Indexed OCR Text

Pages 341-360

٣٤١ =
١٧ - (ذَبْحُ الضَّحِيةِ قَبَلَ الإِمام) - حديث رقم ٤٣٩٦
فعل الصلاة، من حديث البراء، أي حيث جاء فيه: ((من ذبح قبل الصلاة))، قال: لكن
إن أجريناه على ظاهره، اقتضى أن لا تجزىء الأضحية، في حق من لم يصل العيد، فإن
ذهب إليه أحد، فهو أسعد الناس بظاهر هذا الحديث، وإلا وجب الخروج عن هذا
الظاهر، في هذه الصورة، ويبقى ما عداها في محل البحث. وتعقب بأنه قد وقع في
صحيح مسلم، في رواية أخرى: ((قبل أن يصلي))، أو ((نصلي)) بالشك، قال النووي:
الأولى بالياء، والثانية بالنون، وهو شك من الراوي، فعلى هذا إذا كان بلفظ ((يصلي))،
ساوى لفظ حديث البراء، في تعليق الحكم بفعل الصلاة. قال الحافظ: وقد وقع عند
البخاري، في حديث جندب، في ((الذبائح)) بمثل لفظ البراء، وهو خلاف ما يوهمه
سياق صاحب ((العمدة))، فإنه ساقه على لفظ مسلم، وهو ظاهر في اعتبار فعل الصلاة،
فإن إطلاق لفظ الصلاة، وإرادة وقتها خلاف الظاهر، وأظهر من ذلك قوله: ((قبل أن
نصلي))، بالنون وكذا قوله: ((قبل أن ننصرف))، سواء قلنا من الصلاة، أم من الخطبة .
وادّعَى بعض الشافعية أن معنى قوله وَّر: ((من ذبح قبل أن يصلي، فليذبح مكانها
أخرى))، أي بعد أن يتوجه من مكان هذا القول؛ لأنه خاطب بذلك من حضره، فكأنه
قال: من ذبح قبل فعل هذا من الصلاة والخطبة، فليذبح أخرى، أي لا يعتد بما ذبحه،
ولا يخفي ما فيه. وأورد الطحاوي ما أخرجه مسلم، من حديث ابن جريج، عن أبي
الزبير، عن جابر، بلفظ: ((أن النبي وَّر، صلى يوم النحر بالمدينة، فتقدم رجال،
فنحروا، وظنوا أن النبي وَلّر، قد نحر فأمرهم أن يعيدوا»، قال: ورواه حماد بن
سلمة، عن أبي الزبير، عن جابر، بلفظ: ((أن رجلا ذبح قبل أن يصلي رسول اللّه وَّر،
فنهى أن يذبح أحد قبل الصلاة))، وصححه ابن حبان، ويشهد لذلك قوله في حديث
البراء: ((إن أول ما نصنع، أن نبدأ بالصلاة، ثم نرجع، فننحر))، فإنه دال على أن وقت
الذبح يدخل بعد فعل الصلاة، ولا يشترط التأخير إلى نحر الإمام، ويؤيده من طريق
النظر، أن الإمام لو لم ينحر، لم يكن ذلك مسقطا عن الناس مشروعية النحر، ولو أن
الإمام نحر قبل أن يصلي، لم يجزئه نحره، فدل على أنه هو والناس في وقت الأضحية
سواء. وقال المهلب: إنما كره الذبح قبل الإمام؛ لئلا يشتغل الناس بالذبح عن الصلاة.
انتهى ما في (الفتح)).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: قد تبيّن مما ذُكر أن الأرجح - كما تقدّم تصحيحه عن
ابن قدامة رحمه الله تعالى- أن وقتها، في الموضع الذي يُصَلَّى فيه العيدُ بعد الصلاة؛
لظاهر الخبر، فإن العمل بظاهر الخبر مهما أمكن هو الواجب، فأما غير أهل الأمصار
والقرى، فأول وقتها في حقهم قدر الصلاة، والخطبة بعد الصلاة؛ إذا كانوا لا يُصلّون

٣٤٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الضَّحَایَا
صلاة العيد، حيث كان مذهبهم عدم مشروعيّتها في حقّهم، فوجب الاعتبار بقدرها.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في آخر وقت الأضحيّة:
ذهبت طائفة إلى أن آخره اليوم الثاني من أيام التشريق، فتكون أيام النحر ثلاثة: يوم
العيد، ويومان بعده، وهذا قول عمر، وعلي، وابن عمر، وابن عباس، وأبي هريرة،
وأنس، قال أحمد: أيام النحر ثلاثة عن غير واحد، من أصحاب رسول اللّه وَّ، وفي
رواية قال: خمسةٍ من أصحاب رسول اللّه ◌َالهر، ولم يذكر أنسا، وهو قول مالك،
والثوري، وأبي حنيفة.
واحتجَ هؤلاء بأن النبي ◌َّل، نهى عن ادخار الأضاحي فوق ثلاث، ولا يجوز الذبح
في وقت لا يجوز ادخار الأضحية إليه، ولأن اليوم الرابع لا يجب الرمي فيه، فلم تجز
التضحية فيه كالذي بعده، ولأنه قول من ذُكر من الصحابة، ولا مخالف لهم إلا رواية
عن علي، وقد روي عنه ما يوافق الأولين.
وتُعقّب بأن النهي عن الادخار فوق ثلاث؛ لا يستلزم النهي عن الذبح؛ لأن النهي
إنما ورد لأجل أن يتصدّقوا باللحم على المحتاجين، وهذا لا يمنع الذبح، بل يقتضيه،
ودعوى عدى مخالفة الصحابة للمذكورين غير صحيحة.
قال أبو محمد بن حزم رحمه الله تعالى -بعد ذكر احتجاجهم بما ذكر من عدم
المخالف لهؤلاء الصحابة -: ما نصّه: قد ذكرنا قضايا عظيمة خالفوا فيها جماعة من
الصحابة رضي الله عنهم، لا يُعرف لهم مخالف، فكيف، ولا يصحّ شيء مما ذكرنا،
إلا عن أنس وحده على ما بيّا قبلُ؟، وإن كان هذا إجماعًا، فقد خالف عطاء، وعمر بن
عبد العزيز، والحسن، والزهريّ، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وسليمان بن يسار
الإجماع، وأَفّ لكلّ إجماع يخرُج عنه هؤلاء. وقدروينا عن ابن عباس ما يدلّ على خلافه
لهذالا القول. انتهى «المحلّى» ٣٧٨/٧.
وذهبت طائفة إلى أن آخره آخر أيام التشريق، وإليه ذهب الشافعي، وبه قال عطاء،
والحسن؛ لأنه روي عن جبير بن مطعم: أن النبي ◌َّ قال: «أيام منى كلها مَنْخَرٌ،
ولأنها أيام تكبير وإفطار، فكانت محلا للنحر کالأولين.
وتُعقّب بأن الحديث إنما هو: ((ومنى كلها منحر))، ليس فيه ذكر الأيام، والتكبير أعم
من الذبح، وكذلك الإفطار، بدليل أول يوم النحر، ويوم عرفة يوم تكبير، ولا يجوز
الذبح فيه .
وذهب ابن سيرين إلى أنه لا تجوز الأضحية إلا في يوم النحر خاصة؛ لأنها وظيفة

