Indexed OCR Text

Pages 261-280

٢٦١
٣٦- (بَأَبُ الضّفْدِع) - حديث رقم ٤٣٥٧
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عبد الرحمن بن عثمان رضي الله تعالى عنه هذا صحيح.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا- ٤٣٥٧/٣٦- وفي ((الكبرى)) ٤٨٦٧/٢. وأخرجه (د) في ((الطبّ))
٣٨٧١ و((الأدب)) ٥٢٦٩ . والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): ظاهر صنيع المصنف رحمه الله تعالى تحريم أكل الضفدع؛
استدلالًا بحديث الباب، ووجه ذلك كونه وَّ نهى عن قتلها؛ للتداوي بها، قال العلّامة
الشوكانيّ رحمه الله تعالى: في ((نيل الأوطار)) ٨/ ٢٩٧ عند قول صاحب ((المنتقى)):
((باب ما استفيد تحريمه من الأمر بقتله، أو النهي عن قتله)): ما نصّه: وتبويب المصنف
في هذا الباب، فيه إشارة إلى أن الأمر بالقتل، والنهي عنه، من أصول التحريم، قال
المهدي في ((البحر)): أصول التحريم، إما نص الكتاب، أو السنة، أو الأمر بقتله،
كالخمسة -يعني قوله: ((خمس فواسق يُقتلن الخ))- وما ضرّ من غيرها، فمقيس عليها،
أو النهي عن قتله، كالهدهد، والخطاف، والنحلة، والنملة، والصُّرَد، أو استخباث
العرب إياه، كالخنفساء، والضفدع، والعَظَاية، والوزغ، والحرباء، والجعلان،
وكالذباب، والبعوض، والزنبور، والقمل، والكتان، والنامس، والبَقّ، والبرغوث؛
لقوله تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، وهي مستخبثة عندهم،
والقرآن نزل بلغتهم، فكان استخبائهم طريق تحريم، فإن استخبثه البعض اعتبر الأكثر،
والعبرة باستطابة أهل السَّعَة، لا ذوي الفاقة. انتهى.
والحاصل أن الآيات القرآنية، والأحاديث الصحيحة المذكورة، في أول الكتاب
وغيرها، قد دلت على أن الأصل الحل، وأن التحريم لا يثبت، إلا إذا ثبت الناقل عن
الأصل المعلوم، وهو أحد الأمور المذكورة، فلما لم يرد فيه ناقل صحيح، فالحكم بحله
هو الحق، كائنا ما كان، وكذلك إذا حصل التردد، فالمتوجه الحكم بالحل؛ لأن الناقل غير
موجود، مع التردد، ومما يؤيد أصالة الحل بالأدلة الخاصة، استصحاب البراءة الأصلية.
انتهى. كلام الشوكاني رحمه الله تعالى. في «نيل الأوطار»: ٨/ ٢٩٨.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا التفصيل الذي ذكره الشوكاني رحمه الله تعالى
تفصيلٌ حسنٌ جدًا.
ومنه يُعلم أن الضفدع إن كان مستخبثًا عند العرب، كما ذكره المهديّ آنفًا، أو ثبت
ضرره من طريق الأطباء الثقات حرُم، وإلا بقي على أصل الحلّ، لكن حديث الباب

٢٦٢
===
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصَّيْدِ، وَالذَّبَائِحِ
يرجّح تحريمه، وذلك لأنه ◌َّ نهاه عن قتله، مع أن السائل له حاجة إلى استعماله في
الدواء، فدلّ على أنه لا يجوز الانتفاع به؛ إما لكونه مستخبثًا، أو ذا ضرر. والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلتُ، وإليه
أنیب)) .
٣٧- (الْجَرَادُ)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قال في ((لسان العرب)) جـ٣ ص ١١٧ - ١١٨ :
(الجراد)» معروفٌ، الواحدة جرادة، تقع على الذكر والأنثى، قال الجوهريّ: وليس
الجراد بذكر للجرادة، وإنما هو اسم للجنس، كالبقر والبقرة، والتمر والتمرة، والحمام
والحمامة، وما أشبه ذلك، فحقّ مذكّره أن لا يكون مؤنثه من لفظه؛ لئلا يلتبس الواحد
المذكّر بالجمع. قال أبو عبيد: قيل: هو سِرْوَةٌ، ثم دَبَى، ثم غَوْغَاءُ، ثم خَيْفَانُ، ثم
كُتْفان، ثم جَرَادٌ. وقيل: الجراد الذكر، والجرادة الأنثى، ومن كلامهم: رأيت جرادًا
على جرادة، كقولهم: رأيت نَعامةً على نعامة. قال الفارسيّ: وذلك موضوعٌ على ما
يُحافظون عليه، ويتركون غيره بالغالب إليه، من إلزام المؤنّث العلامةَ المشعِرة
بالتأنيث، وإن كان أيضًا غير ذلك من كلامهم واسعًا كثيرًا، يعني المؤنّث الذي لا علامة
فيه، كالعين، والقدر، والعَنَاق، والمذكّر الذي فيه علامة التأنيث، كالحمامة، والحيّة.
قال أبو حنيفة: قال الأصمعيّ: إذا اصفَرَّتِ الذكور، واسودّت الإناث، ذهبت عنه
الأسماء، إلا الجراد، يعني أنه اسمٌ، لا يُفارقها. وذهب أبو عبيد في الجراد إلى أنه آخر
أسمائه، كما تقدّم. وقال أعرابيّ: تركت جرادًا، كأنه نعامة جاثمة. انتهى .
وقال في ((الفتح)): ((الجراد)) -بفتح الجيم، وتخفيف الراء -: معروف، والواحدة
جرادة، والذكر والأنثى سواء، كالحمامة، ويقال: إنه مشتق من الجرد؛ لأنه لا ينزل
على شيء، إلا جرده، وخِلْقَهُ الجراد عجيبة، فيها عشرة من الحيوان، ذكر بعضها بن
الشَّهْرَزُوري، في قوله [من الطويل]:
وَقَادِمَتَا نَسْرٍ وَجُؤْجُوُ ضَيْغَمٍ
لَهَا فَخِذَا بَكْرٍ وَسَاقَا نَعَامَةٍ
عَلَيْهَا جِيَادُ الْخَيْلِ بِالرَّأْسِ وَالْفَمِ
حَبَّتْهَا أَفَاعِي الرَّمْلِ بَطْنًا وَأَنْعَمَتْ

٢٦٣ =
٣٧- (الْجَزَاد) - حديث رقم ٤٣٥٨
قيل: وفاته عين الفيل، وعنق الثور، وقرن الأيّل، وذنب الحية، وهو صنفان:
طَيّارٌ، وَثَابٌ، ويبيض في الصخر، فيتركه حتى يَيْبَسَ، وينتشر، فلا يمرّ بزرع، إلا
اجتاحه: واختلف في أصله، فقيل: إنه نثرة حوت، فلذلك كان أكله بغير ذكاة، وهذا
ورد في حديث ضعيف، أخرجه ابن ماجه، عن أنس رضي اللّه تعالى عنه، رفعه: ((إن
الجراد نثرةُ حوت من البحر))، ومن حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: ((خرجنا مع
رسول اللّه وَّرَ، في حجّ، أو عمرة، فاستقبلنا رِجْلٌ، من جراد، فجعلنا نضرب بنعالنا،
وأسواطنا، فقال: كلوه، فإنه من صيد البحر))، أخرجه أبو داود، والترمذي، وابن
ماجة، وسنده ضعيف، ولو صحّ لكان فيه حجة، لمن قال: لا جزاء فيه، إذا قتله
المحرم، وجمهور العلماء على خلافه. قال ابن المنذر رحمه الله تعالى: لم يقل لا جزاء
فيه غيرُ أبي سعيد الخدري، وعروة بن الزبير، واختلف عن كعب الأحبار، وإذا ثبت فيه
الجزاء، دلّ على أنه بَرّيّ.
وقد أجمع العلماء على جواز أكله، بغير تذكية، إلا أن المشهور عند المالكية اشتراط
تذكيته، واختلفوا في صفتها، فقيل: بقطع رأسه، وقيل: إن وقع في قِدْر، أو نار حَلّ،
وقال ابن وهب: أخذُهُ ذكاته، ووافق مُطَرّف منهم الجمهور، في أنه لا يفتقر إلى ذكاته؛
لحديث ابن عمر: ((أُحِلّت لنا ميتتان، ودمان: السمك، والجراد، والكبد، والطحال)»،
أخرجه أحمد، والدارقطني، مرفوعا، وقال: إن الموقوف أصح، ورجح البيهقي أيضا
الموقوف، إلا أنه قال: إن له حكمَ الرفع. قاله في ((الفتح))- جـ١١ ص ٤٦. والله
تعالى أعلم بالصواب.
٤٣٥٨ - (أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، عَنِ سُفْيَانَ - وَهُوَ ابْنُ حَبِيبٍ - عَنْ شُعْبَةَ، عَن أَبِي
يَعْفُورَ، سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى، قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَرِ، سَبْعَ غَزَوَاتٍ، فَكُنَّا
تَأْكُلُ الْجَرَادَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١- (حميد بن مسعدة) الساميّ الباهليّ البصريّ، صدوقٌ [١٠] ٥/٥.
٢- (سفيان بن حبيب) البزاز البصريّ، ثقة [٩] ٦٧ / ٨٢.
٣- (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة الثبت البصريّ [٧] ٢٧/٢٤ .
٤ - (أبو يعفور) -بفتح التحتانيّة، وسكون المهملة، وضمّ الفاء- اسمه: وَقْدَان -
بفتح الواو، وسكون القاف- العبديّ الكوفي، مشهور بكنيته، وهو الأكبر، ويقال:
اسمه واقد، ثقة [٤] ١٣٢/٩١.
وقال في ((الفتح)) : -٥١٧٦ ((أبو يعفور))- بفتح التحتانية، وسكون المهملة، وضم

