Indexed OCR Text
Pages 121-140
١٢١ ٦- (الْخَلِفُ الْوَاجِبُ لِلْخَدِيعَةِ فِي البَيْع) - حديث رقم ٤٤٦٤ الصلوات كلّها، كانت الوسطى بذلك أولى، وحقها في ذلك أكثر، وأوفى، فمن اجترأ بعدها على اليمين الغموس التي يأكل بها مال الغير، كان إثمه أشدّ، وقلبه أفسد. والله تعالى أعلم. قال: وهذا الذي ظهر لي أولى مما قاله القاضي أبو الفضل، فإنه قال: إنما كان ذلك لاجتماع ملائكة الليل وملائكة النهار في ذلك الوقت؛ لوجهين: [أحدهما]: أن هذا المعنى موجود في صلاة الفجر؛ لأن النبيّ وَّر قال: ((يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل، وملائكة بالنهار، ثم يجتمعون في صلاة العصر، وصلاة الفجر))، متّفقٌ عليه، وعلى هذا فتبطل خصوصيّة العصر؛ لمساواة الفجر لها في ذلك. [وثانيهما]: أن حضور الملائكة، واجتماعهم إنما في حال فعل هاتين الصلاتين، لا بعدهما، كما قد نصّ عليه في الحديث، حين قال: ((يجتمعون في صلاة الفجر، وصلاة العصر، وتقول الملائكة: أتيناهم، وهم يصلّون، وتركناهم، وهم يصلّون))، وهذا يدلّ دلالة واضحةً على أن هؤلاء الملائكة لا يشاهدون من أعمال العباد إلا الصلوات فقط، وبها يشهدون، فتدبّر ما ذكرته، فإنه الأنسب الأسلم. والله تعالى أعلم. انتهى ((المفهم)) ٣٠٧/١-٣٠٨ . (فَحَلَفَ لَهُ بِاللَّهِ، لَقَدْ أُعْطِيَ بِهَا كَذَا وَكَذَا) بضمّ همزة (أُعطي))، وكسر الطاء، مبنيًّا للمفعول: أي أعطاه غيره ثمنًا معيّنًا، ويجوز أن يكون مبنيًّا للفاعل، والضمير للحالف: أي دفع هو ثمنًا معيّنًا، ورجّح في ((الفتح)) ١١٤/١٥ - هذا الثاني، قال: ووقع في رواية عبد الواحد بلفظ: (لقد أعطيتُ بها))، وفي رواية أبي معاوية: ((فحلف له باللّه لأخذها بكذا»: أي لقد أخذها. وفي رواية عمرو بن دينار، عن أبي صالح: «لقد أعطى بها أكثر مما أُعطي))، بفتح الهمزة والطاء، وفي بعضها بضمّ أوله، وكسر الطاء، والأول أرجح. انتھی . = ثبت في الأحاديث الصحيحة من أن الصلاة مكفّرة للذنوب، فكيف تكون مكفّرة، ويزداد بها بعدًا؟ هذا مما لا يُعقل، ثم قال: وحمل الحديث على المبالغة والتهديد ممكن على اعتبار أنه موقوف على ابن عباس، أو غيره، وأما على أنه من كلامه وَ لّر فهو بعيد عندي . - والله أعلم -. قال: ويشهد لذلك ما ثبت في البخاريّ أن رجلا أصاب من امرأة قبلة، فذكر ذلك للنبيّ وَّر، فأنزل الله تعالى: ﴿إن الحسنات يذهبن السيّات﴾. انتهى مختصرًا. وقال شيخ الإسلام ابن تيميّة رحمه الله تعالى: هذا الحديث ليس بثابت عن النبيّ وَّ؛ لكن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر كما ذكر الله في كتابه، وبكل حال فالصلاة لا تزيد صاحبها بعدًا، بل الذي يصلي خير من الذي لا يصلي، وأقرب إلى الله منه، وإن كان فاسقًا. انتهى. انظر تفاصيل أقوالهم في ((السلسلة الضعيفة)) للشيخ الألبانيّ رحمه الله تعالى ١٤/١-١٧ رقم الحديث ٢ . = ١٢٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع وقال القرطبيّ: يعني أنه كذب، فزاد في الثمن الذي اشترى به، فكذب، واستخفّ باسم الله تعالى، حين حلف به على الكذب، وأخذ مال غيره ظلمًا، فقد جمع بين كبائر، فاستحقّ هذا الوعيد الشديد. انتهى. (فَصَدَّقَهُ الْآخَرُ) أي وهو المشتري. وفي رواية البخاريّ: ((فصدّقه، فأخذها، ولم يُعطِ بها)): أي لم يعط القدر الذي حلف أنه أعطى عوضها. وفي رواية: ((فصدّقه، وهو على غير ذلك)). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان . مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٦/ ٤٤٦٤- وفي ((الكبرى)) ٦٠٥٤/٦. وأخرجه (خ) في ((المساقاة)) ٢٣٥٨ و٢٣٦٩ و((الشهادات)) ٢٦٧٢ و((الأحكام)) ٧٢١٢ و((التوحيد)» ٧٤٤٦ (م) في ((الإيمان)) ١٠٨ (ت) في ((السير)) ١٥٩٥ (ق) في ((التجارات)) ٢٢٠٧ و((الجهاد)) ٢٨٧٠ و(الفتن)) ٤٠٣٧ (أحمد) في ((باقي مسند المكثرين)) ٧٢٩٢ و٩٨٦٦ . والله تعالى أعلم. [تنبيهان] : (أحدهما): خالف الأعمش في سياق هذا المتن، عمرو بن دينار، عن أبي صالح، فقد أخرجه البخاريّ في ((الشرب)) و((التوحيد)) من طريق سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن أبي صالح، عن أبي هريرة نحوَ صدر حديث الباب، وقال فيه: ((ورجل على سلعة)) الحديث، ((ورجل منع فضل ماء)) الحديث، ((ورجل حلف على يمين كاذبة، بعد العصر؛ ليقتطع بها مال رجل مسلم))، قال الكرماني: ذَكَرّ عوض الرجل الثاني، وهو المبايع للإمام آخر، وهو الحالف ليقتطع مال المسلم، وليس ذلك باختلاف؛ لأن التخصيص بعدد، لا ينفى ما زاد عليه. انتهى. وقال الحافظ: ويحتمل أن يكون كل من الراويين، حفظ ما لم يحفظ الآخر؛ لأن المجتمع من الحديثين أربع خصال، وكل من الحديثين مُصَدَّر بـ((ثلاثة))، فكأنه كان في الأصل أربعة، فأقتصر كل من الراويين على واحد، ضمه مع الاثنين الذين توافقا عليهما، فصار في رواية كل منهما ثلاثة، ويؤيده ما سيأتي في التنبيه الثاني. [ثانيهما] : أخرج مسلم هذا الحديث من رواية الأعمش أيضا، لكن عن شيخ له آخر، بسياق آخر، فذكر من طريق أبي معاوية، ووكيع جميعا، عن الأعمش، عن أبي ٧- (الأمْرُ بِالصَّدَقَةِ لِمَنْ لَمْ يَعْتَقِّدٍ ... - حديث رقم ٤٤٦٥ ١٢٣ حازم، عن أبي هريرة، كصدر حديث الباب، لكن قال: ((شيخ زانٍ، ومَلِكٌ كذاب، وعائل مستكبر)). والظاهر أن هذا حديث آخر، أخرجه من هذا الوجه، عن الأعمش، فقال: عن سليمان بن مسهر، عن خَرَشَة بن الْحُرّ، عن أبي ذر، عن النبي بََّ، قال: (ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة: المنان الذي لا يعطي شيئا، إلا مَنَّهُ، والمنفق سلعته بالحلف الفاجر، والمسبل إزاره)»، وهو الحديث الذي مضى للنسائيّ في الباب الماضي . قال الحافظ رحمه الله تعالى: وليس هذا الاختلاف على الأعمش فيه، بقادح؛ لأنها ثلاثة أحاديث عنده، بثلاثة طرق، ويجتمع من مجموع هذه الأحاديث تسع خصال، ويحتمل أن تبلغ عشرا؛ لأن المنفق سلعته بالحلف الكاذب، مغاير للذي حلف لقد أعطي بها كذا؛ لأن هذا خاص بمن يكذب، في أخبار الشراء، والذي قبله أعمّ منه، فتكون خصلة أخرى. أفاده في ((الفتح)) ١١٥/١٥. ((كتاب الأحكام)) رقم ٧٢١٢. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان الوعيد الشديد لمن خدع مسلمًا في البيع بحلفه الكاذب. (ومنها): أن فيه الوعيد الشديد لمن نكث بيعة إمام، وخرج عليه؛ وذلك لما فيه من تفريق الكلمة، وشقّ العصى، ونشر الفساد والظلم والفحشاء بين الأمة، وفي الوفاء بالعهد تحصين للفروج، والأموال، وحقن للدماء. (ومنها): أن كلّ عمل لا يراد وجه الله تعالى، بل العرض الدنيويّ، فإنه وبالٌ على صاحبه، وخسران مبين. (ومنها): الوعيد الشديد لمن منع فضل الماء المسافر المحتاج إلى الماء، قال النوويّ: لكن يُستثنى من ذلك الحربيّ، والمرتدّ، إذا أصرّا على الكفر، فلا يجب بذل الماء لهما. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٧- (الأَمْرُ بِالصَّدَقَةِ لِمَنْ لَمْ يَعْتَقِدٍ الْيَمِينَ بِقَلْبِهِ فِي حَالِ بَيْعِهِ) ٤٤٦٥ - (أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ، عَنْ جَرِيرٍ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ قَيْسٍ ١٢٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع ابْنِ أَبِي غَرَزَةَ، قَالَ: كُنَّا بِالْمَدِينَةِ نَبِيعُ الْأَوْسَاقَ، وَنَبْتَاعُهَا، وَنُسَمِّي أَنْفُسَنَا السَّمَاسِرَةَ، وَيُسَمِينَا النَّاسُ، فَخَرَجَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ، فَسَمَّانَا بِاسْمِ هُوَ خَيْرٌ لَّنَا، مِنِ الَّذِي سَمَّيْنَا بِهِ أَنْفُسَنَا، فَقَالَ: ((يَا مَعْشَرَ الثُّجَّارِ، إِنَّهُ يَشْهَدُ بَيْعَكُمُ الْحَلِفُ، وَاللَّغْوُ، فَشُوبُوهُ بِالصَّدَقَةِ))). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث صحيح، وقد تقدّم في ((كتاب الأيمان والنذور)» ٣٨٢٤/٢٢ بنفس الترجمة المذكورة هنا، وقد استوفيت شرحه، وبيان مسائله هناك، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. و((جرير)): هو ابن عبد الحميد. و((منصور)): هو ابن المعتمر. و((أبو وائل)): هو شقيق بن سلمة . وقوله: ((نبيع الأوساق)) جمع وسق بكسر الواو، وفتحها: مكيلة معلومة، وقيل: حمل بعير. والظاهر أنهم كانوا يبيعون نفس الوسق، ويحتمل أن يكون المراد ما يكال بالوسق، من الحبوب. وقوله: ((السماسرة)) جمع سمسار بكسر أوله، وهو الذي يتوسط بين البائع والمشتري في إمضاء البيع. وقوله: ((باسم هو خير لنا)) إنما كان خيرًا لهم؛ لأن التجارة من الألفاظ العربيّة، وبخلاف السمسرة، فإنها كلمة عجميّة، تلقّوها من العجم، وذلك لأن أكثر من يعالج البيع والشراء كانوا عجمًا. وقوله: ((إنه يشهد بيعكم الخ)) الضمير المنصوب بـ((إن)) للشأن. وقوله: ((فشوبوه)) أمر من الشوب بمعنى الخلط، أمرهم به ليكون كفّارة لما يجري بينهم من الكذب وغيره، والمراد بها صدقة غير معيّنة، حسب تضاعيف الآثام. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٨- (وُجُوبُ الْخِيَارِ لِلْمُتَبَابِعَيْنِ قَبْلَ اخْتِرَاقِهِمَا) ٤٤٦٦- (أَخْبَرَنَا أَبُو الْأَشْعَثِ، عَنْ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ - وَهُوَ ابْنُ أَبِي عَرُوبَةَ- عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ صَالِحٍ أَبِي الْخَلِيلِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ، أَنَّ ١٢٥ = ٩- (ذِكْرُ الاخْتِلَافِ عَلَى نَافِعِ فِي لِفَظِ حَدِيثِهِ) - حديث رقم ٤٤٦٧ رَسُولَ اللَّهِ وَلِهِ، قَالَ: ((الْبَيْعَانِ بِالْخِيَارِ، مَا لَمْ يَفْتَرِقَا، فَإِنْ بَيْنَا، وَصَدَقًا، بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَذَبَا، وَكَتَمَا، مُحِقَ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا))). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم قبل ثلاثة أبواب، ومضى شرحه، وبيان مسائله هناك. و ((أبو الأشعث)): هو أحمد بن المقدام العجليّ البصريّ، صدوق [١٠]٣١٩/١٣٨. و ((خالد)): هو ابن الحارث الهجيميّ البصريّ الحافظ الثبت [٨]. ودلالة الحديث على الترجمة واضحة، حيث يدلّ على ثبوت الخيار للمتبايعين ما داما في المجلس، وسيأتي بيان اختلاف العلماء فيه في الباب التالي، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب)). ٩- (ذِكْرُ الاخْتِلَافِ عَلَى نَافِعِ فِي لَفْظِ حَدِيثِهِ) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الاختلاف على نافع في لفظ هذا الحديث واضح، فإنه رواه عنه سبعة أنفس، وهم: مالك، وعبيد الله العمريّ، وإسماعيل بن أميّة، وابن جريج، وأيوب السختيانيّ، وله روايان: شعبة، وابن عليّة، والليث بن سعد، ويحيى ابن سعيد الأنصاريّ، وله راويان: عبد الوهاب الثقفيّ، وهُشيم بن بشير، وكلهم رووه بألفاظ مختلفة، كما سيتضح في رواياتهم الآتية، إن شاء الله تعالى. ٤٤٦٧- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةٌ عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ، وَاللَّفْظُ لَهُ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ نَافِعَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ: قَالَ: ((الْمَّتَبَابِعَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ،َ عَلَى صَاحِبِهِ، مَاَلَمْ يَفْتَرِقَا، إِلَّا بَيْعَ الْخِيَارِ))). رجال هذا الإسناد: ستة: ١- (محمد بن سلمة) بن أبي فاطمة المراديّ الجمليّ، أبو الحارث المصريّ، ثقة [١١] ١٩ /٢٠ . ١٢٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوعِ ٢- (الحارث بن مسكين) بن محمد، أبو عمرو المصري القاضي، ثقة فقيه [١٠] ٩/ ٩ . ٣- (ابن القاسم) هو عبد الرحمن الْعُتَقي المصري الفقيه، ثقة، من كبار [١٠] ١٩/ ٢٠ . ٤- (مالك) بن أنس، إمام دار الهجرة، رأس المتقنين، وكبير المتثبتين [٧] ٧/ ٧ . ٥- (نافع) مولى ابن عمر المدني الفقيه، ثقة ثبت [٣] ١٢/١٢. ٦- (عبد الله بن عمر) بن الخطاب رضي اللَّه تعالى عنهما١٢/١٢. والله تعالى أعلم . لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه الحارث، فقد تفرد به هو وأبو داود. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخيه وابن القاسم، فمصريون. (ومنها): أن هذا السند هو الذي قيل فيه: إنه أصحّ الأسانيد مطلقًا، كما نُقِلَ ذلك عن الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ) رضي اللَّه تعالى عنهما (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَِّ: قَالَ: ((الْمُتَبَايِعَانِ) أي البائع والمشتري، وتسمية المشتري بائعًا جائز كما سبق، وقال وليّ الدين رحمه الله تعالى: قوله: ((المتبايعان)) كذا في أكثر الروايات، وفي بعضها: ((البيّعان))، وكلاهما في ((الصحيحين))، ولم يرد في شيء من طرقه فيما أعلم: ((البائعان))، وإن كان استعمال لفظ البائع أغلب، وقد استُعمل في اللغة الأمران، كما في ضَيِّقٍ، وضائق، وَصَيْنٍ، وصائن، انتهى ((طرح التثريب)» ١٤٨/٦. (كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ) أي في إمضاء البيع (عَلَى صَاحِبِهِ، مَا لَمْ يَفْتَرِقًا) وفي رواية: ((يتفرّفا)) بتقديم التاء على الفاء، وتقدّم الكلام في الفرق بينهما قريباً (إِلَّا بَيْعَ الْخِيَارِ) أي فلا يحتاج إلى التفرّق، وفي الرواية الآتية: ((إلا أن يكون البيع كان عن خيار، فإن كان البيع عن خيار، فقد وجب البيع))، وفي رواية: ((أو يقول أحدهما للآخر: اختر)) . وقد اختلف العلماء في المراد بقوله: ((الا بيع الخيار)»، فقال الجمهور، وبه جزم الشافعي: هو استثناء من امتداد الخيار إلى التفرق، والمراد أنهما إن اختارا إمضاء البيع ١٢٧ = ٩- (ذِكْرُ الاخْتِلَافِ عَلَى نَفِعِ فِي لِفَظِ حَدِيثِهِ) - حديث رقم ٤٤٦٧ قبل التفرق، لزم البيع حينئذ، وبطل اعتبار التفرق، فالتقدير: إلا البيع الذي جرى فيه التخاير . قال النووي: اتفق أصحابنا على ترجيح هذا التأويل، وأبطل كثير منهم ما سواه، وغَلَّطُوا قائله. انتهى. ورواية الليث الآتية في - ٤٤٧٤ ظاهرة جدًا في ترجيحه. وقيل: هو استثناء من انقطاع الخيار بالتفرق. وقيل: المراد بقوله: ((أو يُخيّر أحدهما الآخر)): أي فيشترط الخيار مدة معينة، فلا ينقضي الخيار بالتفرق، بل يبقى حتى تمضى المدة. حكاه ابن عبد البر، عن أبي ثور، ورجح الأول، بأنه أقل في الإضمار، وتُعَيِّنُه رواية النسائي الآتية بعد حديث، من طريق إسماعيل، قيل: هو ابن أمية، وقيل: غيره، عن نافع، بلفظ: ((إلا أن يكون البيع، كان عن خيار، فإن كان البيع عن خيار، وجب البيع)). وقيل: هو استثناء من إثبات خيار المجلس، والمعنى: أو يخير أحدهما الآخر، فيختار في خيار المجلس، فينتفى الخيار. وهذا أضعف الاحتمالات. وقيل: قوله: ((إلا أن يكون بيع خيار)): أي هما بالخيار، ما لم يتفرقا، إلا أن يتخايرا، ولو قبل التفرق، وإلا أن يكون البيع بشرط الخيار، ولو بعد التفرق، وهو قول يجمع التأويلين الأولين، ويؤيده رواية عبد الرزاق، عن سفيان، بلفظ: ((إلا بيع الخيار، أو يقول لصاحبه: اختر))، إن حملنا ((أو)) على التقسيم، لا على الشك. قاله في ((الفتح)) ٦١/٥-٦٢ ٠ وقال الحافظ وليّ الدين رحمه الله تعالى: اختلف في قوله: ((إلا بيع الخيار)) على أقوال: [أحدها] : أنه استثناء من امتداد الخيار إلى التفرّق، والمراد ببيع الخيار أن يتخايرا في المجلس، ويختارا إمضاء البيع، فيلزم بنفس الخيار، ولا يدوم إلى التفرّق، ويدلّ لهذا قوله في رواية أيوب السختيانيّ، وهي في ((الصحيح)): ((ما لم يتفرّقا، أو يقول أحدهما لصاحبه: اختر))، وربّما قال: ((أو يكون بيع الخيار))، فلما وَضَع قوله: ((أو يقول أحدهما لصاحبه: اختر))، موضع (بيع الخيار))، دلّ على أنه بمعناه، ويدلّ لذلك قوله في رواية أخرى: ((ما لم يتفرّقا، أو يختار))، وكذا قوله في رواية أخرى: ((ما لم يتفرقا، وكانا جميعًا، أو يخيّر أحدهما الآخر)). وقد رجّح الشافعيّ رحمه اللَّه هذا المعنى، فقال فيما رواه البيهقيّ في ((المعرفة)): واحتمل قول رسول اللّه وَلّى: ((إلا بيع الخيار)) معنيين: [أظهرهما] : عند أهل العلم باللسان، وأولاهما بمعنى السنّة، والاستدلال بها، والقياس أن رسول اللّه وَلتر، إذ جعل الخيار للمتبايعين، والمتبايعان اللذان عقدا البيع، حتى يتفرّقا، إلا بيع الخيار، فإن الخيار إذا كان لا ينقطع بعد عقد البيع في السنّة حتى يتفرّقا، وتفرّقهما هو أن يتفرقا عن ١٢٨ = شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع مُقامهما الذي تبايعا فيه، كان بالتفرّق، أو بالتخيير، وكان موجودًا في اللسان، والقياس إذا كان البيع يجب بشيء بعد البيع، وهو الفراق أن يجب بالثاني بعد البيع، فيكون إذا خيّر أحدهما صاحبه بعد البيع، كان الاختيار تحديد شيء يوجبه، كما كان التفرّق تحدید شيء يوجبه، ولو لم يكن فيه سنّة تبيّنه بمثل ما ذهبت إليه كان ما وصفنا أولى المعنيين أن يؤخذ به؛ لما وصفت من القياس، مع أن سفيان بن عيينة أخبرنا عن عبد الله بن طاوس، عن أبيه، قال: خيّر رسول اللَّه وَل﴿ رجلًا بعد البيع، فقال الرجل: عمرك اللّه، ممن أنت؟ فقال رسول اللّه وَّه: ((امرؤ من قريش))، قال: فكان أبي يحلف ما كان الخيار إلا بعد البيع. قال الشافعيّ: وبهذا نقول(١). وكذا حكاه الترمذيّ عن الشافعيّ، وغيره، وحكاه ابن المنذر عن الثوريّ، والأوزاعيّ، وابن عيينة، وعبيد الله بن الحسن العنبريّ، والشافعيّ، وإسحاق بن راهويه. وقال النوويّ في ((شرح مسلم)): اتّفق أصحابنا على ترجيح هذا القول، وأبطل كثير منهم ما سواه، وغّطوا قائله. وممن رجحه من المحدّثين البيهقيّ، ثم بسط دلائله، وبيّن ضعف ما يعارضها. [القول الثاني]: أنه استثناء من انقطاع الخيار بالتفرّق، والمراد إلا بيعًا شُرِط فيه خيار الشرط، ثلاثة أيام، أو دونها، فلا ينقضي الخيار فيه بالتفرّق، بل يبقى حتى تنقضي المدّة المشروطة. حكى ابن عبد البرّ هذا عن الشافعيّ، وأبي ثور، وجماعة. [القول الثالث]: أنه استثناء من إثبات الخيار، والمعنى: إلا بيعًا شُرِط فيه نفي خيار المجلس، فيلزم البيع، ولا يكون فيه خيار. انتهى ((طرح التثريب)) ١٥٦/٦-١٥٧. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الذي يترجح عندي هو القول الأول الذي رجحه الشافعي رحمه الله تعالى؛ لقوة حجته. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته : حديث عبد الله بن عمر رضي اللَّه تعالى عنهما هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا- ٩ / ٤٤٦٧ و ٤٤٦٨ و ٤٤٦٩ و٤٤٧٠ و ٤٤٧١ و ٤٤٧٢ و ٤٤٧٣ و ٤٤٧٤ و ٤٤٧٥ و٤٤٧٦ و١٠/ ٤٤٧٧ و٤٤٧٨ و٤٤٧٩ و٤٤٨٠ و٤٤٨١ و٤٤٨٢ و ٤٤٨٣ و ٤٤٨٤ - وفي (الكبرى)) ٦٠٥٦/٨ و ٦٠٥٧ و ٦٠٥٨ و ٦٠٥٩ و٦٠٦٠ و٦٠٦١ (١) ((معرفة السنن والآثار)) ٢٨١/٤-٢٨٢. ١٢٩ = ٩- (ذِكْرُ الاخْتِلاَفِ عَلَى نَفِعِ فِي لِفَظِ حَدِيثِهِ) - حديث رقم ٤٤٦٧ و ٦٠٦٢ و ٦٠٦٣ و ٦٠٦٤ و٦٠٦٥ و٦٠٦٦ و٩ / ٦٠٦٧ و ٦٠٦٨ و٦٠٦٩ و٦٠٧٠ و٦٠٧١ و٦٠٧٢ . وأخرجه (خ) في ((البيوع)) ٢١٠٧ و٢١٠٩ و٢١١١ و٢١١٢ و٢١١٣ (م) في ((البيوع)) ١٥٣١ (د) في ((البيوع)) ٣٤٥٤ (ت) في ((البيوع)) ١٢٤٥ (ق) في ((التجارات)) ٢١٨١ (أحمد) في ((مسند العشرة)) ٣٩٥ و٤٤٧٠ و٤٥٥٢ و٥١٣٦ و ٥٣٩٥ و٥٩٧٠ و٦١٥٨ (الموطأ) في ((البيوع)) ١٣٧٤. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): بيان ثبوت الخيار للمتبايعين. (ومنها): جواز البيع بشرط الخيار. (ومنها): ثبوت خيار المجلس في البيع، وهو قول الجمهور، وسيأتي تحقيق الخلاف فيه في المسألة التالية، إن شاء الله تعالى. (ومنها): بيان عظم ما جاءت به الشريعة الغرّاء، حيث تكفّلت مصالح العباد في كلّ شؤون حياتهم، فشرعت التروي في أبواب كثيرة من أبواب المعاملات، كباب البيع، فمثلًا شرعت الخيار في هذا الباب لكلّ من المتبايعين، حتی لا یقع واحد منهما في ندم لا یمکنه تلافیه، فإنه إذا أتيح له وقت واسع یتروی فیه، ويفكّر فيما يؤول إليه أمره، يسلم من هذا الندم، ويُقدِم على هذا الفعل، وهو على بصيرة من أمره، والعكس بالعكس. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب . (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم خيار المجلس : ذهب الجمهور، من السلف، والخلف إلى ثبوته، وممن قال به عليّ بن أبي طالب، وابن عمر، وابن عبّاس، وأبو هريرة، وأبو برزة الأسلميّ، وطاوس، وسعيد بن المسيّب، وعطاء، وشُريح القاضي، والحسن البصريّ، والشعبيّ، والزهريّ، وابن جريج، والأوزاعيّ، وابن أبي ذئب، والليث بن سعد، وسفيان بن عيينة، والشافعيّ، ويحيى القطّان، وعبد الرحمن بن مهديّ، وعبيد الله بن الحسن العنبريّ، وسوّار القاضي، ومسلم بن خالد الزنجيّ، وابن المبارك، وعليّ بن المدينيّ، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبو ثور، وأبو عبيد، والبخاريّ، وسائر المحدّثين، وآخرون، وقال به من المالكيّة عبد الملك بن حبيب. وذهب مالك، وأبو حنيفة، وأصحابهما إلى إنكار خيار المجلس، وقالوا: إنه يلزم البيع بنفس الإيجاب والقبول، وبه قال إبراهيم النخعيّ، واختُلف في ذلك عن ربيعة، وسفيان الثوريّ، قال ابن حزم: ما نعلم لهم من التابعين سلفًا، إلا إبراهيم وحده، ورواية مكذوبة عن شريح، والصحيح عنه موافقة الحقّ. وكذا قال ابن عبد البر: لا أعلم أحدًا ردّه غير هذين الاثنين، إلا ما روي عن إبراهيم النخعيّ. انتهى. هكذا ذكر ١٣٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع ولي الدين رحمه الله تعالى في ((طرحه)) ١٤٩/٦. وقال في ((الفتح)) في شرح هذا الحديث: وفيه دليل على إثبات خيار المجلس، وقد مضى قبل بباب أن ابن عمر، حمله على التفرق بالأبدان، وكذلك أبو برزة الأسلمي، ولا يعرف لهما مخالف من الصحابة، وخالف في ذلك إبراهيم النخعي، فروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عنه: قال: البيع جائز، وإن لم يتفرقا. ورواه سعيد بن منصور عنه، بلفظ: إذا وجبت الصفقة، فلا خيار. وبذلك قال المالكية، إلا ابن حبيب، والحنفية كلهم، قال ابن حزم: لا نعلم لهم سلفا، إلا إبراهيم وحده. وقد ذهبوا في الجواب عن هذا الحديث فِرَقًا : فمنهم من رده؛ لكونه معارضا لما هو أقوى منه. وردّ بأنه لا يوجد ما هو أقوى، بل ولا ما يساويه. ومنهم من صححه، ولكن أوّله على غير ظاهره، وهؤلاء المأولون على أقوال، نلخصها فيا يلي: [أحدها]: قالت طائفة منهم: هو منسوخ، بحديث: ((المسلمون على شروطهم))، والخيار بعد لزوم العقد، يفسد الشرط، وبحديث التحالف عند اختلاف المتبايعين؛ لأنه يقتضى الحاجة إلى اليمين، وذلك يستلزم لزوم العقد، ولو ثبت الخيار، لكان كافيا في رفع العقد. وبقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوّأْ إِذَا تَّبَايَعْتُمْ﴾ الآية، والإشهاد إن وقع بعد التفرق، لم يطابق الأمر، وإن وقع قبل التفرق، لم يصادف محلا. ولا حجة في شيء من ذلك؛ لأن النسخ لا يثبت بالاحتمال، والجمع بين الدليلين مهما أمكن، لا يصار معه إلى الترجيح، والجمع هنا ممكن بين الأدلة المذكورة، بغير تعسف، ولا تكلف. [ثانيها]: قال بعضهم: هو من رواية مالك، وقد عمل بخلافه، فَدَلّ على أنه عارضه ما هو أقوى منه، والراوي إذا عمل بخلاف ما رَوَى، دلّ على وَهْن المروي عنده . وتعقب بأن مالكا لم يتفرد به، فقد رواه غيره، وعمل به، وهم أكثر عددا، رواية، وعملًا، وقد خص كثير من محققى أهل الأصول الخلاف المشهور، فيما إذا عمل الراوي بخلاف ما روى بالصحابة، دون من جاء بعدهم، ومن قاعدتهم: أن الراوي أعلمُ بما روى، وابن عمر هو راوي الخبر، وكان يفارق إذا باع ببدنه، فاتباعه أولى من غيره . [ثالثها] : قالت طائفة: هو معارض بعمل أهل المدينة، ونقل ابن التين عن أشهب، بأنه مخالف لعمل أهل مكة أيضا. ١٣١ ٩- (ذکرُ الاختلافِ علی نافع فِي لفظِ حَدِيثِهِ) - حدیث رقم ٤٤٦٧ وتعقب بأنه قال به ابن عمر، ثم سعيد بن المسيب، ثم الزهري، ثم ابن أبي ذئب، كما مضى، وهؤلاء من أكابر علماء أهل المدينة، في أعصارهم، ولا يحفظ عن أحد من علماء المدينة القول بخلافه، سوى عن ربيعة، وأما أهل مكة، فلا يَعرف أحد منهم القول بخلافه، فقد سبق عن عطاء، وطاوس، وغيرهما من أهل مكة. وقد اشتد إنكار ابن عبد البر، وابن العربي على من زعم من المالكية، أن مالكا ترك العمل به، لكون عمل أهل المدينة على خلافه. وأيضًا فإن إجماعهم على تقدير صحته ليس حجة، قال الشيخ تقيّ الدين ابن دقيق العيد رحمه الله في ((شرح العمدة)): الحقّ الذي لا شكّ فيه أن إجماعهم لا يكون حجة فيما طريقه الاجتهاد والنظر، لأن الدليل العاصم للأمة من الخطإ في الاجتهاد لا يتناول بعضهم، ولا مستند للعصمة سواه، وكيف يمكن أن يقال: بأن من كان بالمدينة من الصحابة يُقبل خلافه ما دام مقيما بها، فإذا خرج عنها لم يقبل خلافه، هذا محال، فإن قبول قوله باعتبار صفات قائمة به، حيث حلّ، وقد خرج منها عليّ رَّه ، وهو أفضل أهل زمانه بإجماع أهل السنّة، وقال أقوالًا بالعراق، كيف يمكن أن تهدر إذا خالفها أهل المدينة، وهو كان رأسهم، وكذلك ابن مسعود رتفيه ، ومحلّه من العلم