١٧ - (ذَبْحُ الضَّحِيّةِ قَبَلَ الإِمام) - حديث رقم ٤٣٩٦
٣٤٣ =
عيد، فلا تجوز إلا في يوم واحد، كأداء الفطرة يوم الفطر، وبه قال سعيد بن جبير،
وجابر بن زيد، في حقّ أهل الأمصار. وحقّ في أهل منى كالقول الأول.
وذهب أبو سلمة بن عبدالرحمن، وعطاء بن يسار إلى أنه تجوز التضحية إلى هلال
محرم، وقال أبو أمامة بن سهل بن حنيف: كان الرجل من المسلمين، يشتري أضحية،
فيُسَمّنها، حتى يكون آخر ذي الحجة، فيضحي بها، رواه الأمام أحمد، بإسناده، وقال:
هذا الحديث عجيب، وقال: أيام الأضحى التي أجمع عليها ثلاثة أيام (١) .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما ذهب إليه أبو سلمة بن عبد الرحمن،
وعطاء بن يسار، ورُوي عن عليّ رضي اللّه تعالى عنه، من جواز التضحية إلى هلال
محرّم هو الأرجح؛ لقوّة أدلّته، فقد أخرجه ابن حزم في ((المحلّى)) من طريق يحيى بن
أبي كثير، عن محمد بن إبراهيم التيميّ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف،
وسليمان بن يسار، قالا جميعًا: بلغنا أن رسول اللّه وَ ل قال: ((الأضحى إلى هلال
المحرّم لمن أراد أن يستأني بذلك))، قال ابن حزم هذا من أحسن المراسيل، وأصخها،
فيلزم الحنفيين، والمالكيين القول به، وإلا فقد تناقضوا. انتهى.
قال الجامع: وهذا المرسل يعضده ما أخرجه أبو نعيم في ((مستخرجه)) من طريق
أحمد بن حنبل، عن عباد بن العوّام، قال: أخبرني يحيى بن سعيد، وهو الأنصاريّ،
قال: سمعت أبا أمامة بن سهل، قال: ((كان المسلمون يشتري أحدهم الأضحيّة،
فيُسمّنها، ويذبحها في آخر ذي الحجة))(٢).
فهذا أثر صحيح، وقد علقه البخاريّ في ((صحيحه)) بصيغة الجزم، وأبو أُمامة، من
كبار التابعين، وله رؤية، قد أخبر بأن ذلك كان فعل المسلمين، فصحّ الاحتجاج
بالمرسل المذكور؛ لاعتضاده، عند من لا يحتجّ به إلا إذا اعتضد.
والحاصل أن الحقّ جواز التضحية إلى آخر ذي الحجة. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في زمن ذبح الأضحية:
ذهبت طائفة إلى أنه النهار، دون الليل، قال ابن قدامة: نص عليه أحمد، في رواية
الأثرم، وهو قول مالك، وروي عن عطاء ما يدل عليه. قال: وحكي عن أحمد رواية
أخرى، أن الذبح يجوز ليلا، وهو اختيار أصحابنا المتأخرين، وقول الشافعي،
(١) وعلّقه البخاريّ في ((صحيحه)) في ((باب أضحية النبيّ ◌َّير بكبشين .... من ((كتاب الأضاحي)) ٧/
١٣٠ .
(٢) راجع ((الفتح)) ١٢٤/١١ ((كتاب الأضحية)).

٣٤٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الضَّحَابًا
وإسحاق، وأبي حنيفة، وأصحابه؛ لأن الليل زمن يصح فيه الرمي، فأشبه النهار.
ووجه الأول قولُ اللَّه تعالى: ﴿وَيَذْكُرُواْ أُسْمَ اللَّهِ فِيَ أَيَّامٍ مَّعْلُومَتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّنْ
بَهِيمَةِ الْأَنْعَمِّ﴾ [الحج: ٢٨]، وروي عن النبي ◌َّ، أنه نهى عن الذبح بالليل، ولأنه
ليلُ يومٍ يجوز الذبح فيه، فأشبه ليلة يوم النحر، ولأن الليل تتعذر فيه تفرقة اللحم في
الغالبَ، فلا يفرق طَرِيّا، فيفوت بعض المقصود، ولهذا قالوا: يكره الذبح فيه، فعلى
هذا إن ذبح ليلا لم يجزئه عن الواجب، وإن كان تطوعا، فذبحها كانت شاة لحم، ولم
تكن أضحية، فإن فرقها حصلت القربة بتفريقها دون ذبحها. انتهى كلام ابن قدامة رحمه
اللَّه تعالى في ((المغني)) ٣٨٤/١٣-٣٨٧ بتصرّف.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: عندي أن القول بجوز الذبح ليلًا هو الأرجح؛ لأنه
ليس هناك نصّ يمنع من ذلك؛ والآية ليس فيها التعرّض للنهي عن ذلك أصلًا، وما
ذكروه من الحديث غير ثابت، فقد أخرجه الطبرانيّ في ((المعجم الكبير))، وفيه سليمان
ابن سلمة الْخَبَائريّ، وهو متروك، كما قاله الحافظ أبو بكر الهيثميّ في («مجمع الزوائد
٢٣/٤، بل كذّبه بعضهم، كما في ((الميزان)) للذهبيّ ٢/ ٢٠٩- ٢١٠، فتنبه. وقد حقّق
المسألة أبو محمد ابن حزم رحمه الله تعالى في ((كتابه المحلّى)) ٣٧٧/٧ -٣٧٩ -
مرجّحًا الجواز إلى هلال محرّم، ليلًا ونهارًا، فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السابعة): في اختلاف أهل العلم فيما إذا فات وقت الذبح:
ذهبت طائفة إلى أنه إذا فات وقت الذبح، ذبح الواجب قضاء، وصنع به ما يصنع
بالمذبوح في وقته، وهو مخير في التطوع، فإن فرق لحمها كانت القربة بذلك، دون
الذبح؛ لأنها شاة لحم، وليست أضحية، وبهذا قال الشافعي، وأحمد.
وقال أبو حنيفة: يسلمها إلى الفقراء، ولا يذبحها، فإن ذبحها فرق لحمها، وعليه
أرش ما نقصها الذبح؛ لأن الذبح قد سقط بفوات وقته.
واحتجّ الأولون بأن الذبح أحد مقصودي الأضحية، فلا يسقط بفوات وقته، كتفرقة
اللحم، وذلك أنه لو ذبحها في الأيام، ثم خرجت قبل تفريقها فرّقها بعد ذلك ، ويفارق
الوقوف، والرمي، ولأن الأضحية لا تسقط بفواتها بخلاف ذلك.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الذي يظهر لي هو الذي قاله الأولون. والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[تنبيه] : إذا وجبت الأضحية بإيجابه لها، فَضَلَّت، أو سُرِقت بغير تفريط منه، فلا
ضمان عليه؛ لأنها أمانة في يده، فإن عادت إليه ذبحها، سواء كان في زمن الذبح، أو

=
٣٤٥ =
١٧ - (ذَبْحُ الضَّحِيَةِ قَبَلَ الإمام) - حديث رقم ٤٣٩٨
فيما بعده. ذكره ابن قدامة رحمه الله تعالى في ((المغني)) ٣٨٧/١٣-٣٨٨. والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٣٩٧ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَخْوَصِ، عَن مَنْصُورٍ، عَنِ الشَّعْبِيّ، عَنِ
الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللّهِ وَهُ يَوْمَ النَّخْرِ، بَعْدَ الصَّلَاةِ، ثُمَّ قَالَ: ((مَنْ
صَلَّى صَلَاتَنَا، وَنَسَكَ نُسُكَنَا، فَقَدْ أَصَابَ النُّسُكَ، وَمَنْ نَسَكَ قَبْلَ الصَّلَاةِ، فَتِلْكَ شَاةٌ
لَحْم)»، فَقَالَ أَبُو بُرْدَةَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَاللَّهِ لَقَدْ نَسَكْتُ، قَبْلَ أَنْ أَخْرُجَ إِلَى الصَّلَاةِ،
وَعَرَّفْتُ أَنَّ الْيَوْمَ يَوْمُ أَكْلِ وَشُرْبٍ، فَتَعَجَّلْتُ، فَأَكَلْتُ، وَأَطْعَمْتُ أَهْلِي، وَجِيرَانِي، فَقَالَ
رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((تِلْكَ شَّاةُ لَحْمَ)، قَالَ: فَإِنَّ عِنْدِي عَنَاقًا، جَذَعَةً، خَيْرٌ مِنْ شَاتَيْ لَحْم،
فَهَلْ تُجْزِئُ عَنِّي؟، قَالَ: (نَعَمْ، وَلَنْ تَجَزِيَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ))).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا
غير مرّة .
و((أبو الأحوص)): هو سلّام بن سُليم الحنفيّ الكوفيّ. و((منصور)): هو ابن المعتمر.
وقوله: ((أبو بُردة)) بضمّ الموحّدة، وسكون الراء، هو هانىء بن نِيَار الأنصاريّ.
وقوله: ((فإن عندي عناقًا جذعةً))، قال الكرمانيّ: ((جذعة)» صفة للعناق، ولا يقال:
عناقةٌ؛ لأنه موضوعٌ للأنثى من ولد المعز، فلا حاجة إلى التاء الفارقة بين المذكّر
والمؤنّث. انتهى.
وقوله: ((قال: نعم، ولن تجزي الخ)» وفي رواية للبخاريّ: ((قال: اذبحها، ولا تصلح
لغيرك، وفي رواية: ((أأذبحها؟، قال: نعم، ثم لا تجزى عن أحد بعدك»، وفي حديث
سهل بن أبي حثمة: ((وليس فيها رخصة لأحد بعدك)).
وقوله: ((عن أحد بعدك)) قال الكرمانيّ: هذا من خصائص أبي بردة، كما أن قيام
شهادة خزيمة مقام الشهادتين، من خصائص خزيمة، ومثله كثير في الصحابة رضي الله
تعالى عنهم. وقال الخطابيّ: هذا من النبيّ وَلّ تخصيص لعين من الأعيان بحكم مفرد،
وليس من باب النسخ، فإن النسخ إنما يقع عامًا للأمّة، غير خاصّ ببعضهم. انتهى(١).
والحديث متفقٌ عليه، وقد سبق تمام البحث فيه في الذي قبله. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٣٩٨ - (أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنِ
مُحَمَّدٍ، عَنِ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِوَّهِ يَوْمَ النَّخْرِ: (مَنْ كَانَ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ، فَلْيُعِذْ))،
(١) راجع ((زهر الربى)) ٧/ ٢٢٣.