٢٦٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصَّيْدِ، وَالذَّبَائِحِ
الفاء- هو العبديّ، واسمه وقدان، وقيل: واقد، وقال: مسلم اسمه واقد، ولقبه
وقدان، وهو الأكبر، وأبو يعفور الأصغر: اسمه عبد الرحمن بن عُبيد، وكلاهما ثقة،
من أهل الكوفة، وليس للأكبر في البخاري، سوى هذا الحديث، وآخر تقدم في
((الصلاة))، في أبواب الركوع، من صفة الصلاة، وقد ذكرت كلام النووي فيه، وجزمه
بأنه الأصغر، وأن الصواب أنه الأكبر، وبذلك جزم الكلاباذي، وغيره، والنووي تبع
في ذلك ابن العربي، وغيره، والذي يُرجّح كلام الكلاباذي، جزم الترمذي بعد
تخريجه، بأن راوي حديث الجراد، هو الذي اسمه واقد، ويقال: وقدان، وهذا هو
الأكبر، ويؤيده أيضا: أن ابن أبي حاتم، جزم في ترجمة الأصغر، بأنه لم يسمع من عبد
الله بن أبي أوفى. انتھی.
٥- (عبد الله بن أبي أوفى) علقمة بن خالد رضي الله تعالى عنه، تقدّم قبل خمسة
أبواب - ٣١/ ٤٣٤١- والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح، غير سفيان بن حبيب، فإنه من رجال الأربعة، وهو ثقة. (ومنها): أنه
مسلسل بالبصريين إلى أبي يعفور، وهو والصحابيّ كوفيّان. (ومنها): أن فيه رواية
تابعي عن تابعيّ. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن أبي يعفور) وقدان، ويقال: واقد أنه (سمع عبد الله بن أبي أوفى) علقمة بن
خالد رضي الله تعالى عنه، أنه (قال: غزونا مع رسول اللَّه بَّر سبع غزوات) وفي
الرواية التالية: ((ستّ غزوات))، وفي رواية البخاريّ: ((سبع غزوات، أو ستّا)» بالشكّ،
قال في ((الفتح)): وهذا الشك في عدد الغزوات، من شعبة، وقد أخرجه مسلم، من
رواية شعبة بالشك أيضا، والنسائي من روايته بلفظ الستّ، من غير شك، والترمذيّ،
من طريق غندر، عن شعبة، فقال: ((غزوات))، ولم يذكر عددا.
(فكنا نأكل الجراد) وفي رواية البخاريّ: ((فكنّا نأكل معه الجراد)»، فقال في ((الفتح)):
يحتمل أن يريد بالمعية مجرد الغزو، دون ما تبعه من أكل الجراد. ويحتمل أن يريد مع
أكله، ويدل على الثاني، أنه وقع في رواية أبي نعيم في «الطب)): ((ويأكل معنا)).
قال الحافظ: رحمه الله تعالى: وهذا إن صح، يرد على الصيمري، من الشافعية،
في زعمه أنه رَّر، عافه كما عاف الضب. ثم وقفت على مستند الصيمري، وهو ما

٣٧- (الْجَرَاد) - حديث رقم ٤٣٥٩
٢٦٥=
أخرجه أبو داود، من حديث سلمان رضي اللَّه تعالى عنه، سئل ◌َّر عن الجراد؟،
فقال: ((لا آكله، ولا أحرمه)»، والصواب مرسل، ولابن عدي في ترجمة ثابت بن زهير،
عن نافع، عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: أنه بُّ، سئل عن الضب، فقال: ((لا
آكله، ولا أحرمه)»، وسئل عن الجراد، فقال: مثل ذلك. وهذا ليس ثابتا؛ لأن ثابتا،
قال فيه النسائي: ليس بثقة .
ونقل النووي الإجماع على حل أكل الجراد، لكن فضّل ابن العربي في ((شرح
الترمذي)) بين جراد الحجاز، وجراد الأندلس، فقال في جراد الأندلس: لا يؤكل؛ لأنه
ضرر محض، وهذا إن ثبت أنه يضر أكله، بأن يكون فيه سمية تخصه، دون غيره من
جراد البلاد، تعين استثناؤه. والله أعلم. انتهى ((فتح)): ٩/ ٦٢٢ . والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عبد الله بن أبي أوفى رضي اللّه تعالى عنه هذا متفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا- ٤٣٥٨/٣٧ و٤٣٥٩ - وفي («الكبرى» ٤٨٦٨/٣ و٤٨٦٩ . وأخرجه
(خ) في ((الذبائح والصيد)) ٥٤٩٥ (م) في ((الصيد والذبائح)) ٥٠١٩ و٥٠٢٠ و٥٠٢١ (د)
في (الأطعمة)) ٣٨١٢ (ت) في ((الأطعمة)) ١٨٢١. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٣٥٩- (أَخْبَرَنَا قُتَنْبَةُ، عَن سُفْيَانَ - وَهُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ- عَن أَبِي يَعْفُورَ، قَالَ: سَأَلْتُ
عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى عَن قَتْلِ الْجَرَادِ؟ فَقَالَ: غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ بَلِّ سِتّ غَزَوَاتٍ،
تَأْكُلُ الْجَرَادَ).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلّهم رجال الصحيح، وتقدّموا
غير مرّة .
وقوله: ((ست غزوات)) كذا هو في رواية ابن عيينة، وقد تقدّم في رواية شعبة
بالشكّ، ورواه الثوري، فجزم بسبع غزوات، فقد أخرجه الدارمي، عن محمد بن
يوسف، الفريابي، عن سفيان الثوري، ولفظه: ((غزونا مع النبي ◌َّرَ، سبع غزوات،
نأكل الجراد)»، وكذا أخرجه الترمذي، من وجه آخر، عن الثوري، وأفاد أن سفيان بن
عيينة، روى هذا الحديث أيضا، عن أبي يعفور، لكن قال: ((ست غزوات)). وكذا
أخرجه أحمد بن حنبل، عن ابن عيينة، جازما بالست.

