Indexed OCR Text
Pages 321-340
١٠٦- (الشّرِكَةُ فِي الرَّقِيقِ) - حديث رقم ٤٧٠١ ٣٢١ = ((الفتح)): ظاهره اعتبار ذلك حال العتق حتى لو كان معسرا، ثم أيسر بعد ذلك، لم يتغير الحكم، ومفهومه أنه إن كان معسرا، لم يُقَوَّم، وقد أفصح بذلك في رواية مالك، حيث قال فيها: ((وإلا فقد عتق منه ما عتق))، ويبقى ما لم يُعتق على حكمه الأول، هذا الذي يفهم من هذا السياق، وهو السكوت عن الحكم بعد هذا الإبقاء. وقوله: (قُوِّم عليه)): بضم أوله، زاد مسلم، والنسائي في ((الكبرى)): في روايتهما من هذا الوجه: ((في ماله قيمةَ عدل، لا وَكْسَ، ولا شَطَطَ))، والوَكْسُ بفتح الواو، وسكون الكاف، بعدها مهملة: النقص، والشطط: بمعجمة، ثم مهملة مكررة، والفتح: الْجَوْرُ. واتفق من قال بذلك من العلماء على أنه يُباع عليه في حصة شريكه، جميع ما يباع عليه في الدين، على اختلاف عندهم في ذلك، ولو كان عليه دين، بقدر ما يملكه، كان في حكم الموسر، على أصح قولي العلماء، وهو كالخلاف في أن الدين، هل يمنع الزكاة، أم لا؟. ووقع في رواية الشافعي، والحميدي: ((فإنه يُقَوَّم عليه بأعلى القيمة، أو قيمة عدل))، وهو شك من سفيان، وقد رواه أكثر أصحابه عنه، بلفظ: ((قُوِّم عليه قيمةً عدل))، وهو الصواب . (ثَمَنَّهُ) أي ثمن العبد، والمراد ثمن بقية العبد؛ لأنه موسر بحصته، وقد أوضح ذلك النسائي في ((الكبرى)) ٤٩٥١/١٤-من طريق زيد بن أبي أنيسة، عن عمر بن نافع، وعبيد اللَّه بن عمر، ومحمد بن عجلان، عن نافع، عن ابن عمر، بلفظ: ((أيما رجل، كان له شرك في عبد، فأعتق نصيبه منه، وله مال، يبلغ قيمة أنصباء شركائه، فإنه يضمن لشركائه أنصباءهم، ويَعتِق العبد)). والمراد بالثمن هنا القيمة؛ لأن الثمن ما اشتريت به العين، واللازم هنا القيمة، لا الثمن، وقد تبين المراد في رواية زيد بن أبي أنيسة المذكورة. (بِقِيمَةِ الْعَبْدِ) هكذا نسخ ((المجتبى)) التي بين يديّ، بلفظ «العبد)»، وهو غلطٌ، والصواب ما في ((الكبرى)) بلفظ: ((بقيمة العدل))، وهو الذي في ((صحيح البخاري))، وغيره، ومعنى ((قيمة العدل)) يحتمل أن تكون الإضافة فيه بيانيّة: أي بقيمة، هي عذلٌ ووسَطٌ، لا زيادة فيها، ولا نقص، فهو بمعنى رواية ((الكبرى)) المذكورة: ((قيمة عدل، لا وَكْسَ، ولا شَطَطْ)) . (فَهُوَ) أي ذلك العبد (عَتِيقٌ) بفتح أوله، وكسر ثانيه: أي مُعتَق بضم أوله وفتح المثناة (مِنْ مَالِهِ) أي من مال ذلك الشخص الذي أعتق نصيبه، ولفظ البخاريّ من طريق مالك، عن نافع: ((من أعتق شركا له في عبد، فكان له مالٌ، يبلغ ثمن العبد، قُوْم العبد عليه ٣٢٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوعِ قيمةَ عدل، فَأَعْطَى شُركاءَه حِصَصَهم، وعتق عليه العبد، وإلا فقد عتق منه ما عتق)). وفي روية موسى بن عقبة، قال: أخبرني نافع، عن ابن عمر رضي اللَّه عنهما، أنه كان يفتي في العبد، أو الأمة يكون بين شُركاء، فيُعتق أحدهم نصيبه منه، يقول: قد وجب عليه عتقه كلِّهِ، إذا كان للذي أعتق من المال ما يبلُغُ يُقوَّم من ماله قيمة العدل، ويُدفَع إلى الشركاء أنصاؤهم، ويُخلَّى سَبيل المعتق، يُخبر بذلك ابن عمر، عن النبيّ قال في ((الفتح)): قوله: ((فأعطى شركاءه)): كذا للأكثر على البناء للفاعل، وشركاءه بالنصب، ولبعضهم: ((فأَعطي)) على البناء للمفعول، و((شركاؤه)) بالضم. وقوله: ((حصصهم)): أي قيمة حصصهم: أي إن كان له شركاء، فإن كان له شريك أعطاه جميع الباقي، وهذا لا خلاف فيه، فلو كان مشتركا بين الثلاثة، فأعتق أحدهم حصته، وهي الثلث، والثاني حصته، وهي السدس، فهل يُقَوَّم عليهما نصيب صاحب النصف بالسوية، أو على قدر الحصص، الجمهور على الثاني، وعند المالكية، والحنابلة خلاف، كالخلاف في الشفعة، إذا كانت لاثنين، هل يأخذان بالسوية، أو على قدر الملك. وقوله: ((عتق منه ما عتق)): قال الداودي: هو بفتح العين من الأول، ويجوز الفتح والضم في الثاني، وتعقبه ابن التين بأنه لم يقله غيره، وإنما يقال عَتَقَ بالفتح، وأَعتق بضم الهمزة، ولا يعرف ◌ُتِقٍ بضم أوله؛ لأن الفعل لازم، غير متعد. ولفظ رواية عبيد الله بن عمر، عن نافع: ((من أعتق شركًا له في مملوكه، فعليه عتقه كلّه، إن كان له مال، يبلغ ثمنه، فإن لم يكن له مال يُقوّم عليه قيمة عَدلٍ على المعتِقِ، فأُعتق منه ما أعتق)) . قال في ((الفتح)): قوله: ((فان لم يكن له مال يقوم عليه قيمة عدل على المعتق)) هكذا في هذا الرواية، وظاهرها أن التقويم يشرع في حق من لم يكن له مال، وليس كذلك، بل قوله: ((يُقَوَّم)) ليس جوابا للشرط، بل هو صفةُ من له المال، والمعنى: أن من لا مال له، بحيث يقع عليه اسم التقويم، فإن العتق يقع في نصيبه خاصة، وجواب الشرط هو قوله: ((فأُعتق منه ما أَعتق))، والتقدير: فقد أُعتق منه ما أَعتَق، وقد وقع في رواية أبي بكر، وعثمان ابني أبي شيبة، عن أبي أسامة، عند الإسماعيلي، بلفظ: ((فإن لم يكن له مال، يقوم عليه قيمة عدل، عَتَقَ منه ما عتق)). وأوضح من ذلك رواية خالد بن الحارث، عن عبيد الله، عند النسائي في ((الكبرى)) ٤٩٤٧/١٤- بلفظ: ((فإن كان له مال، قُوُم عليه قيمةَ عدل في ماله، فإن لم يكن له مال، عَتَق منه ما عَتَق)). ١٠٦ - (الشّرِكَةُ فِي الرقيق) - حديث رقم ٤٧٠١ ٣٢٣ وقع عند البخاريّ، من رواية حماد بن زيد، عن أيوب: ((قال نافع: وإلا فقد عتق منه ما عتق، قال أيوب: لا أدري، أشيء قاله نافع، أو شيء من الحديث؟)). قال في ((الفتح)): قوله: ((قال: أيوب لا أدري أشيء، قاله نافع، أو شيء في الحديث؟)): هذا شك من أيوب في هذه الزيادة، المتعلقة بحكم المعسر، هل هي موصولة مرفوعة، أو منقطعة مقطوعة، وقد رواه عبد الوهاب، عن أيوب، فقال في آخره: ((وربما قال: وإن لم يكن له مال، فقد عَتَق منه ما عَتَق، وربما لم يقله، وأكثر ظني أنه شيء يقوله نافع من قبله))، أخرجه النسائي في ((الكبرى)) ١٤/ ٤٩٥٥ . وقد وافق أيوب على الشك في رفع هذه الزيادة، يحيى بن سعيد، عن نافع، أخرجه مسلم، والنسائي، ولفظ النسائي - ١٤/ ٤٩٦٠- وكان نافع يقول- قال يحيى: لا أدري أشيء كان من قبله يقوله، أم شيء في الحديث؟