Indexed OCR Text
Pages 241-260
٢٤١ ٢٦ - (تَفْسِيرُ ذِلَّكَ) - حديث رقم ٤٥١٧ والحديث متفق عليه، وقد سبق قبل باب. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٥١٧- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَن الزُّهْرِيّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُذْرِيِّ، قَالَ: ((نَى رَسُولُ اللَّهِ وَِّ، عَنْ لِبْسَتَيْنِ، وَعَنْ بَيْعَتَيْنِ، أَمَّا الْبَيْعَتَانِ: فَالْمُلَامَسَةُ، وَالْمُنَابَذَةُ، وَالْمُنَابَذَةُ: أَنْ يَقُولَ: إِذَا نَبَذْتُ هَذَا الثَّوْبَ، فَقَّدْ وَجَبَ - يَعْنِي الْبَيْعَ - وَالْمُلَامَسَةُ: أَنْ يَمَسَّهُ بِيَدِهِ، وَلَا يَنْشُرَهُ، وَلَا يُقَلْبَهُ، إِذَا مَسَّهُ، فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ»). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلّهم تقدّموا غير مرّة. وقوله: ((بيعتين)) بفتح أوله، والمراد به المرّة من البيع. قاله في ((الطرح)) ٦/ ١٠٠. وقال في ((الفتح)) ٢٨/٢: بفتح الموحدة، ويجوز كسرها، على إرادة الهيئة. انتهى. وقال السنديّ: المشهور فتح الباء، والأقرب الكسر على الهيئة. انتهى. وقوله: ((عن لبستين)) قال في ((النهاية)» ٢٢٦/٤: هي بكسر اللام: الهيئة، والحالة، وروي بالضمّ على المصدر، والأول الوجه. انتهى. والمراد باللبستين: اشتمال الصمّاء، والاحتباء بثوب واحد، ليس على فرجه منه شيء. أما «اشتمال الصماء)»: فهو بالصاد المهملة، والمد، قال أهل اللغة: هو أن يُخَلِّل جسده بالثوب، لا يرفع منه جانبا، ولا يُبقي ما يُخرج منه يده، قال ابن قتيبة: سميت صماء؛ لأنه يَسُدُّ المنافذ كلها، فتصير كالصخرة الصماء، التي ليس فها خرق. وقال الفقهاء: هو أن يلتحف بالثوب، ثم يرفعه من أحد جانبيه، فيضعه على منكبه، فيصير فرجه باديا، قال النووي: فعلى تفسير أهل اللغة، يكون مكروها؛ لئلا يَعرِض له حاجة، فيتعسر عليه إخراج يده، فيَلحقه الضرر، وعلى تفسير الفقهاء يحرم، لأجل انكشاف العورة. قال الحافظ: ظاهر سياق البخاريّ، من رواية يونس، في ((اللباس)): أن التفسير المذكور فيها مرفوع، وهو موافق لما قال الفقهاء، ولفظه: ((والصماء أن يجعل ثوبه على أحد عاتقيه، فيبدو أحد شقيه))، وعلى تقدير أن يكون موقوفا، فهو حجة على الصحيح؛ لأنه تفسير من الراوي، لا يخالف ظاهر الخبر. وأما ((الاحتباء)»: فهو أن يقعد على أَلْيَتيه، وينصب ساقيه، ويَلُفْ عليه ثوبا، ويقال له الْحَبْوَة، وكانت من شأن العرب، وفسرها في رواية يونس المذكورة بنحو ذلك. أفاده في ((الفتح)) ٢٨/٢ ((كتاب الصلاة)) رقم ٣٦٩ . والحديث متفقٌ عليه، وقد سبق قبل باب. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٤٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع ٤٥١٨- (أَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَبِي الزَّرْقَاءِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ ابْنُ بُرْقَانَ، قَالَ: بَلَغَنِي عَنِ الزُّهْرِيّ، عَنْ سَالِم، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: (غَى رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ، عَنْ لِيْسَتَيْنِ، وَنَّانَا رَسُولُ اللَّهِ وَهِ، عَنْ بَيْعَتَيْنَ، عَنِ الْمُتَابَذَةِ، وَالْمُلَامَسَةِ، وَهِيَ بُيُوعٌ، كَانُوا يَتَبَايَعُونَ بِهَا فِي الْجَاهِلِيَةِ»). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((هارون بن زيد بن أبي الزرقاء)): هو أبو محمد الْمَوْصليّ، نزيل الرملة، صدوقٌ [١٠] ٨٥١/٥٠ من رجال المصنّف، وأبي داود. و((أبوه)): هو أبو محمد الموصليّ، نزيل الرملة، اسم أبيه يزيد، ثقة [٩] ٨٥١/٥٠ من رجال المصنّف، وأبي داود أيضًا. و((جعفر بن بُرقان)) - بضمّ الموحدة، وسكون الراء- : هو أبو عبد الله الرقّيّ، صدوقٌ يهم في حديث الزهريّ [٧] ٢٠٢٥/٩٤. وهذا الحديث تفرّد به المصنف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا- ٤٥١٨/٢٦- وفي ((الكبرى)) ٦١٠٧/٢٥، وقد تكلّم فيه في («الكبرى»، فقال بعد إخراجه: قال أبو عبد الرحمن: هذا خطأ، وجعفر بن بُرقان ليس بالقويّ في الزهريّ خاصّة، وفي غيره لا بأس به، وكذلك سفيان بن حُسين، وسليمان بن كثير. انتهى. وحاصل ما أشار إليه أن المحفوظ في رواية الزهريّ كون الحديث من مسند أبي سعيد الخدريّ تَّ ، كما رواه الحفّاظ، من أصحابه، فيما سبق، كعقيل، ويونسٍ، وسفيان بن عيينة، وصالح بن كيسان، ومعمر، وأما كونه من مسند ابن عمر، فخطأً، أخطأ فيه جعفر بن برقان، على أنه منقطعٌ؛ حيث قال: بلغني عن الزهريّ. والله تعالى أعلم بالصوابِ، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٥١٩- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ، قَالَ: سَمِعْتُ عُبَيْدَ اللَّهِ، عَنْ خُبَيْبٍ، عَنْ حَقْصٍ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ، أَنَّهُ نَّهَى عَنْ بَيْعَتَيْنِ: أَمَّا الْبَيْعَتَانِ، فَالْمُنَابَذَّةُ وَاَلْمُلَامَسَةُ، وَزَعَمَ أَنَّ الْمُلَامَسَةَ، أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ: أَبِيعُكَ ثَوْمِي بِثَوْبِكَ، وَلَا يَنْظُرُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا إِلَى ثَوْبِ الْآخَرِ، وَلَكِنْ يَلْمِسُهُ لَمْسًا، وَأَمَّا الْمُنَابَذَةُ: أَنْ يَقُولُ: أَنْبِذُ مَا مَعِي، وَتَنْبِذُ مَا مَعَكَ؛ لِيَشْتَرِيَ أَحَدُهُمَا مِنَ الْآخَرِ، وَلَا يَذْرِي كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، كَمْ مَعَ الْآخَرِ، وَنَحْوًا مِنْ هَذَا الْوَصْفِ). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلّهم تقدموا . و ((المعتمر)): هو ابن سليمان. و((عبيد الله)): هو ابن عمر العمريّ. و((خُبيب)): هو ابن عبد الرحمن بن خُبيب بن يساف الأنصاريّ، أبو الحارث المدنيّ، ثقة [٤] ١٠/ ٦٤٠. و ((حفص بن عاصم)): هو ابن عمر بن الخطّاب العدويّ المدنيّ، ثقة [٣] ٦٠ /٨٦٧. ٢٧ - (بَيْعُ الْحَصَاةِ) - حديث رقم ٤٥٢٠ ٢٤٣ = وقوله: (نهي عن بيعتين، أما البيعتان الخ)) هكذا نسخ ((المجتبى))، و((الكبرى)) بلفظ: ((أما البيعتان))، والظاهر أن في رواية المصنّف اختصارًا، والأصل نَّى عن بيعتين، ولبستين))، أما البيعتان الخ، يدلّ على ذلك ما في رواية البخاريّ، من طريق أيوب، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة رَظنّه: نُهي عن لبستين، أن يحتبي الرجل في الثوب الواحد، ثم يرفعه، على منكبه، وعن بيعتين: اللْمَاس، والنّباذ». وفي رواية أحمد، من طريق هشام بن حسّان، عن محمد، عن أبي هريرة، قال: (نهى رسول اللَّه وَل، عن لبستين، وبيعتين: أن يحتبي الرجل في ثوب واحد، ليس على فرجه منه شيء، وأن يرتدي في ثوب، يرفع طرفيه على عاتقه، وأما البيعتان: فاللَّمْس، والإلقاء)). وقوله: ((وزعم أن الملامسة)) تقدّم أن الأقرب أن يكون هذا الزعم من أبي هريرة رَويّ، لبعد أن يعبّر الصحابيّ عن النبيّ وَّر بلفظ ((زعم))، ولوقوع التفسير في حديث أبي سعيد الخدريّ رَّه من قوله أيضًا، كما تقدّم. أفاده في ((الفتح)) ٥/ ٩٧ . وقوله: ((يلمسه)) - بضمّ الميم، وكسرها، من بابي نصر، وضرب، كما تقدّم. والحديث متفقٌ عليه، وقد تقدم تمام البحث فيه في ٢٣/ ٤٥١١ . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب)) . ٢٧ - (بَيْعُ الْحَصَاةِ) ٤٥٢٠- (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَخْتِى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: ((نَّهَى رَسُولُ اللّهِ بَ، عَنْ بَيْعِ الْحَصَاةِ، وَعَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ))). رجال هذا الإسناد: ستة : ١- (عبيد الله بن سعيد) أبو قُدامة السرخسيّ، ثقة ثبت سنّي [١٠] ١٥/١٥. ٢- (يحيى) بن سعيد القطان البصريّ، ثقة ثبت حجة [٩] ٤/٤. ٣- (عبيد الله) بن عمر بن حفص العمريّ المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت [٥] ١٥/١٥ . ٢٤٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوعِ ٤- (أبو الزناد) عبد الله بن ذكوان المدنيّ، ثقة فقيه [٥] ١٨/١٧. ٥- (الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز المدنيّ، ثقة ثبت فقيه [٣] ١٨/١٧. ٦- (أبو هريرة) رضي اللّه تعالى عنه١/١ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بثقات المدنيين، غير شيخه، فسرخسيّ، ثم نيسابوريّ، ويحيى، فبصريّ. (ومنها): أنه من أصحّ أسانيد أبي هريرة ◌َّه، كما سبق غير مرّة، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي اللَّه تعالى عنه، أنه (قَالَ: ((نََّى رَسُولُ اللَّهِ بَِّ، عَنْ بَيْع الْخَصَاةِ) بفتح الحاء المهملة، واحدة الحصى، قيل: هو من إضافة المصدر إلى نوعه، وليس من إضافة المصدر إلى مفعوله، وصفته أن يقول البائع للمشتري: ارم هذه الحصاة، فأيُّ ثوب تقع عليه، فعليك بكذا، أو أن يبيعه من أرضه ما انتهى إليه رمي الحصاة . وقال النوويّ رحمه الله تعالى في ((شرح مسلم)) ٣٩٥/١٠-٣٩٦ -: أما بيع الحصاة، ففيه ثلاث تأويلات: [أحدها] : أن يقول: بعتك من هذه الأثواب، ما وقعت عليه الحصاة التي أرميها، أو بعتك من هذه الأرض من هنا، الى ما انتهت إليه هذه الحصاة. [والثاني] : أن يقول: بعتك على أنك بالخيار، إلى أن أرمي بهذه الحصاة. [والثالث] : أن يجعلا نفس الرمى بالحصاة بيعا، فيقول: إذا رميت هذا الثوب بالحصاة، فهو مبيع منك بكذا. انتهى. وقال أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: اختلف فيه على أقوال: [أوّلها] : أن يبيعه من أرضه قدرَ ما انتهت إليه رَميَةُ الحصاة. [وثانيها] : أيُّ ثوب وقعت عليه الحصاة، فهو المبيع. [وثالثها] : أن يقبض على الحصى، فيقول: ما خرج كان لي بعدده دراهم، أو دنانير. [ورابعها] : أيَّ زمن وقعت الحصاة من يده وجب البيع. فهذا إيقافُ لزوم على زمن مجهول، وهذه كلّها فاسدةٌ؛ لما تضمّنته من الخطر، والجهل، وأكل المال بالباطل. انتهى ((المفهم)) ٣٦٢/٤ . (وَعَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ))) - بفتحتين -: هو الخَطَر. قيل: هو أيضًا من إضافة المصدر إلى نوعه، من غَرّ یغُرُّ بالضمّ، من باب قعد. ٢٤٥ = ٢٧ - (بَيْعُ الْحَصَاةِ) - حديث رقم ٤٥٢٠ وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: هو البيع المشتمل على غَرَرٍ مقصود، كبيع الأجِنّة، والسمك في الماء، والطير في الهواء، وما أشبه ذلك، فأما الغرر اليسير الذي ليس بمقصود، فلم يتناوله هذا النهي؛ لإجماع المسلمين على جواز إجارة العبد، والدار مشاهرةً، ومساناةً، مع جواز الموت، وهدم الدار قبل ذلك، وعلى جواز إجارة الدخول فِي الْحَمّام، مع تفاوت الناس فيما يتناولون من الماء، وفي قدر الْمُقام فيه، وكذلك الشرب من السقاء، مع اختلاف أحوال الناس في قدر المشروب، وأيضًا، فإن كلَّ بيع لا بدّ فيه من نوع من الغرر، لكنه لَمّا كان يسيرًا، غير مقصود، لم يلتفت الشرع إليه. ولَمّا انقسم الغرر على هذين الضربين، فما تبيّن أنه من الضرب الأول مُنع، وما كان من الضرب الثاني، أُجيز، وما أشكل أمره، اختلف فيه، من أيّ القسمين هو، فيُلحقّ به. انتهى ((المفهم)) ٤/ ٣٦٢. وقال النوويّ رحمه الله تعالى في ((شرح مسلم)»: وأما النهى عن بيع الغرر، فهو أصل عظيم، من أصول ((كتاب البيوع»، ولهذا قدّمه مسلم، ويدخل فيه مسائل كثيرة، غير منحصرة، كبيع الآبق، والمعدوم، والمجهول، وما لا يُقْدَر على تسليمه، وما لم يتم ملك البائع عليه، وبيع السمك في الماء الكثير، واللبن في الضرع، وبيع الحمل في البطن، وبيع بعض الصُّبْرَة مبهما، وبيع ثوب من أثواب، وشاة من شياه، ونظائر ذلك، وكل هذا بيعه باطل؛ لأنه غرر من غير حاجة، وقد يُحتَمَل بعضُ الغرر بيعا، إذا دعت إليه حاجة، كالجهل بأساس الدار، وكما إذا باع الشاة الحامل، والتي في ضرعها لبن، فإنه يصح البيع؛ لأن الأساس تابع للظاهر من الدار، ولأن الحاجة تدعو إليه، فإنه لا يمكن رؤيته، وكذا القول في حمل الشاة ولبنها، وكذلك أجمع المسلمون على جواز أشياء فيها غرر حقير، منها: أنهم أجمعوا على صحة بيع الْجُبّة المحشوة، وإن لم يُر حشوها، ولو بيع حشوها بإنفراده لم يجز، وأجمعوا على جواز إجارة الدار، والدابة، والثوب، ونحو ذلك شهرا، مع أن الشهر، قد يكون ثلاثين يوما، وقد يكون تسعة وعشرين، وأجمعوا على جواز دخول الحمّام بالأجرة، مع اختلاف الناس في استعمالهم الماء، وفي قدر مكثهم، وأجمعوا على جواز الشرب