Indexed OCR Text
Pages 21-40
٢١ ٧- (بَأَبُ الْقَوَدِ بَيْنَ الأَحْرَارِ، وَالْمَمَالِيكِ ... - حديث رقم ٤٧٣٧ رواية المنع على غير المميز، واحتج بعموم الحديث؛ ولأنه مسلم مميز، فصح أمانه، كالبالغ، وفارق المجنون، فإنه لا قول له أصلا. أفاده في ((المغني)) ١٣ / ٧٥ -٧٦. وقال في ((الفتح)) ٤١٠/٦ -: قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على جواز أمان المرأة، إلا شيئا ذكره عبد الملك- يعني ابن الماجشون، صاحب مالك- لا أحفظ ذلك عن غيره، قال: إن أمر الأمان إلى الإمام، وتأول ما ورد مما يخالف ذلك، على قضايا خاصة، قال ابن المنذر: وفي قول النبي وَ الر: ((يسعى بذمتهم أدناهم)) دلالة على إغفال هذا القائل. انتهى. وجاء عن سحنون مثل قول ابن الماجشون، فقال: هو إلى الإمام، إن أجازه جاز، وأن رده رد. وأما العبد، فأجاز الجمهور أمانه، قاتل أولم يقاتل. وقال أبو حنيفة: إن قاتل جاز أمانه، وإلا فلا. وقال سحنون: إذا أذن له سيده في القتال صح أمانه، وإلا فلا. وأما الصبي، فقال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن أمان الصبي غير جائز. قال الحافظ: وكلام غيره يشعر بالتفرقة بين المراهق وغيره، وكذلك المميز الذي يعقل، والخلاف عن المالكية والحنابلة. وأما المجنون، فلا يصح أمانه بلا خلاف، كالكافر، لكن قال الأوزاعي: إن غزا الذمي مع المسلمين، فأمّن أحدًا، فإن شاء الإمام أمضاه، وإلا فليرده إلى مأمنه. وحكى ابن المنذر عن الثوري، أنه استثنى من الرجال الأحرارِ الأسيرَ في أرض الحرب، فقال: لا ينفذ أمانه، وكذلك الأجير. انتهى ((الفتح)) ٦/ ٤١٠-٤١١. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الأرجح عندي جواز الأمان مطلقًا، من المرأة، والعبد، والصبيّ المميّز؛ لعموم النصّ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٧٣٧- (أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْقَوَارِيرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَامِرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي حَسَّانَ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ نَِّ قَالَ: ((الْمُؤْمِنُونَ تَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ، وَهُمْ يَدِّ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ، يَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ، لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ، وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ)). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((أبو بكر بن عليّ)): هو أحمد بن عليّ بن سعيد بن إبراهيم المروزيّ القاضي، ثقة حافظ [١٢]٢٠٩٤/١ من أفراد المصنّف. و((القواريريّ)): هو عبيد الله بن عمر بن ميسرة، أبو سعيد البصريّ، نزيل بغداد، ثقة ثبتٌ [١٠]٢٣١١/٥٩. و((محمد بن عبد الواحد)» بن أبي حَزْم الْقُطَعيّ- بضم القاف، وفتح المهملة- البصريّ صدوقٌ [٨]. ٢٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْقَسَامَةِ روى عن عمر بن عامر البصريّ، ويحيى بن إسحاق الحضرميّ، ويونس بن عُبيد، وعثمان بن سعد الكاتب. وروى عنه إسماعيل بن سيف البصريّ، وعبيد الله بن عمر القواريريّ. ذكره ابن حبّان في ((الثقات)). وقال ابن شاهين في ((الثقات)): محمد بن عبد الواحد بن أبي حزم، قال يحيى بن معين: كان صاحب سنّة، وكان حمّاد بن زيد يُقدّمه. تفرّد به المصنّف بهذا الحديث فقط. و((عمر بن عامر)) السلميّ، أبو حفص البصريّ، قاضيها، صدوقٌ له أوهام [٦]. وفي ((تهذيب التهذيب)) ٢٣٥/٣-٢٣٦: رَوَى عن قتادة، وعمرو بن دينار، وأيوب السختياني، ويحيى بن أبي كثير، وغيرهم، وأرسل عن حطان بن عبد اللَّه الرقاشي. وروى عنه سعيد بن أبي عروبة، وسالم بن نوح، ومحمد بن عبد الواحد بن أبي حَزْم، ومعتمر بن سليمان، وعباد بن العوام، ويزيد بن أبي زريع، وآخرون. قال ابن المديني: سألت يحيى بن سعيد، حملت عنه أشياء؟، قال، لا، ولا حرف. وقال صالح بن أحمد، عن أبيه: كان يحيى بن سعيد لا يرضاه، وكذا قال أبو طالب، عن أحمد، وزاد: روى أحاديث أنكرها. وقال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: كان شعبة لا يستمريه. وقال ابن معين: ليس به بأس، زاد بعضهم عن ابن معين: ثقة. وقال ابن الدورقي، عن بن معين: عمر بن عامر بجلي، كوفي ضعيف، تركه حفص ابن غياث. قال الحافظ: وينبغي أن يحرر هذا الذي حكاه ابن الدورقي، عن ابن معين، فإني أظن أنه في رجل آخر، غير صاحب الترجمة، يدل عليه كونه نسبه بجليا كوفيا، وصاحب الترجمة سلمي بصري. انتهى. وقال يعقوب بن شيبة: سمعت ابن المديني يقول: عمر بن عامر، شيخ صالح، كان على قضاء البصرة، مات فَجْأَة، قال علي: قال أبو عبيدة: لم يمت قاض فجأة غيره. وقال أبو زرعة: مات وهو ساجد. وقال أبو حاتم: سعيد، وهشام أحب إلي منه، وهو يجري مع همام. وقال عمرو بن علي: عمر بن عامر، ويحيى بن محمد بن قيس، ليسا بَمَترُوكِي الحديث. وقال الآجري، عن أبي داود: ضعيف، وأبو هلال فوقه، وعمران القطان عندي فوقه، وكان قاضي البصرة. وقال النسائي: ضعيف، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: مات سنة خمس وثلاثين ومائة. وقيل: سنة تسع. وقال الساجي: هو من الشيوخ، صدوق، ليس بالقوي، فيه ضعف، قال: وقال أحمد: كان عبد الصمد ابن عبد الوارث، يروي عنه عن قتادة مناكير. وقال العقيلي: ثنا عبد الله بن أحمد، سمعت أبي، يقول: عمر بن عامر ثقة، ثبت في الحديث، إلا أنه كان مرجئا. وقال ٢٣ ١٠- (القَوَدُ مِنَ السَّيَّدِ لِلْمَوْلَى) - حديث رقم ٤٧٣٨ العجلي: ثقة. تفرّد به مسلم، والمصنّف، وليس له عند المصنّف غير هذا الموضع. و((قتادة)): هو ابن دعامة البصريّ. و ((أبو حسّان)): هو مسلم بن عبد الله الأعرج الأجرد البصريّ، مشهور بكنيته، صدوقٌ رُمي برأي الخوارج [٤] ١٤/ ٤٧٣ . وقوله: ((تكافؤ)) هو بحذف إحدى التاءين، وأصله: تتكافؤ. والحديث صحيح، تقدّم شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنیب)). ١٠- (الْقَوَدُ مِنَ السَّيِّدِ لِلْمَوْلَى) قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: أراد رحمه اللَّه تعالى بالمولى الأسفلَ، وهو العبد. والله تعالى أعلم بالصواب. ٤٧٣٨- (أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، هُوَ الْمَزْوَزِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللّهِنَّ قَالَ: ((مَنْ قَتَلَ عَبْدَهُ قَتَلْنَاهُ، وَمَنْ جَدَعَهُ جَدَعْنَاهُ، وَمَنْ أَخْصَاهُ أَخْصَيْنَاهُ))). رجال هذا الإسناد : ستة: ١- (محمود بن غيلا) أبو أحمد المروزيّ، نزيل بغداد، ثقة [١٠] ٣٧/٣٣ . ٢- (أبو داود) سليمان بن داود بن الجارود البصريّ، ثقة حافظ [٩] ٣٤٣/١٣. م ◌ُأَلا (هشام) بن أبي عبد الله سنبر الدستوائيّ البصري، ثقة ثبت، من كبار [٧] ٣٠/ ٣٤ . ٤ - (سمرة) بن جندب بن هلال الصحابي المشهور رضي اللّه تعالى عنه ٣٩٣/٢٥. والباقيان تقدما في الباب الماضي. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير أن في سماع الحسن من سمرة ظنّه لغير حديث العقيقة كلامًا، ٢٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْقَسَامَةِ كما سيأتي بيانه. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير شيخه، فمروزي، ثم بغداديّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ سَمُرَةً) بن جندب ◌َّهِ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ نَِّ قَالَ: ((مَنْ قَتَلَ عَبْدَهُ قَتَلْنَاهُ) قال السنديّ: اتّفق الأئمة على أن السيّد لا يُقتل بعبده، وقالوا: الحديث وارد على الزجر، والردع؛ ليرتدعوا، ولا يُقدموا على ذلك. وقيل: ورد في عبد أعتقه سيّده، فسُمّي عبده باعتبار ما كان. وقيل: منسوخٌ. قال: حاصل الوجه الأول أن المراد بقوله: ((قتلناه»، وأمثاله: عاقبناه، وجازيناه على سوء صنيعه، إلا أنه عبّر بلفظ القتل، ونحوه للمشاكلة، كما في قوله تعالى: ﴿وَجَزَّوَاْ سِبْتٍَ سَفِئَةٌ مِّثْلُهَاً﴾ الآية، وفائدة هذا التعبير الزجر، والردع، وليس المراد أنه تكلّم بهذه الكلمة لمجرّد الزجر، من غير أن يُريد به معنّى، أو أنه أراد حقيقته؛ لقصد الزجر، فإن الأول يقتضي أن تكون هذه الكلمة مهملة، والثاني يؤدّي إلى الكذب؛ لمصلحة الزجر، وكلُّ ذلك لا يجوز، وكذا كلُّ ما جاء في كلامهم، من نحو قولهم: هذا واردٌ على سبيل التغليظ والتشديد، فمرادهم أن اللفظ يُحمل على معنى مجازيّ، مناسبٍ للمقام. قال: وهذه الفائدة تنفعك في مواضع، فاحفظها. وأما قولهم: ورد في عبد أعتقه، فمبنيّ على أن ((من)) موصولة، لا شرطيّةٌ، والكلام إخبارٌ عن واقعة بعينها. والله تعالى أعلم. انتهى (شرح السنديّ)) ٢٠/٧-٢١. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: عندي أن هذه التأويلات غير صحيحة؛ لكونها منافية لأسلوب النصّ، فلو كان الحديث صحيحًا لما جاز تأويله بهذه التأويلات الباردة، بل يكون على ظاهره من أن السيّد يُقتل إذا قتل عبده، كما هو مذهب بعض السلف، كإبراهيم النخعيّ، على ما يأتي قريبًا، وأما قولهم: ورد في عبد الخ فأبعد التأويلات المذكورة، فتبصّر، ولا تتحيّر. والله تعالى أعلم. (وَمَنْ جَدَعَهُ) بالتخفيف: أي قطع أنفه، أو نحوه، يقال: جدعتُ الأنف جَذْعًا، من باب نفع: قطعته، وكذا الأذن، واليد، والشفة، وجَدِعَت الشاة جَدَعًا، من باب تعِبَ : قُطعت أذنها من أصلها، فهي جدعاء، وجُدِع الرجلُ: قُطع أنفه وأذنه، فهو أجدع، والأنثى جَدْعَاءُ. قاله الفيّوميّ. وقال في ((اللسان)): وقيل: لا يقال: جَدِعَ، ولكن جُدِعَ من المجدوع(١) . انتهى. وقال السنديّ: والتشديدُ للتكثير، لا يناسب المقام. (١) قال الزمخشريّ: ولا يقال: جَدِعَ بالبناء للفاعل- ولكن جُدِعَ بالبناء للمفعول- كما لا يقال: في الأقطع: قَطِعَ، ولكن قُطع. انتهى من هامش ((المصباح المنير)) ٩٣/١. ٢٥ = ١٠- (القَوَدُ مِنَ السَّيْدِ لِلْمَوْلَى) - حديث رقم ٤٧٣٨ انتهى (جَدَعْنَاهُ) أي عاقبناه بمثل ما فعل (وَمَنْ أَخْصَاهُ أَخْصَيْنَاهُ) هكذا رواية المصنّف ((أخصاه)) بالهمزة، وفي رواية أبي داود: ((ومن خصا خصيناه)»، وهو الذي في كتب اللغة، يقال: خصيت العبدَ أَخصيه خِصَاءً بالكسر والمدّ: سَلَلتُ خَصْييه، فهو خصيّ، فَعِيلٌ بمعنى مفعول، مثلُ جَريح، وقَتِيلٍ، والجمع خِصْيانٌ، وخَصَيتُ الفرس: قطعت ذكره، فهو مخصيّ، يجوز استعمال فَعِيل، ومفعول فيهما. قاله الفيّوميّ. وفي ((القاموس)): الْخُصيُّ، والخُصية بضمّهما، وكسرهما: من أعضاء التناسل، وهاتان خُصْيتان، وخُصيَان، جمعه خُصَى، وخَصَاه: سَلَّ خُصيبه، فهو خصيّ، ومَخْصيّ. انتھی . والمعنى هنا: أن من اعتدى على عبده، فخصاه، نعاقبه بمثل ما اعتدى، فنخصیه، كما خصاه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان . مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته : حديث سمرة رَّه هذا ضعيف؛ للكلام في سماع الحسن منه، غير حديث العقيقة . وقال المصنّف رحمه الله تعالى في ((الكبرى)) ٢١٨/٤ رقم ٦٩٣٩ -: ما نصه: قال أبو عبد الرحمن: الحسن عن سمرة، قيل: إنه من الصحيفة(١)، غير مسموعة، إلا حديث العقيقة، فإنه قيل للحسن: ممن سمعت حديث العقيقة؟ قال: قال(٢): من سمرة، وليس كلُّ أهل العلم يُصحّح هذه الرواية: قوله: قلت للحسن: ممن سمعت حديث العقيقة؟. انتهى. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٤٧٣٨/١٠ و٤٧٣٩ و٤٧٤٠ و٤٧٥٥/١٦ و٤٧٥٦- وفي ((الكبرى)) ٦٩٣٨/٩ و٦٩٣٩ و٦٩٤٠ و٦٩٥٥/١٥ و٦٩٥٦. وأخرجه (د) في ((الديات)) ٤٥١٥ (ت) في ((الديات)) ١٤١٤ (ق) في ((الديات)) ٢٦٦٣ (أحمد) في ((مسند البصريين)) ١٩٥٩٨ و١٩٦١٤ و٢٧٧٠٨ و١٩٦٨٥ و١٩٧٠ (الدارمي) في ((الديات)) ٢٢٥٢. والله تعالى أعلم. (١) هكذا النسخة ((الصحيفة)) بالتعريف، والظاهر أن الأولى ((صحيفة)) بالتنكير، كما لا يخفى، والله تعالى أعلم. (٢) هكذا النسخة بتكرار ((قال))، والظاهر أن الأولى إسقاط أحدهما. ٢٦ == شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْقَسَامَةِ (المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في قتل السيّد بعبده: قال الإمام الترمذيّ رحمه الله تعالى بعد أن أخرج الحديث: قد ذهب بعض أهل العلم من التابعين، منهم إبراهيم النخعيّ إلى هذا، وقال بعض أهل العلم، منهم الحسن البصريّ، وعطاء بن أبي رباح: ليس بين الحرّ والعبد قصاص في النفس، ولا في دون النفس، وهو قول أحمد، وإسحاق. وقال بعضهم: إذا قتل عبده لا يُقتل به، وإذا قتل عبد غيره قُتل به، وهو قول سفيان الثوريّ. انتهى. وقال في ((المغني)): ما حاصله: ذهب أكثر أهل العلم إلى أنه لا يقتل السيد بعبده، وحُكي عن النخعي، وداود: أنه يقتل به؛ لما روى قتادة، عن الحسن، عن سمرة ◌َّه أن النبي ◌َ ◌ّر قال: ((من قتل عبده قتلناه، ومن جدعه جدعناه))، رواه سعيد، والإمام أحمد، والترمذي، وقال: حديث حسن غريب، مع العمومات. واحتجّ الأولون بما رُوي عن عمر رضي الله عنه، أنه قال: لو لم أسمع رسول اللَّه وَله، يقول: ((لا يقاد المملوك من مولاه، والولد من والده))، لأقدته منك، رواه النسائي(١). وعن علي تَظّي أن رجلا قتل عبده، فجلده النبي ◌َّ مائة جلدة، ونفاه عاما، ومحا اسمه من المسلمين، رواه سعيد، والخلال، وقال أحمد: ليس بشيء من قبل إسحاق بن أبي فروة، ورواه عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن أبي بكر وعمر، أنهما قالا: ((من قتل عبده جلد مائة، وحرم سهمه مع المسلمين)). فأما حديث سمرة، فلم يثبت، قال أحمد: الحسن لم يسمع من سمرة، إنما هي صحيفة، وقال عنه أحمد: إنما سمع الحسن من سمرة ثلاثة أحاديث، ليس هذا منها، ولأن الحسن أفتى بخلافه، فإنه يقول لا يقتل الحر بالعبد، وقال: إذا قتل السيد عبده يضرب، ومخالفته له تدل على ضعفه. قاله في ((المغني)) ١١ /٤٧٤-٤٧٥ . قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: عندي أن قول من قال بثبوت القصاص إذا قتل السيّد عبده هو الأرجح؛ لعموم الأدلّة الموجبة له، وأما الأحاديث التي احتج بها الموجبون، والنافون، فإنها ضعاف، فحديث سمرة قد عرفت آنفًا ضعفه، وحديث عمر رَظَلَّه تفرّد به عمر بن عيسى، كما قال البيهقي، وذكر عن البخاريّ أنه قال: منكر الحديث. وحديث عليّ رَوثّه في سنده جابر الجعفيّ، وهو ضعيف. والحاصل أن هذه الأحاديث لا تصلح للاحتجاج بها، وإنما الحجة هي الأدلة العامة التي توجب القصاص مطلقًا بشروطه، فإخراج السيّد عنها يحتاج إلى دليل قويّ، ولم (١) يحتاج إلى التأكد من عزوه إلى النسائيّ، والله تعالى أعلم. ١١ - (قَتَلُ الْمَرْأَةَ بِالْمَرْأَةِ) - حديث رقم ٤٧٤١ = ٢٧ يوجد، فيبقى العمل بها ثابتًا، لا سيّما وقد عرفت أن بعض أهل العلم من السلف قال بثبوت القصاص المذكور، فتبصّر، ولا تتحيّر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٧٤٠- (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ بِّهِ: (مَنْ قَتَلَ عَبْدَهُ قَتَلْنَاهُ، وَمَنْ جَدَعَ عَبْدَهُ جَدَعْنَاهُ»). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((أبو عوانة)): هو الوضّاح بن عبد اللَّه اليشكريّ الواسطيّ. والحديث ضعيف، وقد سبق بيانه في الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب)). ١١- (قَتْلُ الْمَرْأَةِ بالْمَرْأَةِ) ٤٧٤١ - (أَخْبَرَنَا يُوسُفُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابْنِ جُرَیْجِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، أَنَّهُ سَمِعَ طَاوُسًا، يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ، أَنَّهُ نَشَدَ قَضَاءَ رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ فِي ذَلِكَ، فَقَامَ حَمَلُ بْنُ مَالِكِّ، فَقَالَ: كُنْتُ بَيْنَ حُجْرَتَي امْرَأَتَيْنٍ، فَضَرَبَتْ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى بِمِسْطَحِ، فَقَتَلَتْهَا، وَجَنِينَهَا، فَقَضَى النَّبِيُّ وَّرِ فِيَ جَنِينِهَا بِغُرَّةٍ، وَأَنْ تُقْتَلَ بِهَا). رجال هذا الإسناد : سبعة : ١- (يوسف بن سعيد) المصّيصيّ ثقة حافظ [١١] ١٩٨/١٣١. ٢- (حجاج بن محمد) الأعور المصّيصيّ، ثقة ثبت، اختلط في آخره [٩] ٣٢/٢٨ . ٣- (ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأموي مولاهم المكي، ثقة فقيه فاضل، يدلّس ويرسل [٦] ٣٢/٢٨. ٤- (عمرو بن دينار) الجمحي مولاهم، أبو محمد الأثرم المكيّ، ثقة ثبت [٤] ١٥٤/١١٢. ٥- (طاوس) بن كيسان الحميري مولاهم، أبو عبد الرحمن اليماني، ثقة ثبت فقيه [٣] ٣١/٢٧ . ٦- (ابن عباس) عبد اللَّه رضي الله تعالى عنهما ٣١/٢٧ . ٢٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْقَسَامَةِ ٧- (حَمَلُ بنُ مالك) بن النَّابِغَة الهُذَلي، أبو نَضْلَة الصحابي تنظيم تأتي ترجمته قريبًا . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سباعيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالمكيين، من ابن جريج، وأما شيخه، وحجاج، فمصّيصيّان. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وصحابيّ، عن صحابيّ. (ومنها): أن صحابيه من المقلين من الرواية، فليس إلا هذا الحديث عند أصحاب السنن إلا الترمذيّ. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي اللَّه تعالى عنهما (عَنْ عُمَرَ) بن الخطّاب (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّهُ نَشَدَ) أي طلب، أوسأل مقسمًا بالله تعالى، يقال: نشدتُ الضالّة نَشْدًا، من باب قتل: إذا طلبتها، وكذا إذا عرّفتها، والاسم نِشْدة، ونِشْدانٌ، بكسرهما، وأنشدتها بالألف: عرّفتها، ونشدتك الله، وبالله، أنشُدُك: ذكّرتك به، واستعطفتك، أو سألتك به مقسمًا عليك. قاله الفيوميّ. وفي رواية أبي داود من طريق ابن عيينة، عن عمرو: ((قام عمر رَّه على المنبر))، فذکر معناه . (قَضَاءَ رَسُولِ اللَّهِ وَلَّ) بنصب ((قضاء)) على أنه مفعول ((نشَدَ)) (فِي ذَلِكَ) ولفظ أبي داود: ((عن عمر أنه سأل عن قضيّة النبيّ وَّ في ذلك)) زاد في رواية ابن ماحه: ((يعني في الجنين)) (فَقَامَ حَمَلُ) بفتح الحاء المهملة، والميم (ابْنُ مَالِكِ) بن النابغة- بالموحّدة المكسورة، والغين المعجمة- الْهُذَلَيّ، أبو نَضْلَة الصحابيّ، نزيل البصرة، روى عن النبيّ ◌َّ هذا الحديث فقط، وروى عنه ابن عبّاس. وذكر أبو ذرّ الهرَويّ في ((مستدركه)) أن عمر بن الخطّابِ رَّهِ روى عنه أيضًا. وروى أبو موسى في ((الذيل)) في ترجمة عامر بن مُرَقّش أن حملًا