Indexed OCR Text

Pages 81-100

١- (الأَمْرُ بِالتَّسْمِيَّةِ عِنْدَ الصَّيْدِ) - حديث رقم ٤٢٦٥
٨١=
حتى يتكرّر. انتهى كلام ابن قُدامة بتصرّف(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: القول الأول عندي أقرب؛ لوضوح حجته. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في إلحاق غير الكلب به في جواز الصيد:
قال ابن قدامة رحمه الله تعالى أيضًا: وكلّ ما يقبل التعليم، ويُمكن الاصطياد به من
سباع البهائم، كالفهد، أو جوارح الطير، فحكمه حكم الكلب في إباحة صيده. قال ابن
عبّاس رضي الله تعالى عنهما في قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِجِ﴾ الآية: هي
الكلاب المعلّمة، وكلّ طير تعلّم الصيد، والفُهود، والصقور، وأشباهها. وبمعنى هذا
قال طاوس، ويحيى بن أبي كثير، والحسن، ومالكٌ، والثوريّ، وأبو حنيفة، ومحمد
ابن الحسن، والشافعيّ، وأبو ثور. وحكي عن ابن عُمر، ومجاهد أنه لا يجوز الصيد
إلا بالكلب؛ لقول الله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِجِ مُكِِّينَ﴾ [المائدة: ٤] يعني كُلَّبتم
من الكلاب.
واحتجَ الأولون بما روى عن عديّ بن حاتم رضي اللَّه تعالى عنه، قال: سألت
رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم عن صيد البازي؟ فقال: ((إذا أمسك عليك،
فكل))(٢)، ولأنه جارحٌ يُصاد به عادةً، ويَقبل التعليمَ، فأشبه الكلب، فأما الآية فإن
الجوارح الكواسب، ﴿وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ [الأنعام: ٦٠]: أي كسبتم، وفلان
جارحة أهله: أي كاسبهم ﴿مُكَلِّينَ﴾ من التكليب، وهو الإغراء. انتهى كلام ابن قدامة
رحمه الله تعالى(٣).
وقال أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: ألحق الجمهور بالكلب كلّ حيوان
معلّم، يتأتّى به الاصطياد، تمسّكًا بالمعنى، وبما رواه الترمذيّ عن عديّ بن حاتم رضي
الله تعالى عنه أنه قال: سألت رسول الله صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم عن صيد البازي؟
فقال: ((إذا أمسك عليك، فكل))، على أن في إسناده مجالدًا، ولا يُعرف إلا من حديثه،
وهو ضعيف، والمعتمد النظر إلى المعنى، وذلك أن كلّ ما يتأتّى من الكلب يتأتّى من
الفهد مثلًا، فلا فارق إلا فيما لا مدخل له في التأثير، وهذا هو القياس في معنى
الأصل، كقياس السيف على المدية التي ذبح النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم بها،
وقياس الأمة على العبد في سراية العتق.
(١) ((المغني)) ٢٦٢/١٣.
(٢) سيأتي قريبًا أنه حديث ضعيف؛ لتفرّد مجا !. بن سعيد به، وهو ضعيف.
(٣) ((المغني)) ٢٦٥/١٣-٢٦٦.

٨٢
=
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصَّيْدِ، وَالذَّبَائِحِ
وقد خالف في ذلك قومٌ، وقصروا الإباحة على الكلاب خاصّةً، ومنهم من يستثني
الكلب الأسود، وهو الحسن، والنخعيّ، وقتادة؛ لأنه شيطانٌ، كما قال النبيّ صلّى اللَّه
تعالى عليه وسلم، متمسّكين بقوله تعالى: ﴿مُكِّينَ﴾، وبأنه ما وقع في ((الصحيحين))
إلا ذكر الكلاب. وهذا لا حجّة لهم فيه؛ لأن ذكر الكلاب في هذه المواضع إنما كان
لأنها الأغلب والأكثر، وأيضًا فإن ذكر ها خصوصًا لا يدلّ على أن غيرها لا يُصاد بها؛
لأن الكلب لقبٌ، ولا مفهوم للّقب عند جماهير المحقّقين من الأصوليين، ولم يصر إليه
إلا الدّقّاق، وليس هو فيه على توفيق، ولا وفاق، ولو صحّ زعمه ذلك لكفر من قال:
عيسى رسول اللّه، فإنه كان يلزم منه بحسب زعمه، أن محمدًا وغيره من الأنبياء -
صلوات الله وسلامه عليهم- ليس رسولًا. انتهى كلام القرطبيّ(١) .
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: عندي ما ذهب إليه الجمهور من جواز الاصطياد بكل
حيوان يقبل التعليم هو الأرجح؛ لظهور مُذْركه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
(المسألة السابعة): في اختلاف أهل العلم في اشتراط التسمية على الكلاب، والذبيحة:
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى في ((تفسيره)) ٢/ ١٧٠ - عند تفسير قوله: ﴿وَلَا
تَأْكُلُواْ مِمَا لَ يُذْكَرِ أَسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ الآية [الأنعام: ١٢١] -: ما حاصله:
قد اختلف الأئمة رحمهم الله في هذه المسألة على ثلاثة أقوال: فمنهم من قال: لا
تحل هذه الذبيحة بهذه الصفة، وسواء متروك التسمية عمدا، أو سهوا، وهو مروي عن
ابن عمر، ونافع مولاه، وعامر الشعبي، ومحمد بن سيرين، وهو رواية عن الإمام
مالك، ورواية عن أحمد بن حنبل، نصرها طائفة من أصحابه المتقدمين والمتأخرين،
وهو اختيار أبي ثور، وداود الظاهري، واختار ذلك أبو الفتوح، محمد بن محمد بن
علي الطائي، من متأخري الشافعية، في كتابه ((الأربعين))، واحتجوا لمذهبهم هذا بهذه
الآية، وبقوله في آية الصيد: ﴿فَكُلُواْ مِمَّ أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَأَذَّكُرُوا اسْمَ اَللَّهِ عَلَيْهِ﴾، ثم قد أكد في
هذه الآية بقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾، والضمير قيل: عائد على الأكل، وقيل: عائد على
الذبح لغير الله، وبالأحاديث الواردة في الأمر بالتسمية عند الذبيحة والصيد، كحديثي
عدي بن حاتم، وأبي ثعلبة رضي اللّه تعالى عنهما: ((إذا أرسلت كلبك المعلم، وذكرت
اسم اللّه عليه، فكل ما أمسك عليك))، وهما في ((الصحيحين))، وحديث رافع بن
خديج رَزّ: ((ما أنهر الدم، وذُكر اسم الله عليه فكلوه))، وهو في ((الصحيحين)) أيضا،
(١) «المفهم)) ٢٠٥/٥-٢٠٦.

١- (الأَمْرُ بِالتَّسْمِيَةِ عِنْدَ الصَّيْدِ) - حديث رقم ٤٢٦٥
= ٨٣=
وحديث ابن مسعود رَّه: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال للجن: (لكم
كل عظم ذكر اسم الله عليه))، رواه مسلم، وحديث جندب بن سفيان البجلي تَّه ،
قال: قال رسول اللّه وَّلير: ((من ذبح قبل أن يصلي، فليذبح مكانها أخرى، ومن لم يكن
ذبح حتى صلينا، فليذبح باسم الله))، أخرجاه، وعن عائشة رضي الله عنها: أن ناسا
قالوا: يا رسول اللَّه، إن قوما يأتوننا باللحم، لا ندري أذكر اسم الله عليه أم لا؟، قال:
((سموا عليه أنتم، وكلوا))، قالت: وكانوا حديثي عهد بالكفر، رواه البخاري. ووجه
الدلالة أنهم فَهِموا أن التسمية لابد منها، وخَشُوا أن لا تكون وُجدت من أولئك؛ لحداثة
إسلامهم، فأمرهم بالاحتياط بالتسمية عند الأكل، لتكون كالعوض عن المتروكة عند
الذبح، إن لم تكن وجدت، وأمرهم باجراء أحكام المسلمين على السداد. والله أعلم.
(المذهب الثاني في المسألة): أنه لا يشترط التسمية، بل هي مستحبة، فإن تركها
عمدا أو نسيانا لا يضر، وهذا مذهب الإمام الشافعي رحمه اللَّه، وجميع أصحابه،
ورواية عن الإمام أحمد، نقلها عنه حنبل، وهو رواية عن الإمام مالك، ونص على ذلك
أشهب بن عبد العزيز، من أصحابه، وحُكي عن ابن عباس، وأبي هريرة، وعطاء بن
أبي رباح. والله أعلم. وحمل الشافعي الآية الكريمة: ﴿وَلَا تَأْكُلُواْ مِمَّا لَ يُذْكَرِ اسْمُ الَّهِ
عَلَيْهِ وَإِنَُّ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١] على ماذُبح لغير الله، كقوله تعالى: ﴿أَوْ نِسْقًا أُهِلَّ
لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ،﴾ [الأنعام: ١٤٥]، وقال ابن جريج، عن عطاء: ﴿وَلَا تَأْكُلُواْ مِمَّا لَ يُذْكَرِ
أَسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ قال: ينهى عن ذبائحَ، كانت تذبحها قريش للأوثان، وينهى عن ذبائح
المجوس، وهذا المسلك الذي طرقه الإمام الشافعي قويّ، وقد حاول بعض المتأخرين
أن يقويه، بأن جعل الواو في قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ حالية: أي لا تأكلوا ما لم يذكر اسم
الله عليه، في حال كونه فسقا، ولا يكون فسقا، حتى يكون قد أَهِلّ به لغير الله، ثم
ادعى أن هذا متعين، ولا يجوز أن تكون الواو عاطفة؛ لأنه يلزم منه عطف جملة اسمية
خبرية، على جملة فعلية طلبية، وهذا ينتقض عليه بقوله: ﴿وَإِنَّ الشَّيَطِينَ لَيُوحُونَ إِلَ
أَوْلِيَآئِهِمْ﴾، فإنها عاطفة، لا مَحَالة، فإن كانت الواو التي ادّعى أنها حالية صحيحة،
على ما قال، امتنع عطف هذه عليها، فإن عُطفت على الطلبية، ورَدَ عليه ما أورد على
غيره، وإن لم تكن الواو حالية، بطل ما قال من أصله. والله أعلم.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا يحيى بن المغيرة، أنبأنا جرير، عن عطاء،
عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في الآية: ﴿وَلَا تَأْكُلُواْ مِمَّا لَ يُذْكَرِ أَسْمُ اَللَّهِ عَلَيْهِ﴾
قال: هي الميتة. ثم رواه عن أبي زرعة، عن يحيى بن أبي كثير، عن ابن لَهِيَعة، عن
عطاء -وهو ابن السائب- به.

