Indexed OCR Text
Pages 221-240
٢٢١ = ٨٧- (بَيْعُ الْوَلاَءِ) - حديث رقم ٤٦٥٩ واتّفق جميع من ذكرنا على هذا اللفظ، وخالفهم أبو يوسف القاضي، فرواه عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، بلفظ: ((الولاء لحمة كلحمة النسب))، أخرجه الشافعي، ومن طريقه الحاكم، ثم البيهقي، وأدخل بشر بن الوليد بين أبي يوسف، وبين ابن دينار عبيد الله بن عمر، أخرجه أبو يعلى في ((مسنده)) عنه، وأخرجه ابن حبان في ((صحيحه)) عن أبي يعلى، وأخرجه أبو نعيم من طريق عبد الله بن جعفر بن أعين، عن بشر، فزاد في المتن: ((لا يباع، ولا يوهب))، ومن طريق عبد الله بن نافع، عن عبد اللّه بن دينار: ((إنما الولاء نسب، لا يصح بيعه، ولا هبته))، والمحفوظ في هذا ما أخرجه عبد الرزاق، عن الثوري، عن داود ابن أبي هند، عن سعيد بن المسيب، موقوفا عليه: ((الولاء لحمة كلحمة النسب))، وكذا ما أخرجه البزار، والطبراني، من طريق سليمان بن علي بن عبد اللَّه بن عباس، عن أبيه، عن جده، رفعه: ((الولاء ليس بمنتقل، ولا متحول))، وفي سنده المغيرة بن جميل، وهو مجهول، نعم عن ابن عباس، من قوله: ((الولاء لمن أعتق، لا يجوز بيعه، ولا هبته)). انتهى ((فتح)) ٤٥/١٢. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في حكم بيع الولاء: قال الموفّق رحمه الله تعالى: ولا يصح بيع الولاء، ولا هبته، ولا أن يأذن لمولاه، فيوالي من شاء، روي ذلك عن عمر، وعلي، وابن مسعود، وابن عباس، وابن عمر رضي الله عنهم، وبه قال سعيد بن المسيب، وطاوس، وإياس بن معاوية، والزهري، ومالك، والشافعي، وأبو حنيفة، وأصحابه، وكَرِه جابر بن عبد الله بيع الولاء، قال سعيد: حدثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال: قال عبد الله: ((إنما الولاء كالنسب، أفيبيع الرجل نسبه؟)). وقال: حدثنا سفيان، عن عمرو بن دينار: أن ميمونة وهبت ولاء سليمان بن يسار لابن عباس، وكان مكاتبا، وروي أن ميمونة وهبت ولاء مواليها للعباس، وولاؤهم اليوم لهم، وأن عروة ابتاع ولاء طهمان، لورثة مصعب بن الزبير. وقال ابن جريج: قلت لعطاء: أذنتُ لمولاي أن يوالي من شاء، فيجوز؟ قال: نعم . واحتجّ الأولون بأن النبي ◌َّهِ نهى عن بيع الولاء، وعن وهبته، وقال: ((الولاء لُخمة كلحمة النسب))، وقال: ((لعن الله من تولى غير مواليه))، ولأنه معنى يورث به فلا ينتقل كالقرابة، وفعل هؤلاء شاذ يخالف قول الجمهور، وترده السنة، فلا يعول عليه. قال: ولا ينتقل الولاء عن المعتق بموته، ولا يرثه ورثته، وإنما يرثون المال به، مع بقائه للمعتق، هذا قول الجمهور، ورُوي نحو ذلك عن عمر، وعلي، وزيد، وابن ٢٢٢ = شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع مسعود، وأُبيّ بن كعب، وابن عمر، وأبي مسعود البدري، وأسامة بن زيد، وبه قال عطاء، وطاوس، وسالم بن عبد الله، والحسن، وابن سيرين، والشعبيّ، والزهري، والنخعي، وقتادة، وأبو الزناد، وابن نشيط، ومالك، والثوري، والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور، وأصحاب الرأي، وداود، وشدَّ شُرَيح، وقال: الولاء كالمال يورث عن المعتق، فمن ملك شيئا حياته، فهو لورثته. ورواه حنبل، ومحمد بن الحكم، عن أحمد، وغَلَّطهما أبو بكر، وهو كما قال، فإن رواية الجماعة عن أحمد، مثل قول الجماعة، وذلك لقوله عليه السلام: ((الولاء للمعتق))، وقوله: ((الولاء لحمة كلحمة النسب))، والنسب لا يورث، وإنما يورث به، ولأنه معنى يورث به، فلا ينتقل كسائر الأسباب. والله تعالى أعلم. انتهى ((المغني)) ٢١٩/٩ - ٢٢٠. وقال في ((الفتح)): قال ابن عبد البر رحمه اللّه تعالى: اتفق الجماعة على العمل بهذا الحديث، إلا ما رُوي عن ميمونة رضي اللّه تعالى عنها أنها وهبت ولاء سليمان بن يسار لابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وروى عبد الرزاق عن ابن جريج، عن عطاء: يجوز للسيد أن يأذن لعبده أن يوالي من شاء. وقال ابن بطال وغيره: جاء عن عثمان جواز بيع الولاء، وكذا عن عروة، وجاء عن ميمونة جواز هبة الولاء، وكذا عن ابن عباس، ولعلهم لم يبلغهم الحديث. قال الحافظ: قد أنكر ذلك ابن مسعود في زمن عثمان، فأخرج عبد الرزاق عنه: أنه كان يقول: أيبيع أحدكم نسبه، ومن طريق علي: الولاء شعبة من النسب. ومن طريق جابر أنه أنكر بيع الولاء وهبته. ومن طريق عطاء أن ابن عمر كان ينكره. ومن طريق عطاء، عن ابن عباس: لا يجوز، وسنده صحيح، ومن ثَمّ فَصّلوا في النقل عن ابن عباس بين البيع والهبة . وقال ابن العربي معنى: ((الولاء لحمة كلحمة النسب)): أن اللَّه أخرجه بالحرمة الى النسب(١) حكما، كما أن الأب أخرجه بالنطفة الى الوجود حسا، لأن العبد كان كالمعدوم في حق الأحكام، لا يقضي ولا يَلي ولا يَشهد، فأخرجه سيده بالحرية الى وجود هذه الأحكام من عدمها، فلما شابه حكم النسب أنيط بالمعتق، فلذلك جاء: ((إنما الولاء لمن أعتق))، وألحق برتبة النسب، فنُهِي عن بيعه وهبته. انتهى ((الفتح)) ١٣/ ٤٥ -٤٦ . قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: قد تبيّن بما تقدّم من الحجج أن الصواب هو ما عليه (١) هكذا نسخة ((الفتح)) التي عندي، والظاهر أن صواب العبارة هكذا: ((أن السيّد أخرجه بالحزيّة إلى النسب حكما الخ)) . والله تعالى أعلم. ٢٢٣ ٨٨- (بَيْعُ الْمَاءِ) - حديث رقم ٤٦٦٢ الجمهور، من أنه لا يجوز بيع الولاء، ولا هبته، وأنه لا ينتقل عن المعتق بموته إلى غيره؛ للأدلة الصحيحة التي تقدّم بيانها. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٦٦٠- (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: ((أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ، فَهَى عَنْ بَيْعِ الْوَلَاءِ، وَعَنْ هِيَتِهِ))). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجالَ هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وقد تقدّموا غير مرّة . والسند من رباعيّات المصنّف رحمه الله تعالى، وهو (٢٣٠) من رباعيات الكتاب، وهو أصحّ أسانيد ابن عمر رضي اللَّه تعالى عنهما. والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٦٦١ - (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: (نَهَى رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ، عَنْ بَيْعِ الْوَلَاءِ، وَعَنْ هِبَتِهِ))). قالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وقد تقدموا غير مرّة . و ((إسماعيل بن إبراهيم)): هو ابن عُليّة. والحديث سبق البحث فيه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)). ٨٨- (بَيْعُ الْمَاءِ) ٤٦٦٢- (أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى السِّينَانِيُّ، عَنْ حُسَيْنِ ابْنِ وَاقِدٍ، عَنْ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيّ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرِ: ((أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بِّهِ، فَّى عَنْ بَيْعِ الْمَاءِ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١- (الحسين بن حُريث) الخزاعيّ مولاهم، أبو عمّار المروزيّ، ثقة [١٠]٢١١٦/٨. ٢- (الفضل بن موسى) السينانيّ- بكسر السين المهملة - أبو عبد الله المروزيّ، ثقة ٢٢٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوعِ ثبتٌ، ربما أغرب، من كبار [٩] ١٠٠/٨٣. ٣- (حسين بن واقد) أبو عبد الله المروزيّ القاضي، ثقة له أوهام [٧] ٥ /٤٦٣. ٤ - (أيوب السختياني) ابن أبي تميمة كيسان البصري، ثقة ثبت فقيه عابد [٥]٤٨/٤٢. ٥- (عطاء) بن أبي رباح الإمام الحجة الثبت المكي [٣] ١٥٤/١١٢. ٦ - (جابر) بن عبد الله بن عمرو بن حرام السَّلَمي الأنصاري الصحابي ابن الصحابيّ رضي اللَّه تعالى عنهما ٣٥/٣١. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن نصف الأول مسلسل بالمراوزة، وأيوب بصري، وعطاء مكي، والصحابي مدنيّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه جابر رضي اللَّه تعالى عنه من المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ جَابِر) بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ لَه نَهَى عَنْ بَيْعِ الْمَاءِ) وفي الرواية الآتية في الباب التالي ((عن بيع فضل الماء))، وهو الفاضل عن حاجته، وحاجة عياله، وماشيته، وزرعه. قال في ((النهاية)) ٣/ ٤٥٥ -: هو أن يسقي الرجل أرضه، ثم يبقى من الماء بقيّة، لا يحتاج إليها، فلا يجوز له أن يبيعها، ولا يمنع منها أحدًا ينتفع بها، إذا لم یکن الماء ملکه، أو على قول من يرى أن الماء لا يملك. انتهى. وقال في ((نيل الأوطار)): والظاهر أنه لا فرق بين الماء الكائن في أرض مباحة، أو في أرض مملوكة، وسواء كان للشرب، أو لغيره، وسواء كان لحاجة الماشية، أو الزرع، وسواء كان في فلاة، أو في غيرها. وقال القرطبي: ظاهر هذا اللفظ النهي عن نفس بيع الماء الفاضل، الذي يشرب، فإنه السابق إلى الفهم. وقال النووي حاكيا عن أصحاب الشافعي: إنه يجب بذل الماء في الفلاة، بشروط: [أحدها]: أن لا يكون ماء آخر يُستغنَى به. [الثاني]: أن يكون البذل لحاجة الماشية، لا لسقي الزرع. [الثالث]: أن لا يكون مالكه محتاجا إليه، ويؤيد ما ذكرنا من دلالة الحديثين على المنع، من بيع الماء على العموم، حديث أبي هريرة رَزيه عند الشيخين، مرفوعا، بلفظ: ((لا يُمنَعُ فضل الماء؛ ليُمنَع به فضل الكلأ))، وذكره صاحب ((جامع الأصول)) بلفظ: ((لا يباع فضل الماء))، وهو لفظ مسلم، ويؤيد المنع من البيع أيضا: حديث: ((الناس شركاء في ثلاث: في الماء، والكلإِ، والنار)). ٢٢٥ = ٨٨- (بَيْعُ الْمَاءِ) - حديث رقم ٤٦٦٢ وقد حمل الماء المذكور في حديثي الباب، على ماء الفحل، وهو مع كونه خلاف الظاهر مردود بما في حديث جابر رَمَّه في ((صحيح مسلم)) بلفظ: ((نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن بيع فضل الماء، وعن منع ضراب الفحل))، وسيأتي نحوه للنسائيّ بعد خمسة أبواب. وقد خُصِّص من عموم حديثي المنع من البيع للماء، ما كان منه مُحرزًا في الآنية، فإنه يجوز بيعه قياسا على جواز بيع الحطب، إذا أحرزه الحاطب؛ لحديث الذي أمره صلى الله عليه وآله وسلم بالاحتطاب؛ ليستغني به عن المسألة، وهو متفق عليه، من حديث أبي هريرة رقمګ ، وقد تقدم في ((كتاب الزكاة))، وهذا القیاس بعد تسلیم صحته، إنما يصح على مذهب من جَوَّز التخصيص بالقياس، والخلاف في ذلك معروف في الأصول، ولكنه يُشكل على النهي عن بيع الماء على الإطلاق، ما ثبت في الحديث الصحيح من أن عثمان رَمَّه اشترى بئر رومة، من اليهودي، وسَبّلها للمسلمين، بعد أن سمع النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم، يقول: ((من يشتري بئر رومة، فيوسع بها على المسلمين، وله الجنة))، وكان اليهودي يبيع ماءها، الحديث، فإنه كما يدل على جواز بيع البئر نفسها، وكذلك العين بالقياس عليها، يدل على جواز بيع الماء؛ لتقريره صلى اللَّه عليه وآله وسلم لليهودي على البيع. ويجاب بأن هذا كان في صدر الإسلام، وكانت شوكة اليهود في ذلك الوقت قوية، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم صالحهم، في بادىء الأمر على ما كانوا عليه، ثم استقرت الأحكام، وشَرّع لأمته تحريم بيع الماء، فلا يعارضه ذلك التقرير، وأيضا الماء هنا دخل لبيع البئر، ولا نزاع في جواز ذلك. انتهى ما في ((النيل)) ١٥٥/٥. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته : حديث جابر رَّه هذا أخرجه مسلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا - ٨٨/ ٤٦٦٢ - و٩٤/ ٤٦٧٢ - وفي ٨٩ / ٦٢٥٦ و ٩٥/ ٦٢٦٦ . وأخرجه (م) في ((البيوع)) ١٥٦٥ (ق) في ((الأحكام)) ٢٤٧٧ (أحمد) في ((باقي مسند المكثرين)) ١٤٢٢٩ و١٤٢٣٤. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان حكم بيع الماء، وهو ٢٢٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع المنع. (ومنها): وجوب بذل الماء مجّانًا، من غير طلب عوض، وبه قال الجمهور، وحكى الخطابيّ عن قوم أنه تجب له القيمة مع وجوب ذلك، وهو مذهب ضعيف، والصواب الأول. (منها): ما قاله وليّ الدين رحمه الله تعالى أن لوجوب بذل الماء شروطًا مأخوذة من الحديث: [أحدها]: أن يكون ذلك الماء فاضلاً عن حاجته، وهو صريح الحديث، فإن المنهيّ عنه منع الفضل، لا منع الأصل، ولذلك بوّب عليه البخاريّ في «صحيحه»، فقال: ((من قال: إن صاحب الماء أحقّ بالماء حتى يَرْوَى؛ لقول النبيّ رَلَّه: ((لا يُمنع فضل الماء)). [الثاني]: أن يكون البذل للماشية، وسائر البهائم، ولا يجب عليه بذل الفاضل عن حاجته لزرع غيره على الصحيح عند الشافعيّة، وبه قال أبو حنيفة، وأصحابه، وسفيان الثوريّ. وعن أحمد روايتان، وقال مالك: يجب عليه بذله للزرع أيضًا، إذا خشي عليه الهلاك، ولم يضرّ ذلك بصاحب الماء، واختلف أصحابه في أنه يستحقّ على ذلك عوضًا، أم لا؟ وحديث أبي هريرة ◌َّه: ((لا يمنع فضل الماء ليُمنَع به الكلأ» حجة للأولين، فإنه لا يلزم من منع سقي الزرع به منع الكلإ، وهو المعنى الذي عُلّل به الحديث، وإنما يلزم ذلك في منع البهائم، ويدلّ لمالك، ومن وافقه حديث جابر رَّه المذكور في هذا الباب، فإنه منع عن بيع فضل الماء، ولم يقيّده بمنع فضل الكلإ، لكنه عند غيره محمول على الحديث الآخر. [الثالث]: أن لا يجد صاحب الماشية ماء مباحًا، ويدلّ لهذا قوله في حديث أبي هريرة رَزاليه: ((ليُمنع به الكلأ))، فإنه متى وجد ذلك لا يلزم من منع الماء منع الكلإ؛ للاستغناء عنه بذلك الماء المباح. [الرابع]: أن يكون هناك كلا يُرعى، فلو خلت تلك الأرض عن الكلا فله المنع؛ لانتفاء العلّة المعتبرة في الحديث. انتهى ((طرح التثريب)) ٦/ ١٨٠ - ١٨١. (ومنها): أنه استدلّ ابن حبيب المالكيّ على أن البئر إذا تهاياً فيها مالكاها لهذا يوم، ولهذا يومٌ، فاستغنى صاحب النوبة عن الماء في ذلك اليوم، إما بعد أن سقى زرعه، أو لم يسق؛ لعدم احتياجه لذلك، فلشريكه أن يستقي في غير نوبته؛ لأن هذا ماء قد فضل عنه، وقد نهى النبي ◌َّ عن منع فضل الماء. وخالفه في ذلك الأكثرون من المالكيّة وغيرهم، وقالوا: الأصل المنع من مال الغير بغير إذنه، إلا ما خرج بدليل، وهذه الصورة ليست الصورة التي ورد فيها الحديث المخصّص. انتهى ((طرح)) ٦/ ١٨٢. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله الأكثرون هو الظاهر عندي؛ لظهور حجته. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): أخرج الشيخان، والمصنّف في ((الكبرى))، من طريق مالك، عن -٢٢٧ ٨٨- (بَيْعُ الْمَاءِ) - حديث رقم ٤٦٦٢ أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول اللّه وَ ل قال: ((لا يُمنَعُ فضل الماء؛ لِيُمنَعَ به الكلا))، ومن طريق ابن شهاب، عن ابن المسيب، وأبي سلمة، عن أبي هريرة رضي اللَّه عنه: أن رسول اللّه وَ ل، قال: ((لا تمنعوا فضل الماء؛ لتمنعوا به فضل الكلاء)). قال في ((الفتح)): قوله: ((لا يمنع)) بضم أوله، على البناء للمجهول، وبالرفع على أنه خبر، والمراد به مع ذلك النهي. والمراد بالفضل، ما زاد على الحاجة، ولأحمد من طريق عبيد الله بن عبد اللَّه، عن أبي هريرة: ((لا يُمنَع فضلُ ماء، بعد أن يُستغنَى عنه))، وهو محمول عند الجمهور على ماء البئر المحفورة في الأرض المملوكة، وكذلك في الموات، إذا كان بقصد التملك، والصحيح عند الشافعية، ونَصَّ عليه في القديم، وحرملة: أن الحافر يملك ماءها، وأما البئر المحفورة في الموات؛ لقصد الارتفاق، لا التملك، فإن الحافر لا يملك ماءها، بل يكون أحق به إلى أن يرتحل، وفي الصورتين يجب عليه بذل ما يَفضُل عن حاجته، والمراد حاجة نفسه، وعياله، وزرعه، وماشيته، هذا هو الصحيح عند الشافعية. وخص المالكية هذا الحكم بالموات، وقالوا في البئر التي في الملك: لا يجب عليه بذل فضلها، وأما الماء المحرز في الإناء، فلا يجب بذل فضله لغير المضطر على الصحيح. وقوله: قوله: ((فضل الماء)): فيه جواز بيع الماء لأن المنهي عنه منع الفضل، لا منع الأصل، وفيه أن محل النهي ما إذا لم يجد المأمور بالبذل له ماء غيره، والمراد تمكين أصحاب الماشية من الماء، ولم يقل أحد: إنه يجب على صاحب الماء مباشرة سقي ماشية غيره، مع قدرة المالك. وقوله: ((ليمنع به الكلأ)): بفتح الكاف واللام، بعدها همزة، مقصورًا: هو النبات، رطبه ويابسه، والمعنى: أن يكون حول البئر كلا، ليس عنده ماء غيره، ولا يمكن أصحاب المواشي رعيه، إلا إذا تمكنوا من سقي بهائمهم من تلك البئر؛ لئلا يتضرروا بالعطش بعد الرعي، فيستلزم منعُهم من الماء، منعهم من الرعي، وإلى هذا التفسير ذهب الجمهور، وعلى هذا يختص البذل بمن له ماشية، ويلتحق به الرعاة، إذا احتاجوا إلى الشرب لأنهم إذا مُنعوا من الشرب، امتنعوا من الرعي هناك. ويحتمل أن يقال: يمكنهم حمل الماء لأنفسهم؛ لقلة ما يحتاجون إليه منه، بخلاف البهائم، والصحيح الأول، ويلتحق بذلك الزرع عند مالك، والصحيح عند الشافعية، وبه قال الحنفية: الاختصاص بالماشية، وفرق الشافعي فيما حكاه المزني عنه، بين المواشي، والزرع بأن الماشية ذات أرواح، يُخشى من عطشها موتها، بخلاف الزرع، ٢٢٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع وبهذا أجاب النووي وغيره. واستُدلَّ لمالك بحديث جابر ◌َظّه في الباب بلفظ: (نَّى عن بيع فضل الماء)»، لكنه مطلق، فيُحمل على المقيد في حديث أبي هريرة رَّه وعلى هذا لو لم يكن هناك كلا يُرعَى فلا مانع من المنع؛ لانتفاء العلة. قال الخطابي: والنهي عند الجمهور للتنزيه، فيحتاج إلى دليل يوجب صرفه عن ظاهره، وظاهر الحديث أيضا وجوب بذله مجانا، وبه قال الجمهور، وقيل: لصاحبه طلب القيمة من المحتاج إليه، كما في إطعام المضطر. وتُعُقّب بأنه يلزم منه جواز المنع، حالة امتناع المحتاج من بذل القيمة، ورُدَّ بمنع الملازمة، فيجوز أن يقال: يجب عليه البذل، وتترتب له القيمة في ذمة المبذول له، حتى يكون له أخذ القيمة منه متى أمكن ذلك، نعم في رواية لمسلم، من طريق هلال بن أبي ميمونة، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: ((لا يباع فضل الماء»، فلو وجب له العوض، لجاز له البيع. والله أعلم. واستَدَلّ ابن حبيب من المالكية، على أن البئر، إذا كانت بين مالكين، فيها ماء، فاستغنى