هذا قُتل في عهد النبيّ وَّرَ، قال الحافظ: وهو من الأوهام؛ لأن في حديثه هذا أنه قام إلى عمر لَمّا خطب، فحدّثه. انتهى روى له المصنّف، وأبو داود، وابن ماجه هذا الحديث فقط (فَقَالَ: كُنْتُ بَيْنَ حُجْرَتَي امْرَأَتَيْنِ) بضمّ الحاء المهملة، وسكون الجيم -: الْغُرْفة، وجمعها حُجَرٌ، كغرفة وغُرَف،َ وحُجُرُ بمضمتين، وحجَرَات بفتح الجيم، وسكونها. أفاده في ((القاموس)). وفي رواية أبي داود: ((كنت بين امرأتين))، وزاد في رواية ابن ماجه: ((لي)) (فَضَرَبَتْ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى) وفي الرواية الآتية في ٤٠/ ٤٨٣٠- عن ابن عبّاس رضي اللّه عنهما قال: كان اسم إحداهما مُليكة، والأخرى أَمْ غُطَيف)). انتهى (بِمِسْطَحٍ) بكسر الميم، ٢٩ ١١- (قَتَلُ الْمَرْأَةَ بِالْمَزْأَةِ) - حديث رقم ٤٧٤١ وسكون السين، وفتح الطاء المهملتين: أي عُود من أعواد الخباء. ذكره أبو داود في ((سننه)) عن أبي عبيد، ونقل عن النضر بن شُميل أنه قال: الْمِسْطح: هو الصّوْبَج. وهو كما في ((القاموس)): بفتح الصاد، وتضمّ: الذي يُخَز به، معرّب (فَقَتَلَتْهَا، وَجَنِينَهَا) بالنصب عطفًا على الضمير المنصوب، و((الجنين))- بفتح الجيم، وكسر النون -: الولد ما دام في بطن أمه، والجمع أَجِنَّة، كدليل وأدلّة، قيل: سُمّي بذلك؛ لاستتاره، فإذا وُلد، فهو منفوسٌ. قاله الفيوميّ . وفي الرواية الآتية ٤٠/ ٤٨٣٠ - من طريق سماك، عن عكرمة، عن ابن عبّاس رضي اللَّه تعالى عنهما، قال: ((فأسقطت غلامًا قد نبت شعره، ميتًا، وماتت المرأة، فقضى على العاقلة الدية، فقال عمّها: إنها قد أسقطت يا نبيّ اللَّه غلامًا قد نبت شعره، فقال أبو القاتلة: إنه كاذبٌ، إنه والله ما استهلّ، ولا شرب، ولا أكل، فمثله يُطلّ، فقال النبيّ وَّهِ: ((أسجع الجاهليّة، وكهانتها؟ إنّ في الصبيّ غرّةً)). (فَقَضَى النَّبِيُّ ◌َِّ فِي جَنِينِهَا بِغُرَّةٍ) وفي رواية لأبي داود من طريق ابن عيينة، عن عمرو ابن دينار: ((بغرّة: عبد، أو أمة)). و((الغرّة))- بضم الغين المعجمة، وتشديد الراء -: العبد، أو الأمة، وأصل الغرّة: البياض الذي يكون في وجه الفرس، وكان أبو عمرو بن العلاء يقول: الْغُرّة عبد أبيض، أو أمة بيضاء، وسُمّي غرّة لبياضه، فلا يُقبل في الدية عبدٌ أسود، ولا جاريةٌ سوداء، لكن هذا ليس شرطًا عند جمهور الفقهاء، وإنما الغرّة عندهم ما بلغ ثمنه نصف عشر الدية، من العبيد، والإماء. قاله ابن الأثير في ((النهاية)) ٣٥٣/٣، وسيأتي تمام البحث في ذلك في موضعه ٤٨١٥/٣٩ - ((باب دية جنين المرأة))، إن شاء الله تعالى (وَأَنْ تُقْتَلَ بَهَا) قال المنذريّ رحمه الله تعالى: قوله: ((وأن تُقتل بها)) لم يُذكر في غير هذه الرواية. وقد رُوي عن ابن دينار أنه شكّ في قتل المرأة بالمرأة. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الظاهر أن هذه الزيادة لا تثبت؛ لمخالفة ابن جريج سفيان بن عيينة بزيادتها، وسفيان أثبت في عمرو بن دينار من ابن جريج، كما هو مشهور في ترجمته، ولكون عمرو بن دينار شكّ في قتل المرأة بالمرأة، فلو كانت ثابتة في الرواية لما شكّ فيه، ولأن هذا الحديث مرويّ من طرق كثيرة في ((الصحيحين))، وفي غيرهما، ولم تذكر هذه الزيادة في شيء من الروايات أصلًا، وسأعود إلى البحث أيضًا في ٤٠ /٤٨٢٤ - باب ((صفة شبه العمد))، إن شاء الله تعالى. وزاد في رواية ابن عيينة المذكورة: ((فقال عمر رَّ: الله أكبر، لو لم أسمع بهذا لقضينا بغير هذا)). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان . ٣٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْقَسَامَةِ مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث حمل بن مالك وَيُّه عنه هذا صحيح. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٤٧٤١/١١ ٤٨١٨/٣٩- وفي ((الكبرى)) ٦٩٤١/١٠ و٧٠٢٠/٣٨. وأخرجه (د) في ((الديات)) ٤٥٧٢ (ق) في (الديات)) ٢٦٤١ . والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان مشروعيّة قتل المرأة إذا قتلت امرأة عمدًا، ولا خلاف بين العلماء في ذلك، لكن في استدلال المصنّف بهذا الحديث نظر؛ لأن زيادة: ((وأن تُقتل بها)) غير ثابتة، كما أشرت إليه آنفًا. (ومنها): أن فيه بيان شدّة الغيرة بين الضرائر، بحيث يؤديهنّ إلى قتل بعضهنّ بعضًا. (ومنها): وجوب الغرّة: عبد، أو أمة في إسقاط الجنين إذا خرج ميتًا، وأما إذا خرج حيّا ثم مات ففيه الدية كاملة، وسيأتي تمام البحث في ذلك في بابه، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللّه، عليه توكّلت، وإليه أنیب)) . ١٢- (الْقَوَدُ مِنَ الرَّجُلِ لِلْمَرْأَةِ) ٤٧٤٢- (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدَةُ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَس، رَّ، أَنَّ يُهُودِيًّا قَتَلَ جَارِيَةً، عَلَى أَوْضَاحِ لَهَا، فَأَقَّادَهُ رَسُولُ اللَّهِ وَ بِهَا). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا. و((إسحاق بن إبراهيم)): هو ابن راهويه. و((عبدة)): هو ابن سليمان الكلابيّ. و((سعيد)): هو ابن أبي عروبة. وقوله: ((على أوضاح)): جمع وَضَحِ بحاء مهملة: هي نوعٌ من الحليّ، يُعمل من الفضّة، سُمّيت بها لبياضها. وقوله: ((فأقاده بها)): أي أمر أن يُقتل بسبب قتلها. والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم في ٩/ ٤٠٤٦- وسبق شرحه، وبيان مسائله هناك، / ٣١ ١٢- (القَوَدُ مِنَ الرَّجُلِ لِلْمَزْأَةِ) - حديث رقم ٤٧٤٢ وقد بقي البحث فيما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، فأقول: (مسألة): في اختلاف أهل العلم في قتل الرجل بالمرأة: ذهب عامّة أهل العلم إلى أنه يُقتل الذكر بالأنثى، والأنثى بالذكر، وممن رُوي عنه النخعي، والشعبي، والزهري، وعمر بن عبد العزيز، ومالك، وأهل المدينة، والشافعي، وأحمد؛ وإسحاق، وأصحاب الرأي، وغيرهم. ورُوي عن علي رضي الله عنه، أنه قال: يُقتل الرجل بالمرأة، ويُعطَى أولياؤه نصف الدية، أخرجه سعيد بن منصور، وابن جرير في تفسيره، وروي مثل هذا عن أحمد، وحُكي ذلك عن الحسن، وعطاء، وحُكي عنهما مثل قول الجماعة، قال