٨٤
==
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصَّيْدِ، وَالذَّبَائِحِ
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: في الأول عطاء بن السائب، وهو مختلط، وجرير
ممن روى عنه بعد اختلاطه، وفي الثاني ابن لَهيعة، وهو ضعيف للاختلاط. والله
تعالى أعلم.
قال: وقد استدل لهذا المذهب بما رواه أبو داود في ((المراسيل)) من حديث ثور بن
زيد، عن الصلت السدوسي، مولى سُويد بن منجوف، أحد التابعين، الذين ذكرهم أبو
حاتم بن حبان، في كتاب ((الثقات))، قال: قال رسول اللّه وَّ: ((ذبيحة المسلم حلال،
ذَكَر اسم الله، أو لم يَذكُر، إنه إن ذكر لم يذكر إلا اسم اللَّه))، وهذا مرسل، يُعضَد بما
رواه الدارقطني، عن ابن عباس، أنه قال: ((إذا ذبح المسلم، ولم يذكر اسم الله
فليأكل، فإنّ المسلم فيه اسم من أسماء الله)).
واحتج البيهقي أيضا بحديث عائشة، رضي الله عنها المتقدم: أن ناسا قالوا: يا
رسول الله، إن قوما حديثي عهد بجاهلية، يأتوننا بلحم، لا ندري أذكر اسم الله عليه،
أم لا؟ فقال: ((سموا أنتم، وكلوا))، رواه البخاريّ، قالوا: فلو كان وجود التسمية
شرطا، لم يُرَخْص لهم إلا مع تحققها، والله أعلم.
(المذهب الثالث في المسألة): إن تَرَكَ البسملةَ، على الذبيحة نسيانا لم يضر، وإن
تركها عمدا لم تحل، هذا هو المشهور من مذهب الإمام مالك، وأحمد بن حنبل، وبه
يقول أبو حنيفة، وأصحابه، وإسحاق بن راهويه، وهو محكي عن علي، وابن عباس،
وسعيد بن المسيب، وعطاء، وطاوس، والحسن البصري، وأبي مالك، وعبد الرحمن
ابن أبي ليلى، وجعفر بن محمد، وربيعة بن أبي عبد الرحمن، ونقل الإمام أبو الحسن
المرغياني، في كتابه ((الهداية)) الإجماع قبل الشافعي، على تحريم متروك التسمية عمدا،
فلهذا قال أبو يوسف، والمشايخ: لو حكم حاكم بجواز بيعه، لم ينفذ؛ لمخالفة
الإجماع. وهذا الذي قاله غريب جدًا، وقد تقدم نقل الخلاف، عمن قبل الشافعي، والله
أعلم.
وقال الإمام أبو جعفر بن جرير رحمه اللّه: مَن حَرّم ذبيحة الناسي، فقد خرج من
قول جميع الحجة، وخالف الخبر الثابت عن رسول اللَّه ◌َير في ذلك، يعني ما رواه
الحافظ أبو بكر البيهقي، أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو عباس الأصم، حدثنا أبو
أمية الطرسوسي، حدثنا محمد بن يزيد، حدثنا مَعقِل بن عبيد الله، عن عمرو بن دينار،
عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي ◌َّ، قال: ((المسلم يكفيه اسمه، إن نسي أن
يسمي حين يذبح، فليذكر اسم الله، وليأكله))، وهذا الحديث رفعه خطأ، أخطأ فيه
مَعْقِل بن عبيد اللَّه الجزري، فإنه وإن كان من رجال مسلم، إلا أن سعيد بن منصور،

١- (الأمْرُ بِالتَّسْمِيَةِ عِنْدَ الصَّيْدِ) - حديث رقم ٤٢٦٥
٨٥
وعبد الله بن الزبير الحميدي، روياه عن سفيان بن عيينة، عن عمرو، عن أبي الشعثاء،
عن عكرمة، عن ابن عباس، من قوله، فزادا في إسناده أبا الشعثاء، ووقفاه، وهذا
أصح، نَصّ عليه البيهقي، وغيره من الحفاظ.
ثم نقل ابن جرير، وغيره، عن الشعبي، ومحمد بن سيرين، أنهما كرها متروك
التسمية نسيانا، والسلف يطلقون الكراهة على التحريم كثيرا. والله أعلم، إلا أن من
قاعدة ابن جرير، أنه لا يعتبر قول الواحد، ولا الاثنين مخالفا لقول الجمهور، فيَعُدّه
إجماعا، فليُعلَم هذا. والله الموفق.
قال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع، حدثنا أبو أسامة، عن جَهِير بن يزيد(١)، قال: سئل
الحسن، سأله رجل أُتيت بطير كَرَّى(٢)، فمنه ما قد ذُبح، فذكر اسم الله عليه، ومنه ما
نُسي أن يذكر اسم الله عليه، واختلط الطير؟ فقال الحسن: كُلْه كُلَّه. قال: وسألت
محمد بن سيرين، فقال: قال الله: ﴿وَلَا تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ .
واحتُجّ لهذا المذهب، بالحديث المروي من طرُق، عند ابن ماجه، عن ابن عباس،
وأبي هريرة، وأبي ذَرّ، وعقبة بن عامر، وعبد الله بن عمرو، عن النبي وَّ: ((إن الله
وضع عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه)»، وفيه نظر. والله أعلم.
وقد روى الحافظ أبو أحمد بن عديّ، من حديث مروان بن سالم القَرْفَساني - بفتح
القافين- عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال:
جاء رجل إلى النبي وَّر، فقال: يا رسول الله، أرأيت الرجل منا يذبح، وينسى أن
يسمي؟ فقال النبي ◌َّر: (اسم اللَّه على كل مسلم))، ولكن هذا إسناده ضعيف، فإن
مروان بن سالم القَرْقَساني، أبا عبد الله الشامي ضعيف، تكلم فيه غير واحد من الأئمة.
والله أعلم.
قال ابن كثير: وقد أفردت هذه المسألة على حدة، وذكرت مذهب الأئمة،
ومآخذهم وأدلتهم، ووجه الدلالات، والمناقضات، والله أعلم. انتهى ((تفسير ابن
كثير)) ٢/ ١٧٤ -١٧٦ .
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: عندي أن ما ذهب إليه القائلون باشتراط التسمية
مطلقًا، عمدًا، أو سهوًا هو الأرجح؛ لظاهر الآية: ﴿وَلَا تَأْكُلُواْ مِمَّا لَ يُذْكَرِ أَسْمُ اللَّهِ
عَلَيْهِ﴾ الآية، ولصّحة الأمر بذلك في حديث عديّ رضي الله تعالى عنه، المذكور في
(١) ((جهير)) مصغّرًا، وقيل: بوزن عَظِيم، وثّقه ابن معين، وابن حبّان، وغيرهما. اهـ من تعليق أحمد
شاكر على ((تفسير بن جرير» ٨٤/١٢.
(٢) قوله: ((كَرَى)) بفتحتين جمع كَرَوَان، طائر بين الدجاجة والحمامة، حسن الصوت يؤكل لحمه.
انتهى من هامش تفسير ابن جرير جـ ٨٤/١٢ .