=
٣٤٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الضَّحَايَا
فَقَامَ رَجُلٌ: فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا يَوْمٌ، يُشْتَهَى فِيهِ اللَّحْمُ، فَذَكَرَ هَنَّةً مِنْ جِيرَانِهِ، كَأَنَّ
رَسُولَ اللّهِ وَ لّهِ صَدَّقَهُ، قَالَ: عِنْدِي جَذَعَةٌ، هِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ شَاتَيْ لَحْمٍ، فَرَخَّصَ لَهُ، فَلَا
أَدْرِي، أَبَلَغَتْ رُخْصَتُهُ مَنْ سِوَاهُ، أَمْ لَا؟، ثُمَّ انْكَفَأَ إِلَى كَبْشَيْنِ، فَذَبَحَهُّمَا))).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١- (يعقوب بن إبراهيم) الدَّوْرقيّ، أبو يوسف البغدادي، ثقة [١٠] ٢٢/٢١.
٢- (ابن علية) إسماعيل بن إبراهيم بن مِقسَم، أبو بشر البصريّ، ثقة ثبت [٨] ١٨/
١٩ .
[تنبيه]: وقع في بعض نسخ ((المجتبى))، وفي ((الكبرى)): ((حدّثنا ابن عُليّة))، وهو
الذي في ((تحفة الأشراف)) ١/ ٣٧٠- ووقع في النسخة الهنديّة بدله: ((حدّثنا حماد بن
زيد))، والظاهر أن كليهما صواب، وذلك لأن البخاريّ أخرج الحديث بالطريقين جميعًا،
فأخرجه عن مسدد، وعليّ بن المدينيّ، وصدقة بن الفضل ثلاثتهم عن إسماعيل ابن
عليّة، عن أيوب عن ابن سيرين، عن أنس رضي اللَّه تعالى عنه، وأخرجه أيضًا عن
حامد بن عمر، عن حماد بن زيد، عن أيوب، به، وكذا أخرجه مسلم بالطريقين جميعًا،
فلعل المصنّف أيضًا أخرجه بهما جميعًا. والله تعالى أعلم.
٣- (أيوب) بن أبي تميمة كيسان السختيانيّ، أبو بكر البصري، ثقة ثبت حجة، من
كبار الفقهاء العبّاد [٥] ٤٨/٤٢.
٤- (محمد) بن سيرين، أبو بكر الأنصاري مولاهم البصري، ثقة ثبت عابد [٣]
٤٦ / ٥٧ .
٥- (أنس) بن مالك الأنصاري، أبو حمزة الخادم رضي اللّه تعالى عنه ٦/٦. والله
تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير شيخه، فبغدادي. (ومنها): أن
شيخه أحد مشايخ الجماعة الذين يروون عنهم بلا واسطة. (ومنها): أن فيه رواية تابعي
عن تابعيّ. (ومنها): أن فيه أنسًا رضي الله تعالى عنه أحد المكثرين السبعة، روى
(٢٢٨٦) وهو آخر من مات من الصحابة بالبصرة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَنَس) بن مالك رضي اللَّه تعالى عنه، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ يَوْمَ النَّخْرِ:

٣٤٧
١٧ - (ذَبْحُ الضَّحِيةِ قَبَلَ الإِمام) - حديث رقم ٤٣٩٨
((مَنْ كَانَ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ، فَلْيُعِذْ))) بضم أوله، من الإعادة، وهو فعل مضارع، مجزم بلام
الأمر، وقد استدلّ به من قال بوجوب الأضحيّة؛ لكونه أمرًا، والمختار أنها مستحبّة،
والمراد به هنا بيان أن سنّة الأضحية لا تتأدّى بالأُولى، بل يُحتاج إلى فعلها مرّةً أخرى،
فالأمر بالإعادة؛ لتحصيل السنة، لا غير، وتقدّم البحث في هذا مستوفّى، فلا تغفل.
(فَقَامَ رَجُلٌ) يحتمل أن يكون هو أبا بُردة بن نيار المذكور سابقًا (فَقَالَ: يَا رَسُولَ
اللَّهِ، هَذَا يَوْمٌ، يُشْتَهَى فِيهِ اللَّحْمُ) ببناء الفعل للمفعول (فَذَكَرّ) الرجل (هَنَةً مِنْ جِيرَانِهِ) -
بفتحتين- تأنيث مَنٍ، وهو كناية عن كلّ اسم جنس، وهذا معنى قول من قال: يُعبّر بها
عن كلّ شيء، والمراد به هنا الحاجة، أي فذكر أنهم فقراء محتاجون إلى اللحم (كَأَنَّ
رَسُولَ اللَّهِ نَّهِ صَدَّقَهُ) أي صدّق ذلك الرجل فيما ذكره من حاجة جيرانه، وفي رواية
البخاريّ: ((فكأن النبيّ وَّرَ عَذَره)»، وهو بتخفيف الذال المعجمة- من العذر: أي قَبِلَ
عذره، ولكن لم يجعل ما فعله كافيّا، ولذلك أمره بالإعادة. قال ابن دقيق العيد: فيه
دليلٌ على أن المأمورات إذا وقعت على خلاف مقتضى الأمر، لم يُعذر بالجهل،
والفرق بين المأمورات والمنهيّات، أن المقصود من المأمورات إقامة مصالحها، وذلك
لا يحصل إلا بالفعل، والمقصود من المنهيّات الكفّ عنها بسبب مفاسدها، ومع الجهل
والنسيان، لم يقصد المكلّف فعلها، فيُعذَرُ. ذكره في ((الفتح)) ١١/ ١٣٧.
(قَالَ) ذلك الرجل لَمّا علم أن ذبحه غير مجزىء (عِنْدِي جَذَعَةٌ، هِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ
شَاتَّيْ لَحْم، فَرَخَّصٍَ لَهُ) أي سهلٌ، وأذن له أن يُضخّي بها. قال أنس (فَلَا أَدْرِي، أَبَلَغَتْ
رُخْصَتُهُ مَّنْ سِوَاهُ، أَمْ لَا؟) قال النوويّ رحمه اللَّه تعالى في ((شرح مسلم)): هذا الشكّ
بالنسبة إلى علم أنس رضي الله تعالى عنه، وقد صرّح النبيّ وَّ في حديث البراء السابق
بأنها لا تبلغ غيره، ولا تجزىء أحدًا بعده. انتهى.
(ثُمَّ انْكَفَأَ) بالهمز: أي مال، وانعطف (إِلَى كَبْشَيْنِ، فَذَبَحَهُمَا) زاد في رواية
البخاريّ: ((ثم انكفأ الناس إلى غنيمة، فذبحوها))، وفي رواية مسلم: ((فقام الناس إلى
غنيمة، فتوزّعوها، أو قال: فتجزّعوها)). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أنس رضي اللّه تعالى عنهما هذا متفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٤٣٩٨/١٧ وفي ((كتاب العيدين)) ١٥٨٧ و١٤/ ٤٣٨٧ وتقدّم في هذا