الموفّق: ولعل من ذهب إلى القول الثاني، يَحتَجّ بقول علي رضي الله عنه؛ ولأن عقلها نصف عقله، فإذا قُتل بها بقي له بقية، فاستوفيت ممن قتله. واحتجّ الجمهور بقوله تعالى: ﴿اَلنَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥]، وقوله تعالى: ﴿اَلْهُرُّ بِالْخُرُ﴾ [البقرة: ١٧٨]، مع عموم سائر النصوص، وقد ثبت أن النبي وَّ قَتَل يهوديا رَضْ رأس جارية من الأنصار، متّفقٌ عليه، ورَوَى أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده: أن رسول اللّه وَ لّر، كتب إلى أهل اليمن بكتاب، فيه الفرائض، والأسنان، وأن الرجل، يُقتل بالمرأة، وسيأتي للنسائيّ في ٤٦/ ٤٨٥٥- وهو كتاب مشهور، عند أهل العلم، مُتَلَقَّى بالقبول عندهم؛ ولأنهما شخصان يُحد كل واحد منهما بقذف صاحبه، فقُتل كل واحد منهما بالآخر، كالرجلين، ولا يجب مع القصاص شيء؛ لأنه قصاص واجب، فلم يجب معه شيء على المقتص، كسائر القصاص، واختلاف الأبدال لا عبرة به في القصاص، بدليل أن الجماعة يُقتلون بالواحد، والنصراني يؤخذ بالمجوسي، مع اختلاف ديتيهما، ويؤخذ العبد بالعبد مع اختلاف قيمتيهما. أفاده في ((المغني)) ١١ / ٥٠٠-٥٠١. وقال الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى في ((صحيحه)) ٦/ ٢٥٢٤: ((باب القصاص بين الرجال والنساء في الجراحات))، وقال أهل العلم: يقتل الرجل بالمرأة، ويُذكر عن عمر تقاد المرأة من الرجل، في كل عمد يبلغ نفسه، فما دونها من الْجِرَاح، وبه قال عمر بن عبد العزيز، وإبراهيم، وأبو الزناد عن أصحابه، وجَرَحت أخت الربيع إنسانا، فقال النبي ◌َّة: ((القصاص)). انتهى. وقال في ((الفتح)): قال ابن المنذر: أجمعوا على أن الرجل يقتل بالمرأة، والمرأة بالرجل، إلا رواية عن علي، وعن الحسن، وعطاء، وخالف الحنفية فيما دون النفس، واحتج بعضهم بأن اليد الصحيحة لا تقطع باليد الشلاء، بخلاف النفس، فان النفس ٣٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْقَسَامَةِ الصحيحة تقاد بالمريضة اتفاقا . وأجاب ابن القصار بأن اليد الشلاء، في حكم الميتة، والحي لا يقاد بالميت. وقال ابن المنذر: لما أجمعوا على القصاص في النفس، واختلفوا فيما دونها، وجب رَدُّ المختلف إلى المتفق. انتهى ((فتح)) ١٤ /٢٠٠. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن ما ذهب إليه الجمهور من وجوب قتل الرجل بالمرأة هو الحقّ؛ لوضوح أدلّته. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٧٤٣- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو هِشَامِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبَانُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ بُهُودِيَّا أَخَذَ أَوْضَاحًا، مِنْ جَارِيَةٍ، ثُمَّ رَضَخَ رَأْسَهَا بَيْنَ حَجَرَيْنٍ، فَأَدْرَكُوَهَا وَبِهَا رَمَقْ، فَجَعَلُوا يَتْبِعُونَ بِهَا النَّاسَ، هُوَ هَذَا، هُوَ هَذَا، قَالَتْ: نَعَمْ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ وَ، فَرُضِخَ رَأْسُهُ بَيْنَ حَجَرَيْنِ). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و((محمد بن عبد الله بن المبارك)): هو الْمُخَرِّميّ، أبو جعفر البغداديّ، ثقة حافظ [١١] ٥٠/٤٣. و((أبو هشام)): هو المغيرة بن سلمة المخزوميّ البصريّ، ثقة ثبتٌ، من صغار [٩] ٨١٥/٢٨. و((أبان بن يزيد)): هو العطّار، أبو يزيد البصريّ، ثقة له أفراد [٧] ٧٨٧/٩ . وقوله: ((ثم رضخ رأسها))- بضاد، وخاء معجمتين، مبنيًّا للفاعل -: أي كسره. وقوله: ((وبها رَمَقٌ))- بفتح الراء، والميم: أي بقيّة روح. وقوله: ((فجعلوا يتبعون)): قال في ((الصحاح)): تتبّعت الشيء تَتَبُّعًا: أي تطلّبته، وكذلك تبّعته تتبيعًا، فهذا يحتمل أن يكون من التتبّع، لكن بالعدول إلى تشديد التاء المثنّاة، أو من التتبيع، والباء الموحدة على الوجهين مشدّدة، والمراد يبحثون عندها عن الناس، ويذكرونهم. قاله السنديّ . وقوله: ((قالت: نعم)): أي حين ذكروا القاتل، قالت: نعم بالإشارة، وكانت قبل ذلك تقول: لا، بالإشارة. وقوله: ((فأمر رسول اللّه وَ ليل الخ)): أي بعد أن حضر، وأقرّ بذلك، كما جاء ذلك صريحًا في الرواية التي بعد هذه، وإلا فلا عبرة بقول المقتول، فضلًا عن إيمائه. والله تعالى أعلم. وقوله: ((فرُضخ)) بالبناء للمفعول. ١٣ - (سُقُوطُ القَوَدِ مِنَ المُسْلِم لِلحَافِر) - حديث رقم ٤٧٤٥ ٣٣ والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق بيانه في الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٧٤٤- (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: أَنْبَأْنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، قَالَ: خَرَجَتَْ جَارِيَةٌ عَلَيْهَا أَوْضَاحٌ، فَأَخَذَهَا يُودِيٍّ، فَرَّضَخَ رَأْسَهَا، وَأَخَذَ مَّا عَلَيْهَا مِنَ الْحُلِيِّ، فَأَدْرِكَتْ وَبِهَا رَمَقْ، فَأَتِيَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ نَّهِ، فَقَالَ: ((مَنْ قَتَلَكِ، فُلَانٌ؟))، قَالَتْ بِرَأْسِهَا: لَا، قَالَ: ((فُلَانٌ؟))، قَالَ: حَتَّى سَمَّى الْيَهُودِيَّ، قَالَتْ بِرَأْسِهَا: نَعَمْ، فَأُخِذَ، فَاعْتَرَفَ، فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللّهِ بِّهِ، فَرُضِخَ رَأْسُهُ بَيْنَ حَجَرَيْنٍ). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة . و((همّام)): هو ابن يحيى العوذيّ. وقوله: ((فأتي رسول اللّه وَلَّ)) ببناء الفعل للمفعول. وقوله: ((فلان)) خبر لمحذوف: أي هو فلان . والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق بيانه قبل حديث. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنیب)). ١٣- (سُقُوطُ الْقَوَدِ مِنَ الْمُسْلِمِ لِلْكَافِرِ) قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: أشار بهذه الترجمة إلى الردّ على من أثبت القصاص على المسلم بقتله كافرًا، وهذا مذهب الجمهور، وهو الحقّ وسيأتي البحث فيه مُسْتَوْفّى في المسألة الرابعة من شرح الحديث الثاني إن شاء الله تعالى. ٤٧٤٥- (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَفْصِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ غُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ عَائِشَةَ، أَمِّ الْمُؤْمِنِينَ، عَنْ رَسُولِ اللّهِ وَ لِ، أَنَّهُ قَالَ: ((لَا يَحِلُّ قَتْلُ مُسْلِمٍ، إِلَّا فِي إِحْدَى ثَلَاثِ خِصَالٍ: زَانٍ مُخْصَنْ، فَيُرْجَمُ، وَرَجُلٌ يَقْتُلُ مُسْلِمًا مُتَعَمِّدًا، وَرَجُلٌ يَخْرُجُ مِنَ الْإسْلَامِ، فَيُحَارِبُ اللَّهَ ٣٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْقَسَامَةِ عَزَّ وَجَلَّ وَرَسُولَهُ، فَيُقْتَلُ، أَوْ يُصَلَّبُ، أَوْ يُنْفَى مِنَ الْأَرْضِ))). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا. و ((أحمد بن حفص)): هو السلميّ، أبو عليّ بن أبي عمرو النيسابوريّ، صدوقٌ [١١] ٤٠٩/٧. و(«أبوه)): هو حفص بن عبد الله بن راشد السلميّ، أبو عمرو النيسابوريّ، قاضيها، صدوقٌ [٩] ٤٠٩/٧. و((إبراهيم)): هو ابن طهمان أبو سعيد الخراسانيّ، سكن نيسابور، ثم مكة، ثقة يُغْرِب، وتُكُلّم فيه بالإرجاء، ويقال: رجع عنه [٧] ٧/ ٤٠٩. و((عبد العزيز بن رُفيع)): هو أبو عبد الله المكيّ، نزيل الكوفة، ثقة [٤] ١٩٠/ ٢٩٩٧ . و((عُبيد بن عُمير)): هو ابن قتادة الليثيّ، أبو عاصم المكيّ، وُلد على عهد النبيّ بَّر، كما قاله مسلم، وعدّه غيره في كبار التابعين، وكان قاصّ أهل مكة، مجمعٌ على ثقته [٢] ٤١٦/١٢. وقوله: ((لا يحلّ قتل مسلم إلا في إحدى ثلاث خصال الخ)): قال السنديّ رحمه الله تعالى: استدلّ بالحصر على أنه لا يُقتل مسلم بكافر، وأنت خبير أن الحصر يحتاج إلى تأويل؛ لأن المرتدّ يُقتل، وإن لم يُحارب بقطع الطريق، وكذلك غيره، وقد ذُكر تأويل الحصر فيما تقدّم، فلا يستقيم الاستدلال بهذا الحديث على مراده على أنه جاء في بعض رواياته: ((النفس بالنفس))، فليُتأمّل. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن استدلاله صحيح؛ إذ ليس الاستدلال بهذا الحديث بمجرّده، بل بضمه إلى ما بعده من الأحاديث، فإنها صريحة في ذلك، فإذا ضمّ إليها ظاهر الحصر المذكور حصل المقصود، وهذا ظاهر لمن تأمّله. والله تعالى أعلم. والحديث صحيح، وقد تقدّم في ٥/ ٤٠١٨ و٤٠٤٨ ومضى شرحه، وتمام البحث فيه هناك، فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٧٤٦- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ طَرِيفٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبًا جُحَيْفَةَ، يَقُولُ: سَأَلْنَا عَلِيًّا، فَقُلْنَا: هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ شَيْءٌ، سِوَى الْقُرْآنِ؟، فَقَالَ: لَا، وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ، وَبَرَأَ النَّسَمَةَ، إِلَّا أَنْ يُعْطِيَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَبْدَا، فَهْمًا فِي كِتَابِهِ، أَوْ مَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ، قُلْتُ: وَمَا فِي الصَّحِيفَةِ؟، قَالَ: فِيهَا الْعَقْلُ، وَفِكَاكُ الْأَسِيرِ، وَأَنْ لَا يُقْتَلَ مُسْلِمٌ بِكَافٍِ). رجال هذا الإسناد : ستة: ١- (محمد بن منصور) الْجَوّاز المكيّ، ثقة [١٠] ٢١/٢٠. ١٣- (سُقُوطُ القَوَدِ مِنَ الْمُسْلِمِ لِلْكَافِر) - حديث رقم ٤٧٤٦ ٣٥ ٢- (سفيان) بن عيينة الإمام الحجة الثبت المكيّ [٨] ١/١. ٣- (مُطَرِّف بن طَرِيف) أبو بكر، أو أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقة فاضلٌ، من صغار [٦] ٣٢٧/٢ . ٤- (الشعبيّ) عامر بن شَرَاحيل الْهَمْدانيّ الكوفيّ الإمام الحجة الفقيه الفاضل المشهور [٣] ٦٦ /٨٢ . ٥- (أبو جُحيفة) وهب بن عبد الله السُّوائيّ، الصحابيّ المشهور، ويقال له: وهب الخير، وصحب عليّا رَّه، ومات رَلَّه سنة (٧٤)١٣٧/١٠٣. ٦- (عليّ) بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه ٧٤/ ٩١ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، غير شيخه، فإنه مكيّ، وأما سفيان، فكوفيّ، ثم مكيّ. (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ، عن صحابيّ. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ الشَّعْبِيِّ) عامر بن شَرَاحيل، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا جُحَيْفَةَ) وهب بن عبد الله ، (يَقُولُ: سَأَلْنَا عَلِيًّا) أي ابن أبي طالب ◌َّهِ (فَقُلْنَا: هَلْ عِنْدَكُمْ) الخطاب لعليّ رَّيهِ، والجمع إما لإرادته مع بقية أهل البيت، أو للتعظيم. قاله في ((الفتح)) (مِنْ رَسُولِ اللّهِ وَّهِ شَيْءٌ، سِوَى الْقُرْآنِ؟) أي شيءٍ مكتوب، وإلا فلا شكّ أنه كان عنده أكثر مما ذُكر (فَقَالَ: لَا، وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ، وَبَرَأَ النَّسَمَةَ، إِلَّا أَنْ يُعْطِيَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ) قال السنديّ رحمه اللَّه تعالى: كأنه استثناء بتقدير مضاف: أي إلا أثر إعطاء اللَّه الخ، وكأنه كتب بعدُ آثار ما أعطاه الله تعالى من الفهم، وعَدَّه مما عنده من رسول اللّه وَلّ، إما لأنه عرضه عليه وَ لّ، فقرّره، أو لأنه لَمّا استخرجه من كلامه منَّ عدّه مما عنده منه ◌َّ، ولا يخفى أن قوله: ((أن يُعطي اللَّه)) على ما ذكرنا لا يُحمل على الاستقبال، فليُتأمّل، وعلى ما ذُكر ظهر عطف قوله: ((أو ما في هذه الصحيفة))، على قوله: ((أن يُعطي))، وظهر وجه كون الاستثناء في الموضعين متّصلًا. انتهى. وفي رواية البخاريّ: ((قلت لعليّ: هل عندكم كتاب؟ قال: لا، إلا كتاب اللَّه، أو فهمّ أعطيه رجلٌ مسلم)) الحديث. قال في ((الفتح)): قوله: ((كتابٌ)): أي مكتوب، أخذتموه عن رسول اللّه وَ لتر، مما ٣٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْقَسَامَةِ أُوحِيَ إليه، ويدل على ذلك رواية البخاريّ في ((الجهاد)): ((هل عندكم شيء من الوحي، إلا ما في كتاب اللَّه))، وله في ((الديات)): ((هل عندكم شيء مما ليس في القرآن، وفي «مسند إسحاق بن راهويه)) عن جرير، عن مطرف: ((هل علمتَ شيئا من الوحي؟