Indexed OCR Text
Pages 381-400
٣٨١ = ٣- (تَبَدِئَةُ أَهْلِ الدَّمَ فِي القَسَامَةِ) - حديث رقم ٤٧١٢ حلف منهم خمسون، قال الليث: لم أسمع أحدا يقول: إنها تنزل عن ثلاثة أنفس. وقال الزهري، عن سعيد بن المسيب، أول من نقص القسامة عن خمسين معاوية، قال الزهري: وقضى به عبد الملك، ثم رده عمر بن عبد العزيز الى الأمر الأول. انتهى. قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: القول بتعيّن عدد الخمسين هو الأرجح؛ عملاً بظاهر النصّ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة التاسعة): في اختلاف أهل العلم فيمن يحلف في القسامة: ذهبت طائفة إلى أنه لا يشترط أن يكون من يحلف في القسامة رجلًا، ولا بالغا؛ لإطلاق قوله وَالر: (خمسين منكم))، وبه قال ربيعة، والثوري، والليث، والأوزاعي، وأحمد. وذهب مالك إلى أنه لا مدخل للنساء في القسامة؛ لأن المطلوب في القسامة القتل، ولا يسمع من النساء. وذهب الشافعي إلى أنه لا يحلف في القسامة إلا الوارث البالغ؛ لأنها يمين، في دعوى حكمية، فكانت كسائر الأيمان، ولا فرق في ذلك بين الرجل والمرأة. أفاده في ((الفتح)) ١٤ /٢٣٠. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: القول بعدم اشتراط الرجل والبالغ هو الأظهر؛ عملًا بإطلاق النصّ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة العاشرة): في اختلاف أهل العلم هل القسامة معقولة المعنى، أم لا؟: قال في ((الفتح)) ٢٣٠/١٤-٢٣١: واختلف في القسامة، هل هي معقولة المعنى، فيقاس عليها، أو لا؟، والتحقيق أنها معقولة المعنى، لكنه خفيّ، ومع ذلك، فلا يقاس عليها؛ لأنها لا نظير لها في الأحكام، وإذا قلنا أن المبدأ فيها يمين المدَّعِي، فقد خرجت عن سنن القياس، وشرط القياس أن لا يكون معدولا به عن سنن القياس، کشهادة خزيمة. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي القول أن الاختلاف في كون القسامة، هل هي معقولة المعنى، أم لا؟ مما لا جدوى تحته، فلا ينبغي الاشتغال بمثله؛ لأنه من فضول المسائل، فليُتنبّه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [تنبيه]: اذَّعَى بعضهم أنّ قوله وَّرَ: ((تحلفون، وتستحقون)): استفهام إنكار، واستعظام للجمع بين الأمرين. وتُعُقّب بأنهم لم يبدأوا بطلب اليمين، حتى يصح الإنكار عليهم، وانما هو استفهام تقرير، وتشريع. قاله في ((الفتح)) ٢٣١/١٤. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٨٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْقَسَامَةِ ٤٧١٣- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ الْقَاسِمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ أَبِي لَيْلَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَهْلٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ: أَنَّهُ أَخْبَرَهُ، وَرِجَالٌ كُبَرَاءُ مِنْ قَوْمِهِ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلَ، وَمُحَيِّصَةً خَرَجَا إِلَى خَيْبَرَ، مِنْ جَهْدٍ أَصَابُمْ، فَأَتَى مُحَيِّصَةُ، فَأَخْبَرَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سُّهْلٍ، قَدْ قُتِلَ، وَطُرِحَ فِي فَقِيرٍ، أَوْ عَيْنٍ، فَأَتَى يُهُودَ، وَقَالَ: أَنْتُمْ وَاللَّهِ قَتَلْتُمُوهُ، قَالُوا: وَاللَّهِ مَا قَتَلْنَاهُ، فَأَقْبَلَ حَتَّى قَدِمَ عَلَى قَوْمِهِ، فَذَكَرَ لَهُمْ، ثُمَّ أَقْبَلَ هُوَ وَأَخُوهُ حُوَيِّصَةُ، وَهُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ، فَذَهَبَ مُحَيِّصَةُ لِيَتَكَلَّمَ، وَهُوَ الَّذِي كَانَ بِخَيْبَرَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ بَّهِ لِمُحَيْصَةَ: ((كَبْزَ، كَبِّرْ))، يُرِيدُ السِّنَّ، فَتَكَلِّمَ حُوَيِّصَةُ، ثُمَّ تَكَلَّمَ مُحَيْصَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ: ((إِمَّا أَنْ يَدُوا صَاحِبَكُمْ، وَإِمَّا أَنْ يُؤْذَنُوا بِحَرْبٍ))، فَكْتَبَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ فِي ذَلِكَ، فَكَتَبُوا: إِنَّا وَاللَّهِ مَا قَتَلْنَاهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ بَّهِ لِحُوَيِّصَةَ، وَمُحَيِّصَةَ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ: ((أَلِفُونَ، وَتَسْتَحِقُونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ؟)) قَالُوا: لَا، قَالَ: ((فَتَحْلِفُ لَكُمْ يُودُ؟))، قَالُوا: لَيْسُوا بِمُسْلِمِينَ، فَوَدَاهُ رَسُولُ اللّهِ بِ لَّه مِنْ عِنْدِهِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ بِمِائَةِ نَاقَةٍ، حَتَّى أَدْخِلَتْ عَلَيْهِمُ الدَّارَ، قَالَ سَهْلٌ: لَقَدْ رَكَضَتْنِي مِنْ هَا نَاقَةٌ حَمْرَاءُ). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح. و((محمد بن سلمة)): هو ابن أبي فاطمة المراديّ الْجَمَليّ، أبو الحارث المصريّ الثقة الثبت [١١]. و((ابن القاسم)): هو عبد الرحمن الْعُتَقيّ، أبو عبد اللَّه المصريّ الثقة الفقيه، صاحب مالك، من كبار [١٠]، والباقون تقدّموا في السند الماضي. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)) . ٤ - (ذِكْرُ اخْتِلَافِ أَلْفَاظِ النَّاقِلِينَ لِخَبَرِ سَهْلِ رَوَّهِ فِيهِ) قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الاختلاف الذي أشار إليه المصنف رحمه الله تعالى على ثلاثة أوجه : ٤- (ذِكْرُ اخْتِلَفِ أَلَفَاَظِ النَّقِلِينَ لِخَبَرَ ... - حديث رقم ٤٧١٤ ٣٨٣ [أحدها]: الاختلاف على يحيى بن سعيد الأنصاريّ، فقد اتفق كلٍّ من الليث بن سعد، وحمّاد بن زيد، وبشر بن المفضّل، وعبد الوهاب الثقفيّ، وسفيان بن عيينة، على أنه موصولٌ، عن يحيى، عن بُشير بن يسار، عن سهل بن أبي حثمة، وخالفهم في ذلك مالك بن أنس، فرواه عن يحيى، عن بُشير بن يسار، أنه أخبره أن عبد الله بن سهل الأنصاريّ، فجعله مرسلًا، وقد سبق في الباب الماضي أن رواه مالك عن أبي ليلى الأنصاريّ، موصولًا، فترجّح هذه الرواية؛ لموافقتها لروايات الجماعة. [الثاني]: أن سعيد بن عُبيد خالف رواية يحيى، وأبي ليلى، فذكر في روايته طلب النبيّ وَل من أولياء القتيل البيّنة، وترك طلبه بَله- منهم أن يحلفوا خمسين، فيستحقّوا دم صاحبهم . [الثالث]: أنه وقع في رواية عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، وذلك أنه جعل القتيل ابن محيّصة الأصغر، وفي روايات الجماعة أنه عبد الله بن سهل، وهو ابن عمّ محيّصة، لا ابنه، وأيضًا ذكره أنه وَلّر قسم ديته على اليهود، وأعانهم بنصفها، والمحفوظ أنه وَّ دفع الدية من عنده كاملة. لكن ذكر في ((الفتح)) ما يدلّ على الجمع بين هذه الروايات، فقال: ما حاصله: لم يُذكر في رواية سعيد بن عُبيد عرض الأيمان على المدّعين، كما لم يقع في رواية يحيى ابن سعيد طلب البيّنة أوّلًا . وطريق الجمع أن يقال: حفظ أحدهم ما لم يحفظه الآخر، فيُحمل على أنه وَال طلب البيّنة أوّلًا، فلم تكن لهم بيّنة، فعرض عليهم الأيمان، فامتنعوا، فعرض عليهم تحليف المدّعَى عليهم، فأبوا. وأما قول بعضهم: إن ذكر البينة وَهَمّ؛ لأنه ◌ََّ، قد عَلِمَ أن خيبر حينئذ، لم يكن بها أحد من المسلمين، فدعوى نفي العلم مردودة، فإنه وإن سُلْم أنه لم يسكن مع اليهود فيها أحد من المسلمين، لكن في نفس القصة، أن جماعة من المسلمين خرجوا يمتارون تمرا، فيجوز أن تكون طائفة أخرى خرجوا لمثل ذلك، وإن لم يكن في نفس الأمر كذلك، وقد وجدنا لطلب البينة، في هذه القصة شاهدا من وجه آخر، أخرجه النسائي ٤٧٢٢/٤- من طريق عبيد الله بن الأخنس، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده: أن ابن محيصة الأصغر أصبح قتيلا على أبواب خيبر، فقال رسول اللّه وَلّ: ((أقم شاهدين على من قتله، أدفعه إليك برمته))، قال: يا رسول الله، إني أُصيب شاهدين؟