- فإن لم يكن عنده، فقد جاز ما صنع. ورواها من وجه آخر عن يحيى، فجزم بأنها عن نافع، وأدرجها في المرفوع من وجه آخر، وجزم مسلم بأن أيوب ويحيى قالا: لا ندري أهو في الحديث، أو شيء قاله نافع من قبله؟ ولم يُختَلَف عن مالك في وصلها، ولا عن عبيد الله بن عمر، لكن اختلف عليه في إثباتها وحذفها، كما تقدم والذين أثبتوها حفاظ، فاثباتها عن عبيد الله مقدم، وأثبتها أيضا جرير بن حازم، عند البخاريّ، وإسماعيل بن أمية عند الدار قطني، وقد رجح الأئمة رواية من أثبت هذه الزيادة مرفوعة، قال الشافعي: لا أحسب عالما بالحديث يشك في أن مالكا أحفظ لحديث نافع، من أيوب؛ لأنه كان ألزم له منه، حتى ولو استويا، فشك أحدهما في شيء، لم يشك فيه صاحبه، كانت الحجة مع من لم يشك، ويؤيد ذلك قول عثمان الدارمي: قلت لابن معين: مالك في نافع، أحب إليك أو أيوب؟ قال: مالك. قاله في ((الفتح)) ٤٥٧/٥. وسيأتي بيان ثمرة الخلاف في رفع هذه الزيادة أو وقفها في الكلام على حديث أبي هريرة في المسألة الرابعة، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عبد الله بن عمر رضي اللَّه تعالى عنهما هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٤٦٧٠١/١٠٦ وفي الباب الماضي ٤٦٧٠٠/١٠٥- وفي ((الكبرى)) ١٠٨/ ٦٢٩٧ وفي الباب الماضي ٦٢٩٦/١٠٧. وأخرجه (خ) في ((الشركة)) ٢٤٩١ ٣٢٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع و٢٥٠٣ و((العتق)) ٢٥٢٢ و٢٥٢٣ و٢٥٢٤ و٢٥٢٥ و٢٥٥٣ (م) في ((العتق)) ١٥٠١ (د) في (العتق)) ٣٩٤٠ و٣٩٤٣ و٣٩٤٦ و٣٩٤٧ (ت) في ((الأحكام)) ١٣٤٦ و١٣٤٧ (ق) في (الأحكام)) ٢٥٢٨ (أحمد) في ((مسند العشرة)) ٣٩٩ و٤٦٢١ و٤٨٨٣ و٥١٢٨ و٢٧٢٧ (الموطأ) في ((العتق، والولاء)) ١٥٠٤ . والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان جواز الشركة في الرقيق. (ومنها): أن فيه دليلًا على أن الموسر إذا أعتق نصيبه، من مملوك عتق كله، قال ابن عبد البر: لا خلاف في أن التقويم، لا يكون إلا على الموسر، ثم اختلفوا في وقت العتق، فقال الجمهور، والشافعي في الأصح، وبعض المالكية: إنه يَعتق في الحال، وقال بعض الشافعية: لو أعتق الشريكُ نصيبه بالتقويم، كان لغوًا، ويَغرَم المعتق حصة نصيبه بالتقويم، وحجتهم رواية أيوب، في الباب، حيث قال: ((من أعتق نصيبا، وكان له من المال ما يبلغ قيمته، فهو عتيق))، وأوضح من ذلك رواية النسائي، وابن حبان، وغيرهما، من طريق سليمان بن موسى، عن نافع، عن ابن عمر، بلفظ: ((من أعتق عبدا، وله فيه شركاء، وله وفاءٌ، فهو حر، ويضمن نصيب شركائه بقيمته))، وللطحاوي من طريق ابن أبي ذئب، عن نافع: ((فكان للذي يُعتق نصيبه ما يبلغ ثمنه، فهو عتيق كله، حتى لو أَعسَر الموسر المعتِق بعد ذلك، استمر العتق، وبقي ذلك دينا في ذمته، ولو مات أُخذ من تركته، فإن لم يخلُف شيئا، لم يكن للشريك شيء، واستمر العتق، والمشهور عند المالكية: أنه لا يَعتِق الا بدفع القيمة، فلو أعتق الشريك قبل أخذ القيمة نفذ عتقه، وهو أحد أقوال الشافعي، وحجتهم رواية سالم عند البخاريّ، حيث قال: ((فإن كان موسرا، قُوّم عليه، ثم يَعيِق)). والجواب أنه لا يلزم من ترتيب العتق على التقويم، ترتيبه على أداء القيمة، فإن التقويم يفيد معرفة القيمة، وأما الدفع فقدر زائد على ذلك. وأما رواية مالك التي فيها: ((فأعطَى شركاءَهُ حصصهم، وعتق عليه العبد))، فلا تقتضي ترتيبا؛ لسياقها بالواو. (ومنها): أن فيه حجةً على ابن سيرين، حيث قال: يَعتِق كله، ويكون نصيب من لم يُعِق في بيت المال؛ لتصريح الحديث بالتقويم على المعتق. وعلى ربيعة، حيث: قال: لا يَنفُذ عتق الجزء من موسر، ولا معسر، وكأنه لم يثبت عنده الحديث، وعلى بُكير بن الأشج، حيث قال: إن التقويم يكون عند إرادة العتق، لا بعد صدوره. = ٣٢٥ ١٠٦ - (الشَّرِكَةُ فِي الرَّقِيقِ) - حديث رقم ٤٧٠١ وعلى أبي حنيفة، حيث قال: يتخير الشريك، بين أن يُقوّم نصيبه على المعتق، أو يُعتِقِ نصيبه، أو يُستسعَى العبدُ في نصيب الشريك، ويقال: إنه لم يُسبَق إلى ذلك، ولم يتابعه عليه أحد، حتى ولا صاحباه، وطرد قوله في ذلك، فيما لو أعتق بعضَ عبده، فالجمهور، قالوا: يعتق كله، وقال هو: يُستسعَى العبدُ في قيمة نفسه لمولاه، واستثنى الحنفية، ما إذا أذن الشريك، فقال لشريكه: أعتق نصيبك، قالوا: فلا ضمان فيه. (ومنها): أنه استُدِلَّ به على أن من أتلف شيئا من الحيوان، فعليه قيمته، لا مثله، ويلتحق بذلك ما لا يكال، ولا يوزن، عند الجمهور. [تنبيه]: قال ابن بطال رحمه الله تعالى: قيل: الحكمة في التقويم على الموسر، أن تكمل حرية العبد؛ لتتم شهادته وحدوده، قال: والصواب أنها لاستكمال إنقاذ الْمُعتِقِ من النار. قال الحافظ: وليس القول المذكور مردودا، بل هو محتمل أيضا، ولعل ذلك أيضا هو الحكمة في مشروعية الاستسعاء. ذكره في ((الفتح)) ٤٥٨/٥. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف العلماء في الجمع بين حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما هذا، وحديث أبي هريرة تظلّه الذي أخرجه المصنّف في ((كتاب العتق)) من ((الكبرى)) بطرق، وألفاظ مختلفة، وأخرجه الشيخان، وغيرهم. قال الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى في ((صحيحه)): ٢/ ٨٩٣: ((باب إذا أعتق نصيبا في عبد، وليس له مال استُسعي العبد، غير مشقوق عليه، على نحو الكتابة)) : حدثنا أحمد بن أبي رجاء، حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا جرير بن حازم، سمعت قتادة، قال: حدثني النضر بن أنس بن مالك، عن بَشِير بن نَهيك، عن أبي هريرة رضي اللَّه عنه، قال: قال النبي وَّر: ((من أعتق شقيصا من عبد)). حدثنا مسدد، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن النضر بن أنس، عن بَشِير بن نَهيك، عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي وَلّر، قال: ((من أعتق نصيبا، أو شقيصا في مملوك، فخلاصه عليه في ماله، إن كان له مال، وإلا قُوّم عليه، فاستُسعيَ به، غير مشقوق عليه)). تابعه حجاج بن حجاج، وأبان وموسى بن خلف، عن قتادة اختصره شعبة. انتهى. قال في ((الفتح)): قوله: ((باب إذا أعتق نصيبا في عبد الخ)): أشار البخاري بهذه الترجمة إلى أن المراد بقوله، في حديث ابن عمر: ((وإلا فقد عَتَق منه ما عَتَق)): أي وإلا فإن كان المعتق لا مال