٢٦٦
=
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصَّيْدِ، وَالذَّبَائِحِ
قال الحافظ: ودلت رواية شعبة على أن شيخهم، كان يشك، فيُحمَلُ على أنه جزم
مرة بالسبع، ثم لما طرأ عليه الشك، صار يجزم بالست؛ لأنه المتيَقّن، ويؤيد هذا
الحمل أن سماع سفيان بن عيينة عنه متأخر، دون الثوري، ومن ذكر معه. انتهى.
والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق بيانه في الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب .
((إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلتُ، وإليه أنيب)).
٣٨- (قَتْلُ النَّمْلِ)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قال في ((القاموس)): ((الثَّمْل)): معروف، واحدته
نَمْلة، وقد تُضمّ الميم، جمعه نِمَالٌ، وأرضٌ نَمِلَةٌ، كزَنِخَةٍ: كثيرتها. انتهى.
وقال في ((اللسان)): النمل معروفٌ، واحدته نمَلةٌ، ونَمُلَة -أي بضم الميم-، وقد
قرىء به، فعّله الفارسيّ بأن أصل نمْلَة نَمُلةٌ، ثم وقع التخفيف، وغَلَب. وقوله تعالى:
﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ يَأَيُّهَا النَّمْلُ أَدْخُلُواْ مَسَكِنَكُمْ﴾ جاء لفظ ((ادخلوا» في النمل، وهي لا تعقل،
كلفظ ما يَعقل؛ لأنه قال: ﴿قَالَتْ﴾، والقول لا يكون إلا للحيّ الناطق، فأُجريت
مُجراه، والجمع نِمَال، قال الأخطل :
دَبِيبُ نِمَالٍ فِي نَقًا يَتَهَيَّلُ
وأرضِّ نَمِلةٌ كثيرة النمل، وطعام منمولٌ: أصابه النمل. وذكر الأزهريّ حديث ابن
عبّاس رضي الله تعالى عنهما: ((أن النبيّ بَّ نهى عن قتل النحلة، والنملة، والضُرَد،
والهدهد)). وروى عن إبراهيم الحربيّ، قال: إنما نهى عن قتلهنّ؛ لأنهنّ لا يؤذين
الناس، وهي أقلّ الطيور، والدواب ضررًا على الناس، ليس مثل ما يتأذى الناس به من
الطيور، والغراب، وغيره، قيل له: فالنملة، إذا عضّت تُقتل؟ قال: النملة لا تَعَضّ،
إنما يَعضّ الذّرّ، قيل له: إذا عضّت الذرّ تُقتل؟ قال: إذا آذتك، فاقتلها، قال: والنملة
هي التي لها قوائم، تكون في البراري، والْخَرَابات، وهذه التي يتأذى الناس بها هي
الذرّ، وهي الصغار. ثم قال: والنمل ثلاثة أصناف: النمل، وفازِر، وعُقَيفان، قال:
والنمل يسكن البراري والخرابات، ولا يؤذي الناس، والذرّ يؤذي. وقيل: أراد بالنهي
نوعًا خاصًّا، وهو الكبار، ذوات الأرجل الطوال. وقال الحربيّ: النمل ما كان له

٢٦٧
٣٨- (قَتَلُ النَّمْل) - حديث رقم ٤٣٦٠
قوائم، فأما الصغار، فهو الذرّ. وروي عن قتادة في قوله تعالى: ﴿عُلّمنا منطق الطير)
قال: النملة من الطير(١).
وقال في ((الفتح)) ٥١٦/١٣ -: النملة واحدة النمل، وجمع الجمع نِمَا، ل والنملُ
أعظم الحيوانات حيلة في طلب الرزق، ومن عجيب أمره، أنه إذا وجد شيئا، ولو قَلّ
أنذر الباقين، ويحتكر في زمن الصيف للشتاء، وإذا خاف الْعَقْن على الْحَبّ، أخرجه
إلى ظاهر الأرض، وإذا حفر مكانه، اتخذها تعاريج؛ لئلا يجري إليها ماء المطر، وليس
في الحيوان ما يَحمِل أثقل منه غيره، والذَّرّ في النمل، كالزنبور في النحل. انتهى.
[تنبيه]: قال العينيّ رحمه الله تعالى في ((شرح البخاري)) ٣٥٣/١٢: ويحكى أن
سليمان عليه السلام سأل نملة ما يكفيك من الأكل في سنة واحدة؟ قالت: حبّة من
القَمْح، فأمر بها، فحُبست في قارورة، ووُضع معها حبّة قَمح، فتركوها سنة، فطلبها،
ففُتح فم القارورة، فإذا فيها النملة، ولم تأكل إلا نصفها، فقال لها: ما قلتٍ: مأكولي
حبّة قمح في سنة؟ فقالت: يا نبيّ اللَّه، ولكن أنت ملك عظيم الشأن، مشتغل بالأمور
الكثيرة، فخِفتُ أن تنساني سنتين، فأكلت نصف القمحة، وادخرت نصفها للسنة
الأخرى، فتعجّب سليمان عليه السلام من أمرها، وإدراكها، وليس هذا ببدع منها،
فانظر ما أخبر الله تعالى عنها في ((سورة النمل)). انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب.
٤٣٦٠- (أَخْبَرَنَا وَهْبُ بْنُ بَيَانٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ
ابْنِ شِهَابٍ، عَن سَعِيدٍ، وَأَبِي سَلَّمَةَ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ، عَّن رَسُولِ اللَّهِ وَهِ: ((أَنَّ نَمْلَةً
قَرَصَتْ نَبِئًا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، فَأَمَرَ بِقَرِيَةِ الثَّمْلِ، فَأَخْرِقَتْ، فَأَوْحَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَيْهِ، أَنْ قَدْ
قَرَصَتْكَ ثَمْلَةٌ أَهْلَكْتَ أُمَّةً مِنَ الْأُمَمِ، تُسَبِّحُ))).
رجال هذا الإسناد : سبعة :
١ - (وهب بن بيان) أبو عبد الله الواسطيّ، نزيل مصر، ثقة عابدٌ [١٠] ١٣٩٩/٢٠.
٢- (ابن وهب) هو عبد الله المصري الثقة الحافظ العابد [٩] ٩/٩.
٣- (يونس) بن يزيد بن أبي النجاد، أبو يزيد الأيليّ، ثقة، من كبار [٧] ٩/٩.
٤- (ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري المدني الإمام الحجة الثبت [٤] ١/١ .
٥- (سعيد) بن المسيّب المذكور قبل باب.
٦- (أبو سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني الفقيه، ثقة [٣] ١/١ .
٧- (أبو هريرة) رضي اللّه تعالى عنه ١/١ . والله تعالى أعلم.
(١) راجع ((لسان العرب)): جـ ١١ ص ٦٧٨ - ٦٧٩ .

٢٦٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصَّيْدِ، وَالذَّبَائِحِ
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمصريين إلى يونس، وبعده بالمدنيين.
(ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة أكثر من روى الحديث في
دهره. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن أبي هريرة) رضي اللّه تعالى عنه (عن رسول اللَّه ◌َ له أن نملة قرصت) بالصاد
المهملة، يقال: قَرَصه بلسانه قرصًا، من باب نصر: آذاه، وناله من جهته، وفي رواية
الحسن التالية: ((نزل نبيّ من الأنبياء تحت شجرة، فلدغته نملة ... )) (نبيا من الأنبياء)
قيل: هو الْعُزَيرُ، وروى الحكيم الترمذي في ((النوادر)) أنه موسى عليه السلام، وبذلك
جزم الكلاباذي، في ((معاني الأخبار))، والقرطبي في ((التفسير)).
(فأمر بقرية النمل) أي بمساكنها، وبيوتها، قال في ((الفتح)) ٥١٥/١٣: قرية النمل:
موضع اجتماعهن، والعرب تُفَرّق في الأوطان، فيقولون لمسكن الإنسان: وَطَن،
ولمسكن الإبل عَطَن، وللأسد عَرِين، وغابة، وللظبي كُنَاس، وللضب وجَار، وللطائر
عُشْ، وللزنبور كُور، ولليربوع نافق، وللنمل قرية. انتهى.
(فأحرقت) بالبناء للمفعول، وفي رواية الحسن: ((فأمر ببيتهنّ، فحُرّق على ما فيها))،
وفي رواية البخاريّ: ((فأمر بجهازه، فأخرج من تحتها، ثم أمر ببيتها، فأُحرق بالنار))
(فأوحى الله عز وجل إليه أن قد قرصتك نملة) ((أن)) بفتح الهمزة، وسكون النون هي
المصدريّة، والكلام على تقدير لام الجزّ: أي لأن أقرصتك، وهو متعلّقٌ بقوله (أهلكت
أمة من الأمم تسبح) قال أبو العباس القرطبيّ رحمه الله تعالى: مقتضى هذا أنه تسبيح
مقال، كما أخبر الله تعالى عن النمل أن لها منطقًا، وفهمه سليمان عليه السلام، معجزة
له، وقد أخبر الله تعالى عن النملة التي سمعها سليمان أنها قالت: ﴿يَأَيُّهَا النَّمْلُ ادْ خُلُواْ
مَكِنَكُمْ لَا يَخْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَنُ وَهُوُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ فَسَّمَ صَاحِكًا مِّن قَوْلِهَا﴾ الآية
[النمل: ١٨-١٩] فهذا كلّه يدلّ دلالة واضحة أن للنمل نُطقًا، وقولًا، لكن لا يسمعه
كلّ أحد، بل من شاء الله تعالى ممن خرق له العادة من نبيّ، أو وليّ، ولا يُنكر هذا،
من حيث أنا لا نسمع ذلك، فإنه لا يلزم من عدم الإدراك عدم المدرك في نفسه، ثم إن
. الإنسان يجد في نفسه قولًا وكلامًا، ولا يُسمع منه، إلا إذا نطق بلسانه. وقد خرق الله
العادة لنبيّنا وَّر، فأسمعه كلام النفس من قوم تحدّثوا مع أنفسهم، وأخبرهم بما في
أنفسهم، كما نقل منه أئمتنا الكثير في كتب معجزات النبيّ مَّر، وكذلك وقع لكثير ممن

