Indexed OCR Text

Pages 161-180

١٦١
٧٧- (الْبَيْعُ يَكُونُ فِيهِ الشَّرْطُ، ... - حديث رقم ٤٦٣٩
كالأُعْجُوبة، والأُخدُوثة، والجمع الأَوَاقِيُّ بالتشديد، وبالتخفيف للتخفيف، وقال
ثَعْلَبٌّ في باب المضموم أوّلُهُ: وهي الأوقيّة، والْوُقِيّة، لغة، وهي بضمّ الواو، هكذا
هي مضبوطة في كتاب ابن السّكْيت، وقال الأزهريّ: قال الليث: الوقيّة: سبعة مثاقيل،
وهي مضبوطة بالضمّ أيضًا، قال الْمُطَرِّزيّ: وهكذا هي مضبوطة في ((شرح السنّة)) في
عدّة مواضع، وجرى على ألسنة الناس بالفتح، وهي لغة حكاها بعضهم، وجمعها وَقَايَا،
مثلُ عطيّة وعَطَايَا .
وقال في ((الفتح)): والْوُقِيّة من الفضة كانت في عرف ذلك الزمان أربعين درهما،
وفي عرف الناس بعد ذلك عشرة دراهم، وفي عرف أهل مصر اليوم اثنا عشر درهما،
وسيأتي بيان الاختلاف في قدر الثمن في آخر الكلام على هذا الحديث، إن شاء الله
تعالى .
(وَاسْتَثْنَيْتُ حُمْلَانَهُ إِلَى الْمَدِينَةِ) الحُمْلان - بضم الحاء المهملة، وسكون الميم-،
والمفعول محذوف: أي استثنيتُ حمله إياي، وقد رواه الإسماعيلي بلفظ: ((واستثنيت
ظهره إلى أن نَقْدَم))، ولأحمد من طريق شريك، عن مغيرة: ((اشترى مني بعيرًا، على
أن يُفْقِرَني ظهره سفري ذلك))، وقد ذكر البخاريّ رحمه اللّه تعالى الاختلاف في ألفاظه
عن جابر، وسيأتي بيانه قريبًا، إن شاء الله تعالى.
وقال السنديّ: وبظاهره أخذ أحمد، اشتراط ركوب الدابة في بيعها مطلقًا، وقال
مالك: بجوازه، إن كانت المسافة قريبة، كما كانت في قضيّة جابر، ومن لا يجوّز ذلك
مطلقًا يقول: ما كان ذلك شرطا في العقد، بل أعطاه النبيّ بَّ تكرّمًا، وسمّاه بعض
الرواة شرطًا، وبعض روايات الحديث يفيد أنه كان إعارة. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: جواز الاشتراط هو الحقّ، كما سبق، ويأتي تمام
البحث فيه قريبًا، إن شاء الله تعالى.
(فَلَمَّا بَلَغْنَا الْمَدِينَةَ) وفي رواية البخاريّ: ((فلما قَدِمنا)) زاد مغيرة عن الشعبي في
الرواية الآتية: (فلما قضينا غزاتنا، ودنونا، استأذنته بالتعجيل، فقلت: يا رسول اللَّه،
إني حديث عهد بعُرْس، قال: أبكرا تزوجت، أم ثيبا؟ قلت: بل ثيبا يا رسول الله، إن
عبد الله بن عمرو أصيب، وترك جواري أبكارًا، فكرهت أن آتيهن بمثلهن، فتزوجت
ثيبا، تُعَلِّمهن، وتؤديهن، فأذن لي، وقال لي: ائت أهلك عِشاء، فلما قَدِمت أخبرت
خالي ببيعي الجمل، فلامني)). ووقع عند أحمد، من رواية نُبيح: ((فأتيت عمتي
بالمدينة، فقلت لها: ألم تري أني بعت ناضحنا، فما رأيتها أعجبها ذلك))، وجزم
بعضهم بأن اسم خاله جَدّ بفتح الجيم، وتشديد الدال- ابن قيس، وأما عمته فاسمها

١٦٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع
هند بنت عمرو، ويحتمل أنهما جميعا لم يعجبهما بيعه؛ لما تقدم من أنه لم يكن عنده
ناضح غيره. وفي رواية للبخاريّ في ((الجهاد)): ((ثم قال: ائت أهلك، فتقدمت الناس
إلى المدينة))، وفي رواية وهب بن كيسان في أوائل (البيوع)): ((وقدم رسول اللَّه وَل
المدينة قبلي، وقَدِمت بالغداة، فجئت إلى المسجد، فوجدته، فقال: الآن قدمت؟،
قلت: نعم، قال: فَدَع الجمل، وادخل، فَصَلّ ركعتين)).
قال الحافظ: وظاهرهما التناقض؛ لأن في إحداهما أنه تقدم الناس إلى المدينة،
وفي الأخرى أن النبي ◌َّ قدم قبله، فيحتمل في الجمع بينهما، أن يقال: إنه لا يلزم من
قوله: فتقدمت الناس، أن يستمر سبقه لهم؛ لاحتمال أن يكونوا لحقوه بعد أن تقدمهم،
إما لنزوله لراحة، أو نوم، أو غير ذلك، ولعله امتثل أمره ◌َ لتر، أن لا يدخل ليلا، فبات
دون المدينة، واستمر النبي وَلّ إلى أن دخلها سحرًا، ولم يدخلها جابر حتى طلع
النهار، والعلم عند الله تعالى. انتهى.
(أَتَيْتُهُ بِالْجَمَلِ) وفي رواية مغيرة الآتية: ((فلما قَدِم رسول اللّه ◌َ لّ، غدوت بالجمل))،
وللبخاريّ في ((الجهاد)) من طريق أبي المتوكل، عن جابر رَّه: ((فدخلت - يعني
المسجد- إليه، وعقلت الجمل، فقلت: هذا جملك، فخرج، فجعل يُطيف بالجمل،
ويقول: جملنا فبعث إليّ أواق من ذهب، ثم قال: استوفيتَ الثمن؟ قلت: نعم)).
(وَابْتَغَيْتُ ثَمَنَهُ) أي طلبت أن يوفيني ثمن الجمل، فأوفاني (ثُمَّ رَجَعْتُ) وفي رواية
للبخاريّ: ((ونقدني ثمنه، ثم انصرفت))، وفي رواية مغيرة الآتية: ((فأعطاني ثمن
الجمل، والجمل، وسهمًا مع الناس))، وفي روايته عند البخاريّ في ((الجهاد)):
((فأعطاني ثمنه، ورَدّه عليّ)).
وكلّها -كما قال الحافظ- بطريق المجاز؛ لأن العطية إنما وقعت له بواسطة بلال
رَّه، كما سيأتي في رواية سالم بن أبي الجعد، عن جابر: «فلما قدمت المدينة،
جئته به، فقال لبلال: يا بلال، زن له أوقية، وزده قيراطًا، قلت: هذا شيء زادني
رسول اللَّه وَلّر، فلم يفارقني، فجعلته في كيس، فلم يزل عندي، حتى جاء أهل الشام
يوم الْحَرّة، فأخذوا منّا ما أخذوا))، الحديث، ولأحمد، وأبي عوانة، من طريق وهب
ابن كيسان: «فوالله ما زال يَنمِي، ویزید عندنا، ونرى مكانه من بيتنا، حتى أُصيب أمس
فيما أصيب للناس يوم الحرة))، وفي رواية أبي الزبير، عن جابر، في هذا الباب:
((فقال: يا بلال، أعطه ثمنه، فلما أدبرت دعاني، فخِفْتُ أن يرده عليّ، فقال: هو
لك))، وفي رواية وهب بن كيسان، عند البخاريّ في ((النكاح)): ((فأمر بلالا أن يزن لي
أوقية، فوزن بلال، وأرجح لي في الميزان، فانطلقت حتى وليت، فقال: ادع جابرا،