له، يبلغ قيمة بقية العبد، فقد تنجز عتق الجزء الذي كان يملكه، وبقي الجزء الذي لشريكه على ما كان عليه أولا، إلى أن يستسعى العبد في تحصيل القدر ٣٢٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع الذي يخلص به باقيه من الرِّقّ، إن قوي على ذلك، فإن عَجَّز نفسه، استمرت حصة الشريك موقوفة، وهو مصير منه إلى القول بصحة الحديثين جميعا، والحكم برفع الزيادتين معا، وهما قوله في حديث ابن عمر: ((وإلا فقد عتق منه ما عتق))، وقد تقدم بيان من جزم بأنها من جملة الحديث، وبيان من توقف فيها، أو جزم بأنها من قول نافع، وقوله في حديث أبي هريرة: ((فاستُسْعِيَ به، غير مشقوق عليه))، وسيأتي بيان من جزم بأنها من جملة الحديث، ومن توقف فيها، أو جزم بأنها من قول قتادة، قال الحافظ: وقد بينت ذلك في كتابي ((المدرج)) بأبسط مما هنا، وقد استبعد الإسماعيلي إمكان الجمع بين حديثي ابن عمر وأبي هريرة، ومنع الحكم بصحتهما معا، وجزم بأنهما متدافعان، وقد جمع غيره بينهما بأوجه أخر، يأتي بيانها في أواخر الباب، إن شاء اللّه تعالى. وقوله: (من أعتق شقيصا من عبد))، وللإسماعيلي من طريق بشر بن السري، ويحيى ابن بكير جميعا، عن جرير بن حازم، بلفظ: ((من أعتق شقصا من غلام، وكان للذي أعتقه من المال، ما يبلغ قيمة العبد، أعتق في ماله، وإن لم يكن له مال، استُسْعِي العبدُ، غير مشقوق عليه)). وقوله: ((غير مشقوق عليه)): قال ابن التين: معناه لا يُستَغْلَى عليه في الثمن، وقيل: معناه غير مكاتب، وهو بعيدٌ جدًا، وفي ثبوت الاستسعاء حجة على ابن سیرین، حيث قال: يعتق نصيب الشريك الذي لم يُعتِقِ من بيت المال. وقال عند قوله: ((تابعه حجاج بن حجاج، وأبان وموسى بن خلف، عن قتادة، واختصره شعبة)): ما حاصله: أراد البخاري بهذا الردّ على من زعم أن الاستسعاء في هذا الحديث غير محفوظ، وأن سعيد بن أبي عروبة تفرد به، فاستظهر له برواية جرير ابن حازم بموافقته، ثم ذكر ثلاثة تابعوهما على ذكرها: فأما رواية حجاج، فهو في نسخة حجاج بن حجاج، عن قتادة، من رواية أحمد بن حفص، أحد شيوخ البخاري، عن أبيه، عن إبراهيم بن طهمان، عن حجاج، وفيها ذكر السعاية، ورواه عن قتادة أيضا حجاج بن أرطاة، أخرجه الطحاوي. وأما رواية أبان، فأخرجها أبو داود، والنسائي من طريقه، قال: حدثنا قتادة، أخبرنا النضر بن أنس، ولفظه: ((فإنّ عليه أن يُعتِقِ بقيته، إن كان له مال، وإلا استُسعي العبد))، الحديث، ولأبي داود: ((فعليه أن يعتقه كله))، والباقي سواء. وأما رواية موسى بن خلف، فوصلها الخطيب في كتاب ((الفصل والوصل)) من طريق أبي ظَفَر، عبد السلام بن مطهّر عنه، عن قتادة، عن النضر، ولفظه: ((من أعتق شِقْصًا له في مملوك، فعليه خلاصه، إن كان له مال، فإن لم يكن له، مال استُسعي، غير مشقوق ٣٢٧ ١٠٦ - (الشَّرَكَةُ فِي الرقيقِ) - حديث رقم ٤٧٠١ عليه)). وأما رواية شعبة، فأخرجها مسلم، والنسائي، من طريق غندر عنه، عن قتادة بإسناده، ولفظه: ((عن النبي ◌َّ، في المملوك بين الرجلين، فيعتق أحدهما نصيبه، قال: يضمن))، ومن طريق معاذ، عن شعبة، بلفظ: ((من أعتق شقصا من مملوك، فهو حر من ماله))، وكذا أخرجه أبو عوانة، من طريق الطيالسي، عن شعبة، وأبو داود من طريق رَوح عن شعبة، بلفظ: ((من أعتق مملوكا، بينه وبين آخر، فعليه خلاصه))، وقد اختصر ذكر السعاية أيضا هشام الدستوائي، عن قتادة، إلا أنه اختُلف عليه في إسناده، فمنهم من ذكر فيه النضر بن أنس، ومنهم من لم يذكره، وأخرجه أبو داود، والنسائي بالوجهين، ولفظ أبي داود، والنسائي، جميعا من طريق معاذ بن هشام، عن أبيه: ((من أعتق نصيبا له في مملوك، عتق من ماله، إن كان له مال))، ولم يُختَلف على هشام في هذا القدر من المتن. وغفل عبد الحق، فزعم أن هشاما وشعبة ذكرا الاستسعاء، فوصلاه، وتَعَقّب ذلك عليه ابن الْمَوّاق، فأجاد. وبالغ ابن العربي، فقال: اتفقوا على أن ذكر الاستسعاء، ليس من قول النبي وَّه وإنما هو من قول قتادة. ونقل الخلال في ((العلل)) عن أحمد أنه ضعف رواية سعيد، في الاستسعاء، وضعفها أيضا الأثرم، عن سليمان بن حرب، واستند إلى أن فائدة الاستسعاء، أن لا يدخل الضرر على الشريك، قال: فلو كان الاستسعاء مشروعا، للزم أنه لو أعطاه مثلا، كل شهر درهمين، أنه يجوز ذلك، وفي ذلك غاية الضرر على الشريك. انتهى. وبمثل هذا لا ترد الأحاديث الصحيحة، قال النسائي: بلغني أن هماما رواه، فجعل هذا الكلام، أي الاستسعاء من قول قتادة. وقال الإسماعيلي: قوله: ((ثم استُسْعِيَ العبد))، ليس في الخبر مسندا، وإنما هو قول قتادة، مدرج في الخبر، على ما رواه همام. وقال ابن المنذر، والخطابي: هذا الكلام الأخير من فتيا قتادة، ليس في المتن. قال الحافظ: ورواية همام قد أخرجها أبو داود، عن محمد بن كثير عنه، عن قتادة، لكنه لم يذكر الاستسعاء أصلا، ولفظه: ((أن رجلا أعتق شقصا من غلام، فأجاز النبي وَلَر عتقه، وغَرَّمه بقية ثمنه))، نعم رواه عبد الله بن يزيد المقرئ، عن همام، فذكر فيه السعاية، وفصلها من الحديث المرفوع، أخرجه الإسماعيلي، وابن المنذر، والدار قطني، والخطابي، والحاكم، في ((علوم الحديث))، والبيهقي، والخطيب في ((الفصل والوصل))، كلهم من طريقه، ولفظُهُ مثل رواية محمد بن كثير سواء، وزاد: قال: فكان قتادة يقول: إن لم يكن له مال، استُسْعِيَ العبد)). قال الدارقطني: سمعت ٣٢٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع أبا بكر النيسابوري يقول: ما أحسن ما رواه همام ضبطه، وفصل بين قول النبي وَل، وبين قول قتادة . قال الحافظ: هكذا جزم هؤلاء بأنه مدرج، وأَبىّ ذلك آخرون، منهم: صاحبا ((الصحيح))، فصححا كون الجميع مرفوعا، وهو الذي رجحه ابن دقيق العيد، وجماعة؛ لأن سعيد بن أبي عروبة، أعرف بحديث قتادة؛ لكثرة ملازمته له، وكثرة أخذه عنه، من همام وغيره، وهشام، وشعبة، وإن كانا أحفظ من سعيد، لكنهما لم ينافيا ما رواه، وإنما اقتصرا من الحديث على بعضه، وليس المجلس متحدا، حتى يتوقف في زيادة سعيد، فإن ملازمة سعيد لقتادة، كانت أكثر منهما، فسمع منه ما لم يسمعه غيره، وهذا كله لو انفرد، وسعيد لم ينفرد، وقد قال النسائي في حديث قتادة، عن أبي المليح، في هذا الباب، بعد أن