من السقاء بالعوض، مع جهالة قدر المشروب، واختلاف عادة الشاربين، وعكس هذا. وأجمعوا على بطلان بيع الأَجِنّة في البطون، والطير في الهواء. قال العلماء: مدارُ البطلان بسبب الغرر، والصحة مع وجوده، على ما ذكرناه، وهو أنه إن دعت حاجة إلى ارتكاب الغرر، ولا يمكن الاحتراز عنه، إلا بمشقة، وكان الغرر حقيرا، جاز البيع، وإلا فلا، وما وقع في بعض مسائل الباب، من اختلاف العلماء في ٢٤٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع صحة البيع فيها، وفساده، كبيع العين الغائبة، مبنيّ على هذه القاعدة، فبعضهم يَرَى أن الغرر حقير، فيجعله كالمعدوم، فيصح البيع، وبعضهم يراه ليس بحقير، فيبطل البيع. والله أعلم. [واعلم] : أن بيع الملامسة، وبيع المنابذة، وبيع حَبّل الْحَبَلة، وبيع الحصاة، وعَسْبَ الفحل، وأشباهها، من البيوع التي جاء فيها نصوص خاصة، هي داخلة في النهى عن بيع الغرر، ولكن أُفردت بالذكر، وتُهي عنها؛ لكونها من بياعات الجاهلية المشهورة. والله أعلم. انتهى ((شرح مسلم)) ٣٩٦/١٠. وقال شيخ الإسلام ابن تيميّة رحمه اللّه تعالى: وأما الغرر، فالأصل في ذلك أن الله تعالى حرّم في كتابه أكل أموالنا بالباطل، وهذا يعمّ كلّ ما يؤكل بالباطل، والنبيّ وَّه نهى عن بيع الغرر، والغرر هو المجهول العاقبة، فمن أنواعه: بيع حَبَل الحَبّلة، وبيع الملاقيح، وبيع المضامين، وبيع الثمار قبل بدوّ صلاحها، وبيع الملامسة، والمنابذة، ونحو ذلك، من أنواعه، وصوره. والغرر ثلاثة أنواع: بيع المعدوم، كحبَل الحبّلة، وبيع المعجوز عن تسليمه، كالجمل الشارد. وبيع المجهول المطلق، أو المجهول الجنس، أو المجهول القدر. وقال أيضًارخص الشارع فيما تدعو الحاجة إليه من الغرر، كبيع العقار بأساسه، والحيوان الحامل، والثمرة بعد بُدُوّ صلاحها، وبيع ما المقصود منه مغيّب في الأرض، كالبصل، والفجل، ونحوهما قبل قلعه، وتختلف مشارب الفقهاء في هذا، فأبو حنيفة، والشافعيّ أشدّ الناس قولًا في الغرر، وأصول الشافعيّ المحرّمة أكثر من أصول أبي حنيفة، أما مالك، فمذهبه أحسن المذاهب في هذا، فإنه يجوّز بيع هذه الأشياء، وجميع ما تدعو الحاجة إليه، أو يَقِلّ غرره، فيجوز بيع المقائي جملة، وبيع المغيّبات في الأرض، كالجزر، والفجل، والبصل، ونحو ذلك، وأحمد قريب منه في ذلك، والناس محتاجون إلى هذه البيوع، والشارع لا يُحرّم ما يحتاج الناس إليه من البيع؛ لأجل نوع من الغرر، وهذا أصحّ الأقوال، وعليه يدلّ غالب معاملات السلف، ولا يستقيم أمر الناس في معاشهم إلا به، وكلّ من شدّد في تحريم ما يعتقده غررًا، فإنه لا بدّ أن يضطرّ إلى إجازة ما حرّمه الله، فإما أن يخرج عن مذهبه الذي يقلّده في هذه المسألة، وإما أن يحتال، ومفسدة التحريم لا تزول بالحيلة. انتهى. ((مجموع الفتاوى)) ٢٢٧/٢٩ و٤٨٦ . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله شيخ الإسلام رحمه الله تعالى من ترجيح مذهب مالك في جواز ما تدعو الحاجة إليه من الأشياء التي فيها الغرر هو ٢٤٧ == ٢٧ - (بَيْعُ الْحَصَاةِ) - حديث رقم ٤٥٢٠ الأرجح؛ لقوّة مدركه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي هريرة رضي هذا أخرجه مسلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٤٥٢٠/٢٧- وفي ((الكبرى)» ٦١٠٩/٢٦. وأخرجه (م) في ((البيوع)) ٢١٥١ (د) في ((البيوع)) ٣٣٧٦ (ت) في ((البيوع)) ١٢٣٠ (ق) في ((التجارات)) ٢١٩٤ (أحمد) في ((باقي مسند المكثرين)) ٧٣٦٣ و٨٦٦٧ و٩٣٤٥ و٩٣٧٥ و١٠٠٦٢ (الدارمي) في ((البيوع)) ٢٤٤١ و٢٤٥٠. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب . (المسألة الثالثة): مما يتعلّق بالغرر ما يسمى الآن بالتأمين التجاريّ، فأذكر هنا آراء العلماء من المعاصرين، وغيرهم: وتعريفه: هو عقدٌ يُلزِم أحد الطرفين، وهو المؤمّن -بالكسر - أن يؤدّي إلى الطرف الآخر، وهو المؤمّن له - بالفتح- عِوَضًا ماديًا، يُتّفق عليه، يُدفع عند وقوع الخطر، وتحقّق الخسارة المبيّنة في العقد، وذلك نظير رسم، يسمّى ((قسط التأمين))، يدفعه المؤمَّن له حسبما ينصّ عليه عقد التأمين، إذًا فالمتعاقدان هما: المؤَمِّن، شركةٌ، أو هيئةٌ، والمؤمَّن له، دافع أقساط التأمين. قال الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ: التأمين مخالف للشريعة الإسلامية؛ لما يشتمل عليه من أمور، هي: غرر، وجهالة، ومخاطرة، مما يكون من قبل أكل أموال الناس بالباطل، ويشبه الميسر؛ لأنه يستلزم المقامرة. وبالجملة فكلّ من تأمل هذا العقد وجده لا ينطبق على شيء من العقود الشرعيّة، ولا عبرة بتراضي الطرفين، ولكن العبرة بتراضيهما، إذا كانت معاملتهما قائمة على أساس من العدالة الشرعيّة. قرار هيئة كبار العلماء : أصدر مجلس هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية قرارًا عن التأمين التجاريّ برقم ٥٥ وتاريخ ١٣٩٧/٤/٤ هـ مطوّلًا، لا يتّسع المقام لنقله كله، بل نكتفي بنقل فقرات منه، فمن أراده فليرجع إليه، جاء فيه ما يلي: ١-عقد التأمين التجاريّ من عقود المعاوضات المالية الاجتماعيّة المشتملة على الغرر الفاحش، وقد نهى وَّر عن بيع الغرر. ٢٤٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع ٢-هو ضرب من ضروب المقامرة؛ لما فيه من المخاطرة في معاوضاة ماليّة، ومن الْغُرْم بلا جناية، ومن الْغُتْم بلا مقابل، أو مقابل غير مكافىء. ٣- من الرهان المحرّم الذي لم يُبَخ منه إلا ما فيه نصرة للإسلام، وقد حصر النبيّ وَّه الرهان في الخفّ، والحافر، والتصل، وليس التأمين من ذلك. اهـ ملخصًا. وأما مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلاميّ، فأصدر قرار برقم ٢ في دورته الثانية بجُذّة في ١٤٠٦/٦/١٠ هـ جاء فيه: إن عقد التأمين التجاريّ ذي القسط الثابت الذي تتعامل به شركات التأمين التجاريّ عقدٌ فيه غرر كبير، مفسد للعقد، ولذا فهو حرام شرعًا. أما مجلس المجمع الفقهيّ بمكة المكرّمة، فأصدر قرارًا برقم ٥ الذي جاء فيه ما يلي : بعد الدراسة الوافية، وتداول الرأي في ذلك قرر مجلس المجمع الفقهيّ بالإجماع عدا فضيلة الشيخ مصطفى الزرقاء تحريم التأمين التجاريّ بجميع أنواعه، سواء كان على النفس، أو البضائع التجاريّة، أو غير ذلك. فهذه هي المجامع