، وإنما سأله أبو جحيفة عن ذلك؛ لأن جماعة من الشيعه، كانوا يزعمون أن عند أهل البيت، لا سيما عليا رَظريه، أشياء من الوحي، خصهم النبي ◌َّر بها، لم يُطلِع غيرهم عليها، وقد سأل عليا رَّه عن هذه المسألة أيضا قَيسَ بن عُبَاد، وهو بضم المهملة وتخفيف الموحدة، والأشتر النخعي، وحديثهما في ((سنن النسائي)). وقوله: ((إلا كتاب اللّه)): هو بالرفع، وقال ابن المنير: فيه دليل على أنه كان عنده أشياء مكتوبة، من الفقه المستنبط، من كتاب الله، وهي المراد بقوله: ((أو فهم أعطيه رجل))؛ لأنه ذكره بالرفع، فلو كان الاستثناء من غير الجنس، لكان منصوبا. قال الحافظ: كذا قال، والظاهر أن الاستثناء فيه منقطع، والمراد بذكر الفهم إثبات إمكان الزيادة، على ما في الكتاب، وقد رواه البخاريّ في ((الديات)) بلفظ: ((ما عندنا إلا ما في القرآن، إلا فهما يُعْطَى رجلٌ في الكتاب))، فالاستثناء الأول مفرغ، والثاني منقطع، معناه: لكن إن أَعطَى اللَّه رجلًا فهمًا في كتابه، فهو يقدر على الاستنباط، فتحصل عنده الزيادة بذلك الاعتبار. وقد روى أحمد بإسناد حسن، من طريق طارق بن شهاب، قال: شهدت عليا رَّ على المنبر، وهو يقول: والله ما عندنا كتاب نقرأه عليكم، إلا كتاب اللَّه، وهذه الصحيفة))، وهو يزيد ما قلناه أنه لم يرد بالفهم شيئا مكتوبا. انتهى ما في ((الفتح)) ٢٧٦/١ -٢٧٧. (عَبْدًا فَهْمًا فِي كِتَابِهِ) ((عبدًا)) مفعول أول ل((يُعطي))، و((فهمًا)) مفعوله الثاني، و((في (كتابه)) متعلّقٌ بـ((فهمًا)) (أَوْ مَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ) أي الورقة المكتوبة، وفي رواية الأشتر التالية لهذه الرواية: ((ما عهد إليّ رسول اللَّه وَل بشيء دون الناس، إلا في صحيفة في قراب سيفي، فلم يزالوا به، حتى أخرج الصحيفة، فإذا فيها: المؤمنون تكافأ دماؤهم)) الحديث (قُلْتُ: وَمَا فِي الصَّحِيفَةِ؟، قَالَ: فِيهَا الْعَقْلُ) أي الدية، وإنما سُميت به؛ لأنهم كانوا يُعطون فيها الإبل، ويَربِطونها بفناء دار المقتول بالعِقَال، وهو الحبل، ووقع في رواية ابن ماجه بدل العقل: ((الديات))، والمراد أحكامها، ومقاديرها، وأصنافها. (وَفِكَاكُ الْأَسِيرِ)- بكسر الفاء، وفتحها، وقال الفراء: الفتح أفصح، والمعنى: أن فيها حكم تخليص الأسير من يد العدو، والترغيب في ذلك. (وَأَنْ لَّا يُقْتَلَ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ) وهذا هو محلّ الترجمة، فقد نصّ على أنه لا يشرع قتل مسلم بسبب قتله كافرًا مطلقًا، وهذا هو الذي عليه الجمهور، وهو الحقّ، كما سيأتي ١ ٣٧ ١٣- (سُقُوطُ القَوَدِ مِنَ الْمُسْلِمِ لِلْكَافِر) - حديث رقم ٤٧٤٦ تحقيقه في المسألة الرابعة، إن شاء الله تعالى. قال في ((الفتح)): ووقع للبخاريّ ومسلم، من طريق يزيد التميمي، عن عليّ رَمثله، قال: ما عندنا شيء نقرأه، إلا كتاب الله، وهذه الصحيفة، فإذا فيها: المدينة حرم .. الحديث. ولمسلم، عن أبي الطفيل، عن علي تَطّه: ((ما خصنا رسول اللَّه وَله بشيء، لم يَعُمَّ به الناس كافة، إلا ما في قراب سيفي هذا، وأخرج صحيفة، مكتوبة، فيها: ((لعن الله من ذبح لغير الله .. الحديث. وللنسائي من طريق الأشتر وغيره، عن علي رَّاني: ((فإذا فيها المؤمنون تكافأ دماؤهم، يسعى بذمتهم أدناهم .. )) الحديث. ولأحمد من طريق طارق بن شهاب: فيها فرائض الصدقة. والجمع بين هذه الأحاديث، أن الصحيفة كانت واحدة، وكان جميع ذلك مكتوبا فيها، فنقل كل واحد من الرواة عنه، ما حفظه، والله أعلم، وقد بَيِّنَ ذلك قتادة في روايته لهذا الحديث، عن أبي حسان، عن علي، وبَيِّنَ أيضا السبب في سؤالهم لعلي رضي الله عنه عن ذلك، أخرجه أحمد، والبهيقي في ((الدلائل))، من طريق أبي حسان: أن عليا رَّه، كان يأمر بالأمر، فيقال: قد فعلناه، فيقول: صدق الله ورسوله، فقال له الأشتر: هذا الذي تقول، أهو شيء عهده إليك رسول اللّه ◌َ ل خاصة، دون الناس، فذكره بطوله. ((فتح)) ٢٧٧/١ . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته : حديث عليّ ◌َّه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٤٧٤٦/١٣- وفي ((الكبرى)) ٦٩٤٦/١٢. وأخرجه (خ) في ((العلم)) ١١١ و(الجهاد)) ٣٠٤٧ و((الديات)) ٦٩٠٣ (ت) في ((الديات)) ١٤١٢ (ق) في ((الديات)) ٢٦٥٨ . والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه اللّه تعالى، وهو بيان سقوط القصاص عن المسلم إذا قتل كافرًا عمدًا، وسيأتي تحقيق الخلاف بين العلماء في ذلك في المسألة التالية، إن شاء الله تعالى. (ومنها): إبطال ما تزعمه الشيعة من أن النبيّ وَلّ خصّ عليّا بعلم أشياء لا يعلمها غيره من الصحابة . . (ومنها): جواز كتابة العلم، وقد كان فيه اختلاف بين السلف، عملا وتركا، إلا أنه استقر الإجماع بعد ذلك على جواز كتابة ٣٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْقَسَامَةِ العلم، بل على استحبابه، بل لا يبعد وجوبه على من خَشِي النسيان، ممن يتعين عليه تبليغ العلم. كما قاله في ((الفتح)) ٢٧٦/١. وقد أشار الحافظ السيوطيّ رحمه اللّه تعالى إلى ذلك في ((ألفيّة الأثر))، فقال: ثُمَّ الْجَوَازُ بَعْدُ إِجَاعًا وَفَى كِتَابَةُ الْحَدِيثِ فِيهِ اخْتُلِفَا (لَاتَكْتُبُوا عَنْيَ)) فَالْخُلْفُ نُمِي مُسْتَنَدُ الْمَنْعِ حَدِيثُ مُسْلِمٍ وَآَخَرُونَ عَلَّلُوا بِالْخَوْفِ لأَمْنِهِ وَقِيلَ ذَا لِمَنْ نَسَخْ وَقِيلَ بَلْ لَآَمِنٍ نِسْيَانَهُ لَا ذِي خَلَلْ فَبَعْضُهُمْ أَعَلَّهُ بِالْوَقْفِ مِنِ اخْتِلَاطِ بِالْقُرَانِ فَانْتَسَخْ الْكُلِّ فِي صَحِيفَةٍ وَقِيلَ بَلْ وقد قلت في « شافية الْغُلَل)»: كَرِهَهَا قَوْمٌ سَرَاةٌ حُنَفَا كِتَابَةُ الْحَدِيثِ فِيهِ اخْتُلِفَا فَمِنْهُمُ زَيِدٌ أَبُو هُرَيْرَةٍ كَذَا أَبُو مُوسَى وَنَجْلُ عُمَرَا وَجَوَّزَتْ طَائِفَةٌ كَعُمَرٍ كَذَا عَلِيٍّ وَابْنُهُ الْبَرُّ الْحَسَنْ وَأَكْثَرُ الصِّحَابِ أَيْضًا ذَهَبُوا وَفِرْقَةٌ ثَالِثَةٌ قَدْ جَوَّزَتْ أَمَّا دَلِيلٌ مَنْ أَبَاحَ ((فَاكْتُبُوا)) وَاخْتَلَفُوا فِي الْجَمْعِ قِيلَ الإِذْنُ وَقِيلَ نُهِيُهُ لِئَلَّا بِخَتَلِطْ كَذَا ابْنُ مَسْعُودٍ وَحَبْرُ الأُمَّةِ كَذَلِكَ الْخُذْرِيْ وَغَيْرُهُمْ جَرَى وَأَنَسٍ مَعَ ابْنِ عَمْرٍو جَابِرٍ وَابْنُ جُبَيْرٍ وَعَطَاءٌ وَالْحَسَنْ وَأَكْثَرُ الأَتْبَاعِ نِعْمَ الْمَذْهَبُ لِلْحِفْظِ ثُمَّ الْمَخْوَ بَعْدُ أَلْزَمَتْ أَمَّا لِعَكْسِهِ فَجَا (لَاتَكْتُبُوا)) لِخَائِفِ النَّسْيَانِ نِعْمَ الأَمْنُ مَعَ الْقُرَانِ ثُمَّ زَالَ إِذْ ضُبِطْ صَحِيفَةٍ وَاحِدَةٍ فَلْتَعْرِفِ وَقِيلَ نُهيُهُ لِمَنْ كَتَبَ فِي وَمُسْلِمٌ رَاهُ رَفْعًا يَكْفِي وَبَعْضُهُمْ أَعَلَّهُ بِالْوَقْفِ ثُمَّ أَتَى الإِجَاعُ بَعْدُ وَانْتَفَى الْخُلْفُ فَاكْتُبَنْ تَثَلْ خَيْرًا وَفَا والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في وجوب القصاص إذا قَتَلَ المسلمُ الكافرَ : ١٣ - (سُقُوطُ الْقَوَدِ مِنَ الْمُسْلِمِ لِلْكَافِر) - حديث رقم ٤٧٤٦ ٣٩ ذهب أكثر أهل العلم إلى أنه لا يجب القصاص على مسلم بقتل كافر، أَيَّ كافر كان، رُوي ذلك عن عمر، وعثمان، وعلي، وزيد بن ثابت، ومعاوية رضي اللَّه عنهم، وبه قال عمر بن عبد العزيز، وعطاء، والحسن، وعكرمة، والزهري، وابن شبرمة، ومالك، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو عبيد، وأبو ثور، وابن المنذر. وقال النخعي، والشعبي، وأصحاب الرأي: يقتل المسلم بالذمي خاصة، قال الإمام أحمد: الشعبي، والنخعي، قالا: دية المجوسي، واليهودي، والنصراني، مثل دية المسلم، وإن قتله يُقتَل به، هذا عَجَبٌ، يصير المجوسي مثل المسلم، سبحان اللَّه، ما هذا القول، واستبشعه، وقال: النبي ◌َّو يقول: ((لا يقتل مسلم بكافر))، وهو يقول: يقتل بكافر، فأي شيء أشدُّ من هذا؟. وحجة هؤلاء عمومات النصوص، كقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِى الْقَتْلِ﴾ الآية [البقرة: ١٧٨]، وقوله: ﴿وَكَبِّنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ الآية [المائدة: ٤٥]، وقوله: ﴿وَلَكُمْ فِى الْقِصَاصِ حَيَوَةٌ﴾ الآية [البقرة: ٧٩]، وكقوله وَّ : ((من قُتل له قتيل، فهو بخير النظرين، إما أن يُنل، وإما أن يُفدى)) الحديث، متّفقٌ عليه. واحتجوا أيضًا بما رَوَى ابن البيلماني: أن النبي ◌ََّ، أقاد مسلما بذمي، وقال: ((أنا حق من وفى بذمته))، ولأنه معصوم عصمة مؤبدة، فيقتل به قاتله كالمسلم. واحتجّ الأولون بقوله وَّر: ((ولا يقتل مؤمن بكافر))، رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائيّ، وفي لفظ: ((لا يقتل مسلم بكافر))، رواه البخاري، وأبو داود. ولأنه منقوص بالكفر، فلا يقتل به المسلم، كالمستأمن، وأما العمومات التي احتجّوا بها، فهي مخصوصات بهذا الحديث، وأما حديث البيلماني، فليس له إسناد، قاله أحمد، وقال الدارقطني: يرويه ابن البيلماني، وهو ضعيف إذا أسند، فكيف إذا أرسل؟. وأما المستأمن، فوافق أبو حنيفة الجماعة، في أن المسلم لا يقاد به، وهو المشهور عن أبي يوسف، وعنه يقتل به؛ لما سبق في الذمي. والصحيح الأول؛ لما ذكرنا. أفاده في ((المغني)) ٤٦٥/١١-٤٦٧. وقال في ((الفتح)) ٢٥٩/١٤ -: وأما ترك قتل المسلم بالكافر، فأخذ به الجمهور، إلا أنه يلزم من قول مالك في قاطع الطريق، ومن في معناه: إذا قتل غيلة أن يقتل، ولو كان المقتول ذميا، استثناء هذه الصورة، من منع قتل المسلم بالكافر، وهي لا تستثني في الحقيقة، لأن فيه معنى آخر، وهو الفساد في الأرض. وخالف الحنفية، فقالوا: يقتل المسلم بالذمي، إذا قتله بغير استحقاق، ولا يقتل بالمستأمن. وعن الشعبي، والنخعي: يُقتل باليهودي والنصراني، دون المجوسي، واحتجوا بما وقع عند أبي داود، من طريق = ٤٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْقَسَامَةِ الحسن، عن قيس بن عُبَاد، عن على رَّه، بلفظ: ((لا يُقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده))، وأخرجه أيضا من رواية عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، وأخرجه ابن ماجه، من حديث ابن عباس، والبيهقي عن عائشة، ومعقل بن يسار، وطرقه كلها ضعيفة، إلا طريق الأولى، والثانية، فإن سند كل منهما حسن، وعلى تقدير قبوله، فقالوا: وجه الاستدلال منه، أن تقديره: ولا يقتل ذو عهد في عهده بكافر، قالوا: وهو من عطف الخاص على العام، فيقتضى تخصيصه؛ لان الكافر الذي يُقتل به ذو العهد هو الحربي، دون المساوي له، والأعلى، فلا يبقى من يُقتل بالمعاهد إلا الحربي، فيجب أن يكون الكافر الذي لا يُقتل به المسلم هو الحربي، تسويةً بين المعطوف والمعطوف عليه. قال الطحاوي: ولو كانت فيه دلالة على نفي قتل المسلم بالذمي، لكان وجه الكلام أن يقول: ولا ذي عهد في عهده، وإلا لكان لحنا، والنبي ◌َّ لا يلحن، فلما لم يكن كذلك، علمنا أن ذا العهد، هو المَعْنِيُّ بالقصاص، فصار التقدير: لا يقتل مؤمن، ولا ذو عهد في عهده بكافر، قال: ومثله في القرآن: ﴿وَلَِّى بَيِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِسَابِكُمْ إِنِ أَرْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَالَِّى لَمْ يَحِضْنَّ﴾ الآية [الطلاق: ٤]، فإن التقدير: واللائى يئسن من المحیض، واللائی لم يحضن. وتُعُقِّب بأن الأصل عدم التقدير، والكلام مستقيم بغيره، إذا جعلنا الجملة مستأنفةً، ويؤيده اقتصار الحديث الصحيح، على الجملة الأولى، ولو سُلْم أنها للعطف، فالمشاركة في أصل النفي، لا من كل وجه، وهو كقول القائل: مررت بزيد منطلقا، وعمرو، فإنه لا يوجب أن يكون بعمرو منطلقا أيضا، بل المشاركة في أصل المرور. وقال الطحاوي أيضا: لا يصح حمله على الجملة المستأنفة؛ لأن سياق الحديث، فيما يتعلق بالدماء التي يسقط بعضها ببعض؛ لأن في بعض طرقه: ((المسلمون تتكافأ دماؤهم)). وتُعُقّب بأن هذا الحصر مردود، فإن في الحديث أحكامًا كثيرة غير هذه. وقد أبدى الشافعي له مناسبة، فقال: يشبه أن يكون، لما أعلمهم أن لا قود بينهم وبين الكفار، أعلمهم أن دماء أهل الذمة والعهد، محرمة عليهم بغير حق، فقال: ((لا يقتل مسلم بكافر، ولا يقتل ذو عهد في عهده))، ومعنى الحديث: لا يقتل مسلم بكافر قصاصا، ولا يقتل من له عهد ما دام عهده باقیا. وقال ابن السمعاني: وأما حملهم الحديث على المستأمن، فلا يصح؛ لأن العبرة بعموم اللفظ، حتى يقوم دليل على التخصيص، ومن حيث المعنى أن الحكم الذي يبنى في الشرع على الإسلام والكفر، إنما هو لشرف الإسلام، أو لنقص الكفر، أو لهما