Indexed OCR Text
Pages 61-80
= ٦١ ١٦- (القِصَاصُ فِي السِّنْ) - حديث رقم ٤٧٥٧ وقال أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: ما حاصله: ولَمّا فهِم أنس بن النضر - على ما في الرواية الآتية، أو أم الربيع على في هذه الرواية- لزوم القصاص، عظم عليه أن تكسر ثنية الجانية، فبذلوا الأرش، فلم يرضَ أولياء المجنيّ عليها به، فكُلِّم أهلها في ذلك، فأَبَوا، فلما رأى امتناعهم من ذلك، وأن القصاص قد تعيّن، قال: ((أيُقتصّ من فلانة؟، والله لا يُقتصّ منها))، ثقةً منه بفضل الله تعالى، وتعويلا عليه في كشف تلك الكربة، لا أنه ردَّ حكم الله تعالى، وعائده، بل هو منزه عن ذلك؛ لما عُلم من فضله، وعظيم قدره، وبشهادة النبيّ وَّ بما له عند الله تعالى من المنزلة، وهذا التأويل أولى من تأويل من قال: إن ذلك القسم كان منه على جهة الرغبة للنبيّ وَّر، أو للأولياء؛ لأن النبيّ وَّ قد أنكر ذلك عليه بقوله: ((سبحان اللّه، كتاب اللَّه القصاص))، ولو كان رغبةً لَمّا أنكره، وأيضًا فإن النبيّ وَّ قد سمّاه قَسَمًا، وأخبر أنه قسمٌ على اللَّه، وأن الله تعالى قد أبرّه فيه؛ لَمَّا قال: ((إن من عباد الله من لو أقسم على اللَّه لأبرّه)). انتهى ((المفهم)) ٣٦/٥ . (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((سُبْحَانَ اللَّهِ) تعجبًا من تأكيد نفيها القصاص بالحلف، ولفظ (أبدًا)) (يَا أُمَّ الرَّبِيعِ الْقِصَاصُ كِتَابُ اللَّهِ) وفي الرواية الآتية: ((يا أنس كتاب القصاص))، قال في ((الفتح)) : اختلف في ضبط: ((كتاب الله القصاص)): فالمشهور أنهما مرفوعان، على أنهما مبتدأ وخبر، وقيل: منصوبان على أنه مما وضع فيه المصدر موضع الفعل: أي كَتَبَ اللَّهُ القصاصَ، أو نصب ((كتاب اللَّه)) على الإغراء، و((القصاصَ)) بدل منه، فينصب، أو ينصب بفعل محذوف، ويجوز رفعه، بأن يكون خبر مبتدأ محذوف. واختُلف أيضا في المعنى، فقيل: المراد حُكم كتاب اللَّه القصاص، فهو على تقدير حذف مضاف، وقيل: المراد بالكتاب الحكم: أي حكم اللّه القصاص، وقيل: أشار به إلى قوله: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصُ﴾ [المائدة: ٤٥]، وقيل: إلى قوله: ﴿فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦]، وقيل: إلى قوله: ﴿وَأُلْسِنَّ بِلسِنٍ﴾ في قوله: ﴿وَكَبَّنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا﴾ [المائدة: ٤٥]، بناءً على أن شرع من قبلنا شرع لنا، ما لم يرد في شرعنا ما يرفعه. انتهى . (قَالَتْ: لَا وَاللَّهِ لَا يُقْتَصُ مِنْهَا أَبَدًا، فَمَا زَالَتْ) أي في ترديد كلامها المذكور مرّةً بعد أخرى (حَتَّى قَبِلُوا) بكسر الباء الموحّدة (الدِّيَةَ، قَالَ) أي النبيّ ◌َّه وفي رواية مسلم: ((فقال رسول اللَّه وَلَ (إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ، مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ) أي متوكّلًا عليه في حصول المحلوف عليه (لَأَبَرَّهُ) أي: لا يحنثه في يمينه؛ لكرامته عليه. والله تعالى أعلم = ٦٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْقَسَامَةِ بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أنس رَطّ هذا أخرجه مسلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-١٦/ ٤٧٥٧- وفي ((الكبرى)) ٦٩٥٧/١٥. وأخرجه (م) في ((القسامة)) ١٦٧٥ . والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان وجوب القصاص في السنّ، قال النوويّ: (ومنها): وهو مجمع عليه، إذا قلعها كلها، فإن كسر بعضها، ففيه، وفي كسر سائر العظام خلاف مشهور للعلماء، والأكثرون على أنه لا قصاص. انتهى ((شرح مسلم)) ١١/ ١٦٥. وسيأتي بيان اختلاف العلماء فيه في المسألة التالية، إن شاء الله تعالى. (ومنها): جواز الحلف فيما يظنه الإنسان. (ومنها): جواز الثناء على من لا يخاف الفتنة بذلك. (ومنها): استحباب العفو عن القصاص. (ومنها): استحباب الشفاعة في العفو. (ومنها): أن الخِيَّرَة في القصاص والدية إلى مستحقه، لا إلى المستَحَقّ عليه. (ومنها): إثبات القصاص بين الرجل والمرأة، وفيه ثلاثة مذاهب: [أحدها]: مذهب عطاء والحسن: أنه لا قصاص بينهما في نفس، ولا طرف، بل تتعين دية الجناية؛ تعلقا بقوله تعالى: ﴿وَالْأُنثَى ◌ِآلْأُنْنَى﴾ [البقرة: ١٧٨]. [الثاني]: وهو مذهب جماهير العلماء من الصحابة والتابعين، فمن بعدهم ثبوت القصاص بينهما في النفس، وفيما دونها، مما يقبل القصاص، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ الآية [المائدة: ٤٥]، وهذا وإن كان شرعًا لمن قبلنا، وفي الاحتجاج به خلاف مشهور للأصوليين، فإنما الخلاف إذا لم يَرِد شرعنا بتقريره، وموافقته، فإن ورد کان شرعا لنا بلا خلاف، وقد ورد شرعنا بتقريره في حديث أنس تنظيم هذا. والله أعلم. [والثالث]: وهو مذهب أبي حنيفة، وأصحابه: يجب القصاص بين الرجال والنساء في النفس، ولا يجب فيما دونها. (ومنها): أن فيه إثبات كرامات الأولياء. (ومنها): إثبات القصاص بين النساء في الجرحات، وفي الأسنان. (ومنها): جواز الصلح على الدية، وجريان القصاص في كسر السن، ومحله فيما إذا أمكن التماثل، بأن يكون المكسور مضبوطا، فيبرد من سن الجاني ما يقابله بالْمِبْرَد مثلا، قال أبو داود في ((السنن)): قلت لأحمد: كيف؟ فقال: ٦٣ ١٦- (القِصَاصُ فِي السِّنّ) - حديث رقم ٤٧٥٧ يُبرد، ومنهم من حمل الكسر في هذا الحديث على القلع، وهو بعيد من هذا السياق. قاله في ((الفتح)) ٢١٤/١٤. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في أقوال أهل العلم في القصاص بالسنّ: قال الموفّق رحمه اللّه تعالى: أجمع أهل العلم على القصاص في السن؛ للآية، وحديث الرُّبَيِّع، ولأن القصاص فيها ممكن؛ لأنها محدودة في نفسها، فوجب فيها القصاص، كالعين، وتؤخذ الصحيحة بالصحيحة، وتؤخذ المكسورة بالصحيحة؛ لأنه يأخذ بعض حقه، وهل يأخذ مع القصاص أرش الباقي فيه وجهان. قال: ولا يُقتَصّ إلا من سنّ من أَثْغَر: أي سقطتِ رَوَاضعه، ثم نبتت، يقال لمن سقطت رواضعه: ثُغِرَ، فهو مثغور، فإذا نبتت قيل: أَثْغَر، واثَّغَرَ، لغتان، وإن قُلِع سن من لم يُثُغِر، لم يُقْتَصَّ من الجاني في الحال، وهذا قول مالك، والشافعي، وأصحاب الرأي؛ لأنها تعود بحكم العادة، فلا يقتص منها، كالشعر، ثم إن عاد بدل السن في محلها مثلها، على صفتها، فلا شيء على الجاني، كما لو قلع شعرة، ثم نبتت، وإن عادت مائلة عن محلها، أو متغيرة عن صفتها، كان عليه حكومة؛ لأنها لو لم تَعُد ضمن السن، فإذا عادت ناقصة، ضمن ما نقص منها بالحساب، ففي ثلثها ثلث ديتها، وفي ربعها ربعها، وعلى هذا، وإن عادت والدم يسيل، ففيها حكومة؛ لأنه نقصٌ حصل بفعله، وإن مضى زمن عودها، ولم تعد سئل أهل العلم بالطب، فإن قالوا: قد يُئِس من عودها، فالمجني عليه بالخيار بين القصاص أو دية السن، فإن مات المجني عليه قبل الإياس من عودها، فلا قصاص؛ لأن الاستحقاق له غير متحقق، فيكون ذلك شبهة في درئه، وتجب الدية؛ لأن القلع موجود، والعود مشكوك فيه. ويحتمل أنه إذا مات قبل مجيء وقت عودها، أن لا يجب شيء؛ لأن العادة عودها، فأشبه ما لو حلق شعره، فمات قبل نباته . فأما إن قلع سن من قد أثغر وجب القصاص له في الحال؛ لأن الظاهر عدم عودها، وهذا قول بعض أصحاب الشافعي، وقال القاضي: يسأل أهل الخبرة، فإن قالوا: لا تعود فله القصاص في الحال، وإن قالوا يُرجى عودها إلى وقت ذكروه، لم يقتص حتى يأتي ذلك الوقت، وهذا قول بعض أصحاب الشافعي؛ لأنها تحتمل العود، فأشبهت سن من لم يُثغر. انتهى ((المغني)) ١١/ ٥٥٢ -٥٥٤ . قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: قد تبيّن بما سبق أن وجوب القصاص في السنّ مجمع عليه بين أهل العلم؛ للآية المذكورة، وحديث الباب. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ٦٤ = شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْقَسَامَةِ (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في القصاص في سائر عظام الجسد: قال ابن بطّال رحمه الله تعالى: أجمع العلماء على أن هذه الآية- يعني قوله تعالى: ﴿وَالسِّنَ بِأَلْسِنٍ﴾ الآية [المائدة: ٤٥] في العمد، فمن أصاب سنّ أحد عمدًا، ففيه القصاص على حديث أنس رضيه، واختلف العلماء في سائر عظام الجسد إذا كسرت عمدًا، فقال مالك: عظام الجسد كلّها فيها القود، إذا كُسرت عمدًا: الذراعان، والعضدان، والساقان، والقدمان، والكعبان، والأصابع إلا ما كان مجوّفًا، مثل الفخذ، وشبهه، كالمأمومة، والمنقّلة، والهاشمة، والصلب، ففي ذلك الدية. وقال الكوفيّون: لا قصاص في عظم يُكسر إلا السنّ؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَلْسِنَّ بِالسّنٍ﴾ الآية [المائدة: ٤٥]، وهو قول الليث، والشافعيّ. واحتجّ الشافعيّ، فقال: إن دون العظم حائلاً من جلد، ولحم، وعَصَب، فلو استيقنّا أنا نكسر عظمة كما كسر عظمة، لا يزيد، ولا ينقص فعلناه، ولكنا لا نصل إلى العظم حتى ننال منه ما دونه، مما ذكرنا أنا لا نعرف قدره، مما أقلّ، أو أكثر مما نال غيره، وأيضًا فإنا لا نقدر أن يكون كسر ككسر أبدًا، فهو ممنوع. وقال الطحاويّ: اتفقوا على أنه لا قصاص في عظم الرأس، فكذلك سائر العظام. والحجة لمالك حديث أنس ◌َّه: أن النبيّ وَّر قال في سنّ الربيع: ((كتاب الله القصاص))، فلمّا جاز القصاص في السنّ إذا كُسرت، وهي عظم، فكذلك سائر العظام، إلا عظمًا أجمعوا أنه لا قصاص فيه؛ لخوف ذهاب النفس منه، وأنه لا يقدر على الوصول فيه إلى مثل الجناية بالسواء، فلا يجوز أن يُفعل ما يؤدي في الأغلب إلى التلف، إذا كان الجارح الأول لم يؤد فعله إلى التلف. وقال ابن المنذر: ومن قال: لا قصاص في عظم، فهو مخالفٌ للحديث، والخروج إلى النظر غير جائز مع وجود الخبر. انتهى ((شرح صحيح البخاريّ)) لابن بطال٨/ ٥٢٢-٥٢٣ . وقال في ((الفتح)): اختلفوا في سائر عظام الجسد، فقال مالك: فيها القود، إلا ما كان مجوفا، أو كان كالمأمومة، والمنقلة، والهاشمة، ففيها الدية، واحتج بالآية، ووجه الدلالة منها أن شرع من قبلنا شرع لنا، إذا ورد على لسان نبينا بَل بغير إنكار، وقد دل قوله: ﴿وَاَلْسِنَّ بِالسِّنٍ﴾ على إجراء القصاص في العظم؛ لأن السن عظم، إلا ما أجمعوا على أن لا قصاص فيه، إما لخوف ذهاب النفس، وإما لعدم الاقتدار على المماثلة فيه. وقال الشافعي، والليث، والحنفية: لا قصاص في العظم، غير السن؛ لأن دون العظم حائلا من جلد، ولحم، وعصب، يتعذر معه المماثلة، فلو أمكنت ٦٥ ١٧ - (القِصَاصُ مِنَ الشَّيّةِ) - حديث رقم ٤٧٥٨ لحكمنا بالقصاص، ولكنه لا يصل إلى العظم حتى ينال ما دونه، مما لا يعرف قدره. وقال الطحاوي: اتفقوا على أنه لا قصاص في عظم الرأس، فليلتحق بها سائر العظام. وتُعُقب بأنه قياس مع وجود النص، فإن في حديث الباب أنها كَسَرت الثنية، فأُمرت بالقصاص، مع أن الكسر لا تطرد فيه المماثلة. انتهى. قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: عندي أن ما ذهب إليه الإمام مالك رحمه الله تعالى من وجوب القصاص في العظام التي يمكن مماثلتها هو الحقّ؛ لآية: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصُ﴾ [المائدة: ٤٥]، ولحديث الباب، حيث إنه ◌َّ قال في كسر السنّ، وهو من العظام: ((كتاب اللَّه القصاص))، فبينّ الحكم العامّ فيه، وفي أمثاله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب)). ١٧- (الْقِصَاصُ مِنَ الثَِّيَّةِ) قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((الثنيّة)): بفتح المثلّثة، وكسر النون، وتشديد التحتانيّة -: واحدة الثنايا، قال في ((المحكم)): الثنيّة من الأضراس أول ما في الفم، وقال غيره: وثنايا الإنسان في فمه الأربع التي في مقدّم فيه: ثنتان من فوقُ، وثنتان من أسفلُ. وقال ابن سِيدَه: وللإنسان، والْخُفّ، والسبع ثنيّتان من فوق، وثنيّتان من أسفل. قاله في ((اللسان)). والله تعالى أعلم بالصواب. ٤٧٥٨- (أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، عَنْ حُمَيْدٍ، قَالَ: ذَكَرَ أَنَسٌ، أَنَّ عَمَّتَهُ كَسَرَتْ ثَنِيَّةَ جَارِيَةٍ، فَقَضَى نَبِيُّ اللّهِ وَهِ بِالْقِصَاصِ، فَقَالَ أَخُوهَا، أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ: أَتُكْسَرُ ثَنِيَّةُ فُلَانَةَ؟ لَا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، لَا تُكْسَرُ ثَنِيَّةُ فُلَانَةَ، قَالَ: وَكَانُوا قَبْلَ ذَلِكَّ سَأَلُوا أَهْلَهَا الْعَفْوَ وَالْأَرْشَ، فَلَمَّا حَلَّفَ أَخُوهَا، وَهُوَ عَمّ أَنَسٍ، وَهُوَ الشَّهِيدُ يَوْمَ أَحُدٍ، رَضِيَ الْقَوْمُ بِالْعَفْوِ، فَقَالَ النَِّيُّ ◌َِّ: ((إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ، مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ»). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١- (حميد بن مسعدة) بن المبارك السامي الباهلي البصريّ، صدوق [١٠] ٥/٥ . ٢- (إسماعيل بن مسعود) الجحدريّ، أبو مسعود البصريّ، ثقة [١٠] ٤٢ /٤٧. ٦٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْقَسَامَةِ ٣- (بشر) بن المفضّل بن لاحق، أبو إسماعيل البصريّ ثقة ثبت عابد [٨] ٨٢/٦٦. ٤- (حُميد) بن أبي حُميد الطويل، أبو عبيدة البصريّ [٥] ١٠٨/٨٧. ٥- (أنس) بن مالك تَطّه المذكور في الباب الماضي. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من رباعيات المصنف رحمه الله تعالى، وهو (٢٣٣) من رباعيات الكتاب. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسلٌ بثقات البصريين، وفيه أنس ◌َّه أحد المكثرين السبعة، وآخر من مات بالبصرة من الصحابة ــ . والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ حُمَيْدٍ) الطويل، وفي رواية للبخاريّ في ((التفسير)): ((حدّثنا حُميد، أن أنسًا حدّثه)) (قَالَ: ذَكَرَ أَنَسٌ) بن مالك رَّيِ (أَنَّ عَمَّتَهُ) هي الربّع بصيغة التصغير، كما بُيّنت في الرواية التالية، وفي رواية للبخاريّ: ((أن ابنة النضر))، وفي رواية له: ((كسرت الربيع عمة أنس))، ولأبي داود: ((كسرت الربيّع، أخت أنس بن النضر)) (كَسَرَتْ) بالبناء للفاعل (غَنِيَةَ جَارِيَةٍ) وفي الرواية التالية: ((كسرت الربيع ثنيّة جارية))، وفي رواية للبخاريّ: ((لطمت جارية، فكسرت ثنيّتها))، وفي رواية له: ((جارية من الأنصار))، وفي رواية: (امرأة)) بدل جارية، وهو يوضّح أن المراد بالجارية المرأة الشابة، لا الأمة الرقيقة. قاله في (الفتح)) ١٤/ ٢١٣ (فَقَضَى نَبِيُّ اللّهِ وَ لَهُ بِالْقِصَاصِ) وفي الرواية التالية: ((فطلبوا إليهم العفو، فأبوا، فعُرض عليه الأرش، فأبوا، فأتوا النبيّ وََّ، فأمر بالقصاص)) (فَقَالَ أَخُوهَا، أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ) بن ضمضم بن زيد بن حرام بن جندب بن عامر بن غَنْم بن عديّ بن النجّار الأنصاري الخزرجي، عم أنس بن مالك، خادم النبي ◌َّل، روى البخاري في ((صحيحه)) من طريق حميد، عن أنس: أن عمه أنس بنَ النضر، غاب عن قتال بدر، فقال: يا رسول الله، غِبتُ عن أول قتال قاتلت فيه المشركين، والله لئن أشهدني اللَّه قتال المشركين، لَّيَرَيَنَّ اللَّهُ ما أصنع، فلما كان يومُ أحد، انكشف المسلمون، فقال: اللَّهم إني اعتذر إليك مما صنع هؤلاء، يعني المسلمين، وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء، يعني المشركين، ثم تقدم، فاستقبله سعد بن معاذ، فقال: أي سعد، هذه الجنة، ورب أنس إني أجد ريحها، دون أحد، قال: سعد، فما استطعت ما صنع، فقُتِل يومئذ، فذكر الحديث، وهو عند البخاري من طريق ثُمامة، عن أنس أيضا، وأخرجه ابن منده من طريق حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس رَاتّه. انتهى ٦٧ ١٧ - (القِصَاصُ مِنَ الشَِّية) - حديث رقم ٤٧٥٨ ((الإصابة)) ١١٧/١-١١٨. (أَتْكْسَرُ ثَنِيَّةُ فُلَانَةَ؟) يعني أخته الرُّبيّع التي كسرت أخت الجارية، قضى عليها النبيّ وَه بالقصاص (لَا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقُّ، لَا تُكْسَرُ ثَنِيَّةُ فُلَانَةَ، قَالَ) أَنْس ◌َّهِ (وَكَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ سَأَلُوا أَهْلَهَا) أي أهل الجارية المجنيّ عليها (الْعَفْوَ) أي أن يساموحها عن القصاص (وَالْأَرْشَ) أي وعرضوا عليهم قبول الأرش، وهو بفتح الهمزة، وسكون الراء: دية الجراحة، جمعه أَرُوشٌ، مثلُ فلس وفلوس، وأصله الفساد، يقال: أَرَّشْتُ بين القوم تأريشًا: إذا أفسدتَ، ثم استُعمل في نُقصان الأعيان؛ لأنه فساد فيها، ويقال: أصله هَرَّشَ. قاله الفيّوميّ. وقال في ((النهاية)) ٣٩/١ -: قد تكرّر في الحديث ذكرُ الأرش المشروع في الحكومات، وهو الذي يأخذه المشتري من البائع، إذا اطّلع على عيب في المبيع، وأُرُوش الجنايات والجراحات من ذلك؛ لأنها جابرةٌ لها عمّا حصل فيها من النقص، وسُمّي أَرْشًا؛ لأنه من أسباب النزاع، يقال: أَرّشتُ بين القوم: إذا أوقعت بينهم. انتھی . (فَلَمَّا حَلَفَ أَخُوهَا) أنس بن النضر رَّ (وَهُوَ عَمُّ أَنَس) أي بن مالك رَِّ (وَهُوَ الشَّهِيدُ يَوْمَ أُحُدٍ) كما سبق آنفًا قصّة استشهاده (رَضِيَ الْقَوْمُ بِالْعَفْوِ) أي مع أخذ الأرش. ووقع في رواية ((الفزاري فرضي القوم، فقبلوا الارش))، وفي رواية معتمر ((فرضوا بأرش أخذوه)). قال في ((الفتح)): وفي رواية مروان بن معاوية، عن حميد، عند الإسماعيلي: ((فرضي أهل المرأة بأرش أخذوه، فعفوا))، فعرف أن قوله: ((فعفوا)): أي على الدية. (فَقَالَ النَّبِيُّ ◌ََّ: إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ) وفي رواية معتمر: ((فعجب النبي ◌َّ، وقال: ((إن من عباد اللَّه)) (مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَّأَبَرَّهُ) أي لأبر قسمه. ووقع في رواية خالد الطحان، عن حميد، عن أنس، في هذا الحديث، عند بن أبي عاصم: ((كم من رجل، لو أقسم على الله لأبره)). ووجه تعجبه وَلّر: أن أنس بن النضر، أقسم على نفي فعل غيره، مع إصرار ذلك الغير على إيقاع ذلك الفعل، فكان قضية ذلك في العادة، أن يحنث في يمينه، فألهم اللَّه الغير العفو، فَبَرَّ قسم أنس، وأشار بقوله: ((إن من عباد اللَّه)) إلى أن هذا الاتفاق، إنما وقع إكراما من اللَّه لأنس؛ ليبر يمينه، وأنه من جملة عباد اللَّه الذين يجيب دعاءهم، ويعطيهم أَرَبُهُم. وقد استُشكِل إنكار أنس بن النضركسر سن الربيّع، مع سماعه من النبي ◌ُّ الأمر بالقصاص، ثم قال: ((أتكسر سن الربيع))، ثم أقسم أنها لا تكسر. ٦٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْقَسَامَةِ وأجيب بأنه أشار بذلك إلى التأكيد على النبي وَّ، في طلب الشفاعة إليهم، أن يعفوا عنها، وقيل: كان حلفه قبل أن يعلم أن القصاص حتم، فظن أنه على التخيير بينه وبين الدية، أو العفو، وقيل: لم يرد الإنكار المحض والردّ، بل قاله توقُّعًا، ورجاء من فضل الله أن يُلهِم الخصوم الرضا، حتى يعفوا، أو يقبلوا الأرش، وبهذا جزم الطيبي، فقال: لم يقله ردّا للحكم، بل نفَى وقوعه؛ لما كان له عند اللَّه من اللطف به في أموره، والثقة بفضله، أن لا يُخَيِّبِه فيما حَلَف به، ولا يخيب ظنه فيما أراده، بأن يلهمهم العفو، وقد وقع الأمر على ما أراد. قاله في ((الفتح)) ٢١٣/١٤-٢١٤. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أنس ◌َمّه هذا أخرجه البخاريّ. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا - ١٧ /٤٧٥٨ و٤٧٥٩- وفي ((الكبرى)) ١٦ / ٦٩٥٨ و٦٩٥٩ . وأخرجه (خ) في ((الصلح)) ٢٧٠٣ و((الجهاد)) ٢٨٠٦ و((التفسير)) ٤٤٩٩ و٤٥٠٠ و٤٦١١ و(الديات)) ٦٨٩٤ و(د) في ((الديات)) ٤٥٩٥ (ق) في ((الديات)) ٢٦٤٩ (أحمد) في ((مسند المكثرين)) ١٢٢٩٣ و١٣٦١٤. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٧٥٩- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ، عَنْ أَنَس، قَالَ: كَسَرَتِ الرُّبَيْعُ ثَنِيَةَ جَارِيَةٍ، فَطَلَبُوا إِلَيْهِمُ الْعَفْوَ، فَأَبَوْا، فَعُرِضَ عَلَيْهِمُ الْأَرْشُ، فَأَبَزّا، فَأَتَوُا النَّبِيِّ ◌َِّ، فَأَمَرَ بِالْقِصَاصِ، قَالَ أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، تُكْسَرُ ثَنِيَّةُ الرُّبَيِّع؟، لَا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقُّ لَاَ تُكْسَرُ، قَالَ: (يَا أَنَسُ، كِتَابُ اللَّهِ الْقِصَاصُ))، فَرَضِيَ الْقَوْمُ، وَعَفَوْا، فَقَالَ: ((إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ، مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ))). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا غير مرّة. و((خالد)): هو ابن الحارث الْهُجَيميّ البصريّ الثقة الثبت. و((حميد)): هو الطويل. والسند من رباعيّات المصنّف، وهو (٢٣٤) من رباعيات الكتاب، وهو مسلسل بثقات البصريين، كسابقه. وقوله: ((تُكسر ثنيّة الربيع)) بتقدير أداة الاستفهام، مبنيًا للمفعول. وقوله: ((لا تُكسر)) بالرفع إخبار منه بأن ثنيتها لا تُكسر؛ لأنهم سيعفون عنها، بإذن اللَّه تعالى. = ٦٩ ١٩ - (القَوَدُ مِنَ الْعَضَّةِ) - حديث رقم ٤٧٦٠ وقوله: ((كتاب اللَّه القصاص)) تقدّم إعرابه، ومعناه في الباب الماضي. وقوله: ((فطلبوا إليهم العفو، فأبوا، فعرضوا عليهم الارش، فأبوا)): أي طلب أهل الرُّبَيِّع إلى أهل التي كُسِرت ثنيتها أن يعفوا عن الكسر المذكور مجانًا، أو على مال، فامتنعوا، وزاد في رواية للبخاريّ في ((الصلح)): ((فأبوا إلا القصاص)). والحديث سبق شرحه، وتخريجه في الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللّه، عليه توكلت، وإليه أنیب)) . ١٩- (الْقَوَدُ مِنَ الْعَضَّةِ) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الظاهر أنه أراد أنه لا قصاص في العضّة؛ لأنه وَّ لم يجعل القصاص للمعضوض، بل رفع عنه القصاص في سقوط ثنيّة العاضّ بنزعه؛ لكونه مدافعًا عن نفسه، فلو كان القصاص بالعضّ واجبا لحكم له به، ولعلّ ذلك لعدم إمكان المماثلة، وأما قوله وَ لّ في رواية ابن سيرين الآتية: ((إن شئت فادفع إليه يدك الخ))، فليس لإيجاب القصاص، على ما سيأتي بيانه قريبًا، إن شاء الله تعالى. وهذا هو المذهب الصحيح، وسيأتي بيان اختلاف العلماء في ذلك في المسألة الرابعة، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم. و((العَضّة))- بفتح العين المهملة، وتشديد الضاد المعجمة -: المرّة من العضّ، يقال: عضّ اللُّقمة، وبها، وعليها عضًّا: أَمْسَكَهَا بالأسنان، وهو من باب تَعِبَ في الأكثر، لكن المصدر ساكنٌ، ومن باب نفع لغةٌ قليلةٌ. وفي ((أفعال ابن القَطّاع)) من باب قَتَل: وعضّ الفرسُ على لجامه، فهو عَضُوضٌ، مثلُ رسول، والاسم العضض، والْعِضَاض بالكسر، ويقال: ليس في الأمر مَعَضٍّ: أي مُستَمْسكٌ، ومنه قوله ◌َّ: ((عليكم بسنّتي، وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، عَضُّوا عليها)): أي الزموها، واستمسكوا بها. قاله الفيّوميّ. والله تعالى أعلم بالصواب وقوله : (وَذِكْرُ اخْتِلَافِ أَلْفَاظِ النَّقِينَ لِخَبَرِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ) رضي اللّه تعالى عنهما (فِي ذَلِكَ) أي في القود من العضّة. وجه الاختلاف الذي أشار إليه أن في رواية ابن سيرين، عن عمران ◌َّه أنه وَّه قال == ٧٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْقَسَامَةِ للمعضوض: ((إن شئت فادفع إليه يدك حتى يقضمها، ثم انتزعها))، ففيه أنه إن شاء يقتصّ منه بمثل ما فعل به، وليس هذا في رواية زرارة بن أوفى، فإنه لم يذكر إلا إبطالها، وفي رواية: ((لا دية له))، وفي أخرى: ((لا دية لك)). والذي يظهر لي أنه لا اختلاف بين الروايتين؛ لأن قوله ◌َله: ((إن شئت فادفع إليه الخ)) ليس لإيجاب القصاص له، وإنما المراد- والله أعلم- الإنكار عليه في طلب ذلك مع أنه المعتدي، بدليل قوله: ((لا دية له))، وفي لفظ: ((لا دية لك))، وفي رواية: («فأبطلها))، وفي لفظ: ((فأطلّها)): أي أبطلها، وفي لفظ: ((فأهدرها))، وفي رواية: ((فأبطله، وقال أردت أن تأكل لحمه))، وفي حديث سلمة: ثم يأتي يطلب العقل، لا عقل لها، فابطلها)). والحاصل أنه ليس المراد بالأمر بدفع يده ليعضها إثبات القصاص بالعضّ، وإنما معناه الإنكار عليه، فكأنه قال: إنك لا تدع يدك في فيه بعضها، فكيف تنكر عليه أن ينتزع يده من فيك، وتطالبه بما جنى في جذبه لذلك. والله تعالى أعلم. ٤٧٦٠- (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ، أَبُوَ الْجَوْزَاءِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا قُرَيْشُ بْنُ أَنَسٍ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، أَنَّ رَجُلًا عَضَّ ◌َدَ رَجُلٍ، فَّانْتَزَعَ يَدَهُ، فَسَقَّطَتْ ثَنِيَتُهُ، أَوْ قَالَ: ثَنَايَاهُ، فَاسْتَعْدَى عَلَيْهِ رَسُولَ اللَّهِ وَّةِ، فَقَالَ لَهُ رَّسُولُ اللَّهِ ◌َّ: ((مَا تَأْمُرُنِي؟ تَأْمُرُنِي أَنْ آمُرَهُ أَنْ يَدَعَ يَدَهُ، فِي فِيكَ تَقْضَمُهَا، كَمَا يَقْضَمُ الْفَحْلُ، إِنْ شِئْتَ فَادْفَعْ إِلَيْهِ يَدَكَ، حَتَّى يَقْضَمَهَا، ثُمَّ انْتَزِعْهَا إِنْ شِئْتَ))). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١- (أحمد بن عثمان) النوفليّ، أبو عثمان البصريّ، يلقّب أبا الْجَوْزاء- بالجيم، والزاي- ثقة [١١] ٢١٢٤/١٢. ٢- (قُريش بن أنس) الأنصاريّ، ويقال: الأمويّ، أبو أنس البصريّ، صدوقٌ تغيّر بآخره قدر ست سنين [٩] ٤٢٢١/٥. ٣- (ابن عون) هو: عبد الله بن عون بن أَزْطبان، أبو عون البصريّ، ثقة ثبت فاضل، من أقران أيوب في العلم والعمل، والسنّ [٥(١)] ٣٣/٢٩. ٤- (ابن سيرين) هو محمد الإمام الحجة الثبت المشهور [٣] ٤٦ / ٥٧ . ٥- (عمران حصين) رضي الله تعالى عنهما المذكور قبل بابين. والله تعالى أعلم. (١) جعله في ((التقريب)) من السادسة، والظاهر أنه من الخامسة، مثل أيوب؛ لأنه رأى أنسًا منه ، فتأمل. ٧١ ١٩- (القَوَدُ مِنَ الْعَضَّةِ) - حديث رقم ٤٧٦٠ لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ) رضي الله تعالى عنهما (أَنَّ رَجُلًا عَضَّ يَدَ رَجُلٍ) أي أخذها بأسنانه . [تنبيه]: قال في ((الفتح)): ما حاصله: في رواية محمد بن جعفر، عن شعبة عن زُرارة، عن عمران عند مسلم، والنسائيّ ٤٧٦٢- ((قال: قاتل يعلى بن أمية رجلا، فعض أحدهما صاحبه)) . . الحديث، قال شعبة: وعن قتادة عن عطاء وهو ابن أبي رباح عن ابن يعلى، يعني صفوان، عن يعلى بن أمية، قال مثله، وكذا أخرجه النسائي ٢٠/ ٤٧٧٢ - من طريق عبد الله بن المبارك عن شعبة بهذا السند، فقال في روايته: بمثل الذي عضّ، فندرت ثنيّته . . الحديث. ولشعبة فيه سند آخر إلى يعلى، أخرجه النسائي ٤٧٦٥/١٩- من طريق ابن أبي عدي، و٤٧٦٦/١٩- عن عبيد بن عقيل كلاهما عن شعبة، عن الحكم، عن مجاهد، عن يعلى. ووقع في رواية عُبيد بن عُقيل : ((أن رجلا من بني تميم، قاتل رجلا، فعضّ يده))، ويستفاد من هذه الرواية، تعيين أحد الرجلين المبهمين، وأنه يعلى بن أمية، وقد روى يعلى هذه القصة، فبَيَّنَ في بعض طرقه، أن أحدهما كان أجيرا له، ولفظه ٢٠/ ٤٧٦٧٠ - ((غزوت مع رسول اللّه وَلآي))، فذكر الحديث، وفيه: ((فأستجرت أجيرا، فقاتل أجيري رجلا، فعضّ الآخر))، فعُرف أن الرجلين المبهمين، يعلى وأجيره، وأن يعلى أبهم نفسه، لكن عينه عمران بن حصین . قال الحافظ: ولم أقف على تسمية أجيره، وأما تمييز العاضّ من المعضوض، فوقع بيانه عند البخاريّ في ((غزوة تبوك)) من ((المغازي)) من طريق محمد بن بكر، عن ابن جريج، في حديث يعلى، قال عطاء: فلقد أخبرني صفوان بن يعلى، أيّما عض الآخر، فنسيته، فظن أنه مستمر على الإبهام، ولكن وقع عند مسلم، والنسائي ٢٠/ ٤٧٧١- من طريق بديل بن ميسرة، عن عطاء، بلفظ: أن أجيرا ليعلى بن منية، عض آخر ذراعه»، وأخرجه النسائي أيضا ٢٠/ ٤٧٧٠-عن إسحاق بن إبراهيم، عن سفيان، بلفظ: ((فقاتل أجيري رجلا، فعضه الآخر))، ويؤيده ما أخرجه النسائي ٢٠/ ٤٧٦٧- من طريق صفوان بن عبد اللَّه، عن عميه: سلمة بن أمية، ويعلى بن أمية، قالا: خرجنا مع ٧٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْقَسَامَةِ رسول اللَّه وَّله، في غزوة تبوك، ومعنا صاحب لنا، فقاتل رجلا من المسلمين، فعض الرجل ذراعه))، ويؤيده أيضا رواية عُبيد بن عُقيل عند النسائي ٤٧٦٦/١٩- بلفظ: أن رجلا من بني تميم، قاتل رجلًا، فعضّ يده))، فإن يعلى تميمي. وأما أجيره فإنه لم يقع التصريح بأنه تميمي، وأخرج النسائي أيضا ٤٧٧٤/٢٠- من رواية محمد بن مسلم الزهري، عن صفوان بن يعلى، عن أبيه، نحو رواية سلمة، ولفظه: ((فقاتل رجلًا، فعض الرجل ذراعه، فلما أوجعه نترها))، وعرف بهذا أن العاضَّ هو يعلى بن أمية، ولعل هذا هو السر في إبهامه نفسه. وقد أنكر القرطبي أن يكون يعلى هو العاضَّ، فقال: يظهر من هذه الرواية أن يعلى هو الذي قاتل الأجير، وفي الرواية الأخرى: أن أجيرا ليعلى عضَّ يد رجل، وهذا هو الأولى، والأليق؛ إذ لا يليق ذلك الفعل بيعلى، مع جلالته وفضله. قال الحافظ: لم يقع في شيء من الطريق أن الأجير هو العاضّ، وإنما التبس عليه أن في بعض طرقه عند مسلم- كما بينته -: ((أن أجيرا ليعلى عض رجل ذراعه))، فجوز أن يكون العاضّ، غير يعلى، وأما استبعاد أن يقع ذلك من يعلى مع جلالته، فلا معنى له، مع ثبوت التصريح به في الخبر الصحيح، فيحتمل أن يكون ذلك صدر منه في أوائل إسلامه، فلا استبعاد. وقال النووي: وأما قوله- يعني في الرواية الأولى -: ((أن يعلى هو المعضوض))، وفي الرواية الثانية، والثالثة: ((المعضوض هو أجير يعلى، لا يعلى))، فقال الحفاظ: الصحيح المعروف أن المعضوض أجير يعلى، لا يعلى، قال: ويحتمل أنهما قضيتان جرتا ليعلى، ولأجيره في وقت، أو وقتين، وتعقبه شيخنا- يعني الحافظ العراقيّ- في ((شرح الترمذي)) بأنه ليس في رواية مسلم، ولا رواية غيره، في الكتب الستة، ولا غيرها: أن يعلى هو المعضوض، لا صريحا، ولا إشارة، وقال شيخنا: فيتعين على هذا أن يعلى هو العاضّ. والله أعلم. قال الحافظ: وإنما تردد عياض، وغيره في العاض، هل هو يعلى، أو آخر أجنبي كما قدمته، من كلام القرطبي، والله أعلم. انتهى ((الفتح)) ٢٠٧/١٤-٢٠٨ . (فَانْتَزَعَ يَدَهُ) زاد في رواية زُرارة التالية: ((من فيه)): أي اجتذبها من فمه، وفي رواية هشام، عن عروة، عند مسلم: ((عَضَّ ذراع رجل، فجذبه))، وفي حديث يعلى الآتي في ٤٧٧١- ((فعض أحدهما إصبع صاحبه فانتزع إصبعه)). قال الحافظ: وفي الجمع بين الذراع، والإصبع عسر، ويبعد الحمل على تعدد القصة؛ لاتحاد المخرج؛ لأن مدارها على عطاء، عن صفوان بن يعلى، عن أبيه، فوقع ٧٣ ١٩ - (القَوَدُ مِنَ الْعَضَّةِ) - حديث رقم ٤٧٦٠ في رواية إسماعيل ابن علية، عن ابن جريج، عنه: ((إصبعه))، وهذه في البخاري، ولم يسق مسلم لفظها، وفي رواية بديل بن ميسرة، عن عطاء عند مسلم، والنسائيّ ٢٠/ ٤٧٧٣- وكذا في رواية الزهري، عن صفوان، عند النسائي ٢٠/ ٤٧٧٤ -: فعضّ الرجل ذراعه))، ووافقه سفيان بن عيينة، عن ابن جريج، في رواية إسحاق بن راهويه، عنه، فالذي يترجح الذراع، وقد وقع أيضا في حديث سلمة بن أمية، عند النسائي ٢٠/ ٤٧٦٧- مثل ذلك، وانفرد ابن علية، عن ابن جريج بلفظ الإصبع، فلا يقاوم هذه الروايات المتعاضدة، على الذراع. والله أعلم. انتهى ((فتح)) ١٤ /٢٠٨-٢٠٩. (فَسَقَطَتْ ثَنِيَّتُهُ) بالإفراد (أَوْ) للشكّ من الراوي (قَالَ: ثَنَايَاهُ) بالجمع، وأكثر الروايات بالإفراد، وفي رواية البخاريّ: ((فوقعت ثنيتاه))، قال في ((الفتح)): كذا للأكثر بالتثنية، وللكشميهني: (ثناياه))، بصيغة الجمع، وفي رواية هشام المذكورة فسقطت (ثنيته)) بالإفراد، وكذا له في رواية ابن سيرين، عن عمران، وكذا في رواية سلمة بن أمية، بلفظ: ((فجذب صاحبه يده، فطُرِح ثنيته))، وقد تترجح رواية التثنية؛ لأنه يمكن حمل الرواية التي بصيغة الجمع عليها، على رأي من يجيز في الاثنين صيغة الجمع، ورَدُّ الرواية التي بالإفراد إليها، على إرادة الجنس، لكن وقع في رواية محمد بن بكر، عن ابن جريج عند البخاريّ في ((المغازي)): ((فانتزع إحدى ثنيتيه))، فهذه أصرح في الوحدة، وقول من يقول في هذا: بالحمل على التعدد بعيد أيضا؛ لاتحاد المخرج. انتهى ((فتح)) ١٤ /٢٠٩ . ووقع في رواية زرارة، عن عمران بلفظ: ((فندرت ثنيته))، وفي رواية الزهريّ، عن صفوان ٢٠/ ٤٧٧٤- بلفظ: ((فأندر ثنيته)). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي الأولى ترجيح رواية: ((ثنيته)) بالإفراد؛ فإنه لم يقع في روايات المصنّف مع كثرتها، إلا بلفظ الإفراد، سوى ما في هذه الرواية من الشكّ، ويؤيّد هذا أيضًا التصريح بها في رواية محمد بن بكر، حيث قال: ((فانتزع إحدى ثنيّتيه))، كما مرّ آنفًا، فتأمّل. والله تعالى أعلم. (فَاسْتَعْدَى عَلَيْهِ رَسُولَ اللَّهِ وَله) أي طلب منه أي يُعينه على استيفاء حقّه، يقال: استعديتُ الأمير على الظالم: طلبت منه النُّصرة، فأعداني عليه: أي أعانني، ونصرني، فالاستعداء: طلب التقوية، والنُّضرة، والاسم الْعَذوى- بالفتح- قال ابن فارس: الْعَذْوَى: طلبك إلى وال ليُعْدِيك على من ظلمك: أي ينتقم منه باعتدائه عليه، والفقهاء يقولون: مسافة الْعَذوى، وكأنهم استعاروها من هذه العدوى؛ لأن صاحبها يَصِلُ فيها الذهابَ والعودَ بعدو واحدٍ؛ لما فيه من القوّة، والجَلادة. ذكره الفيوميّ. ٧٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْقَسَامَةِ (فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللّهِ وَِّ: ((مَا تَأْمُرُنِي؟) أي أيّ شيء تأمرني أن أفعله في هذا الرجل، وهو استفهام إنكار (تَأْمُرُنِي أَنْ آمُرَهُ أَنْ يَدَعَ يَدَهُ) أي يتركها (فِي فِيكَ) أي فمك (تَقْضَمُهَا) بفتح الضّاد، وتكسر، قال الفيّومي: قَضَمت الدابةُ الشعيرَ تقضَمُهُ، من باب تَعِب: كسرته بأطراف الأسنان، وقَضَمَت قَضْمًا، من باب ضرب لغةٌ، ومنه يقال على الاستعارة: قَضَمتُ يده: إذا عضضتها. انتهى. وقال في ((الفتح)): ((يقضمها))- بسكون القاف، وفتح الضاد المعجمة، على الأفصح، من القضم، وهو الأكل بأطراف الأسنان، والْخَضْم - بالخاء المعجمة، بدل القاف -: الأكل بأقصاها، وبأدنى الأضراس، ويطلق على الدَّقّ، والكسر، ولا يكون إلا في الشيء الصّلب، حكاه صاحب (الراعي)) في اللغة. انتهى. وفي ((اللسان)): القضم: الأكل بأطراف الأسنان، والأضراس، وقيل: هو أكل الشيء اليابس، والخَضْمُ: الأكل بجميع الفم، وقيل: هو أكل الشيء الرطب، والقضم دون ذلك، وقولهم: يُبْلغ الخَضْمُ بالقضم: أي أن الشَّبْعَة قد تُبلغ بالأكل بأطراف الفم، ومعناه: أن الغاية البعيدة قد تُدرَك بالرفق، قال الشاعر [من الطويل]: تَبَلَّغْ بِأَخْلَاقِ الثْيَابِ جَدِيدَهَا وبِالْقَضْم حَتَّى تُذْرِكَ الْخَضْمَ بِالْقَضْمِ (كَمَا يَقْضَمُ الْفَخْلُ) وفي رواية سلمة الآتية: ((كعضيض الفحل)): أي الذكر من الإبل، ويطلق على غيره، من ذكور الدواب، وفيه الإشارة إلى علّة إهدار ثنيّته. [تنبيه]: حَكَى الكرماني رحمه اللّه تعالى أنه رأى مَن صَحَّف قوله: ((كما يقضم الفحل))، إلى ((الفجل)) بالجيم بدل الحاء المهملة، وحمله على البقل المعروف، وهو تصحيف قبيح. ذكره في ((الفتح)) ١٤/ ٢١٢. (إِنْ شِئْتَ فَادْفَعْ إِلَيْهِ يَدَكَ، حَتَّى يَقْضَمَهَا، ثُمَّ انْتَزِعْهَا إِنْ شِئْتَ) زاد في رواية زاراة الآتية: ((لا دية له))، في لفظ: ((لا دية لك))، وفي رواية: ((فأبطلها))، وفي لفظ: ((فأطلّها)): أي أبطلها، وفي لفظ: ((فأهدرها))، وفي رواية: ((فأبطله، وقال أردت أن تأكل لحمه))، وفي حديث سلمة: ((ثم يأتي يطلب العقل، لا عقل لها، فابطلها)). وبهذه الزيادات يتبيّن أن أمره وَلّ له بدفع يده إليه؛ ليقضمها، ثم انتزاعها منه ليس أمرًا بثبوت القصاص، وإنما هو إنكارٌ منه وَّله لطلبه ذلك، مع أنه المعتدي. قال النوويّ رحمه الله تعالى-عند قوله: ((ادفع يدك حتى بعضها، ثم انتزعها)): ما نصّه: ليس المراد بهذا أمره بدفع يده ليعضها، وإنما معناه الإنكار عليه: أي أنك لا تدع يدك في فيه بعضها، فكيف تنكر عليه أن ينتزع يده من فيك، وتطالبه بما جنى في جذبه لذلك. انتهى ((شرح مسلم)) ١١/ ١٦٣. ٧٥ ١٩ - (القَوَدُ مِنَ الْعَضَّةِ) - حديث رقم ٤٧٦٠ وقال السنديّ في ((شرحه)): قوله: ((إن شئت الخ)) إشارة إلى أنه لوفُرض هناك قصاص لكان ذاك بهذا الوجه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته : حديث عمران بن حُصين رضي اللَّه تعالى عنهما هذا أخرجه مسلم، وقد طعن فيه الدار قطنيّ بأن ابن سيرين لم يسمع من عمران تَّه ، وسيأتي الجواب عنه في التنبيه الآتي في المسألة التالية، إن شاء اللّه تعالى. والله تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا- ١٨/ ٤٧٦٠ و٤٧٦١ و٤٧٦٢ و٤٧٦٣ و٤٧٦٤- وفي ((الكبرى)) ١٧/ ٦٩٦٠ و٦٩٦١ و٦٩٦٢ و٦٩٦٣ و٦٩٦٤ . وأخرجه (خ) من طريق زرارة بن أوفى عن عمران رَّه في ((الديات)) ٦٨٩٢ (م) في ((القسامة)) ١٦٧٣ (ت) في ((الديات)) ١٤١٦ (ق) في ((الديات)) ٢٦٥٧ (أحمد) في ((مسند البصريين)) ١٩٣٢٨ و١٩٣٤٢ و١٩٣٩٩ (الدارمي) في ((الديات)) ٢٢٧٠ . والله تعالى أعلم. [تنبيه]: قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: وهذا الباب مما تتبعه الدارقطني على مسلم؛ لأنه ذكر أوّلًا حديث شعبة، عن قتادة، عن زرارة، عن عمران بن حصين، قال: قاتل يعلى . . وذكر مثله عن معاذ بن هشام، عن أبيه، عن قتادة، ثم عن شعبة، عن قتادة، عن عطاء، عن ابن يعلى، ثم عن همام، عن عطاء، عن ابن يعلى، ثم حديث ابن جريح، عن عطاء، عن ابن يعلى، ثم حديث معاذ، عن أبيه، عن قتادة، عن بديل، عن عطاء بن صفوان بن يعلى، وهذا اختلاف على عطاء، وذكر أيضا حديث قريش بن يونس، عن ابن عون، عن ابن سيرين، عن عمران، ولم يذكر فيه سماعا منه، ولا من ابن سيرين من عمران، ولم يخرج البخاري لابن سيرين عن عمران شيئا. والله أعلم. والجواب عن هذا الإنكار بوجهين: [أحدهما]: أنه لا يلزم من الإختلاف على عطاء ضعف الحديث، ولا من كون ابن سيرين لم يصرح بالسماع من عمران، ولا رَوَى له البخاري عنه شيئا، أن لا يكون سمع