ساق الاختلاف فيه على قتادة: هشام، وسعيد أثبت في قتادة، من همام. وما أُعل به حديث سعيد، من كونه اختلط، أو تفرد به مردود، لأنه في (الصحيحين))، وغيرهما من رواية من سمع منه قبل الاختلاط، كيزيد بن زريع، ووافقه عليه أربعة تقدم ذكرهم، وآخرون معهم، لا نطيل بذكرهم، وهمام هو الذي انفرد بالتفصيل، وهو الذي خالف الجميع، في القدر المتفق على رفعه، فإنه جعله واقعة عين، وهم جعلوه حكما عاما، فدل على أنه لم يضبطه، كما ينبغي، والعجب ممن طعن في رفع الاستسعاء، بكون همام جعله من قول قتادة، ولم يطعن فيما يدل على ترك الاستسعاء، وهو قوله، في حديث ابن عمر، في الباب الماضي: ((وإلا فقد عَتَق منه ما عَتَق))، بكون أيوب جعله من قول نافع، كما تقدم شرحه، ففصل قول نافع من الحديث، وميزه كما صنع همام سواء، فلم يجعلوه مدرجا، كما جعلوا حديث همام مدرجا، مع كون يحيى بن سعيد وافق أيوب في ذلك، وهمام لم يوافقه أحد، وقد جزم. يكون حديث نافع مدرجا محمد بن وضاح وآخرون، والذي يظهر أن الحديثين صحيحان مرفوعان؛ وفاقا لعمل صاحبي ((الصحيح)). وقال بن المواق: والإنصاف أن لا نُوَهِّم الجماعة بقول واحد، مع احتمال أن يكون سمع قتادة يفتي به، فليس بين تحديثه به مرة، وفتياه به أخرى منافاة. قال الحافظ: ويؤيد ذلك أن البيهقي، أخرج من طريق الأوزاعي، عن قتادة أنه أفتى بذلك. والجمع بين حديثي ابن عمر وأبي هريرة ** ممكن، بخلاف ما جزم به الإسماعيلي، قال ابن دقيق العيد: حسبك بما اتفق عليه الشيخان، فإنه أعلى درجات الصحيح، والذين لم يقولوا بالاستسعاء، تعللوا في تضعيفه بتعليلات، لا يمكنهم الوفاء بمثلها، في المواضع التي يحتاجون إلى الاستدلال فيها، بأحاديث يَرُدُّ عليها مثل تلك ١٠٦ - (الشَّرِكَةُ فِي الرَّقِيقِ) - حديث رقم ٤٧٠١ ٣٢٩ التعليلات، وكأن البخاري خشي من الطعن في رواية سعيد بن أبي عروبة، فأشار إلى ثبوتها، بإشارات خفية كعادته، فإنه أخرجه من رواية يزيد بن زريع عنه، وهو من أثبت الناس فيه، وسمع منه قبل الاختلاط، ثم استظهر له برواية جرير بن حازم بمتابعته؛ لينفي عنه التفرد، ثم أشار إلى أن غيرهما تابعهما، ثم قال: اختصره شعبة، وكأنه جواب عن سؤال مقدر، وهو أن شعبة: أحفظ الناس لحديث قتادة، فكيف لم يذكر الاستسعاء؟ فأجاب بأن هذا لا يؤثر فيه ضعفا؛ لأنه أورده مختصرا، وغيره ساقه بتمامه، والعدد الكثير أولى بالحفظ من الواحد. والله أعلم. وقد وقع ذكر الاستسعاء في غير حديث أبي هريرة رَميه ، أخرجه الطبراني من حديث جابر وَمّه ، وأخرجه البيهقي من طريق خالد بن أبي قلابة، عن رجل من بني عُذْرة، وعمدة من ضعف حديث الاستسعاء في حديث ابن عمر قوله: ((وإلا فقد عتق منه ما عتق))، وقد تقدم أنه في حق المعسر، وأن المفهوم من ذلك أن الجزء الذي لشريك المعتق باق على حُكْمِهِ الأول، وليس فيه التصريح بأن يستمر رقيقا، ولا فيه التصريح بأنه يعتق كله، وقد احتج بعض من ضَعَّف رفع الاستسعاء، بزيادة وقعت في الدار قطني وغيره، من طريق إسماعيل بن أمية وغيره، عن نافع، عن ابن عمر، قال في آخره: «ورَقَّ منه ما بقي))، وفي إسناده إسماعيل بن مرزوق الكعبي، وليس بالمشهور، عن يحيى بن أيوب، وفي حفظه شيء عنهم، وعلى تقدير صحتها، فليس فيها أنه يستمر رقيقا، بل هي مقتضى المفهوم من رواية غيره، وحديث الاستسعاء فيه بيان الحكم بعد ذلك، فللذي صحح رفعه أن يقول: معنى الحديثين: أن المعسر إذا أعتق حصته، لم يسر العتق في حصة شريكه، بل تبقى حصة شريكه على حالها، وهي الرق، ثم يستسعى في عتق بقيته، فيحصل ثمن الجزء الذي لشريك سيده، ويدفعه إليه، ويعتق، وجعلوه في ذلك كالمكاتب، وهو الذي جزم به البخاري، والذي يظهر أنه في ذلك باختياره؛ لقوله: ((غير مشقوق عليه))، فلو كان ذلك على سبيل اللزوم، بأن يكلف العبد الاكتساب والطلب، حتى يحصل ذلك، لحصل له بذلك غاية المشقة، وهو لا يُلزَم في الكتابة بذلك، عند الجمهور؛ لأنها غير واجبة، فهذه مثلها، وإلى هذا الجمع مال البيهقي، وقال: لا يبقى بين الحديثين معارضة أصلا، وهو كما قال، إلا أنه يلزم منه أن يبقى الرق في حصة الشريك، إذا لم يختر العبد الاستسعاء، فيعارضه حديث أبي المليح، عن أبيه: أن رجلا أعتق شقصا له من غلام، فذكر ذلك للنبي وَّ، فقال: ((ليس لله شريك))، وفي رواية: ((فأجاز عتقه))، أخرجه أبو داود، والنسائي، بإسناد قوي، وأخرجه أحمد بإسناد حسن، من حديث سمرة تَظّم : أن رجلا أعتق شقصا له ٣٣٠ شرح سنن النسائي - كِتاب البيوع في مملوك، فقال النبي وَالتّ: (هو كله فليس لله شريك))، ويمكن حمله على ما إذا كان المعتق غنيا، أو على ما إذا كان جميعه له، فأعتق بعضه، فقد رَوَى أبو داود من طريق مِلْقَام بن التَّلِبَ(١)، عن أبيه: أن رجلا أعتق نصيبه من مملوك، فلم يضمنه النبي ◌ََّ، وإسناده حسن، وهو محمول على المعسر، وإلا لتعارضا. وجمع بعضهم بطريق أخرى، فقال أبو عبد الملك: المراد بالاستسعاء، أن العبد يستمر في حصة الذي لم يُعتق رقيقا، فيسعى في خدمته بقدر ما له فيه من الرق، قالوا: ومعنى قوله: ((غير مشقوق عليه))، أي من وجه سيده المذكور، فلا يكلفه من الخدمة، فوق حصة الرق، لكن يَرُدُّ على هذا الجمع قوله، في الرواية المتقدمة: ((واستسعي في قیمته لصاحبه)). واحتج من أبطل الاستسعاء، بحديث عمران بن حصين، عند مسلم: ((أن رجلا أعتق ستة مملوكين له عند موته، لم يكن له مال غيرهم، فدعاه رسول اللّه ◌َ لّره فجزهم أثلاثا، ثم أقرع بينهم، فأعتق اثنين، وأرق أربعة)). ووجه الدلالة منه، أن الاستسعاء لو كان مشروعا، لنجز من كل واحد منهم عتق ثلثه، وأمره بالاستسعاء في بقية قيمته لورثة الميت. وأجاب من أثبت الاستسعاء، بأنها واقعة عين، فيحتمل أن يكون قبل مشروعية الاستسعاء، ويحتمل أن يكون الاستسعاء مشروعا إلا في هذه الصورة، وهي ما إذا أعتق جميع ما ليس له أن يعتقه، وقد أخرج عبد الرزاق بإسناد، رجاله ثقات، عن أبي قلابة، عن رجل من عُذْرة: ((أن رجلا منهم أعتق مملوكا له عند موته، وليس له مال غيره، فأعتق رسول اللَّه ◌َ ل ثلثه، وأمره أن يسعى في الثلثين))، وهذا يعارض حديث عمران، وطريق الجمع بينهما ممكن. واحتجوا أيضا بما رواه النسائي في ((الكبرى)) ١٤/ ٤٩٦١- من طريق سليمان بن موسى، عن نافع، عن ابن عمر، بلفظ: ((من أعتق عبدا، وله فيه شركاء، وله وفاء، فهو حر، ويضمن نصيب شركائه بقيمته، لما أساء من مشاركتهم، وليس على العبد شيء)). والجواب مع تسليم صحته، أنه مختص بصورة اليسار؛ لقوله فيه: وله وفاء، والاستسعاء إنما هو في صورة الإعسار، كما تقدم، فلا حجة فيه. (١) ((ملقام)) بكسر أوله، وسكون اللام،، ثم قاف، ويقال: بالهاء بدل الميم، ((ابن التلبّ)) بفتح المثنّاة، وكسر اللام، وتشديد الموحّدة، التميميّ العنبريّ، مستور، من الخامسة. انتهى ((تقريب) . = ٣٣١ ١٠٧ - (الشَّرِكَةُ فِي النَّخِيل) - حديث رقم ٤٧٠٢ وقد ذهب إلى الأخذ بالاستسعاء، إذا كان المعتق معسرا، أبو حنيفة، وصاحباه، والأوزاعي، والثوري، وإسحاق، وأحمد في رواية، وآخرون، ثم اختلفوا، فقال الأكثر: يعتق جميعه في الحال، ويستسعى العبد في تحصيل قيمة نصيب الشريك، وزاد ابن أبي ليلى، فقال: ثم يرجع العبد المعتق على الأول بما أداه للشريك، وقال أبو حنيفة وحده: يتخير الشريك بين الاستسعاء، وبين عتق نصيبه، وهذا يدل على أنه لا يعتق عنده ابتداء، إلا النصيب الأول فقط، وهو موافق لما جنح إليه البخاري، من أنه يصير كالمكاتب، وقد تقدم توجيهه، وعن عطاء: يتخير الشريك بين ذلك، وبين إبقاء حصته في الرق، وخالف الجميع زفر، فقال: يعتق كله، وتُقَوَّم حصة الشريك، فتؤخذ، إن كان المعتق موسرا، وترتب في ذمته إن كان معسرا. انتهى ملخّصًا من ((الفتح)) ٤٥٨/٥-٤٦٣. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب)). ١٠٧ - (الشَّرِكَةُ فِي النَّخِيلِ) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((النخيل))- بفتح النون، وكسر الخاء المعجمة- لغة في النَّخْل- بفتح، فسكون-، قال في ((القاموس)): النخلُ معروف، كالنخيل، ويذكّر، واحدته نخلة. انتهى. وقال الفيّوميّ: النخل اسم جمع، الواحدة نخلةٌ، وكل جمع بينه وبين واحده الهاء، قال ابن السِّكْيت: فأهل الحجاز يؤثّثون أكثره، فيقولون: هي التمر، وهي البرّ، وهي النخل، وهي البقر، وأهل نجدٍ، وتميم يُذكّرون، فيقون: نخلٌ كريم وكريمة، وكرائم، وفي التنزيل: ﴿أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْفَعِرٍ﴾ [القمر: ٢٠]، و﴿فَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقّة: ٧]، وأما النخيل بالياء، فمؤنثةٌ، قال أبو حاتم: لا اختلاف في ذلك. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب. ٤٧٠٢ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ: أَنَّ النِّيَّ وَهُ قَالَ: ((أَيُّكُمْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ، أَوْ نَخْلٌ، فَلَا يَبِعْهَا، حَتَّى يَعْرِضَهَا عَلَى شَّرِيكِهِ))). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وقد تقدّموا غير مرّة. و((سفيان)): هو ابن عيينة. والسند من رباعيّات المصنّف رحمه الله تعالى، وهو ٣٣٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع (٢٣١) من رباعيات الكتاب. والحديث أخرجه مسلم، وقد تقدّم في ٨٠ /٤٦٤٨ وسبق شرحه، وبيان مسالـ هناك، واستدلال المصنّف على ما ترجم له به واضح. والله تعالى أعلم بالصواب. وإليه المرجع والمآب. (إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب)). ١٠٨- (الشَّرِكَةُ فِي الرِّبَاعِ قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((الرِّبَاع)) : - بكسر الراء، وتخفيف الموحّدة: جمع رَبْع - بفتح، فسكون، كسِهام وسَهْم: وهي محلّة القوم، ومنزلهم، وقد يُطلق على القوم مجازًا، ويُجمع أيضًا على أَرباع، وأربع، ورُبُوع، مثل فُلُوس. أفاده الفيّوميّ. والله تعالى أعلم. بالصواب. ٤٧٠٣ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ إِذْرِيسَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: ((قَضَى رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ بِالشُّفْعَةِ، فِي كُلِّ شَّرِكَةٍ، لَمْ تُقْسَمْ: رَبْعَةٍ، وَحَائِطٍ، لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ، حَتَّى يُؤْذِنَ شَرِيكَهُ، فَإِنْ شَاءَ أَخَذَ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ، وَإِنْ بَاعَ وَلَمْ يُؤْذِنْهُ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ)). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١- (مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ) أبو كريب الهمداني الكوفيّ، ثقة حافظ [١٠] ١١٧/٩٥. ٢ - (ابن إدريس) عبد الله الأوديّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقة فقيه عابد [٨] ١٠٢/٨٥. ٣- (ابن جُريج) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأمويّ مولاهم، المكيّ، ثقة فقيه فاضل يدلس ويرسل [٦] ٣٢/٢٨ . ٤- (أبو الزبير) محمد بن مسلم بن تَدْرُس المكيّ، صدوق يدلس [٤] ٣٥/٣١. ٥- (جابر) بن عبد الله بن عمرو بن حرام الصحابي ابن الصحابي رضي اللّه تعالى عنهما٣١/ ٣٥ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمكيين، غير شيخه، وشيخ شيخه، فکوفیان. ٣٣٣ ١٠٨ - (الشَّرِكَةُ فِي الرِّاع - حديث رقم ٤٧٠٣ (ومنها): أن شيخه أحد مشيايخ الستة بلا واسطة (ومنها): أن فيه جابرًا رضي اللّه تعالى عنه من المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ جَابِرٍ) بن عبد الله رضي اللَّه تعالى عنهما، أنه (قَالَ: قَضَى رَسُولُ اللَّهِ وَلَِّ) أي حكم، وألزم (بِالشُّفْعَةِ) بضمّ، فسكون: هي في اللغة الضمّ، والجمع، وشرعًا: أخذ الشريك الجزء الذي باعه شريكه من المشتري بما اشتراه به، وسيأتي تمام البحث في ذلك في الباب التالي، إن شاء اللَّه تعالى (فِي كُلِّ شَرِكَةٍ) أي في كلّ شيءٍ مشترك، ولفظ مسلم، وأبي داود: ((في كل شِرْك)) وهو - بكسر الشين المعجمة، وإسكان الراء - من أشركته في البيع: إذا جعلته لك شريكا، ثم خفف المصدر بكسر الأول، وسكون الثاني، فيقال: شِرْك وشِركة، كما يقال: كِلْم وكِلْمة. قاله في ((النيل)) ٣٥٧/٥. وقال القرطبيّ: الشَّرِيكُ: النصيب المشترك، قال: وهذا يدلّ على أن الشفعة إنما تُستَحقّ بالاشتراك في رقبة الملك، لا باستحقاق منفعة في الملك، كممرّ طريق، ومسيل