=٨٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصَّيْدِ، وَالذَّبَائِحِ
الباب، حيث قال النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم له: ((إذا أرسلت كلبك، فاذكر اسم
الله عليه))، ومثله في حديث أبي ثعلبة الخشنيّ رضي اللّه تعالى عنه الآتي، فقد جَعْلِهَا
الشارع شَرْطًا فِي حَدِيث عَدِيٍّ، وأوقف الْإِذْن فِي الْأَكْلِ عَلَيْهَا، فِي حَدِيث أَبِي ثَعْلَبَة،
وَالْمُعَلَّقِ بِالْوَصْفِ يَنْتَفِي عِنْدِ انْتِفَائِهِ، عِنْد مَنْ يَقُول بِالْمَفْهُومِ، وَالشَّرْط أُقْوَى مِنْ
الْوَصْف، وَيَتَأَكَّدِ الْقَوْلِ بِالْوُجُوبِ أيضًا بِأَنَّ الْأَضْلِ تَحَرِيمِ الْمَيْتَة، وَمَا أُذِنَ فِيهِ مِنْهَا تُرَاعَى
صِفَته، فَالْمُسَمَّى عَلَيْهَا وَافَقَ الْوَصْفِ، وَغَيْرِ الْمُسَمَّى بَاقٍ عَلَى أَصْل التَّخْرِيم أفاده في
((الفتح))(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثامنة): في اختلاف أهل العلم في حكم أكل الصيد الذي أكل منه الكلب:
ذهب الجمهور إلى تَحَرِيم أَكْلِ الصَّيْدِ الَّذِي أَكَلَ الْكَلْبِ مِنْهُ، وَلَوْ كَانَ الْكَلْبِ مُعَلَّمًا؛
لقوله في هذا الحديث: ((فإن وجدته قد أكل منه، فلا تطعَم منه شيئًا))، وَقَدْ عَلَّلَ
بِالْخَوْفِ مِنْ أَنَّهُ: ((إِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسه))، قال في ((الفتح)): وَهُوَ الرَّاجِحِ مِنْ قَوْلَيْ
الشَّافِعِيّ، وَقَالَ فِي الْقَدِيم -وَهُوَ قَوْل مَالِك، وَنَقَلَ عَن بَعْض الصَّحَابَة -: يَحِلّ،
وَاحْتَجُوا بِمَا وَرَدَ فِي حَدِيث عَمْرِو بْن شُعَيْب، عَن أَبِهِ، عَن جَدِهِ: ((أَنَّ أَغْرَابِيًّا، يُقَال
لَهُ: أَبُو ثَعْلَبَةِ، قَالَ: يَا رَسُول اللَّهِ، إِنَّ لِي كِلَابَا مُكَلَّبَةٍ، فَأَفْتِي فِي صَيْدِهَا، قَالَ: كُلْ
مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْك، قَالَ: وَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ؟ قَالَ: وَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ)). أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ. قال
الحافظ: وَلا بَأْس بِسَنَدِهِ. وَسَلَكَ النَّاس فِي الْجَمْعِ بَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ طُرُقًا:
[مِنْهَا]: لِلْقَائِلِينَ بِالتَّحْرِيمِ - حَمْلُ حَدِيث أَبِي ثَعْلَبَة، عَلَى مَا إِذَا قَتَلَهُ، وَخَلَّهُ، ثُمّ
عَادَ، فَأَكَلَ مِنْهُ.
[وَمِنْهَا]: التَّرْجِيحِ، فَرِوَايَة عَدِيٍّ فِي ((الصَّحِيحَيْنِ))، مُتَّفَقَ عَلَى صِحَّتهَا، وَرِوَايَة أَبِي
تَعْلَبَةِ الْمَذْكُورَة فِي غَيْرِ ((الصَّحِيحَيْنِ))، مُخْتَلَف فِي تَضْعِيفُهَا، وَأَيْضًا فَرِوَايَة عَدِيٍّ
صَرِيحَة، مَقْرُونَة بِالتَّعْلِيلِ الْمُنَاسِب لِلْتَّخْرِيمِ، وَهُوَ خَوْف الْإِمْسَاكِ عَلَى نَفْسِه، مُتَأَيِّدَة
بِأَنَّ الْأَصْلِ فِي الْمَيْتَةِ الثَّحْرِيمِ، فَإِذَا شَكَكْنًّا فِي السَّبَبِ الْمُبِيحِ، رَجَعْنَا إِلَى الْأَصْلِ،
وَظَاهِرِ الْقُرْآنِ أَيْضًا، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَكُلُواْ مِّ أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾، فَإِنَّ مُقْتَضَاهَا، أَنَّ
الَّذِي يُمْسِكُهُ مِنْ غَيْرِ إِرْسَال لَا يُبَاحِ، وَيَتَّقَوَّى أَيْضًا بِالشَّاهِدِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي
اللَّه تعالى عنهما، عِنْد أَحْمَد: ((إِذَا أَرْسَلْت الْكَلْب، فَأَكَلَ الصَّيْدِ، فَلَا تَأْكُلَ، فَإِنَّمَا أَمْسَكَّ
عَلَى نَفْسِه، وَإِذَا أَرْسَلْتَه فَقَتَلَ، وَلَمْ يَأْكُلِ فَكُلْ، فَإِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى صَاحِبِهِ)). وَأَخْرَجَهُ
الْبَزَّار مِنْ وَجْه آخَرِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاس، وَابْنُ أَبِي شَيْبَة، مِنْ حَدِيث أَبِي رَافِعٍ بِمَعْنَاهُ، وَلَوْ
(١) راجع ((الفتح)) ١١/ ٢٢.

١- (الأمَّرُ بِالتَّسْمِيَةِ عِنْدَ الصَّيْدِ) - حديث رقم ٤٢٦٥
كَانَ مُجَرَّد الْإِمْسَاكِ كَافِيًّا، لِمَا اخْتِيجَ إِلَى زِيَادَة: ﴿عَلَّكُمْ﴾
[وَمِنْهَا] : - لِلْقَائِلِينَ بِالْإِبَاحَةِ - حَمْلُ حَدِيث عَدِيٍّ عَلَى كَرَاهَة التَّنْزِيهِ، وَحَدِيث أَبِي
ثَعْلَبَة عَلَى بَيَان الْجَوَازِ. قَالَ بَعْضِهِمْ: وَمُنَاسَبَةٍ ذَلِكَ أَنَّ عَدِيًّا، كَانَ مُوسِرًا، فَاخْتِيرَ لَهُ
الْحَمْلِ عَلَى الْأَوْلَى، بِخِلَافِ أَبِي ثَعْلَبَة، فَإِنَةً كَانَ بِعَكْسِهِ. قال الحافظ: وَلا يَخْفَى
ضَعْف هَذَا الَّمَسُّك، مَعَ التَّصْرِيحِ بِالتَّعْلِيلِ فِي الْحَدِيثِ، بِخَوْفِ الإِمْسَاكِ عَلَى نَفْسه.
وَقَالَ ابْنِ التِّينِ: قَالَ بَعْضِ أَصْحَابنَا: هُوَ عَامٌ، فَيُحْمَلِ عَلَى الَّذِي أَدْرَكَهُ مَيِّتًا، مِنْ
شِدَّة الْعَدْو، أَوْ مِنْ الصَّدْمَةِ، فَأَكَلَ مِنْهُ؛ لِأَنَّّ صَارَ عَلَى صِفَة، لَا يَتَعَلَّق بِهَا الإِزْسَال،
وَلا الإِمْسَاكِ عَلَى صَاحِبِهِ، قَالَ: وَيَحْتَمِلِ أَنْ يَكُونُ مَعْنَى قَوْله: ((فَإِنْ أَكَلَ فَلَا تَأْكُل)): أَنْ
لا يُوجَد مِنْهُ غَيْرِ مُجَرَّد الْأَكْلِ، دُون إِرْسَال الصَّائِد لَهُ، وَتَكُونُ هَذِهِ الْجُمْلَة مَقْطُوعَة عَمَّا
قَبْلَهَا. قال الحافظ: وَلا يَخْفَى تَعَسُّف هَذَا، وَبُعْده.
وَقَالَ ابْنِ الْقَصَّارِ: مُجَرَّد إِرْسَالنَا الْكَلْبِ إِمْسَاكٌ عَلَيْنَا؛ لأَنَّ الْكَلْبِ لَا نِيَّة لَهُ، وَلَا
يَصِحَ مِنْهُ مَيْزِهَا (١)، وَإِنَّمَا يَتَصَيَّد بِالتَّعْلِيمِ، فَإِذَا كَانَ الاعْتِبَارِ بِأَنْ يُمْسِك عَلَيْنَا، أَوْ عَلَى
نَفْسِه، وَاخْتَلَفَ الْحُكْمِ فِي ذَلِكَ، وَجَبَ أَنْ يَتَمَيَّزِ ذَلِكَ بِنِيَّةِ مَنْ لَهُ نِيَّة، وَهُوَ مُرْسِله، فَإِذَا
أَرْسَلَهُ فَقَدْ أَمْسَكَ عَلَيْهِ، وَإِذَا لَمْ يُرْسِلُهُ لَمْ يُمْسِكَ عَلَيْهِ. كَذَا قَالَ، وَلَا يَخْفَى بُعْده أَيْضًا،
وَمُصَادَمَته لِسِيَاقِ الْحَدِيث.
وَقَدْ قَالَ الْجُمْهُورِ: إِنَّ مَعْنَى قَوْله: ﴿أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾: صِدْنَ لَكُمْ، وَقَدْ جَعَلَ الشَّارِع
أَكْلِهِ مِنْهُ عَلَامَة عَلَى أَنَّهُ أَمْسَكَ لِنَفْسِهِ، لَا لِصَاحِبِهِ، فَلَا يُعْدَل عَن ذَلِكَ، وَقَدْ وَقَعَ فِي
رِوَايَة لابْنٍ أَبِي شَيْبَة: ((إِنْ شَرِبَ مِنْ دَمِهِ، فَلَا تَأْكُل، فَإِنَّةً لَمْ يُعَلَّمْ مَا عَلَّمَتْهُ))، وَفِي هَذَا
إِشَارَة إِلَى أَنَّهُ إِذَا شَرَعَ فِي أَكْلِه، دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِمُعَلَّم التَّعْلِيمَ الْمُشْتَرَطَ .
وَسَلَكَ بَعْض الْمَالِكِيَّةِ التَّرْجِيحِ، فَقَالَ: هَذِهِ اللَّفْظَةَ ذَكَرَهَا الشَّعْبِيّ، وَلَمْ يَذْكُرُهَا
هَمَّامٍ، وَعَارَضَهَا حَدِيث أَبِي ثَعْلَبَة. وَهَذَا - قال الحافظ - تَرْجِيح مَرْدُود، لِمَا تَقَدَّمَ.
وَتَمَسَّك بَعْضِهِمْ بِالإِجْمَاعِ عَلَى جَوَاز أَكْله، إِذَا أَخَذَهُ الْكَلْب ◌ِفِيهِ، وَهَمَّ بِأَكْلِهِ، فَأُدْرِك
قَبْل أَنْ يَأْكُل، قَالَ: فَلَوْ كَانَّ أَكْلِه مِنْهُ دَالا عَلَى أَنَّهُ أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ، لَكَانَ تَنَاوُلهِ بِفِيهِ،
وَشُرُوعه فِي أَكْلِه كَذَلِكَ، وَلَكِنْ يُشْتَرَطِ أَنْ يَقِفِ الصَّائِد، حَتَّى يَنْظُرِ هَلْ يَأْكُل، أَوْ لا.
انتھی .
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن ما ذهب إليه الجمهور، من عدم
جواز أكل ما أكل منه الكلب هو الأرجح؛ ترجيحًا لحديث عديّ رضي الله تعالى عنه
(١) هكذا نسخة ((الفتح))، ولعل الصواب ((تمييزها))، والله تعالى أعلم.