٧٧- (الْبَيْعُ يَكُونُ فِيهِ الشَّرْطُ، ... - حديث رقم ٤٦٣٩
١٦٣=
فقلت: الآن يَرُدّ عليّ الجمل، ولم يكن شيء أبغض إليّ منه، فقال: خذ جملك، ولك
ثمنه» .
قال في ((الفتح)): وهذه الرواية مشكلة، مع قوله المتقدم: ((ولم يكن لنا ناضح
غيره))، وقوله: ((وكانت لي إليه حاجة شديدة، ولكني استحييت منه))، ومع تنديم خاله
له علی بیعه.
ويمكن الجمع بأن ذلك كان في أول الحال، وكان الثمن أوفر من قيمته، وعَرَفَ أنه
يمكن أن يشتري به أحسن منه، ويبقى له بعض الثمن، فلذلك صار يكره رَدّه عليه.
ولأحمد من طريق أبي هبيرة، عن جابر: ((فلما أتيته دفع إلي البعير، وقال هو لك،
فمررت برجل من اليهود، فأخبرته، فجعل يعجب، ويقول اشترى منك البعير، ودفع
إليك الثمن، ثم وهبه لك؟ قلت: نعم)).
(فَأَرْسَلَ إِلَيَّ، فَقَالَ: ((أَتُرَانِي) بضم حرف المضارعة، والهمزة للاستفهام: أي أتظنني
(إِنَّمَا مَاكَسْتُكَ) أي ناقصتك في الثمن، وهو مفاعلة من الْمَكْس، يقال: مَكَسَ في البيع
مَكْسًا، من باب ضرب: نقص الثمن، وماكس مماكسةً، ومِكَاسًا مثله. قاله
الفيّوميّ، وأشار بالمماكسة إلى ما وقع بينهما من المساومة عند البيع، كما تقدم.
(لِخُذَ جَّلَكَ) اللام للتعليل، متعلّقة بـ((ماكستك))، وبعدها همزة ممدودة (خُذْ جَمَلَكَ،
وَدَرَاهِمَكَ))) وفي رواية لأحمد، عن يحيى القطان، عن زكريا، بلفظ: ((قال: أظننت
حين ما كستك، أذهب بجملك؟، خذ جملك وثمنه، فهما لك)).
قال ابن الجوزي رحمه الله تعالى: هذا من أحسن التكرم، لأن من باع شيئا، فهو
في الغالب محتاج لثمنه، فإذا تعوض من الثمن، بقي في قلبه من المبيع أَسَفٌ على
فراقه، كما قيل [من الطويل] :
وَقَدْ تَخْرُجُ الْحَاجَاتُ يَا أُمَّ مَالِكِ نَفَائِسَ مِنْ رَبِّ بِهِنَّ ضَنِينٍ
فإذا رُدّ عليه المبيع مع ثمنه، ذهب الهم عنه، وثبت فرحه، وقُضیت حاجته، فكيف
مع ما انضم إلى ذلك من الزيادة في الثمن؟. ذكره في ((الفتح)) ٦٦٠/٥- ٦٦١. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث جابر بن عبد الله رضي اللَّه تعالى عنهما هذا متفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٧٧ /٤٦٣٩ و٤٦٤٠ و٤٦٤١ و٤٦٤٢ و٤٦٤٣ وتقدّم في ٤٥٩٢/٥٣

===
١٦٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوعِ
و ٤٥٩٣ مختصرًا- وفي ((الكبرى)) ٦٢٣٣/٧٨ و٦٢٣٤ و٦٢٣٥ و٦٢٣٦ و٦٢٣٧ .
وأخرجه (خ) في ((الصلاة)) ٤٤٣ و(البيوع)) ٢٠٩٧ و((الوكالة)) ٢٣٠٩ و((الهبة)) ٢٦٠٤
(م) في ((البيوع)) ٣٨٨٥ و٣٨٨٦ و٣٨٨٧ و٣٨٨٨ و٣٨٩٠ (د) في ((البيوع)) ٣٣٤٧
(أحمد) في ((باقي مسند المكثرين)) ١٢٧٨٠ (الدارمي) في ((البيوع)) ٢٤٧١. والله تعالى
أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان أنه إذا باع بشرط لا يتنافى
مع مقصود العقد، جاز البيع والشرط. (ومنها): جواز المساومة لمن يُعَرِّض سلعته
للبيع. (ومنها): جواز المماكسة في المبيع قبل استقرار العقد، وابتداء المشتري بذكر
الثمن. (ومنها): أن القبض ليس شرطا في صحة البيع. (ومنها): أن إجابة الكبير بقول
((لا)) جائز في الأمر الجائز. (ومنها): جواز التحدث بالعمل الصالح؛ للإتيان بالقصة
على وجهها، لا على وجه تزكية النفس، وإرادة الفخر. (ومنها): أن فيه تفقدَ الإمام،
والكبير لأصحابه، وسؤاله عما ينزل بهم، وإعانتهم بما تيسر من حال، أو مال، أو
دعاء. (ومنها): تواضعه ◌َّار. (ومنها): جواز ضرب الدابة للسير، وإن كانت غير
مكلفة، ومحله ما إذا لم يتحقق أن ذلك منها، من فَرْط تعب، وإعياء. (ومنها): أن فيه
توقيرَ التابع لرئيسه. (ومنها): أن فيه الوكالةَ في وفاء الديون، والوزن على المشتري،
والشراء بالنسيئة. (ومنها): أن فيه ردَّ العطية قبل القبض؛ لقول جابر: هو لك، قال:
((لا، بل بعنيه)). (ومنها): أن فيه جوازَ إدخال الدوابّ، والأمتعة إلى رحاب المسجد،
وحواليه. (ومنها): أنه استدلّ به بعضهم على طهارة أبوال الإبل، وتعقّبه الحافظ بأنه لا
حجة فيه، وقد تقدّم في ((الطهارة)) أن الحقّ طهارة أبوال الإبل، وغيرها، فراجعه
تستفد .
(ومنها): أن فيه المحافظة على ما يُتبرك به؛ لقول جابر رَّه: ((لا تفارقني الزيادة)).
(ومنها): أن فيه جوازَ الزيادة في الثمن، عند الأداء، والرجحان في الوزن، لكن برضى
المالك، وهي هبة مستأنفة، حتى لو رُدّت السلعة بعيب مثلا، لم يجب ردها، أو هي
تابعة للثمن، حتى ترد، فيه احتمال، والأظهر الأول. (ومنها): أن فيه فضيلةً لجابر
رَوّه حيث ترك حظ نفسه، وامتثل أمر النبي ◌َّ له ببيع جمله، مع احتياجه إليه.
(ومنها): أن فيه معجزةً ظاهرةٌ للنبي وَّ. (ومنها): جواز إضافة الشيء إلى من كان
مالكه قبل ذلك، باعتبار ما كان. (ومنها): أنه استدَلّ به بعضهم على صحة البيع بغير
تصريح بإيجاب، ولا قبول؛ لقوله فيه: ((قال بعنيه بأوقية، فبعته))، ولم يذكر صيغة.

٧٧- (الْبَنِعُ يَكُونُ فِيهِ الشَّرْطُ، ... - حديث رقم ٤٦٣٩
١٦٥=
وتعقّبه في ((الفتح))، بأنه لا حجة فيه؛ لأن عدم الذكر لا يستلزم عدم الوقوع، وقد وقع
فى رواية عطاء عند البخاريّ فى ((الوكالة)): ((قال: بعنيه، قال: قد أخذته بأربعة دنانير))،
قال: فهذا فيه القبول، ولا إيجاب فيه، وفي رواية له في ((الجهاد)): ((قال: بل بعنيه،
قلت: لرجل عليّ أوقية ذهب، فهو لك بها، قال: قد أخذته))، ففيه الإيجاب والقبول
معا، وأبين منها رواية ابن إسحاق، عن وهب بن كيسان، عند أحمد: ((قلت: قد
رضيت، قال: نعم، قلت: فهو لك بها، قال: قد أخذته، فيستدل بها على الاكتفاء في
صيغ العقود بالكنايات. انتهى. (فتح)) ٦٦٦/٥.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: اشتراط الإيجاب والقبول قول لا دليل عليه، لا من
الكتاب، ولا من السنّة، ولا من الإجماع، فالحقّ أن البيع ينعقد بكلّ ما تعارفه الناس،
من الأقوال، أو الأفعال، كالمعاطاة، وقد تقدّم تحقيق ذلك في أوائل ((البيوع))، فراجعه
تستفد. والله تعالى وليّ التوفيق.
[تكميل]: قال الحافظ رحمه الله تعالى: آل أمرُ جمل جابر رَّ هذا؛ لِمَا تقدم له من
بركة النبي ◌َّ، إلى مآل حسن، فرأيت في ترجمة جابر رَماّه من ((تاريخ ابن عساكر))، بسنده
إلى أبي الزبير، عن جابر رَّه، قال: فأقام الجمل عندي زمانَ النبي ◌َّ، وأبي بكر،
وعمر، فعجز، فأتيت به عمر رَّه ، فعرف قصته، فقال: اجعله في إبل الصدقة، وفي
أطيب المراعي، ففعل به ذلك، إلى أن مات. انتهى ((فتح)) ٦٦٦/٥. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في بيان اختلاف الروايات في وقوع الاشتراط في قصّة بيع جمل
جابر رَظّ المذكورة:
قال البخاريّ رحمه الله تعالى: الاشتراط أكثر وأصح عندي: أي أكثر طرقا، وأصح
مخرجا، وأشار بذلك إلى أن الرواة اختلفوا عن جابر، في هذه الواقعة، هل وقع الشرط
في العقد عند البيع، أو كان ركوبه للجمل بعد بيعه إباحةً من النبي ◌َّر بعد شرائه، على
طريق العارية، وأصرح ما وقع في ذلك رواية النسائي من طريق ابن عيينة، عن أيوب،
بلفظ: وقد أعرتك ظهره إلى المدينة))، لكن اختلف فيها حماد بن زيد، وسفيان ابن
عيينة، وحماد أعرف بحديث أيوب، من سفيان.
والحاصل أن الذين ذكروه بصيغة الاشتراط أكثر عددا، من الذين خالفوهم، وهذا
وجه من وجوه الترجيح، فيكون أصح، ويترجح أيضا بأن الذين رووه بصيغة الاشتراط،
معهم زيادة، وهم حفاظ، فتكون حجة، وليست رواية من لم يذكر الاشتراط، منافية
الرواية من ذكره؛ لأن قوله: ((لك ظهره، وأفقرناك ظهره، وتبلغ عليه))، لا يمنع وقوع