العلميّة الفقهيّة الشرعيّة، حزّمت التأمين التجاريّ؛ لأنه باب كبير من أبواب الغرر. والمجالس الثلاثة كلها أجازت البديل الشرعيّ، وهو ((التأمين التعاونيّ))، فعبارة مجمع الفقه الإسلاميّ من منظمة المؤتمر الإسلاميّ هي: إن العقد البديل الذي يحترم أصول التعامل الإسلاميّ، هو عقد التأمين التعاونيّ القائم على أساس التبزع والتعاون. وقالت هيئة كبار العلماء في قرارها رقم (٥١) في ١٣٩٧/٤/٤هـ: إن التأمين التعاونيّ من عقود التبرعات التي يقصد بها أصالة التعاون على تفتيت الأخطار، والاشتراك في تحِمّل المسؤوليّة عند نزول الكوارث، وذلك عن طريق إسهام أشخاص بمبالغ نقديّة، تُخصّص لتعويض من يُصيبه ضرر، وإمكان الاكتفاء به عن التأمين التجاريّ. انتهى(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)). (١) انظر ما كتبه الشيخ البسّام في كتابه ((توضيح الأحكام، شرح بلوغ المرام» ٤٤٥/٣ - ٤٤٦. ٢٤٩ = ٢٨- (بَيْعُ الثَّمَرِ قَبَلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُه) - حديث رقم ٤٥٢١ ٢٨- (بَيْعُ الثَّمَرِ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهُ) قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: الثّمَرُ - بفتحتين-، والثَّمَرَة مثله، فالأول مذكّرٌ، ويُجمع على ثِمار، مثلُ جَبَل وجِبال، ثم يُجمع الثمارُ على ثُمُر مثلُ كتاب وكُتُب، ثم يُجمع على أثمار، مثلُ عُنُق وأَعناق. والثاني مؤنّث، والجمع ثَمَرَات، مثلُ قَصَبَة وقَصَبَات، والثمر: هو الْحَمْلُ الذي تُخرجه الشجرة، سواء أُكل، أو لا، فيقال: ثَمَر الأَراكِ، وثمر الْعَوْسَج، وثمرُ الدَّوْم، وهو الْمُقْلُ، كما يُقال: ثمر الخل، وثمر العِنَب. قال الأزهريّ: وأثمر الشجر: أطلعَ ثمر أوّلَ ما يُخرجه، فهو مُثْمِرٌ، ومن هنا قيل لِمَا لا نفع فيه: ليس له ثَمَرَة. قاله في ((المصباح)). وقوله: حتى يبدو((معنى (يبدو)): يَظَر، وهو بلا همز، قال النوويّ رحمه الله تعالى: ومما ينبغي أن يُنبّه عليه ما يقع في كثير من كتب المحدّثين، وغيرهم (حتى يبدوا)) بالألف في الخطّ، وهو خطأ، والصواب حذفها من مثل هذا للناصب، وإنما اختلفوا في إثباتها إذا لم يكن ناصبٌ، مثل زيدٌ يبدو، والاختيار حذفها أيضًا، ويقع مثله في ((حتّى يزهو))، وصوابه حذف الألف كما ذُكر. انتهى ((شرح مسلم)) ١/ ٤١٩. والله تعالى أعلم. ٤٥٢١- (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَِّ، قَالَ: ((لَا تَبِيعُوا الثَّمَرَ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهُ، فَّى الْبَائِعَ وَالْمُشْتَرِيَ))). رجال هذا الإسناد: أربعة : ١- (قتيبة) بن سعيد الثقفيّ، ثقة ثبت [١٠] ١/١ . ٢- (الليث) بن سعد الإمام المصريّ الثقة الثبت الفقيه [٧] ٣٥/٣١. ٣- (نافع) مولى ابن عمر المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت [٣] ١٢/١٢. ٤- (ابن عمر) عبد الله رضي الله تعالى عنهما ١٢/ ١٢. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من رباعيات المصنف رحمه الله تعالى، وهو (٢١٩) من رباعيات الكتاب. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه ما بين مصريين، ومدنيين. (ومنها): أن فيه ابن عمر رضي الله تعالى عنهما من العبادلة الأربعة، ٢٥٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوعِ والمكثرين السبعة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) رضي اللَّه تعالى عنهما (عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَّ ◌ِهِ، قَالَ: ((لَا تَبِيعُوا الثَّمَرَ) ذكر الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى سبب هذا النهي، فقال في ((صحيحه)) ٢/ ٧٦٥: وقال الليث، عن أبي الزناد، كان عروة بن الزبير، يحدث عن سهل بن أبي حثمة الأنصاري، من بني حارثة، أنه حدثه عن زيد بن ثابت، رضي الله عنه، قال: كان الناس في عهد رسول اللّه وَّر، يتبايعون الثمار، فإذا جَدَّ الناسُ وحضر تقاضيهم، قال المبتاع: إنه أصاب الثمر الدُّمَان، أصابه مِرَاضٌ، أصابه قُشَام(١)، عاهات، يحتجون بها، فقال رسول اللّه وَّل، لَمّا كثرت عنده الخصومة في ذلك، فإِمّا لا، فلا تتبايعوا حتى يبدو صلاح الثمر، كالمشورة، يشير بها؛ لكثرة خصومتهم. انتهى. قال في ((الفتح)): قال الداودي الشارح: قول زيد بن ثابت: ((كالمشورة يشير بها عليهم))، تأويل من بعض نقلة الحديث، وعلى تقدير أن يكون من قول زيد بن ثابت، فلعل ذلك كان في أول الأمر، ثم ورد الجزم بالنهي، كما بينه حديث ابن عمر وغيره. انتهى ((فتح)) ١٤٣/٥. (حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهُ) قد جاء عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما تفسير بدوّ صلاحه، ففي رواية مسلم من طريق شعبة، عن عبد الله بن دينار: فقيل لابن عمر: ما صلاحه؟ قال تذهب عاهته. و((العاهة)): الآفة. قال في ((الفتح)) ١٤١/٥: والمعنى فيه أن تُؤمن فيها العاهة، وتغلب السلامة، فَيَثِقَ المشتري بحصولها، بخلاف ما قبل بدو الصلاح، فإنه بصدد الغرر، وقد أخرج مسلم (٢) الحديث، من طريق أيوب، عن نافع، فزاد في الحديث: ((حتى يأمن العاهة))، وفي رواية يحيى بن سعيد، عن نافع، بلفظ: ((وتذهب عنه الآفة، يبدو صلاحه، حمرته، وصفرته))، وهذا التفسير من قول ابن عمر، بينه مسلم، في روايته من طريق شعبة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، فقيل لابن عمر: ما صلاحه؟ قال: تذهب عاهته. انتهى. (١) ((الدمان)) بفتح الدال، وضمها: فساد الطلع، وتعفّنه. و((المراض)) بكسر الميم، وضمها: داء يقع في الثمرة، فتهلك. و((القشام)) بضم القاف، ومعجمة مخفّفة: أن ينقص ثمر النخل قبل أن يصير بَلْحًا. وقيل: هو أكال يقع في الثمر. (٢) سيأتي للنسائيّ بهذا الزيادة في ٤٥٥٣/٤٠- بلفظ: ((أن رسول اللَّه وَّل نهى عن بيع النخلة حتّى تزهو، وعن السنبل حتى يبيض، ويأمن العاهة، نهى البائع والمشتري)). ٢٨- (بَيْعُ الثَّمَرِ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُه) - حديث رقم ٤٥٢١ ٢٥١ == وقال الحافظ وليّ الدين رحمه الله تعالى: قال أصحابنا بدوّ الصلاح بظهور النّضج، ومبادىء الحلاوة، وزوال العُفُوصة(١)، أو الحموضة المفرطتين، وذلك فيما لا يتلوّن بأن يتموّه، ويَلين، وفيما يتلوّن بأن يَحمرّ، أو يصفرّ، أو يسود، قالوا: وهذه الأوصاف، وإن عُرف بها بدوّ الصلاح، فليس واحد منها شرطًا فيه؛ لأن القثّاء لا يُتصوّر فيه شيء منها، بل يُستطاب أكله صغيرًا وكبيرًا، وإنما بدوّ صلاحه أن يكبر، بحيث يُجنى في الغالب، ويؤكل، وإنما يؤكل الصغير على الندور، وكذا الزرع لا يُتصوّر فيه شيء منها باشتداد الحبّ. وقال البغويّ: بيع أوراق التوت قبل تناهيها لا يجوز إلا بشرط القطع، وبعده يجوز مطلقًا، وبشرط القطع. والعبارة الشاملة أن يُقال: بدوّ الصلاح في هذه الأشياء صيرورتها إلى الصفة التي تطلب غالبًا لكونها على تلك الصفة. انتهى ((طرح)) ١٢٩/٦. وقوله (نََّى الْبَائِعَ وَالْمُشْتَرِيَ))) قال وليّ الدين: تأكيد لما فيه من بيان أن البيع، وإن كان فيه مصلحة الإنسان، فليس له أن يرتكب المنهيّ عنه فيه، ويقول: أسقطتُ حقّي من اعتبار المصلحة، فإن المنع لمصلحة المشتري؛ لأن الثمار قبل بُدُوّ الصلاح مُعَرَّضةٌ الطوارىء العاهات عليها، فإذا طرأ عليها شيء منها حصل الإجحاف للمشتري في الثمن الذي بذله، فنهى الشرع المشتري، كما نهى البائع، وكأنه قطع بذلك النزاع، والتخاصم. انتهى ((طرح)) ببعض تصرّف. وقال في ((الفتح)) ١٤١/٥: أما البائع؛ فلئلا يأكل مال أخيه بالباطل، وأما المشتري؛ فلئلا يَضِيع ماله، ويساعد البائع على الباطل، وفيه أيضا قطع النزاع والتخاصم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث ابن عمر رضي اللَّه تعالى عنهما هذا متفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٤٥٢١/٢٨ و٤٥٢٢ و٤٥٢٣ و٤٥٢٤ و٤٥٥٣/٤- وفي ((الكبرى)) ٦١١٠/٢٧ و٦١١١ و٦١١٢ و٦١١٣ و٦١٤٣/٤٠. وأخرجه (خ) في ((الزكاة)) ١٤٨٦ و((البيوع)) ٢١٧١ و٢١٧٣ و٢١٨٤ و٢١٨٨ و٢١٩٣ و٢١٩٤ و٢٢٠٥ و((المساقاة)) ٢٣٨٠ (م) في ((البيوع)) ١٥٣٤ و١٥٣٥١٥٣٩ (د) في ((البيوع)) ٣٣٦٧ و٣٣٦٨ (ت) في (١) يقال: طعام عَفِصٌ: فيه تَقَبُّض. = ٢٥٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع ((البيوع)) ١٢٢٦ و١٢٢٧ (ق) في ((التجارات)) ٢٢١٤ (أحمد) في ((مسند المكثرين)) ٤٤٧٩ و٤٥١١ و٤٨٥٤ و٤٩٢٤ و٤٩٧٨ و٥٠٤٠ و٥١١٢ و٥٢٥١ (الموطأ) في ((البيوع)) ١٣٠٣ (الدارمي) في ((البيوع)) ٢٤٤٢. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في هذا الحديث النهي عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها، وهذا يشتمل ثلاثة أوجه : [أحدها]: بيعها بشرط القطع، وهذا صحيح، وقد حكى غير واحد الإجماع عليه، منهم النووي، فخصّ النهي بالإجماع، لكن ذهب ابن حزم إلى منع البيع في هذه الصورة أيضًا، قال: وممن منع بيع الثمرة مطلقًا، لا بشرط القطع، ولا بغيره سفيان الثوريّ، وابن أبي ليلى. انتهى. وهذا يقدح في دعوى الإجماع. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: سيأتي ٤٥٢٨/٢٩- ترجيح المصنّف القول بجواز البيع بشرط القطع، حيث يقول: ((شراء الثمار قبل أن يبدو صلاحها، على أن يقطعها، ولا يتركها إلى أوان إدراكها)). والله تعالى أعلم قال وليّ الدين: قال أصحابنا: فلو شرط القطع، ثم لم يقطع، فالبيع باق على صحّته، ويُلزمه البائع بالقطع، فإن تراضيا على إبقائه جاز، قالوا: وإنما يجوز البيع بشرط القطع، إذا كان المقطوع منتفعًا به، فإن لم تكن فيه منفعة، كالجوز، والكُمْثرى، لم يصحّ بيعه بشرط القطع. [الحالة الثانية] : بيعها بشرط التبقية، وهذا باطلٌ بالإجماع؛ لأنه ربّما تَلِفِت الثمرة قبل إدراكها، فيكون البائع قد أكل مال أخيه بالباطل، كما جاءت به الأحاديث، فإذا شُرط القطع، فقد انتفى هذا الضرر. وعلّله الحنفيّة بأنه شرط لا يقتضيه العقد، وهو شُغل ملك الغير، وبأنه جمع بين صفقتين، وهو إعارة، أو إجارة في بيع. [الحالة الثالثة] : بيعها مطلقًا، من غير شرط قطع، ولا تبقية، ومقتضى الحديث في هذه الحالة البطلان، وبه قال الشافعيّ، وأحمد، وجمهور العلماء، من السلف، والخلف. وذهب أبو حنيفة إلى الصحة، وعن مالك قولان، كالمذهبين. وأجاب الحنفيّة عن هذا الحديث بجوابين: (أحدهما): أن المراد به بيع الثمار قبل أن توجد، وتُخلق، فهو كالحديث الوارد في النهي عن بيع السنين. وردّ عليهم بأن هذا مخالف لتفسير الصحابي بدوّ الصلاح في الحديث بأنه صفرته، وحمرته، وبأنه صلاحه للأكل منه، وبأنه ذهاب عاهته، وبأن ذلك عند طلوع الثُّرَيّا: أي مقارنته للفجر. ورُوي عن عطاء، عن أبي هريرة رَميِ، مرفوعًا: ((إذا طلع النجم صباحًا رُفعت العاهات عن أهل البلد، والنجم الثريّا))، والمراد - كما قال بعضهم -: في = ٢٥٣ ٢٨ - (بَيْعُ الثَّمَرِ قَبَلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُه) - حديث رقم ٤٥٢١ الحجاز خاصّة؛ لشدّة حرّه. قال البيهقيّ رحمه اللَّه تعالى في ((المعرفة)): وقد حمل بعض من يدّعي تسوية الأخبار على مذهبه هذه الأخبار على بيع الثمار قبل أن تكون، واستدلّ عليه بما روينا عن نهيه عن بيع السنين، وما ورد في معناه، وقد عرفنا بتلك الأخبار نهيه عن بيع الثمار قبل أن تكون، وعرفنا بهذه الأخبار نهيه عن بيعها مطلقًا، إذا كانت ما لم يبدُ فيها الصلاح، ألا تراه عّق المنع بغاية توجد بعد أن تكون الثمار بمدّة، فقال: ((حتى تزهو))، وقال في حديث جابر رَّه: ((حتى تُشْقِح))، قيل: وما تُشقح؟ قال: تحمار، أو تصفارّ، ويؤكل منها، وقال في رواية أخرى، عن جابر: ((حتى تَطِیب)) . وفي ذلك دلالة على أن حكم الثمار بعد بُدُوّ الصلاح فيها في البيع خلاف حكمها قبل أن يبدو الصلاح فيها، فيجوز بيعها بعد بُدُوّ الصلاح فيها مطلقًا، ولا يجوز قبله إلا بشرط القطع. انتهى ((المعرفة)) ٣٢٣/٤ -٣٢٤. (الجواب الثاني): أن النهي فيها ليس للتحريم، وإنما هو على سبيل التنزيه، والأدب، والمشورة عليهم؛ لكثرة ما كانوا يختصمون إليه فيه. وهذا مردود عليهم بأن الأصل في النهي التحريم، حتى يصرفه عن ذلك صارفٌ. وقد وافق بعضُ الحنفيّة الجمهور على بطلان البيع قبل بدوّ الصلاح من غير شرط؛ اتّباعا للحديث، وإليه ذهب قاضي خان. أفاده في ((طرح التثريب)) ١٢٥/٦- ١٢٧. وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: وهل ذلك النهي محمول على ظاهره من التحريم، وهو مذهب الجمهور، أو على الكراهة، وهو مذهب أبي حنيفة، وعليه فلو وقع بيع الثمرة قبل أن يبدو صلاحها، فسخه الجمهور، وصححه أبو حنيفة، إذا ظهرت الثمرة، وبناه على أصله في ردّ أخبار الآحاد للقياس، والصحيح مذهب الجمهور؛ للتمسّك بظاهر النهي، ولقوله ◌َّر: ((أرأيت إن منع اللَّه الثمرة، بم يأكل أحدكم مالَ أخيه بغير حقّ؟))، وهذا يدلّ على أن بيعها قبل بدوّ صلاحها من أكل المال بالباطل؛ ولأنه غرر، وبيع الغرر مُحرّم. انتهى ((المفهم)) ٣٨٨/٤. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الذي قاله القرطبيّ رحمه الله تعالى، من ترجيح مذهب الجمهور في تحريم بيع الثمرة قبل بدو صلاحها، وبطلان البيع فيه، هو الحقّ الذي يجب التمسّك به، ورفض ما عداه ممن يعارض النصوص الصحيحة الصريحة لمخالفتها القياس، لأن القياس في مقابلة النصّ هباءً منثور، ولقد أجاد من قال، وأحسن في المقال [من الوافر]: إِذَا جَالَتْ خُيُولُ النَّصْ يَوْمًا تُجَارِي فِي مَيَادِينِ الْكِفَاحِ ٢٥٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوعِ غَدَتْ شُبّهُ الْقِيَاسِيْينَ صَرْعَى تَطِيرُ رُؤُوسُهُنَّ مَعَ الرِّيَاحِ والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): قال وليّ الدين رحمه الله تعالى: حمل الفقهاء من المذاهب الأربعة المنع من بيع الثمرة قبل بدو الصلاح على ما إذا باعها مفردة عن الأشجار، فإن باعها مع الأشجار صحّ مطلقًا، من غير شرط القطع، بل قال أصحابنا: لا يجوز شرط القطع في هذه الصورة، وأنكر ذلك ابن حزم، وأبشع في إنكاره، وهو مردود، والحقّ ما قاله الجمهور، وأيّ معنى للقطع، والأشجار ليست باقية للبائع، بل هي مبيعة للمشتري. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): مقتضى قوله: ((حتى يبدو صلاحها»: جواز بيعها بعد بُدُوّ الصلاح مطلقا، سواء اشترط الإبقاء، أم لم يشترط؛ لأن ما بعد الغاية مخالف لما قبلها، وقد جعل النهي ممتدا إلى غاية بدو الصلاح. وإلى الفرق بين ما قبل ظهور الصلاح، وبعده، ذهب الجمهور، وعن أبي حنيفة إنما يصح بيعها في هذه الحالة، حيث لا يشترط الإبقاء، فإن شرطه لم يصح البيع. وحكى النووي في ((شرح مسلم)) عنه أنه أوجب شرط القطع، في هذه الصورة. وتعقب بأن الذي صرح به أصحاب أبي حنيفة، أنه صحح البيع حالة الإطلاق، قبل بدو الصلاح وبعده، وأبطله بشرط الإبقاء قبله وبعده، وأهل مذهبه أعرف به من غيرهم. انتهى ((الفتح)) ١٤١/٥ - ١٤٢. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): اختلف السلف في قوله: ((حتى يبدو صلاحها))، هل المراد به جنس الثمار، حتى لو بدا الصلاح في بستان، من البلد مثلا، جاز بيع ثمرة جميع البساتين، وإن لم يبد الصلاح فيها، أو لا بد من بدو الصلاح في كل بستان، على حِدَةٍ، أو لا بُدّ من بدو الصلاح في كل جنس على حدة، أو في كل شجرة على حدة، على أقوال: [الأول]: قول الليث، وهو عند المالكية بشرط أن يكون الصلاح متلاحقا. [والثاني] : قول أحمد، وعنه رواية كالرابع. [والثالث] : قول الشافعية، ويمكن أن يؤخذ ذلك من التعبير ببدوّ الصلاح؛ لأنه دال على الاكتفاء بمسمى الإزهاء، من غير اشتراط تكامله، فيؤخذ منه الاكتفاء، بزهو بعض الثمرة، وبزَهْو بعض الشجرة، مع حصول المعنى، وهو الأمن من العاهة، ولولا حصول المعنى، لكان تسميتها مُزهية بإزهاء بعضها، قد لا يكتفي به؛ لكونه على خلاف الحقيقة، وأيضا فلو قيل بإزهاء الجميع؛ لأدّى إلى فساد الحائط، أو أكثره، وقد مَنّ اللَّه تعالى بكون الثمار، لا تطيب دفعة واحدة؛ ليطول زمن التفكه بها. قاله في ((الفتح)) ١٤٢/٥. ٢٥٥ ٢٨- (بَیْعُ الثَّمَرِ قبلَ أنْ یَدُوَ صَلَاحُه) - حدیث رقم ٤٥٢٤ قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أرجح الأقوال ما ذهب إليه أحمد رحمه الله تعالى، وهو أنه لابدّ من بُدُوِّ الصلاح في كل بستان على حِدَةٍ؛ لكونه أقرب لظاهر النصّ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٥٢٢- (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَّ: (نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ، حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهُ))). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة . و((سفيان)): هو ابن عيينة. والحديث متّفق عليه، وقد سبق شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٥٢٣- (أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدٌ، وَأَبُو سَلَمَةَ، أَنَّ أَبَا هَرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بَلِّ: ((لَا تَبِيعُوا الثَّمَرَ، حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهُ، وَلَا تَبْتَاعُوا الثَّمَرَ بِالتَّمْرِ))، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: حَدَّثَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ: ((أَنَّ رَسُولَ اللّهِ بَلَّ، فَهَى عَنْ مِثْلِهِ سَوَاءٌ))). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا السند تقدّم قبل أبواب، و(سعيد)): هو ابن المسيّب. وقوله: ((قال ابن شهاب)) موصول بالإسناد السابق، وليس معلّقًا. وقوله: ((ولا تبتاعوا الثمر بالتمر)) الأول بالثاء المثلّثة، والثاني بالمثناة الفوقانيّة: أي لا تشتروا الرَّطْب باليابس منه، وهو بمعنى المزابنة في الرواية الآتية. والحديث أخرجه المصنّف هنا - ٤٥٢٣/٢٨- وفي ((الكبرى)) ٦١١٢/٢٧ وأخرجه(م) في (البيوع)) ٣٨٥٤ (ق) في ((التجارات)) ٢٢١٥ . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٥٢٤- (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَخْلَدُ بْنُ يَزِيدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَنْظَلَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ طَاؤُسًا، يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، يَقُولُ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللّهِ وَ، فَقَالَ: ((لَا تَبِيعُوا الثَّمَرَ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهُ))). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده، وهو حرّانيّ، ثقة. [١١] ٩٣٢/٢٢. و ((مخلد بن يزيد)): هو الحرّانيّ، صدوق له أوهام، من كبار [٩] ٢٢٢/١٤١. و((حنظلة)): هو ابن أبي سفيان الْجُمَحيّ المكيّ الثقة الثبت [٦] ١٢/١٢. = ٢٥٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق بيانه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٥٢٥- (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ جُرَيْج، عَنْ عَطَاءٍ، سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ وَِّ، أَنَّهُ نََّى عَنِ الْمُخَابَرَةِ، وَالْمُزَابَةٍ، وَالْمُحَاقَلَةِ، وَأَنْ يُبَاعَ الثَّمَرُ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهُ، وَأَنْ لَا يُبَاعَ إِلَّا بِالدَّتَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ، وَرَخَّصَ فِي الْعَرَايَا))). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهَم رجال الصحيح، غير شيخه، وهو الْجواز المكيّ ثقة [١٠]. و ((سفيان)): هو ابن عيينة. و((عطاء)): هو ابن أبي رباح. وقوله: ((عن المخابرة)): هي المزارعة ببعض ما يخرج من الأرض. وقال في ((النهاية)) ٢/ ٧ -: قيل: هي المزارعة على نصيب معيّن، كالثلث، والربع، وغيرهما، والْخُبْرة: النصيب. وقيل: هو من الْخَبّار: الأرضِ اللينة. وقيل: أصل المخابرة من خيبر؛ لأن النبيّ وَلّ أقرّ أهلها على النصف من محصولها، فقيل: خابرهم: أي عاملهم في خيبر. انتهى. وقد تقدّم تمام البحث فيه في ((كتاب المزارعة)). وقوله: ((والمزابنة)»: هي بيع الرُّطَب في رؤوس النخل بالتمر، وأصله من الزبن، وهو الدفع، كأن كلّ واحد من المتبايعين يَزْبِن صاحبه عن حقّه بما يزداد منه. قاله في ((النهاية)) ٢٩٤/٢ . وقوله: ((والمحاقلة)): قال أبو عبيد: هو بيع الطعام في سنبله بالبرّ، مأخوذ من الحقل. وقال الليث: الحَقْلُ: الزرع، إذا تشعّب من قبل أن يغلُّظ سُوقه، والمنهيّ عنه بيع الزرع قبل إدراكه. وقيل: بيع الثمرة قبل بدو صلاحها. وقيل: بيع ما في رؤوس النخل بالتمر. وعن مالك: هو كراء الأرض بالحنطة، أو بكيل طعام، أو إدام، والمشهور أن المحاقلة كراء الأرض ببعض ما تُنبت. وقوله: ((وأن لا يباع إلا بالدنانير، والدراهم)) أي لايباع الثمر إلا بالدنانير، والدارهم، يعني أنه لا يجوز بيع الرطب بالتمر، والعنب بالزبيب، لشبهة الربا، وإنما يباع بالدنانير، والدراهم. قال ابن بطال رحمه الله تعالى: إنما اقتصر على الذهب والفضّة؛ لأنهما جلّ ما يتعامل به الناس، وإلا فلا خلاف بين الأمّة في جواز بيعه بالعروض - يعني بشرطه -. قاله في ((الفتح)) ١٣١/٥. وقال النوويّ رحمه الله: اتفق العلماء على تحريم بيع الرطب بالتمر في غير العرايا، وأنه ربا، وأجمعوا أيضا على تحريم بيع العنب بالزبيب. وأجمعوا أيضًا على تحريم بيع ٢٨- (بَيْعُ الثَّمَرِ قَبَلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُه) - حديث رقم ٤٥٢٧ ٢٥٧ === الحنطة في سنبلها بحنطة صافية، وهي المحاقلة، مأخوذة من الحقل، وهو الحرث، وموضع الزرع، وسواء عند الجمهور كان الرطب، والعنب على الشجر، أو مقطوعًا. وقال أبو حنيفة: إن كان مقطوعًا جاز بيعه بمثله من اليابس. انتهى. وقوله: ((ورخّص في العرايا)): جمع عريّة، كعطيّة وعطايا، يعني أنه أجاز بيع الرطب فيها بعد أن يُخرَص، ويُعرف قدره بقدر ذلك من الثمر، كما سيأتي البحث فيه بعد خمسة أبواب، إن شاء الله تعالى. والحديث متفقٌ عليه، وقد تقدّم تمام شرحه، وبيان مسائله في ((كتاب المزارعة)) ٣٩٠٦/٤٥ . فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٥٢٦- (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُفَضَّلُ، عَنِ ابْنِ جُرَيْج، عَنْ عَطَاءٍ، وَأَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ: ((أَنَّ النَِّيَّ نََّهِ نََّى عَنِ الْمُخَابَرَةِ، وَالْمُزَابَةِ، وَالْمُحَاقَلَةِ، وَبَيْعِ الثَّمَرِ حَتَّى يُطْعِمَ، إِلَّ الْعَرَايَا))). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا. و((المفضّل)): هو ابن فَضَالة بن عبيد القِتبانيّ، أبو معاوية المصريّ، ثقة فاضل عابد [٨] ٥٨٦/٤٢ . وقوله: ((حتى يُطعم)) بضم أوله، مبنيًّا للفاعل من الإطعام: أي يصلح للأكل، يقال : أطعمت الشجرة بالألف: إذا أدرك ثمرها. قاله الفيوميّ. وقوله: ((إلا العرايا)) ظاهره أنه استثناء عن الأخير، وليس كذلك، بل هو استثناء من الأول، بدليل الروايات الأخرى، فتنبه. والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق بيانه في الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٥٢٧- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، قَالَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: نَّى رَسُولُ اللَّهِ وََّ، عَنْ بَيْعِ النَّخْلِ، حَتَّى يُطْعِمَ))). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهمَ رجال الصحيح، وتقدّموا. و((خالد)): هو ابن الحارث الْهُجَيميّ. و((هشام)): هو الدستوائيّ. وقوله: ((عن بيع النخل)) المراد ثمرها، فهو بمعنى قوله في الرواية التي قبل هذا: ((وبيع الثمر حتى تُطعم)). والحديث متفقٌ عليه، كما سبق بيانه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)). ٢٥٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع ٢٩- (شِرَاءُ الثَّمَارِ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهَا عَلَى أَنْ يَقْطَعَهَا، وَلَا يَتْرُكَهَا إِلَى أَوَانِ إِذْرَاكِهَا) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أشار المصنف رحمه الله تعالى بهذه الترجمة إلى ترجيح القول بجواز بيع الثمار قبل بدوّ صلاحها، إن شرط القطع، وأن النهي محمول على غير ذلك، وهو قول الجمهور، كما سيأتي بيانه في المسائل، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب. ٤٥٢٨ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ، وَاللَّفْظُ لَهُ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ حُمَيْدِ الطَّوِيلِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَِّ ، فَى عَنْ بَيْعَ الثَّمَارِ، حَتَّى تُزْهِيَ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا تُزَهِيَ؟ قَالَ: ((حَتَّى تَحَمَزَ))، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((أَرَأَيْتَ إِنْ مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ، فَبِمَ يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١- (محمد بن سلمة) المرادي المصريّ، ثقة [١١] ٢٠/١٩. ٢- (الحارث بن مسكين) المذكور في الباب الماضي. ٣- (ابن القاسم) عبد الرحمن العتقيّ المصري، ثقة فقيه، من كبار [١٠] ٢٠/١٩. ٤- (مالك) بن أنس المذكور الإمام المدنيّ الحجة الثبت [٧] ٧/ ٧ . ٥- (حميد الطويل) ابن أبي حميد البصريّ، ثقة يدلّس [٥] ١٠٨/٨٧. ٦- (أنس بن مالك) رضي اللَّه تعالى عنه ٦/٦ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه الحارث، فقد تفرد به هو وأبو داود. (ومنها): أن فيه أنسًا من المكثرين السبعة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ) رضي اللَّه تعالى عنه (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ، نََّى عَنْ بَيْعِ الثَّمَارِ) أي على الأشجار (حَتَّى تُزْهِيَ) بضم أوله، من أزهى: أي تحمرّ، أو تصفّرَ، قال في ((الفتح)): قال الخطابيّ: هذه الرواية هي الصواب، فلا يُقال في النخل: تزهو، إنما ٢٩ - (شِرَاءُ الثَّمَارِ قَبَلَ أَنْ يَبْدُوَ ... - حديث رقم ٤٥٢٨ ٢٥٩ === يقال: تُزهي، لا غير، وأثبت غيره ما نفاه، فقال: زها: إذا طال، واكتمل، وأزهى إذا احمرّ، واصفرّ. انتهى. وقال المجد في ((القاموس)): زها النخلُ: طال، كأزهى، وزهى البُسْر: تلوّن، كأزهى، وزَهَّى. انتهى. وقال الفيّوميّ في ((المصباح)): زها النخل يزهو زَهْوَا، والاسم الزُّهُوُ بالضمّ: ظهرت الحمرة، والصُّفرة في ثمره. وقال أبو حاتم: وإنما يُسمّى زَهْوَا: إذا خَلَصَ لون الْبُسْرة في الحمرة، أو الصفرة. ومنهم من يقول: زها النخل: إذا نبت ثمره، وأزهى: إذا احمر، أو اصفرّ. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذكره صاحبا ((القاموس))، و((المصباح)) أن ما نفاه الخطّابِيّ ثابت لغةً، وليس غلطًا، فيقال: زها النخل، وأزهى، وزهى: إذا احمر، أو اصفرَ. والله تعالى أعلم. (قِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ) هذا صريح في أن التفسير مرفوع، لكن ثبت في رواية البخاريّ عن حميد: ((قلنا لأنس: ما زهوها؟ قال: تحمرّ))، ولمسلم من هذا الوجه: ((فقلت لأنس))، وكذلك رواه أحمد عن يحيى القطّان، عن حميد، لكن قال: ((قيل لأنس: ما تزهو؟)). ولا تعارض بينهما؛ لأنه يجوز أن يرويه أنس رَنّ مرفوعًا أحيانًا، ويُسْأَل عنه أحيانًا فيفسّره، دون أن يرفعه. والله تعالى أعلم. (وَمَا تُزْهِيَ؟) أي ما المراد به (قَالَ) وَِّ (حَتَّى تَحَمَرَّ) أي المعنى أنها لا تباع إلى أن يظهر احمرارها. وفي حديث جابر ◌َّه عند البخاريّ من طريق سعيد بن ميناء، عنه: (نهى النبيّ وَّر أن تباع الثمرة حتى تُشْقِحَ، فقيل: وما تشقح؟ قال: تحمار، وتصفارّ، ويؤكل منها. و(«تشقح)) بضم أوله، من الإشقاح رباعيا، يقال: أشقح ثمر النخل إشفاحًا: إذا احمرّ، أو اصفرّ، والاسم الشُّقْحُ بضم المعجمة، وسكون القاف، بعدها مهملة، وذكره مسلم من وجه آخر، عن جابر، بلفظ: ((حتى تُشْقِهَ))، فأبدل من الحاء هاء؛ لقربها منها . وقوله: فقيل: وما تشقح؟ هذا التفسير من قول سعيد بن ميناء، راوي الحديث، بيّن ذلك أحمد في روايته، لهذا الحديث، عن بهز بن أسد عن سَلِيم بن حَيّان أنه هو الذي سأل سعيد بن ميناء عن ذلك، فأجابه بذلك، وكذلك أخرجه مسلم، من طريق بهز، وأخرجه الإسماعيلي من طريق عبد الرحمن بن مهدي، عن سَليم بن حيان، فقال في ٢٦٠ = شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوعِ روايته: قلت لجابر: ((ما تشقح الخ))؟ فظهر أن السائل عن ذلك، هو سعيد، والذي فسره هو جابر، وقد أخرج مسلم الحديث، من طريق زيد بن أبي أنيسة، عن أبي الوليد، عن جابر مُطَوّلًا، وفيه: ((وأن يشتري النخل، حتى يُشقه، والإشقاه: أن يحمرّ، أو يصفرّ، أو يؤكل منه شيءٍ))، وفي آخره: فقال زيد: فقلت لعطاء: أسمعت جابرا يذكر هذا، عن النبي وَّه قال: نعم، وهو يحتمل أن يكون مراده بقوله: هذا جميع الحديث، فيدخل فيه التفسير، ويحتمل أن يكون مراده أصل الحديث، لا التفسير، فيكون التفسير من كلام الراوي، وقد ظهر من رواية ابن مهدي، أنه جابر، والله أعلم. ومما يقوي كونه مرفوعا، وقوع ذلك في حديث أنس أيضا - يعني حديث الباب -. وفيه دليل على أن المراد بُبُدُوّ الصلاح، قدر زائد على ظهور الثمرة، وسبب النهي عن ذلك خوف الغرر؛ لكثرة الجوائح فيها، وقد بَيّن ذلك في حديث أنس المذكور في هذا الباب، فإذا احمرت، وأُكل منها، أَمِنت العاهة عليها، غالبا. وقوله: ((تحمار، وتصفارّ)): قال الخطابي: لم يُرد بذلك اللون الخالص من الصفرة والحمرة، وإنما أراد حمرة أو صفرة بكُمُودة، فلذلك قال: ((تحمار، وتصفار))، قال: ولو أراد اللون الخالص لقال تَحَمَرّ، وتَصفَرّ. وقال ابن التين: التشقيح: تغير لونها إلى الصفرة والحمرة، فأراد بقوله: ((تحمار، وتصفارّ))، ظهور أوائل الحمرة والصفرة، قبل أن تشبع، قال: وإنما يقال: تفعال في اللون الغير المتمكن، إذا كان يتلون، وأنكر هذا بعض أهل اللغة، وقال: لا فرق بين تحمرّ وتصفر، وتحمار وتصفار. ويحتمل أن يكون المراد المبالغة في احمرارها واصفرارها، كما تقرر أن الزيادة تدل على التكثير والمبالغة. أفاده في ((الفتح)) ٥/ ١٤٢ - ١٤٣. (وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((أَرَأَنْتَ إِنْ مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ) أي من الإدراك، وفي رواية البخاريّ: ((إذا منع اللّه الثمرة)). وقال القرطبيّ: أي إذا منع تكاملها، وطيبها؛ لأن الثمرة قد كانت موجودة، مُزهية حين البيع، كما قال في الرواية الأخرى: ((إن لم يُثمرها اللَّه)): أي لم يُكمل ثمرتها. انتهى. (فَبِمَ) أي بايّ وجه، أي في مقابلة أيّ شيءٍ (يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ) أي الثمن الذي يدفعه في مقابلة هذه الثمرة التالفة، يعني أنه لو تَلِفَت الثمرة، لا نتَفَى في مقابلتها العوضُ، فكيف يأكله بغير عوض. قال السنديّ رحمه الله تعالى: وهذه العلّة إنما توجد إذا لم يشترط القطع، ومنه أخذ المصنّف جواز البيع قبل بُدُوّ الصلاح بشرط القطع. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.