= ٨٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصَّيْدِ، وَالذَّبَائِحِ
المتّفق عليه، الموافق لظاهر قوله تعالى: ﴿فَكُلُواْ مِمَّ أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾، وأما حديث أبي
ثعلبة رضي اللّه تعالى عنه، وإن قلنا بأنه صالح للاحتجاج، فإنه دون حديث عديّ
المتفق عليه، فلا يقوى لمعارضته. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلتُ، وإليه
أنیب)).
٢- (التَّهْيُ عَن أَكْلِ مَا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ
اللَّهِ عَلَيْهِ)
٤٢٦٦- (أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَن زَكَرِيًّا، عَنِ الشَّغْيِيِّ، عَن
عَدِيِّ بْنِ حَاتِم، قَالَ: سَأَلْتُ رَسُوَّلَ اللَّهِ بَّةِ، عَنِ صَيْدِ الْمِعْرَاضِ؟، فَقَالَ: ((مَا أَصَبْتَ
بِحَدِّهِ، فَكُلْ، وَمَا أَصَبْتَ بِعَرْضِهِ، فَهُوَ وَقِيذٌ))، وَسَأَلْتُهُ عَنِ الْكَلْبِ؟، فَقَالَ: ((إِذَا أَرْسَلْتَ
كَلْبَكَ فَأَخَذَ، وَلَمْ يَأْكُلْ فَكُّلْ، فَإِنَّ أَخْذَهُ ذَكَاتُهُ، وَإِنْ كَانَ مَعَ كَلْبِكَ كَلْبٌ آخَرُ، فَخَشِيتَ
أَنْ يَكُونَ أَخَذَ مَعَهُ، فَقَتَلَ، فَلَا تَأْكُلْ، فَإِنَّكَ إِنَّمَا سَمَّيْتَ عَلَى كَلْبِكَ، وَلَمْ تُسَمِّ عَلَى
غَيْرِهِ)).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذا السند هو المذكور في الباب الماضي، غير زكريا
ابن أبي زائدة الهمداني الوادعي، أبو يحيى الكوفي، ثقة، يدلس [٦] ١١٥/٩٣.
و («عبد اللَّه)): هو ابن المبارك.
وقوله: ((عن صيدِ الْمِعْرَاض)) : -بِكَسْرِ الْمِيم، وَسُكُون الْمُهْمَلَة، وَآخِرِهِ مُعْجَمَة-
قَالَ الْخَلِيلِ، وَتَّبِعَهُ جَّاعَة: سَهْم لا رِيش لَهُ، وَلا نَصْل. وَقَالَ ابْن دُرَيْدٍ، وَتَبِعَهُ ابْن
سِيدَهْ: سَهْم ◌َطَوِيل، لَهُ أَرْبَع قُذَذٍ رِفَاقٍ، فَإِذَا رَمَى بِهِ اعْتَرَضَ. وَقَالَ الْخَطَّبِيُّ:
الْمِعْرَاض: نَصْلٌ عَرِيضٌ، لَهُ ثِقَلْ وَرَزَانَة. وَقِيلَ: عُود، رَقِيق الطَّرَفَيْنِ، غَلِيظ الْوَسَطِ،
وَهُوَ الْمُسَمَّى بِالْحُذَافَةِ، وَقِيلَ: خَشَبَةٍ ثَقِيلَة، آخِرُهَا عَصَا مُحَدَّد رَأْسِهَا، وَقَدْ لا يُحَدَّد،
وَقَوَّى هَذَا الْأَخِيرِ النَّوَوِيّ، تَّبَعًا لِعِيَاضٍ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: إِنْهَ الْمَشْهُورِ. وَقَالَ ابْنِ التِّين:
الْمِعْرَاضِ عَصّا فِي طَرَفْهَا حَدِيدَةٍ، يُرْمِي الصَّائِد بِهَا الصَّيْد، فَمَا أَصَابَ بِحَدِّهِ، فَهُوَ
ذَكِيّ، فَيُؤْكّل، وَمَا أَصَابَ بِغَيْرِ حَدّهِ، فَهُوَ وَقِيذُ.
وقوله: ((ما أصاب بحدّه)) أي بأن نفذ في اللحم، وقطع شيئًا من الجلد.

٨٩
٣- (صَيْدُ الْكَلْبِ الْمُعَلَّم) - حديث رقم ٤٢٦٧
وقوله: ((وَمَا أَصَابَ بِعَرْضِهِ)) هو بفتح العين: أَيْ بِغَيْرِ طَرَفه الْمُحَدَّد، وَهُوَ حُجَّة
لِلْجُمْهُورِ فِي التَّفْصِيل الآتِي، وَعَنِ الْأَوْزَاعِيِّ وَغَيْرِهِ، مِنْ فُقَهَاء الشَّامِ: حِلُّ ذَلِكَ،
وَسَيَأْتِي تحقيق الخلاف فِي ذلك قريبًا، إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى.
وقَوْله: ((فَهُوَ وَقِيذ)): أي فهو حرام؛ لعدّ اللّه تعالى الموقوذة من المحرّمات.
و ((الوقيذ)) : -بِالْقَافِ، وَآَخِرِهِ ذَال مُعْجَمَة، وَزْن عَظِيم، فَعِيلَ بِمَعْنَى مَفْعُول، وَهُوَ مَا
قُتِلَ بِعَصًا، أَوْ حَجَر، أَوْ مَا لا حَدّ لَهُ، وَالْمَوْقُوذَةِ: هِي الَّتِي تُضْرَب بِالْخَشَبَةِ حَتَّى
تَمُوت. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ هَمَّام بْنِ الْحَارِثِ عَنْ عَدِيّ الْآتِيَة بَعْد بَابين: ((قُلْت: أَزْمِي
بِالْمِعْرَاضِ، فَيَخْزِق؟، قَالَ: ((إن خَزَقَ فَكُلّ))، وَهُوَ - ◌ِفَتْحِ الْمُعْجَمَة وَالزَّاي، بَعْدهَا
قَاف -: أَيْ نَفَذَ، يُقَال: سَهْم خَازِقٍ: أَيْ نَافِذٍ، وَيُقَال: بِالَسِّينِ الْمُهْمَلَة، بَدَل الزَّاي،
وَقِيلَ: الْخَزْقُ - بِالزَّايِ، وَقِيلَ تُبْدَلُ سِيئًا -: الْخَدْش، وَلَا يَثْبُت فِيهِ، فَإِنْ قِيلَ: بِالرَّاءِ
فَهُوَ أَنْ يَثْقُبُهُ .
وَحَاصِله أَنَّ السَّهْمِ، وَمَا فِي مَعْنَاهُ، إِذَا أَصَابَ الصَّيْدِ بِحَدِهِ حَلَّ، وَكَانَتْ تِلْكَ ذَكَاته،
وَإِذَا أَصَابَهُ بِعَرْضِهِ لَمْ يَحِلّ؛ لِأَنَّ فِي مَعْنَى الْخَشَبَةِ الثَّقِيلَة، وَالْحَجَرِ، وَنَحْو ذَلِكَ مِنْ
الْمُثَقَّل. قاله في ((الفتح)) .
وقوله: ((فلا تأكل، فإنك إنما سمّيت الخ)) فيه دلالة ظاهرة، على أن متروك التسمية
من الصيد حرام. ثم قوله: ((فإنك إنما سمّيت الخ)) تعليل للتحريم، ومنه يؤخذ أنه إذا
أرسل الكلب الآخر بتسمية، جاز الأكل. والله تعالى أعلم.
والحديث متفقٌ عليه، وسبق تمام شرحه، وبيان مسائله، وموضع الاستدلال للترجمة
واضحة، وقد سبق بيان اختلاف العلماء في حكم التسمية عند إرسال الكلب، ونحوه،
وترجيح الراجح منها في المسألة السابعة في الباب الماضي، فارجع إليه تزدد علمًا.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)) .
٣- (صَيْدُ الْكَلْبِ الْمُعَلَّم)
- ٤٢٦٧- (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الصَّمَدِ، عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ
عَبْدِ الصَّمَدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ، عَنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ هَمَّامِ بْنِ الْحَارِثِ، عَن عَدِيٍّ بْنِ