١٦٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع
الاشتراط قبل ذلك. وقد رواه عن جابر بمعنى الاشتراط أيضا أبو المتوكل، عند أحمد،
ولفظه: ((فبعني، ولك ظهره إلى المدينة))، لكن أخرجه البخاريّ في ((الجهاد)) من طريق
أخرى، عن أبي المتوكل، فلم يتعرض للشرط إثباتا ولا نفيا، ورواه أحمد من هذا
الوجه، بلفظ: ((أتبيعني جملك؟ قلت: نعم، قال: أقدم عليه المدينة)). ورواه أحمد من
طريق أبي هبيرة، عن جابر، بلفظ: ((فاشترى مني بعيرا، فجعل لي ظهره حتى أقدم
المدينة)). ورواه ابن ماجه، وغيره، من طريق أبي نضرة، عن جابر، بلفظ: ((فقلت: يا
رسول اللّه، هو ناضحك، إذا أتيت المدينة)). ورواه أيضا عن جابر نُبَيحَ الْعَنَزِيّ، عند
أحمد، فلم يذكر الشرط، ولفظه: ((قد أخذته بوقية، قال: فنزلت إلى الأرض، فقال:
مالك؟ قلت: جملك، قال: اركب، فركبت حتى أتيت المدينة)). ورواه أيضا من طريق
وهب بن كيسان، عن جابر، فلم يذكر الشرط، قال فيه: ((حتى بلغ أوقية، قلت: قد
رضيتَ؟ قال: نعم، قلت: فهو لك، قال: قد أخذته، ثم قال يا جابر: هل تزوجت؟،
الحدیث .
قال الحافظ: وما جنح إليه البخاريّ، من ترجيح رواية الاشتراط، هو الجاري على
طريقة المحققين، من أهل الحديث؛ لأنهم لا يتوقفون عن تصحيح المتن، إذا وقع فيه
الاختلاف، إلا إذا تكافأت الروايات، وهو شرط الاضطراب، الذي يُرَدُّ به الخبر، وهو
مفقود هنا، مع إمكان الترجيح.
قال ابن دقيق العيد: إذا اختلفت الروايات، وكانت الحجة ببعضها دون بعض،
تَوَقَّف الاحتجاجُ بشرط تعادل الروايات، أما إذا وقع الترجيح لبعضها، بأن تكون رُواتُها
أكثر عددا، أو أتقن حفظا، فيتعين العمل بالراجح، إذ الأضعف لا يكون مانعا من
العمل بالأقوى، والمرجوحُ لا يمنع التمسك بالراجح.
وقد جنح الطحاوي إلى تصحيح الاشتراط، لكن تأوله بأن البيع المذكور، لم يكن
على الحقيقة؛ لقوله في آخره: (أتراني ما كستك الخ))، قال: فإنه يُشعر بأن القول
المتقدم، لم يكن على التبايع حقيقة. ورده القرطبي بأنه دعوى مجردة، وتغيير،
وتحريف، لا تأويل، قال: وكيف يَصنَع قائله في قوله: ((بعته منك بأوقية))، بعد
المساومة، وقوله: ((قد أخذته))، وغير ذلك من الألفاظ المنصوصة في ذلك.
واحتج بعضهم بأن الركوب، إن كان من مال المشتري، فالبيع فاسد؛ لأنه شَرَطَ
لنفسه ما قد ملكه المشتري، وإن كان من ماله ففاسد؛ لأن المشتري لم يملك المنافع
بعد البيع من جهة البائع، وإنما ملكها؛ لأنها طرأت في ملكه.
وتُعُقّب بأن المنفعة المذكورة، قُدِّرت بقدر من ثمن المبيع، ووقع البيع بما عداها،

٧٧- (الْبَيْعُ يَكُونُ فِيهِ الشَّرْطُ، ... - حديث رقم ٤٦٣٩
١٦٧ =
ونظيره مَن باع نخلا، قد أَبرت، واستثنى ثمرتها، والممتنع إنما هو استثناء شيء مجهول
البائع والمشتري، أما لو علماه معا، فلا مانع، فيحمل ما وقع في هذه القصة على
ذلك.
وأغرب ابن حزم، فزعم أنه يؤخذ من الحديث أن البيع لم يتم؛ لأن البائع بعد عقد
البيع، مخير قبل التفرق، فلما قال في آخره: ((أتراني ما كستك))، دَلّ على أنه كان اختار
ترك الأخذ، وإنما اشترط لجابر ركوب جمل نفسه، فليس فيه حجة، لمن أجاز الشرط
في البيع. قال الحافظ: ولا يخفى ما في هذا التأويل من التكلف.
وقال الإسماعيلي: قوله ((ولك ظهره))، وَعْدٌ قام مقام الشرط؛ لأن وعده لا خلف
فيه، وهبته لا رجوع فيها؛ لتنزيه الله تعالى له عن دناءة الأخلاق، فلذلك ساغ لبعض
الرواة أن يعبر عنه بالشرط، ولا يلزم أن يجوز ذلك في حق غيره.
وحاصله أن الشرط لم يقع في نفس العقد، وإنما وقع سابقا، أو لاحقا، فتبرع
بمنفعته أولا، كما تبرع برقبته أخرا.
ووقع في كلام القاضي أبي الطيب الطبري، من الشافعية: أن في بعض طرق هذا
الخبر، فلما نقدني الثمن شرطت حُمْلاني إلى المدينة، واستدل بها على أن الشرط تأخر
عن العقد. قال الحافظ: لكن لم أقف على الرواية المذكورة، وإن ثبتت، فيتعين تأويلها
على أن معنى ((نقدني الثمن)): أي قرره لي، واتفقنا على تعيينه؛ لأن الروايات الصحيحة
صريحة، في أن قبضه الثمن إنما كان بالمدينة، وكذلك يتعين تأويل رواية الطحاوي:
((أتبيعني جملك هذا؟ إذا قدمنا المدينة بدينار))، الحديث، فالمعنى: أتبيعني بدينار
أوفيكه، إذا قدمنا المدينة.
وقال المهلب: ينبغي تأويل ما وقع في بعض الروايات، من ذكر الشرط، على أنه
شرط تفضل، لا شرط في أصل البيع؛ ليوافق رواية من رَوَى: ((أفقرناك ظهره))،
و ((أعرتك ظهره))، وغير ذلك مما تقدم، قال: ويؤيده أن القصة جرت كلها على وجه
التفضل والرفق بجابر، ويؤيده أيضا قول جابر: ((هو لك، قال: لا، بل بعنيه))، فلم
يقبل منه إلا بثمن؛ رفقا به، وسبق الإسماعيلي إلى نحو ذلك، وزعم أن النكتة في ذكر
البيع، أنه وَلّ، أراد أن يَبَرّ جابرا على وجه، لا يحصل لغيره طمع في مثله، فبايعه في
جمله، على اسم البيع؛ ليتوفر عليه بره، ويبقى البعير قائما على ملكه، فيكون ذلك أهنا
المعروفه، قال: وعلى هذا المعنى أَمْرُهُ بلالا، أن يزيده على الثمن، زيادة مبهمة في
الظاهر، فإنه قصد بذلك زيادة الإحسان إليه، من غير أن يحصل لغيره تأميل في نظير
ذلك.

