨٢٣ قال في ((الفتح)): قوله: ((في إملاص المرأة)) في رواية البخاريّ في ((الاعتصام)) من طريق أبي معاوية، عن هشام، عن أبيه، عن المغيرة: ((سأل عمر بن الخطاب في إملاص المرأة، وهي التي تُضرب بطنها، فتلقي جنينها، فقال: أيُّكم سمع من النبي ◌ِّه فيه شيئا))، وهذا التفسير أخص، من قول أهل اللغة: إن الإملاص أن تُزلِقَه المرأة قبل الولادة، أي قبل حين الولادة، هكذا نقله أبو داود في (السنن)) عن أبي عبيد، وهو كذلك في ((الغريب)) له، وقال الخليل: أملصت المرأة، والناقة: إذا رمت ولدها. وقال ابن القطاع: أملصت الحامل: ألقت ولدها. ووقع في بعض الروايات: ((ملاص)) بغير ألف، كأنه اسم فعل الولد، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، أو اسم لتلك الولادة، كالْخِدَاج. ووقع عند الإسماعيلي من رواية ابن جريج، عن هشام، قال هشام: الملاص للجنين، وهذا يتخرج أيضا على الحذف، وقال صاحب ((البارع)): الإملاص: الإسقاط، وإذا قبضت على شيء، فسقط من يدك، تقول: أملص من يدي إملاصا، وملص ملصا. وقوله: ((فشهد محمد بن مسلمة، أنه شهد النبي (وَ لّ قضى به))، كذا في رواية وهيب مختصرا، وفي رواية ابن عيينة: ((فقال عمر: من يشهد معك، فقام محمد، فشهد بذلك))، وفي رواية وكيع: ((فقال ائتني بمن يشهد معك، فجاء محمد بن مسلمة، فشهد له))، وفي رواية أبي معاوية: ((فقال: لا تبرح حتى تجيء بالمخرج مما قلت، قال: فخرجت، فوجدت محمد بن مسلمة، فجئت به، فشهد معي، أنه سمع النبي رَّ، قضى به)). انتهى ((فتح)) ٢٤٥/١٤-٢٤٦. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته : حديث المغيرة بن شعبة رَّ بهذا السياق متفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٤٨٢٣/٣٩ و٤٨٢٤/٤٠ و٤٨٢٥ و٤٨٢٦ و٤٨٢٧ و ٤٨٢٨ و٤٨٢٩- وفي ((الكبرى)) ٧٠٢٥/٣٨ و٣٩ ٧٠٢٦ و٧٠٢٧ و٧٠٢٨ و٧٠٢٩ و٧٠٣٠ و٧٠٣١. وأخرجه (خ) في ((الديات)) ٦٩٠٥ و٦٩٠٦ و٦٩٠٧ و((الاعتصام)» ٧٣١٧ (م) في ((القسامة)) ١٦٨٢ و١٦٨٣ (د) في ((الديات)) ٤٥٦٨ و٤٥٧٠ (ت) في ((الديات)) ١٤١١ (ق) في ((الديات)) ٢٦٣٣ و٢٦٤٠ (أحمد) في ((مسند الكوفيين)) ١٧٦٧٠ و١٧٦٧١ و١٧٦٧٢ ١٧٧٤٨ (الدارمي) في ((المقدّمة)) ٦٤٠ و((الديات)) ٢٢٧٤. والله تعالى أعلم. ٢٣٦ = شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْقَسَامَةِ (المسألة الثالثة): في فوائده(١): (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان وجوب دية جنين المرأة، إذا سقط ميتًا . قال الإمام ابن دقيق العيد رحمه اللَّه تعالى: الحديث أصل في إثبات دية الجنين، وأن الواجب فيه غرة، إما عبد، وإما أمة، وذلك إذا ألقته ميتا بسبب الجناية، وتَصَرَّف الفقهاءُ بالتقييد في سن الغرة، وليس ذلك من مقتضى الحديث، كما تقدم. (ومنها): أن في استشارة عمر رَّه في ذلك أصل في سؤال الإمام عن الحكم، إذا كان لا يعلمه، أو كان عنده شك، أو أراد الاستثبات. (ومنها): أن فيه أن