٩٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصَّيْدِ، وَالذَّبَائِحِ
حَاتِمِ، أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ، فَقَالَ: أُرْسِلُ الْكَلْبَ الْمُعَلَّمَ، فَأْخُذُ؟، فَقَالَ: ((إِذَا
أَرْسَلْتَ الْكَلْبَ الْمُعَلَّمَ، وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ، فَأَخَذَ فَكُلْ))، قُلْتُ: وَإِنْ قَتَلَ؟: قَالَ:
(وَإِنْ قَتَلَ))، قُلْتُ: أَرْمِي بِالْمِعْرَاضِ؟، قَالَ: ((إِذَا أَصَابَ بِحَدِّهِ فَكُلْ، وَإِذَا أَصَابَ
بِعَرْضِهِ، فَلَا تَأْكُلْ))).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((إسماعيل بن مسعود)): هو الْجَخدريّ البصريّ
الثقة. و((أبو عبد الصمد، عبد العزيز ابن عبد الصمد)): هو العمّيّ البصريّ، ثقة حافظ،
من كبار [٩] ١٧/ ١٥٥١. و((منصور)): هو ابن المعتمر. و((إبراهيم)): هو ابن يزيد
النخعيّ. و((همّام بن الحارث)): النخعيّ الكوفيّ، ثقة عابد [٢] ١١٨/٩٦.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق تمام البحث فيه مستوفّى في الباب الأول، وموضع
استدلال المصنّف رحمه الله تعالى به على الترجمة قوله: ((إذا أرسلت الكلب المعلّم))،
حيث قيّده بكونه معلّمًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
٤ - (صَيْدُ الْكَلْبِ الَّذِي لَيْسَ بِمُعَلَّم)
٤٢٦٨- (أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْكُوفِيُّ الْمُحَارِبِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ
ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ حَيْوَةَ بْنِ شُرَيْحٍ، قَالَ سَمِعْتُ رَبِيعَةَ بْنَ يَزِيدَ، يَقُولُ: أَنْبَأَنَا أَبُو إِذْرِيسَ،
عَائِذُ اللَّهِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا ثَغَلَبَةَ الْخُشَنِيَّ، يَقُولُ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا بِأَرْضِ
صَيْدٍ، أَصِيدُ بِقَوْسِي، وَأَصِيدُ بِكَلْبِي الْمُعَلَّم، وَبِكَلْبِي الَّذِي لَيْسَ بِمُعَلَّم، فَقَالَ: ((مَا
أَصَبْتَ بِقَوْسِكَ، فَاذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ عَلَّيْهِ، وَكُلَّ، وَمَا أَصِّبْتَ بِكَلْبِكَ الْمُعَلَّمَّ، فَاذْكُرْ اسْمَ
اللَّهِ، وَكُلْ، وَمَا أَصَبْتَ بِكَلْبِكَ الَّذِي لَيْسَ بِمُعَلَّم، فَأَدْرَكْتَ ذَكَّاتَهُ فَكُلْ))).
رجال هذا الإسناد : ستة :
١- (مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ مُحَمَّدِ الْكُوفِيُّ الْمُحَارِبِيُّ) أبو جعفر، أو أبو يعلى النحّاس
الكوفيّ، صدوقٌ [١٠] ٢٢٦/١٤٤.
٢- (عبد الله بن المبارك) المذكور قبل باب.
٣- (حيوة بن شُرَيح) التُّجيبيّ، أبو زرعة المصريّ، ثقة ثبتٌ فقيه زاهد [٧] ١٧/
٤٧٨ .

٩١
٤- (صَيْدُ الكَلْبِ الذِّي لَيْسَ بِمُعَلَّمٌ) - حديث رقم ٤٢٦٨
٤ - (ربيعة بن يزيد) أبو شُعيب الإياديّ القصير الدمشقيّ، ثقة عابد [٤] ١٤٨/١٠٩.
٥- (أبو إدريس، عائذ اللَّه) بن عبد الله الخولانيّ، وُلد في عهد النبيّ صلَّى اللَّه
تعالى عليه وسلم يوم حُنين، وسمع من أكابر الصحابة، ومات سنة (٨٠)، وكان عالم
الشام بعد أبي الدرداء- ٨٠/٧٢ .
٦- (أبو ثعلبة الخُشَنيّ) رضي اللّه تعالى عنه، اختلف في اسمه، واسم أبيه اختلافًا
كثيرًا. روى عن النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم، وعن معاذ بن جبل، وأبي عبيدة بن
الجرّاح. وعنه أبو إدريس الخولانيّ، وأبو أميّة الشعبانيّ، وسعيد بن المسيّب، وعطاء
ابن يزيد الليثيّ، وآخرون. قال عبيد الله بن سعد الزهريّ: قال أحمد: بلغني عن أبي
مُسهر، قال: سمعت سعيد بن عبد العزيز يقول: أبو ثعلبة اسمه جُزْثُومة. وقال
النسائيّ: حدّثنا عمرو بن منصور، أخبرنا أبو مُسهر، قال: سمعت سعيد بن عبد العزيز
قال: اسم أبي ثعلبة جُرثوم، وقيل: جرهم. وقال حنبل عن أحمد: بلغني عن سعيد بن
عبد العزيز قال: اسمه جرثوم، وكذا قال صالح بن أحمد، عن أبيه. وقال أبو زرعة
الدمشقيّ، عن أبي مُسهر: اسمه جرثوم. وعن سليمان بن عبد الرحمن، قال: سألت
بعض ولد أبي ثعلبة عن اسمه؟ فقال: لاشر بن جُرثوم. وقال يعقوب بن سفيان: قلت
لهشام بن عمّار: ما اسم أبي ثعلبة؟ قال: يقولون: جرثوم بن عمرو، وكذا قال نوح بن
حبيب، عن هشام. وقال عبد الله بن أحمد، عن أبيه، وصالح بن أحمد، عن أبيه،
وحنبل بن أحمد: اسمه جرهم بن ناشم، وكذا قال مسلم، وكذا قال البغويّ عن ابن
زنجويه، وهارون بن عبد اللَّه، وكذا قال ابن سعد عن أصحابه. وقال دُحيم: اسمه
جرثوم. وقال خليفة بن خيّاط: اسمه الأشقّ بن جرهم، ويقال: جرثومة بن ناشج،
ويقال: جرهم. وقال ابن الْبَرْقيّ: اسمه جرثومة بن الأشتر بن جرثوم، ممن بايع تحت
الشجرة، قال: وقال بعضهم: اسمه الأشق بن جرهم. وقيل: غير ذلك في اسمه،
واسم أبيه. وقال ابن عيسى: بلغني أنه كان أقدم إسلامًا من أبي هريرة، ولم يُقاتل مع
عليّ، ولا مع معاوية، ومات في أول إمرة معاوية. وقال القاضي أبو عليّ: نزل دريا.
وقال خالد بن محمد الكنديّ، عن أبي الزاهريّة: سمعت أبا ثعلبة يقول: إني لأرجو أن
لا يختُقني اللَّه تعالى، كما أراكم تُخنقون عند الموت، قال: فبينما هو يصلّي في جوف
الليل قُبض، وهو ساجد، فرأت ابنته في النوم أن أباها قد مات، فاستيقظت فَزِعةً،
فنادت: أين أبي؟ قالوا: في مصلّاه، فنادته، فلم يُجبها، فأتته، فوجدته ساجدًا،
فحرّكته، فسقط ميتًا. وقال أبو عُبيد، وابن سعد، وخليفة، وهارون الحمّال،
وأبو حسّان الزياديّ: مات سنة (٧٥). روى له الجماعة، وله عند المصنّف ثمانية

٩٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصَّيْدِ، وَالذَّبَائِحِ
=
أحاديث: هذا الحديث، وحديث رقم ٤٣٠٥ و٤٣٢٧ و٤٣٢٨ و٤٣٤٣ و ٤٣٤٥
و٤٤٤١ و٥٢١٠ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال
الصحيح، غير شيخه، فقد تفرّد به هو، وأبو داود، والترمذيّ. (ومنها): أنه مسلسل
بالدمشقيين، غير شيخه فكوفي، وابن المبارك فمروزي، وحيوة فمصري. (ومنها): أن
فيه رواية تابعي عن تابعيّ. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
عن أبي إدريس الْخَوْلَاني رحمه اللَّه تعالى أنه (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا ثَعْلَبَةَ) الصحابيّ
المشهور بكنيته، واختلف في اسمه واسم أبيه اختلافًا كثيرًا، كما مرّ آنفًا (الْخُشَنِيَّ) -
بضمّ الخاء، ، وفتح الشين المعجمتين، ثم نون -: نسبة إلى بني خُشين، بطن من النمر
بن وبرة بن تغلب -بفتح المثنّاة، وسكون المعجمة، وكسر اللام، بعدها موحّدة - ابن
حلوان بن عمران بن الحاف بن قُضاعة(١) (يَقُولُ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ) وفي رواية
البخاريّ: ((يا نبيّ اللَّه (إِنَّا) بكسر الهمزة هي ((إنّ))، واسمها، وخبرها قوله (بِأَرْضِ صَيْدٍ)
قد اختصر المصنّف رحمه الله تعالى هذا الحديث من أوله، وقد ساقه البخاريّ بتمامه،
ولفظه: ((أتيت رسول اللَّه ◌َّر، فقلت: يا رسول الله، إنا بأرض قوم، أهل الكتاب،
نأكل في آنيتهم، وأرض صيد أصيد بقوسي، وأصيد بكلبي المعلم، والذي ليس
معلما، فأخبرني ما الذي يحل لنا، من ذلك؟ فقال: ((أما ما ذكرت أنك بأرض قوم أهل
الكتاب، تأكل في آنيتهم، فإن وجدتم غير آنيتهم، فلا تأكلوا فيها، وإن لم تجدوا،
فاغسلوها، ثم كلوا فيها، وأما ما ذكرت أنك بأرض صيد، فما صِدتَ بقوسك، فاذكر
اسم اللَّه، ثم كل، وما صِدت بكلبك المعلم، فاذكر اسم الله، ثم كل، وما صدت
بكلبك الذي ليس معلما، فأدركت ذكاته فكل)).
(أَصِيدُ بِقَوْسِي) قال المجد: ((القوس)) معروفة، وقد تذكّر، وتصغيرها قويسة،
وقُويسٌ، والجمع قِيسِيّ، وقُسيّ، وأقواسٌ، وقِيَاسٌ. اهـ وقال في ((الفتح)): وهي
مركّبة، وغير مركّبة، ويُطلق لفظ القوس أيضًا على الثمر الذي يبقى في أسفل النخلة،
وليس مرادًا هنا (وَأَصِيدُ بِكَلْبِي الْمُعَلَّمِ، وَبِكَلْبِي الَّذِي لَيْسَ بِمُعَلَّم) زاد في رواية
البخاريّ: ((فما يصلح لي؟)) (فَقَالَ) صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم (مَا أَصَبْتَ بِقَوْسِكَ،
(١) ((فتح)) ٢٨/١١، و((اللباب)) ٤٤٦/١-٤٤٧. و((الأنساب)) ٣٧٠/٢-٣٧٢.
-