منه، بل هو معدود فيمن سمع منه. [والثاني]: لو ثبت ضعف هذا الطريق، لم يلزم منه ضعف المتن، فإنه صحيح بالطرق الباقية، التي ذكرها مسلم، وقد سبق مرات أن مسلما يذكر في المتابعات من هو دون شرط الصحيح. والله تعالى أعلم. أفاده النوويّ في ((شرح مسلم)) ١١/ ١٦٣. ٧٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْقَسَامَةِ والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان حكم القصاص في العضّة، وقد تقدّم وجه استدلال المصنّف بهذا الحديث على ذلك، أول الباب. (ومنها): التحذير من الغضب، وأن من وقع له، ينبغي له أن يَكْظِمه ما استطاع؛ لأنه أَذَّى الى سقوط ثنية الغضبان؛ لأن يعلى غضب من أجيره، فضربه، فدافع الأجير عن نفسه، فعضه يعلى، فنزع يده، فسقطت ثنية العاضّ، ولولا الاسترسال مع الغضب، لسلم من ذلك. (ومنها): جواز استئجار الحر للخدمة، وكفاية مؤنة العمل في الغزو، لا ليقاتل عنه، كما تقدم تقريره في الجهاد. (ومنها): رفع الجناية إلى الحاكم، من أجل الفصل، وأن المرء لا يقتص لنفسه، وأن المعتدي بالجناية يَسقُط ما ثبت له قبلها من جناية، إذا ترتبت الثانية على الأولى. (ومنها): جواز تشبيه فعل الآدمي بفعل البهيمة، إذا وقع في مقام التنفير عن مثل ذلك الفعل. (ومنها): جواز دفع الصائل، وأنه إذا لم يمكن الخلاص منه، إلا بجناية على نفسه، أو على بعض أعضائه، ففعل به ذلك، كان هدرا، وللعلماء في ذلك اختلاف، وتفصيل معروف، سيأتي بعضه إن شاء اللَّه تعالى. (ومنها): أن من وقع له أمرٌ يَأنفُه، أو يحتشم من نسبته إليه، إذا حكاه كنى عن نفسه، بأن يقول: فعل رجل، أو إنسان، أو نحو ذلك كذا وكذا، كما وقع ليعلى رَّ في هذه القصة، وكما وقع لعائشة رضي الله عنها، حيث قالت: ((قَبَّل رسول اللّه وَّله امرأةً من نسائه، فقال لها عروة: هل هي إلا أنت، فتبسمت)). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم فيمن عضّ يد شخصٍ، فانتزع المعضوض يده من في العاضّ، فقلع سنّا من أسنان العاضّ: ذهبت طائفة إلى أنه لا ضمان عليه، رُوي ذلك عن أبي بكر الصّدّيق، وشُريح، وهو قول الكوفيين، والشافعيّ، قالوا: ولو جرحه المعضوض في موضع آخر، فعليه ضمانه . وذهب ابن أبي ليلى، ومالكٌ إلى أنه ضامن لدية يده. وقال عثمان الْبَتِّيُّ: إن كان انتزعها من ألم، ووجع أصابه، فلا شيء عليه، وإن كان انتزعها من غير ألم، فعليه الدية . واحتجّ الكوفيّون، والشافعيّ بحديث الباب، وقالوا: ألا ترى قوله وَليقول: ((أيدع يده في فيه، فيعضّه كما يعضّ الفحل؟، لا دية له))، وهذا لا يجوز خلافه؛ لصحّة مجيئه، ٧٧ ١٩- (القَوَدُ مِنَ الْعَضَّةِ) - حديث رقم ٤٧٦٠ وأنه لا شيء يُخالفه مما رُوي عن النبيّ ◌َّر. قالوا: ولا يختلفون أن من شهر سلاحًا، وأومأ إلى قتله، وهو صحيح العقل، فقتله المشهور عليه، دافعًا له عن نفسه، أنه لا ضمان عليه، فإذا لم يضمن نفسه بدفعه إياه عن نفسه، فكذلك لا يضمن سنّه بدفعه إياه عن عضّه. أفاده ابن بطّال في ((شرح البخاريّ)) ٥٢١/٨. وقال في ((الفتح)): قد أخذ بظاهر هذه القصة الجمهور، فقالوا: لا يلزم المعضوض قصاص، ولا دية؛ لأنه في حكم الصائل، واحتجوا أيضا بالإجماع، بأن من شهر على آخر سلاحا ليقتله، فدفع عن نفسه، فقَتَلَ الشاهرَ، أنه لا شيء عليه، فكذا لا يضمن سنه بدفعه إياه عنها، قالوا: ولو جرحه المعضوض في موضع آخر، لم يلزمه شيء. وشرط الاهدار أن يتألم المعضوض، وأن لا يمكنه تخليص يده بغير ذلك، من ضرب في شدقيه، أو فَكّ لحيته؛ ليرسلها، ومهما أمكن التخليص بدون ذلك، فعدل عنه إلى الأثقل لم يهدر، وعند الشافعية وجه آخر: أنه يهدر على الإطلاق، ووجه أنه لو دفعه بغير ذلك ضمن. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الوجه الأخير للشافعيّة من إهداره مطلقًا هو الأظهر؛ لأنه وَّ لم يستفصل حينما أهدر ثنيّة العاض، وإنما قال: ((لا دية لك))، فلم يسأله كيف نزع يده، وهل كان يمكن أن يدفعه بأقلّ من ذلك. والله تعالى أعلم. قال: وعن مالك روايتان: أشهرهما يجب الضمان، وأجابوا عن هذا الحديث باحتمال أن يكون سبب الإندار شدة العض، لا النزع، فيكون سقوط ثنية العاض بفعله، لا بفعل المعضوض، إذ لو كان من فعل صاحب اليد، لأمكنه أن يخلص يده من غير قلع، ولا يجوز الدفع بالأثقل، مع إمكان الأخف. وقال بعض المالكية: العاض قصد العضو نفسه، والذي استحق في إتلاف ذلك العضو، غير مافعل به، فوجب أن يكون كل منهما ضامنا ما جناه على الآخر، كمن قلع عين رجل، فقطع الآخر يده. وتُعُقّب بأنه قياس في مقابل النص، فهو فاسد. وقال بعضهم: لعل أسنانه كانت تتحرك، فسقطت عقب النزع، وسياق هذا الحديث يدفع هذا الاحتمال. وتمسك بعضهم بأنها واقعة عين، ولا عموم لها. وتعقب بأن البخاري أخرج في ((الإجارة)) عقب حديث يعلى هذا، من طريق أبي بكر الصديق رضى الله عنه، أنه وقع عنده مثل ما وقع عند النبي بَّر، وقضى فيه بمثله. قال الحافظ: وما تقدم من التقييد ليس في الحديث، وإنما أخذ من القواعد الكلية، وكذا إلحاق عضو آخر غير الفم به، فإن النص إنما ورد في صورة مخصوصة، نبه على ذلك ابن دقيق العيد. = ٧٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْقَسَامَةِ وقد قال يحيى بن عمر: لو بلغ مالكا هذا الحديث لما خالفه، وكذا قال ابن بطال: لم يقع هذا الحديث لمالك، وإلا لما خالفه. وقال الداودي: لم يروه مالك؛ لأنه من رواية أهل العراق. وقال أبو عبد الملك: كأنه لم يصح الحديث عنده؛ لأنه أتى من قبل المشرق. قال الحافظ: وهو مُسَلَّم في حديث عمران رَاثُه ، وأما طريق يعلى بن أمية، فرواها أهل الحجاز، وحملها عنهم أهل العراق. واعتذر بعض المالكية بفساد الزمان، ونقل القرطبي عن بعض أصحابهم: إسقاط الضمان، وقال: وضَمَّنه الشافعي، وهو مشهور مذهب مالك. وتُعُقّب بأن المعروف عن الشافعي: أنه لاضمان، وكأنه انعكس على القرطبي. انتهى ((فتح)) ١٤ / ٢١١. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد تبيّن مما سبق أن الصواب هو ما ذهب إليه الجمهور من أنه لا يلزم المعضوض قصاص، ولا دية؛ لصريح النصّ، والقياس في مقابلة النصّ باطلٌ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٧٦١- (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ زُرَارَةَ بْنٍ أَوْفَى، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، أَنَّ رَجُلًا عَضَّ آخَرَ عَلَّى ذِرَاعِهِ، فَاجْتَذَبَهَا، فَانْتُزِعَتْ ثَنِيَتُهُ، فَرُفِعَ ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ ◌َِّ، فَأَبْطَلَهَا، وَقَالَ: ((أَرَدْتَ أَنْ تَقْضَمَ لَحْمَ أَخِيكَ، كَمَا يَقْضَمُ الْفَحْلُ؟»). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا. و((عمرو بن عليّ)): هو الفلاس. و((يزيد)): هو ابن زريع. و((زرارة))- بضم الزاي المعجمة، ثم مهملتين، الأولى خفيفة، بينهما ألف، بغير همز ابن أوفى: هو العامريّ الْحَرَشيّ- بمهملة، وراء مفتوحتين، ثم معجمة- أبو حاجب البصريّ، قاضيها، الثقة العابد [٣] ٢٧ /٩١٧ . [تنبيه]: وقع عند الإسماعيلي، في رواية علي بن الجعد، عن شعبة: أخبرني قتادة، أنه سمع زرارة. قاله في ((الفتح)) ١٤/ ٢٠٧ . والسند مسلسلٌ بالبصريين، وفيه أن شيخه أحد مشايخ الأئمة الستة بلا واسطة، وقد مرّ غير مرّة، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. وقوله: ((فانتُزِعَت ثنيْتُه)) بالبناء للمفعول: أي قُلِعت. والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق شرحه، وبيان مسائله في الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصوابِ، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٧٦٢ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، ٧٩ ١٩- (القَوَدُ مِنَ الْعَضَّةِ) - حديث رقم ٤٧٦٣ عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ زُرَارَةَ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، قَالَ: قَاتَلَ يَعْلَى رَجُلًا، فَعَضَّ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، فَانْتَزَعَ يَدَهُ مِنْ فِيهِ، فَنَدَرَتْ ثَنِيَتُهُ، فَأَخْتَصَمَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَِّ، فَقَالَ: (يَعَضُّ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ، كَمَا يَعَضُ الْفَحْلُ، لَا دِيَّةَ لَهُ))). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح وشيخه هو أحد مشايخ الستة، كسابقه، و((محمد بن جعفر)): هو غندر، والكلام في السند مرّ فيما قبله . وقوله: ((قاتل يعلى الخ)): أي ضاربه. وقوله: ((فندرت ثنيّته)) بفتح النون والدال المهملة: أي سقطت. قال الفيّوميّ رحمه اللَّه تعالى: نَدَرَ الشيءُ نُدُورًا، من باب قعد: سقط، أو خرج من غيره، ومنه نادر الجبل، وهو ما يخرُج منه، ويبرُزُ، وندر فلانٌ من قومه: خرج، وندر العظم من موضعه: زال، ويتعدّى بالهمزة، والاسم النَّذرة بالفتح، والضمّ لغةٌ. انتهى. وقوله: ((يعض أحدكم)): هو بتقدير همزة الاستفهام، والأصل: أيعضّ، والاستفهار للإنكار. و(يَعَضُ))- بفتح أوله، والعين المهملة، بعدها ضاد معجمة ثقيلة- وفي رواية مسلم: ((يَعْمِدُ أحدكم إلى أخيه، فيعضه))، وأصلُ عَضَّ عَضِضَ، بكسر الأولى، يَعضَضُ، بفتحها، فأدغمت. قاله في ((الفتح)). والحديث متفقٌ عليه، كما سبق بيانه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٧٦٣ (أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ زُرَارَةَ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، أَنَّ يَعْلَى قَالَ، فِي الَّذِي عَضَّ، فَتَدَرَتْ ثَنِيَتُهُ: إِنَّ النَّبِيَّ وَِّ، قَالَ: (لَا دِيَّةَ لَكَ))). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير شيخه سُويد بن نصر، فإنه من أفراده هو والترمذيّ، وهو مروزيّ ثقة، لقبه الشاه، رواية ابن المبارك. و((عبد الله)): هو ابن المبارك. [تنبيه]: هكذا ساق في ((المجتبى)) نصّ هذا الحديث، وظاهره أنه من مسند يعلى رَّه، لا من مسند عمران رَّه، وهو مخالف لما في ((الكبرى))، ولفظه: ((أخبرنا سويد بن نصر المروزيّ، قال: أنبأنا عبد اللَّه، عن شعبة، عن قتادة، عن زرارة، عن عمران بن حصين، أن رجلًا عضّ ذراع رجل، فانتزع ثنيته، فانطلقا إلى النبيّ مَاللّه فذكر ذلك له، فقال: ((أردت أن تقضَم ذراع أخيك، كما يقضم الفحل، فأبطلها)). ٨٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْقَسَامَةِ فهذا ظاهر في كونه من مسند عمران رَّه ، وهو الذي يقتضيه صنيع الحافظ أبي الحجّاج المزيّ رحمه الله تعالى في ((تحفة الأشراف)) حيث أورد الحديث في مسند عمران بن حُصين، في ترجمة زُرارة بن أوفى، عن عمران بن حصين. والظاهر أن ما في ((الكبرى)) هو الصواب؛ لأن رواية شعبة التي قبله تؤيّده، فإنها صريحة في كونه من مسند عمران رَّه ، وهي التي أخرجها مسلم في ((صحيحه))، والله تعالى أعلم. والحديث تقدّم الكلام عليه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٧٦٤- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو هِشَامِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا زُرَارَةُ بْنُ أَوْفَى، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَّيْنٍ، أَنَّ رَجُلًا عَضَّ ذِرَاعَ رَجُلٍ، فَانْتَزَعَ ثَنِيَتَهُ، فَانْطَلَقَ إِلَىِ النَّبِيِّ ◌َ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَّهُ، فَقَالَ: ((أَرَدْتَ أَنْ تَقْضَمَ ذِرَاعَ أَخِيَكَ، كَمَّا يَقْضَمُ الْفَخْلُ، فَأَبْطَلَّهَا))). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح. و(محمد بن عبد الله بن المبارك)): هو الْمُخَرِّميّ، أبو جعفر البغداديّ، الثقة الحافظ [١١] ٥٠/٤٣. و(أبو هشام)): هو المغيرة بن سَلَمة المخزوميّ البصريّ، ثقة ثبتٌ، من صغار [٩] ٨١٥/٢٨. و((أبان)): هو ابن يزيد العطّار، أبو يزيد البصريّ، ثقة له أفراد [٧] ٩ / ٧٨٧ . وقوله: ((فأبطلها)»: أي أبطل ديتها . والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق بيانه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب . ((إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب)). ٢٠- (بَابُ الرَّجُلِ يَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهِ) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: ((يدفع)) بفتح حرف المضارعة، مبنيًّا للفاعل، من باب نفع: أي يدفع ظلم المعتدي عن نفسه. والله تعالى أعلم بالصواب. ٤٧٦٥- (أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ الْخَلِيلِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