، وانما أصبح قتيلا على أبوابهم، قال: ((فتحلف خمسين قسامة))، قال: فكيف أحلف على ما لا أعلم؟، قال: ((تستحلف خمسين منهم))، قال: ((كيف وهم يهود؟. قال ٣٨٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْقَسَامَةِ الحافظ: وهذا السند صحيح حسن، وهو نَصِّ في الحمل الذي ذكرته، فتعيين المصير اليه. وقد أخرج أبو داود أيضا، من طريق عباية بن رفاعة، عن جده رافع بن خديج، قال: أصبح رجل من الأنصار، بخيبر مقتولا، فانطلق أولياؤه إلى النبي مَّر، فقال: ((شاهدان يشهدان على قتل صاحبكم))، قال: لم يكن ثَمَّ أحد من المسلمين، وانما هم اليهود، وقد يجترئون على أعظم من هذا. انتهى ((فتح)) ١٤/ ٢٢٥. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي ذكره الحافظ رحمه الله تعالى من وجه الجمع حسنٌ جدّا، غير رواية عمرو بن شُعيب، عن أبيه، عن جدّه، فإن مخالفتها لا يقبل الجمع بهذا الطريق، إلا أن تحمل على تعدد الواقعة، فحينئذ لا مانع من أن نقول إنها محفوظة؛ لعدم المخالفة، فَلْيُتأمّل. والله تعالى أعلم بالصواب. ٤٧١٤- (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَحْتِى، عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ سَهْلِ ابْنِ أَبِي حَثْمَةَ، قَالَ: وَحَسِبْتُ قَالَ: وَعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، أَّمَا قَالَا: خَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَهْلِ ابْنِ زَيْدٍ، وَمُحَيِّصَةُ بْنُ مَسْعُودٍ، حَتَّى إِذَا كَانَا بِخَيْبِّرَ، تَفَرَّقَا فِي بَعْضِ مَا هُنَالِكَ، ثُمَّ إِذَا بِمُحَيِّصَةَ، يَجِدُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ قَتِيلًا، فَدَفَنَهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ إِلَى رَسُولَ اللَّهِ وَِّ، هُوَ وَحُوَيِّصَةُ بْنُ مَسْعُودٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ، وَكَانَ أَصْغَرَ الْقَوْمِ، فَذَهَبَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ يَتَكَلَّمُ قَبْلَ صَاحِبَتِهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ بَ: ((كَبِّرِ الْكُبْرَ فِي السِّنَّ)، فَصَمَتَ، وَتَكَلَّمَ صَاحِبَاهُ، ثُمَّ تَكَلَّمَ مَعَهُمَا، فَذَكَرُوا لِرَسُولِ اللَّهِ وَ، مَقْتَلَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَهْلٍ، فَقَالَ لَهُمْ: ((أَتَلِفُونَ خَمْسِينَ يَمِينَا، وَتَسْتَحِقُونَ صَاحِبَكُمْ))، أَوْ ((قَاتِلَكُمْ))؟، قَالُوا: كَيْفَ نَحْلِفُ، وَلَمْ نَشْهَدْ؟ قَالَ: ((فَتُبَرِّتُكُمْ يُهُودُ بِخَمْسِينَ يَمِينَا؟))، قَالُوا: وَكَيْفَ نَقْبَلُ أَيْمَانَ قَوْم كُفَّارٍ؟، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ، أَعْطَاهُ عَقْلَهُ). "قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و(يحيى)): هو ابن سعيد بن قيس الأنصاريّ. أبو سعيد المدنيّ القاضي، ثقة ثبت [٥] ٢٣/٢٢. و((بُشَير - بضم الموحّدة، مصغّرًا- ابن يسار)) الحارثيّ الأنصاريّ مولاهم المدنيّ، ثقة فقيه [٣] ١٨٦/١٢٤ . وقوله: ((وقال: وحسبت قال الخ)) فاعل ((قال)) الأول ضمير ((يحيى))، وفاعل ((قال)) الثاني ضمير بُشير، والمعنى: أن يحيى بن سعيد قال: وظننت أن بُشيرًا زاد في إسناد هذا الحديث مع سهل بن أبي حثمة رَّه رافعَ بن خديج رَُّه . وقوله: ((ومحيصة))- بضم الميم، وفتح المهملة، وتشديد التحتانية، مكسورةً، بعدها صاد مهملة- وكذا ضَبْطُ أخيه حُوَيصَة، وحُكِي التخفيف في الاسمين معا، ٣٨٥ ٤- (ذِكْرُ اخْتِلاَفِ الَفَظِ النَّقِلِينَ لِخَبَرَ ... - حديث رقم ٤٧١٤ ورجحه طائفة. قاله في ((الفتح)). وقوله: ((إذا بمحيصة الخ)) الباء فيه زائدة. وقوله: ((فذهب عبد الرحمن يتكلم، قبل صاحبيه، فقال له رسول اللّه وَ ليله كبر الكبر في السن، فصمت، وتكلم صاحباه، وتكلم معهما)): قال النوويّ: معنى هذا أن المقتول، هو عبد الله، وله أخ، اسمه عبد الرحمن، ولهما ابنا عم، وهما محيصة وحويصة، وهما أكبر سنا من عبد الرحمن، فلما أراد عبد الرحمن أخو القتيل أن يتكلم، قال له النبي وَّ: (كبر)): أي يتكلم أكبر منك. [واعلم]: أن حقيقة الدعوى إنما هي لأخيه عبد الرحمن، لا حَقَّ فيها لابني عمه، وإنما أمر النبي ◌ّخير أن يتكلم الأكبر، وهو حويصة؛ لأنه لم يكن المراد بكلامه حقيقة الدعوى، بل سماع صورة القصة، وكيف جرت، فإذا أراد حقيقة الدعوى، تكلم صاحبها . ويحتمل أن عبد الرحمن، وَكَّل حويصة في الدعوى، ومساعدته، أو أمر بتوكيله. وفي هذا فضيلة السن عند التساوي في الفضائل، ولهذا نظائر، فإنه يقدم بها في الإمامة، وفي ولاية النكاح ندبًا، وغير ذلك. انتهى ((شرح مسلم)) ١٤٨/١١ - ١٤٩. وقوله: ((كبّر))- بفتح الكاف، وتشديد الموحّدة، أمر من التكبير. وقوله: ((الكبرَ في السنّ))- بضمّ الكاف، وسكون الباء -: ومعناه: يريد الكبر في السنّ، فـ((الكبر)) منصوب بإضمار (يريد))، ونحوها. وقوله: ((فتبرئكم يهود الخ)): من التبرئة، أو من الإبراء: أي يرفعون ظنّكم، وتُهُمتكم، أو دعوتكم عن أنفسهم. وقال النوويّ: أي تبرأ إليكم من دعواكم بخمسين يمينًا، وقيل: معناه: يُخلّصونكم من اليمين بأن يحلفوا، فإذا حلفوا انتهت الخصومة، ولم يثبت عليهم شيء، وخلصتم أنتم من اليمين. وفي هذا دليلٌ لصحّة يمين الكافر، والفاسق. و((يهود)) مرفوع، غير منوّن، لا ينصرف؛ لأنه اسم للقبيلة والطائفة، ففيه التأنيث والعلميّة. انتهى (شرح مسلم)) ١٤٩/١١. وقوله: ((أتحلفون خمسين يمينا)): قد يقال: كيف عُرضت اليمين على الثلاثة، وإنما يكون اليمين للوارث خاصة، والوارث هو عبد الرحمن خاصة، وهو أخو القتيل، وأما الآخران فابنا عم، لا ميراث لهما مع الأخ. والجواب: أنه كان معلوما عندهم، أن اليمين تختص بالوارث، فأطلق الخطاب لهم، والمراد من تختص به اليمين، واحتُمِل ذلك؛ لكونه معلوما للمخاطبين، كما سمع كلام الجميع في صورة قتله، وكيفيةٍ ما جرى له، وإن كانت حقيقة الدعوى وقت الحاجة، مختصة بالورثة. قاله النوويّ. ٣٨٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْقَسَامَةِ وقوله: ((فتستحقون قاتلكم))، أو ((صاحبكم)): معناه: يثبت حقكم على من حلفتم عليه، وهل ذلك الحق قصاص، أو دية فيه الخلاف السابق بين العلماء. [واعلم]: أنهم إنما يجوز لهم الحلف، إذا علموا، أو ظنوا ذلك، وإنما عَرَض عليهم النبي ◌َّ اليمين، إن وُجد فيهم هذا الشرط، وليس المراد الإذن لهم في الحلف من غير ظن، ولهذا قالوا: كيف نحلف، ولم نشهد؟. والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم تمام البحث فيه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٧١٥ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ قَالَ أَنْبَأَنَا حَمَّادٌ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارِ عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ وَرَافِعِ بْنِ خَدِيجِ أَشُهُمَا حَدَّثَاهُ أَنَّ مُحَيْصَةَ بْنَ مَسْعُودٍ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ أَتَيَا خَيْبَرَ فِي حَاجَةٍ لَهُمَا فَتَفَرَّقَا فِي النَّخْلِ فَقُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَهْلٍ فَجَاءَ أَخُوهُ عَبْدُ الرَّحِمَنَ بْنُ سَهْلٍ وَحُوَيْصَةُ وَمُحَيِّصَةُ ابْنَا عَمِّهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ◌ِ فَتَكَلَّمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فِي أَمْرِ أَخِيَهِ وَهُوَ أَضَّغَرُ مِنْهُمْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ الْكُبْرَ لِيَبْدَأِ الْأَكْبَرُ فَتَكَلَّمَا فِي أَمْرِ صَاحِبِهِمَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّهِ وَذَكَرَ كَلِمَةً مَعْنَاهَا يُقْسِمُ خَمْسُونَ مِنْكُمْ فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمْرّ لَمْ نَشْهَدْهُ كَيْفَ نَحْلِفُ قَالَ فَتُبَرِّئُكُمْ يُهُودُ بِأَيْمَانٍ خَمْسِينَ مِنْهُمْ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَوْمٌ كُفَّارٌ فَوَدَاهُ رَسُولُ اللَّهِ بِّهِ مِنْ قِبَلِهِ قَالَ سَهْلٌ فَدَخَلْتُ مِرْبَدًا لَهُمْ فَرَكَضَتْنِي نَاقَةٌ مِنْ تِلْكَ الْإِبِلِ). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: «أحمد بن عَبْدَة)): هو الضبيّ، أبو عبد الله البصريّ، ثقة، رُمي بالنصب [١٠] ٣/٣. و((حمّاد)): هو ابن زيد. والباقون سبقوا في الماضي. وقوله: كبر الْكُبْر)) بضم، فسكون: منصوب بفعل مقدّر: أي قدّم الأكبر. وجملة قوله: ((ليبدأ الأكبر)) مؤكّد لماقبله. وقوله: ((فذكركلمة الخ)): الظاهر ضمير ((ذكر)) إلى رسول اللّه وَل . وقوله: ((معناها)): مبتدأ خبره (يقسم الخ)) ولا يحتاج إلى رابط؛ لكونه بمعنى المبتدإ، كما قال ابن مالك: وَإِنْ تَكُنْ إِيَّاهُ مَعْنَى اكْتَفَى بِهَا كَنُطْقِي اللَّهُ حَسْبِي وَكَفَى وقوله: ((فدخلت مربدا لهم، فركضتني ناقة من تلك الابل)): ((المربد)): بكسر الميم، وفتح الباء: هو الموضع الذي تُجمَعُ فيه الابل، وتُحْيَسُ، والرَّبْدُ: الحبس، ومعنى ركضتني: رَفَسَتني، وأراد بهذا الكلام، أنه ضبط الحديث، وحفظه حفظًا بليغًا. قاله النوويّ. والحديث متفقٌ عليه، وقد تقدّم تمام البحث فيه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٨٧ ٤- (ذِكْرُ اخْتِلَافِ أَلَفَاَظِ النَّأَقِلِينَ لِخَبَرِ ... - حديث رقم ٤٧١٧ ٤٧١٦ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ - وَهُوَ ابْنُ الْمُفَضَّلِ - قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْتِى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ سَهْلٍ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلِ، وَمُحَيِّصَةَ بْنَ مَسْعُودِ بْنِ زَيْدٍ، أَنَّهُمَا أَتَيَا خَيْبَرَ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ صُلْحٌ، فَتَفَرَّقًا لِحَوَائِجِهِمَا، فَأَتَّى مُحَيْصَةُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَهْلٍ، وَهُوَ يَتَشَخَّطُ فِي دَمِهِ قَتِيلًا، فَدَفَتَّهُ، ثُمَّ قَدِمَ الْمَدِينَةَ، فَانْطَلَقَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ، وَحُوَيْصَةُ، وَمُحَيِّصَةُ، إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وََّ، فَذَهَبَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ يَتَكَلَّمُ، وَهُوَ أَحدَثُ الْقَوْمِ سِنَّا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: ((كَبْرِ الْكُبْرَ))، فَسَكَتَ، فَتَكَلَّمَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهُ: ((أَتَحَلِفُونَ بِخَمْسِينَ يَمِينَا مِنْكُمْ، فَتَسْتَحِقُونَ دَمَ صَاحِكُمْ))، أَوْ ((قَاتِلِكُمْ))، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ نَحْلِفُ، وَلَمْ تَشْهَدْ، وَلَمْ نَرَ؟، قَالَ: ((تُبَرْتُكُمْ تُهُودُ بِخَمْسِينَ يَمِينًا؟»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ تَأْخُذُ أَيْمَانَ قَوْم كُفَّارٍ؟، فَعَقَلَهُ رَسُولُ اللّهِ وَلَه مِنْ عِنْدِهِ). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح و((عمرو بن عليّ)): هو الفلّاس الصيرفيّ. و((بشر بن المفضَّل)): هو الرَّقَاشِيُّ، أبو إسماعيل البصريّ الثقة الثبت العابد [٨] ٨٢/٦٦. وقوله: ((وهي يومئذ صلح)): أي كانت خيبر حينما قُتل فيها عبد اللَّه سهل رَ ثيه ذات صلح بين أهلها، وهم اليهود، وبين رسول اللّه وَالر، والمراد أن ذلك وقع بعد فتحها، فإنها لَمّا فُتحت، أقرّ النبيّ وَّ أهلها على أن يعملوا في المزارع بشطر ما يخرج منها، كما تقدّم بيان ذلك مستوفّى في ((كتاب المزارعة)). والله تعالى أعلم. وقوله: ((وهو يتشخّط في دمه قتيلًا)): أي يضطرب، فيتمرّغ في دمه . وقوله: ((كبر الكبر)): الأولى فعل أمر، والثانية بضم، فسكون: بمعنى الأكبر. والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق تمام البحث فيه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٧١٧ - (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْتَّى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارِ، عَنْ سَهْلٍ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ، قَالَ: انْطَلَقَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَهْلٍ، وَمُحَيِّصَةُ بْنُ مَسْعُودِ بْنِ زَيْدٍ، إِلَى خَيْبَرَ، وَهِيَ يَوْمَئِذٍ صُلْحٌ، فَتَفَرَّقَا فِي حَوَائِّجِهِمَا، فَأَتَى مُحَيِّصَةُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَهْلٍ، وَهُوَ يَتَشَخَّطُ فِي دَمِهِ قَتِيلًا، فَدَفَنَهُ، ثُمَّ قَدِمَ الْمَدِينَةَ، فَانْطَلَقَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ، وَخُوَيِّصَةُ وَمُحَيِّصَةُ ابْنَا مَسْعُودٍ، إِلَى رَسُولِ اللّهِ نَّهِ، فَذَهَبَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ يَتَكَلَّمُ، فَقَالَّ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ بَّهِ: (كَبْرِ الْكُبْرَ))، وَهُوَ أَخْدَثُ الْقَوْمِ، فَسَكَتَ، فَتَكَلَّمَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: (أَحَلِفُونَ بِخَمْسِينَ يَمِينَا مِنْكُمْ، وَتَسْتَّحِقُونَ قَاتِلَكُمْ))، أَوْ ((صَاحِبَكُمْ؟))، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ نَحْلِفُ، وَلَّمْ نَشْهَذْ، وَلَمْ نَرَ؟، فَقَالَ: ((أَثْبَرْتُكُمْ يُهُودُ بِخَمْسِينَ؟))، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ نَأْخُذُ ٣٨٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْقَسَامَةِ أَيْمَانَ قَوْمٍ كُفَّارٍ، فَعَقَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ مِنْ عِنْدِهِ). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح غير شيخه ((إسماعيل ابن مسعود)): هو أبو مسعود الْجَخدريّ البصريّ، ثقة [١٠] ٤٧/٤٢ فإنه من أفراده. والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق القول فيه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٧١٨ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، قَالَ: سَمِعْتُ يَحْتِى بْنَ سَعِيدٍ، يَقُولُ: أَخْبَرَنِي بُشَيْرُ بْنُ يَسَارِ، عَنْ سَهْلٍ بْنِ أَبِي حَثَمَةَ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْل الْأَنْصَارِيَّ، وَمُحَيِّصَةَ بْنَ مَسْعُودٍ، خَرَجًا إِلَى خَيْبَرَ، فَتَفَرَّقَا فِي حَاجَتِهِمَا، فَقُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَهْلِ الْأَنْصَارِيُّ، فَجَاءَ مُحَيِّصَةُ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ، أَخُو الْمَقْتُولِ، وَحُوَيِّصَةُ بْنُ مَسْعُودٍ، حَتَّى أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ وَهِ، فَذَهَبَ عَبْدُ الرَّحَمَنِ يَتَكَلَّمُ، فَقَالَ لَّهُ النَّبِيُّ ◌ٍَّ: (الْكُبْرَ الْكُبْرَ))، فَتَكَلَّمَ مُحَيِّصَةُ وَحُوَيِّصَةُ، فَذَكَرُوا شَأْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَهْلٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ وَّ: ((تَحَلِفُونَ خَمْسِينَ يَمِينَا، فَتَسْتَحِقُونَ قَاتِلَكُمْ؟)) قَالُوا: كَيْفَ نَحْلِفُ، وَلَمْ تَشْهَدْ، وَلَمْ نَحْضُرْ؟، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((فَتْبَرِّئُكُمْ يُهُودُ بِخَمْسِينَ يَمِينَا؟))، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللّهِ، كَيْفَ نَقْبَلُ أَيْمَانَ قَوْمٍ كُفَّارٍ؟، قَالَ: فَوَدَاهُ رَسُولُ اللّهِ بِ، قَالَ بُشَيْرٌ: قَالَ لِي سَهْلُ ابْنُ أَبِي حَثْمَةَ: لَقَدْ رَكَضَتَّنِي فَرِيضَةٌ مِنْ تِلْكَ الْفَرَائِضِ، فِي مِرْبَدٍ لَنَا). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح و((عبد الوهاب)): هو ابن عبد المجيد الثقفيّ، أبو محمد البصريّ، ثقة، تغيّر قبل موته بثلاث سنين [٨] ٤٢ /٤٨. وقوله: ((لقد ركضتني فريضة، من تلك الفرائض)): المراد بالفريضة هنا: الناقة من تلك النُّوق المفروضة في الدية، وتسمى المدفوعةُ في الزكاة، أو في الدية فريضة؛ لأنها مفروضة: أي مقدرة بالسن، والعدد، وأما قول المازري: إن المراد بالفريضة هنا: الناقة الْهَرِمَة، فقد غُلْطَ فيه. والله تعالى أعلم. انتهى ((شرح مسلم للنوويّ)) ١١/ ١٥٢. وقوله: ((في مربد لنا))، وتقدّم قريبًا قوله: ((فدخلت مِربدًا لهم))، ولعل ذلك المربد كان مشتركًا بينهم، فلذا جاز نسبته تارة إليهم، وتارة إلى قوم سهل بن أبي حثمة. ويحتمل أن يكون نسبه إلى قومه؛ لأنهم من قوم سهل بن أبي حثمة، كما سيأتي بيان ذلك في الحديث رقم-٤٧٢١- من رواية سعيد بن عُبيد، عن بُشير بن يسار، بلفظ: ((أن رجلا من الأنصار، يقال له: سهل بن أبي حثمة أخبره أن نفرًا من قومه انطلقوا إلى خيبر)) ... الحديث. والله تعالى أعلم. والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق تمام البحث فيه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، ٣٨٩ = ٤ - (ذِكْرُ اخْتِلَافِ أَلَفَظِ النََّقِلِينَ لِخَبَرَ ... - حديث رقم ٤٧٢٠ وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٧١٩- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيِى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارِ، عَنْ سَهْلٍ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ، قَالَ: وُجِدَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَهْلِ قَتِيلًا، فَجَاءَ أَخُوهُ، وَعَمَّاهُ: حُوَيِّصَةُ، وَمُحَيِّصَةُ، وَهُمَّا عَمَّا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَهْلٍ، إِلَى رَسُولِ اللّهِّهِ، فَذَهَبَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ يَتَكَلَّمُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((الْكُبْرَ الْكُبْرَ))، قَالَّا: يَا رَسُولَ اللّهِ، إِنَّا وَجَدْنَا عَبْدَ اللّهِ بْنَ سَهْلٍ قَتِيلًا، فِي قَلِيبٍ مِنْ بَعْضٍ قُلُبٍ خَيْبَرَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َ: ((مَنْ تَتَّهِمُونَ؟))، قَالُوا: نَّهِمُ الْيَهُودَ، قَالَ: ((أَفَتُقْسِمُونَ خَمْسِينَ يَمِينَا، أَنَّ الْيَهُودَ قَتَتْهُ؟))، قَالُوا: وَكَيْفَ نُقْسِمُ عَلَى مَالَّمْ نَرَ؟، قَالَ: ((فَتُبَرَّتُكُمُ الْيَهُودُ بِخَمْسِينَ، أَنُهُمْ لَمْ يَقْتُلُوهُ؟»، قَالُوا: وَكَيْفَ نَرْضَى بِأَيْمَانِمْ، وَهُمْ مُشْرِكُونَ؟، فَوَدَاهُ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ، مِنْ عِنْدِهِ. أَرْسَلَهُ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح غير شيخه ((محمد ابن منصور)) وهو الْجَوّاز المكيّ الثقةٌ [١٠]٢١/٢٠ فإنه من أفراده. و((سفيان)): هو ابن عُيينة. وقوله: ((وهما عمّا عبد الله بن سهل)): فيه تجوّز؛ لأنهما ابنا عمّه، فإنهما ابنا مسعود ابن زيد، وهو ابن سهل بن زيد، كما تقدّم بيانه. وقوله: ((في قليب)»- بفتح القاف، وكسر اللام، جمعه قُلُبٌ، بضمّتين، مثلُ بَرِيد وبُرُد، قال الأزهريّ: القَليب عند العرب: البئر العاديّة القديمة، مطويّةً كانت، أو غير مطويّة. انتهى ((المصباح المنير)) ٥١٢/٢. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وقوله: (أَرْسَلَهُ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ) أي روى هذا الحديث أنس بن مالك إمام دار الهجرة، عن یحیی بن سعيد، مرسلاً، دون ذكر سهل بن أبي حثمة، كما بيّن روايته بقوله : ٤٧٢٠- (قَالَ الْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةٌ عَلَّيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ يَحْتِى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارِ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْل الْأَنْصَارِيِّ، وَمُحَيِّصَةَ بْنَ مَسْعُودٍ، خَرَجَا إِلَى خَيْبَرَ، فَتَفَرَّقَا فِي حَوَائِجِهِمَا، فَقُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ سَهْلٍ، فَقَدِمَ مُحَيِّصَةُ، فَأَتَى هُوَ، وَأَخُوهُ حُوَيِّصَةُ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ، إِلَى رَسُولِ اللَّهِ نَّهِ، فَذَهَبَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ لِيَتَكَلَّمَ؛ لِمَكَانِهِ مِنْ أَخِيهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ◌َّهِ: (كَبِّزْ، كَبِّزْ))، فَتَكَلَّمَ حُوَيْصَةُ وَمُحَيْصَةُ، فَذَكَرُوا شَأْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَهْلٍ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَّهِ: ((أَتَلِّفُونَ خَمْسِينَ يَمِينَا، وَتَسْتَحِقُونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ؟))، أَوْ ((قَاتِلِكُمْ؟))، قَالَ مَالِكٌ: قَالَ يَحْتَى: فَزَعَمَ بُشَيْرٌ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بِهِ وَدَاهُ مِنْ عِنْدِهِ). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((الحارث بن مسكين)): هو أبو عمرو المصريّ، قاضیھا، فقيه [١٠]٩/٩ من أفراد المصنّف، وأبي داود. و((ابن القاسم)): هو عبد الرحمن. ٣٩٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْقَسَامَةِ وقوله: ((لمكان أخيه)): علّة لتقدّم عبد الرحمن في الكلام على صاحبيه، أي إنما تكلّم دونهما؛ لأنه أقرب منهما إليه، حيث كان أخاه. والحديث مرسل، صحيح بما سبق، وقد تقدّم في الباب الماضي أن مالكًا رحمه الله تعالى رواه موصولًا من رواية أبي ليلى الأنصاريّ، عن سهل بن أبي حثمة رَّه . وقوله: (خَالَفَهُمْ سَعِيدُ بْنُ عُبَيْدِ الطَّائِيُّ) يعني أن سعيد بن عُبيد خالف من تقدّم ممن روى عن بشير بن يسار، ووجه مخالفته أنه ذكر طلب البيّنة على القاتل، ثم ذكر توجيه القسامة على اليهود فقط، بخلاف رواياتهم، فإنه ليس فيها ذكر البيّنة، بل عندهم توجيه القسامة إلى أولياء المقتول، ثم إلى اليهود، وقد بيّن رواية سعيد بقوله: ٤٧٢١- (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُبَيْدِ الطَّائِيُّ، عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارِ، زَعَمَ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ، يُقَالُ لَهُ: سَهْلُ بْنُ أَبِي حَثْمَةَ، أَخْبَرَهُ أَنَّ نَفَرًا مِنْ قَوْمِهِ، اَنْطَلَقُوا إِلَى خَيْبَرَ، فَتَفَرَّقُوا فِيهَا، فَوَجَدُوا أَحَدَهُمْ قَتِيلًا، فَقَالُوا لِلَّذِينَ وَجَدُوهُ عِنْدَهُمْ: قَتَلْتُمْ صَاحِبَنَا، قَالُوا: مَا قَتَلْنَاهُ، وَلَا عَلِمْنَا قَاتِلًا، فَانْطَلَّقُوا إِلَى نَبِيِّ اللَّهِ بِِّ، فَقَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، انْطَلَقْنَا إِلَى خَيْبَرَ، فَوَجَدْنَا أَحَدَنَا قَتِيلًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ بِهِ: ((الْكُبْرَ الْكُبْرَ))، فَقَالَ لَهُمْ: ((تَأْتُونَ بِالْبَيْنَةِ عَلَى مَنْ قَتَلَ؟))، قَالُوا: مَا لَنَا بَيْنَةٌ، قَالَ: ((فَيَحْلِفُونَ لَكُمْ؟))، قَالُوا: لَا نَرْضَى بِأَيْمَانِ الْيَهُودِ، وَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِّ، أَنْ يَبْطُلَ دَمُهُ، فَوَدَاهُ مِائَةً مِنْ إِلِ الصَّدَقَةِ). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((أحمد بن سليمان)): هو أبو الحسين الرُّهاويّ الثقة الحافظ [١١] ٤٢/٣٨ من أفراد المصنّف. و(«أبو نُعيم)): هو الفضل بن دُكين الحافظ الحجة الكوفيّ [٩] ٥١٦/١١ . و((سعيد بن عُبيد الطائيّ))، أبو الْهُذَيل الكوفيّ، ثقة [٦]. قال ابن المدينيّ، عن يحيى: ليس به بأس. وقال أحمد، وابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: يُكتب حديثه. وقال الآجريّ، عن أبي داود: كان شعبة يتمنّى لقاءه. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). ووثقه العجليّ، ويعقوب بن سفيان، وابن نمیر، وغيرهم. روی له الجماعة، سوى ابن ماجه، وله عند المصنّف هذا الحديث فقط. [فائدة]: في طبقة سعيد بن عبيد هذا، سعيد بن عُبيد الْهُنائيّ بضم الهاء، وتخفيف النون، وهمزة، ومدّ- بصريّ، صدوقٌ، أخرج له المصنّف، والترمذيّ، وله في هذا الكتاب حديث واحد فقط، وتقدم في ((كتاب صلاة الخوف)) برقم ١٧ / ١٥٤٤ . والله تعالى أعلم. وقوله: ((زعم الخ)): قال في ((الفتح)) ٢٢٣/١٤ -: لم يقع في رواية ابن نُمير ((زعم))، بل عنده: ((عن سهل بن أبي حثمة الأنصاريّ، أنه أخبره))، وكذا لأبي نُعيم في ٤- (ذِكْرُ اخْتِلاَفِ أَلَفْاَظِ النَّقِلِينَ لِخَبَرِ ... - حديث رقم ٤٧٢١ ٣٩١ ((المستخرج)) من وجه آخر، عن أبي نُعيم شيخ البخاري. انتهى. وقوله: ((أن نفرًا من قومه)): قال في ((الفتح)) ٢٢٣/١٤ -: سَمَّى يحيى بن سعيد الأنصاري في روايته، عن بُشَير بن يسار منهم اثنين، فعند البخاريّ في ((الجزية)) من طريق بشر بن المفضل، عن يحيى بهذا السند: ((انطلق عبد الله بن سهل، ومحيصة بن مسعود بن زيد))، وفي الأدب، من رواية حماد بن زيد، عن يحيى، عن بُشير عن سهل ابن أبي حثمة، ورافع بن خديج، أنهما حدثا أن عبد الله بن سهل، ومحيصة بن مسعود انطلقا، وعند مسلم من رواية الليث، عن يحيى، عن بشير، عن سهل، قال يحيى : وحسبت أنه قال، ورافع بن خديج، أنهما قالا: خرج عبد الله بن سهل بن زيد، ومحيصة بن مسعود بن زيد، ونحوه عنده من رواية هشيم، عن يحيى، لكن لم يذكر رافعا، ولفظه: عن بشير بن يسار، أن رجلا من الأنصار، من بني حارثة، يقال له: عبد الله بن سهل بن زيد، انطلق هو وابن عم له، يقال له: محيصة بن مسعود بن زيد، وأسنده في آخره، عن سهل بن أبي حثمة به، وثبت ذكر رافع بن خديج في هذا الحديث، غير مسمى عند أبي داود، من طريق أبي ليلى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سهل، عن سهل بن أبي حثمة، أنه أخبره هو ورجل من كبراء قومه، وعند أبي عاصم، من طريق إسماعيل بن عياش، عن يحيى، عن بُشير، عن سهل، ورافع، وسويد بن النعمان، أن القسامة كانت فيهم، في بني حارثة، فذكر بُشير عنهم أن عبد الله بن سهل خرج، فذكر الحديث. وقوله: ((انطلقوا إلى خيبر، فتفرقوا فيها)): في رواية يحيى بن سعيد: ((انطلقا إلى خيبر، فتفرقا))، وتحمل هذه الرواية على أنه كان معهما تابع لهما، وقد وقع في رواية محمد بن إسحاق، عن بُشِير بن يسار، عن ابن أبي عاصم، خرج عبد الله بن سهل، في أصحاب له: ((يمتارون تمرا))، زاد سليمان بن بلال عند مسلم، في روايته، عن يحيى بن سعيد: ((في زمن رسول اللَّه ◌َلّر، وهي يومئذ صلح، وأهلها يهود)). والمراد أن ذلك وقع بعد فتحها، فإنها لما فُتحت أقر النبي وَّ أهلها فيها، على أن يعملوا في المزارع بالشطر، مما يخرج منها، كما تقدم بيانه في ((كتاب المزارعة)). وقوله: ((فوجدوا أحدهم قتيلا)): تقدّم أنه عبد الله بن سهل. وقوله: فقال: ((الكبر الكبر))- بضم الكاف، وسكون الموحدة، وبالنصب فيهما على الإغراء . وقوله: ((تأتون بالبينة على من قتل، قالوا: ما لنا بينة)) قال في ((الفتح)): كذا في رواية سعيد بن عبيد، ولم يقع في رواية يحيى بن سعيد الأنصاري، ولا في رواية أبي قلابة، ٣٩٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْقَسَامَةِ عند البخاريّ للبينة ذكر، وإنما قال يحيى في رواية: ((أتحلفون، وتستحقون قاتلكم))، أو ((صاحبكم))، هذه رواية بشر بن المفضل عنه، وفي رواية حماد عنه: ((أتستحقون قاتلكم))، أو ((صاحبكم بأيمان خمسين منكم))، وفي رواية عند مسلم: ((يُقسم خمسون منكم على رجل منهم، فيُدفع برُمّته))، وفي رواية سليمان بن بلال: (تحلفون خمسين يمينا، وتستحقون))، وفي رواية ابن عيينة، عن يحيى، عند أبي داود: ((تبرئكم يهود بخمسين يمينا، تحلفون))، فبدأ بالمدعَى عليهم، لكن قال أبو داود: إنه وَهَمّ، كذا جزم بذلك، وقد قال الشافعي: كان ابن عيينة لا يثبت، أَقَّدَّم النبي ◌َّ الأنصار في الأيمان، أو اليهود، فيقال له: إن في الحديث أنه قدم الأنصار، فيقول هو ذاك، وربما حدث به كذلك، ولم يشك، وفي رواية أبي ليلى: «فقال لحويصة، ومحيصة، وعبد الرحمن: أتحلفون، وتستحقون دم صاحبكم؟ فقالوا: لا))، وفي رواية أبي قلابة: ((فأرسل إلى اليهود، فدعاهم، فقال: أنتم قتلتم هذا، فقالوا: لا، فقال: أترضون نَفْل خمسين من اليهود، ما قتلوا، ونَفْل بفتح النون، وسكون الفاء -: أي حلف خمسين من اليهود. وقوله: وكره رسول اللَّه ◌َلير أن يبطل دمه)): هكذا رواية المصنّف ((يبطل)) من البطلان، وفي رواية البخاريّ: ((أن يُطَلَّ))- بضم أوله، وفتح الطاء، وتشديد اللام -: أي يهدر. وقوله: ((فوداه مائة)): وعند البخاريّ في رواية الكشميهني: ((بمائة))، ووقع في رواية أبي ليلى المتقدّمة: ((فوداه من عنده))، وفي رواية يحيى بن سعيد السابقة: ((فعقله النبي وَ لّر من عنده)): أي أعطى ديته، وفي رواية حماد بن زيد المتقدّمة أيضًا: ((من قبله))- بكسر القاف، وفتح الموحدة -: أي من جهته، وفي رواية الليث: «فلما رأى ذلك النبي وَ الر أعطى عقله)). وقال النوويّ في ((شرح مسلم)): إنما وداه رسول اللّه ◌َّر؛ قطعا للنزاع، وإصلاحا لذات البين، فإن أهل القتيل لا يستحقون، إلا أن يحلفوا، أو يستحلفوا المدعى عليهم، وقد امتنعوا من الأمرين، وهم مكسورون بقتل صاحبهم، فأراد ◌َّر جبرهم، وقطع المنازعة، وإصلاح ذات البين بدفع ديته من عنده. وقوله: ((فوداه من عنده)): يحتمل أن يكون من خالص ماله، في بعض الأحوال، صادف ذلك عنده، ويحتمل أنه من مال بيت المال، ومصالح المسلمين. وأما قوله: ((من ابل الصدقة)): فقد قال بعض العلماء: إنها غلط من الرواة؛ لأن الصدقة المفروضة لا تصرف هذا المصرف، بل هي لأصناف سماهم اللَّه تعالى، وقال الإمام أبو إسحاق المروزي، من الشافعيّة: يجوز صرفها من إبل الزكاة؛ لهذا الحديث، ٤- (ذِكْرُ اخْتِلاَفِ أَلَفَاَظِ النَّقِلِينَ لِخَبَر ... - حديث رقم ٤٧٢٢ ٣٩٣ = فأخذ بظاهره، وقال جمهور العلماء: معناه اشتراه من أهل الصدقات، بعد أن ملكوها، ثم دفعها تبرعا إلى أهل القتيل. وحكى القاضي عن بعض العلماء: أنه يجوز صرف الزكاة في مصالح العامة، وتأول هذا الحديث عليه، وتأوله بعضهم على أن أولياء القتيل كانوا محتاجين، ممن تباح لهم الزكاة، وهذا تأويل باطل؛ لأن هذا قدر كثير، لا يدفع إلى الواحد الحامل من الزكاة، بخلاف أشراف القبائل، ولأنه سماه دية، وتأوله بعضهم على أنه دفعه من سهم المؤلفة، من الزكاة؛ استئلافا لليهود، لعلهم يسلمون، وهذا ضعيف؛ لأن الزكاة لا يجوز صرفها إلى كافر، فالمختار ما حكيناه عن الجمهور، أنه اشتراها من إبل الصدقة . وفي هذا الحديث: أنه ينبغي للإمام مراعاة المصالح العامة، والاهتمام بإصلاح ذات البين، وفيه إثبات القسامة، وفيه الابتداء بيمين المدعي في القسامة، وفيه رد اليمين على المدعى عليه، إذا نكل المدعي في القسامة، وفيه جواز الحكم على الغائب، وسماع الدعوى في الدماء من غير حضور الخصم، وفيه جواز اليمين بالظن، وإن لم يتيقن، وفيه أن الحكم بين المسلم والكافر يكون بحكم الإسلام. انتهى كلام النوويّ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وقول: (خَالَفَهُمْ عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ) يعني أن عمرو بن شعيب خالف الرواة السابقين فرواه عن أبيه عن جدّه، فذكر أن الّذِي قُتل هو ابن مُحيّصة، والذي في رواية الجماعة أنه عبد الله بن سهل، ابن عمّ محيّصة، لا ابنه، وذكر أيضًا أنه وَّر قسم ديته علیھم، وأعانهم بنصفها، ورواية الجماعة أنه يَ لّ أعطاهم من عنده جميع الدية، فأرسل إليهم مائة ناقة. والله تعالى أعلم. ثم ساق رواية عمرو بقوله: ٤٧٢٢- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ ابْنُ الْأَخْتَسِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ ابْنَ مُحَيْصَةَ الْأَصْغَرَ أَضْبَحَ قَتِيلًا، عَلَى أَبْوَابِ خَيْبَرَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ: ((أَقِمْ شَاهِدَيْنٍ عَلَى مَنْ قَتَلَهُ، أَدْفَعْهُ إِلَيْكُمْ بِرُمَّتِهِ))، قَالَ: يَاَ رَسُولَ اللَّهِ، وَمِنْ أَيْنَ أُصِيبُ شَاهِدَيْنِ؟، وَإِنَّمَا أَصْبَحَ قَتِيلًا عَلَى أَبْوَابِهِمْ، قَالَ: ((فَتَحْلِفُ خَمْسِينَ قَسَامَةً))، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَيْفَ أَخْلِفُ عَلَى مَا لَا أَعْلَمُ؟، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّ: ((فَتَسْتَحْلِفُ مِنْهُمْ خَمْسِينَ قَسَامَةً))، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ نَسْتَحْلِفُهُمْ، وَهُمُ الْتَهُودُ؟، فَقَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَ سَ دِيَتَهُ عَلَيْهِمْ، وَأَعَانُمْ بِنِصْفِهَا). رجال هذا الإسناد : ستة: ١- (محمد بن معمر) القيسيّ البحرانيّ، صدوقٌ، من كبار [١١] ١٨٢٩/٥. ٢- (روح بن عُبادة) القيسيّ، أبو محمد البصريّ، ثقة فاضل، له تصانيف [٩] ٢٥/ ١٢٥١ . ٣٩٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْقَسَامَةِ ٣- (عبيد الله بن الأخنس) أبو مالك الْخَزَّاز، صدوقٌ [٧] ١٦٨٦/٣٢. ٤ - (عمرو بن شعيب) بن محمد المدني، أو الطائفيّ، صدوق [٥] ١٤٠/١٠٥. ٥- (أبوه) شعيب بن محمد بن عبد الله الطائفيّ، صدوق [٣] ١٤٠/١٠٥. ٦- (جده) عبد الله بن عمرو بن العاص السهمي، الصحابي ابن الصحابي رضي الله تعالى عنهما ٨٩/ ١١١ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم ثقات. (ومنها): أن فيه رواية الراوي عن أبيه عن جده. (ومنها): أن فيه تابعي عن تابعيّ. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ) شعيب بن محمد (عَنْ جَدِّهِ) عبد الله بن عمرو بن العاص رضي اللَّه تعالى عنهما (أَنَّ ابْنَ مُحَيِّصَةَ الْأَصْغَرَ أَصْبَحَ قَتِيلًا) هذا أوّل المخالفة، فإن المحفوظ أن المقتول هو عبد الله بن سهل (عَلَى أَبْوَابِ خَيْبَرَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّ) لوليّ القتيل (أَقِمْ شَاهِدَيْنِ عَلَى مَنْ قَتَلَهُ، أَدْفَعْهُ إِلَيْكُمْ بِرُمَّتِهِ) - بضم الراء -: الحبل، والمراد هنا الحبل الذي يُربَط في رقبة القاتل، ويسلم فيه إلى ولي القتيل. قال النوويّ: وفي هذا دليل لمن قال: إن القسامة يثبت فيها القصاص، وقد سبق بيان مذاهب العلماء فيه، وتأوله القائلون: لا قصاص، بأن المراد أن يُسَلَّم ليُستَوفَى منه الدية؛ لكونها ثبتت عليه. انتهى ((شرح مسلم)) ١٥١/١١. (قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمِنْ أَيْنَ أُصِيبُ شَاهِدَيْنِ؟، وَإِنَّمَا أَصْبَحَ قَتِيلًا عَلَى أَبْوَابِهِمْ، قَالَ) وَهِ (فَتَحْلِفُ خَمْسِينَ قَسَامَةً) خطاب للوليّ بأن يحلف هو خمسين يمينًا (قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَيْفَ أَخْلِفُ عَلَى مَا لَا أَعْلَمُ؟، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ: ((فَتَسْتَحْلِفُ مِنْهُمْ) أي من اليهود (خَمْسِينَ قَسَامَةً))، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ نَسْتَخْلِفُهُمْ، وَهُمُ الْيَهُودُ) أي المعرفون بالكذب والبهتان (فَقَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ بِهِ دِيَتَهُ عَلَيْهِمْ، وَأَعَانُمْ بِنِصْفِهَا) وهذا هو المخالفة الثانية؛ إذ المحفوظ في روايات الحفّاظ الأثبات كما سبق أنه وَ لّ دفع ديته كاملة من عنده، لا أنه حكم عليهم بشيء منه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته : ٤- (ذِكْرُ اخْتِلَافِ الَفاظ الناقِلِینَ لِخبر. . - حديث رقم ٤٧٢٢ ٣٩٥ حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما هذا ضعيف؛ لأنه مخالف للروايات الصحيحة، وذلك أن الذي ذكر فيها أن المقتول، هو عبد الله بن سهل، وليس هو ابن مُحيّصة الأصغر، وإنما هو ابن عمّه، وأيضًا فإن المحفوظ أن النبيّ نَّر دفع ديته كاملة من عنده، ولم يحكم على اليهود منه بشيء. ومال الحافظ في ((الفتح)) إلى تصحيح هذه الرواية، حيث ردّ على ادعاء بعضهم الوهم في ذكر البيّنة في رواية يحيى بن سعيد الماضية: ما نصّه: وأما قول بعضهم: إن ذكر البينة وَهَمّ؛ لأنه ◌َّ، قد عَلِمَ أن خيبر حينئذ، لم يكن بها أحد من المسلمين، فدعوى نفي العلم مردودة، فإنه وإن سُلُم أنه لم يسكن مع اليهود فيها أحد من المسلمين، لكن في نفس القصة، أن جماعة من المسلمين خرجوا يمتارون تمرا، فيجوز أن تكون طائفة أخرى خرجوا لمثل ذلك، وإن لم يكن في نفس الأمر كذلك، وقد وجدنا لطلب البينة، في هذه القصة شاهدا من وجه آخر، أخرجه النسائي ٤/ ٤٧٢٢- من طريق عبيد الله بن الأخنس، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده: أن ابن محيصة الأصغر أصبح قتيلا على أبواب خيبر، فقال رسول اللّه وَل: ((أقم شاهدين على من قتله، أدفعه إليك برمته))، قال: يا رسول اللّه، أَنَّى أُصيب شاهدين؟