٩٣
٤- (صَيْدُ الْكَلْبِ الَّذِّي لَيْسَ بِمُعَلِّم) - حديث رقم ٤٢٦٨
فَاذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ) أي عند الرمي، لا عند الأكل، كما هو المتبادر، وتمسّك بهذا من
أوجب التسمية على الصيد، وعلى الذبيحة، وقد تقدّم البحث عنه مستوفّى في مسائل
الباب الأول وقوله: (وَكُلْ) وقع مفسّرًا في رواية أبي داود من حديث عمرو بن شعيب،
عن أبيه، عن جده، أن أعرابيا، يقال له: أبو ثعلبة، قال: يا رسول اللَّه، إن لي كلابا
مكلبة، فأفتني في صيدها؟، فقال النبي وَّ: ((إن كان لك كلاب مكلبة، فكل مما
أمسكن عليك))، قال: ذَكِيّا أو غير ذكي؟، قال: ((نعم))، قال: فإن أكل منه؟ قال: ((وإن
أكل منه))، فقال: يا رسول اللَّه، أفتني في قوسي، قال: ((كل ما ردّت عليك قوسك))،
قال: ذَكيّا أو غير ذكي))(١)، قال: وإن تغيب عني، قال: ((وإن تغيب عنك، ما لم
يَصِلَّ، أو تجد فيه أثرا غير سهمك))، قال: أفتني في آنية المجوس، إن اضطررنا إليها،
قال: ((اغسلها، وكل فيها)). وسيأتي للمصنّف بنحوه برقم - ٤٢٩٨/١٦ .
وقوله: ما لم يَصِلّ)) بصاد مهملة، مكسورة، ولام ثقيلة: أي يُنِنَّ.
(وَمَا أَصَبْتَ بِكَلْبِكَ الْمُعَلَّمِ، فَاذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ، وَكُلْ، وَمَا أَصَبْتَ بِكَلْبِكَ الَّذِي لَيْسَ
بِمُعَلَّم، فَأَدْرَكْتَ ذَكَاتَهُ) أي أدركته حيّا، فذكّيته (فَكُلْ) فيه أنه لا يحلّ ما أُدرك من الصيد
حيّا، إلا بذبحه، قال النوويّ رحمه اللّه تعالى: هذا مجمع عليه أنه لا يحلّ إلا بذكاته
انتهى(٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه
التكلان .
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي ثعلبة الْخُشَنيّ رضي اللَّه تعالى عنه هذا متفق عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا- ٤٢٦٨/٤- وفي ((الكبرى)) ٤٧٧٧/٤. وأخرجه (خ) في ((الذبائح
والصيد)) ٥٤٧٨ و٥٤٩٦ (م) في ((الصيد والذبائح)) ٣٥٦٧ و٣٥٦٨ و٣٥٦٩ (د) في
((الصيد)) ٢٨٥٢ و٢٨٥٥ و٢٨٥٦ (ت) في ((الصيد)) ١٤٦٤ و((الأطعمة)) ١٧٩٧ (ق) فى
((الصيد)) ٣٢٠٧ (أحمد) في ((مسند الشاميين)) ١٧٢٧٧ و١٧٢٨٤ و١٧٢٩٣. والله
تعالى أعلم.
(١) هكذا لفظ أبي داود في ((سننه))، ولفظ المنذريّ في ((مختصر السنن)): ((قال: كل ما ردّت عليك
قوسك، ذكيًا، أو غير ذكيّ)). ولفظ أحمد في ((مسنده)): ((كل ما أمسكت عليك قوسك))، قال:
ذَكيٍّ أو غير ذكي؟، قال: ((ذَكيّ أو غير ذكي)).
(٢) ((شرح مسلم)» ١٣ / ٨٢.

٩٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصَّيْدِ، وَالذَّبَائِحِ
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، بيان حكم صيد الكلب الذي ليس
بمعلّم، وهو التحريم، إلا إذا وُجد حيّا، فذُكّي، فيجوز. (ومنها): جواز الصيد
بالقوس. (ومنها): وجوب التسمية على الكلب، والقوس عند الإرسال والرمي.
(ومنها): أن ما أدرك من الصيد حيّا وجبت ذكاته، سواء كان بالكلب، أم بالقوس، وإلا
كان ميتةً. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا باللّه، عليه توكلت، وإليه
أنیب».
٥- (إِذَا قَتَلَ الْكَلْبُ)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: جواب ((إذا)) محذوف لفهمه من الحديث: أي جاز أكله،
وموضع الاستدلال من الحديث قوله: ((فكل، وإن قتلن))، فقد أمر النبيّ صلّى اللَّه تعالى
عليه وسلم بأكل ما قتله الكلب، وهذا مما لا خلاف فيه. والله تعالى أعلم بالصواب.
٤٢٦٩- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زُنْبُورٍ، أَبُو صَالِحِ الْمَكْيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ،
عَن مَنْصُورٍ، عَن إِبْرَاهِيمَ، عَنِ هَمَّم بْنِ الْحَارِثِ، عَنِ عَدِيٍّ بْنِ حَاتِم، قَالَ: قُلْتُ: يَا
رَسُولَ اللَّهِ، أُرْسِلُ كِلَابِي الْمُعَلَّمَةَ، فَيُمَّسِكْنَ عَلَيَّ، فَأَكُلُ؟، قَالَ: ((إِذَا أَرْسَلْتَ كِلَابَكَ
الْمُعَلَّمَةَ، فَأَمْسَكْنَ عَلَيْكَ، فَكُلْ))، قُلْتُ: وَإِنْ قَتَلْنَ؟ قَالَ: ((وَإِنْ قَتَلْنَ))، قَالَ: ((مَا لَمْ
يَشْرَكْهُنَّ كَلْبٌ مِنْ سِوَاهُنَّ)»، قُلْتُ: أَرْمِي بِالْمِعْرَاضِ، فَيَخْزِقُ؟، قَالَ: ((إِنْ خَزَقَ فَكُلْ،
وَإِنْ أَصَابَ بِعَرْضِهِ فَلَا تَأْكُلْ).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: ((محمد بن زنبور، أبو صالح المكيّ)): اسم زنبور
جعفر، صدوق، له أوهام [١٠] ٧٣ / ٩٠ من أفراد المصنّف. و((فُضيل بن عياض)): هو
أبو عليّ التيميّ الزاهد المشهور، أصله من خُراسان، سكن مكة، ثقة عابد إمام [٨]
٣٨٨/٢١ . والباقون تقدّموا قبل باب.
وقوله: ((ما لم يشركهنّ)) - بفتح الراء، مضارع شَرِكه في الأمر، من باب تعِب شَرِكًا،
وشَرِكَةً، وزان كَلِم وکَلِمَة.
وقوله: ((من سواهنّ)) أي من غيرهنّ، يعني الكلاب التي لم تُعلَّم، أو لم يُسمّ عند
إرسالها .

٦ - (إِذَاَ وَجَدَ مَعَ كَلَيْهِ كَلَبْا، لَمْ يُسَمِّ عَلَيْهِ) - حديث رقم ٤٢٧٠
٩٥
وقوله: ((بالمعراض)) -بكسر، فسكون -: قال أبو عُبيد: المعراض: سهم لا ريش
فيه، ولا نَصْل. وقال غيره: المعراض خشبة ثقيلة، أو عصًا غليظةٌ في طرفها حديدةٌ،
وقد تكون بغير حديدة، غير أنها مُحَدَّدٌ طرَفها، قال القرطبيّ: وهذا التفسير أولى من
تفسير أبي عبيد، وأشهر. انتهى(١).
وقوله: ((فيخزِق)) بخاء، وزاي معجمتين: أي يخرق الصيد، وينفذ فيه، قال
الفيّوميّ: خزَقه خَزْقًا، من باب ضرب: طعنه، وخَزَقَ السهمُ القرطاسَ: نفذ منه، فهو
خازقٌ، وجمعه خوازق.
وقوله: ((وإن أصاب بعرضه)): العرض خلاف الطول.
والحديث متفقٌ عليه، وقد تقدّم تمام شرحه، وبيان مسائله في الباب الأول، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)).
٦ - (إذَا وَجَدَ مَعَ كَلْبِهِ كَلْبًا، لَمْ يُسَمِّ
عَلَيْهِ)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: جواب ((إذا)) أيضًا محذوف، لفهمه من الحديث،
تقديره حرم أكل الصيد. وموضع الاستدلال من الحديث واضح. وفي نسخة: ((أكلبًا لم
يسمّ عليها)). والله تعالى أعلم بالصواب.
٤٢٧٠- (أَخْبَرَنِ عَمْرُو بْنُ يَخْتَى بْنِ الْحَارِثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي شُعَيْبٍ،
قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ أَغْيَنَ، عَن مَعْمَرٍ، عَن عَاصِم بْنِ سُلَيْمَانَ، عَن عَامِرِ الشَّغْيِيِّ، عَن
عَدِيَ بْنِ حَاتِم، أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللّهِ نَ ◌ّهِ عَنِ الصَّيْدِ؟، فَقَالَ: ((إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ،
فَخَالَطَتْهُ أَكْلُبٌّ، لَمْ تُسَمِ عَلَيْهَا، فَلَا تَأْكُلْ، فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي أَيَّهَا قَتَلَهُ))).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((عمرو بن يحيى بن الحارث)): هو المصّيصيّ الثقة
[١٢] ٢٣٢٩/٦٧ من أفراد المصنّف. و((أحمد بن أبي شُعيب)): هو أحمد بن عبد الله
بن أبي شُعيب/ مسلم الحرّانيّ، أبو الحسن، مولى قريش، ثقة [١٠] ٢٤٩٩/٢٩.
(١) ((المفهم)) ٢٠٩/٥.