٢٦٩ =
٣٨- (قَتَلُ النَّمْل) - حديث رقم ٤٣٦٠
أكرمه الله تعالى من الأولياء، مثلُ ذلك في غير ما قضيّة، وإياه عنى النبيّ وَّ بقوله:
((لقد كان فيما كان قبلكم من الأمم ناسٌ محدّثون، فإن يكن في أمتي أحد فإنه عمر))،
متّفق عليه. انتهى كلام القرطبيّ ببعض تصرّف ((المفهم)) ٥٤٣/٥. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا- ٤٣٦٠/٣٨ و٤٣٦١ و٤٣٦٢ - وفي ((الكبرى)) ٤٨٧٠/٤ و٤٨٧١
و٤٨٧٢. وأخرجه (خ) في ((الجهاد)) ٣٠١٩ و(بدء الخلق)) ٣٣١٩ (م) في ((السلام))
١٤٨ (د) في ((الأدب)) ٥٢٦٦ (ق) في ((الصيد)) ٣٢٢٥. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان حكم قتل النمل، وهو
الجواز، إن آذته، كما يدلّ عليه قصة هذا النبيّ، وقد تقدّم غير مرّة أن الصحيح أن شرع
من قبلنا إذا قصّه الشارع شرع لنا، إذا لم يَرِذ في شرعنا ما ينافيه. (ومنها): أنه يستدل به
على أن الحيوان، يسبح الله تعالى، حقيقةً، ويتأيد به قول من حمل قوله تعالى: ﴿وَإِن
مِّن شَىءٍ إِلَّا يُسَبِحُ بِهِدِهِ﴾ الآية [الإسراء: ٤٤]، على الحقيقة. وتُعُقّب بأن ذلك لا يمنع
الحمل على المجاز، بأن يكون سببا للتسبيح. قاله في ((الفتح)).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا التعقّب غير صحيح، بل الصواب الأول؛ فلها
تسبيح حقيقيّ، لا مجازيّ؛ لأنه لا داعي للعدول عن الحقيقة إلى المجاز؛ فإن
النصوص الكثيرة دلّت على أن الحيون لها نطقٌ حقيقة، كما تقدّم في كلام القرطبيّ
رحمه الله تعالى قريبًا. فتأمل بعقلك السديد، ولا تكن أسير التقليد، فإنه ملجأ البليد،
ومتمسّك العنيد. والله تعالى أعلم.
(ومنها): أن فيه إشارةً إلى أن الأمة مطلوبة البقاء، ولو لم يكن فيها فائدة، إلا
التسبيح، لكفى داعيًا إلى إبقائها. (ومنها): أن فيه دلالةً على جواز قتل كل مؤذ.
(ومنها): أنه يجوز المجازاة ممن ظلم، سواء كان ممن يعقل، أو لا يعقل. (ومنها): أن
الجزاء لا يتعدّى الجاني، فلا ينبغي إبادة غيره مما كان من جنسه. (ومنها): أن الأنبياء
عليهم السلام ينالهم الأذى؛ ليعظم لهم به الأجر والمثوبة. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب.

٢٧٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصَّيْدِ، وَالذَّبَائِحِ
(المسألة الرابعة): قال في ((الفتح)) ٥١٦/٦ -: واستدل بهذا الحديث على جواز
إحراق الحيوان المؤذي بالنار، من جهة أن شرع من قبلنا شرع لنا، إذا لم يأت في
شرعنا ما يدفعه، ولا سيما إن ورد على لسان الشارع، ما يُشعر باستحسان ذلك، لكن
ورد في شرعنا النهي عن التعذيب بالنار.
قال النووي: هذا الحديث محمول على أنه كان جائزا في شرع ذلك النبي، جوازٌ
قتل النمل، وجواز التعذيب بالنار، فإنه لم يقع عليه العتب في أصل القتل، ولا في
الإحراق، بل في الزيادة على النملة الواحدة، وأما في شرعنا، فلا يجوز إحراق الحيوان
بالنار، إلا في القصاص بشرطه، وكذا لا يجوز عندنا قتل النمل؛ لحديث ابن عباس
رضي الله تعالى عنهما في ((السنن)) أن النبي ◌َّ: ((نهى عن قتل النملة، والنحلة)).
انتهى. وقد قَيَّد غيره، كالخطابي النهي عن قتله، من النمل بالسليماني. وقال البغوي:
النمل الصغير، الذي يقال له: الذَّرّ، يجوز قتله، ونقله صاحب ((الاستقصاء)) عن
الصيمري، وبه جزم الخطابي.
وفي قوله: إن القتل، والإحراق، كان جائزا في شرع ذلك النبي نظر؛ لأنه لو كان
كذلك، لم يُعاتَب أصلا ورأسا، إذا ثبت أن الأذى طبعه.
وقال عياض: في هذا الحديث، دلالة على جواز قتل كل مؤذ، ويقال: إن لهذه
القصة سببا، وهو أن هذا النبي مَرّ على قرية، أهلكها الله تعالى، بذنوب أهلها، فوقف
متعجبًا، فقال: يا رب، قد كان فيهم صبيان، ودواب، ومن لم يقترف ذنبا، ثم نزل
تحت شجرة، فجرت له هذه القصة، فنبهه الله جل وعلا على أن الجنس المؤذي يقتل،
وإن لم يُؤذ، وتقتل أولاده، وإن لم تبلغ الأذى. انتهى. وهذا هو الظاهر، وإن ثبتت
هذه القصة، تَعَيّن المصير إليه.
والحاصل أنه لم يعاتَب إنكارا لما فعل، بل جوابا له، وإيضاحا لحكمة شمول
الهلاك لجميع أهل تلك القرية، فضرب له المثل بذلك، أي إذا اختلط من يستحق
الإهلاك بغيره، وتعين إهلاك الجميع طريقا إلى إهلاك المستحق، جاز إهلاك الجميع،
ولهذا نظائر، كتترس الكفار بالمسلمين، وغير ذلك. والله سبحانه أعلم.
وقال الكرماني: النمل غير مكلف، فكيف أشير في الحديث، إلى أنه لو أحرق نملة
واحدة جاز، مع أن القصاص إنما يكون بالمثل لقوله تعالى: ﴿وَجَزَّوْاْ سَيْئَةٍ سَيَِّةٌ مِثْلُهَاَ﴾
الآية [الشورى: ٤٠]، ثم أجاب بتجويز أن التحريق، كان جائزا عنده، ثم قال: يَرِدُ
على قولنا: كان جائزا، لو كان كذلك لَمَا ذُمَ عليه.
وأجاب بأنه قد يُذَمَ الرفيعُ القدرِ على خلاف الأولى. انتهى.