٣٤٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الضَّحَابًا
الكتاب أيضًا ٤٣٨٩ و٤٣٩٠ - وفي («الكبرى» ١٨ /٤٤٨٨ وتقدّم أيضًا في ١٥/ ٤٤٧٥.
وأخرجه (خ) في ((العیدین)) ٩٥٤ و٩٨٤ وفي «الأضاحي)) ٥٥٤٦ و٥٥٤٩ و ٥٥٦١ و٥٥٤
(م) في ((الأضاحي)) ٥٠٥٢ و ٥٠٥٣ و٥٠٥٤ (ق) في ((الأضاحي)) ٣١٥١. والله تعالى
أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه اللّه تعالى، وهو بيان حكم ذبح الأضحية قبل
الإمام، وهو وجوب الإعادة، والظاهر أن المصنّف يرى حمل قوله وحّطاهر: ((من ذبح قبل
الصلاة، فليُعد)) على الذبح قبل الإمام، وقد تقدّم أنه قال به مالك، وبعض أهل العلم، إلا
أن الراجح جوازه قبل ذبحه، إذا كان بعد الصلاة، عملًا بظاهر الحديث. والله تعالى أعلم.
(ومنها): أن فيه إجزاء الذكر في الأضحيّة. (ومنها): أن الأفضل أن يذبح الإنسان
أضحيته بنفسه، وهذا والذي قبله مجمع عليهما. قاله النوويّ. (ومنها): أن فيه
استحباب التضحية باثنين. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٣٩٩- (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْبَى، عَن يَحْتَى ح وَأَنْبَأَنَا عَمْرُو
ابْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنِ يَخْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَن بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي بُزْدَةَ بْنِ
نِيَّارٍ، أَنَّهُ ذَبَحَ قَبْلَ النَِّيِّ وَِّ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ◌َِّ أَنْ يُعِيدَ، قَالَ: عِنْدِي عَنَاقُ جَذَّعَةٍ، هِيَ
أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ مُسِنَتَيْنِ، قَالَ: ((اذْبَحْهَا))، فِي حَدِيثِ عُبَيْدِ اللَّهِ، فَقَالَ: إِنِّي لَا أَجِدُ إِلَّ
جَذَعَةٌ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَذْبَحَ).
رجال هذا الإسناد : ستة :
١- (عُبيد الله بن سعيد) بن يحيى اليشكري، أبو قُدامة السرخسيّ، نزيل نيسابور،
ثقة ثبت مأمون [١٠] ١٥/ ١٥ .
٢- (عمرو بن علي) الفلاس، أبو حفص البصريّ، ثقة حافظ [١٠] ٤/٤.
٣- (يحيى) بن سعيد القطّان، أبو سعيد البصري، ثقة ثبت إمام حجة [٩] ٤/٤.
٤ - (يحيى بن سعيد) الأنصاريّ، أبو سعيد القاضي المدني، ثقة ثبت [٥] ٢٣/٢٢.
٥- (بُشَير بن يسار) -بضمّ الموحّدة، مصغّرًا- الحارثيّ الأنصاريّ مولاهم المدنيّ،
ثقة [٣] ١٢٤ /١٨٦ .
[تنبيه]: ((بُشَير)) بالتصغير في الكتب الستة اثنان، فقط، هذا، وبُشير بن كعب بن
أبي الحميريّ العدويّ، أبو أيوب البصريّ، ثقة [٢]. ومن عداهما، فإنه بَشِير، بالفتح،
مكبّرًا، وإلى هذا أشار السيوطيّ في ((ألفية الحديث))، حيث قال:

=
٣٤٩
١٧ - (ذَبْحُ الضَّحِيَّةِ قَبَلَ الإِمام) - حديث رقم ٤٣٩٩
وَابْنُ يَسَارٍ وَابْنُ كَعْبٍ قُلْ يُسَيْرِ وَقُلْ يُسَيْرٌ فِي ابْنِ عَمْرِو أَوْ أُسَيْز
٦- (أبو بُردة بن نيار) اسمه هانىء الصحابي المعروف، تقدمت ترجمته عند شرح
حديث البراء رضي اللَّه تعالى عنهما أول الباب. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من يحيى الأنصاري، ويحيى القطان،
وعمرو بصريان، وعبيد الله سرخسي، ثم نيسابوريّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن
تابعيّ. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي بُزْدَةَ) بضم الموحّدة، وسكون الراء، اسمه هانىء (بْنِ نِيَارٍ) -بكسر النون-
رضي الله تعالى عنه (أَنَّهُ ذَبَحَ قَبْلَ النَّبِيِّ وَّ) وتقدم سبب تقدّمه في شرح حديث البراء
رضي اللَّه تعالى عنه أول الباب (فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ◌َّهِ أَنْ يُعِيدَ) أي يذبح أضحيته مرّة ثانية؛
لعدم إجزاء الأولى، حيث وقعت قبل دخول وقتها، وهو بعد صلاة العيد (قَالَ) أي أبو
بُردة رضي اللَّه تعالى عنه (عِنْدِي عَنَاقُ جَذَعَةٍ) يحتمل أن يكون بإضافة ((عناق)) إلى
((جذعة))، من إضافة الصفة للموصوف، ويحتمل أن يكون ((جذعة)) صفة لـ((عناق))،
ويدلّ على هذا ما سبق من قوله: ((فإن عندي عناقًا جذعةً)) (هِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ) لسمنها،
وكثرة لحمها (مِنْ مُسِنَّتَيْنِ) تثنية مُسنّة بصيغة اسم الفاعل، من أسنّت: إذا طلع سنّها،
وذلك بعد سنتين، لا من أسنّ الرجل: إذا كَبِرَ (قَالَ) صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم
((اذْبَحْهَا) أي اذبح الجذعة أضحيّة بدلًا عما وقع قبل وقته (فِي حَدِيثِ عُبَيْدِ اللَّهِ) بن
سعيد، وهو الشيخ الأول للمصنّف في هذا السند، يعني أن قوله: ((اذبحها)) إنما هو في
حديث عمرو بن عليّ الفلّاس الشيخ الأول له، وأما حديث عبيد الله بن سعيد))، فإنه
بلفظ (فَقَالَ) أي الرجل (إِنِّي لَا أَجِدُ إِلَّا جَذَعَةً، فَأَمَرَهُ) صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم (أَنْ
يَذْبَحَ) الجذعة المتيسّرة له. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان.
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: حديث أبي بردة بن نيار رضي اللَّه تعالى عنه هذا
صحيح، وهو من أفراد المصنّف رحمه اللَّه تعالى، أخرجه هنا-٤٣٩٩/١٧- وفي
((الكبرى)) ١٧/ ٤٤٨٤. وأخرجه (أحمد) في ((مسند المكيين)) ١٥٧٠ و((مسند المدنيين))
١٥٨٩٣ (الموطأ) في ((الأضاحي)) ٩١٥ (الدا رمي) في ((الأضاحي)) ١٨٨١. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

٣٥٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الضَّحَایَا
٤٤٠٠- (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ، عَن جُنْذُبِ بْنِ
سُفْيَانَ، قَالَ: ضَخَّيْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَّ﴿ أَضْحَى، ذَاتَ يَوْمٍ، فَإِذَاَ النَّاسُ قَدْ ذَّبَحُوا
ضَحَايَاهُمْ قَبْلَ الصَّلَاةِ، فَلَمَّا أَنْصَرَفَ رَآهُمُ النَّبِيُّ ◌َهِ، أَنُهُمْ ذَبِّحُوا قَبْلَ الصَّلَاةِ، فَقَالَ:
(مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ، فَلْيَذْبَحْ مَكَانَّا أُخْرَى، وَمَنْ كَانَ لَمْ يَذْبَحْ حَتَّى صَلَّيْنَا، فَلْيَذْبَحْ
عَلَى اسْمِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ))).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، وتقدّموا غير
مرّة، و(أبو عوانة)): هو الوضّاح بن عبد اللَّه. و((جندب بن سفيان)): هو جندب بن عبد
الله بن سفيان الصحابيّ، رضي الله تعالى عنه، نُسب لجدّه.
وقوله: ((فليذبح على اسم الله)): قال النوويّ في ((شرح مسلم)) ١٣/ ١١٢ -١١٣:
قال الْكُتّابُ من أهل العربية: اذا قيل: ((باسم اللَّه)) تعين كَتْبُه بالألف، وانما تحذف
الألف اذا كُتِب ((بسم الله الرحمن الرحيم)) بكمالها .
وقال أيضًا: ((فليذبح على اسم الله)): هو بمعنى رواية: ((فليذبح باسم اللَّه))، أى
قائلا: باسم الله هذا هو الصحيح فى معناه. وقال القاضى: يحتمل أربعة أوجه:
[أحدها]: أن يكون معناه: فليذبح للَّه، والباء بمعنى اللام. [والثانى]: معناه: فليذبح
بسنة اللَّه. [والثالث]: بتسمية الله على ذبيحته؛ إظهارًا للإسلام، ومخالفةً لمن يذبح
لغيره، وقمعًا للشيطان. [والرابع]: تبرّكًا باسمه، وتيمّنًا بذكره، كما يُقال: سِرْ على
بركة الله، وسِزْ باسم اللَّه. وكره بعض العلماء أن يقال: افعل كذا على اسم الله، قال:
لأن اسمه سبحانه على كلّ شيء. قال القاضي: هذا ليس بشيء، قال: وهذا الحديث
يردّ على هذا القائل. انتهى.
وزاد في ((الفتح)) ١٣٧/١١ وجهًا خامسًا، وهو أن يكون معنى قوله: ((على اسم
الله)) مطلق الإذن في الذبيحة حينئذ؛ لأن السياق يقتضي المنع قبل ذلك، والإذن بعد
ذلك، كما يقال للمستأذن: باسم الله، أي ادخل. انتهى.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى في ٤/ ٤٣٧٠- وقد استوفيت شرحه، وبيان مسائله
هناك، فراجعه تستفد .
واستدلّ به المصنّف رحمه اللّه تعالى هنا على أن الذبح قبل الإمام لا يجوز، لكن
دلالته على ذلك غير واضحة، إلا بتكلّف، وإنما يدلّ على عدم الإجزاء قبل الصلاة،
وهو القول المختار، كما سبق البحث عنه مستوفّى، فلا تغفل. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب)).