= ٩٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصَّيْدِ، وَالذَّبَائِحِ
و((موسى بن أعين)): هو الجزريّ، مولى قريش، أبو سعيد، ثقة عابد [٨] ١١ /٤١٥.
و(معمر)): هو ابن راشد. و((عاصم بن سليمان)): هو الأحول، أبو عبد الرحمن
البصريّ، ثقة [٤] ٢٣٩/١٤٨ .
والحديث متّفق عليه، وقد سبق تمام البحث فيه في الباب الأول. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
*
٧- (إذَا وَجَدَ مَعَ كَلْبِهِ كَلْبَا غَيْرَهُ)
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: جواب ((إذا)) أيضًا محذوف؛ لفهمه من الحديث،
تقديره: حرُم أكله. قال النوويّ رحمه الله تعالى: في الحديث تصريح بأنه لا يحلّ
الصيد إذا شارك كلبه كلب آخر، والمراد كلبٌ آخر استرسل بنفسه، أو أرسله من ليس
هو من أهل الذكاة، أو شككنا في ذلك، فلا يحلّ أكله في كلّ هذه الصور، فإن تحقّقنا
أنه إنما شاركه كلبٌ أرسله من هو من أهل الذكاة على ذلك الصيد حلّ. انتهى(١).
وقال أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى - عند قوله: ((ما لم يشرَكها كلبٌ ليس
معها))، وفي رواية: ((فإن خالطها كلابٌ من غيرها، فلا تأكل))، وفي أخرى: ((وإن
وجدت مع كلبك كلبًا غيره، وقد قتل، فلا تأكل الحدیث»، هذه كلها روايات مسلم،
ونحوها روايات النسائيّ هنا- قال: هذه الروايات، وإن اختلفت ألفاظها، فمعناها
واحد، وهذا الاختلاف يدلّ على أنهم كانوا ينقلون بالمعنى، وتفيد هذه الروايات أن
سبب إباحة الصيد الذي هو عَقْرُ الجارح له، لا بُدّ أن يكون متحقّقًا، غير مشكوك فيه،
ومع الشكّ لا يجوز الأكل، وهذا الكلب المخالط محمولٌ على أنه غير مرسل من صائد
آخر، وأنه إنما انبعث في طلب الصيد بطبعه ونفسه، ولا يُختَلفُ في هذا، فأما لو أرسله
صائدٌ آخر على ذلك الصيد، فاشتركا الكلبان فيه، فإنه للصائدين، يكونان شريكين،
فلو أنفذ أحد الكلبين مقاتله، ثم جاء الآخر، فهو للذي أنفذ مقاتله. انتهى كلام القرطبيّ
رحمه الله تعالى(٢). والله تعالى أعلم بالصواب.
٤٢٧١- (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَخْتِى، قَالَ: حَدَّثَنَا زَكَرِيًّا - وَهُوَّ ابْنُ
(١) ((شرح مسلم)) ١٣ /٧٦.
(٢) («المفهم)) ٢٠٨/٥-٢٠٩ .

٩٧
٧- (إِذَاَ وَجَدَ مَعَ كَلَيْهِ كَلَبْاْ غَيْرَه) - حديث رقم ٤٢٧٢
أَبِي زَائِدَةَ- قَالَ: حَدَّثَنَا عَامِرٌ، عَنِ عَدِيٌّ بْنِ حَاتِم، قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ نَّهِ عَنِ
الَّكَلْب؟، فَقَالَ: ((إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ، فَسَمَّيْتَ، فَكُلْ، وَإِنْ وَجَدْتَ كَلْبًا آخَرَ مَعَ كَلْبِكَ،
فَلَا تَأَكُّلْ، فَإِنَّمَا سَمَّيْتَ عَلَى كَلْبِكَ، وَلَمْ تُسَمِّ عَلَى غَيْرِهِ)).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((عمروبن عليّ)): هو الفلّاس. و(يحيى)): هو ابن سعيد
القطّان. و((زكريّا بن أبي زائدة خالد، أو هُبيرة)): هو الْهَمْدانيّ الوادعيّ، أبو يحيى الكوفيّ،
ثقة [٦] ١١٥/٩٣. و((عامر)): هو الشعبيّ.
والحديث متّفقٌ عليه، وشرحه، وبيان مسائله تقدّمت قريبًا. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٢٧٢- (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَكَم، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ -وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ -
قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَن سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوَقٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الشَّغْبِيُّ، عَنِ عَدِيٌّ بْنِ حَاتِمِ،
وَكَانَ لَنَا جَارًا، وَدَخِيلًا، وَرَبِيطًا بِالنَّهْرَيْنِ، أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيِّ ◌َِّ، قَالَ: أُرْسِلُ كَلْبِي، فَأَجِّدُ
مَعَ كَلْبِي كَلْبًا، قَدْ أَخَذَ، لَا أَدْرِي أَيَّهُمَا أَخَذَ، قَالَ: ((لَا تَأْكُلْ، فَإِنَّمَا سَمَّيْتَ عَلَى كَلْبِكَ،
وَلَمْ تُسَمِّ عَلَى غَيْرِهِ)).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((أحمد بن عبد الله بن الحكم)): هو المعروف بابن
الْكُرْديّ، أبو الحسين البصريّ، ثقة [١٠] ٥٨٣/٣٩ .
و(محمد بن جعفر)): هو غُندر. و((سعيد بن مسروق)): هو والد سفيان الثوريّ، ثقة
[٦] ١١٢١/١٥٣ .
وقوله: ((وكان لنا جارًا الخ)) الظاهر أنه من كلام الشعبيّ: يعني أنّ عديّ بن حاتم
رضي الله تعالى عنه كان جارهم، وصديقًا لهم.
وقوله: ((ودَخِيلًا الخ)) -بفتح الدال المهملة، وكسر الخاء المعجمة -: قال الفيّوميّ:
فلانٌ دخيلٌ بين القوم: أي ليس من نسبهم، بل هو نَزِيلٌ بينهم، ومنه قيل: هذا الفرع دَخِيلٌ
في الباب، ومعناه: أنه ذُكر استطرادًا، ومُناسبةً، ولا يَشتمِل عليه عقد الباب. انتهى.
وقال النوويّ رحمه الله تعالى: قال أهل اللغة: الدَّخيل، والدَّخّال: الذي يُداخل
الإنسان، ويُخالطه في أموره. والربيط هنا بمعنى المرابط، وهو الملازم، والرباط
الملازمة. قالوا: والمراد هنا ربط نفسه على العبادة، وعن الدنيا. انتهى(١).
وقوله: ((بالنهرين)): لم أجد من بيّن معنى النهرين هنا، مع أن هذا الكلام موجود في
((صحيح مسلم)) أيضًا، لكن لم يتعرّض الشّرّاح لبيان المراد منه، والذي يظهر لي أنه أراد
(١) (شرح مسلم)) ١٣ /٨٠.

٩٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصَّيْدِ، وَالذَّبَائِح
بهما نهري الفُرات ودِجْلَة، ومما يؤيّد هذا أن الفيّوميّ رحمه الله تعالى قال في ((المصباح
المنير)): الفراتُ نهرٌ عظيمٌ، مشهورٌ، يخرُج من حدود الروم، ثمّ يمُرّ بأطراف الشام، ثم
بالكوفة، ثمّ بالْحِلّة، ثم يلتقي مع دِجْلَة في البَطَائح، ويَصيران نهرًا واحدًا، ثمّ يصُبّ
عند عَبّادان في بحر فارس. انتهى. والله تعالى أعلم.
والحديث متفق عليه، كما سبق تمام البحث فيه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٢٧٣- (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَكَمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا
شُعْبَةُ، عَنِ الْحَكَمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنَ عَدِيٍّ، عَنِ النَّبِيِّ بَّهِ بِمِثْلِ ذَلِكَ).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((محمد)): هو ابن جعفر المذكور في السند السابق.
و((الحَكَم)): هو ابن عُتيبة.
وقوله: ((قال: حدّثنا عن الشعبيّ الخ)) ضمير ((قال)» يعود إلى شعبة: أي قال شعبة:
حدّثنا الحكم عن الشعبيّ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٢٧٤ - (أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو الْغَيْلَانِيُّ، الْبَصْرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا بُهْزٌّ،
قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي السَّفَرِ، عَن عَامِرِ الشَّغْبِيِّ، عَنِ عَدِيٍّ بْنِ
حَاتِم، قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَِّ، قُلْتُ: أَرْسِلُ كَلْبِيٍ، قَالَ: ((إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ،
فَسَمَّيْتَ فَكُلْ، وَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ، فَلَا تَأْكُلْ، فَإِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَّى نَفْسِهِ، وَإِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ،
فَوَجَدْتَ مَعَهُ غَيْرَهُ، فَلَا تَأْكُلْ، فَإِنَّكَ إِنَّمَا سَمَّيْتَ عَلَى كَلْبِكَ، وَلَمْ تُسَمِّ عَلَى غَيْرِهِ))).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى: ((سليمان بن عُبيد الله بن عمرو)): هو المازنيّ، صدوق
[١١] ٧٢٩/٣٦. و(بهز)): هو ابن أسد العمّيّ، أبو الأسود البصريّ، ثقة ثبت [٩]٢٤/
٢٨ . و((عبد الله بن أبي السفَر)) - بفتح الفاء -: هو الثوريّ الكوفيّ، ثقة [٦] ١٩١٩/٤٥.
والحديث متّفق عليه، وقد تقدّم تمام البحث فيه في الباب الأول. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٢٧٥- (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، عَن شُعْبَةَ، عَنِ ابْنِ أَبِي السَّفَرِ،
عَنِ الشَّغْبِيِّ، وَعَنِ الْحَكَمِ، عَنِ الشَّغْيِيِّ، وَعَنِ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ، عَنِ الشَّغْبِيِّ، عَنِ عَدِيِّ بْنِ
حَاتِمِ، قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولُ اللَّهِ ◌ِِّ، قُلْتُ: أُرْسِلُ كَلْبِيَ، فَأَجِدُ مَعَ كَلْبِي كَلْبَا آخَرَ، لَا أَذْرِي
أَيُهُمَا أَخَذَ؟، قَالَ: ((لَا تَأْكُلْ، فَإِنَّمَا سَمَّيْتَ عَلَى كَلْبِكَ، وَلَمْ تُسَمِّ عَلَى غَيْرِهِ)).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((أبو داود)): هو سليمان بن داود الطيالسيّ. والحديث
متّفق عليه، كما سبق بيانه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