١٦٨
=
شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع
وتُعُقّب بأنه لو كان المعنى ما ذكر، لكان الحال باقيا في التأميل المذكور، عند رده
عليه البعير المذكور، والثمن معا.
وأجيب بأن حالة السفر غالبا تقتضي قلة الشيء، بخلاف حالة الحضر، فلا مبالاة
عند التوسعة من طمع الآمل.
قال الحافظ: وأقوى هذه الوجوه في نظري، ما تقدم نقله عن الإسماعيلي، من أنه
وَعْدٌ حَلَّ محل الشرط .
وأبدى السُّهَيلي في قصة جابر رَّه مناسبة لطيفة، غير ما ذكره الإسماعيلي،
مُلَخَّصها: أنه وََّ، لَمّا أخبر جابرا بعد قتل أبيه بأحد، أن اللَّه أحياه، وقال: ما تشتهي
فأزيدك؟، أكد ◌َّيّ الخبر بما يشتهيه، فاشترى منه الجمل، وهو مطيته بثمن معلوم، ثم
وَفّر عليه الجمل والثمن، وزاده على الثمن، كما اشترى اللَّه من المؤمنين أنفسهم،
بثمن هو الجنة، ثم رَدَّ عليهم أنفسهم، وزادهم، كما قال اللَّه تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا
اُْسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]. انتهى ملخصًا من ((الفتح)) ٦٦١/٥-٦٦٣. وهو بحث
نفيس جدّا، وحاصله ترجيح الاشتراط لجابر رَظنّه ليركب جمله إلى المدينة، كما صنع
ذلك إمام أهل هذه الصناعة البخاريّ رحمه اللَّه تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في بيان اختلاف الروايات في مقدار ثمن الجمل :
قد أشار البخاريّ أيضًا في كلامه السابق إلى هذا الاختلاف، وحاصل الاختلاف
عنده: أوقية، وهي رواية الأكثر، كما أشار إليه البخاريّ، وأربعة دنانير، وهي لا تخالفها
كما تقدم، وأوقية الذهب، وأربع أواق، وخمس أواق، ومائتا درهم، وعشرون دينارا،
هذا ما ذكر البخاريّ.
ووقع عند أحمد، والبزار، من رواية علي بن زيد، عن أبي المتوكل: ثلاثة عشر
دينارا، وقد جمع عياض وغيره، بين هذه الروايات، فقال: سبب الاختلاف أنهم رووا
بالمعنى، والمراد أوقيةُ الذهب، والأربعُ أواق، والخمسُ بقدر ثمن الأوقية الذهب،
والأربعة دنانير، مع العشرين دينارا، محمولة على اختلاف الوزن والعدد، وكذلك
رواية الأربعين درهما، مع المائتي درهم، قال: وكأن الإخبار بالفضة عما وقع عليه
العقد، وبالذهب عما حصل به الوفاء، أو بالعكس. انتهى، ملخصًا.
وقال الداودي: المراد أوقية ذهب، ويُحمَل عليها قول من أطلق، ومن قال: خمس
أواق، أو أربع، أراد من فضة، وقيمتها يومئذ أوقية ذهب، قال: ويحتمل أن يكون
سبب الاختلاف، ما وقع من الزيادة على الأوقية، قال الحافظ: ولا يخفى ما فيه من

٧٧- (الْبَيْعُ يَكُونُ فِيهِ الشَّرْطُ، ... - حديث رقم ٤٦٣٩
١٦٩
التعسف. وقال القرطبي: اختلفوا في ثمن الجمل، اختلافا لا يقبل التلفيق، وتَكَلُّفُ
ذلك بعيد عن التحقيق، وهو مبني على أمر، لم يصح نقله، ولا استقام ضبطه، مع أنه
لا يتعلق بتحقيق ذلك حكم، وإنما تحصل من مجموع الروايات، أنه باعه البعير، بثمن
معلوم بينهما، وزاده عند الوفاء، زيادة معلومة، ولا يضر عدم العلم بتحقيق ذلك.
قال الإسماعيلي: ليس اختلافهم في قدر الثمن بضارّ؛ لأن الغرض الذي سيق
الحديث لأجله، بيان كرمه وا له، وتواضعه، وحُنُوّه على أصحابه، وبركة دعائه، وغير
ذلك، ولا يلزم من وَهم بعضهم في قدر الثمن، توهينه لأصل الحديث.
قال الحافظ: وما جنح إليه البخاري من الترجيح أقعد، وبالرجوع إلى التحقيق
أسعد، فليعتمد ذلك، وبالله التوفيق. انتهى ملخّصًا من ((الفتح))، وهو تحقيق نفيسٌ
جدّا، وحاصله ترجيح من قال بأن الثمن كان أوقيّة، كما مرّ بيانه آنفًا. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في حكم الشرط في البيع:
قد تكلّم الموفّق رحمه الله تعالى في ((المغني)) في هذه المسألة، وفصّلها تفصيلًا
حسنًا، أحببتُ إيراده هنا ملخّصًا؛ تتميمًا للفائدة، ونشرًا للعائدة:
قال رحمه الله تعالى: ما خلاصته: ثبت عن أحمد رحمه الله، أنه قال: الشرط
الواحد لا بأس به، إنما نهي عن الشرطين في البيع، ذهب أحمد إلى ما رَوَى عبد الله بن
عمرو، عن النبي ◌َّ أنه قال: ((لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا تبع ما
ليس عندك)) أخرجه أبو داود، والنسائيّ، والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح. قال
الأثرم: قيل لأبي عبد اللّه: إن هؤلاء يكرهون الشرط في البيع؟، فنفض يده، وقال
الشرط الواحد، لا بأس به في البيع، إنما نَّى رسول اللّه وَ ل عن شرطين في البيع،
وحديث جابر ◌َّه يدل على إباحة الشرط، حين باعه جمله، وشرط ظهره إلى المدينة،
واختلف في تفسير الشرطين المنهي عنهما، فرُوي عن أحمد أنهما شرطان صحيحان،
ليسا من مصلحة العقد، فحكى ابن المنذر عنه، وعن إسحاق فيمن اشترى ثوبا،
واشترط على البائع خياطته، وقصارته، أو طعاما، واشترط طحنه وحمله، إن اشترط
أحد هذه الأشياء، فالبيع جائز، وإن اشترط شرطين فالبيع باطل، وكذلك فسر القاضي
في ((شرحه)) الشرطين المبطلين بنحو من هذا التفسير. وروى الأثرم عن أحمد تفسير
الشرطين أن يشتريها على أنه لا يبيعها من أحد، وأنه يطؤها، ففسره بشرطين فاسدين.
وروى عنه إسماعيل بن سعيد في الشرطين في البيع: أن يقول إذا بعتكها، فأنا أحق بها
بالثمن، وأن تخدُمني سنة.

١٧٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع
وظاهر كلام أحمد، أن الشرطين المنهي عنهما، ما كان من هذا النحو، فأما إن شرط
شرطين، أو أكثر من مقتضى العقد، أو مصلحته، مثل أن يبيعه بشرط الخيار،
والتأجيل، والرهن، والضمين، أو بشرط أن يُسَلّم إليه المبيع، أو الثمن، فهذا لا يؤثر
في العقد، وإن كثر.
وقال القاضي في ((المجرد)): ظاهر كلام أحمد أنه متى شرط في العقد شرطين بطل،
سواء كانا صحيحين، أو فاسدين، لمصلحة العقد، أو لغير مصلحته؛ أخذا من ظاهر
الحديث، وعملا بعمومه، ولم يفرق الشافعي، وأصحاب الرأي، بين الشرط
والشرطين، ورووا أن النبي وَّر، نَّى عن بيع وشرط؛ ولأن الصحيح لا يؤثر في البيع
وإن كثر، والفاسد يؤثر فيه وإن اتحد، والحديث الذي رويناه يدل على الفرق، ولأن
الغرر اليسير إذا احتمل في العقد، لا يلزم منه احتمال الكثير، وحديثهم لم يصح،
وليس له أصل، وقد أنكره أحمد، ولا نعرفه مرويا في مسند، ولا يعول عليه، وقول
القاضي: إن النهي يبقى على عمومه في كل شرطين، بعيد أيضا، فإن شرط ما يقتضيه
العقد، لا يؤثر فيه بغير خلاف، وشرط ما هو من مصلحة العقد، كالأجل، والخيار،
والرهن، والضمين، وشرط صفة في المبيع، كالكتابة، والصناعة، فيه مصلحة العقد،
فلا ينبغي أن يؤثر أيضا في بطلانه، قَلَّت، أو كثرت، ولم يذكر أحمد في هذه المسألة
شيئا من هذا القسم، فالظاهر أنه غير مراد له.
قال: والشروط تنقسم إلى أربعة أقسام:
[أحدها] : ما هو من مقتضى العقد، كاشتراط التسليم، وخيار المجلس، والتقابض
في الحال، فهذا وجوده كعدمه، لا يفيد حكما، ولا يؤثر في العقد.
[الثاني] : تتعلق به مصلحة العاقدين، كالأجل، والخيار، والرهن، والضمين،
والشهادة، أو اشتراط صفة مقصودة في المبيع، كالصناعة، والكتابة، ونحوها، فهذا
شرط جائز، يلزم الوفاء به، ولا نعلم في صحة هذين القسمين خلافا .
[الثالث] : ما ليس من مقتضاه، ولا من مصلحته، ولا ينافي مقتضاه، وهو نوعان:
أحدهما: اشتراط منفعة البائع في المبيع، فهذا قد مضى ذكره. الثاني: أن يشترط عقدا
في عقد، نحو أن يبيعه شيئا بشرط أن يبيعه شيئا آخر، أو يشتري منه، أو يُؤَجّره، أو
يزوجه، أو يُسلفه، أو يصرف له الثمن أو غيره، فهذا شرط فاسد، يفسد به البيع، سواء
اشترطه البائع، أو المشتري.
[الرابع] : اشتراط ما ينافي مقتضى البيع، وهو على ضربين:
[أحدهما] : اشتراط ما بني على التغليب والسراية، مثل أن يشترط البائع على