١٨ - (بَابُ إِيَاحَةِ الذَّبْحِ بِالْمَرْوَةِ) - حديث رقم ٤٤٠٢
٣٥١
١٨ - (بَابُ إِيَاحَةِ الذَّبْحِ بِالْمَرْوَةِ)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((المروة)) بفتح الميم، وسكون الراء، وفتحِ الواو،
آخره هاء التأنيث: هي الحجارة البيض، وقيل: هو الذي يُقدح منه النار. والله تعالى
أعلم بالصواب.
٤٤٠١- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، قَالَ: حَدَّثَنَا دَاوُدُ،
عَنِ عَامِرٍ، عَن مُحَمَّدِ بْنِ صَفْوَانَ، أَنَّهُ أَصَابَ أَرْنَبَيْنِ، وَلَمْ يَجِدْ حَدِيدَةً، يَذْبَحُهُمَا بِهِ،
فَذَكَّاهُمَاَ بِمَرْوَةٍ، فَأَتَى النَّبِيَّ نَّهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي اصْطَدْتُ أَرْنَبَيْنِ، فَلَمْ أَجِدْ
حَدِيدَةً، أُذَكِّيهِمَا بِهِ، فَذَكَّيْتُهُمَا بِمَرْوَةٍ، أَفَاَكُلُ؟، قَالَ: ((كُلْ))).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا
غير مرّة .
و((داود)): هو ابن أبي هند. و((عامر)): هو ابن شَرَاحيل الشعبيّ.
وقوله: ((اصطدت))، وفي النسخة التي شرحها السنديّ: ((اصّدتُ))، وأصله
افتعال، من صاد، قلبت تاء الافتعال منه طاء؛ لوقوعها بعد حرف الإطباق، ثم قلبت
الطاء صادًا، وأدغمت في الصاد، فصار ((اصّدت، بتشديد الصاد، وإلى هذا القاعدة
أشار ابن مالك رحمه اللّه تعالى في ((خلاصته)) حيث قال:
طَا تَا افْتِعَالٍ رُدَّ إِثْرَ مُطْبَقِ فِي ادَّانَ وَازْدَدْ وَاذَّكِرْ دَالًا بَقِي
ويجوز أيضًا إظهار الطاء، فيقال: ((اصطدت))، كما هو معظم نسخ ((المجتبى))،
و ((الكبرى)) .
والحديث صحيحٌ، وقد تقدم في (كتاب الصيد والذبائح)) ٤٣١٥/٢٥ ومضى
شرحه، وتخريجه هناك، فراجعه تستفد .
واستدلال المصنّف رحمه الله تعالى به على الترجمة واضحة، فإنه صريحٌ في إباحة الذبح
بالمروة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل .
٤٤٠٢- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، عَن مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ:
حَدَّثَنَا حَاضِرُ بْنُ الْمُهَاجِرِ الْبَاهِلِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ سُلَّيْمَانَ بَنَ يَسَارِ، يُحَدِّثُ عَنْ زَيْدِ بْنِ
ثَابِتٍ : أَنَّ ذِئْبًا نَيَّبَ فِي شَاةٍ، فَذَبَحُوهَا بِالْمَرْوَةِ، فَرَخَّصَ النَِّيُّ رَ فِي أَكْلِهَا).
رجال الإسناد : ستة :
١- (محمد بن بشّار) بُندار، أبو بكر البصري، ثقة حافظ [١٠] ٢٧/٢٤ .
٢- (محمد بن جعفر) غندر البصري، ثقة صحيح الكتاب [٩] ٢٢/٢١

٣٥٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الضَّحَابًا
٣- (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة الثبت [٧] ٢٧/٢٤.
٤- (حاضر بن المهاجر) أبو عيسى الباهليّ، مقبول [٦].
روى عن سليمان بن يسار، وعنه شعبة. قال أبو حاتم: مجهول. وذكره ابن حبّان
في ((الثقات)). تفرّد به المصنّف بهذا الحديث فقط، وابن ماجه.
٥- (سليمان بن يسار) مولى ميمونة المدني، ثقة فاضل فقيه [٣] ١٥٦/١٢٢.
٦- (زيد بن ثابت) بن الضحاك الأنصاري النجاري الصحابي المشهور رضي الله
تعالى عنه، تقدم في ١٧٩/١٢٢ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح، غير حاضر بن المهاجر، فقد تفرد به هو، وابن ماجه. (ومنها): أن
رواته ما بين بصريين ومدنيين. (ومنها): أن فيه سليمان بن يسار أحد الفقهاء السبعة
المشهورين بالمدينة، وقد تقدّموا غير مرّة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ) الأنصاريّ رضي اللَّه تعالى عنه (أَنَّ ذِثْبًا) بكسر الذال المعجمة،
وسكون الهمزة، قال في ((اللسان)): هو كلب البرّ، والجمع أذؤُب في القليل، وذِئَّاب،
وذُؤْبان، والأنثى ذِئبةٌ، يُهُمز، ولا يُهُمز، وأصله الهمز. انتهى (نَّبَ فِي شَاةٍ) بفتح
النون، وتشديد الياء التحتانيّة: أي علّق أنيابه فيها، والناب: هو السنّ الذي يلي
الرَّبَاعيات، وهو مذكّر، وجمعه أنيابٌ، قال ابن سينا: ولا يجتمع ناب وقرنٌ معًا. ذكره
الفيّوميّ (فَذَبَحُوهَا بِالْمَرْوَةِ) بفتح، فسكون: أي بالحجر الأبيض (فَرَخَّصَِ النّبِيُّ ◌َّهِ فِي
أَكْلِهَا) فيه دليل على جواز الذبح بالمروة، وهو محل الشاهد للترجمة. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه هذا حسنٌ؛ ولا يضرّه حاضر بن المهاجر؛
لأن روى عنه شعبة، وهو ممن لا يروي إلا عن الثقة غالبًا، ووثّقه ابن حبّان، فهو حسن
الحديث، ويشهد لحديثه حديث محمد بن صفوان الذي قبله. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-١٨ / ٤٤٠٢ ويأتي بعد خمسة أبواب ٤٤٠٩/٢٤ وفي ((الكبرى)) ١٩/
٤٤٩٠ و٤٤٩٦/٢٥. وأخرجه (ق) في ((الذبائح)) ٣١٦٧ (أحمد) في ((مسند الأنصار))

٣٥٣ =
١٩ - (إِيَاحَةُ الذَّبْح بِالْعُودِ) - حديث رقم ٤٤٠٤
١٠٦١٤ . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب)).
١٩- (إِيَاحَةُ الذَّبْحِ بِالْعُودِ)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((الْعُود)) بضم العين المهملة: هو الخشب، جمعه
أعواد، وعيدان، والأصل عِوْدان، لكن قُلبت الواو ياء؛ لمجانسة الكسرة التي قبلها.
أفاده الفيّوميّ. والله تعالى أعلم بالصواب.
٤٤٠٣- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، عَن خَالِدٍ، عَن
شُعْبَةَ، عَنِ سِمَاكٍ، قَالَ: سَمِعْتُ مُرِّيَّ بْنَ قَطَرِيٍّ، عَن عَدِيٍّ بْنِ حَاتِم، قَالَ: قُلْتُ: يَا
رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَرْسِلُ كَلْبِي، فَآَخُذُ الصَّيْدَ، فَلَا أَجِدُ مَا أُذَكْيَهِ بِهِ، فَأَذْبَحُهُ بِالْمَرْوَةِ،
وَبِالْعَصَا، قَالَ: أَخِرِ الدَّمَ بِمَا شِئْتَ، وَاذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ)).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه
إسماعيل، فإنه من أفراده، وهو ثقة، و((خالد)): هو الْهُجَيميّ. و((سماك)): هو ابن
حرب، أبو المغيرة الكوفيّ، صدوق، تغير في آخره، فربّما تلقّن. و((مُرّيّ -بضمّ
الميم، بلفظ النسب - ابن قَطَريّ)) - بفتحتين، وكسر الراء، مخففًا- الكوفيّ، مقبول [٣]
٤٣٠٤/٢ .
وقوله: ((أنهر الدم الخ)) فعل أمر من الإنهار، وهو الإسالة، والصبّ بكثرة، شبّه
خروج الدم من موضع الذبح بجري الماء في النهر. قاله في ((الزهر)) ٢٢٥/٧.
والحديث صحيح، وقد تقدّم في ٤٣٠٦/٢٠- وتقدّم شرحه، وبيان مسائله،
واستدلال المصنّف رحمه الله تعالى به على الترجمة واضحة، حيث إنه يدلّ على جواز
الذبح بالعصا، وهو بمعنى العُود. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،
وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٤٠٤- (أَخْبَرَنِي(١) مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَبَّنُ بْنُ هِلَالٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرُ
ابْنُ حَازِمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنِ زَيَدِ بْنِ أَسْلَمَ، فَلَقِيتُ زَيْدَ بْنَ أَسْلَمَ، فَحَدَّثَنِي عَن
عَطَاءِ بْنِّ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُذْرِيِّ، قَالَ: كَانَتْ لِرَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، نَاقَةٌ تَرْعَى فِي
(١) وفي نسخة: ((أخبرنا)).

٣٥٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الضَّحَایَا
قِبَلِ أُحُدٍ، فَعُرِضَ لَهَا، فَتَحَرَهَا بِوَتَدٍ، فَقُلْتُ لِزَيْدِ: وَتَدْ مِنْ خَشَبِ، أَوْ حَدِيدٍ؟، قَالَ:
لَا ، بَلْ خَشَبَ، فَأَتَى النَِّيّ ◌َِّ فَسَأَلَهُ، فَأَمَرَهُ بِأَكْلِهَا).
رجال هذا الإسناد: سبعة :
١- (محمد بن معمر) القيسيّ البحرانيّ البصريّ، صدوق، من كبار [١١]١٨٢٩/٥.
٢- (حَبّان بن هلال) -بفتح الحاء المهملة- أبو حبيب البصريّ، الثقة الثبت [٩]
٥٩٠/٤٤ .
٣- (جرير بن حازم) بن زيد، أبو النضر البصري، ثقة، إلا في حديث عن قتادة،
ففيه ضعف، وله أوهام إذا حدث من حفظه [٦] ١٠١٤/٨٢.
٤- (أيوب) بن أبي تميمة السختيانيّ المذكور قبل باب.
٥- (زيد بن أسلم) العدوي مولاهم المدنيّ، ثقة عالم [٣] ٦٤ /٨٠ .
٦- (عطاء بن يسار) الهلالي مولاهم المدني، ثقة فاضل، صاحب مواعظ وعبادة،
من صغار [٣] ٦٤ /٨٠ .
٧- (أبو سعيد الخدريّ) سعد بن مالك الصحابي ابن الصحابي رضي الله تعالى
عنهما تقدم قريبًا. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين إلى أيوب، وبعده بالمدنيين.
(ومنها): أن شيخه أحد مشايخ الستة بلا واسطة. (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين
يروي بعضهم عن بعض: أيوب عن زيد عن عطاء. (ومنها) أن صحابيه أحد المكثرين
السبعة، روى (١١٧٠) حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ) العدويّ مولاهم المدنيّ الفقيه، قال جرير (فَلَقِيتُ) وفي نسخة:
((ولقيت)) بالواو (زَيْدَ بْنَ أَسْلَمَ، فَحَدَّثَنِي عَن عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ) الهلاليّ مولاهم المدنيّ.
والمعنى: أن جرير بن حازم روى هذا الحديث عن أيوب السختيانيّ، عن زيد بن
أسلم، ثم لقي شيخ شيخه، زيدًا، فحدّثه به (عَن أَبِي سَعِيدِ الْخُذْرِيِّ) سعد بن مالك بن
سنان، رضي اللَّه تعالى عنهما (قَالَ: كَانَتْ لِرَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، نَاقَةٌ) هي الأنثى من
الإبل، قال أبو عُبيد: ولا تُسمّى ناقةٌ، حتّى تُجذع، والجمع أينُقٌ -أي بالقلب المكانيّ-
ونُوقٌ، ونِيَاقٌ. ذكره الفيّوميّ (تَرْعَى) بفتح أوله، مبنيًّا للفاعل، يقال: رعت الماشية

٢٠- (النَّفْيُ عَنِ الذَّبْحِ بِالظُّفْرِ) - حديث رقم ٤٤٠٥
٣٥٥
تَرْعَى رَغْيًا، فهي راعيةٌ: إذا سَرَحَتْ بنفسها، ورعيتُها أرعاها، يُستعمل لازمًا،
ومتعدّيًا، والفاعل راع، والجمع رُعاة بالضمّ، مثلُ قاض وقُضاة، وقيل أيضًا رِعاء
بالكسر والمدّ، ورُغيانَ، مثلُ رُغْفان. قاله الفيّومِيّ (فِي قِبَلِ أَحُدٍ) بكسر القاف، وفتح
الموحدة، وزان عِنّب: الجهة: أي في جهة أحد، و((أُحُد)) بضمتين: الجبل المعروف
بالمدينة من جهة الشام، وكان به الوقعة المشهورة في أوائل شوّال، سنة ثلاث من
الهجرة، وهو مذكّرٌ، فينصرف، وقيل: يجوز تأنيثه، على توهّم البقعة، فيُمنَعُ من
الصرف (فَعُرِضَ لَهَا) بالبناء للمفعول: أي ظهر لها، وحلّ بها عارض أذى إلى موتها
(فَنَحَرَهَا بِوَتَدٍ) بفتح الواو، وكسر التاء في لغة الحجاز، وهي الفصحى، وجمعه أوتاد،
وفتح التاء لغة، وأهلُ نجد يُسكّنون التاء، فيُدغمون بعد القلب، فيبقى وَدّ، يقال:
وقدتُ الوتد أتِدُه، من باب وعد: إذا أثبتّه بحائط، أو بالأرض، وأوتدته بالألف لغة.
قاله الفيّوميّ (فَقُلْتُ لِزَيْدٍ) الظاهر أن القائل هو جرير، ويحتمل أن يكون أيوب. والله
تعالى أعلم (وَتَدْ مِنْ خَشَبٍ، أَوْ حَدِيدٍ؟، قَالَ: لَا) أي ليس حديدًا (بَلْ) هو (خَشَبٌ،
فَأَتَى النَِّيِّ نَّرَ فَسَأَلَهُ) أي عن حكم أكلها (فَأَمَرَهُ) صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم (بِأَكْلِهَا)
وهذا هو محلّ الترجمة، حيث أمره وَلّر بأكل ما ذبحه بالوتد، وهو من العود، فدلّ على
جواز الذبح بالعود. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان.
والحديث صحيح، وهو من أفراد المصنف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا-١٩/
٤٤٠٤- وفي ((الكبرى)) ٤٤٩٢/٢٠. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
((إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب)).
٢٠- (التَّهْيُ عَنِ الذَّبِحِ بِالظُّفْرِ)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قال الفيّوميّ رحمه الله تعالى: الظفر للإنسان مذكّرٌ،
وفيه لغات: [أفصحها]: بضمّتين، وبها قرأ السبعة في قوله تعالى: ﴿حَزَّمْنَا كُلَّ ذِى
ظُهٍُّ﴾ الآية [الأنعام: ١٤٦]، [والثانية]: الإسكان للتخفيف، وقرأ بها الحسن
البصريّ، والجمع أظفار، وربّما جمع على أظفر، مثلُ رُكن وأَركُن. [والثالثة] : بكسر
الظاء، وزانُ حِمْل. [والرابعة]: بكسرتين؛ للإتباع، وقُرىء بهما في الشاذّ.