٩٩
٨- (الكَلْبُ يَأْكُلُُ مِنَ الصَّيْدِ) - حديث رقم ٤٢٧٦
((إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
٨- (الْكَلْبُ يَأْكُلُ مِنَ الصَّيْدِ)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((الكلب)) مبتدأ، وجملة ((يأكل من الصيد)) في محلّ
رفع صفته، والخبر محذوف، تقديره: لا يحلّ صيده. وهذا هو الذي عليه الجمهور،
وخالف في ذلك طائفة، فقالت بجواز أكل ما أكل منه الكلب، منهم ابن عمر، وسعد
ابن مالك، وسلمان، وبه قال مالك، محتجين بحديث أبي ثعلبة رضي اللّه تعالى عنه،
حيث إن فيه قوله صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم: ((فكل، وإن أكل منه))، وقد تقدّم
الجواب عنه، وأن الصحيح هو الذي ذهب إليه الجمهور. والله تعالى أعلم بالصواب.
٤٢٧٦- (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ - وَهُوَ ابْنُ هَارُونَ - أَنْبَأَنَا زَكَرِيًّا،
وَعَاصِمٌ، عَنِ الشَّغْبِيِّ، عَنِ عَدِيِّ بْنِ حَاتِم، قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللّهِ وَّهِ عَنِ صَيْدٍ
الْمِعْرَاضِ؟، فَقَالَ: ((مَا أَصَابَ بِحَدِّهِ فَكُلْ، وَمَّا أَصَابَ بِعَرْضِهِ فَهُوَ وَقِيذٌ))، قَالَ: وَسَأَلْتُهُ عَنِ
كَلْبِ الصَّيْدِ، فَقَالَ: ((إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ، وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلْ))، قُلْتُ: وَإِنْ قَتَلَ،
قَالَ: ((وَإِنْ قَتَلَ، فَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ فَلَا تَأْكُلْ، وَإِنْ وَجَدْتَ مَعَهُ كَلْبَا غَيْرَ كَلْبِكَ، وَقَدْ قَتَلَهُ، فَلَا
تَأْكُلْ، فَإِنَّكَ إِنَّمَا ذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى كَلْبِكَ، وَلَمْ تَذْكُرْ عَلَى غَيْرِهِ))).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((أحمد بن سليمان)): هو الرُّهاويّ الثقة الحافظ [١١]٣٨/
٤٢ من أفراد المصنّف. و((زكريّا)): هو ابن أبي زائدة. و((عاصم)): هو ابن سليمان الأحول.
وقوله: ((عن الْمِعْرَاضِ)) قال النوويّ رحمه الله تعالى: ((الْمِعْرَاض)) - بِكَسْرِ الْمِيم،
وَبِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ: هِيَ خَشَبَةٍ ثَقِيلَة، أَوْ عَصْا فِي طَرَفْهَا حَدِيدَة، وَقَدْ تَكُون بِغَيْرِ
حَدِيدَة. هَذَا هُوَ الصَّحِيحِ فِي تَفْسِيرِهِ. وَقَالَ الْهَرَوِيُّ: هُوَ سَهْم لَا رِيش فِيهِ، وَلَا نَصْل.
وَقَالَ ابْنِ دُرَيْد: هُوَ سَهْمَ طَوِيلٍ، لَهُ أَرْبَع قُذَذ رِقَاق، فَإِذَا رَمَى بِهِ اغْتَرَضَ. وَقَالَ الْخَلِيل
كَقَوْلِ الْهَرَوِيِّ، وَنَحْوه عَنِ الْأَصْمَعِيّ. وَقِيلَ: هُوَ عُود رَقِيق الطَّرَفَيْنِ، غَلِيظُ الْوَسَطِ،
إِذَا رُمِيَ بِهِ ذَهَبَ مُسْتَوِيًا .
قال: و((الْوَقْذ، وَالْمَوْقُوذ)): هُوَ الَّذِي يُقْتَلِ بِغَيْرِ مُحَدَّد، مِنْ عَصًا، أَوْ حَجَر،
وَغَيْرِهِمَا. وَمَذْهَب الشَّافِعِيّ، وَمَالك، وَأَّبِي حَنِيفَةَ، وَأَحْمَد، وَالْجَمَاهِير: أَنَّهُ إِذَا
اصْطَادَ بِالْمِعْرَاضِ، فَقَتَلَ الصَّيْدِ بِحَدِهِ حَلَّ، وَإِنْ قَتَلَهُ بِعَرْضِهِ، لَمْ يَحِلّ؛ لِهَذَا الْحَدِيث.
وَقَالَ مَكَّحُولٍ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَغَيْرِهِمَا، مِنْ فُقَهَاء الشَّامِ: يَحِلّ مُطْلَقًا، وَكَذَا قَالَ هَؤُلَاءٍ

١٠٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصَّيْدِ، وَالذَّبَائِحِ
وَابْنِ أَبِي لَيْلَى: إنَّهُ يَحِلْ مَا قَتَلَهُ بِالْبُنْدُقَةِ، وَحُكِيَ أَيْضًا عَن سَعِيد بْنِ الْمُسَيِّب. وَقَالَ
الْجَمَاهِير: لَا يَحِلّ صَيْدِ الْبُنْدُقَة مُطْلَقًا؛ لِحَدِيثِ الْمِعْرَاض؛ لِأَنَّ كُلُّه رَضُّ وَوَقْذُ، وَهُوَ
مَعْنَى الرُّوَايَةِ الْأُخْرَى: ((فَإِنَةً وَقِيذِ)): أَيْ مَقْتُول بِغَيْرِ مُحَدَّد، وَالْمَوْقُوذَة الْمَقْتُولَة بِالْعَصَا،
وَنَخْوِهَا، وَأَصْله مِنْ الْكَسْرِ، وَالرَّضّ. انتهى كلام النوويّ رحمه اللَّه تعالى(١).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق تمام شرحه، وبيان مسائله. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٢٧٧- (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ يَخْتَى بْنِ الْحَارِثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِى شُعَيْبٍ،
قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ أَعْيَنَ، عَن مَعْمَرٍ، عَنِ عَاصِم بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنِ الشَّغْيِيّ، عَنِ عَدِيٍّ
بْنِ حَاتِمِ الطَّائِيّ، أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللّهِ وَّه عَنَ الصَّيْدِ؟ قَالَ: ((إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ،
فَذَّكَرْتََ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ فَقَتَلَ، وَلَمْ يَأْكُلْ فَكُلْ، وَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ، فَلَا تَأْكُلْ، فَإِنَّمَا أَمْسَكَهُ
عَلَيْهِ، وَلَمْ يُمْسِكْ عَلَيْكَ))).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الإسناد تقدّم قبل باب. والحديث متّفقٌ عليه،
ومضى شرحه، وبيان مسائله في الباب الأول. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)).
٩- (الأَمْرُ بِقَتْلِ الْكِلَابِ)
٤٢٧٨- (أَخْبَرَنَا كَثِيرُ بْنُ عُبَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، عَنِ الزُّبَيْدِيِّ، عَن
الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ السَّبَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَتْنِي مَيْمُونَةُ، أَنَّ رَّسُولَ اللَّهِ وَِّ، قَالَ لَهُ
جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامِ: ((لَكِنَّا لَا نَدْخُلُ بَيْتًا، فِيهِ كَلْبٌ، وَلَا صُورَةٌ))، فَأَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ
يَوْمَئِذٍ، فَأَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ، حَتَّى إِنْهُ لَيَأْمُرُ بِقَتْلِ الْكَلْبِ الصَّغِيرِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١- (كثير بن عبيد) بن نمير الْمَذْحِجِيّ، أبو الحسن الحمصيّ الحذاء المقرىء، ثقة
[١٠] ٤٨٦/٥ .
(١) ((شرح مسلم)) ١٣/ ٧٧.