٢٧١ =
٣٨- (قَتَلُ النَّمْل) - حديث رقم ٤٣٦١
والتعبير بالذّم في هذا لا يليق بمقام النبي، فينبغي أن يُعَبَّر بالعتاب.
وقال القرطبي: ظاهر هذا الحديث، أن هذا النبي إنما عاتبه اللَّه، حيث انتقم لنفسه
بإهلاك جمع، آذاه منه واحد، وكان الأولى به الصبر والصفح، وكأنه وقع له أن هذا النوع
مؤذٍ لبني آدم، وحرمة بني آدم أعظم، من حرمة الحيوان، فلو انفرد هذا النظر، ولم
ينضم إليه التشفي، لم يعاتب، قال: والذي يؤيد هذا التمسك بأصل عصمة الأنبياء،
وأنهم أعلم باللّه، وبأحكامه من غيرهم، وأشدهم له خشية. انتهى. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٣٦١ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا النَّضْرُ - وَهُوَ ابْنُ شُمَيْلٍ- قَالَ: أَنْبَنَا
أَشْعَثُ، عَنِ الْحَسَنِ: (نَزَلَ نَبِيٍّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ تَحَتَ شَجَرَةٍ، فَلَدَغَتْهُ نَمْلَةٌ، فَأَمَرَ بِبَنْتِهِنَّ،
فَحُرِّقَ عَلَى مَا فِيهَاَ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ، فَهَلَّا نَمْلَةٌ وَاحِدَةٌ))، وقَالَ الْأَشْعَثُ، عَنِ ابْنِ
سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ مِثْلَهُ، وَزَادَ: ((فَإِنِّنَّ يُسَبِّحْنَ)).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، وتقدّموا غير
مرّة. و((أشعث)): هو ابن عبد الملك الحُمرانيّ البصريّ الثقة .
وقوله: ((فلدغته)) - بالدال المهملة، والغين المعجمة -: أي قَرَصته، وليس هو بالذال
المعجمة، والعين المهملة، فإن ذاك معناه: الإحراق.
وقوله: ((فأمر ببيتهنّ الح، وفي نسخة: ((فأحرق بيتهنّ))، وفي رواية البخاريّ: ((فأمر
بجهازه)) -بفتح الجيم، ويجوز كسرها، بعدها زاي -: أي متاعه.
وقوله: ((فحُرّق)) بتشديد الراء، مبنيًا للمفعول؟
وقوله: ((فهَلّا نملةً واحدةً)): يجوز فيه النصب، على تقدير عامل محذوف، تقديره:
فَهَلَا حَرّقتَ نملةً واحدةً. ويجوز رفعه على أنه نائب فاعل لفعل محذوف، حُرِّقَت نملةٌ
واحدةٌ، أي وهي التي آذتك، بخلاف غيرها، فلم يَصدُر منها جناية .
وقوله: ((وقال الأشعث عن ابن سيرين الخ)) عطف على السند السابق، فهو
موصول، والمعنى: أن الأشعث روى هذا الحديث من شيخين، أحدهما الحسن
البصريّ، وهو موقوفٌ عليه، والثاني: محمد بن سيرين، وهو مرفوع.
والحديث صحيح مقطوع من طريق الحسن، وصحيح مرفوع من طريق محمد بن
سيرين، وذكر الحافظ المزيّ رحمه الله تعالى في ((تحفة الأشراف)) ٣٢٨/١٠- أنه
رواه حبيب بن الشهيد، وسلمة بن علقمة، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة
رضي الله تعالى عنه، موقوفًا. انتهى. أي وهو الموافق لرواية قتادة، عن الحسن
التي بعد هذا.

٢٧٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الضَّحَابَا
والحديث من أفراد المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا، وقد سبق بيانه في الذي
قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٣٦٢- (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي،
عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ نَحْوَهُ، وَلَمْ يَرْفَعْهُ(١) ).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((معاذ بن هشام): هو الدستوائيّ.
والحديث موقوف، وهو بهذا الإسناد ضعيف؛ للانقطاع، فإن الحسن لم يسمع من
أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه عند الأكثرين، لكن تقدّم ترجيح سماعه منه، فعليه يكون
موقوفًا صحيحًا، وله حكم الرفع؛ لأنه لا يُقال من قبل الرأي، وليس أبو هريرة رضي
الله تعالى عنه ممن يروي الإسرائيليّات، فتنبه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلتُ، وإليه
أنیب)) .
٤٢- (كِتَابُ الضَّحَايَا)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: مناسبة ((الضحايا)) للصيد والذبائح واضحة، حيث إن
كلّا يُبحث فيه إراقة دماء الحيوان للأكل، وقدّم الصيد والذبائح؛ لعمومهما؛ وخصوص
الضحايا بالقُرَبِ. والله تعالى أعلم.
و((الضحايا)) -بفتح الضاد المعجمة -: جمع ضَحِيّة، كعطيّة وعطايا، ويقال فيها:
الأُضحيّة، والضحية، وأضحاة، كأَزْطاة. قال الفيّوميّ: ((الأضحيّة)) فيها لغات:
[الأولى] : ضمّ الهمزة في الأكثر، وهي في تقدير أَفْعُولة، [والثانية]: كسرُها إتباعًا
الكسرة الحاء، والجمع أَضَاحيّ، [والثالثة]: ضَحِيَّةٌ، والجمع ضَحَايا، مثلُ عطيّة
وعطايا، [والرابعة] : أضحاة، بفتح الهمزة، والجمع أضحى، مثلُ أرطاة وأرطى، ومنه
عيد الأضحى، والأضحى مؤنثة، وقد تُذكّر، ذهابًا إلى اليوم، قاله الفرّاء. وضَخّى
تضحيةً: إذا ذبح الأضحيّة وقت الضّحَى، هذا أصله، ثم كثُر حتى قيل: ضَخى في أيّ
وقت كان من أيّام التشريق، ويتعدّى بالحرف، فيقال: ضَحِيتُ بشاة. انتهى.
(١) يوجد في هذا الموضع في النسخة الهنديّة: ما نصّه: ((آخر كتاب الصيد والذبائح)).

٢٧٣=
٤٢ - (كِتَبُ الضَّحَاياً) - حديث رقم ٤٣٦٣
وقال أبو العبّاس القرطبيّ: قال الأصمعيّ: في الأضحيّة أربع لغات: أُضحيّة - بضم
الهمزة، وإضحيّة بكسرها، والجمع أضاحيّ بتشديد الياء، وتخفيفها، وضحيّةٌ، على
وزن فَعِيلة، والجمع ضحايا، وأضحاة، والجمع أضحى، كما يقال: أرطاة وأرطى،
وبها سُمّي يوم الأضحى. وقال القاضي: وقيل: سمّيت بذلك؛ لأنها تُفعل في الضحى،
وهو ارتفاع النهار، وفي ((الأضحى)) لغتان: التذكير لغة قيس، والتأنيث لغة تميم.
وفي ((الصحاح)): ضَخوة النهار بعد طلوع الشمس، ثم بعده الضحى، وهو حين
تُشرق الشمس، مقصورة، موؤنّثة، وتُذكّر، فمن أنّث ذهب إلى أنها جمع ضحوة، ومن
ذكّر ذهب إلى أنه اسم على فُعَل، مثل نُغَر، وصُرَد، قال: وهو ظرفٌ غير متمكّن، مثلُ
سَخَر، تقول: لقيته ضُحىّ، وضُحَى، إذا اردت به ضحى يومك لم تنوّنه. قال
القرطبيّ: قياسه ضحى على سحر قد أَخَذَ عليه فيه ابن بَرّيّ، وهي مؤاخذة صحيحة؛
لأن الظروف التي لا تنصرّف إذا عُيّنت هي: ((سحر)) - كما ذكر - و((غَذْوَة))، و((بُكْرَة))،
لا غير، ف(سحر)) إذا أريد به يوم بعينه لم ينصرف للتعريف والعدل، وفي ((غدوة))،
و ((بُكرة)) للتعريف والتأنيث، فأما بكير، وعشاء، وعتمة، وضحوة، وعشيّة، وضحى،
ونحوها، فإنها منصرفة على كلّ حال، فإن أريد بها وقتّ بعينه، كانت نكرات اللفظ،
معرفة بالمعنى، على غير وجه التعريف. وهكذا ذكره الحسن بن خَرُوف، وغيره.
انتهى كلاك القرطبيّ. ((المفهم)) ٣٤٧/٥-٣٤٨. بزيادة من ((شرح النوويّ على مسلم))
١١١/١٣ .
وقال الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى في ((المغني)) ٣٦٠/١٣ -: الأصل في
مشروعية الأضحية: الكتاب، والسنة، والإجماع، فأما الكتاب، فقول الله سبحانه:
﴿فَصَلِ لِرَبِّكَ وَأَنْحَرْ﴾ [سورة الكوثر: ٢]، قال بعض أهل التفسير: المراد به الأضحية،
بعد صلاة العيد. وأما السنة، فما رَوَى أنس رضي اللَّه تعالى عنه، قال: ((ضحى النبي
وَ ل بكبشين، أملحين، أقرنين، ذبحهما بيده، وسمى، وكبر، ووضع رجله على
صفاحهما))، متفق عليه. والأملح: الذي فيه بياض وسواد، وبياضه أغلب. قال
الكسائي: وقال ابن الأعرابي: وهو النقي البياض، قال الشاعر [من الرجز]:
حَتَّى اكْتَسَى الرَّأْسُ قِنَاعًا أَشْيَبًا (١) أَمْلَحَ لَا لَذَأْ وَلَا مُحَبَّبَا
وأجمع المسلمون على مشروعية الأضحية. انتهى كلام ابن قدامة رحمه الله تعالى.
والله تعالى أعلم بالصواب.
(١) والذي في ((اللسان)): ((أشهبا)) بدل ((أشيبا)).