أحدهما في نوبته، كان للآخر أن يسقى منها؛ لأنه ماء فضل عن حاجة صاحبه، وعموم الحديث يشهد له، وإن خالفه الجمهور. واستدل به بعض المالكية، للقول بسد الذرائع؛ لأنه نَّى عن منع الماء؛ لئلا يتذرع به إلى منع الكلأ، لكن ورد التصريح في بعض طرق حديث أبي هريرة بالنهي عن منع الكلإ، صححه ابن حبان من رواية أبي سعيد مولى بني غفار، عن أبي هريرة، بلفظ : ((لا تمنعوا فضل الماء، ولا تمنعوا الكلأ، فيُهْزَلَ المالُ، وتجوع العيال)). والمراد بالكلا هنا النابت في الموات، فإن الناس فيه سواء. وروى ابن ماجه، من طريق سفيان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة رَفيه، مرفوعا: ((ثلاثة لا يُمنَعنَ: الماء، والكلأ، والنار))، وإسناده صحيح، قال الخطابي: معناه: الكلأ ينبت في موات الأرض، والماء الذي يجري في المواضع التي لا تختص بأحد، قيل: والمراد بالنار الحجارة التي تُورى النارَ، وقال غيره: المراد النار حقيقة، والمعنى: لا يُمنَعُ من يستصبح منها مصباحا، أو يُدنِي منها ما يُشعله منها، وقيل: المراد ما إذا أَضرَم نارا في حطب مباح بالصحراء، فليس له منع من ينتفع بها، بخلاف ما إذا أضرم في حطب يملكه نارا، فله المنع. انتهى ((فتح)) ٣٠٣/٥-٣٠٥. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٦٦٣ - (أَخْبَرَنَا قُتَنِبَةُ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَاللَّفْظُ لَهُ، قَالَا: حَدَّثَنَا ٨٨- (بَيْعُ الْمَاءِ) - حديث رقم ٤٦٦٣ = ٢٢٩ سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْمِنْهَالِ، يَقُولُ: سَمِعْتُ إِيَاسَ بْنَ عُمَرَ، وَقَالَ مَرَّةً: ابْنَ عَبْدٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ وََّ، يَنْهَى عَنْ بَيْعِ الْمَاءِ. قَالَ قُتَبِيَةُ: لَمْ أَفْقَهُ عَنْهُ بَعْضَ حُرُوفٍ أَبِي الْمِنْهَالِ، كَمَا أَرَدْتُ). قال في ((الكبرى)): ((واللفظ لعبد الله)). انتهى. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة، غير الصحابيّ. و((عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن)): هو ابن المسور بن مَخرَمة الزهريّ البصريّ، صدوقٌ، من صغار [١٠] ٤٢ /٤٨. ((وسفيان)): هو ابن عيينة. و((أبو المنهال)): هو عبد الرحمن بن مُطعِم الْبُنانيّ البصريّ، نزيل مكة، ثقة [٣] ٤٩ /٤٥٧٥ . و((إياس بن عبد)) بغير إضافة المزنيّ، له صحبة، كنيته أبو عوف، يُعدّ في الحجازيين، وقال في ((الإصابة)): ويقال: كنيته أبو الفرات، نزل الكوفة. روى عن النبيّ وَل هذا الحديث فقط، وروى عنه أبو المنهال، قال البغويّ في ((المعجم)): لا أعلمه روى حديثًا مسندًا غيره، ورُوي عنه حديث موقوف، وهو جدّ عبد الله بن معقِل ابن مُقرِّن لأمه، قاله ابن المدينيّ عن سفيان. وقال الأزديّ، وابن عبد البرّ: تفرّد بالرواية عنه عبد الرحمن بن مُطعم. روى له الأربعة، له عندهم هذا الحديث فقط. [تنبيه] قوله: ((إياس بن عمر)) لم أره منسوبا إلى عمر لغير المصنّف، فكلّ من ترجمه إنما قالوا: ((إياس بن عبد)). والله تعالى أعلم. وقوله: ((وقال مرّة: ابن عبد)) يعني أن أبا المنهال حدّث به عمرو بن دينار غير مرّة، فقال له مرّة: سمعت إياس بن عبد، بدل ابن عمر. وقوله: ((لم أفقه عنه بعض حروف أبي المنهال كما أردت)) يعني أن لفظ ((أبي المنهال)) لم يتبيّن لقتيبة حينما حدّثه به سفيان، ولعله كان هناك زحام، أو نحوه. والله تعالى أعلم. والحديث صحيح، وتقدّم شرحه في الحديث الماضي، وفيه مسألتان: (المسألة الأولى): في درجته : حديث إياس بن عبد تظلّه هذا صحيح. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٤٦٦٣/٨٨ و٤٦٦٤/٨٩ و٤٦٦٥ - وفي ((الكبرى)) ٦٢٥٧/٨٩ و٩٠/ ٦٢٥٨ و٦٢٥٩. وأخرجه (د) في ((البيوع)) ٣٤٧٨ (ت) في ((البيوع)) ١٢٧١ (ق) في ((الأحكام)) ٢٤٧٦ (أحمد) في ((مسند المكيين)) ١٥١٠٨ و((مسند الشاميين)) ١٦٧٨٥ ٢٣٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوعِ (الدارمي) في ((البيوع)) ٢٤٩٨. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٨٩- (بَيْعُ فَضْلِ الْمَاءِ) ٤٦٦٤- (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا دَاوُدُ، عَنْ عَمْرِو، عَنْ أَبِي الْمِنْهَالِ، عَنْ إِيَاسِ: ((أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بَّهِ، نََّى عَنْ بَيْعِ فَضْلِ الْمَاءِ، وَبَاعَ قَّيِّمُ الْوَهْطِ، فَضْلَ مَاءِ الْوَهْءِ، فَكَرِهَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو))). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((داود)): هو ابن عبد الرحمن العطّار، أبو سليمان المكيّ، ثقة، لم يثبت أن ابن معين تكلّم فيه [٨]٤٤٢/٢٩. و((عمرو)): هو ابن دينار. و((أبو المنهال)): هو عبد الرحمن بن مطعم المذكور في السند الماضي. وقوله: ((عن بيع فضل الماء)): هو ما فضل عن حاجته، وحاجة عياله، وماشيته، وزرعه، وقد تقدّم تمام البحث فيه في الذي قبله. وقوله: ((قيّم الْوَهْط)»: أي القائم بتدبير شأنها . وقوله: ((ماء الْوَهْط)): بفتح، فسكون، على ما هو ظاهر عبارة ((القاموس))، و((اللسان))، وقال السنديّ: ضُبط بفتحتين، ولم أره لغيره: وهو مال كان لعمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه بالطائف، وقيل: قرية بالطائف، كان كَزْمٌ له، وأصله الموضع المطمئنّ، أفاده في ((النهاية)) ٢٣٢/٥. وذكر المجد في ((القاموس)): أن الوَهْطَ بُستان، ومالٌ كان لعمرو بن العاص بالطائف، على ثلاثة أميال من وَجّ، وهو كَزْمُ موصوف، كان يُعَرَّشُ على ألف ألف خشبة، شراءُ كلّ خشبة درهم، قيل: دخله بعض الخلفاء، فأعجبه، وقال: يا له من مال، لولا هذه الحرة التي في وسطه، فقالوا: هذا الزبيب انتهى ((القاموس، مع شرحه التاج)) ٠٠٢٣٤/٥. وقال في ((اللسان)): الوَهْطُ: المكان المطمئِنّ من الأرض المستوي، يَنْبُتُ فيه العضاه، والسَّمُرُ، والطَّلْحُ، والْعُرْفُطُ، وخصّ بعضهم مَنْبِتَ الْعُرْفُطِ، والجمعُ أوهاطٌ، ووِهاطٌ، قال: وبه سمّي الوَهْطُ مال كان لعمرو بن العاص، وقيل: لعبد الله بن عمرو ابن العاص بالطائف. انتهى باختصار ٧ /٤٣٤ . والحديث صحيح، وقد سبق البحث عنه مستوفّى في الباب الماضي. والله تعالى ٩٠ - (بَيِعُ الْخَمْر) - حديث رقم ٤٦٦٦ = ٢٣١= أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٦٦٥- (أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَسَنِ، عَنْ حَجَّاجِ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو ابْنُ دِينَارٍ، أَنَّ أَبَا الْمِنْهَالِ أَخْبَرَهُ، أَنَّ إِيَاسَ بْنَ عَبْدٍ، صَاحِبَ النَّبِيِّ نَّهِ، قَالَ: لَا تَبِيعُوا فَضْلَ الْمَاءِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ وََّ، ◌َى عَنْ بَيْعِ فَضْلِ الْمَاءِ). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((إبراهيم بن الحسن)): هو الْمِصْيصيّ، ثقة [١١]. و((حجّاجٌ)): هو ابن محمد الأعور. والحديث صحيح، كما سبق بيانه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)). ٩٠- (بَيْعُ الْخَمْرِ) ٤٦٦٦- (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنِ ابْنٍ وَعْلَةَ الْمِصْرِيِّ، أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ، عَمَّا يُعْصَرُ مِنَ الْعِنَبِ؟ قَالَ ابْنُ عَيَّاسٍ: أَهْدَى رَجُلٌ لِرَسُولِ اللَّهِ وَه، رَاوِيَّةَ خَمْرٍ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيِّ بَ: ((هَلْ عَلِمْتَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ حَرَّمَهَا؟))، فَسَارَّ، وَلَمْ أَفْهَمْ مَا سَارَ كَمَّا أَرَدْتُ، فَسَأَلْتُ إِنْسَانًا إِلَى جَنْبِهِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ◌ََّ: ((بِمَ سَارَرْتَهُ؟)) قَالَ: أَمَرْتُهُ أَنْ يَبِيعَهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ مَ: ((إِنَّ الَّذِي حَرَّمَ شُرْبَهَا، حَرَّمَ بَيْعَهَا))، فَفَتَحَ الْمَزَادَتَيْنِ حَتَّى ذَهَبَ مَا فِيهِمَا). رجال هذا الإسناد : خمسة : ١- (قتيبة) بن سعيد الثقفي، أبو رجاء البغلانيّ، ثقة ثبت [١٠] ١/١ . ٢- (مالك) بن أنس، إمام دار الهجرة الثقة الثبت الحجة [٧] ٧/ ٧ . ٣- (زيد بن أسلم) العدويّ مولاهم المدنيّ، ثقة عالم يرسل [٣] ٦٤ /٨٠. ٤- (ابن وعلة)- بفتح الواو، وسكون المهملة- هو عبد الرحمن بن وَعْلة السَّبَئيّ المصريّ، صدوقٌ [٤] ٤٢٤٢/٤. ٥- (ابن عباس) عبد اللَّه البحر الحبر رضي اللّه تعالى عنهما ٣١/٢٧. والله تعالى أعلم. ٢٣٢ = شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَن) عبد الرحمن (ابْنِ وَعْلَةَ الْمِصْرِيِّ، أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ) رضي اللَّه تعالى عنهما (عَمَّا يُعْصَرُ مِنَ الْعِنَبِ؟) أي عن حكم الشراب الذي يُعصر من العنب، هل هو حلال، أم لا؟. وفي رواية الإمام أحمد رحمه الله تعالى في ((مسنده)) ١/ ٢٤٤ - من طريق فُليح بن سُليمان، عن زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن وَعْلَة، قال: سألت ابن عباس، فقلت: إنا بأرض لنا بها الكُرُوم، وإن أكثر غَلَّاتها الخمر، فقال: قدم رجل من دَوْس على رسول اللّه وَّه براوية خمر، أهداها له، فقال له رسول اللّه وَّ: ((هل علمت أن الله حرمها بعدك، فأقبل صاحب الراوية، على إنسان معه فأمره، فقال النبي وَّر: ((بماذا أمرته؟))، قال: ببيعها، قال: ((هل علمت أن الذي حرم شربها، حرم بيعها، وأكل ثمنها؟))، قال: فأمر بالمزادة، فأهريقت. و٢٣٠/١ - من طريق محمد بن إسحاق، عن القعقاع بن حكيم، عن عبد الرحمن ابن وَغْلة، قال: سألت ابن عباس، عن بيع الخمر، فقال: كان لرسول اللّه وَّل صديق من ثقيف، أو من دوس، فلقيه بمكة عام الفتح براوية خمر، يُهُدِيها إليه، فقال رسول اللّهِ وَله: ((يا أبا فلان أما علمت أن اللَّه حرمها؟)) فأقبل الرجل على غلامه، فقال: اذهب فبعها، فقال رسول اللَّه وَ لجر: ((يا أبا فلان، بماذا أمرته؟» قال: أمرته أن يبيعها، قال: ((إن الذي حرم شربها حرم بيعها))، فأمر بها، فأفرغت في البطحاء. و٣٢٣/١-٣٢٤- من طريق عبد الرحمن بن إسحاق، عن زيد بن أسلم، عن ابن وعلة، عن ابن عباس: أن رجلا خرج والخمر حلال، فأهدى لرسول اللَّه وَ لّر راوية خمر، فأقبل بها يقتادها على بعير، حتى وجد رسول اللَّه وَلّ جالسا، فقال: ((ما هذا معك؟)) قال: راوية خمر أهديتها لك، الحديث، وفيه: قال: فأمر بعَزَالي المزادة ففتحت، فخرجت في التراب، فنظرت إليها في البطحاء ما فيها شيء. (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) رضي اللَّه تعالى عنهما (أَهْدَى رَجُلٌ) تقدّم في رواية أحمد المذكورة أنه رجل من دوس، وفي رواية: ((كان لرسول اللَّه ◌ِّر صديقٌ من ثقيف، أو من دوس))، وسيأتي في رواية أبي حنيفة أنه يكنى أبا عامر. والله تعالى أعلم (لِرَسُولِ اللَّهِ نَّهِ، رَاوِيَةً ٩٠- (بَيْعُ الْخَمْر) - حديث رقم ٤٦٦٦ = ٢٣٣ خَمْرٍ) الراوية هنا معناها: الْمَزَادة، قال في ((القاموس)): الراوية: المزادة فيها الماء، والبعير، والبغل، والحمار، يُستقى عليه. انتهى. وقال في ((اللسان)): قال ابن سِيده: والراوية هو البعير، أو البغل، أو الحمار الذي يُستقى عليه الماء، والرجل المستقي أيضًا، قال: والعامة تسمّي المزادة راويةً، وذلك جائز على الاستعارة، والأصل الأول، قال أبو الجم [من الرجز]: تَمْشِي مِنَ الرِّدَّةِ مَشْيَ الْحُفَّلِ مَشْيَ الرَّوَايَا بِالْمَزَادِ الأَنْقَلِ قال ابن بَرّيّ: شاهد الرواية البعيرِ قول أبي طالب [من الطويل]: وَيَنْهَضُ قَوْمٌ فِي الْحَدِيدِ إِلَيْكُمُ نُهُوضَ الرَّوَايَا تَحَتَ ذَاتِ الصَّلَاصِلِ فالروايا جمع راوية للبعير، وشاهد الراوية للمزادة قول عَمرو بن مِلْقَط : ذَاكَ سِنَانٌ مُخْلِبٌ نَصْرُهُ كَالْجَمَلِ الأَوْطَفِ بِالرَّاوِيَة انتهى. (فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ وَلِّ: ((هَلْ عَلِمْتَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ حَرَّمَهَا؟))) زاد في رواية مسلم: ((قال: لا))، قال النوويّ رحمه الله تعالى: لعلّ السؤال كان ليعرف حاله، فإن كان عالمًا بتحريمها، أنكر عليه هديّتها، وإمساكها، وحملها، وعزّره على ذلك، فلما أخبره أنه كان جاهلاً بذلك عَذَرَه، والظاهر أن هذه القضيّة كانت على قرب تحريم الخمر، قبل اشتهار ذلك. انتھی. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: يدلّ على ذلك ما تقدّم في رواية أحمد: ((هل علمت أن اللَّه حرمها بعدك))، وفي رواية: ((أن رجلًا خرج والخمر حلال)). والله تعالى أعلم. وقال القرطبيّ رحمه اللّه تعالى: ثم إن النبيّ وَّ بيّن له الحكم، ولم يوبخه، ولم يذمّه؛ لأن الرجل كان متمسّكًا بالإباحة المتقدّمة، ولم يبلغه الناسخ، فكان دليلًا على أن الحكم لا يرتفع بوجود الناسخ، بل ببلوغه، كما قرّرناه في الأصول. انتهى ((المفهم)) ٤٥٧/٤ . (فَسَارَّ) من السّرّ الذي هو بمعنى الكلام الخفيّ، ومفعوله قوله الآتي: ((إنسانًا))، قال النوويّ: المسارِرُ الذي خاطبه النبيّ وَل هو الرجل الذي أهدى الراوية، كذا جاء مبيّنًا في غير هذه الرواية، وأنه رجلٌ من دوس، قال القاضي: وغَلِط بعض الشارحين، فظنّ أنه رجلٌ آخر. انتهى ((شرح مسلم)) ١١/ ٧. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: تقدّم في روايات أحمد ((أنه أقبل على غلامه، فقال: اذهب بها، فبعها)، وفي رواية: ((فأقبل صاحب الراوية، على إنسان معه، فأمره)) الحديث، وفي رواية: «فدعا رجلًا، فسارّه)) الحديث. فتبيّن بهذا كله أن الذي سارّ هو المهدي . ٢٣٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع لكن ذكر محمد مرتضى الزبيديّ في ((عقود الجواهر المنيفة في أدلة مذهب الإمام أبي حنيفة))ص ٢٢٥: عن أبي حنيفة، عن محمد بن قيس: أن رجلاً من ثقيف، يكنى أبا عامر، كان يُهُدي إلى النبيّ وَّر في كلّ عام راوية من خمر، فأهدى إليه في العام الذي حُرّمت الخمر راوية خمر، كما كان يُهُديها، فقال رسول اللّه وَلّ: ((يا أبا عامر إن الله تعالى حرّم الخمر، فلا حاجة لنا في خمرك))، فقال رجلٌ: خذها، وبعها، واستعن بثمنها على حاجتك، قال: ((إن الله تعالى حرّم شربها، وحرّم بيعها، وأكل ثمنها))، كذا رواه الحسن بن زياد عنه. انتهى. فإن صحّ هذا، يحتمل أن يكون في واقعة أخرى، أو يُحمل على أن الرجل أمره ببيعها، ثم سارّ هو غلامه بذلك، فنهاه النبيّ وَلّر عنه. والله تعالى أعلم. وقوله (وَلَمْ أَفْهَمْ مَا سَارً) هكذا في نسخ ((المجتبى))، ولفظ ((الكبرى)): ((وكلمة معناها: فسارّ))،، والظاهر أن ((ما)) هنا مصحّفة من الفاء، والصواب ((ولم أفهم فسارّ)): أي لم أفهم لفظة ((فسارّ)) (كَمَا أَرَذْتُ) أي كما أحبّ أن أحفظه بالتحقيق والتأكّد، بل التبس عليّ، ولعلّ ذلك لكثرة الزحام، أو نحوه. والله تعالى أعلم. (فَسَأَلْتُ) أي سألت بعض الحاضرين عن هذه اللفظة، فأخبرني بها . وهذا الكلام يحتمل أن يكون من المصنّف، ويحتمل أن يكون ممن فوقه، والظاهر الأول؛ لأنه لا يوجد عند غيره مع كثرة طرقه، فقد أخرجه مسلم، وأحمد، والدارميّ، بطرق مختلفة، ولم يُذكر في شيء منها. والله تعالى أعلم وقوله (إِنْسَانًا إِلَى جَتْبِهِ) مفعول به ل(سارّ)) (فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ◌َ: ((بِمَ سَارَرْتَهُ؟) أي بأيّ شيء تحدّثت معه سرّا؟ (قَالَ) أي صاحب الراوية الذي سارّ ذلك الرجل (أَمَرْتُهُ أَنْ يَبِيِعَهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َِّ: ((إِنَّ الَّذِي حَرَّمَ شُرْبَهَا) قال القرطبيّ: ((الذي)) هنا كناية عن اسم الله تعالى، فكأنه قال: إن الله حرّم شربها، وحرّم بيعها. ويحتمل أن يكون معناه: إن الذي اقتضى تحريم شربها، اقتضى تحريم بيعها، إذ لا تُراد إلا للشرب، فإذا حرّم الشرب لم يجز البيع؛ لأنه يكون من أكل المال بالباطل. وقد دلّ على صحة هذا قوله وَله: ((إن الله إذا حرّم على قوم شيئًا حرّم عليهم ثمنه))، يعني شيئًا يؤكل، أو يشرب؛ لأن ذلك هو السبب الذي خرج عليه الحديث، ويُلحق به كلّ محرّم نجس، لا منفعة فيه، واختُلف في جواز بيع ما فيه منفعة منها، كالأزبال، والعذرة، فحرّم ذلك الشافعيّ، ومالك، وجلّ أصحابه، وأجاز ذلك الكوفيّون، والطبريّ، وذهب آخرون إلى إجازة ذلك للمشتري، دون البائع، ورأوا أن المشتري أعذر من البائع؛ لأنه مضطرّ إلى ذلك، روي ذلك عن بعض المالكيّة، وهي قولة عن الشافعيّ. انتهى ((المفهم)» ٤/ ٤٥٧-٤٥٨. ٩٠- (بَيْعُ الْخَمْر) - حديث رقم ٤٦٦٦ ٢٣٥ = (حَرَّمَ بَيْعَهَا، فَفَتَحَ الْمَزَادَتَيْنِ) هكذا في رواية المصنّف بالتثنية، مع أنه تقدّم في أول الحديث بلفظ ((راوية خمر)) بالإفراد، ولفظ مسلم: ((ففتح المزاد))، وفي بعض النسخ: ((ففتح المزادة))، وهو الذي تقدّم في روايات أحمد في ((المسند))، وهو الظاهر، لكن يمكن أن يوجّه ما هنا بأنه أراد بالمزادتين الْعَزْلاوين، فإن لكلّ مزادة عَزلاوين، ويؤيّده ما تقدم في رواية لأحمد، بلفظ: ((فأمر بعزالي المزادة، ففُتحت))، وغايته أنه أطلق المزادتين على العزلاوين، مجازًا مرسلًا، من إطلاق الكلّ، وإرادة الجزء، كما في قوله تعالى: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَنِعَهُمْ فِى ءَاذَانِهِم﴾ الآية [البقر: ١٩]. والمزادة: هي الراوية التي ذكرها في أول الحديث، قال أبو عبيد: هما بمعنّى، وقال ابن السّكّيت: إنما يقال لها: مزادة، وأما الراوية، فاسم للبعير خاصّة. قال النوويّ: والمختار قول أبي عُبيد، وهذا الحديث يدلّ لأبي عُبيد، فإنه سمّاها راوية، ومزادة، قالوا: سُمّيت راويةً؛ لأنها تُروي صاحبها، ومن معه، ومزادةٌ؛ لأنه يتزوّد فيها الماء في السفر وغيره، وقيل: لأنه يزاد فيها جلد ليتّسع. انتهى ((شرح مسلم)) ١١/ ٧. و((العزلاوان)): تثنية عَزْلاء، وزان حمراء، وقال ابن منظور: هو: مَصَبّ الماء من الراوية، والقِربة في أسفلها، حيث يُستفرّغ ما فيها من الماء؛ سُمّيت عزلاء؛ لأنها في أحد خُضْمي المزادة، لا في وسطها، ولا كفمها الذي منه يُستقى فيها، والجمع العزالي بكسر اللام، وإن شئت فتحتها، مثل الصحارِي، والصحارَى، والعَذَارِي، والعَذَارَى. انتهى ((لسان العرب)» ١١ / ٤٤٢. (حَتَّى ذَهَبَ مَا فِيهِمَا) غاية للفتح، أي ففتح، وصبّ حتى فرغ ما في المزادتين من الخمر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان . مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث ابن عبّاس رضي اللّه تعالى عنهما هذا أخرجه مسلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٤٦٦٦/٩٠- وفي ((الكبرى)) ٩١/ ٦٢٦٠. وأخرجه (م) في ((البيوع)) ١٥٧٩ (أحمد) في ((مسند بني هاشم)) ٢٠٤٢ و٢١٩١ و٢٩٧١ و٣٣٦٣ (الموطأ) في (الأشربة)) ١٥٩٨ (الدارمي) في ((الأشربة)) ٢٠١١. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان حكم بيع الخمر، وهو == ٢٣٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوعِ التحريم، وهو مجمع عليه. (ومنها): أن الإنسان إذا رأى من يفعل المنكر ينبغي له أن يسأله قبل الإنكار عليه، هل هو يعلم حكمه، أم لا؟. (ومنها): أن من ارتكب معصيةً جاهلًا تحريمها لا إثم عليه، ولا تعزير. (ومنها): أن فيه دليلًا على جواز سؤال الإنسان عن بعض أسرار الإنسان، فإن كان مما يجب كتمانه كتمه، وإلا فيذكره. قاله النوويّ رحمه الله تعالى. وقال القرطبيّ رحمه اللّه تعالى: فيه دليلٌ على أن العالم إذا خاف على أحد الوقوع فيما لا يجوز وجب عليه أن يستكشف عن ذلك الشيء حتى يتبيّن له وجهه، ولا يكون هذا من باب التجسّس، بل من باب النصحية، والإرشاد. (ومنها): ما قاله النوويّ: إن فيه دليلًا لمذهب الشافعيّ، والجمهور أن أواني الخمر لا تُكسر، ولا تُشقّ، بل يراق ما فيها. وعن مالك روايتان: [إحداهما]: كالجمهور. [والثانية]: يُكسر الإناء، ويُشقّ السقاء، وهذا ضعيفٌ، لا أصل له، وأما حديث أبي طلحة رَ ◌ّه أنهم كسروا الدِّنَانَ، فإنما فعلوا ذلك بأنفسهم، من غير أمر النبيّ وَّر. انتهى ((شرح مسلم)) ١١/ ٧-٨. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٦٦٧- (حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: (لَمَّا نَزَلَتْ آيَاتُ الرِّبَا، قَامَ رَسُولُ اللّهِ وََّ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَتَلَاهُنَّ عَلَى النَّاسِ، ثُمَّ حَرَّمَ التِّجَارَةَ فِي الْخَمْرِ))). رجال هذا الإسناد : سبعة : ١٠- (محمود بن غيلان) العدوي مولاهم، أبو أحمد المروزيّ، نزيل بغداد، ثقة [١٠] ٣٧/٣٣ . ٢- (وكيع) بن الجرّاح بن مليح الرُّؤاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقة ثبت حافظ [٩] ٢٥/٢٣ . ٣- (سفيان) بن سعيد الثوريّ، أبو عبد الله الكوفي، ثقة ثبت حجة [٧] ٣٧/٣٣. ٤- (منصور) بن المعتمر، أبو عتّاب الكوفيّ، ثقة ثبت حافظ [٦] ٢/٢ . ٥- (أبو الضُّحَى) مسلم بن صُبيح الهمداني الكوفي العطار، ثقة فاضل [٤] ٩٦/ ١٢٣ . ٦- (مسروق) بن الأجدع بن مالك الهمدانيّ الوادعيّ، أبو عائشة الكوفي، ثقة فقيه عابد مخضرم [٢] ١١٢/٩٠. ٧- (عائشة) أم المؤمنين رضي اللّه تعالى عنها٥/٥ . والله تعالى أعلم. ٢٣٧ = ٩٠ - (بَيْعُ الْخَمْرِ) - حديث رقم ٤٦٦٧ لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سباعيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه، فمروزيّ، ثم بغداديّ، وعائشة رضي الله تعالى عنها، فمدنيّة. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ مخضرم. (ومنها): أن فيه عائشة رضي اللّه تعالى عنها من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) أحاديث. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَائِشَةَ) رضي اللَّه تعالى عنها، أنها (قَالَتْ: ((لَمَّا نَزَلَتْ آيَاتُ الرِّبًا) أي من أول أية الربا إلى آية الدين، وفي رواية لمسلم: ((لَمّا أُنزلت الآيات من آخر سورة البقرة في الربا)» (قَامَ رَسُولُ اللَّهِ وَ لّ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَتَلَاهُنَّ عَلَى النَّاسِ) وفي رواية لمسلم: ((فاقترأهنّ على الناس)) (ثُمَّ حَرَّمَ التّجَارَةَ فِي الْخَمْرِ) أي تنبيهًا على أنهما في الحرمة سواء. وقال السيوطيّ في ((حاشية أبي داود)»: جاء عن عائشة في بعض الروايات لَمّا نزلت سورة البقرة، نزل تحريم الخمر، فنهى رسول اللَّه ◌َ لّر عن ذلك، فهذا يدلّ على أنه كان في الآيات المذكورة تحريم ذلك، وكأنه نُسخت تلاوته. ذكره السنديّ في ((شرحه)) ٣٠٨/٧ . وقال النووي في ((شرح مسلم)): قال القاضي عياض، وغيره: تحريم الخمر هو في سورة المائدة، وهي نزلت قبل آية الربا بمدّة طويلة، فإن آية الربا آخر ما نزل، أو من آخر ما نزل، فيحتمل أن يكون هذا النهي عن التجارة متأخّرًا عن تحريمها، ويحتمل أنه أخبر بتحريم التجارة حين حُرّمت الخمر، ثم أخبر به مرّةً أخرى بعد نزول آية الربا توكيدًا، ومبالغة في إشاعته، ولعله حضر المجلس من لم يكن بلغه تحريم التجارة فيها قبل ذلك. انتهى ((شرح مسلم)) ٨/١١. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عائشة رضي اللّه تعالى عنها هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٩٠/ ٤٦٦٧- وفي ((الكبرى)) ٩١/ ٦٢٦١. وأخرجه (خ) في (الصلاة)) ٤٥٩ (م) في ((البيوع)) ١٥٨٠ (د) في ((البيوع)) ٣٤٩٠ (ق) في ((الأشربة)) ٣٣٨٢ (أحمد) في باقي مسند الأنصار)) ٢٣٦٧٣ (الدارمي) في ((البيوع)) ٢٤٥٦ و٢٤٥٧ . والله تعالى أعلم. ٢٣٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع (المسألة الثالثة): في فوائده : (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان حكم بيع الخمر. (ومنها): التشديد في التجارة بالخمر، حيث قرنه الشارع بالربا المتوعّد عليه بقوله تعالى: ﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اَللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ الآية [البقرة: ٢٧٩]. (ومنها): اهتمام الشارع بشأن الربا، والخمر حيث أشاعه في المسجد على المنبر تأكيدًا، وتشديدًا في تحريمه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)) . ٩١- (بَابُ بَيْعِ الْكَلْبِ) ٤٦٦٨- (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا مَسْعُودٍ، عُقْبَةَ بْنَ عَمْرٍو، قَالَ: (لَّى رَسُولُ اللَّهِ بََّ، عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ، وَمَهْرِ الْبَغِيّ، وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ))). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وقد تقدّموا غير مرّة. وقوله: ((عن ثمن الكلب)) ظاهره حرمة بيعه، وعليه الجمهور، وهو الحقّ، ولعل من لا يقول به يحمله على أنه كان حين كان الأمر بقتله، وقد عُلم نسخه. وقوله: ((ومهر البغيّ)) هو ما تأخذه الزانية على الزنا، سُمي مهرًا؛ لكونه على صورته، والبغيّ : الزانية، وأصله بَغُويّ على وزن صَبُور، فلذلك استوى فيه المذكّر والمؤنّث . وقوله: (حُلوان الكاهن)): بضم الحاء المهملة، وسكون اللام: مصدر حَلَوته: إذا أعطيته، والمراد ما يُعطى على كهانته، وأصله من الحلاوة، شُبّه ما يُعطى الكاهن بشيء حلو؛ لأخذه إياه بسهولة، دون كلفة، يقال: حلوت الرجل: إذا أطعمته الحلو، ويقال للرشوة : حلوان. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم سندًا ومتنا في ((كتاب الصيد والذبائح)) ٤٢٩٤/١٥- وتقدّم تمام شرحه، وبيان مسائله هناك، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو ٩٢- (مَا اسْتُثْنِيَ) - حديث رقم ٤٦٧٠ ٢٣٩ حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٦٦٩- (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عِيسَى، قَالَ: أَنْبَأَنَا الْمُفَضَّلُ بْنُ فَضَالَةَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْج، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِ رَبَاحِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بَّهِ، فِي أَشْيَاءَ حَرَّمَهَا: ((وَثَمَنُ الْكَلْبِ))). قَال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير شيخه فإنه من أفراده، وهو مصريّ ثقة [١١]. و((سعيد بن عيسى)): هو ابن الرُّعينيّ الْقِتْبَاني، ثقة فقيه، من قدماء [١٠] من أفراد البخاريّ، والمصنّف. و((الْمُفضّل بن فَضَالة)) بفتح الفاء: هو القِتبانيّ المصريّ القاضي، ثقة فاضل عابد [٨]. والسند مسلسلٌ بثقات المصريين إلى ابن جريج، ومنه مكيّون. وقوله: ((في أشياء حرّمها)) متعلّق بـ((قال))، أو بحال محذوف من قوله: ((وثمن الكلب)): أي قال: ((وثمن الكلب))، حال كونه معدودًا في جملة أشياء حرّمها وَّ. وقوله: ((وثمن الكلب)) مقول القول، وهو بالجرّ على الحكاية. والحديث صحيح، وهو من أفراد المصنّف رحمه اللَّه تعالى، أخرجه هنا-٩١/ ٤٦٦٩- وفي ((الكبرى)) ٦٢٦٣/٩٢. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب . ((إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنیب)). ٩٢- (مَا اسْتُثْنِيَ) قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: قوله: ((استُثْنِيَ)) بالبناء للمفعول: أي ما أُخرج من تحريم بيع الكلب، فجاز بيعه، وهو كلب الصيد، لكن حديث الباب لا يصحّ، فلا استثناء، وعليه الجمهور، وهو الحقّ، كما تقدّم، والله تعالى أعلم بالصواب. ٤٦٧٠- (أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَسَنِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: ((أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ نَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ، وَالسَُّّوْرِ، إِلَّا كَلْبٍ صَيْدٍ))، قَالَ أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ: هَذَا مُتْكَرٌ). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير شيخه وهو مصّيصيّ ثقة. ٢٤٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع وقوله)) والسّنّور)) بكسر السين المهملة، وفتح النون المشددة: الهرّ. والحديث ضعيف، كما بيّنه المصنّف؛ لتفرّد حماد بن سلمة بذكر الاستثناء، فقد أخرج الحديث مسلم في ((صحيحه)) من طريق مَعقِل بن عُبيد الله، عن أبي الزبير، بلفظ: (سألت جابرًا عن ثمن الكلب، والسنّور؟ قال: زجر النبيّ وَّر عن ذلك))، ولم يذكر الاستثناء، وأخرجه أبو داود، والترمذيّ من طريق الأعمش، عن أبي سُفيان، عن جابر رَّه بدون ذكر الاستثناء أيضًا، فدلّ على أن الاستثناء غير محفوظ. والحديث تقدّم سندًا ومتنًا في ((كتاب الصيد والذبائح)) ٤٢٩٨/١٦- وتقدّم البحث فيه مستوفّى، فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب)). ٩٣ - (بَيْعُ الْخَمْرِ) ٤٦٧١- (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنٍ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاح، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللّهِ وَهِ، يَقُولُ، عَامَ الْفَتْحِ، وَهُوَّ بِمَكَّةَ: (إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ، وَالْمَيْتَةِ، وَالْخِنْزِيرِ، وَالْأَصْنَام)»، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ شُحُومَ الْمَيْتَةِ، فَإِنْهُ يُطْلَى بِهَا السُّفُنُ، وَيُذَّهَنُ بِهَا الْجُلُودُ، وَيَسْتَصْبِحُ بَهَا النَّاسُ؟ فَقَالَ: ((لَا، هُوَ حَرَامٌ))، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ، عِنْدَ ذَلِكَ: ((قَاتَلَ اللَّهُ الْتَهُودّ، إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمَّا حَرَّمَ عَلَيْهِمْ شُحُومَهَا، ◌َمَلُوهُ، ثُمَّ بَاعُوهُ، فَأَكَلُوا ثَمَنَهُ))). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و((الليث)): هو ابن سعد الإمام المصريّ المشهور. وقوله: ((حرّم): قال القرطبيّ: كذا صحّت الرواية، مسندًا إلى ضمير الواحد، وكان أصله حَرَّمَا، لأنه تقدم اثنان، لكن تأذّب النبيّ وَّر، فلم يجمع بينه وبين اسم الله تعالى في ضمير الاثنين؛ لأن هذا من نوع ما ردّه على الخطيب الذي قال: ((ومن يعصهما، فقد غوى))، فقال له: ((بئس الخطيب أنت، قل: ومن يعص الله ورسوله)) انتهى ((المفهم)) ٤ / ٤٦١ . وتعقّبه في ((الفتح)) بأنه وقع في بعض طرقه بلفظ ((حرّما))، قال: والتحقيق جواز الإفراد في مثل هذا، ووجهه الإشارة إلى أن أمره و له ناشىء عن أمر الله تعالى، وقد