ماء، واستحقاق سُكنى؛ لأن كلّ ذلك ليس بشرك. انتهى (لَمْ تُقْسَمْ) هذا يفيد أن الشفعة لا تجب إلا بالجزء المشاع الذي يتأتّى منه إفرازه بالقسمة، فلا تجب فيما لا ينقسم، كالحمّام، والرحا، وفحل الخل، والبئر، ونحو ذلك، مما لو قُسم لبطلت المنفعة المقصودة منه قبل القسمة. وقيل: تجري في ذلك، والأول أظهر، كما قال القرطبيّ، وسيأتي تمام البحث فيه في الباب التالي، إن شاء الله تعالى. (رَبْعَةٍ، وَحَائِط) زاد في رواية مسلم: ((أو أرض))، قال القرطبيّ: الرواية الصحيحة فيه بخفض ((ربعة، وما بعده، على البدل، من ((كل شركة))، فهو تفسير له، وتقييد. و((الرَّبْعَة)) بفتح الراء،، وسكون الموحّدة -: تأنيث الرَّبْع: وهو المنزل. ويُجمع على رُبوع، وإنما قيل للمنزل رَبْعٌ؛ لأن الإنسان يربع فيه: أي يُقيم، يقال: هذه رَبْعٌ، وهذه رَبْعَةٌ، كما يقال: دارٌ، ودارة، ثم سُمّي به الدار، والمسكن. و((الحائط)): بستان النخل. و((الأرض)): يعني بها البَرَاح الذي لا سَكَنَ فيها، ولا شجر، وإنما هي مُعَدَّةٌ للزراعة. قاله في ((المفهم)) ٤/ ٥٢٤. (لَا يَحِلُّ لَهُ) أي لمالك ما تقدّم من الربعة، والحائط، والأرض المشتركة (أَنْ يَبِيعَةُ) أي يبيع المذكور (حَتَّى يُؤْذِنَ) من الإيذان، وهو الإعلام، أي حتى يُعلم (شَرِيكَهُ) قال القرطبيّ: هذا محمول على الإرشاد إلى الأولى، بدليل قوله وَالر: ((فإذا باع، ولم يؤذنه، فهو أحقّ به))، ولو كان ذلك على التحريم لذمّ البائع، ولفسخ البيع، لكنه أجازه، وصححه، ولم يذمَ الفاعل على ما قلناه، وقد قال بعض شيوخنا: إن ذلك ٣٣٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوعِ يجب عليه. انتهى. وقال الشوكانيّ: قوله: ((لا يحل له أن يبيع الخ : : ظاهره أنه يجب على الشريك، إذا أراد البيع أن يؤذن شريكه، وقد حكى مثل ذلك القرطبي عن بعض مشايخه، وقال في ((شرح الإرشاد)): الحديث يقتضي أنه يحرم البيع قبل العرض على الشريك، قال ابن الرفعة: ولم أظفر به عن أحد من أصحابنا، ولا محيد عنه، وقد قال الشافعي: إذا صح الحديث، فاضربوا بقولي عرض الحائط، وقال الزركشي: إنه صرح به الفارقي، وقال الأذرعي: إنه الذي يقتضيه نص الشافعي، وحمله الجمهور من الشافعية وغيرهم على الندب، وكراهة ترك الإعلام، قالوا: لأنه يصدق على المكروه أنه ليس بحلال، وهذا إنما يتم إذا كان اسم الحلال مختصا بما كان مباحا، أو مندوبا، أو واجبا، وهو ممنوع، فإن المكروه من أقسام الحلال، كما تقرر في الأصول. انتهى ((نيل الأوطار)) ٣٥٧/٥- ٣٥٨ . قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الوجوب هو الحقّ؛ لأن لفظ: ((لا يحلّ)) ظاهر في التحريم، ولا ينافي ذلك عدم فساد البيع؛ إذ لا يستلزم، كما سبق في النهي عن النجش، وبيع المصرّاة، وتلقّ الجلب، فكلها محرّمة، ولم يفسد البيع، بل خُيّر المشتري فيه. والله تعالى أعلم. (فَإِنْ شَاءَ أَخَذَ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ) يعني أن الشريك إن شاء أخذ المبيع بما أعطى المشتري من الثمن؛ لأنه أحقّ به بعد البيع، وإن شاء ترك (وَإِنْ بَاعَ) أي باع مالكُ ما ذُكر من الربعة، وغيره (وَلَمْ يُؤْذِنْهُ) أي لم يُعلم شريكه بالبيع (فَهُوَ أَحَقُ بِهِ) أي فالشريك أولى بالمبيع من المشتري، يأخذه بالثمن الذي اشتراه به، من عين، أو عَرَض، نقدًا، أو إلى أجل، وهو قول مالك، وأصحابه، وذهب أبو حنيفة، والشافعيّ إلى أنه لا يشفع إلى الأجل، بل إنه إن شاء شفع بالنقد، وإن شاء صبر إلى الأجل، فيشفه عنده. قاله في ((المفهم)) ٤/ ٥٢٨ . وقال الشوكانيّ: فيه دليل على ثبوت الشفعة للشريك الذي لم يؤذنه شريكه بالبيع، وأما إذا أعلمه الشريك بالبيع، فأذن فيه فباع، ثم أراد الشريك أن يأخذه بالشفعة، فقال مالك، والشافعي، وأبو حنيفة، والهادوية، وابن أبي ليلى، والْبَتِّي، وجمهور أهل العلم: إن له أن يأخذه بالشفعة، ولا يكون مجرد الإذن، مبطلا لها، وقال الثوري، والحكم، وأبو عبيد، وطائفة من أهل الحديث: ليس له أن يأخذه بالشفعة، بعد وقوع الإذن منه بالبيع، وعن أحمد روايتان، كالمذهبين. ودليل الآخِرِين مفهوم الشرط، فإنه يقتضي عدم ثبوت الشفعة مع الإيذان من البائع، ودليل الأولين الأحاديث الواردة في شفعة الشريك والجار، من غير تقييد، وهي منطوقات، لا يقاومها ذلك المفهوم. ١٠٩ - (ذِكْرُ الشُّفْعَةِ، وَأَحْكَامِهَا) - حديث رقم ٤٧٠٤ ٣٣٥ == ويجاب بأن المفهوم المذكور صالح لتقييد تلك المطلقات، عند من عمل بمفهوم الشرط من أهل العلم، والترجيح إنما يصار إليه عند تعذر الجمع، وقد أمكن ههنا بحمل المطلق على المقيد. انتهى ((نيل الأوطار)) ٣٥٨/٥ . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن القول الثاني، وهو عدم ثبوت الشفعة بعد الإذن هو الأرجح، وهو الذي مال إليه البخاريّ، حيث ترجم في ((صحيحه)) بقوله: (باب عرض الشفعة على صاحبها قبل البيع))، وقال الحكم: إذا أذن له قبل البيع، فلا شُفعة له. وقال الشعبيّ: من بِيعت شفعته، وهو شاهدٌ، لا يُغيّرها، فلا شفعة له)). انتهى. والحاصل أن حمل المطلق الذي احتجّ به القائلون بثبوت الشفعة بعد الإذن على المقيّد بمفهوم هذا الحديث أولى، كما أشار إليه الشوكانيّ في كلامه المذكور آنفًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. والحديث أخرجه مسلم، وتقدّم تخريجه، وبيان سائر المسائل المتعلّقة به في ٨٠٪ ٤٦٤٨- فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)). ١٠٩- (ذِكْرُ الشُّفْعَةِ، وَأَحْكَامِهَا) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((الشُّفعة)) بضمّ المعجمة، وسكون الفاء، وغلط من حرّكها، مأخوذة من الشفع، وهو الزوج، وقيل: من الزيادة، وقيل: من الإعان. قاله في ((الفتح)) ١٩٢/٥. وقال الفيّوميّ: شفَعت الشيءَ شَفْعًا، من باب نفع: ضممتُهُ إلى الفرد، وشفعتُ الركعة: جعلتها ثنتين، ومن هنا اشتُقْت الشُّفْعة، وهي مثالُ غُزفة؛ لأن صاحبها يشفع ماله بها، وهي اسم للملك المشفوع، مثلُ اللَّقْمَة، اسم للشيء الملقوم، وتُستعمل بمعنى التملّك لذلك الملك، ومنه قولهم: من ثبتَ له شُفْعة، فأخّر الطلب بغير عذر، بطلت شفعته، ففي هذا المثال بَيِّنُ المعنيين، فإن الأولى