٢٧٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الضَّحَابًا
٤٣٦٣ - (أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ سَلْم الْبَلْخِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا النَّضْرُ -وَهُوَ ابْنُ شُمَّيْل-
قَالَ: أَنْبَأَنَا شُعْبَةُ، عَن مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنِ ابْنِ مُسْلِمٍ، عَنِ سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيْبِ، عَنَّ أُمْ
سَلَمَةَ، عَنِ النَِّيِّ ◌ََّ، قَالَ: ((مَنْ رَأَى هِلَالَ ذِي الْحِجَّةِ، فَأَرَادَ أَنْ يُضَخْيَ، فَلَا يَأْخُذْ مِنْ
شَعْرِهِ، وَلَّا مِنْ أَظْفَارِهِ حَتَّى يُضَحِّيَ))).
رجال هذا الإسناد : سبعة:
١- (سليمان بن سَلْم) الْهَدَاديّ بفتح الهاء، وتخفيف الدال، أبو داود المصاحفيّ
البلخيّ، ثقة [١١] ١١٨/ ١٠٧٥.
٢- (النضر بن شُمَيل) المازني، أبو الحسن النحوي البصري، نزيل مرو، ثقة ثبت،
من كبار [٩] ٤١ /٤٥ .
٣- (شعبة) بن الحجاج المذكور قبل باب.
٤- (مالك بن أنس) إمام دار الهجرة الحجة الثبت الفقيه [٧] ٧/٧ .
٥- (ابن مسلم) هو عمرو بن مسلم بن عُمارة بن أكيمة - بالتصغير - الليثيّ الْجُندعيّ
المدنيّ، وقيل: اسمه عمر، صدوقٌ [٦].
وفي (تهذيب التهذيب)) ج: ٨ ص: ٩١: روى عن سعيد بن المسيب، عن أم
سلمة، حديث: ((من أراد أن يضحي، فدخل العشر، فلا يأخذ من شعره، ولا من
أظفاره))، وعنه مالك، وسعيد بن أبي هلال، ومحمد بن عمرو بن علقمة، وعبد
الرحمن بن سعد بن عمار المؤذن، وقد قيل: إن الزهري روى عنه، والمحفوظ أن
الزهري، إنما روى عن جده.
قال: ابن معين: ثقة، وفي رواية: لا بأس به. وأسند الخطيب في ((الموضح)) عن
ابن معين: أنه قيل فيه، عمار، وعمر، ويختلفون فيه. قال الحافظ: وادعى ابن حبان
في ((الثقات)): والصحيح أن الذي روى عنه الزهري، اسمه عمرو بن مسلم بن أكيمة،
وأن الذي روى عنه مالك وغيره، أخوه عُمر بن مسلم، ولم يوافقه أحد، علمته على
ذلك. انتهى .
وقال النوويّ في ((شرح صحيح مسلم)) ١٣٩/١٣: قوله: ((عن عُمر بن مسلم الخ))
كذا رواه مسلم ((عُمر)) بضم العين في كلّ هذه الطرق، إلا طريق حسن بن عليّ
الْحُلوانيّ، ففيها عَمْرو -بفتح العين- وإلا طريق أحمد بن عبد الله بن الحكم، ففيها
عمرو، أو عُمر، وقال العلماء: الوجهان منقولان في اسمه. انتهى. روى له مسلم،
والأربعة، وليس له عند المصنّف إلا هذا الحديث. والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: وقع في النسخ: ((عن أبي مسلم)) بدل ((ابن مسلم))، وهو تصحيفٌ،

٤٢- (كِتَابُ الضَّحَايا) - حديث رقم ٤٣٦٣
٢٧٥ ===
والصواب ((عن ابن مسلم))، كما في ((تحفة الأشراف)) ٦/١٣ فتنبه. والله تعالى أعلم.
٦- (سعيد بن المسيب) المذكور في الباب الماضي.
٧- (أم سلمة) هند بنت أبي أمية المخزومية، أم المؤمنين رضي اللّه تعالى
عنها١٨٣/١٢٣. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من سباعيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال
الصحيح، إلا شيخه، فتفرد به هو، وأبو داود، والترمذي. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين
من مالك. (ومنها): أن فيه ابن المسيب أحد الفقهاء السبعة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن) أم المؤمنين (أم سلمة) هند بنت أبي أميّة رضي الله تعالى عنها (عن النبي بَّ)
أنه (قال من رأى هلال ذي الحجة) وفي الرواية الآتية: ((إذا دخلت العشر)): أي عشر ذي
الحجة (فأراد أن يضحي) قيل: فيه دلالة على عدم وجوب الأضحيّة، لكونه أسنده إلى
إرادته، وسيأتي تحقيق القول فيه قريبًا، إن شاء الله تعالى. وفي رواية أبي داود: ((من
كان له ذِبْحٌ يذبحه، فإذا أهلّ هلال ذي الحجة، فلا يأخذنّ من شعره، وأظفاره حتى
يضخّي)). و((الذبح)) بكسر الذال: المذبوح (فلا يأخذ من شعره) بفتح العين المهملة،
وسكونها (ولا من أظفاره حتى يضحي) أي إلى أن يذبح أضحيته.
قال النوويّ رحمه الله تعالى: قال أصحابنا -يعني الشافعيّة -: والمراد بالنهي عن
أخذ الظفر والشعر، النهي عن إزالة الظفر بقَلْم، أو كسر، أو غيره، والمنع من إزالة
الشعر بحلق، أو تقصير، أو نتف، أو إحراق، أو أخذه بنورة، أو غير ذلك من شعور
بدنه، وسواء شعر الإبط، والشارب، والعانة، والرأس، وغير ذلك، من شُعور بدنه.
قال إبراهيم المروزي وغيره، من أصحابنا: حكم أجزاء البدن كلها، حكم الشعر
والظفر، ودليله ما ثبت في رواية لمسلم: ((فلا يَمَسّنّ من شعره وبشره شيئا)».
قالوا: والحكمة في النهي أن يبقى كامل الأجزاء؛ للعتق من النار. وقيل: للتشبه
بالمحرم. قالوا: هذا الوجه الثاني غلط؛ لأنه لا يعتزل النساء، ولا يترك الطيب، واللباس،
وغير ذلك، مما يتركه المحرم. انتهى كلام النوويّ في ((شرح مسلم)) ١٣٩/١٣. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:

٢٧٦
E
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الضَّحَابًا
حديث أم سلمة رضي اللّه تعالى عنها هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا- ٤٣٦٣/١ و٤٣٦٤ ٤٣٦٥٥ و٤٣٦٦ - وفي ((الكبرى)) ٤٤٥١/١
و٤٤٥٢ و٤٤٥٣٣ و٤٤٥٤. وأخرجه (م) في ((الأضاحي)) ٥٠٨٩ و٥٠٩٠ و٥٠٩١
و٥٠٩٢ و٥٠٩٣ و٥٠٩٤ و٥٠٩٥ (د) في ((الضحايا)) ٢٧٩١ (ت) في ((الأضاحي))
١٥٢٣ (ق) في ((الأضاحي)) ٣١٤٩ و٣١٥٠ . والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): مشروعيّة الأضحيّة. (ومنها): أنها مستحبّة؛ لقوله: ((وأراد أحدكم أن
يُضخّي)). (ومنها): أن من أراد أن يضخّي، لا يأخذه من شعره، ولا من بشره شيئًا،
وهل هو للتحريم، أم للتنزيه يأتي التحقيق قريبًا، إن شاء الله تعالى.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم فيمن دخل عليه عشر ذي الحجة وهو مرید
التضحية هل يأخذ من شعره أو أظفاره، أم لا؟ :
قال النوويّ رحمه الله تعالى: في ((شرح صحيح مسلم)) ١٣/ ١٣٨: واختلف
العلماء فيمن دخلت عليه عشر ذي الحجة، وأراد أن يضحى، فقال سعيد بن المسيب،
وربيعة، وأحمد، وإسحاق، وداود، وبعض أصحاب الشافعى: أنه يحرم عليه أخذ شئ
من شعره، وأظفاره حتى يضحي، فى وقت الأضحية.
وقال الشافعى، وأصحابه: هو مكروه، کراهةً تنزيه، وليس بحرام.
وقال أبو حنيفة: لا يكره، وقال مالك فى رواية: لا يكره، وفى رواية: يكره، وفى
رواية يحرم فى التطوع، دون الواجب.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: القول بعدم الكراهة يردّه حديث الباب. فتنبه.
قال: واحتج من حرّم بهذه الأحاديث. واحتج الشافعى، والآخرون، بحديث
عائشة، رضى الله عنها، قالت: ((كنت أفتل قلائد هدى رسول اللّه بِّل، ثم يُقَلِّده،
ويبعث به، ولا يحرم عليه شىء، أحله الله، حتى ينحر هديه)). رواه البخارى، ومسلم.
قال الشافعى: البعث بالهدي أكثر من إرادة التضحية، فدل على أنه لايحرم ذلك،
وحمل أحاديث النهى على كراهة التنزيه. انتهى كلام النوويّ رحمه الله تعالى.
وقال العلامة ابن قُدامة رحمه اللّه تعالى - عند قول الْخِرَقيّ: ومن أراد أن يضحي،
فدخل العشر، فلا يأخذ من شعره، ولا بشرته شيئا -: ما نصّه: ظاهر هذا تحريم قص
الشعر، وهو قول بعض أصحابنا، وحكاه ابن المنذر عن أحمد، وإسحاق، وسعيد بن
المسيب، وقال القاضي، وجماعة من أصحابنا، هو مكروه، غير محرم، وبه قال مالك،

٤٢ - (كِتَابُ الضَّحَايا) - حديث رقم ٤٣٦٣
=
٢٧٧
والشافعي لقول عائشة رضي الله تعالى عنها: ((كنت أَفيِل قلائد هدي رسول اللَّهِ وَلَه
ثم يقلدها بيده، ثم يبعث بها، ولا يحرم عليه شيء، أحله الله له، حتى ينحر الهدي))،
متفق عليه .
وقال أبو حنيفة: لا يكره ذلك؛ لأنه لا يحرم عليه الوطء، واللباس، فلا يكره له
حلق الشعر، وتقليم الأظافر، كما لو لم يُرِد أن يضحي.
قال: ولنا ما روت أم سلمة رضي الله تعالى عنها، عن رسول اللَّه وَّر، أنه قال: ((إذا
دخل العشر، وأراد أحدكم أن يُضَحِّي، فلا يأخذ من شعره، ولا من أظفاره شيئا، حتى
يضحي))، رواه مسلم. ومقتضى النهي التحريم، وهذا يرد القياس ويبطله، وحديثهم
عامّ، وهذا خاص يجب تقديمه، بتنزيل العامّ على ما عدا ما تناوله الحديث الخاص،
ولأنه يجب حمل حديثهم على غير محل النزاع؛ لوجوه: [منها]: أن النبي ◌ِّ، لم
يكن ليفعل ما نَّى عنه، وإن كان مكروها، قال الله تعالى؛ إخبارًا عن شعيب - عليه
السلام -: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَآ أَنْهَئِكُمْ عَنْهُ﴾ الآية [هود: ٨٨]، ولأن أقل
أحوال النهي أن يكون مكروها، ولم يكن النبي وَّ ليفعله، فيتعين حمل ما فعله في
حديث عائشة على غيره. ولأن عائشة تعلم ظاهرا، ما يباشرها به، من المباشرة، أو ما
يفعله دائما، كاللباس، والطيب، فأما ما يفعله نادرًا، كقص الشعر، وقلم الأظافر، مما
لا يفعله في الأيام إلا مرة، فالظاهر أنها لم ترده بخبرها، وإن احتمل إرادتها إياه، فهو
احتمال بعید، وما كان هكذا، فاحتمال تخصيصه قریب، فیکفي فیه أدنی دلیل، وخبرنا
دليل، فكان أولى بالتخصيص. ولأن عائشة تخبر عن فعله، وأم سلمة عن قوله، والقول
يُقَدَّم على الفعل؛ لاحتمال أن يكون فعله خاصا له. إذا ثبت هذا، فإنه يَترُك قطع
الشعر، وتقليم الأظافر، فإن فعل استغفر اللَّه تعالى، ولا فدية فيه إجماعا، سواء فعله
عمدا، أو نسيانا. انتهى كلام ابن قُدمة رحمه الله تعالى في ((المغني)) ١٣/ ٣٦٢ -٣٦٣.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي حقّقه ابن قدامة رحمه الله تعالى تحقيقٌ
حسنٌ جدًا.
والحاصل أن أرجح الأقوال هو القول بتحريم الأخذ من الشعر، والأظفار، إذا دخل
عشر ذي الحجة لمن أراد أن يضخّي، حتّى يضخّي؛ لوضوح دليله. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في حكم الأضحيّة:
قال الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى: أكثر أهل العلم، يرون الأضحية سنة مؤكدة،
غير واجبة، رُوي ذلك عن أبي بكر، وعمر، وبلال، وأبي مسعود البدري، رضي الله

= ٢٧٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الضَّحَابًا
عنهم، وبه قال سُويد بن غَفَلة، وسعيد بن المسيب، وعلقمة، والأسود، وعطاء،
والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور، وابن المنذر.
وقال ربيعة، ومالك، والثوري، والأوزاعي، والليث، وأبو حنيفة: هي واجبة؛ لما
روى أبو هريرة رضي الله تعالى عنه: أن رسول اللّه وَّر، قال: ((من كان له سعة، ولم
يُضَحْ فلا يَقْرَبَنّ مصلانا)»، وعن مِحِنَف بن سُلَيم أن النبي ◌َّ، قال: ((يا أيها الناس، إن
على كل أهل بيت، في كل عام أَضْحَاةً، وعتيرة)).
واحتجّ الأولون بما رواه الدارقطني، بإسناده، عن ابن عباس رضي اللَّه تعالى
عنهما، عن النبي ◌َّه: قال: ((ثلاث، كُتبت عليّ، وهن لكم تطوع»، وفي رواية:
(الوتر، والنحر، وركعتا الفجر))(١). قال: ولأن النبي وَّر، قال: ((من أراد أن يضحي،
فدخل العشر، فلا يأخذ من شعره، ولا بشرته شيئا»، رواه مسلم. عَلّقه على الإرادة،
والواجب لا يُعلّق على الإرادة، ولأنها ذبيحة لم يجب تفريق لحمها، فلم تكن واجبة،
كالعقيقة، فأما حديثهم، فقد ضعفه أصحاب الحديث، ثم نحمله على تأكيد
الاستحباب، كما قال: ((غسل الجمعة واجب على كل محتلم))، وقال: ((من أكل من
هاتين الشجرتين، فلا يَقرَبَنّ مصلانا)). وقد روي عن أحمد، في اليتيم يُضَحِّي عنه
وليه: إذا كان موسرا، وهذا على سبيل التوسعة، في يوم العيد، لا على سبيل
الإيجاب. انتهى كلام ابن قدامة رحمه الله تعالى.
وقال الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى في ((صحيحه)): ((باب سنة الأضحية، وقال ابن
عمر: هي سنّةٍ، ومعروف)).
فقال في ((الفتح)) ١١٥/١١ -: وكأنه ترجم بالسنة إشارةً إلى مخالفة من قال
بوجوبها، قال ابن حزم: لا يصح عن أحد من الصحابة، أنها واجبة، وصح أنها غير
واجبة عن الجمهور، ولا خلاف في كونها من شرائع الدين، وهي عند الشافعية،
والجمهور سنة مؤكدة، على الكفاية، وفي وجه للشافعية، من فروض الكفاية، وعن
أبي حنيفة: تجب على المقيم الموسر، وعن مالك مثله، في رواية، لكن لم يقيد
بالمقيم، ونقل عن الأوزاعي، وربيعة، والليث مثله، وخالف أبو يوسف من الحنفية،
وأشهب من المالكية، فوافقا الجمهور. وقال أحمد: يكره تركها مع القدرة، وعنه
واجبة، وعن محمد بن الحسن: هي سنة غير مُرَخّص في تركها، قال الطحاوي: وبه
نأخذ، وليس في الآثار ما يدل على وجوبها. انتهى.
(١) سيأتي قريبًا الكلام على هذا الحديث بأنه ضعيف من جميع طرقه.