معلوم، وغيرهما قد خرجوا، وقالوا أقوالًا، على أن بعض الناس يقولون: إن المسائل المختلف فيها خارج المدينة، مختلف فيها بالمدينة، وادّعى العموم في ذلك. انتهى. ذكره في ((الطرح)» ١٥٠/٦. وقال ابن العربي: إنما لم يأخذ به مالك؛ لأن وقت التفرق غير معلوم، فأشبه بيوع الغرر، كالملامسة. وتعقب بأنه يقول بخيار الشرط، ولا يحده بوقت معين، وما ادعاه من الغرر موجود فيه، وبأن الغرر في خيار المجلس معدوم؛ لأن كلا منهما متمكن من إمضاء البيع، أو فسخه بالقول، أو بالفعل، فلا غرر. (رابعها): قالت طائفة: هو خبر واحد، فلا يُعمل به إلا فيما تعم به البلوي. ورد بأنه مشهور، فيعمل به كما ادعوا نظير ذلك في خبر القهقهة في الصلاة، وإيجاب الوتر. (خامسها): قال آخرون: هو مخالف للقياس الجلي، في إلحاق ما قبل التفرق بما بعده. وتعقب بأن القياس مع النص فاسد الاعتبار. (سادسها): قال آخرون: التفرق بالأبدان محمول على الاستحباب، تحسينا للمعاملة مع المسلم، لا على الوجوب. (سابعها): قال آخرون: هو محمول على الاحتياط؛ للخروج من الخلاف، وهذا ١٣٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوعِ والذي قبله على خلاف الظاهر، ولا يُعدل عن الظاهر إلا بدليل، ولا يوجد. (ثامنها): قالت طائفة: المراد بالتفرق في الحديث، التفرق بالكلام، كما في عقد النكاح، والإجارة، والعتق. وتعقب بأنه قياس مع ظهور الفارق؛ لأن البيع يُنقل فيه ملك رقبة المبيع، ومنفعته، بخلاف ما ذُكر. وقال ابن حزم: سواء قلنا: التفرق بالكلام، أو بالأبدان، فإن خيار المجلس بهذا الحديث ثابت، أما حيث قلنا: التفرق بالأبدان فواضح، وحيث قلنا: بالكلام فواضح أيضا؛ لأن قول أحد المتبايعين مثلا: بعتكه بعشرة، وقول الآخر: بل بعشرين مثلا: افتراق في الكلام بلا شك، بخلاف مالو قال: اشتريته بعشرة، فإنهما حينئذ متوافقان، فيتعين ثبوت الخيار لهما حين يتفقان، لا حين يتفرقان، وهو المدَّعَى. (تاسعها): قيل: المراد بالمتبايعين المتساومان. ورد بأنه مجاز، والحمل على الحقيقة، أو ما يقارب منها أولى. واحتج الطحاوي بآيات، وأحاديث، استُعِمل فيها المجاز، وقال: من أنكر استعمال لفظ البائع في السائم، فقد غفل عن اتساع اللغة. وتعقب بأنه لا يلزم من استعمال المجاز في موضع، طرده في كل موضع، فالأصل من الإطلاق الحقيقة، حتى يقوم الدليل على خلافه. وقالوا أيضا: وقت التفرق في الحديث، هو ما بين قول البائع: بعتك هذا بكذا، وبين قول المشترى: اشتريت، قالوا: فالمشتري بالخيار في قوله: اشتريت، أو تركه، والبائع بالخيار إلى أن يوجب المشتري، وهكذا حكاه الطحاوي عن عيسى بن أبان منهم، وحكاه ابن خويز منداد عن مالك، قال عيسى بن أبان: وفائدته تظهر فيما لو تفرقا قبل القبول، فإن القبول يتعذر. وتعقب بأن تسميتهما متبايعين، قبل تمام العقد مجاز أيضا. فأجيب بأن تسميتهما متبايعين بعد تمام العقد مجاز أيضا؛ لأن اسم الفاعل في الحال حقيقة، وفيما عداه مجاز، فلو كان الخيار بعد انعقاد البيع، لكان لغير البيعين، والحديث يرده، فتعين حمل التفرق على الكلام. وأجيب: بأنه إذا تعذر الحمل على الحقيقة، تعين المجاز، وإذا تعارض المجازان، فالأقرب إلى الحقيقة أولى، وأيضا فالمتبايعان، لا يكونان متبايعين حقيقة، إلا في حين تعاقدهما، لكن عقدهما لا يتم إلا بأحد أمرين: إما بإبرام العقد، أو التفرق على ظاهر الخبر، فصحّ أنهما متعاقدان ما داما في مجلس العقد، فعلى هذا تسميتهما متبايعين حقيقة، بخلاف حمل المتبايعين على المتساومين، فإنه مجاز باتفاق. (عاشرها): قالت طائفة: التفرق يقع بالأقوال، كقوله تعالى: ﴿وَإِن يَنَفَرَّقَا يُغْنِ اَللَّهُ ١٣٣ ٩- (ذِكْرُ الاخْتِلاَفِ عَلَى نَفِعِ فِي لِفْظِ حَدِيثِهِ) - حديث رقم ٤٤٦٧ كُلَّ مِّنِ سَعَتِهِ﴾ الآية [النساء: ١٣٠]. وأجيب: بأنه سُمي بذلك لكونه يفضى إلى التفرق بالأبدان. قال البيضاوي: ومن نفى خيار المجلس، ارتكب مجازين: بحمله التفرق على الأقوال، وحمله المتبايعين على المتساومين، وأيضا فكلام الشارع يصان عن الحمل عليه؛ لأنه يصير تقديره أن المتساومين إن شاءا عقدا البيع، وإن شاءا لم يعقداه، وهو تحصيل الحاصل؛ لأن كل أحد يعرف ذلك، ويقال لمن زعم أن التفرق بالكلام، ما هو الكلام الذي يقع به التفرق، أهو الكلام الذي وقع به العقد، أم غيره؟، فإن كان غيره فما هو؟ فليس بين المتعاقدين كلام غيره، وإن كان هو ذلك الكلام بعينه، لزم أن يكون الكلام الذي اتّفقا عليه، وتم بيعهما به، هو الكلامَ الذي افترقا به، وانفسخ بيعهما به، وهذا في غاية الفساد. (حادي عشرها): قال آخرون: العمل بظاهر الحديث متعذر، فيتعين تأويله، وبيان تعذره أن المتبايعين، إن اتفقا في الفسخ، أو الإمضاء، لم يثبت لواحد منهما على الآخر خيار، وإن اختلفا فالجمع بين الفسخ والإمضاء جمع بين النقيضين، وهو مستحيل. وأجيب: بان المراد أن لكل منهما الخيار في الفسخ، وأما الإمضاء، فلا احتياج إلى اختياره، فإنه مقتضى العقد، والحال يفضي إليه مع السكوت، بخلاف الفسخ. (ثاني عشرها): قال آخرون: حديث ابن عمر هذا، وحكيم بن حزام، معارض بحديث عبد الله بن عمرو، وذلك فيما أخرجه أبو داود وغيره (١)، من طريق عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، مرفوعا: ((البيعان بالخيار، ما لم يتفرقا، إلا أن تكون صفقة خيار، ولا يحل له أن يفارق صاحبه، خشية أن يستقيله)). قال ابن العربي: ظاهر هذه الزيادة، مخالف لأول الحديث في الظاهر، فإن تأولوا الاستقالة فيه على الفسخ، تأولنا الخيار فيه على الاستقالة، وإذا تعارض التأويلان، فُزِع إلى الترجيح، والقياس في جانبنا، فيرجح. وتعقب: بأن حمل الاستقالة على الفسخ، أوضح من حمل الخيار على الاستقالة؛ لأنه لو كان المراد حقيقة الاستقالة، لم تمنعه من المفارقة، لأنها لا تختص بمجلس العقد، وقد أثبت في أول الحديث الخيار، ومَدَّه إلى غاية التفرق، ومن المعلوم أن من له الخيار، لا يحتاج إلى الاستقالة، فتعين حملها على الفسخ، وعلى ذلك حمله الترمذي وغيره، من العلماء، فقالوا: معناه: لا يحل له أن يفارقه بعد البيع، خشية أن يختار فسخ البيع؛ لأن العرب تقول: استقلت ما فات عنى، إذا استدركته، فالمراد بالاستقالة، فسخ النادم منهما للبيع، وحملوا نفى