=
١٧١
٧٧- (الْبَيْعُ يَكُونُ فِيهِ الشَّرْطُ، ... - حديث رقم ٤٦٣٩
المشتري عتق العبد، فهل يصح على روايتين: إحداهما: يصح، وهو مذهب مالك،
وظاهر مذهب الشافعي؛ لأن عائشة رضي عنها، اشترت بريرة، وشَرَط أهلها عليها
عتقها، وولاءها، فأنكر النبي ◌َّير شرط الولاء، دون العتق. والثانية: الشرط فاسد،
وهو مذهب أبي حنيفة؛ لأنه شرط ينافي مقتضى العقد؛ لأنه شرط عليه إزالة ملكه عنه،
فأشبه ما لو شرط أن لا يبيعه، وليس في حديث عائشة، أنها شرطت لهم العتق، وإنما
أخبرتهم بإرادتها لذلك من غير شرط، فاشترطوا الولاء.
[الضرب الثاني]: أن يشترط غير العتق، مثل أن يشترط أن لا يبيع، ولا يهب، ولا
يُعتق، ولا يطأ، أو يشترط عليه أن يبيعه، أو يقفه، أو متى نفق المبيع، وإلا رده، أو إن
غصبه غاصب رجع عليه بالثمن، وإن أعتقه فالولاء له، فهذه وما أشبهها شروط فاسدة،
وهل يفسد بها البيع على روايتين :
قال القاضي المنصوص عن أحمد: أن البيع صحيح، وهو ظاهر كلام الخرقي ههنا،
وهو قول الحسن، والشعبي، والنخعي، وابن أبي ليلى، وأبي ثور. والثانية: البيع
فاسد، وهو مذهب أبي حنيفة، والشافعي؛ لأن النبي ◌َّ، نهى عن بيع وشرط، ولأنه
شرط فاسد، فأفسد البيع، كما لو شرط فيه عقدا آخر، ولأن الشرط إذا فسد وجب
الرجوع بما نقصه الشرط من الثمن، وذلك مجهول، فيصير الثمن مجهولا، ولأن البائع
إنما رضي بزوال ملكه عن المبيع بشرطه، والمشتري كذلك، إذا كان الشرط له، فلو
صح البيع بدونه لزال ملكه بغير رضاه، والبيع من شرطه التراضي.
قال: ولنا ما روت عائشة رضي اللّه تعالى عنها، قالت: جاءتني بريرة، فقالت:
كاتبت أهلي على تسع أواق، في كل عام أوقية، فأعينيني، فقلت: إن أحب أهلك، أن
أَعُدَّها لهم عَدَّةً واحدة، ويكون لي ولاؤك فعلت، فذهبت بريرة إلى أهلها، فقالت
لهم: فأبوا عليها، فجاءت من عندهم، ورسول اللّه ◌َّر جالس، فقالت: إني عرضت
عليهم، فأبوا إلا أن يكون الولاء لهم، فسمع النبي ◌َّر، فأخبرت عائشة النبي وَّل،
فقال: ((خذيها، واشترطي الولاء، فإنما الولاء لمن أعتق))، ففعلت عائشة، ثم قام
رسول اللَّه ◌َ ليل في الناس، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: ((أما بعد ما بال رجال،
يشترطون شروطا ليست في كتاب اللَّه، ما كان من شرط ليس في كتاب الله، فهو
باطل، وإن كان مائة شرط، قضاء اللَّه أحقّ، وشرط اللَّه أوثق، وإنما الولاء لمن
أعتق))، متفق عليه، فأبطل الشرط، ولم يبطل العقد، قال ابن المنذر: خبر بريرة ثابت،
ولا نعلم خبرا يعارضه، فالقول به يجب.
[فإن قيل]: المراد بقوله: ((اشترطي لهم الولاء)): أي عليهم، بدليل أنه أمرها به،

١٧٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوعِ
ولا يأمرها بفاسد.
[قلنا]: لا يصح هذا التأويل لوجهين: [أحدهما] : أن الولاء لها بإعتاقها، فلا
حاجة إلى اشتراطه. [الثاني] : أنهم أبوا البيع، إلا أن يشترط الولاء لهم، فكيف يأمرها
بما يعلم أنهم لا يقبلونه منها، وأما أمره بذلك، فليس هو أمرا على الحقيقة، وإنما هو
صفة الأمر، بمعنى التسوية بين الاشتراط وتركه، كقوله تعالى: ﴿أُسْتَغْفِرْ لَمْ أَوْ لَا
تَسْتَغْفِرْ لَمْ﴾ الآية [التوبة: ٨٠]، وقوله: ﴿فَأَصْبِرُواْ أَوْ لَا تَصْبِرُواْ﴾ الآية [الطور: ١٦]،
والتقدير: واشترطي لهم الولاء، أو لا تشترطي، ولهذا قال عقيبه: ((فإنما الولاء لمن
أعتق))، وحديثهم لا أصل له، على ما ذكرنا، وما ذكروه من المعنى في مقابلة النص،
غير مقبول. انتهى كلام الموفّق رحمه اللّه تعالى ((المغني)) ٣٢١/٦-٣٢٦. وهو تحقيقٌ
نفيسٌ جدًا، وقد تقدّم بأطول مما هنا في بحث الإمام ابن القيم رحمه اللّه تعالى في
٦٠/ ٤٦١٣، فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٦٤٠ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَخْتِى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ الطَّبَّاعِ،
قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنِ الشَّغْيِيِّ، عَنْ جَابِرٍ،ٍ قَالَ: غَزَوْتُ مَعَ النَّبِيِّ ◌َِّ، عَلَى
نَاضِحِ لَنَا، ثُمَّ ذَكَرَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ كَلَّامَا مَعْنَاهُ: فَأَزْحِفَ الْجَمَلُ، فَزَجَرَهُ النَّبِيُّ ◌َِّ،
فَانْتَشَطَ حَتَّى كَانَ أَمَامَ الْجَيْشِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((يَا جَابِرُ مَا أَرَى ◌َلَكَ إِلَّا قَدِ انْتَشَطَ))، قُلْتُ:
بِيَرَكَتِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: ((بِعْنِيهِ، وَلَكَ ظَهْرُهُ حَتَّى تَقْدَمَ))، فَبِعْتُهُ، وَكَانَتْ لِي إِلَيْهِ حَاجَةٌ
شَدِيدَةٌ، وَلَكِنْي اسْتَحْيَيْتُ مِنْهُ، فَلَمَّا قَضَيْنَا غَزَاتَنَا، وَدَنَوْنَا اسْتَأْذَنْتُهُ بِالتَّعْجِيلِ، فَقُلْتُ : يَا
رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي حَدِيثُ عَهْدٍ بِعُرْسٍ، قَالَ: ((أَبِكْرًا تَزَوَّجْتَ أَمْ ثَيِّا؟)) قُلْتُ: بَلَّ ثَّا يَا رَسُولَ
اللَّهِ، إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو، أُصِيبٍَ، وَتَرَكَ جَوَارِيَ أَبْكَارًا، فَكَرِهْتُ أَنْ آتِيَهُنَّ بِمِثْلِهِنَّ،
فَتَزَوَّجْتُ ثَيًِّا، تُعَلِّمُهُنَّ، وَتُؤَدِّبُهُنَّ، فَأَذِنَ لِي، وَقَالَ لِي: ((اتْتِ أَهْلَّكَ عِشَاءً))، فَلَمَّا قَدِمْتُ
أَخْبَرْتُ خَالِي بِيَبْعِي الْجَمَلَ، فَلَمَنِي، فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ، غَدَوْتُ بِالْجَمَلِ، فَأَعْطَانِي
ثَمَنَ الْجَمَلِ، وَالْجَمَلَ وَسَهْمًا مَعَ النَّاسِ).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا.
و((محمد بن يحيى بن عبد اللّه)): هو الذُّهليّ النيسابوريّ الإمام الحافظ [١١]. و((محمد
بن عيسى بن الطبّاع)): هو البغداديّ، نزيل أَذَنَةَ، ثقة فقيه، أعلم الناس بحديث هُشيم
[١٠]. و((أبو عَوَانة)): هو الوضّاح بن عبد اللّه اليشكريّ الواسطيّ. و((مغيرة)): هو ابن
مِقْسَم الضبيّ الكوفيّ. و((الشعبيّ): هو عامر بن شَرَاحيل المذكور في السند الماضي.
وقوله: ((على ناضح لنا)): الناضح: اسم فاعل من نضَح البعير الماءَ، من بابي