=
٢٧٩
٤٢- (كِتَابُ الضَّحَايا) - حديث رقم ٤٣٦٣
وأقرب ما يُتَمَسَّك به للوجوب حديث أبي هريرة، رفعه: ((من وجد سعة، فلم
يُضَحِّ، فلا يَقْرَبَنَّ مصلانا)»، أخرجه بن ماجه، وأحمد، ورجاله ثقات، لكن اختُلِف في
رفعه، ووقفه، والموقوف أشبه بالصواب، قاله الطحاوي وغيره، ومع ذلك، فليس
صريحا في الإيجاب.
وقول ابن عمر: ((هي سنة، ومعروف)) وصله حماد بن سلمة، في ((مصنفه))، بسند جيد
إلى ابن عمر، وللترمذي، مُحَسَّنًا، من طريق جَبَلَة بن سُحَيم: أن رجلا سأل ابن عمر، عن
الأضحية، أهي واجبة؟، فقال: ضَخَّى رسولُ اللَّه وَّ، والمسلمون بعده. قال الترمذي:
العمل على هذا، عند أهل العلم، أن الأضحية ليست بواجبة، وكأنه فَهِمَ من كون ابن
عمر، لم يقل في الجواب: نعم، أنه لا يقول بالوجوب، فإن الفعل المجرد، لا يدل على
ذلك، وكأنه أشار بقوله: ((والمسلمون)) إلى أنها ليست من الخصائص، وكان ابن عمر
حريصا، على اتباع أفعال النبي ◌َّ، فلذلك لم يصرّح بعدم الوجوب.
وقد احتج من قال بالوجوب، بما ورد في حديث مِخْتَف بن سُلَيم، رفعه: ((على
أهل كل بيت أضحية))، أخرجه أحمد، والأربعة، بسند قوي، ولا حجة فيه؛ لأن
الصيغة ليست صريحة في الوجوب المطلق، وقد ذكر معها العتيرة، وليست بواجبة عند
من قال بوجوب الأضحية.
واستدل من قال بعدم الوجوب، بحديث ابن عباس: ((كُتِب عليّ النحرُ، ولم يكتب
عليكم))، وهو حديث ضعيف، أخرجه أحمد، وأبو يعلى، والطبراني، والدارقطني،
وصححه الحاكم، فذَهِلَ، وقد استوعَبْتُ(١) طرقه، ورجاله في الخصائص، من تخريج
أحاديث الرافعي. انتهى كلام الحافظ في ((الفتح)).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عبارته في ((تخريج أحاديث الرافعيّ)) المسمّى
((تلخيصَ الحبير)) ج: ٣/ ١١٨: قوله: ((فمنها صلاة الضحى)): روي أنه وَّر، قال:
((كُتب عليّ ركعتا الضحى، وهما لكم سنة))، رواه أحمد من طريق إسرائيل، عن جابر،
عن عكرمة، عن ابن عباس، بلفظ: ((أمرت بركعتي الضحى، ولم تؤمروا بها، وأمرت
بالأضحى، ولم تكتب))، وإسناده ضعيف، من أجل جابر الجعفي، ورواه أبو يعلى من
طريق شريك، بلفظ: ((كتب عليّ النحر، ولم يكتب عليكم، وأمرت بصلاة الضحى،
ولم تؤمروا بها))، ورواه البزار بلفظ: ((أمرت بركعتي الفجر والوتر، وليس عليكم))،
ومن طريق أبي جناب الكلبي، عن عكرمة عنه، بلفظ: ((ثلاث هنّ عليّ فرائض، ولكم
تطوع النحر والوتر، وركعتا الضحى))، ورواه الحاكم، وابن عدي، من هذا الوجه،
(١) الكلام للحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى.

٢٨٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الضَّحَابَا
ولفظه: ((الأضحى))، بدل ((النحر))، و((ركعتا الفجر)) بدل ((الضحى))، وكذلك رواه
الدارقطني، والبيهقي، ورواه ابن حبان في ((الضعفاء))، وابن شاهين في ((ناسخه)) من
طريق وضاح بن يحيى، عن مندل، عن يحيى بن سعيد، عن عكرمة عنه، بلفظ:
((ثلاث عليّ فريضة، وهن لكم تطوع: الوتر، وركعتا الفجر، وركعتا الضحى))،
والوضاح ضعيف.
فتلخص ضعف الحديث من جميع طرقه، ويلزم من قال به، أن يقول بوجوب ركعتي
الفجر عليه، ولم يقولوا بذلك، وإن كان قد نقل ذلك عن بعض السلف.
ووقع في كلام الآمدي، وابن الحاجب، وقد ورد ما يعارضه، فروى الدارقطني،
وابن شاهين، في ((ناسخه)) من طريق عبد الله بن مُحَرَّر، عن قتادة، عن أنس، مرفوعا:
((أُمرت بالوتر، والاضحى، ولم يعزم عليّ))، ولفظ ابن شاهين: ((ولم يفرض عليّ))،
وعبد الله بن مُحَرَّر متروك. انتهى كلام الحافظ في ((التلخيص)).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما سبق أن أرجح المذاهب هو ما عليه
الجمهور، من استحباب الأضحيّة، استحبابًا أكيدًا، وأنها ليست بواجبة؛ لوضوح أدلتها.
قال أبو محمد ابن حزم رحمه الله تعالى في كتابه ((المحلّى)) ٣٥٥/٧ -: الأضحيّة سنّة
حسنةٌ، وليست فرضًا، ومن تركها غير راغب عنها، فلا حرج عليه في ذلك، ومن ضخّى
عن امرأته، أو ولده، أو أمته، فحسنّ، ومن لا فلا حرج في ذلك، ثم ذكر الأدلّة على هذا،
وأقوال العلماء، وأدلّتهم، وناقشها على عادته، بما لا تراه في غير كتابه، فراجعه تستفد.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيلِ.
٤٣٦٤- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، عَن شُعَيْبٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا اللَّيْثُ،
قَالَ حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ، عَنِ ابْنٍ أَبِي هِلَالٍ، عَنِ عَمْرِو بْنِ مُسْلِمِ، أَنَّهُ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ
الْمُسَيِّبِ، أَنَّ أُمَّ سَلَمَّةً، زَوْجَ النَّبِيِّ ◌ََّ أَخْبَرَتْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بَلِ، قَالَ: ((مَنْ أَرَادَ أَنْ
يُضَحْيَ، فَلَا يَقْلِمْ مِنْ أَظْفَارِهِ، وَلَا يَخْلِقْ شَيْئًا مِنْ شَعْرِهِ، فِي عَشْرِ الْأُوَلِ مِنْ ذِي
الْحِجَّةِ))).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، وقد
تقدموا غير مرة.
و(محمد بن عبد الله بن عبد الحكم)): هو المصريّ الفقيه الثقة [١١] ١٦٦/١٢٠.
و((شعيب)): هو ابن الليث بن سعد المصري الثقة الثبت الفقيه، من كبار [١٠] ١٢٠/
١٦٦ . و((الليث)): هو ابن سعد الإمام الحجة الثبت المصريّ [٧]. و((خالد بن يزيد)):
هو الْجُمَحيّ السكسكيّ، أبو عبد الرحيم المصريّ الثقة الفقيه [٦]. و((ابن أبي هلال)):