الحل على الكراهة، لأنه لا يليق (١) هو الحديث الأتي للمصنف برقم ١١/ ٤٤٨٥ . ١٣٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع بالمروءة، وحسن معاشرة المسلم، لا أَنَّ اختيار الفسخ حرام، قال ابن حزم: احتجاجهم بحديث عمرو بن شعيب، على التفرق بالكلام، لقوله فيه: ((خشية أن يستقيله))؛ لكون الاستقالة لا تكون إلا بعد تمام البيع، وصحةُ انتقال الملك، تستلزم أن يكون الخبر المذكور، لا فائدة له؛ لأنه يلزم من حمل التفرق على القول، إباحة المفارقة، خشي أن يستقيله، أو لم يخش. (ثالث عشرها): قال بعضهم: التفرق بالأبدان في الصرف، قبل القبض يبطل العقد، فكيف يثبت العقد ما يبطله؟. وتعقب باختلاف الجهة، وبالمعارضة بنظيره، وذلك أن النقد، وترك الأجل شرط لصحة الصرف، وهو يفسد السلم عندهم. واحتج بعضهم بحديث ابن عمر الآتي بعد بابين في قصة البكر الصعب(١) وسيأتي توجيهه وجوابه(٢) . واحتج الطحاوي بقول ابن عمر: ما أدركت الصفقة، حيّا مجموعا، فهو من مال المبتاع. وتُعقب بأنهم يخالفونه، أما الحنفية، فقالوا: هو من مال البائع، ما لم يره المبتاع، أو ينقله. والمالكية قالوا: إن كان غائبا غيبة بعيدة، فهو من البائع، وأنه لا حجة فيه؛ لأن الصفقة فيه محمولة على البيع الذي انبرم، لا على ما لم ينبرم، جمعا بين كلاميه . (رابع عشرها): قال بعضهم: معنى قوله: ((حتى يتفرقا)): أي حتى يتوافقا، يقال للقوم: على ماذا تفارقتم: أي على ماذا اتفقتم. وتعقب بما ورد في بقية حديث ابن عمر في جميع طرقه، ولا سيما في طريق الليث الآتية في الباب الذي بعد هذا. يعني الآتي للنسائيّ برقم ٤٤٧٣ و٤٤٧٤ . (خامس عشرها): قال بعضهم: حديث ((البيعان بالخيار)) جاء بألفاظ مختلفة، فهو (١) وقصّة البكر الصعب هو ما أخرجه البخاريّ في ((صحيحه)) ٢١١٦ - من طريق عمرو بن دينار، عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: كنا مع النبي ◌َّ في سفر، فكنت على بكر صعب لعمر، فكان يغلبني، فيتقدم أمام القوم، فيزجره عمر، ويرده، ثم يتقدم، فيزجره عمر ويرده، فقال النبي وَّل لعمر: ((بعنيه))، قال: هو لك يا رسول الله، قال: ((بعنيه))، فباعه من رسول اللَّه وَليره، فقال النبي وَالر: ((هو لك يا عبدالله بن عمر، تصنع به ما شئت)). (٢) وجوابه أنه وَّلهُ قد بين بالأحاديث السابقة المصرّحة بخيار المجلس، والجمع بين الحديثين ممكن، بأن يكون بعد العقد فارق عمر بأن تقدّمه، أو تأخّر عنه مثلاً، ثم وهب، وليس في الحديث ما يثبت ذلك، ولا ما ينفيه، فلا معنى للاحتجاج بهذه الواقعة العينيّة في إبطال ما دلّت عليه الأحاديث المصرّحة من إثبات خيار المجلس. اهـ ((فتح)) ٦٤/٥. ١٣٥ == ٩ - (ذِكْرُ الاخْتِلاَفِ عَلَى نَفِعِ فِي لِفْظِ حَدِيثِه) - حديث رقم ٤٤٦٧ مضطرب، لا يحتج به. وتعقب بأن الجمع بين ما اختلف من ألفاظه، ممكن بغير تكلف، ولا تعسف، فلا يضره الاختلاف، وشرط المضطرب أن يتعذر الجمع بين مختلف ألفاظه، وليس هذا الحديث من ذلك. (سادس عشرها): قال بعضهم: لا يتعين حمل الخيار في هذا الحديث على خيار الفسخ، فلعله أريد به خيار الشراء، أو خيار الزيادة في الثمن، أو المثمن. وأجيب بأن المعهود في كلامه وَلّ، حيث يُطلق الخيار إرادة خيار الفسخ، كما في حديث المصراة، وكما في حديث الذي يُخدَع في البيوع، وأيضا فإذا ثبت أن المراد بالمتبايعين المتعاقدان، فبعد صدور العقد، لا خيار في الشراء، ولا في الثمن. (سابع عشرها): تمسّك بعضهم في ردّ ذلك بالعمومات، مثل قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا اَلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودٍ﴾ الآية [المائدة: ١]، قالوا: وفي الخيار إيطال الوفاء بالعقد، ومثل قوله وَّر: ((من ابتاع طعامًا، فلا يبعه حتى يستوفيه))، قالوا: فقد أباح بيعه بعد قبضه، ولو كان قبل التفرّق. وأجيب بأن هذا مسلك ضعيف، لأن العمومات لا تردّ بها النصوص الخاصّة، وإنما يُقضى للخاصّ على العام. ذكره في ((طرح التثريب)) ١٥٣/٦- ١٥٤. (ثامن عشرها): حكى ابن السمعاني في ((الاصطلام)) عن بعض الحنفية، قال: البيع عقد مشروع بوصف، وحكم، فوصفه اللزوم، وحكمه الملك، وقد تم البيع بالعقد، فوجب أن يتم بوصفه وحكمه، فأما تأخير ذلك، إلى أن يفترقا فليس عليه دليل؛ لأن السبب إذا تم يفيد حكمه، ولا ينتفى إلا بعارض، ومن ادّعاه فعليه البيان. وأجاب أن البيع سبب للإيقاع في الندم، والندم يحوج إلى النظر، فأثبت الشارع خيار المجلس، نظرا للمتعاقدين؛ ليسلما من الندم، ودليله خيار الرؤية عندهم، وخيار الشرط عندنا، قال: ولو لزم العقد بوصفه وحكمه، لَمَا شُرعت الإقالة، لكنها شُرعت نظرا للمتعاقدين، إلا أنها شرعت لاستدراك ندم، ينفرد به أحدهما، فلم تجب، وخيار المجلس شرع لاستدراك ندم، يشتركان فيه، فوجب. انتهى ما في ((الفتح)) ٥٧/٥-٦٠. بتصرّف. وقال الحافظ ولي الدين رحمه الله تعالى بعد إيراد نحو ما تقدّم من الأقوال: ما حاصله: وقد ظهر بما بسطناه أنه ليس لهم متعلّق صحيح في ردّ هذا الحديث، ولذلك قال ابن عبد البر: أكثر المتأخرون من المالكية، والحنفية من الاحتجاج لمذهبنا، في رد هذا الحديث، بما يطول ذكره، وأكثره تشغيب، لا يُحصَل منه على شيء لازم لا مدفع له. وقال النوويّ في ((شرح مسلم)): الأحاديث الصحيحة ترُدّ عليهم، وليس لهم عليها = ١٣٦ == شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع جواب صحيح، فالصواب ثبوته، كما قاله الجمهور. وانتصر ابن العربيّ في ذلك لمذهبه بما لا يقبله منصف، ولا يرتضيه لنفسه عاقل، فقال: الذي قصد مالك هو أن النبيّ وَ ﴿ لَمّا جعل العاقدين بالخيار بعد تمام البيع، ما لم يتفرقا، ولم يكن لفرقتهما، وانفصال أحدهما عن الآخر وقتّ معلوم، ولا غاية معروفة، إلا أن يقوما، أو يقوم أحدهما على مذهب، وهذه جهالة يقف معها انعقاد البيع، فيصير من باب بيع المنابذة، والملامسة، بأن يقول: إذا لمسته، فقد وجب البيع، وإذا نبذته، أو نبذت الحصاة، فقد وجب البيع، وهذه الصفة مقطوع بفسادها في العقد، فلم يتحصّل المراد من الحديث مفهومًا، وإن فسّره ابن عمر راويه بفعله، وقيامه عن المجلس، ليجب البيع، فإنما فسره بما يثبت الجهالة فيه، فيدخل تحت النهي عن الغرر، كما يوجبه النهي عن