الوقائع الخاصة قد تَخَفَى على الأكابر، ويعلمها من دونهم، وفي ذلك رَدِّ على المقلد، إذا استُدِلَّ عليه بخبر يخالفه، فيُجِيب لو كان صحيحا لعلمه فلان مثلا، فان ذلك إذا جاز خفاؤه عن مثل عمر تظلّه ، فخفاؤه عن من بعده أجوز. (ومنها): أنه قد تعلق بقول عمر رضي لتأتين بمن يشهد معك، مَن يَرَى اعتبار العدد في الرواية، ويَشتَرِط أنه لا يُقبل أقل من اثنين، كما في غالب الشهادات، وهو ضعيف، كما قال ابن دقيق العيد، فإنه قد ثبت قبول الفرد في عدة مواطن، وطلب العدد في صورة جزئية، لا يدل على اعتباره في كل واقعة؛ لجواز المانع الخاص بتلك الصورة، أو وجود سبب يقتضي التثبت، وزيادةً الاستظهار، ولا سيما إذا قامت قرينة، وقريب من هذا قصة عمر رَّه مع أبي موسى ◌َّه في الاستئذان، وقد صرح عمر ◌َّه في قصة أبي موسى ◌َطّه بأنه أراد الاستثبات. (ومنها): أن قوله: ((في إملاص المرأة)) أصرح في وجوب الانفصال ميتا، من قوله في حديث أبي هريرة ◌َّه: ((قضى في الجنين))، وقد شرط الفقهاء في وجوب الغرة انفصال الجنين ميتا بسبب الجناية، فلو انفصل حيا، ثم مات وجب فيه القوَدُ، أو الدية كاملة، ولو ماتت الأم، ولم ينفصل الجنين، لم يجب شيء عند الشافعية؛ لعدم تيقن وجود الجنين، وعلى هذا هل المعتبر نفس الانفصال، أو تحقق حصول الجنين، فيه وجهان: أصحهما الثاني، ويظهر أثره فيما لو قُدَّت نصفين، أو شق بطنها، فشوهد الجنين، وأما (٢) إذا خرج رأس الجنين مثلا بعد ما ضرب، وماتت الأم، ولم ينفصل. قال ابن دقيق العيد: ويحتاج من قال ذلك إلى تأويل الرواية، وحملها على أنه (١) ليس المراد فوائد سياق المصنّف فقط، بل ما يعمّ الروايات التي أوردتها في الشرح، فتنبه. (٢) هكذا نسخة ((الفتح))، والظاهر أنه معطوف على ما قبله، وأن نصه هكذا: أو خرج رأس الجنين الخ، فليُحرّر، والله تعالى أعلم. ٣٩- (بَابُ دِيَّةٍ جَنِينِ الْمَرْأَةِ) - حديث رقم ٤٨٢٣ ٢٣٧ = انفصل، وان لم يكن في اللفظ ما يدل عليه. قال الحافظ: وقع في حديث ابن عباس عند أبي داود: ((فأسقطت غلاما، قد نبت شعره ميتا))، فهذا صريح في الانفصال، ووقع مجموع ذلك في حديث الزهري، ففي رواية عبد الرحمن بن خالد بن مسافر الماضية في ((الطب)): ((فأصاب بطنها، وهي حامل، فقتل ولدها في بطنها))، وفي رواية مالك في هذا الباب: ((فطرحت جنينها)). (ومنها): أنه استُدلَّ به على أن الحكم المذكور خاص بولد الحرة؛ لأن القصة وردت في ذلك، وقوله: ((في إملاص المرأة))، وان كان فيه عموم، لكن الراوي ذكر أنه شهد واقعة مخصوصة، وقد تصرف الفقهاء في ذلك، فقال الشافعية: الواجب في جنين الأمة عشر قيمة أمه، كما أن الواجب في جنين الحرة عشر ديتها. (ومنها): أنه استُدلّ به أيضًا على أن الحكم المذكور خاص بمن يُحكّم بإسلامه، ولم يتعرض لجنين محكوم بتهوده، أو تنصره، ومن الفقهاء من قاسه على الجنين المحكوم بإسلامه تبعا، وليس هذا من الحديث. (ومنها): أن فيه أن القتل المذكور لا يجري مجرى العمد. (ومنها): أنه استُدِلّ به على ذم السجع في الكلام، ومحل الكراهة، إذا كان ظاهر التكلف، وكذا لو كان منسجما، لكنه في إبطال حق، أو تحقيق باطل، فأما لو كان منسجما، وهو في حق، أو مباح، فلا كراهة، بل ربما كان في بعضه ما يستحب، مثل أن يكون فيه إذعان مخالف للطاعة، كما وقع لمثل القاضي الفاضل(١) في بعض رسائله، أو إقلاعٌ عن معصية، كما وقع لمثل أبي الفرج ابن الجوزي، في بعض مواعظه، وعلى هذا يُحمل ما جاء عن النبي ◌َّ، وكذا من غيره من السلف الصالح. قال الحافظ: والذي يظهر لي، أن الذي جاء من ذلك عن النبي وَّ، لم يكن عن قصد إلى التسجيع، وإنما جاء اتفاقا؛ لعظم بلاغته، وأما من بعده فقد يكون كذلك، وقد يكون عن قصد، وهو الغالب، ومراتبهم في ذلك متفاوتة جدا. ذكره في ((الفتح)) ٢٤٦/١٤-٢٤٧ . (ومنها): ما قاله ابن بطال رحمه الله تعالى: لا يجوز للقاضي الحكم إلا بعد طلب حكم الحادثة من الكتاب، أو السنة، فإن عَدِمه رجع إلى الإجماع، فان لم يجده، نظر هل يصح الحمل على بعض الأحكام المقررة، لعلة تجمع بينهما، فإن وجد ذلك لزمه القياس عليها، إلا إن عارضتها علة أخرى، فيلزمه الترجيح، فإن لم يجد علة، استدل (١) لم أهتد لمعرفته، فالله تعالى أعلم. ٢٣٨ E شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْقَسَامَةِ بشواهد الأصول، وغلبة الاشتباه، فإن لم يتوجه له شيء من ذلك، رجع إلى حكم العقل، قال: هذا قول ابن الطيب -يعني أبا بكر الباقلاني- ثم أشار إلى إنكار كلامه الأخير بقوله تعالى: ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِى الْكِتَبِ مِن شَىْءٍ﴾ الآية: [الأنعام: ٣٨]، وقد علم الجميع بأن النصوص، لم تحط بجميع الحوادث، فعرفنا أن اللَّه قد أبان حكمها، بغير طريق النص، وهو القياس، ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُوْنَهُ مِنْهُمُّ﴾ الآية [النساء: ٨٣]؛ لأن الاستنباط هو الاستخراج، وهو بالقياس؛ لأن النص ظاهر، ثم ذكر في الرد على منكري القياس، وألزمهم التناقض؛ لأن من أصلهم إذا لم يوجد النص الرجوع إلى الإجماع، قال: فيلزمهم أن يأتوا بالإجماع على ترك القول بالقياس، ولا سبيل لهم إلى ذلك، فوضح أن القياس إنما ينكر، إذا استُعمل مع وجود النص، أو الإجماع، لا عند فقد النص والإجماع. وبالله التوفيق. ذكره في)) الفتح)) في ((كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة)) ٢٣٤/١٥ رقم ٧٣١٧ . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنیب)) . ٤٠- (صِفَةُ شِبْهِ الْعَمْدِ، وَعَلَى مَنْ دِيَةُ الأَجِنَّةِ، وَشِبْهِ الْعَمْدِ؟) أي هذا باب ذكر الأحاديث الدالة على صفة شبه العمد، وعلى أي شخص تجب دية الأجنّة، ودية شبه العمد. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ظاهر صنيع المصنف رحمه الله تعالى هذا يقتضي أنه يرى أن قتل هذه المرأة، وجنينها المذكور في حديث الباب من قسم شبه العمد، لا من العمد، وهذا مخالف لما سبق له من الاحتجاج به على وجوب القصاص في باب ((قتل المرأة بالمرأة)) ١١/ ٤٧٤١ - والذي يظهر لي أن ما هنا هو الأصحّ؛ لأن زيادة: ((وأن تُقتل بها)) لم ترو إلا من رواية ابن جريج، عن عمرو بن دينار، وخالف سفيان بن عيينة، فلم يذكرها، قال المنذريّ في ((مختصر السنن)): قوله: ((وأن تُقتل)) لم يُذكر في غير هذه الرواية، وقد روي عن ابن دينار أنه شكّ في قتل المرأة بالمرأة. انتهى. ٢٣٩ ٤٠- (صِفةُ شِيهِ الْعَمْدِ، وَعَلَى مَنْ دِيَةُ ... - حديث رقم ٤٨٢٤ والحاصل أن هذه الزيادة غير ثابتة؛ لأمور: [أحدها]: أن ابن جريج خالف ابن عيينة في ذكرها، وابن عيينة أثبت منه، كما نصّ على ذلك أحمد، وابن معين، وابن المدينيّ، وأبو حاتم رحمهم الله تعالى، كما أوضح ذلك الحافظ ابن رجب رحمه اللّه تعالى في ((شرح علل الترمذيّ)) ص٢٧٤ . وقد أشرت إلى ذلك في ((ألفية العلل))، حيث قلت: وَابْنُ عُيَيْئَةَ بِعَمْرٍو أَعْلَمُ كَمَا بِهِ جُلُّ الْوُعَاةِ حَكَمُوا [ثانيها]: أنه اختلف فيه على ابن جريج، فقد راوه بعضهم عنه، ولم يذكرها، كما ذكر ذلك ابن بطّال عن بعض شيوخه، في كلامه الآتي، إن شاء اللّه تعالى. [ثالثها]: أن عمرو بن دينار كان يشك في قتل المرأة بالمرأة، فلو كان الرواية ثابتةً لما شكّ فيه. [رابعها]: أن هذه القصّة رويت في (الصحيحين))، وفي غيرهما من طرق مختلفة، وليس في شيء منها ذكر قتل المرأة أصلًا، كما أشار إليه المنذريّ رحمه الله تعالى، فدلّ ذلك كله على أن الزيادة غير ثابتة . فتبيّن بهذا أن الصواب أن قتل المرأة المذكورة في حديث الباب من نوع شبه العمد، لا من العمد، وأن استدلال المصنّف به على ما ترجم له هنا هو الصواب، بخلاف ما سبق له من الاحتجاج به على وجوب القصاص في قتل المرأة بالمرأة، وقد سبق بيان ذلك في ١١/ ٤٧٤١- بحمد الله تعالى، والله تعالى أعلم بالصواب. وأما قوله: (وَذِكْرِ اخْتِلَافِ أَلْفَاظِ النَّاقِينَ لِخَبَرِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ نُضَيْلَةَ، عَنِ الْمُغِيرَةِ رَلَّه ). فوجه ذلك أنه اختلف على إبراهيم النخعيّ، فرواه منصور بن المعتمر عنه، عن عُبيد ابن نُضيلة، عن المغيرة ◌َّ موصولًا، وخالفه الأعمش، فرواه عنه، قال: ضربت امرأة ضرّتها بحجر، وهي حُبلى، فقتلتها، فجعل رسول اللّه وَّر ما في بطنها غرّة ... الحديث، فجعله مرسلًا، ولكن هذا الاختلاف لا يضرّ في صحّة الحديث؛ لأن منصورًا ثقة ثبت حافظ، فترجح روايته على رواية الأعمش، ولهذا أخرجها مسلم في ((صحيحه)). والله تعالى أعلم بالصواب. ٤٨٢٤- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ نُضَيْلَةَ الْخُزَاعِيّ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، قَالَ: ضَرَبَتِ امْرَأَةٌ ضَرَّتَهَا بِعَمُودٍ الْفُسْطَاطِ، وَهِيَ حُبْلَى، فَقَتَلَتْهَا، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهَ دِيَّةَ الْمَقْتُولَةِ عَلَى عَصَبَةِ الْقَاتِلَةِ، وَغُرَّةَ لِمَا فِي بَطْنِهَا، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ عَصَبَةِ الْقَاتِلَةِ: أَنَغْرَمُ دِيَّةً مَنْ لَا أَكَلْ، وَلَا شَرِبَ، وَلَا ٢٤٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْقَسَامَةِ اسْتَهَلَّ، فَمِثْلُ ذَلِكَ يُطَلَّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ: ((أَسَجْعْ كَسَجْع الْأَعْرَابِ، فَجَعَلَ عَلَيْهِمُ الدِّيَةَ))). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((محمد بن قُدامة)): هو ابن أعين الهاشميّ مولاهم الْمِصْيصيّ، ثقة [١٠] ١٩/ ٥٢٨ من أفراد المصنّف، وأبي داود. و((جرير)): هو ابن عبد الحميد. و((منصور)): هو ابن العتمر. و((إبراهيم)): هو ابن يزيد النخعيّ. وقوله: ((فقال رجل الخ)): تقدّم في حديث أبي هريرة ◌َظّه أنه حمل بن مالك وقوله: ((أنغرم)) يحتمل أن يكون بفتح الراء، مضارع غَرِم، يقال: غَرِمتُ الدينَ، وغيره أغرَمُ، من باب تعِبَ، غُرْمًا بالضمّ، ومَغْرمًا بالفتح، وغرامة بالفتح أيضًا: إذا أذّته، ويحتمل أن يكون بتشديدها، مبنيًّا للمفعول. والحديث متفقٌ عليه، وتقدّم شرحه، وبيان مسائله في الحديث الذي قبله، وقد سبق آنفًا أن استدلال المصنّف به علی ما ترجم له هنا صحیح، بخلاف استدلاله به علی سبق له في باب ٤٧٤١/١١- ((قتل المرأة بالمرأة»، وذلك أن الحديث فيه بيان صفة شبه العمد، وأن ديته، ودية الجنين على عصبة القاتلة . قال الإمام ابن بطّال رحمه الله تعالى في ((شرح البخاريّ)): وفي هذا الحديث حجة لمن أوجب دية شبه العمد على العاقلة، وهو قول الثوريّ، والكوفيين، والشافعيّ، قالوا: من قتل إنسانًا بعضًى، أو حجر، أو شبهه، مما يمكن أن يموت به القتيل، ويمكن ألا يموت، فمات من ذلك أن فيه الدية على عاقلة القاتل، كما حكم النبيّ رَيه في هذا القضيّة بدية المرأة على عاقلة القاتلة، قالوا: وهذا شبه العمد، والدية مغلّظة، ولا قَوَد فيه. وأنكر مالك، والليث شبه العمد، وقال مالك: هو باطلٌ، فكلّ ما عُمد به القتل، فهو عمدٌ، وفيه القوّد، والحجة لهم ما روى أبو عاصم النبيل، عن ابن جريج، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عبّاس، عن عمر : أنه نشد الناس ما قضى به رسول اللّه وَ له في الجنين، فقام حمل بن مالك ◌َّيه، فقال: كنت بين امرأتين، فضربت إحداهما الأخرى بمسطح، فقتلتها، وجنينها، فقضى رسول اللّه وَ له في جنينها بغرّة، وأن تُقتل المرأة)). قالوا: وهذا مذهب عمر بن الخطّاب وَنَّه ، روي عنه أنه قال: يعمد أحدكم، فيضرب أخاه بمثل أكلة اللحم- قال الحجاج -: يعني العصا، ثم يقول: لا قود عليّ، لا أوتى بأحد فعل ذلك، إلا أقدته. قال ابن بطال: فسألت بعض شيوخي عن حديث ابن جريج، عن عمرو بن دينار،