، وانما أصبح قتيلا على أبوابهم، قال: ((فتحلف خمسين قسامة))، قال: فكيف أحلف على ما لا أعلم؟، قال: ((تستحلف خمسين منهم))، قال: ((كيف وهم يهود؟. قال الحافظ: وهذا السند صحيح حسن(١)، وهو نَصِّ في الحمل الذي ذكرته، فتعيين المصير اليه. وقد أخرج أبو داود أيضا، من طريق عباية بن رفاعة، عن جده رافع بن خديج، قال: أصبح رجل من الأنصار، بخيبر مقتولا، فانطلق أولياؤه إلى النبي وَّ، فقال: ((شاهدان يشهدان على قتل صاحبكم))، قال: لم يكن ثَمَّ أحد من المسلمين، وانما هم اليهود، وقد يجترئون على أعظم من هذا. انتهى ((فتح)) ٢٢٥/١٤. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: إنّ حديث عبد الله بن عمرو رضي عنهما هذا شاذ مخالف للأحاديث الصحيحة فلا يصح. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا- ٤٧٢٢/٤ - وفي ((الكبرى)) ٦٩٢٢/٤. وأخرجه (ق) في ((الديات)) ٢٦٧٨ . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (١) نعم السند صحيح، لكن المتن فيه نكارة، كما بيناه آنفًا. ٣٩٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْقَسَامَةِ ((إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنیب)). ٥- (بَابُ الْقَوَدِ) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: (القَوَدُ))- بفتحتين -: القصاص، وأقاد الأمير القاتل بالقتيل: قتله به قَوَدًا. قاله الفيّوميّ. وقال ابن منظور: القود: قتلُ النفس بالنفس، شاذْ، كالْحَوَكَة، والْخَوَنَة، واستقدت الحاكم، فأقادني: أي سألته أن يُقيد القاتلَ بالقتيل. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب. ٤٧٢٣- (أَخْبَرَنَا بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُرَّةَ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَّهِ، قَالَ: ((لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، إِلَّا بِإِخْدَى ثَلَاثٍ: النّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالثَّيْبُ الزَّانِي، وَالنَّارِكُ دِينَهُ الْمُفَارِقُ))). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا. و((بشر بن خالد)): هو العسكريّ، أبو محمد الفرائضيّ، نزيل البصرة، ثقة يُغرب [١٠] ٨١٢/٢٦. و(محمد بن جعفر)): هو غندر. و((سليمان)): هو الأعمش. و((عبد الله)): هو ابن مسعود رَّه . وقوله: النفس بالنفس)): أي تقتل النفس في مقابلة قتل النفس، فالمراد به القصاص بشرطه، وقد يستدل به أصحاب أبي حنيفة رحمهم الله في قولهم: يُقتل المسلم بالذمي، ويقتل الحر بالعبد، وجمهور العلماء على خلافه، منهم مالك، والشافعي، والليث، وأحمد. قاله النوويّ. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله الجمهور هو الأرجح؛ لقوّة دليله، كما سيأتي بيانه في بابه، إن شاء الله تعالى. وقوله: ((والثيب الزاني)): فيه إثبات قتل الزاني المحصن، والمرادرجمه بالحجارة حتى يموت، وهذا بإجماع المسلمين. وقوله: ((والتارك لدينه، المفارق)): أي لجماعة المسلمين، وهو عام في كل مُرتدّ عن الإسلام بأي رِدَّة كانت، فيجب قتله، إن لم يرجع إلى الإسلام، قال العلماء: ويتناول أيضا كل خارج عن الجماعة ببدعة، أو بغي، أوغيرهما، وكذا الخوارج. والله أعلم. ٥- (بَابُ القَوَدِ) - حديث رقم ٤٧٢٤ ٣٩٧ [واعلم]: أن هذا العامَّ يُخص منه الصائل، ونحوه فيباح قتله، في الدفع، وقد يجاب عن هذا بأنه داخل في المفارق للجماعة، أو يكون المراد لا يحل تعمد قتله قصدا، إلا في هذه الثلاثة، والله تعالى أعلم. قاله النوويّ في ((شرح مسلم)) ١٦٦/١١ - ١٦٧. والحديث متفقٌ عليه، وقد تقدم في ٤٠١٧/٥ و٤٠١٨- ومضی تمام شرحه، وبيان مسائله هناك، فراجعه تستفد. وبالله تعالى التوفيق. واستدلال المصنّف رحمه اللّه تعالى به على ما ترجم له واضح في قوله: ((النفس بالنفس))، فإنه صريح في وجوب القصاص، وهو معنى القود. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٧٢٤- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَرْبٍ، وَاللَّفْظُ لِأَحْمَدَ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قُتِلَ رَجُلٌ عَلَى عَهْدٍ رَسُولِ اللهِ وَ، فَرُفِعَ الْقَاتِلُ إِلَى النَّبِيِّ وَّهُ، فَدَفَعَهُ إِلَى وَلِيَّ الْمَقْتُولِ، فَقَالَ الْقَاتِلُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَا وَاللَّهِ مَا أَرَدْتُ قَتْلَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ، لِوَلِيٌّ الْمَقْتُولِ: ((أَمَا إِنّهُ إِنْ كَانَ صَادِقًا، ثُمَّ قَتَلْتَهُ، دَخَلْتَ النَّارَ))، فَخَلَّى سَبِيلَهُ، قَالَ: وَكَانَ مَكْتُوفًا بِنِسْعَةٍ، فَخَرَجَ يَجُرُ نِسْعَتَهُ، فَسُمِّيَ ذَا النِّسْعَةِ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١- (محمد بن العلاء) الهمدنيّ، أبو كريب الكوفي، ثقة حافظ [١٠] ١١٧/٩٥ . ٢- (أحمد بن حرب) الطائيّ الموصليّ، صدوق [١٠] ١٣٥/١٠٢. من أفراد المصنف . ٣- (أبو معاوية) محمد بن خازم الضرير الكوفي، ثقة أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد تِهِمُ في حديث غيره، من كبار [٩] ٣٠/٢٦ . ٤ - ((الأعمش) سليمان بن مِهْرَان الكوفي، ثقة ثبت وَرِعٌ، لكنه يدلس [٥]١٨/١٧. ٥- (أبو صالح) ذكوان السمّان الزيات المدني، ثقة ثبت [٣] ٤٠/٣٦. ٦- (أبو هريرة) رضي اللَّه تعالى عنه١/١. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، كلهم، غير شيخه أحمد، فإنه من أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، إلى الأعمش، غير شيخه أحمد، فموصلي، والباقيان مدنيان. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة رَّه من المكثرين السبعة. والله تعالى أعلم. ٣٩٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْقَسَامَةِ شرح الحديث (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رَّهِ، أنه (قَالَ: قُتِلَ رَجُلٌ) يحتمل أن يكون ببناء الفعل للمفعول، أو الفاعل (عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ وَّه، فَرُفِعَ) بالبناء للمفعول (الْقَاتِلُ إِلَى النَِّيِّ وَه فَدَفَعَهُ) أي النبيّ ◌َّه (إِلَى وَلِيَّ الْمَقْتُولِ) أي ليقتصّ منه (فَقَالَ الْقَاتِلُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَا، وَاللَّهِ مَا أَرَدْتُ قَتْلَهُ) ((لا)) نا فية، ((ما)) مؤكّدة لها، وتوسط بينهما القسم: أي واللَّه لم أُرد قتله عمدًا، وإنما وقع خطأ (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ لَه لِوَلِيُّ الْمَقْتُولِ: ((أَمَا) أداة استفتاح، وتنبيه (إِنةُ) أي القاتل (إِنْ كَانَ صَادِقًا) في دعواه أنه لم يتعمّد قتله، بل وقع منه خطأً (ثُمَّ قَتَلْتَهُ، دَخَلْتَ النَّارَ) قال السنديّ رحمه الله تعالى: يفيد أن ما كان ظاهره العمد لا يسع فيه كلام القاتل: إنه ليس بعمد في الحكم، نعم ينبغي لوليّ المقتول أن لا يقتله؛ خوفًا من لحوق الإثم به، على تقدير صدق دعوى القاتل. انتهى. (فَخَلَّى سَبِيلَهُ) أي أطلق أسره (قَالَ: وَكَانَ مَكْتُوفًا بِنِسْعَةٍ) بكسر النون، وسكون السين المهملة -: سَيْرٌ مضْفُورٌ، يُجعل زمامًا للبعير وغيره، وقد تُنسَج عريضةً. وقال في ((القاموس)): ((النِّسْعُ)): بالكسر: سَيْرٌ يُنسَجِ عَرِيضًا على هيئة أَعِنَّة النِّعَالِ، تُشَدُّ به الرِّحال، والقطعة منه نِسْعَةٌ، وسُمّيَ نِسْعًا لطوله، جمعه نُسْعٌ بالضمّ، ونِسَعْ، كعِنَبٍ، وأَنْسَاٌ، ونُسُوعٌ. انتهى. (فَخَرَجَ يَجُرُّ نِسْعَتَهُ، فَسُمِّيَ ذَا النِّسْعَةِ) أي صاحب النسعة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته : حديث أبي هريرة ◌َّه هذا صحيح. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٤٧٢٣/٥- وفي ((الكبرى)) ٦٩٢٤/٥. وأخرجه (د) في ((الديات)) ٤٤٩٨ (ت) في ((الديات)) ١٤٠٧ (ق) في ((الديات)) ٢٦٩٠. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان مشروعيّة القصاص، ووجه الاستدلال به أنه وَ لَه إنما دفع القاتل إلى وليّ المقتول ليقتصّ منه، وذلك يدلّ على ثبوت القصاص. (ومنها): أنه لا ينبغي لولي الدم أن يتسارع إلى القصاص، بل يعفو؛ فلعل ذلك القاتل إنما كان قتله عن غير عمد، فيكون قد قتل من لا يجب عليه القتل. (ومنها): أنه يجوز تلقيب الشخص بما يظهر عليه من الحِرَف، أو نحوها، فإنهم سموا ٥- (بابُ القَوَدِ) - حديث رقم ٤٧٢٥ ٣٩٩ هذا الرجل بذي النسعة، لَمّا رأوه يجرّها. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٧٢٥- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، عَنْ عَوْفٍ الْأَعْرَابِيٌّ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلِ الْحَضْرَمِيِّ، عَنْ أَبِهِ، قَالَ: جِيءَ بِالْقَاتِلِ الَّذِي قَلَ، إِلَى رَسُولِ اللهِ نَّهِ، جَاءَ بِهِ وَلِيَّ الْمَقْتُولِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ وَلِّ: ((أَتَعْفُّو؟))، قَالَ: لَا، قَالَ: ((أَتَقْتُلُ؟))، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: ((اذْهَبْ))، فَلَمَّا ذَهَبَ دَعَاهُ، قَالَ: ((أَتَعْفُو؟))، قَالَ: لَا، قَالَ: ((أَتَأْخُذُ الدِّيَّةَ؟))، قَالَ: لَا، قَالَ: ((أَتَقْتُلُ؟))، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: ((اذْهَبْ))، فَلَمَّا ذَهَبَ، قَالَ: ((أَمَا إِنَّكَ إِنْ عَفَوْتَ عَنْهُ، فَإِنّهُ يَبُوءُ بِإِثْمِكَ وَإِثْم صَاحِبِكَ))، فَعَفَا عَنْهُ، فَأَرْسَلَهُ، قَالَ فَرَأَيْتُهُ يَجُرُّ نِسْعَتَهُ). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١- (محمد بن إسماعيل بن إبراهيم) المعروف أبوه بابن عُليّة، البصريّ، نزيل دمشق، وقاضيها، ثقة [١١] ٤٨٩/٢٢ من أفراد المصنّف. ٢- (إسحاق) بن يوسف بن مِزْداس الأزرق الواسطيّ، ثقة [٩] ٤٨٩/٢٢. ٣- (عوف الأعرابيّ) بن أبي جَميلة بَندَويه العبديّ البصريّ، ثقة رُمي بالقدر، وبالتشيّع [٦] ٤٦ /٥٧ . ٤- (علقمة بن وائل) بنِ حُجر الْحَضْرميّ الكوفيّ، صدوقٌ، سمع من أبيه [٣] ٩/ ٨٨٧ . ٥- (وائل بن حُجر)- بضم المهملة، وسكون الجيم- ابن سعد بن مسروق الْحَضرميّ، الصحابيّ المشهور، وكان من ملوك اليمن، ثم سكن الكوفة، ومات تَظ ◌ّه في ولاية معاوية تظلّه، وتقدمت ترجمته في ٨٧٩/٤. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلِ الْحَضْرَمِيِّ، عَنْ أَبِيه) وائل بن حُجْرِ رَّهِ. [تنبيه]: علقمة بن وائل قد ثبت سماعه من أبيه، فقد ذكر الإمامان: البخاريّ في ((تاريخه))، والترمذيّ في ((جامعه)) أنه سمع من أبيه، وإنما الذي لم يسمع من أبيه هو أخوه عبد الجبّار، وقد أخرج الحديث الإمام مسلم في ((صحيحه)) ٤٣٦٣، والمصنّف في هذا الباب ٤٧٣٠-، من روايته عن أبيه، وفيه التصريح بالتحديث، ولفظ مسلم: ((حدّثنا عُبيد الله بن معاذ العنبريّ، حدثنا أبي، حدّثنا أبو يونس- هو حاتم بن أبي صغيرة مسلم- عن سماك بن حرب، أن علقمة بن وائل حدّثه، أن أباه حدّثه، قال: إني == ٤٠٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْقَسَامَةِ لقاعد مع النبيّ وَّ الحديث. ولفظ المصنّف: أخبرنا زكريا بن يحيى، قال: حدثنا عُبيد الله بن معاذ الخ . فما قاله في ((تقريب التهذيب)) من أنه لم يسمع من أبيه غير صحيح، فليُتنبّه. والله تعالى أعلم. (قَالَ: جِيءَ بِالْقَاتِلِ الَّذِي قَتَلَ، إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَ لَهَ) وفي الرواية الآتية: ((شهدت رسول اللّه وَ له حين جيء بالقاتل يقوده ولي المقتول في نِسْعة))، وفي رواية: ((كنت قاعدًا عند رسول اللّه وَ لَّه جاء رجل في عنقه نسعة)) (جَاءَ بِهِ وَلِيُّ الْمَقْتُولِ) وسيأتي أنه أخوه، ففي رواية سماك بن حرب، عن علقمة: ((فقال: يا رسول الله، هذا قتل أخي، فقال له رسول اللّه وَله: ((أقتلته)) (فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ: ((أَتَعْفُو؟))، قَالَ: لَا، قَالَ: (أَتَقْتُلُ؟))، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: ((اذْهَبْ))، فَلَمَّا ذَهَبَ دَعَاهُ، قَالَ: ((أَتَعْفُو؟))، قَالَ: لَا، قَالَ: ((أَتَأْخُذُ الدِّيَّةَ؟))، قَالَ: لَا، قَالَ: ((أَتَقْتُلُ؟))، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: ((اذْهَبْ))، فَلَمَّا ذَهَبَ، قَالَ) وَّرِ (أَمَا إِنَّكَ إِنْ عَفَوْتَ عَنْهُ، فَإِنَةً يَبُوءُ) بهمزة، بعد الواو: أي ينقلب، ويرجع، قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: وأكثر ما يُستعمل باء بكذا في الشرّ، ومنه قوله تعالى: ﴿فَبَاءُو بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾ [البقرة: ٩٠] انتهى (بِإِثْمِكَ وَإِثْمُ صَاحِبِكَ) قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: يعني بذلك- والله تعالى أعلم - أن المقتولَ ظلمًا تُغفر ذنوبه عند قتل القاتل له، والوليّ يُغفر له عند عفوه عن القاتل، فصار ذهاب ذنوبهما بسبب القاتل، فلذلك قيل عنه: إنه باء بذنوب كلّ واحد منهما، هذا أحسن ما قيل فيه. والله ((المفهم)) ٥٨/٥. تعالى أعلم. انتهى وقال السنديّ رحمه الله تعالى: ظاهره أن الوليّ إذا عفا عن القاتل بلا مال يتحمّل القاتل إثم الوليّ والمقتول جميعًا، ولا يخلو عن إشكال، فإن أهل التفسير قد أوّلوا قوله تعالى: ﴿إِنّ أُرِيدُ أَنْ تَبُوَاَ بِثْمِى وَإِنْكَ﴾ الآية [المائدة: ٢٩]، فضلاً عن إثم الوليّ، ولعل الوجه في هذا الحديث أن يقال: المراد برجوعه بإثمهما هو رجوعه متليّسًا بزوال إثمهما عنهما . ويحتمل أنه تعالى يرضى بعفو الوليّ، فيغفر له، ولمقتوله، فيرجع القاتل، وقد أُزيل عنهما إثمهما بالمغفرة. والمشهور هي الرواية الآتية، وهي: ((يبوء بإثمه، وإثم صاحبه)): أي المقتول. وقيل: في تأويله: أي يرجع متلبّسًا بإثمه السابق، وبالإثم الحاصل له بقتل صاحبه، فَأَضيف إلى الصاحب؛ لأدنى ملابسة، بخلاف ما لو قُتِلَ، فإن القتل يكون كفّارة له عن إثم القتل، وهذا المعنى لا يصلح للترغيب، إلا أن يقال: الترغيب باعتبار إيهام الكلام