٣٥٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الضَّحَابًا
[والخامسة]: أُظفُرٌ، والجمع أظافيرُ، مثلُ أسبوع وأَسابيع، قال الشاعر [من البسيط]:
مَا بَيْنَ لُقْمَتِهِ الأُولَى إِذَا انْحَدَرَتْ وَبَيْنَ أُخْرَى تَلِيهَا قِيدُ أُظْفُورِ
انتهى كلام الفيّوميّ رحمه اللّه تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب.
٤٤٠٥- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ عُمَرَ بْنِ سَعِيدٍ، عَن
أَبِيهِ، عَن عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ، عَن رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بِهِ، قَالَ: (مَا أَنَهرَ الدَّمَ،
وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ، فَكُلْ، إِلَّا بِسِنَّ، أَوْ ظُفُرِ)".
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح غير شيخه محمد
ابن منصور الْجَوّاز المكيّ، فإنه من أفراده، وهو ثقة. و((سفيان)): هو ابن عيينة. و((عمر
ابن سعيد)) بن مسروق الثوريّ، أخو سفيان، ثقة [٧] ٦٨٣/٤٠.
[تنبيه]: وقع في النسخة الهنديّة، و((الكبرى)): ((عمرو بن سَعيد)) بفتح العين، وهو
تصحيفٌ، والصواب ((عمر بن سعيد)) بالضمّ، فتنبّه. والله تعالى أعلم.
وقوله: ((إلا بسنّ، أو ظفر)) استثناء مما يُفهم من الكلام السابق: أي فاذبح بكلّ آلة،
تُنهر الدم، إلا بسنّ، أو ظفر، فلا تذبح بهما. قاله السنديّ ٢٢٦/٧، وتمام شرح
الحديث يأتي في الباب التالي، إن شاء الله تعالى.
والحديث متّفقٌ عليه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب)).
٢١- (بَابُ الذَّبِحِ بِالسِّنِّ)
٤٤٠٦- (أَخْبَرَنَا هَنَّدُ بْنُ السَّرِيِّ، عَن أَبِي الْأَخْوَصِ، عَن سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ، عَن
عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ، عَن أَبِيهِ، عَن جَدَّهِ رَافِعِ بْنِ خَدِيج، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا نَلْقَى
الْعَدُوَّ غَدًا، وَلَيْسَ مَعَنَا مُدَى، فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ بِّهِ: ((مَا أَرَ الدَّمَ، وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَزَّ
وَجَلَّ، فَكُلُوا مَا لَمْ يَكُنْ سِنَّا، أَوْ تُفُرَا، وَسَأَحَدِّثُكُمْ عَن ذَلِكَ، أَمَّا السِّنُّ فَعَظُمْ، وَأَمَّا
الظُّفُرُ فَمُدَى الْحَبَشَةِ) .
رجال هذا الإسناد: ستة:
١- (هناد بن السريّ) ابو السريّ الكوفي، ثقة [١٠] ٢٥/٢٣.
٢- (أبو الأحوص) سلّام بن سُليم الحنفيّ الكوفي، ثقة ثبت [٧] ٧٩/ ٩٦.

٣٥٧
٢١- (بَأَبُ الذَّبْحِ بِالسِّنّ) - حديث رقم ٤٤٠٦
٣- (سعيد بن مسروق) بن حبيب الثوري والد سفيان الكوفي، ثقة [٦] ١٥٣/
١١٢١ .
[تنبيه]: قال في ((الفتح)) ٥١/١١: مدار هذا الحديث في ((الصحيحين)) على سعيد
ابن مسروق. انتهى.
٤- (عَبَايَة بن رِفَاعَةَ) الأنصاري الزرقي المدني، ثقة [٣]٣١١٦/٩.
٥- (أبوه) هو رفاعة بن رافع بن خديج الأنصاري الحارثي المدني، ثقة [٣].
روى عن أبيه حديث ((إنا لاقوا العدو غدًا)). وعنه ابنه عباية، قاله أبو الأحوص،
وعن سعيد بن مسروق، عن أبيه، عن جدّه. وقال الثوريّ، وشعبة، وغير واحد، وهو
المحفوظ. وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: يكنى أبا خديج، مات في ولاية الوليد
ابن عبد الملك. أخرج له الجماعة، سوى مسلم، وابن ماجه، وله حيث الباب فقط.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هكذا أطلق في ((التقريب)) على رفاعة أنه ثقة، وفيه
نظر؛ لأنه وإن أخرج له البخاري هذا الحديث، إن صحت الرواية، كما سبق الكلام
عليها في ٤٢٩٩/١٧، إلا أنه مجهول؛ لأنه لم يرو عنه غير ابنه عباية، كما سبق آنفًا،
وذكره ابن حبّان في ((الثقات))، ومثله في اصطلاح ((التقريب)) أن يكون مقبولًا، فليُتأمّل.
والله تعالى أعلم.
٦- (جده) رافع خديج بن عدي الحارثي الأوسيّ الأنصاريّ الصحابيّ الشهير، أول
مشاهده أحد، ثم الخندق، مات سنة (٣) أو (٧٤) وقيل: قبل ذلك، وتقدم في ١١٢ /
١٥٥ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح إن صحت رواية البخاري لرفاعة، كما سبقت الإشارة إليه آنفًا .
(ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين إلى سعيد بن مسروق، وبعده بالمدنيين. (ومنها): أن
فيه رواية الابن عن أبيه، وتابعي عن تابعيّ. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَن عَبَايَةَ) بفتح العين المهملة، وتخفيف الموحّدة، وبعد الألف تحتانيّة (ابْنِ رِفَاعَةً،
عَن أَبِيهِ) هكذا في رواية أبي الأحوص زيادة عن ((أبيه))، وتقدّم بيان اختلاف الرواة في
زيادته، ومن تابع أبا الأحوص في ذلك، وأن رواية الجماعة بدونها هو المحفوظ في -
٤٢٩٩/١٧- ((الإنسيّة تستوحش))، فراجعه تستفد (عَن جَدِّهِ رَافِعِ بْنِ خَدِيج) بفتح الخاء
المعجمة (قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا نَلْقَى الْعَدُوَّ غَدًا) هكذا بالجزم في رواية أبي

٣٥٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الضَّحَابًا
الأحوص، ولعله عرف ذلك بخبر من صدقه، أو بالقرائن، وفي رواية البخاريّ من
طريق أبي عوانة: ((إنا لنرجو، أو نخاف)) بالشك من الراوي، قال في ((الفتح)): وفي
التعبير بالرجاء إشارة إلى حرصهم على لقاء العدو؛ لما يرجونه من فضل الشهادة، أو
الغنمية، وبالخوف إشارة إلى إنهم لا يحبون أن يهجم عليهم العدو بغتة. وفي رواية يزيد
ابن هارون عن الثوري عند أبي نعيم في ((المستخرج على مسلم)): ((إنا نلقى العدو غدا،
وإنا نرجو))، كذا بحذف متعلق الرجاء، ولعل مراده الغنيمة. انتهى.
والحديث مختصر، وقد ساقه البخاريّ مطوّلًا من طريق أبي عوانة، عن سعيد بن
مسروق، عن عباية بن رفاعة بن رافع، عن جده رافع بن خديج، قال: كنا مع النبي وَل
بذي الحليفة، فأصاب الناس جوع، فأصبنا إبلا وغنما، وكان النبي ◌َّ في أخريات
الناس، فعجلوا، فنصبوا القدور، فدفع إليهم النبي ◌َّر، فأمر بالقدور فأكفئت، ثم
قسم، فعدل عشرة من الغنم ببعير، فَنَدَّ منها بعير، وكان في القوم خيل يسيرة، فطلبوه،
فأعياهم، فأهوى إليه رجل بسهم، فحبسه اللَّه، فقال النبي وَّر: (إن لهذه البهائم
أوابد، کأوابد الوحش، فما نَدَّ علیکم منها فاصنعوا به هکذا»، قال: وقال جدي: إنا
لنرجو، أو نخاف أن نلقى العدو غدا، وليس معنا مُدّى أفنذبح بالقصب؟، فقال: ((ما
أنهر الدم، وذُكِر اسم اللَّه عليه فكل، ليس السن والظفر، وسأخبركم عنه، أما السن
فعظم، وأما الظفر فمدى الحبشة)).
(وَلَيْسَ مَعَنَا مُدَى) -بضم أوله، مخففًا، مقصورًا- جمع مدية - بسكون الدال، بعدها
تحتانية -: وهي السكين، سميت بذلك؛ لأنها تقطع مدى الحيوان، أي عمره، والرابط
بين قوله نلقي العدو، وليست معنا مدى، يحتمل أن يكون مراده أنهم إذا لقوا العدو،
صاروا بصدد أن يغنموا منهم ما يذبحونه، ويحتمل أن يكون مراده أنهم يحتاجون، إلى
ذبح ما يأكلونه؛ ليتقووا به على العدو، إذا لقوه، ويؤيده ما تقدم من قسمة الغنم،
والإبل بينهم، فكان معهم ما يذبحونه، وكرهوا أن يذبحوا بسيوفهم؛ لئلا يضر ذلك
بحدها، والحاجة ماسة له، فسأل عن الذي يُجزئ في الذبح، غير السكين والسيف،
وهذا وجه الحصر في المدية والقصب ونحوه، مع إمكان ما في معنى المدية، وهو
السيف. وقد وقع في حديث غير هذا: ((إنكم لاقوا العدو غدا، والفطر أقوى لكم))،
فندبهم إلى الفطر ليتقووا. قاله في ((الفتح)) ٥٥/١١ .
وزاد في رواية البخاريّ: ((أفنذبح بالقصب؟)). وفي رواية لمسلم: ((فنُذكّي بالليط)»
قال أبو العباس القرطبيّ رحمه الله تعالى في ((المفهم)) ٣٦٧/٥-٣٦٨: وهو قطع
القصب، والشّظير: قطعة العصا، والظّرَر: قطعة الحجر، ويُجمع على ظِرّان، ويقال