٧٧- (الْبَيْعُ يَكُونُ فِيهِ الشَّرْطُ، ... - حديث رقم ٤٦٤١
١٧٣
ضرب، ونَفَع: إذا حمله من نهر، أو بئر؛ ليسقي الزرع، فهو ناضح، والأُنثى ناضحةٌ
بالهاء، سُمّي ناضحًا؛ لأنه ينضح العطشَ: أي يبُلَّهُ بالماء الذي يحمله، هذا أصله، ثم
استُعمل الناضح في كلّ بعير، وإن لم يحمل الماء. أفاده الفيّوميّ.
وقوله: ((ثم ذكر الحديث بطوله)): الظاهر كون الفاعل ضمير شيخ المصنّف،
ويحتمل أن يكون لغيره. ووقع في النسخ المطبوعة، ((ثم ذكرت الحديث بطوله)) بضمير
المتكلّم، وهو غلط، والصواب ما هنا، كما هو في النسخة ((الهنديّة))، ولا توجد هذه
الجملة في («الكبرى»، بل فيه قوله: ((وذكر كلامًا: معناه فأزحف الخ)).
وقوله: ((فأَزحف الجمل)): بزاي، وحاء مهملة، وفاء: أي أعيا، ووقف. قال
الخطّابيّ: المحدثون يقولونه مفتوح الألف، أي على بناء الفاعل، والأجود ضمّ
الألف، أي على بناء المفعول، يقال: زحف البعير: إذا قام من الإعياء، وأزحفه السير.
انتهى. وقال في ((المصباح)): وزَحَفَ البعيرُ: إذا أَعْيَا فَجَرَّ فِرْسِنَهُ، فهو زَاحِفَةٌ، الهاء
للمبالغة، والجمع زَوَاحِفٌ، وأزْحَفَ بالألف لغة. انتهى.
قال الجامع: يتبين بهذا أن ما قاله المحدثون من فتح ألف أَزْحَفَ هو الذي أثبته
اللغويون أيضًا، فلا وجه لما قاله الخطابي، فتبصر، والله تعالى أعلم.
وقوله: ((فانتشط)): افتعل، من النشاط، يقال: نشِطَ في عمله ينشَط، من باب تعب
نَشَاطًا: خفّ، وأسرع. ووقع في ((الكبرى)) في الموضعين بلفظ ((انبسط))، والمعنى
متقارب .
وقوله: ((حتى تقدَم)) بفتح الدال، من باب تعِبَ: أي إلى أن تدخل المدينة.
وقوله: ((استأذنته بالتعجيل)): أي طلبت منه أن يأذن لي في التعجّل إلى المدينة،
فالباء بمعنى ((في))، يقال: أذنت له في كذا، من باب تعب: إذا أطلقت له فعله، وأما
أذن بكذا بالباء، فمعناه: علم به، يقال: أذِنت بالشيء: علمت به، ولا يناسب هنا.
وقوله: ((حديث عهد بعرس)): العرس بضم، فسكون: الزِّفَاف، ويذكّر، ويؤنّث،
فيقال: هو العُرْس، والجمع أَعراس، مثلُ قُفل وأقفال، وهي العرس، والجمع
عُرُسات، ومنهم من يقتصر على إيراد التأنيث. قاله الفيّوميّ.
وقوله: ((وترك جواري أبكارًا)): أي بنات صغارًا .
وقوله: ((ائت أهلك عِشاء)): المراد في آخر النهار، وليس المراد أنه يأتيهم ليلاً.
وقوله: ((وسهمًا مع الناس))، ولفظ ((الكبرى)): ((وسهمي مع الناس)).
والحديث متفقٌ عليه، كما سبق بيانه في الحديث الماضي. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٦٤١- (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ سَالِمِ

١٧٤
E
شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوعِ
ابْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَ فِي سَفَرِ، وَكُنْتُ
عَلَّى جَمَلِ، فَقَالَ: ((مَا لَكَ فِي آخِرِ النَّاسِ؟)) قُلْتُ: أَعْيَا بَعِيرِي، فَأَخَذَ بِذَنَبِهِ، ثُمَّ زَجَرَهُ،
فَإِنْ كُنْثُّ إِنَّمَا أَنَا فِي أَوَّلِ النَّاسِ، بِهُمُّنِي رَأْسُهُ، فَلَمَّا دَنَوْنَا مِنَ الْمَدِينَةِ، قَالَ: ((مَا فَعَلَ
الْجَمَلُ؟ بِعْنِيهِ))، قُلْتُ: لَا، بَلَ هُوَ لَّكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: ((لَا، بَلْ بِعْنِيهِ))، قُلْتُ: لَا،
بَلْ هُوَ لَكَّ، قَالَ: ((لَا، بَلْ بِعْنِيهِ، قَدْ أَخَذْتُهُ بِوُقِيَةٍ، ارْكَبْهُ، فَإِذَا قَدِمْتَ الْمَدِينَةَ فَأْتِنَا بِهِ))،
فَلَمَّا قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ جِئْتُهُ بِهِ، فَقَالَ لِلَالٍ: ((يَا بِلَالُ زِنْ لَهُ أُوقِيَّةً، وَزِدْهُ قِرَاطَا))، قُلْتُ:
هَذَا شَيْءٍ زَادَنِي رَسُولُ اللَّهِ وَ سِ، فَلَمْ يُفَارِقْنِي، فَجَعَلْتُهُ فِي كِيسٍ، فَلَمْ يَزَّلْ عِنْدِي، حَتَّى
جَاءَ أَهْلُ الشَّامِ يَوْمَ الْحَرَّةِ، فَأَخَذُوا مِنَّا مَا أَخَذُوا).
قال الجامعَ عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا
غير مرّة .
و((أبو معاوية)): هو محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، أحفظ من روى عن الأعمش.
و((سالم بن أبي الجعد)): هو الأشجعيّ الغطفانيّ الكوفيّ الثقة، واسم أبيه رافع. والسند
مسلسل بثقات الكوفيين، وفيه محمد بن العلاء أحد مشايخ الأئمة السّة بلا واسطة،
وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ.
وقوله: ((فإن كنت إنما أنا في أول الناس)): أي فإن الشأن كنت الخ. وقوله: ((يُهُمّني رأسه))
بضم حرف المضارعة: أي أخاف أن يتقدّم رأسه على جمال الناس، لشدة إسراعه، فيُهمّني
ذلك، وإنما أهمه؛ خوفًا أن لا يتقدّم على رسول اللّه وَلّر، كما بينته الروايات الأخرى.
وقوله: ((فلم يفارقني))، وفي رواية مسلم: ((فقلت: لا تفارقني زيادة رسول اللَّه وَلّ ..
وقوله: ((حتى جاء أهل الشام الخ))، وفي رواية مسلم: ((فأخذه أهل الشام يوم
الحرّة)): يعني حرّة المدينة، أي يوم حارب أهل الشام أهل المدينة في الحرّة بفتح الحاء
المهملة، وتشديد الراء: موضع بالمدينة، فيه حجارة سُودٌ، ويُطلق على كلّ أرض،
ذات حجارة سُود، والمعنى أن تلك الزيادة أخذها أهل الشام في ذلك اليوم الذي كان
فيه هناك قتالٌ، ونهبٌ، منهم، وذلك سنة (٦٣) من الهجرة.
والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق بيانه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٦٤٢- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ،
قَالَ: أَدْرَكَنِي رَسُولُ اللَّهِ وَهَ، وَكُنْتُ عَلَى نَاضِحِ لَنَا، سَوْءٍ، فَقُلْتُ: لَا يَزَالُ لَنَا نَاضِحُ
سَوْءٍ، يَا لَهْفَاهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ بِّهِ: (تَبِيعُنِيهِ يَا جَابِرُ))، قُلْتُ: بَلْ هُوَ لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ،
قَالَ: ((اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ، قَدْ أَخَذْتُهُ بِكَذَا وَكَذَا، وَقَدْ أَعَرْتُكَ ظَهْرَهُ إِلَى

١٧٥ ==
٧٧- (الْبَيْعُ يَكُونُ فِيهِ الشَّرْطُ، ... - حديث رقم ٤٦٤٣
الْمَدِينَةِ))، فَلَمَّا قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ هَيَأْتُهُ، فَذَهَبْتُ بِهِ إِلَيْهِ، فَقَالَ: ((يَا بِلَالُ أَعْطِهِ ثَمَنَهُ»، فَلَمَّا
أَدْبَرْتُ دَعَانِي، فَخِفْتُ أَنْ يَرُدَّهُ، فَقَالَ هُوَ لَكَ))).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، سوى
شيخه وهو الجوّاز المكيّ، وهو ثقة. و((سفيان)): هو ابن عيينة. والسند من رباعيّات
المصنّف، وهو (٢٢٧) من رباعيات الكتاب، وهو مسلسلٌ بثقات المكيين.
وقوله: ((ناضح سوء)) بفتح السين، وسكون الواو، أو بضم، فسكون، قال الفيّوميّ:
وهو رجلُ سوء بالفتح، والإضافة، وعَمَلُ سَوْءٍ، فإن عرّفت الأول قلت: الرجلُ السَّوْءُ
على النعت. انتهى. وقال المجد في ((القاموس)): ساءه سَوْءًا، وسَواءً، وسَواءَةً،
وسَوَايَةً، وسَوَائيةً، ومساءَةً، ومَسَائِيَةً، مقلوبًا، وأصله مَسَاوِئَةً، ومَسَايةً، ومَسَاءً،
ومَسَاءيةٌ: فَعَل به ما يُكرَه، فاستاء هو، والسُّوءُ بالضم الاسم منه، قال: ولا خير في
قول السوء بالفتح والضمّ، إذا فتحت فمعناه: في قول قبيح، وإذا ضممت فمعناه: في
أن تقول سُوءًا، وقُرىء: ﴿عَلَيْهِمْ دَابِرَةُ السَّوْءِ﴾ بالوجهين: أي الهزيمة، والشرّ،
والرَّدَى، والفساد، وكذا: ﴿أَمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءٍ﴾، أو المضموم الضرر، والمفتوح
الفساد، ومنه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ عَقِبَةَ الَّذِينَ أَسَنُواْ السُّوَ﴾ في قراءة، ورجلٌ سَوْءٍ،
ورجل السوء بالفتح، والإضافة. انتهى.
وقوله: ((يالهفاه)): قال المجد: لَهِفَ، كفرِحَ: حزِن، وتحسّر، كتلهّف عليه، ويا
لهفه، : كلمة يُتحسّر بها على فائت، ويقال: يا لَهْفي عليك، ويا لَهْفَ، ويا لَهْفَا، ويا
لَهْفَ أرضي وسَمَئي عليك، ويا لَهْفاهُ، ويا لَهْفتاه، ويا لَهْفَتِياه. انتهى ((قاموس)).
وقوله: ((هيّأته)): أي أعددت ذلك الناضح لأذهب به إلى النبيّ وَّرُ. والحديث متّفقٌ
عليه، كما سبق الكلام فيه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،
وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٦٤٣- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ، قَالَ، سَمِعْتُ أَبِي،
قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو نَضْرَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: كُنَّا نَسِيرُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَلِهِ، وَأَنَا
عَلَى نَاضِحِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((أَتَبِيعُنِيهِ بِكَذَا وَكَذَا، وَاللَّهُ يَغْفِرُ لَكَ))، قُلْتُ: نَعَمْ هُوَ
لَكَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ، قَالَ: ((أَتَبِيعُنِيهِ بِكَذَا وَكَذَا، وَاللَّهُ يَغْفِرُ لَكَ))، قُلْتُ: نَعَمْ هُوَ لَكَ يَا نَبِيَّ
اللَّهِ، قَالَ: ((أَتَبِيعُنِيهِ بِكَذَا وَكَذَا، وَاللَّهُ يَغْفِرُ لَكَ))، قُلْتُ: نَعَمْ هُوَ لَكَ، قَالَ أَبُو نَضْرَةَ:
وَكَانَتْ كَلِمَةً يَقُولُهَا الْمُسْلِمُونَ، افْعَلْ كَذَا وَكَذَا، وَاللَّهُ يَغْفِرُ لَكَ).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وقد تقدّموا
غير مرّة.

١٧٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع
و((أبو المعتمر)): هو سليمان بن طَرْخان التيميّ البصريّ الثقة العابد [٤].
و ((أبو نضرة)): هو المنذر بن مالك بن قُطَعَةَ البصريّ الثقة [٣]. والسند مسلسلٌ بثقات
البصريين، وفيه رواية الابن، عن أبيه، ورواية تابعيّ، عن تابعيّ.
وقوله: ((وكانت كلمة الخ)): أي قوله وَله: ((والله يغفر لك كلمة اعتاد المسلمون
قولها عند ما يأمر بعضهم بعضًا، فالكلمة المراد بها الكلام، كما قال ابن مالك:
وَكِلْمَةٌ بَهَا كَلَامٌ قَدْ يُؤَمُ
والحديث متفقٌ عليه، كما سبق بيانه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
((إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب)).
٧٨- (الْبَيْعُ يَكُونُ فِيهِ الشَّرْطُ
الْفَاسِدُ، فَيَصِحُ الْبَيْعُ، وَيَبْطُلُ
الشَّرْطُ)
٤٦٤٤- (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ
الْأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتِ: اشْتَرَيْتُ بَرِيرَةَ، فَاشْتَرَطَ أَهْلُهَا وَلَاءَهَا، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ
وَهِ، فَقَالَ: ((أَعْتِقِيهَا، فَإِنَّ الْوَلَاءَ لِمَنْ أَعْطَى الْوَرِقَ))، قَالَتْ: فَأَعْتَقْتُهَا، قَالَتْ: فَدَعَاهَا
رَسُولُ اللَّهِ وَ لّهِ، فَخَيَّرَهَا مِنْ زَوْجِهَا، فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا، وَكَانَ زَوْجُهَا حُرًّا).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وقد تقدّموا
غير مرّة.
و((جرير)): هو ابن عبد الحميد. و((منصور)): هو ابن المعتمر. و((إبراهيم)): هو ابن
يزيد النخعيّ. و((الأسود)): هو ابن يزيد النخعيّ، خال إبراهيم. والسند مسلسل بثقات
الكوفيين، غير شيخه، فإنه بَغْلانيّ، وفيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض:
منصورٌ، عن إبراهيم، عن الأسود، وفيه رواية الراوي عن خاله، إبراهيم، عن الأسود.
وقولها: ((اشتريت بريرة)): أي أردت شراءها، بدليل الراوية التالية.
وقوله: ((فإن الولاء لمن أعطى الورق)) الفاء للتعليل، والورق: بفتح، فكسر:
الفضّة، والمراد به هنا الثمن، سواء كان فضّةً، أو غيره.

١٧٧
٧٨- (البَيْعُ يَكُونُ فِيهِ الشَّرْطُ الفُاَسِدُ، ... - حديث رقم ٤٦٤٦
وقولها: ((فخيّرها)): أي في زوجها، وفيه تخيير الأمة إذا أُعتقت، وإن كان زوجها
حرّا، وهو الصحيح؛ لهذا الحديث، وقال الحنفية: لا تُخيّر إلا إذا كان زوجها عبدًا،
وقد تقدّم البحث في هذا مستوفّى في ((كتاب الطلاق))، فراجعه تستفد.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدم في ((كتاب الزكاة)) ٢٦١٤/٩٩ وفي ((كتاب الطلاق))
٢٩/ ٣٤٧٤ . وتقدم شرحه، وبيان مسائله هناك، فراجعه، تستفد، واستدلال المصنّف
على ما ترجم له واضح؛ لأن البيع صححه النبيّ وَّ مع أنهم اشترطوا شرطًا باطلًا، فدلّ أن
الشرط الباطل لا يبطل البيع، بل يبطل هو بنفسه، فإنه قدّ أبطل شرطهم، مع تصحيحه
العقد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٦٤٥- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ:
سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْقَاسِمِ، قَالَ: سَمِعْتُ الْقَاسِمَ، يُحَدِّثُ عَنْ عَائِشَةَ، أَّا أَرَادَتْ
أَنْ تَشْتَرِيَ بَرِيرَةَ لِلْعِثْقِ، وَأَنَّهُمُّ اشْتَرَطُوا وَلَاءَهَا، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ وَِّ، فَقَالَ
رَسُولُ اللّهِ إِ لَهَ: (اشْتَرِيَهَا، فَأَعْتِقِيهَا، فَإِنَّ الْوَلَاءَ لِمَنْ أَعْتَقَ))، وَأَتِيَ رَسُولُ اللَّهِ وَلـ
بِلَحْم، فَقِيلَ: هَذَا تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ، فَقَالَ: ((هُوَ لَهَا صَدَقَةٌ، وَلَنَا هَدِيَّةٌ))، وَخُيْرَتْ).
قَال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا
غير مرّة .
والسند مسلسل بثقات البصريين إلى شعبة، والباقون مدنيون، وفيه رواية الراوي عن
أبيه، عن عمّته، وفيه القاسم أحد الفقهاء السبعة، وفيه شيخ المصنّف أحد مشايخ السنّة
بلا واسطة. و((محمد)): هو ابن جعفر غُندر.
وقوله: ((هو لها صدقة الخ)): يشير إلى أن تبدّل الأسماء يبدّل الأحكام، فإنه لما كان
في يدها كان صدقة، فحرم على رسول اللَّه وَّل، وأهل بيته، فلما أهدته إليهم، فصار
هديّة، تغیر حکمه، فصار حلالاً لهم.
وقولها: ((وخُيّرت)): أي خيّرها النبيّ وَّ في البقاء مع زوجها، أو فراقها له.
والحديث متفقٌ عليه، كما سبق بيانه فيما قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٦٤٦- (أَخْبَرَنَا قُتَنِبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِعِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ : أَنَّ
عَائِشَةَ أَرَادَتْ أَنْ تَشْتَرِيَ جَارِيَةً تَعْتِقُهَا، فَقَالَ أَهْلُهَا: نَبِيعُكِهَا عَلَى أَنَّ الْوَلَاءَ لَنَا، فَذَكَرَتْ
ذَلِكِ لِرَسُولِ اللّهِ وََّ، فَقَالَ: ((لَا يَمْنَعُكِ ذَلِكِ، فَإِنَّ الْوَلَاءَ لِمَنْ أَعْتَقَ))).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا
غير مرّة .

١٧٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوعِ
و((مالك)): هو ابن أنس الإمام المدنيّ. والسند من رباعيّات المصنّف، وهو (٢٢٨)
من رباعيات الكتاب، وهو أصح أسانيد ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما، أو أصح
الأسانيد مطلقًا، على ما نُقل عن البخاريّ رحمه اللّه تعالى.
والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق بيانه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب)).
٧٩- (بَيْعُ الْمَغَانِمِ قَبْلَ أَنْ تُقْسَمَ)
٤٦٤٧- (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَفْصِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنِي
إِبْرَاهِيمُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرٍوَ بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ
مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: نََّى رَسُولُ اللّهِ وَ عَنْ بَيْعِ الْمَغَانِمِ، حَتَّى تُقْسَمَّ، وَعَنِ
الْحَبَالَى أَنْ يُوطَأْنَ، خَتَّى يَضَعْنَ مَا فِي بُطُونِنَّ، وَعَنْ لَحْمَ كُلِّ ذِيَ نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ»).
رجال هذا الإسناد: ثمانية :
١- (أحمد بن حفص بن عبد اللّه) السلميّ النيسابوريّ، أبو عليّ بن أبي عمرو،
صدوق [١١] ٤٠٩/٧.
٢- (أبوه) حفص بن عبد الله بن راشد السلميّ، أبو عمر النيسابوريّ، قاضيها،
صدوق [٩] ٧/ ٤٠٩ .
٣- (إبراهيم) بن طهمان الخراسانيّ، أبو سعيد، سكن بيسابور، ثم مكة، ثقة
يُغْرب، وتُكلّم فيه للإرجاء، ويقال: رجع عنه [٧] ٤٠٩/٧.
٤- (يحيى بن سعيد) بن قيس الأنصاريّ، أبو سعيد المدنيّ القاضي، ثقة ثبت [٥]
٢٣/٢٢ .
٥- (عمرو بن شعيب) بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص المدنيّ، أو
الطائفيّ، صدوق [٥] ١٤٠/١٠٥.
٦- (عبد الله بن أبي نجيح) أبو يسار الثقفيّ مولاهم المكيّ، واسم أبيه يسار، ثقة
رُمي بالقدر، وربما دلّس [٦] ١١٢ /١٥٥.
٧- (مجاهد) بن جبر، أبو الحجاج المخزومي المكيّ الإمام الثقة المشهور [٣]٣١/٢٧.

٧٩- (بَيْعُ الْمَغَانِمِ قَبَلَ أَنْ تُقْسَمَ) - حديث رقم ٤٦٤٧
١٧٩ ====
٨- (ابن عباس) عبد الله البحر الحبر رضي الله تعالى عنهما ٢٧/ ٣١. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من ثمانيات المصنف رحمه اللّه تعالى فهو من الأسانيد النازلة. (ومنها):
أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير عمرو بن شعيب، فمن رجال الأربعة. (ومنها):
أن رواية عمرو بن شعيب عن عبد الله بن أبي نجيح من رواية الأكابر عن الأصاغر؛ لأن
عمرًا من التابعين من الطبقة الخامسة، وعبد الله من تابعي التابعين من الطبقة السادسة،
ورواية يحيى عن عمرو من رواية الأقران؛ لأنهما من الطبقة الخامسة. (ومنها): أن فيه
ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى
(١٦٩٦) حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي اللَّه تعالى عنهما، أنه (قَالَ: فَى رَسُولُ اللّهِ وَّهِ عَنْ بَيْعِ
الْمَغَانِمَ) بفتح الميم: جمع مغنم بفتح، فسكون: بمعنى الغنيمة، وهي ما نِيل من أهلَ
الشركَ عَنْوةٌ، والحرب قائمةٌ، والفيء: ما نِيل منهم بعد أن تضع الحرب أوزارها. قاله
الفيّوميّ (حَتَّى تُقْسَمَ) بالبناء للمفعول، وإنما نهى عن بيعها؛ لعدم تمام ملك صاحبها
قبل القسمة، إذ لا يدري كلّ غانم قبل القسمة ما يدخل في سهمه، فلو باع سهمه قبل
ذلك، فقد باع المجهول (وَعَنِ الْحَبَالَى) بفتح الحاء المهملة، وتخفيف الموحدة: جمع
حُبْلى بضم، فسكون، يقال: حَبِلت المرأةِ حَبَلًا، من باب تعِب: إذا حَمَلت بالولد،
فهي حُبْلَى، والجمع حُبْلَيَاتٌ، وَحَبَالَى (أَنْ يُوطَأْنَ، حَتَّى يَضَعْنَ مَا فِي بُطُونِنَّ) فيه
تحريم وطأ المرأة المسبيّة، ونحوها إذا كانت حاملًا حتى تلد، وقد أخرج أبو داود بإسناد
صحيح، من طريق حنش الصنعانيّ، عن رويفع ابن ثابت الأنصاري، قال: قام فينا
خطيبا، قال: أما إني لا أقول لكم إلا ما سمعت رسول اللَّه وَلقوله يقول: يوم حنين،
قال: ((لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر، أن يسقي ماءه زرع غيره يعني إتيان
الحبالى- ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر، أن يقع على امرأة من السبي، حتى
يستبرئها، ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر، أن يبيع مَغْنَمًا حتى يقسم)).
وأخرج الترمذيّ، من طريق بسر بن عبيد اللّه، عن رويفع بن ثابت، عن النبي وَّ،
قال: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا بِسقِ ماءه ولد غيره)).
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن، وقد رُوي من غير وجه، عن رویفع بن ثابت،
والعمل على هذا، عند أهل العلم، لا يرون للرجل إذا اشترى جارية، وهي حامل أن
يطأها حتى تضع .

١٨٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع
(وَعَنْ لَحْم كُلِّ ذِي نَابٍ) الناب السنّ الذي خلف الرباعية (مِنَ السِّبَاعِ) كالأسد،
والذئب، والفَهد، وأمثالها، مما يعدو على الناس بأنيابه، وقد تقدم البحث في هذا
مستوفّى في ((كتاب الصيد والذبائح)) ٤٣٢٦/٢٨- فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
والحديث صحيح، وهو من أفراد المصنّف رحمه اللّه تعالى، أخرجه هنا-٧٩/
٤٦٤٧- وفي ((الكبرى)) ٦٢٤١/٨٠. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٨٠- (بَيْعُ الْمُشَاعِ)
٤٦٤٨- (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ:
أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((الشُّفْعَةُ فِي كُلِّ شِرْكٍ: رَبْعَةٍ،
أَوْ حَائِطِ، لَا يَضَلُحُ لَهُ أَنْ يَبِيعَ حَتَّى يُؤْذِنَ شَرِيكَهُ، فَإِنْ بَاعَ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ حَتَّى يُؤْذِنَهُ»).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١- (عمرو بن زرارة) بن واقد الكلابيّ، أبو محمد النيسابوريّ ثقة ثبت [١٠]٧/ ٣٦٨ .
٢- (إسماعيل) بن إبراهيم بن مقسم المعروف بابن عُليّة البصريّ، ثقة ثبت [٨]
١٩/١٨ .
٣- (ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأموي مولاهم المكيّ، ثقة
فقيه فاضل، يدلس [٦] ٣٢/٢٨ .
٤ - (أبو الزبير) محمد بن مسلم بن تَدْرُس المكيّ، صدوق، يدلّس [٤] ٣٥/٣١.
٥- (جابر) بن عبد الله بن عمرو بن حرام رضي الله تعالى عنهما ٣٥/٣١. والله
تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه اللّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمكيين من ابن جريج، وشيخُهُ، نيسابوريّ،
وإسماعيلُ بصريّ. (ومنها): أن فيه جابرًا ◌َظّثه من المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠)
حديثًا. والله تعالى أعلم.