للمال، والثانية للتملّك، ولا يُعرف لها فعلٌ. انتهى. وقال في ((الفتح))- بعد أن ذكر المعاني اللغوية الماضية -: وفي الشرع: انتقال حصّة شريك إلى شريك، كانت انتقلت إلى أجنبيّ، بمثل العوض المسمّى. ولم يختلف العلماء في مشروعيّتها، إلا ما نُقل عن أبي بكر الأصمّ من إنكارها. انتهى. ـ === ٣٣٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع وقال القرطبيّ: الشفعة في اللغة: هي الضمّ، والجمع، وفي عرف الشرع: أخذ الشريك الجزء الذي باعه شريكه من المشتري بما اشتراه به، وهي حقّ للشريك على المشتري، فيجب عليه أن يُشفِعَه، ولا يحلّ له الامتناع من ذلك. انتهى ((المفهم)) ٤/ ٥٢٣ . وقال في ((المغني)): الشفعة: هي استحقاق الشريك انتزاع حصة شريكه، المنتقلة عنه، من يد من انتقلت إليه، وهي ثابتة بالسنة، والإجماع: أما السنة فما رُوي عن جابر رضي الله عنه، قال: ((قضى رسول اللَّه ◌َ له بالشفعة، فيما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود، وصرفت الطرق فلا شفعة))، متفق عليه، ولمسلم قال: ((قضى رسول اللّه وَّرله بالشفعة في كل شرك لم يقسم، رَبْعَة، أو حائط، لا يحل له أن يبيع حتى يستأذن شريكه، فإن شاء أخذ، وإن شاء ترك، فإن باع ولم يستأذنه، فهو أحق به))، وللبخاري: ((إنما جعل رسول اللّه وَ لهو الشفعة، فيما لم يُقْسَم، فإذا وقعت الحدود، وصرفت الطرق، فلا شفعة)). وأما الإجماع، فقال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على إثبات الشفعة، للشريك الذي لم يقاسم، فيما بيع من أرض، أو دار، أو حائط، والمعنى في ذلك أن أحد الشريكين، إذا أراد أن يبيع نصيبه، وتمكن من بيعه لشريكه، وتخليصه مما كان بصدده، من توقع الخلاص والاستخلاص، فالذي يقتضيه حسن العشرة، أن يبيعه منه؛ ليصل إلى غرضه، من بيع نصيبه، وتخليصه شريكه من الضرر، فإذا لم يفعل ذلك، وباعه لأجنبي، سلط الشرع الشريك على صرف ذلك إلى نفسه، ولا نعلم أحدا خالف هذا، إلا الأصم، فإنه قال: لا تثبت الشفعة؛ لأن في ذلك إضرارا بأرباب الأملاك، فإن المشتري إذا علم أنه يؤخذ منه، إذا ابتاعه لم يبتعه، ويتقاعد الشريك عن الشراء، فيستضر المالك، وهذا ليس بشيء؛ لمخالفته الآثار الثابتة، والإجماع المنعقد قبله، والجواب عما ذكره من وجهين: [أحدهما]: أنا نشاهد الشركاء يبيعون، ولا يعدم من يشتري منهم، غير شركائهم، ولم يمنعهم استحقاقه الشفعة من الشراء. [الثاني]: أنه يمكنه إذا لحقته بذلك مشقة أن يقاسم، فيسقط استحقاق الشفعة. واشتقاق الشفعة: من الشفع، وهو الزوج، فإن الشفيع كان نصيبه منفردا في ملكه، فبالشفعة يضم المبيع إلى ملكه، فيشفعه به. وقيل: اشتقاقها من الزيادة؛ لأن الشفيع يزيد المبيع في ملكه. انتهى ((المغني)) ٧/ ٤٣٥-٤٣٦. والله تعالى أعلم بالصواب. ٤٧٠٤- (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ، عَنْ ٣٣٧ ١٠٩- (ذِكْرُ الشُّفْعَةِ، وَأَحْكَامِهَا) - حديث رقم ٤٧٠٤ عَمْرِو ابْنِ الشَّرِيدِ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ: ((الْجَارُ أَحَقُّ بِسَقَبِهِ)). رجال هذا الإسناد: خمسةً : ١- (علي بن حُجْر) السعد المروزي، ثقة حافظ، من صغار [٩] ١٣/١٣. ٢- (سفيان) بن عيينة الإمام الحجة الثبت المكي [٨] ١/١. ٣- (إبراهيم بن ميسرة) الطائفيّ، نزيل مكة، ثقة حافظ [٧] ١١ / ٤٦٩. ٤- (عمرو بن الشَّرِيد)- بفتح المعجمة، وكسر الراء -: هو الثقفيّ، أبو الوليد الطائفيّ، ثقة [٣] ٤١٨٤/١٩. ٥- (أبو رافع) القبطيّ، مولى رسول اللَّه وَلّر، واسمه إبراهيم، وقيل: أسلم، وقيل: ثابت، وقيل: هُزْمُز، مات ◌َّه في خلافة عليّ رَمَّه على الصحيح، وتقدّم في ٨٦٢/٥٨ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن شيخه مروزيّ، وسفيان مكي، وإبراهيم طائفيّ، ثم مكيّ، وعمرو بن الشريد طائفي، والصحابيّ مدنيّ. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن عمرو بن الشريد) وفي رواية للبخاريّ، في ((ترك الحيل)): ((عن إبراهيم بن ميسرة، سمعت عمرو بن الشريد)) (عَنْ أَبِي رَافِع) القبطي، مولى رسول اللَّهِ وَّ رضي الله تعالى عنه. [تنبيه]: سيأتي في الرواية التالية أن عمرو بن الشريد رواه عن أبيه، قال في ((الفتح)) ١٩٤/٥: فيحتمل أن يكون سمعه من أبيه، ومن أبي رافع، قال الترمذي: سمعت محمدا- يعني البخاري- يقول: كلا الحديثين عندي صحيح. انتهى. (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَرَ: ((الْجَارُ أَحَقُّ بِسَقَبِهِ) جملة من مبتدأ وخبره، و((السقب))- بفتحتين -: القرب، وباء بـ((سقبه)) صلة ((أحقّ))، لا للسبب، أي الجار أحقّ بالدار السَّاقِبَةِ، أي القريبة، ومن لا يقول بشفعة الجار، يحمِل الجار على الشريك، فإنه يسمّى جارًا، أو يَحمِل الباء على السببية: أي أحقّ بالبرّ والمعونة، بسبب قربه من جاره، ولا يخفى أنه لا معنى لقولنا: الشريك أحقّ بالدار القريبة، كما هو مؤذّى التأويل الأول، والظاهر أن الرواية الآتية تردّ التأويلين، فليُتأمّل. قاله السنديّ. وقال في ((الفتح)) ١٩٤/٥ -: قوله: ((بسقبه)) - بفتح المهملة والقاف، بعدها ٣٣٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوعِ موحدة- وهو بالسين المهملة، وبالصاد أيضا، ويجوز فتح القاف، واسكانها: القرب، والملاصقة، ووقع في حديث جابر وظاقيه، عند الترمذي: ((الجار أحق بسقبه، يُنتظَر به إذا كان غائبا، إذا كان طريقهما واحدا)). انتهى. وفي الحديث قصّة، ساقها البخاريّ في ((صحيحه ٢/ ٧٨٧ فقال: حدثنا المكي بن إبراهيم، أخبرنا ابن جريج، أخبرني إبراهيم بن ميسرة، عن عمرو ابن الشريد، قال، وقفت على سعد بن أبي وقاص، فجاء الْمِسْوَر بن مخرمة، فوضع يده على إحدى منكبي، إذ جاء أبو رافع، مولى النبي ◌َّ، فقال: يا سعد ابتع مني بَيْتَيَّ في دارك، فقال سعد: والله ما أبتاعهما، فقال المسور: واللَّه لتبتاعنهما، فقال سعد: والله لا أزيدك على أربعة آلاف، منجمة، أو مقطعة، قال أبو رافع: لقد أُعطيت بها خمسمائة دينار، ولولا أني سمعت النبي ◌ََّ، يقول: ((الجار أحق بسقبه))، ما أعطيتكها بأربعة آلاف، وأنا أعطى بها خمسمائة دينار، فأعطاها إياه. انتهى. قال ابن بطال رحمه اللّه تعالى: استدل به أبو حنيفة وأصحابه على إثبات الشفعة للجار، وأوله غيرهم على أن المراد به الشريك؛ بناء على أن أبا رافع، كان شريك سعد في البيتين، ولذلك دعاه إلى الشراء منه، قال: وأما قولهم: إنه ليس في اللغة ما يقتضي تسمية الشريك جارا، فمردود فإن كل شيء قارب شيئا، قيل له: جار، وقد قالوا لا مرأة الرجل: جارة؛ لما بينهما من المخالطة. انتهى. وتعقبه ابن المنير بأن ظاهر الحديث أن أبا رافع كان يملك بيتين، من جملة دار سعد، لا شقصا شائعا من منزل سعد، وذكر عمر بن شَبَّة أن سعدا كان اتخذ دارين بالبلاط، متقابلتين بينهما عشرة أذرع، وكانت التي عن يمين المسجد منهما لأبي رافع، فاشتراها سعد منه، ثم ساق حديث الباب، فاقتضى كلامه أن سعدا كان جارا لأبي رافع، قبل أن یشتري منه داره، لا شریکا . وقال بعض الحنفية: يلزم الشافعية القائلين بحمل اللفظ على حقيقته ومجازه، أن يقولوا بشفعة الجار؛ لأن الجار حقيقة في المجاور، مجاز في الشريك. وأجيب بأن محل ذلك عند التجرد، وقد قامت القرينة هنا على المجاز فاعتبر؛ للجمع بين حديثي جابر وأبي رافع، فحديث جابر صريح في اختصاص الشفعة بالشريك، وحديث أبي رافع مصروف الظاهر اتفاقا؛ لأنه يقتضي أن يكون الجار أحق من كل أحد، حتى من الشريك، والذين قالوا بشفعة الجار، قدموا الشريك مطلقا، ثم المشارك في الطريق، ثم الجار على من ليس بمجاور، فعلى هذا، فيتعين تأويل قوله: ((أحق)) بالحمل على الفضل، أو التعهد، ونحو ذلك. ٣٣٩= ١٠٩- (ذِكْرُ الشُّفْعَةِ، وَأَحْكَامِهَا) - حديث رقم ٤٧٠٤ واحتج من لم يقل بشفعة الجوار أيضا، بأن الشفعة ثبتت على خلاف الأصل؛ لمعنى معدوم في الجار، وهو أن الشريك، ربما دخل عليه شريكه، فتأذى به، فدعت الحاجة إلى مقاسمته، فيدخل عليه الضرر بنقص قيمة ملكه، وهذا لا يوجد في المقسوم. والله أعلم. قاله في ((الفتح)) ١٩٤/٥-١٩٥. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: هذا أخرجه البخاريّ. حديث أبي رافع (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-١٠٩ /٤٧٠٤ وفي ((الكبرى)) ١١١/ ٦٣٠١. وأخرجه (خ) في ((الشفعة)) ٢٢٥٨ (د) في ((البيوع)) ٢٥١٦ (ق) في ((الأحكام)) ٢٤٩٥ (أحمد) في ((مسند القبائل)) ٢٦٦٣٩. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان حكم الشفعة، وهو أنها مشروعة، وقد سبق أن جوازها مجمع عليه، إلا ما شذّ به أبو بكر الأصمّ، حيث أنكرها. (ومنها): عناية الشارع بتأكيد أمر الجوار، حيث أثبت للجار الأحقية على غيره في ملك جاره. (ومنها): أنه قد استدلّ به القائلون بثبوت الشفعة للجار، وأجاب المانعون بأنه ليس فيه ذكر الشفعة، فيحتمل أن يكون المراد به الشفعة، ويحتمل أن يكون أحقّ بالبرّ والمعونة، قاله البغويّ. قال الشوكانيّ: ولا يخفى بعد هذا الحمل، لا سيّما بعد قوله في الحديث: ((ليس لأحد فيها شرك))، والأولى أن يجاب بحمل هذا المطلق على المقيّد، كحديث جابر رَظنّه: ((الجار أحقّ بشفعة جاره، يُنتظر بها، وإن كان غائبًا، إذا كان طريقهما واحدًا))، رواه أحمد، وأصحاب السنن، إلا النسائيّ. لا يقال: إن نفي الشرك فيها يدلّ على اتحاد الطريق، فلا يصحّ تقييده بالحديث المذكور؛ لأنا نقول: إنما نفى الشرك عن الأرض، لا عن طريقها، ولو سُلْم عدم صحّة التقييد باتحاد الطريق، فأحاديث إثبات الشفعة بالجوار تُخُصِّصُهُ بما سلف، ولو فُرض عدم صحة التخصيص للتصريح بنفي الشركة، فهي مع ما فيها من المقال، لا تنتهض المعارضة الأحاديث القاضية بنفي شفعة الجار الذي ليس بمشارك. انتهى ((نيل الأوطار)) ٣٥٩/٥ وهو بحث نفيس . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في أحكام الشفعة: ٣٤٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوعِ قد تقدّم أنهم مجمعون على مشروعية الشفعة في الجملة، إلا أبا بكر الأصمّ، وقد اختلفوا في أشياء، قد فصّلها الموفّق رحمه الله تعالى في كتابه الممتع ((المغني))، وأنا ألخص ما تيسّر منه؛ تتميمًا للفائدة، وتكميلًا للعائدة: قال رحمه الله تعالى عند قول الخرقيّ رحمه الله تعالى: ولا تجب الشفعة، إلا للشريك المقاسم، فإذا وقت الحدود، وصرفت الطرق فلا شفعة: ما حاصله: وجملة ذلك: أن الشفعة تثبت على خلاف الأصل، إذ هي انتزاع ملك المشتري بغير رضاء منه، وإجبار له على المعاوضة، مع ما ذكره الأصم، لكن أثبتها الشرع لمصلحة راجحة، فلا تثبت إلا بشروط أربعة : [أحدها]: أن يكون الملك مشاعا، غير مقسوم، فأما الجار، فلا شفعة له، وبه قال عمر، وعثمان، وعمر بن عبد العزيز، وسعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، والزهري، ويحيى الأنصاري، وأبو الزناد، وربيعة، والمغيرة بن عبد الرحمن، ومالك، والأوزاعي، والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور، وابن المنذر. وقال ابن شبرمة، والثوري، وابن أبي ليلى، وأصحاب الرأي: الشفعة بالشركة، ثم بالشركة في الطريق، ثم بالجوار. وقال أبو حنيفة: يقدم الشريك، فإن لم يكن، وكان الطريق مشتركا، كدرب لا ينفذ، تثبت الشفعة لجميع أهل الدرب، والأقرب، فالأقرب، فإن لم يأخذوا، ثبتت للملاصق من درب آخر خاصة. وقال العنبري، وسوار: تثبت بالشركة في المال، وبالشركة في الطريق، واحتجوا بما رَوَى أبو رافع رَّه قال: قال رسول اللّه ◌َله: ((الجار أحق بصقبه))، رواه البخاريُّ، وأبو داود، والنسائيّ، ورَوَى الحسن، عن سمرة رَّه: أن النبي ◌َّ، قال: ((جار الدار أحق بالدار))، رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح، ورَوَى الترمذي في حديث جابر رَّه: ((الجار أحق بداره، بشفعته، يُنتظر به إذا كان غائبا، إذا كان طريقهما واحدًا))، وقال: حديث حسن، ولأنه اتصال ملك يدوم ويتأبد، فتثبت الشفعة به كالشركة . واحتجّ الأولون بقول النبي وَّرَ: ((الشفعة فيما لم يُقْسَم، فإذا وقعت الحدود، وصرفت الطرق فلا شفعة))، متّفقٌ عليه، ورَوَى ابن جريج، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، أو عن أبي سلمة، أو عنهما: قال: قال رسول اللّه وََّ: ((إذا قُسِمَت الأرضُ وحُدَّت، فلا شفعة فيها))، رواه أبو داود، ولأن الشفعة ثبتت في موضع الوفاق، على خلاف الأصل؛ لمعنى معدوم في محل النزاع، فلا ثبتت فيه، وبيان انتفاء المعنى: هو