٣٥٩ ==
٢١- (بَأَبُ الذَّبْحِ بِالسِّنّ) - حديث رقم ٤٤٠٦
عليها المروة أيضًا، وكذلك رواه أبو داود في هذا الحديث: ((أفتذكّي بالمروة؟)) مكان
اللَّيط، والشّظاظ: فِلْقة العود، فهذه كلّها إذا قُطع بها الودجان، والحلقوم جازت
الذبيحة، غير أنه لا يذبح بها إلا عند عدم الشّفَار، وما يتنزّل منزلتها؛ لما ثبت من الأمر
بحدّ الأشفار، وتحسين الذبح، والنهي عن تعذيب الحيوان، وقد نبّه مالك على هذا لَمّا
ترجم على الذكاة بالشَّاظ: ((ما يجوز من الذكاة على الضرورة)).
ومعنى هذا السؤال أنهم لَمّا كانوا عازمين على قتال العدوّ، صانوا ما عندهم من
السيوف، والأسنّة، وغير ذلك عن استعمالها في الذبح؛ لأن ذلك ربّما يفسد الآلة، أو
يَعِيبها، أو ينقُص قطعها، ولم تكن لهم سكاكين صغار مُعدّة للذبح، فسألوا هل يجوز
لهم الذبح بغير محدّد السلاح؟ فأجابهم النبيّ ◌َّ بما يقتضي الجواز، وقد دخل في هذا
العموم أن كلّ آلة تقطع ذبحًا، أو نحرًا، فالذكاة بها مبيحة للذبيحة، والحديد الْمُجْهِز
أولى؛ لما تقدّم، ولا يُستثنى من الآلات شيء إلا السنّ، والظفر على ما يأتي. انتهى
كلام القرطبيّ .
(فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّ: ((مَا أَنَرَ الدَّمَ) أي أساله، وصبه بكثرة، ووزنه أفعل، من
النهر، شُبّهَ خُروج الدم بجري الماء في النهر. قال عياض: هذا هو المشهور في
الروايات بالراء، وذكره أبو ذر الخشني بالزاي، وقال النهز بمعنى الرفع، وهو غريب،
و((ما)) موصولة، في موضع رفع بالابتداء، وخبرها ((فكلوا»، والتقدير: ما أنهر الدم،
فهو حلال، فكلوا. ويحتمل أن تكون شرطية. ووقع في رواية أبي إسحاق، عن
الثوري: ((كل ما أنهر الدم ذكاة))، و ((ما)) في هذا موصوفةً.
[تنبيه]: زاد في رواية الشيخين قبل قوله: ((ما أنهر الدم الخ)) قولَهُ: ((أعجل، أو أرن))
قال أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى في ((المفهم)) ٣٧٠/٥-٣٧٢ -: هذا الحرف
وقع في كتاب البخاريّ، ومسلم، وأبي داود، واختلف الرواة في تقييده على أربعة
أوجه: [الأول]: قيّده النسفيّ، وبعض رواه البخاريّ: ((أَرِنْ)) بكسر الراء، وسكون
النون، مثل أَقِمْ. [الثاني]: قيّده الأصيليّ: ((أَرِنِي)) بكسر النون، بعدها ياء المتكلّم.
[الثالث]: قيّده بعض رواة مسلم كذلك، إلا أنه سكْن الراء. [الرابع]: قيّده في كتاب
أبي داود بسكون الراء، ونون مطلقة. هذه التقييدات المنقولة. قال الخطابيّ: وطالما
استثبتُ فيه الرواة، وسألت عنه أهل العلم، فلم أجد عند أحد منهم ما يُقطع بصحّته.
قال القرطبيّ: قال بعض علمائنا في الوجه الأول: هو بمعنى قد أنشط، وأسرع،
فهو بمعنى أعجل، فكأنه يشير إلى أنه شكٌّ وقع من أحد الرواة في أيّ اللفظين قال
رسول اللّه وَله. قال القرطبيّ: وهذه غفلة؛ إذ لو كان من الأرَن الذي بمعنى النشاط،

٣٦٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الضَّحَابَا
للزم أن يكون مفتوح الراء؛ لأن ماضيه أَرِنَ، ومضارعه يأرَنُ، قال الفرّاء: الأَرَنُ
النشاط، يقال: أَرِنَ البعيرُ بالكسرِ يأْرَنُ بالفتحِ أَرَنًا: إذا مَرِحِ مَرَحًا، فهو آرنّ: أي
نشيطٌ، وقياس الأمر من هذا أن تُجتَلَبَ له همزة الوصل مكسورة، وتفتح الراء، فيقال:
اثْرَنْ، مثل («ائذن))، من أَذِنَ يأذَنُ، ولم يُروَ كذلك. وأما تقييد الأصيليّ، فقال بعضهم:
يكون بعنى أَرِني سيلان الدم. قال القرطبيّ: وعلى هذا فيبعُد أن تكون ((أو)) للشكّ، بل
للجمع بمعنى الواو على المذهب الكوفيّ، فإنه طلب الاستعجال، وأن يُريه دم ما ذَبَح.
وأما ما وقع في كتاب مسلم من تسكين الراء، فهو تخفيف للراء المكسورة، وهي لغة
معروفةٌ، قرأ بها ابن كثير. وأما ما وقع في كتاب أبي داود، فقيل: بمعنى أَدِمِ الْحَزَّ، ولا
تَفْتُر، من رَنَوتُ: أي أمدتُ النظر. قال القرطبيّ: ويلزم على هذا أن تكون مضمومة
النون؛ لأنه أمرٌ، من رَنَا يَرْنُو، فتُحذف الواو لبناء الأمر، ويبقى ما قبلها مضمومًا على
أصله، ولم يُحقّق ضبطه كذلك. وقد ذكر الخطّابيّ في هذه اللفظة أوجها محتملةً، لم
يجىء بها تقييد عن مُعتبر، ولا صحّت بها روايةٌ، رأيت الإضراب عنها؛ لعدم فائدتها،
وبُعدها عن مقصود الحديث، وأثبتُّ ما فيها روايةٌ، وأقربه معنَى مَن جعله من رؤية
العين، وذلك أن الليط والمروة، وما أشبههما مما ليس بمحدّد يُخاف منه ألا يكون
مُجْهِزًا، فإن لم يستعجل بالْمَرْ لم يَقطَع، وربما يموت الحيوان خنقًا، فإذا استعجل في
المرّ، ورأى أن الدم قد سال من موضع القطع، فقد تحقّق الذبح المبيح. والله تعالى
أعلم بما أراد رسوله بَّر. انتهى كلام القرطبيّ.
وقال في ((الفتح)): قوله: ((فقال: أعجل، أو أرن)): في رواية كريمة - بفتح الهمزة،
وكسر الراء، وسكون النون- وكذا ضبطه الخطابي في ((سنن أبي داود))، وفي رواية أبي
ذر - بسكون الراء، وكسر النون- ووقع في رواية الإسماعيلي من هذا الوجه الذي هنا:
((وأرني)) بإثبات الياء آخره، قال الخطابيّ: هذا حرف طالما استثبت فيه الرواة، وسألت
عنه أهل اللغة، فلم أجد عندهم ما يُقطع بصحته، وقد طلبت له مَخْرَجًا، فذكر أوجها:
[أحدها] : أن يكون على الرواية بكسر الراء، من أرَانَ القومُ: إذا هلكت مواشيهم،
فيكون المعنى: أهلكها ذبحا. [ثانيها]: أن يكون على الرواية بسكون الراء بوزن أَغْطِ،
يعني أَنْظِرْ، وأَنْظِر، وانتظر بمعنى، قال الله تعالى، حكاية عمن قال: ﴿نَفْئِسْ مِنْ تُرِكُمْ﴾
الآية [الحديد: ١٣]: أي أنظرونا. أو هو بضم الهمزة بمعنى أَدِم الْحَزَّ، من قولك
رَنَوْتُ: إذا أدمت النظر إلى الشيء، وأراد أَدِم النظر إليه، وراعِهِ ببصرك. [ثالثها] : أن
يكون مهموزا، من قولك: أَرْأَنَ يُزْئِنُ: إذا نشِطَ، وخَفَ، كأنه فعل أمر بالإسراع؛ لئلا
يموت خنقًا، ورجح في ((شرح السنن)) هذا الوجه الأخير، فقال: صوابه أرئن بهمزة،