الملامسة، والمنابذة، وليس من قول النبيّ وَّرَ، ولا تفسيره، وإنما هو من فهم ابن عمر، وأصل الترجيح الذي هو قضيّة الأصول أن يقدّم المقطوع به على المظنون، والأكثر رواةً على الأقلّ، فهذا هو الذي قصده مالك، مما لا يدركه إلا مثله، ولا يتفطّن له أحد قبله، ولا بعده، وهو إمام الأئمة، غير مدافع له في ذلك. انتهى. وهو عجيب، أيُتَمَعْقَلُ على الشارع، ويقال له: هذا الذي حكمت به غرر، وقد نهيت عن الغرر، فلا نقبل هذا الحكم، ونتمسّك بقاعدة النهي عن الغرر، وأيّ غرر في ثبوت الخيار، رفقا بالمتعاقدين؛ لاستدراك ندم، وهذا المخالف يُثبت خيار الشرط، على ما فيه من الغرر بزعمه، وحديث خيار المجلس أصحّ منه، ويعتبر التفرّق في إبطاله للبيع، إذا وُجد قبل التقابض في الصرف، ولا يرى تعليق ذلك بالتفرّق بالأبدان غررًا، مبطلًا للعقد، ثم بتقدير أن يكون فيه غررٌ، فقد أباح الشارع الغرر في مواضع معروفة، كالسلم، والإجارة، والحوالة، وغيرها، ثم بتقدير أن يكون لحكمة اقتضت ذلك، بل ولو لم يظهر لنا حكمته، فإنه يجب علينا الأخذ به تعبّدًا، والمسلك الذي نفاه عن إمامه أقلّ مفسدة من الذي سلكه، فإن ذاك تقديم للإجماع في اعتقاده، إن صح على خبر الواحد، وأما ما سلكه ففيه ردّ السنن بالرأي، وذلك قبيحٌ بالعلماء. انتهى كلام وليّ الدين رحمه الله تعالى ((طرح التثريب)) ١٥٤/٦-١٥٥. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لقد أجاد الحافظ وليّ الدين رحمه الله تعالى في هذا الردّ على ابن العربيّ، فإن ما ذهب إليه الجمهور هو الحقّ، والانتصار للحقّ هو الواجب على العلماء. والحاصل أنه قد اتضح بما سبق من إيراد أدلّة الفريقين أن الحقّ هو ما عليه ١٣٧= ٩- (ذِكْرُ الاخْتِلَافِ عَلَى نَفِعِ فِي لِفْظِ حَدِيثِهِ) - حديث رقم ٤٤٦٧ الجمهور، من إثبات خيار المجلس؛ لوضوح أدلّته، فتبصّر بالإنصاف، ولا تتحيّر بالتقليد والاعتساف. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): لم يُذكر في الحديث للتفرق ضابطٌ، فيكون مرجعه إلى العرف، وقد كان ابن عمر، راوي الحديث، إذا اشترى شيئًا يعجبه فارق صاحبه، وفي رواية : إذا ابتاع بيعًا، وهو قاعد، قام ليجب له، وفي رواية: كان إذا بايع رجلًا، فأراد أن لا يقيله قام، فمشى هُنيّةً، ثم رجع إليه. قال وليّ الدين: قال أصحابنا - يعني الشافعيّة -: ما عدّه الناس تفرّقًا، لزم به العقد، فلو كانا في دار صغيرة، فالتفرق أن يخرج أحدهما منها، أو يصعد السطح، وكذا لو كانا في مسجد صغير، أو سفينة صغيرة، فالتفرّق أن يخرج أحدهما منها، فإن كانت الدار كبيرة، حصل التفرّق بأن يخرج أحدهما من البيت إلى الصحن، أو من الصحن إلى بيت، أو صفّة، وإن كانا في صحراء، أو سوق، فإذا ولّى أحدهما ظهره، ومشى قليلًا، حصل التفرّق على الصحيح، وقال الإصطخريّ: يشترط أن يبعد عن صاحبه، بحيث لو كلّمه على العادة من غير رفع صوت لم يسمع كلامه، ولا يحصل التفرّق بأن يُرخَى بينهما سترٌ، أو يُشقّ نهرٌ، وهل يحصل ببناء جدار بينهما، فيه وجهان، أصحّهما لا، وصحن الدار، والبيت الواحد إذا تفاحش اتساعهما كالصحراء، فلو تناديا متباعدين، وتبايعا، فلا شكّ في صحّة البيع. ثم قال إمام الحرمين: يحتمل أن لايقال: لا خيار لهما؛ لأن التفرّق الطارىء يقطع الخيار، فالمقارن يمنع ثبوته، ويحتمل أن يقال: يثبت ما داما في موضعهما، وبهذا قطع المتولّي، ثم إذا فارق أحدهما موضعه بطل خياره، وهل يبطل خيار الآخر، أم يدوم إلى أن يفارق مكانه، فيه احتمالان للإمام، قال النوويّ: الأصحّ ثبوت الخيار، وأنه متى فارق أحدهما موضعه، بطل خيار الآخر. وحكى ابن عبد البرّ عن الأوزاعيّ، قال: حدّ التفرقة أن يتوارى كلّ واحد منهما عن صاحبه، وهو قول أهل الشام، قال: وقال الليث ابن سعد: التفرّق أن يقوم أحدهما. انتهى. ((طرح التثريب)) ١٥٥/٦ - ١٥٦. وقال ابن حزم رحمه الله تعالى في ((المحلّى)): فإن تبايعا في بيت، فخرج أحدهما عن البيت، أو دخل حنية في البيت، فقد تفرّقا، وتمّ البيع، أو تبايعا في حنية، فخرج أحدهم إلى البيت، فقد تفرّقا، وتمّ البيع، فلو تبايعا في صحن دار، فدخل أحدهما البيت، فقد تفرّقا، وتمّ البيع، فلو تبايعا في دار، أو خصّ، فخرج أحدهما إلى الطريق، أو تبايعا في طريق، فدخل أحدهما دارًا، أو خصّا، فقد تفرّقا، وتمّ البيع، فإن تبايعا في سفينة، فدخل أحدهما البليج، أو الخزانة، أو مضى إلى الفندقوق، أو صعِد الصاري، فقد تفرّقا، وتمّ البيع، وكذلك لو تبايعا في أحد هذه الواضع، فخرج أحدهما == ١٣٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع إلى السفينة، فقد تمّ البيع، إذ تفرّقا، فإن تبايعا في دكّان، فزال أحدهما إلى دكان آخر، أو خرج إلى الطريق، فقد تمّ البيع، وتفرّقا، ولو تبايعا في الطريق، فدخل أحدهما الدكان، فقد تمّ البيع، وتفرّقا، فلو تبايعا في سفر، أو في فضاء، فإنهما لا يفترقان إلا بأن يصير بينهما حاجز يسمّى تفريقًا في اللغة، أو بأن يغيب عن بصره في الرفقة، أو خلف ربوة، أو خلف شجرة، أو في حفرة، وإنما يُرعَى ما يُسمّى في اللغة تفريقًا فقط. وباللّه تعالى التوفيق. انتهى ((المحلّى)) ٣٦٦/٨-٣٦٧. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٤٦٨ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْتِى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابْنٍ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وََّ، قَالَ: ((الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ، مَا لَمْ يَفْتَرِقَا، أَوْ يَكُونَ خِيَارًا))). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و ((عمرو بن عليّ)): هو الفلاس. و((يحيى)): هو القطّان. و((عبيد الله)): هو ابن عمر العمريّ. والحديث متفقٌ عليه، وقد تقدّم شرحه، وبيان مسائله في الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٤٦٩- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ الْمَزْوَزِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُخْرِزْ بُنُ الْوَضَّاحُ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((الْمُتَبَابِعَانِ بِالْخِيَارِ، مَا لَمْ يَفْتَرِقًا، إِلَّا أَنْ يَكُوَّنَ الْبَيْعُ كَانَ عَنْ خِيَارٍ، فَإِنْ كَانَ الْبَيْعُ عَنْ خِيَارٍ، فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ))). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((محمد بن عليّ المروزيّ)): هو المعروف بالتُّرك، وقد ينسب لجدّه، ثقة [١١] ١٤٨/١٠٩ من أفراد المصنّف. و((مُحرز بن الوضّاح)): هو المروزيّ، مقبول [٩] ٢٤٦٨/١٦. و((إسماعيل)): هو ابن أميّة بن عمرو بن سعيد بن العاص بن أمية الأمويّ، ثقة ثبت [٦] ١٦ / ٢٤٨ . [تنبيه] : كون إسماعيل هذا هو ابن أمية هو الذي جزم به الحافظ المزيّ رحمه الله تعالى في ((تحفة الأشراف)) ٥٩/٦-٦٠، لكن كتب الحافظ رحمه الله تعالى في ((النكت الظراف)): ما نصّه: قلت: لم يقع إسماعيل عند النسائيّ هنا منسوبًا، وقد جزم أبو العبّاس الطرقيّ بأنه إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة. وجزم ابن حزم بأنه إسماعيل بن جعفر، وهو خطأ منه. انتھی. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ومهما كان الأمر، فكلّ هؤلاء الثلاثة ثقات، فلا يضرّ الاختلاف. والله تعالى أعلم. ١٣٩ ٩- (ذکرُ الاختلافِ علی نافع فِی لفظِ حَدِيثِهِ) - حدیث رقم ٤٤٧٠ وقوله: ((فإن كان البيع عن خيار)): أي إذا قال أحدهما للآخر: اختر البيع، فقال: اخترت، فقد انتهى خيار المجلس، وثبت البيع، فلا خيار لأحدهما بعده، وهذا ظاهر في أن الاستثناء في قوله في الحديث الماضي: ((إلا بيع الخيار)) من نفس الحكم، أي إلا أن يكون البيع جرى فيه التخاير بأن قال أحدهما للآخر في المجلس: اختر، فقال: اخترت، فلا خيار قبل التفرّق، وهذا هو الذي ذهب إليه الجمهور، وهو الحقّ، كما سبق تحريره قريبًا. والله تعالى أعلم. والحديث صحيح، وهو بهذا السياق من أفراد المصنّف رحمه اللَّه تعالى. وقوله: ((فقد وجب البيع)): أي لزم، وانبرم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٤٧٠- (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَمْلَى عَلَيَّ نَافِعْ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَّرِ: ((إِذَا تَبَايَعَ الْبَيَّعَانِ، فَكِّلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ مِنْ بَيْعِهِ، مَا لَمْ يَفْتَرِقَا، أَوْ يَكُونَ بَيْعُهُمَا عَنْ خِيَارٍ، فَإِنْ كَانَ عَنْ خِيَارٍ، فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ»). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((عليّ بن ميمون)): هو العطّار الرقيّ، ثقة [١٠] ٢٨/ ٤٣٥. و((سفيان)»: هو ابن عيينة . وقوله: ((أملى عليّ الخ)): أي ألقى عليّ، فكتبته. قال الفيوميّ: وأمللت الكتاب على الكاتب إملالًا: ألقيته عليه، وأمليته عليه إملاءً، والأولى لغة الحجاز، وبني أسد، والثانية لغة تميم، وقيس، وجاء الكتاب العزيز بهما، قال عز وجل: ﴿وَلْيُمْلِلٍ اَلَّذِى عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾ الآية [البقرة: ٢٨٢]، وقال: ﴿فَهِىَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفرقان: ٥]. انتهى. وقال المجد في ((القاموس)): وأملّه: قال له: فكتب عنه. انتهى. وقوله: ((أو يكون الخ)) بالنصب، بـ((أن)) مقدّرة بعد) أو ((التي هي بمعنى ((إلا))، كما قال ابن مالك في «خلاصته)) : كَذَاكَ بَعْدَ ((أَو(( إِذَا يَضْلُحُ فِي مَوْضِعِهَا ((حَتَّى)) أَوِ ((الََّ)) أَنْ)) خَفِي يعني أن الفعل يُنصب بـ((أن)) مضمرة وجوبًا بعد ((أو ((التي بمعنى ((حتى))، أو ((إلا))، فالأول إذا كان الفعل الذي قبلها ينقضي شيئًا، فشيئًا، والثاني إن لم يكن كذلك، فالأول كقول الشاعر [من الطويل]: لأَسْتَسْهِلَنَّ الصَّغْبَ أَوْ أُدْرِكَ الْمُتَّى فَمَا انْقَادَتِ الْآَمَالُ إِلَّ لِصَابِرٍ والثاني كقوله [من الطويل]: كَسَرْتُ كُعُوبِهَا أَوْ تَسْتَقِيمًا وَكُنْتُ إِذَا غَمَزْتُ قَنَاةً قَوْمٍ ١٤٠ = شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوعِ وليس قوله: ((يكون)) معطوفًا على ((يفترقا))؛ لأنه لو كان كذلك لكان مجزوما. والحديث متفقٌ عليه، كما سبق بيانه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٤٧١- (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ، قَالَ: ((الْبَيْعَانِ بِالْخِيَارِ، مَا لَمْ يَفْتَرِقَا، أَوْ يَقُولَ أَحَدُهَمَا لِلْآخَرِ: اخْتَرْ))). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و((عبد الأعلى)): هو ابن عبد الأعلى الساميّ البصريّ. و((أيوب)): هو السختيانيّ. [تنبيه]: وقع هنا في نسخ ((المجتبى)) التي بين يديّ: ((حدثنا شعبة))، والذي في ((الكبرى))، ٨/٤ و(تحفة الأشراف)) ٦٢/٦: ((حدثنا سعيد)) بدل شعبة، ولم يتبيّن لي المراد منهما، إذ كلاهما يرويان عن أيوب، ويروي عنهما عبد الأعلى، فليُحرّر، و((سعيد)): هو ابن أبي عروبة. والله تعالى أعلم. وقوله: ((أو يقول الخ)) بالنصب، بـ((أن)) مضمرة بعد ((أو)) التي بمعنى ((إلا))، كما تقدّم نظيره في الحديث الماضي. والحديث متفقٌ عليه، كما سبق قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٤٧٢- (أَخْبَرَنَا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَةَ، قَالَ: أَنْبَأْنَا أَيُّوبُ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((الْبَيْعَانِ بِالْخِيَارِ، حَتَّى يَفْتَرِقَا، أَوْ يَكُونَ بَّيْعَ خِيَارِ))، وَرُبَّمَا قَالَ نَافِعٌ: ((أَوْ يَقُولَ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ: اخْتَرْ))). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و((زياد بن أيوب)): هو المعروف بدلّويه، وكان أحمد يلقبه شعبة الصغير؛ لحفظه، وإتقانه . وقوله: ((أو يكون بيع خيار)) معناه أن المتبايعين إذا قال أحدهما لصاحبه: اختر إمضاء البيع، أو فسخه، فاختار إمضاء البيع مثلًا أن البيع يتمّ، وإن لم يفترقا، وبهذا قال الثوريّ، والأوزاعيّ، والشافعيّ، وإسحاق، وآخرون. وقال أحمد: لا يتمّ البيع حتى يتفرّقا، وقيل: إنه تفرّد بذلك. وقيل: معنى: ((أو يكون بيع خيار)) أي أن يشترطا الخيار مطلقًا، فلا يبطل بالتفرّق. وهذا ضعيف، وقد تقدّم بيانه مفضلًا قريبًا، فلا تغفل. والحديث متفقٌ عليه، كما سبق. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع