Indexed OCR Text
Pages 61-80
٦١ ١٠- (بَابُ الفُاْرَةِ تَقَعُ فِي السَّمْن) - حديث رقم ٤٢٦٠ تَقْرَبُوهُ))، وَهَذِهِ الزِّيَادَة فِي رِوَايَة ابْنِ عُيَيْنَةَ غَرِيبَة، وإنما هي مشهورة في رواية معمر، عن الزهريّ. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رواية معمر هي الرواية الثالثة الآتية للمصنف، إن شاء الله تعالى. قال الحافظ رحمه الله تعالى: لم يَرِدِ فِي طَرِيقٍ صَحِيحَة تَحَدِيد مَا يُلْقَى، لَكِنْ أَخْرَجَ ابْن أَبِي شَيْبَة مِنْ مُرْسَل عَطَاء بْنِ يَسَار، أَنَّهُ يَكُون قَدْر الْكَفّ، وَسَنَده جَيِّد، لَوْلًا إِرْسَالهِ. وَقَدْ وَقَعَ عِنْدِ الدَّارَ قُطْنِيّ مِنْ رِوَايَةٍ يَخْيَى الْقَطَّانِ، عَن مَالِك فِي هَذَا الْحَدِيث: (فَأَمَرَ أَنْ يُقَوَّر مَا حَوْلِهَا، فَيُرْمَى بِهِ))، وَهَذَا أَظْهَر فِي كَوْنِهِ جَامِدًا مِنْ قَوْله: ((وَمَا حَوْلِهَا))، فَيَقْوَى مَا تَمَسَّكَ بِهِ ابْنِ الْعَرَبِيّ في كلامه الآتِي، وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ الطََّرَانِيُّ عَن أَبِي الدَّزْدَاء مَرْفُوعًا، مِنْ التَّقْبِيد فِي الْمَأْخُوذُ مِنْهُ ثَلَاث غُرُفَاتٍ بِالْكَفَّيْنِ، فَسَنَده ضَعِيف، وَلَوْ ثَبَتَ لَكَانَ ظَاهِرًا فِي الْمَائِعِ. انتهى كلام الحافظ (وَكُلُوهُ) أي الباقي بعد الإلقاء، والأمر فيه للإباحة، أي إن أكله حلال لكم. [تنبيه] : زاد البخاريّ في آخر هذه الرواية: ما نصّه: قيل لسفيان: فإن معمرًا يحدّث عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، قال: ما سمعت الزهري يقول، إلا عن عبيد الله، عن ابن عباس، عن ميمونة، عن النبي ◌ُّر، ولقد سمعته منه مرارا. قال في ((الفتح)): قَوْله (قِيلَ لِسُفْيَان)) الْقَائِلِ لِسُفْيَان ذَلِكَ، هُوَ عَلِيُّ بْن الْمَدِينِيّ، شَيْخ الْبُخَارِيّ، كَذَلِكَ ذَكَرَهُ فِي ((عِلَله)). وقَوْله: (فَإِنَّ مَعْمَرًا يُحَدِّث بِهِ إِلَخْ)) طَرِيق مَعْمَر هَذِهِ وَصَلَهَا أَبُو دَاوُدَ، عَنِ الْحَسَنِ بْن عَلِيّ الْحُلْوَانِيّ، وَأَحْمَد بْنِ صَالِحٍ، كِلَاهُمَا عَن عَبْد الرَّزَّاق، عَن مَعْمَر بِإِسْنَادِهِ الْمَذْكُورِ إِلَى أَبِي هُرَيْرَة، وَنَقَلَ التّزْمِذِيّ عَنِ الْبُخَارِيّ، أَنَّ هَذِهِ الطَّرِيقِ خَطَأْ، وَالْمَحْفُوظِ رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ مِنْ طَرِيق مَيْمُونَة، وَجَزَمَ الذُّهْلِيُّ بِأَنَّ الطّرِيقَيْنِ صَحِيحَانٍ، وَقَدْ قَالَ أَبُو دَاوُدَ فِي رِوَايَتِه عَنِ الْحَسَن بْن عَلِيّ: ((قَالَ الْحَسَن: وَرُبَّمَا حَدَّثَ بِهِ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ عُبَيْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه، عَنِ ابْن عَبَّاس، عَن مَيْمُونَةٍ)). وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ أَيْضًا، عَن أَحْمَد بْن صَالِحٍ، عَنِ عَبْد الرَّزَّاق، عَن عَبْد الرَّحْمَن بْن بُوذَوَيْهِ، عَن مَعْمَر كَذَلِكَ، مِنْ طَرِيقِ مَيْمُونَة، وَكَذَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ(١)، عَن خُشَيْشِ بْن أَضْرَم، عَن عَبْد الرَّزَّاق، وَذَكَرَ الْإِسْمَاعِيلِيّ أَنَّ اللَّيْثِ، رَوَاهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَن سَعِيد بْنِ الْمُسَيِّب، قَالَ: (بَلَغَنَا: ((أَنَّ النَّبِيّ ◌َ، سُئِلَ عَنْ فَأْرَة وَقَعَتْ فِي سَمْنِ جَامِد ... )) الْحَدِيث. (١) هي الرواية التالية لهذه الرواية. = ٦٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْفَرَعِ، وَالْعَتِيرَةِ قال الحافظ: وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ لِرِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ عَن سَعِيدٍ أَضْلًا، وَكَوْن سُفْيَان بْنِ عُيَيْنَةَ لَمْ يَحْفَظُهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ، إِلا مِنْ طَرِيق مَيْمُونَة، لا يَقْتَضِي أَنْ لَا يَكُون لَهُ عِنْده إِسْنَاد آخر . وَقَدْ جَاءَ عَنِ الزُّهْرِيِّ فِيهِ إِسْنَادِ ثَالِث، أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، مِنْ طَرِيقِ عَبْد الْجَبَّر بْن عُمَر، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَن سَالِم، عَن ابْنِ عُمَر بِهِ ، وَعَبْد الْجَبَّر مُخْتَلَّف فِيهِ . قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَجَاءَ مِنْ رِوَايَة ابْن جُرَيْجَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ كَذَلِكَ، لَكِنْ السَّنَد إِلَى ابْن ◌ُرَيْجٍ ضَعِيف، وَالْمَحْفُوظ أَنَّهُ مِنْ قَوْل ابْنَ عُمَر. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليهَ المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث ميمونة رضي اللَّه تعالى عنها هذا أخرجه البخاريّ. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا- ١٠/ ٤٢٦٠ و٤٢٦١ و٤٢٦٢- وفي ((الكبرى)) ٤٥٨٤/١١ و٤٥٨٥ و٤٥٨٦. وأخرجه (خ) في ((الوضوء)) ٢٣٥ و٢٣٦ و((الذائح والصيد)) ٥٥٣٨ و٥٥٣٩ و٥٥٤٠ (د) في ((الأطعمة)) ٣٨٤١ و٣٨٤٢ (ت) في ((الأطعمة)) ١٧٩٨ (أحمد) في ((باقي مسند الأنصار)) ٢٦٢٥٦ و٢٦٢٦٣ و٢٦٣٠٧ (الموطأ) في ((الجامع)) ١٨١٥ (الدارمي) في ((الطهارة)) ٧٣٨ و((الأطعمة)) ٢٠٨٣ . والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان حكم السمن ونحوه، إذا وقعت فيه الفأرة، أن يُلقى ما حولها، وينتفع بالباقي. (ومنها): أنه اسْتُدِلَّ بَهَذَا الْحَدِيث لِإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَن أَحْمَد رحمه الله تعالى، أَنَّ الْمَائِعِ إِذَا حَلَّتْ فِيهِ النَّجَاسَةِ، لَا يَنْجَسِ إِلَّا بِالثَّغَيُرِ، وَهُوَ اخْتِيَارِ الْبُخَارِيّ، وَقَوْل ابْن نَافِعِ مِنْ الْمَالِكِيَّة، وَحُكِيَ عَن مَالِك، وَقَدْ أَخَرَجَ أَحْمَد، عَن إِسْمَاعِيل ابْنِ عُلَيَّةِ، عَن عُمَّارَةَ بْن أَبِي حَفْصَةٍ، عَن ◌ِكْرِمَة: ((أَنَّ ابْن عَبَّاس، سُئِلَ عَنِ فَأْرَة مَاتَتْ فِي سَمْن؟ قَالَ: تُؤْخَذ الْفَارَةِ وَمَا حَوْلِهَا، فَقُلْت: إِنَّ أَثَرِهَا كَانَ فِي السَّمْنِ كُلّهِ، قَالَ: إِنَّمَا كَانَ وَهِيَ حَيَّة، وَإِنَّمَا مَاتَتْ حَيْثُ وُجِدَتْ))، وَرِجَاله رِجَال الصَّحِيحِ، وَأَخْرَجَهُ أَحْمَد مِنْ وَجْه آخَر، وَقَالَ فِيهِ عَنْ جَرّ، فِيهِ زَيْت، وَقَعَ فِيهِ جُرَّذٌ ... ))، وَفِيهِ: ((أَلَيْسَ جَالَ فِي الْجَرّ كُلّه؟، قَالَ: إِنَّمَا جَالَ وَفِيهِ الرُّوحِ، ثُمَّ اسْتَقَرَّ حَيْثُ مَاتَ)). وَفَرَّقَ الْجُمْهُورِ بَيْنِ الْمَائِعِ وَالْجَامِد، عَمَلًا بِالتَّفْصِيلِ الْمُقَدَّمِ ذِكْرِهِ، وَقَدْ تَمَسَّكَ ابْن ٦٣ ١٠- (بابُ الفَأْرَةِ تَقَعُ فِي السَّمْن) - حديث رقم ٤٢٦١ الْعَرَبِيّ بِقَوْلِهِ: ((وَمَا حَوْلِهَا)) عَلَى أَنَّهُ كَانَ جَامِدًا، قَالَ: لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مَائِعًا لَمْ يَكُنْ لَهُ حَوْلٌّ؛ لِأَنَةً لَوْ نُقِلَ مِنْ أَّ جَانِب مَهْمَا نُقِلَ، لَخَلَفَهُ غَيْرِهِ فِي الْحَالِ، فَيَصِيرِ مِمَّا حَوْلِهَا، فَيُخْتَاجِ إِلَى إِلْقَائِهِ كُلّه، كَذَا قَالَ . وَأَمَّا ذِكْرِ السَّمْنِ وَالْفَأْرَةِ، فَلَا عَمَل بِمَفْهُومِهِمَا، وَجَمَدَ ابْنِ حَزْمٍ عَلَى عَادَته، فَخَصَّ التَّفْرِقَة بِالْفَأْرَةِ، فَلَوْ وَقَعَ غَيْرِ جِئْسِ الْفَأْرِ مِنْ الدَّوَابِ، فِي مَائِع لَمْ يَنْجَسِ، إِلا بِالتَّغَيُّرِ. وَضَابِطِ الْمَائِعِ عِنْدِ الْجُمْهُورِ أَنْ يَتَرَادّ بِسُرْعَةٍ، إِذَا أُخِذَ مِنْهُ شَيْءٍ. (ومنها): أنه اسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ: ((فَمَاتَتْ)) عَلَى أَنَّ تَأْثِيرِهَا فِي الْمَائِعِ إِنَّمَا يَكُون بِمَوْتَها فِيهِ، فَلَوْ وَقَعَتْ فِيهِ، وَخَرَجَتْ بِلَا مَوْت لَمْ يَضُرّهُ، وَلَمْ يَقَعِ فِي رِوَايَة مَالِك التَّقْبِيدِ بِالْمَوْتِ، فَيَلْزَمِ مَنْ لَا يَقُول بِحَمْلِ الْمُطْلَق عَلَى الْمُقَيَّد، أَنْ يَقُولِ بِالتَّأْثِيرِ، وَلَوْ خَرَجَتْ وَهِيَ فِي الْحَيَاةِ، وَقَدْ الْتَزَمَهُ ابْنِ حَزْم، فَخَالَفَ الْجُمْهُورِ أَيْضًا. (ومنها): أنه اسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ فِي الرِّوَايَة الْمُفَصَّلَة: ((وَإِنْ كَانَ مَائِعًا، فَلَا تَقْرَبُوهُ))، عَلَى أَنَّهُ لا يَجُوزِ الانْتِفَاعِ بِهِ فِي شَيْءٍ، فَيَحْتَاجُ مَنْ أَجَازَ الانْتِفَاعِ بِهِ فِي غَيْرِ الْأَكْلِ، كَالشَّافِعِيَّةِ، وَأَجَازَ بَيْعِه كَالْحَنَفِيَّةِ، إِلَى الْجَوَاب - أي عن حَدِيث الباب - فَإِنَّهِمْ احْتَجُوا بِهِ فِي التَّفْرِقَة بَيْن الْجَامِد وَالْمَائِعِ، وَقَدْ احْتَجِّ بَعْضِهِمْ بِمَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَبْد الْجَبَّار بْن عُمَر، عِنْد الْبَيْهَقِيِّ، فِي حَدِيث ابْن عُمَر: ((إِنْ كَانَ السَّمْن مَائِعًا، انْتَفَعُوا بِهِ، وَلَا تَأْكُلُوهُ))، وَعِنْدِهِ فِي رِوَايَةِ ابْن جُرَيْجِ مِثْله، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الصَّحِيحِ وَقْفه. وَعِنْده مِنْ طَرِيق الثَّوْرِيّ، عَن أَيُّوب، عَن نَافِعٍ، عَن ابْن عُمَر، فِي فَأْرَة وَقَعَتْ فِي زَيْتِ، قَالَ: (اسْتَصْبِحُوا بِهِ، وَاذْهُنُوا بِهِ أَدُمْكُمْ))، وَهَذَا السَّنَد عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، إِلا أَنَّهُ مَوْقُوف. (ومنها): أنه اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْفَأْرَةِ طَاهِرَة الْعَيْنِ، وَأَغْرَبَ ابْنَ الْعَرَبِيّ فَحَكَى عَن الشَّافِعِيّ، وَأَبِي حَنِيفَة أَنَّا نَجِسَة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٢٦١- (أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ يَخْتَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ النَّيْسَابُورِيُّ، عَنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ مَالِكِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَن ابْنِ عَبَّاسٍ، عَن مَيْمُونَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ نَّهِ، سُئِلَ عَن فَأَرَةٍ، وَقَعَتْ فِي سَمْنٍ جَامِدٍ، فَقَالَ: ((خَذُوهَا وَمَا حَوْلَهَا، فَأَلْقُوهُ))). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((محمد بن يحيى)): هو الذهليّ. و((عبد الرحمن)): هو ابن مهديّ. و((مالك)): هو ابن أنس الإمام الجليل. والحديث صحيح، وقد تقدّم شرحه، وبيان مسائله في الحديث الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٦٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْفَرَعِ، وَالْعَتِيرَةِ ٤٢٦٢- (أَخْبَرَنَا خُشَيْشُ بْنُ أَصْرَمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بُوذُوَيْهِ، أَنَّ مَعْمَرًا ذَكَرَهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَن عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ، عَنِ مَيْمُونَةَ، عَنِ النَِّيِّ نَِّ، أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْفَأْرَةِ، تَقَعُ فِي السَّمْنِ، فَقَالَ: «إِنْ كَانَ جَامِدًا، فَأَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا، وَإِنْ كَانَ مَائِعًا، فَلَا تَقْرَبُوهُ))). ((خُشيش بن أصرم)) -بضمّ الخاء المعجمة، مصغّرًا -: هو أبو عاصم النسائيّ، ثقة ثبت [١١] ٥٩٠/٤٤. و((عبد الرزاق)): هو ابن همّام الصنعانيّ. و((عبد الرحمن بن بُوذويه)) - بضمّ الموحّدة، وسكون الواو، بعدها معجمة- ويقال: ابن عُمَر بن بُوذويه الصنعانيّ، صدوق(١)[٧]. روى عن طاوس، ووهب بن منبّه، وعثمان بن الأسود، ومعمر بن راشد، وهو من أقرانه، وغيرهم. وعنه عبد الرزاق، وإبراهيم بن خالد، وسعد بن الصلت، وغيرهم. قال الأثرم: ذكره أحمد بن حنبل، فأثنى عليه خيرًا. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). روى له المصنّف، وأبو داود هذا الحديث فقط. و((معمر)): هو ابن راشد الصنعانيّ. والحديث صحيح، وقد سبق البحث عنه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٢٦٣- (أَخْبَرَنَا سَلَمَةُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ سُلَيْم بْنِ عُثْمَانَ الْفَوْزِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَدِي(٢) الْخَطَّابُ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حِمْيَرَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ثَابِثُ بْنُ عَجْلَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، يَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللّهِ وَلَّهِ، مَرَّ بِعَنْزِ مَيْتَةٍ، فَقَالَ: (مَا كَانَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الشَّاةِ، لَوِ أَنْتَفَعُوا بِإِهَابِهَا»). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((سلمة بن أحمد بن سُليم بن عثمان الْفَوزيّ - بفتح الفاء، وبالزاي - الحمصيّ، صدوق [١١]. روى عن جدّه لأمه الخطّاب بن عثمان الفوزيّ، وعنه النسائيّ، وقال: لا بأس به، وأبو القاسم الطبرانيّ. تفرّد به المصنّف بهذا الحديث فقط. و((الخطّاب)): هو ابن عثمان الطائيّ الْفَوْزيّ، أبو عمر الحمصيّ، ثقة عابد [١٠] ٤/ ٣٦٣٦ . (١) هكذا قلت: صدوق، والذي في ((التقريب)) أنه مقبول، والظاهر أنه صدوق؛ لأنه روى عنه جماعة، وأثنى عليه الإمام أحمد، ووثّقه ابن حبّان، ولم يطعن فيه أحد، فمثل هذا أقلّ أحواله أن يكون صدوقًا، لأن حديثه صحيح، والمقبول لا يصح حديثه إلا بالمتابعة، فتأمل. والله تعالى أعلم. (٢) هو جدّه لأمه. ٦٥ ١٠- (بَأَبُ الفَارَةِ تَقَعُ فِي السَّمْنِ) - حديث رقم ٤٢٦٣ و((محمد بن حِمْيَر)): هو السَّلِيحيّ الحمصيّ، صدوقٌ [٩] ٥٣٥/٢١. و ((ثابت بن عَجْلان)) الأنصاريّ السلميّ، أبو عبد الله الحمصيّ، وقيل: إنه من أرمينية، وقال ابن أبي حاتم: حمصيّ وقع إلى باب الأبواب، صدوقٌ [٥]. قال عبد الله بن أحمد: سألت أبي عنه؟، فقال: كان يكون بالباب والأبواب، قلت: ثقة؟ فسكت، كأنه مَرَّضَ في أمره. وقال ابن معين: ثقة. وقال دُحَيم، والنسائيّ: ليس به بأس. وقال أبو حاتم: لا بأس به، صالح الحديث. وقال عيسى بن المنذر، عن بقيّة: قال لي ابن المبارك: اجمع لي حديث محمد بن زياد، وثابت بن عجلان، وتتبعه. وقال العقيليّ في ((الضعفاء)): لا يُتابع في حديثه. وساق له ابن عديّ ثلاثة أحاديث غريبة. وقال أحمد: أنا متوقّفٌ فيه. وقال ابن حبّان في ((الثقات)): قيل: إنه سمع أنسًا، وليس ذلك بصحيح عندي. وقال عبد الحقّ في ((الأحكام)): لا يُحتجّ به. وردّ ذلك عليه ابن القطّان، وقال في قول العُقيليّ: ((لا يُتابع)): إن هذا لا يضرّ إلا من لا يُعرف بالثقة، وأما من وُثْق، فانفراده لا يضرّه. قال الحافظ: وصدق، فإن مثل هذا لا يضرّه إلا مخالفته الثقات لا غير، فيكون حديثه حينئذ شاذًا. انتهى. روى له البخاري، والمصنّف، وأبو داود، وابن ماجه، وله عند المصنّف هذا الحديث فقط. وقوله: ((بعَنزِ)) - بفتح العين المهملة، وسكون النون -: هي الأنثى من المعز، إذا أتى عليها حولٌ. قالَ الجوهريّ: والعنْزُ: الأنثى من الظّبَاء، والأوعال، وهي الماعزة. قاله الفيوميّ . وقوله: ((ما على أهل هذه الشاة)) يحتمل أن تكون ((ما)) استفهاميّة، استفهامًا إنكاريّا: أي أيُّ شيء كان عليهم؟، ويحتمل أن تكون نافية، واسم ((كان)) مقدّرٌ: أي عليهم شيء من الإثم. و((لو)) للتمنّى، فلا تحتاج إلى جواب، أو هي للشرط، وجوابها محذوف: أي لم يكن عليهم شيء. والحديث صحيح، وقد سبق شرحه، وبيان مسائله في ٤٢٣٦/٤- فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلتُ، وإليه أنیب)) . ٦٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْفَرَعِ، وَالْعَتِيرَةِ ١١- (الذُّبَابُ يَقَعُ فِي الإِنَاءِ) قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الذُّباب جمعه في الكثرة ذِبّان، مثلُ غُرَاب وغِرْبَان، وفي القلّة أَذِبَة، الواحدة ذُبابة. قاله في ((المصباح)). وقال في ((الفتح)): الذُّبَاب - بِضَمِّ الْمُعْجَمَة، وَمُوَخَّدَتَيْنِ، وَتُخْفِيف - قَالَ أَبُو هِلَال الْعَسْكَرِيّ: الذُّبَابِ وَاحِد، وَالْجَمْعَ ذِيَّن، كِغِرْبَان، وَالْعَامَّة تَقُول: ذُبَابِ لِلْجَمْع، وَلِلْوَاحِدٍ ذُبَابَة بِوَزْنِ قُرَادَة، وَهُوَ خَطَأْ، وَكَذَا قَالَ أَبُو حَاتِمِ السِّجِسْتَانِيّ: إِنَةً خَطَأْ. وَقَالَ الْجَوْهَرِيّ: الذُّبَابِ وَإِحِدَه ذُبَابَة، وَلَا تَقُلْ ذِبَّنَة. وَنَقَلَ فِي ((الْمُحْكَم)) عَن أَبِي عُبَيْدَة، عَنْ خَلَّف الْأَحْمَرِ، تَجِيزِ مَا زَعَمَ الْعَسْكَرِيّ أَنَّهُ خَطَأْ. وَحَكَى سِيبَوَيْهِ فِي الْجَمْعِ ذُبٌّ. قال في ((الفتح)): وَقَرَأْتُه بِخَطُ الْبُخْتُرِيِّ مَضْبُوطًا بِضَمٍ أَوَّله وَالتَّشْدِيدِ. قِيلَ: سُمِّيَ ذُبَابًا لِكَثْرَةِ حَرَكَته، وَاضْطِرَابِه، وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو يَعْلَى، عَن ابْنِ عُمَر، مَرْفُوعًا: ((عُمْرُ الذُّبَابِ أَرْبَعُونَ لَيْلَة، وَالذُّبَابِ كُلّه فِي النَّارِ، إِلَّا النَّحْلِ))، وَسَنَده لَا بَأْس بِهِ. وَأَخْرَجَهُ ابْنِ عَدِيّ دُون أَوَّله، مِنْ وَجْه آخَرِ ضَعِيف. قَالَ الْجَاحِظ: كَوْنه فِي النَّار، لَيْسَ تَعْذِيبًا لَهُ، بَلْ لِيُعَذَّبِ أَهْلِ النَّار بِهِ. قَالَ الْجَوْهَرِيّ: يُقَالَ: إِنَةً لَيْسَ شَيْءٍ مِنْ الطُّيُور، يَلَغُ إِلا الذُّبَابِ. وَقَالَ أَفْلَاطُونَ: الذُّبَابِ أَخْرَصَ الْأَشْيَاءِ، حَتَّى إِنّةً يُلْقِي نَفْسه فِي كُلّ شَيْءٍ، وَلَوْ كَانَ فِيهِ هَلَاكه. وَيَتَوَلَّد مِنْ الْعُفُونَة. وَلَا جَفْن لِلذَّبَابَةِ، لِصِغَرٍ حَدَقَتْهَا، وَالْجَفْنِ يَصْقُلِ الْحَدَقَةِ، فَالذُّبَابَة تَصْقُلِ بِيَدَيْهَا، فَلَا تَزَال تَمْسَحُ عَيْنَيْهَا. وَمِنْ عَجِيب أَمْرِه أَنَّ رَجِيعه، يَقَع عَلَى الثَّوْبِ الْأَسْوَد أَبْيَض، وَبِالْعَكْسِ. وَأَكْثَرَ مَا يَظْهَر فِي أَمَاكِنِ الْعُفُونَة، وَمَبْدَأ ◌َخَلْقَه مِنْهَا، ثُمَّ مِنْ التَّوَالُد. وَهُوَ مِنْ أَكْثَرِ الطَّيُورِ سِفَادًا، رُبَّمَا بَقِيَ عَامَّة الْيَوْمِ عَلَى الْأُنْثَى. وَيُخْكَى أَنَّ بَعْض الْخُلَفَاءِ، سَأَلَ الشَّافِعِيّ: لِأَيْ عِلَّة خُلِقَ الذُّبَابِ؟ فَقَالَ: مَذَلَّةٌ لِلْمُلُوكِ. وَكَانَتْ أَلَحَّتْ عَلَيْهِ ذُبَابَة، فَقَالَ الشَّافِعِيّ: سَأَلَنِي وَلَمْ يَكُنْ عِنْدِي جَوَاب، فَاسْتَنْبَطْتَه مِنْ الْهَيْئَةِ الْحَاصِلَة. وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد الْمَالِقِيّ: ذُبَاب النَّاس، يَتَوَلَّد مِنْ الزَّبْلِ. وَإِنْ أُخِذَ الذُّبَابِ الْكَبِيرِ، فَقُطِعَتْ رَأْسِهَا، وَحُكَّ بِجَسَدِهَا الشَّعْرَة الَّتِي فِي الْجَفْنِ حَكًا شَدِيدًا أَبْرَأَتْهُ، وَكَذَا دَاء الثَّعْلَبِ. وَإِنْ مُسِحَ لَسْعَةُ الزُّنْبُور بِالذَّبَابِ، سَكَنَ الْوَجَع. انتهى ما في ((الفتح))(١). والله تعالى أعلم بالصوابِ. ٤٢٦٤- (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيِى، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، (١) ((فتح)) ٤١٨/١١-٤١٩ ((كتاب الطبّ)) رقم الحديث ٥٧٨٢ . ١١- (الذُّابُ يقَعُ فِي الإِناءِ) - حديث رقم ٤٢٦٤ ٦٧ == قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ خَالِدٍ، عَن أَبِي سَلَمَةَ، عَن أَبِي سَعِيدٍ الْخُذْرِيِّ، عَنِ النَِّيِّ وََّ، قَالَ: ((إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ، فَلْيَمْقُلْهُ)))(١). رجال هذا الإسناد: ستة: ١- (عمرو بن عليّ) الفلاس البصري، ثقة حافظ [١٠] ٤/٤ . ٢- (يحيى) بن سعيد القطّان البصري الإمام الحجة الثبت [٩] ٤/٤. ٣- (ابن أبي ذئب) محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب المدنيّ الثقة الفقيه الفاضل [٧] ٤١ / ٦٨٥. ٤- (سعيد بن خالد) بن عبد الله بن قارظ الكنانيّ المدنيّ، حليف بني زُهرة، صدوق [٣] ٧٤ /٢٥٦٩ . ٥- (أبو سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ المدنيّ الثقة الفقيه [٣] ١/١. ٦- (أبو سعيد الخدريّ) سعد بن مالك بن سنان رضي الله تعالى عنهما١٦٩ / ٢٦٢ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير ((سعيد بن خالد))، فقد تفرّد به المصنّف، وأبو داود. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير عمرو، ويحيى، فبصريّان. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ سعيد، عن أبي سلمة، وهو من رواية الأقران، وفيه أبو سعيد الخدريّ، أحد المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) من الأحاديث، وفيه أبو سلمة أحد الفقهاء السبعة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَن أَبِي سَعِيدٍ الْخُذْرِيُّ) رضي اللَّه تعالى عنه (عَنِ النَّبِيِّ وََّ) أنه (قَالَ: ((إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ) بضمّ الذال المعجمة، وتحفيف الموحّدتين (فِي إِنَّاء أَحَدَكُمْ) وَوَقَعَ فِي رواية ابْن مَاجَهُ، وَصَخَّحَهُا ابْنِ حِبَّان: ((إِذَا وَقَعَ فِي الطَّعَام))، وفي رواية البخاريّ فِي (بَذْءِ الْخَلْقِ)) من حديث أبي هريرة رضي اللَّه تعالى عنه، بِلَفْظِ: ((شَرَاب))، وَالتَّعْبِيرِ بِالْإِنَاءِ أَشْمَل، وَكَذَا وَقَعَ فِي حَدِيث أَنَس عِنْد الْبَزَّار (فَلْيَمْقُلْهُ) أي فليغمسه، يقال: مَقَلتُهُ مَقْلًا، من باب قَتَلَ: غمسته في الماء، أو غيره. قاله الفيّوميّ. وفي رواية ابن ماجه: أن رسول اللّه وَّر، قال: ((في أحد جناحي الذباب سمِّ، وفي (١) يوجد هنا في النسخة الهنديّة: ما نصه: آخر كتاب العقيقة، والفرع، والعتيرة. === ٦٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْفَرَعِ، وَالْعَتِيرَةِ الآخر شفاءٌ، فإذا وقع في الطعام، فامقُلُوه فيه، فإنه يُقَدِّم السمَّ، ويؤخر الشفاء)). وفي حديث أبي هريرة عند البخاريّ: ((فَلْيَغْمِسْهُ كُلّه))، وهو أَمْرِ إِرْشَاد لِمُقَابَلَةِ الدَّاء بِالدَّوَاءِ، وَفِي قَوْله: ((كُلّه)) رَفْع تَوَهُم الْمَجَازِ فِي الاكْتِفَاءِ بِغَمْسٍ بَعْضِه. وزاد في حديثه أيضًا: ((ثم ليطرحه، فإن في إحدى جناحيه داءً، وفي الآخر شفاءً)). قال في ((الفتح)): وفِي رِوَايَة سُلَيْمَان بْنِ بِلَال: ((ثُمَّ لْيَنْزِعِهُ))، وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةٍ عَبْد اللَّه بْن الْمُثَنَّى، عَن عَمّه ثُمَّامَة، أَنَّهُ حَدَّثَهُ، قَالَ: ((كُنَّا عِنْد أَنَس، فَوَقَعَ ذُبَابِ فِي إِنَّاء، فَقَالَ أَنَسِ بِإِصْبَعِهِ، فَغَمَسَهُ فِي ذَلِكَ الْإِنَاءَ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: بِسْم اللّه، وَقَالَ: إِنَّ رَسُول اللَّهِ وَ لَّهِ أَمَرَهُمْ أَنْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ)). أَخْرَجَهُ الْبَزَّارِ، وَرِجَاله ثِقَاتِ، وَرَوَاهُ حَمَّاد بْنِ سَلَمَة، عَنِ ثُمَامَة، فَقَالَ: ((عَنْ أَبِي هُرَيْرَة))، وَرَجَّحَهَا أَبُو حَاتِم، وَأَمَّا الدَّارَقُطْنِيُّ، فَقَالَ: الطَّرِيقَانِ مُحْتَمِلَانِ . وقَوْله: ((فَإِنَّ فِي إِحْدَى جَنَاحَيْهِ)»: وفِي رِوَايَة أَبِي دَاوُدَ: ((فَإِنَّ فِي أَحَد))، وَالْجَنَاحِ يُذَكَّرِ وَيُؤَنَّث، وَقِيلَ: أَنْثَ بِاغْتِبَارِ الْيَد، وَجَزَمَ الصَّغَانِيّ بِأَنَّهُ لَا يُؤَنَّث، وَصَوَّبَ رِوَايَة ((أَحَد)) وَحَقِيقَتِه لِلطَّائِرِ، وَيُقَالِ لِغَيْرِهِ عَلَى سَبِيل الْمَجَاز كَمَا فِي قَوْله: ﴿وَأَخْفِضْ لَهُمَا جَاحَ الذُّلِ﴾، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ أَبِي دَاوُدَ، وَصَخَّحَهُ ابْن حِبَّان، مِنْ طَرِيقِ سَعِيد الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبٍِ هُرَيْرَة: ((وَأَنَّهُ يَتَّقِي بِجَنَاحِهِ الَّذِي فِيهِ الدَّاء»، قال الحافظ: وَلَمْ يَقَع لِيِ فِي شَيْءٍ مِنْ الطَّرُق تَعْيِين الْجَنَاحِ الَّذِي فِيهِ الشِّفَاء مِنْ غَيْرِهِ، لَكِنْ ذَكَرَ بَعْض الْعُلَمَاءِ، أَنَّهُ تَأَمَّلَهُ، فَوَ جَدَهُ يَتَّقِي بِجَنَاحِهِ الْأَيْسَر، فَعُرِفَ أَنَّ الْأَيْمَن هُوَ الَّذِي فِيهِ الشِّفَاءِ، وَالْمُنَاسَبَة فِي ذَلِكَ ظَاهِرَة . وَفِي حَدِيث أَبِي سَعِيد المذكور عند ابن ماجه: «فإنه يُقَدِّم السُّمّ، وَيُؤَخِّر الشِّفَاءِ)). قال الحافظ: وَيُسْتَفَاد مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ، تَفْسِير الدَّاءِ الْوَاقِعِ فِي حَدِيث الْبَابِ، وَأَنَّ الْمُرَاد بِهِ السُّمّ، فَيُسْتَغْنَى عَنِ النَّخْرِيجِ الَّذِي تَكَلَّفَهُ بَعْض الشُّرَّاحِ، فَقَالَ: إِنَّ فِي اللَّفْظ مَجَازًا، وَهُوَ كَوْن الدَّاء فِي أَحَد الْجَنَاحَيْنِ، فَهُوَ إِمَّا مِنْ مَجَازِ الْحَذْفِ، وَالتَّقْدِيرُ: فَإِنَّ فِي جَنَاحَيْهِ سَبَب دَاء، وإِمَّا مُبَالَغَةٌ بِأَنْ يُجْعَلِ كُلّ الدَّاء فِي أَحَد جَنَاحَيْهِ؛ لَمَّا كَانَ سَبَبًا لَهُ. وَقَالَ آخَر: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُون الدَّاء مَا يَعْرِضُ فِي نَفْس الْمَرْءِ مِن التَّكَبُّر عَن أَكْلِه، حَتَّى رُبَّمَا كَانَ سَبَبًا لِتَرْكِ ذَلِكَ الطَّعَامِ وَإِثْلَافَه، وَالدَّوَاءُ مَا يَخْصُل مِنْ قَمْعِ النّفْس، وَحَمْلِهَا عَلَى التَّوَاضُعِ. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته : ٦٩ ١١- (الذُّبُ يُقَعُ فِي الإِناءِ) - حديث رقم ٤٢٦٤ حديث أبي سعيد الخدريّ رضي اللَّه تعالى عنه هذا صحيح، وقد أخرجه البخاريّ، من حديث أبي هريرة رضي اللَّه تعالى عنه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا - ٤٢٦٤/١١- وفي ((الكبرى)) ٤٥٨٨/١٢. وأخرجه (خ) من حديث أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه في ((بدء الخلق)) ٣٣٢٠ و((الطبّ)) ٥٧٨٢ (د) في (الأطعمة)) ٣٨٤٤ (ق) في ((الطبّ)) ٣٥٠٥ (أحمد) في ((باقي مسند المكثرين)) ٧١٠١ و٧٣١٢ و٧٥١٨ و٨٢٨٠ و٨٤٤٣ و٨٨٠٣ و٨٩١٨ و٩٤٢٨ (الدارمي) في ((الأطعمة)) ٢٠٣٨ . والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده : (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه اللَّه تعالى، وهو بيان حكم الذباب إذا وقع في الإناء، وهو أنه لا يتنجّس، حيث أمر صلّى الله تعالى عليه وسلم بغمسه فيه. (ومنها): طهارة الذباب في حال حياته، ومماته. (ومنها): استحباب غمس كلّه فيما وقع فيه، ثم نزعه، وإخراجه، والانتفاع بما وقع فيه. (ومنها): أن في أحد جناحي الذباب دواءً، وفي الآخر شفاءً، وأنه يتّقي بجناحه الذي فيه الدواء؛ ولذلك أمر الشارع بغمسه كلّه، حتى تحصل معالجة ذلك الداء بالداء الذي الذي فيه. (ومنها): أنه اسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ: ((ثُمَّ لِيَنْزِعِهُ)) عَلَى أَنَّا تَنْجُس بِالْمَوْتِ، كَمَا هُوَ أَصَحَ الْقَوْلَيْنِ لِلشَّافِعِيِّ، وَالْقَوْل الْآخَرِ، كَقَوْلٍ أَبِي حَنِيفَة، أَنَّا لَا تَنْجُس. (ومنها): اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْمَاءِ الْقَلِيلِ لَا يَنْجُسِ بِوُقُوعِ مَا لَا نَفْس لَهُ سَائِلَة فِيهِ، وَوَجْهُ الاسْتِدْلَال - كَمَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ، عَنِ الشَّافِعِيّ - أَنَّهُ وَ، لَا يَأْمُر بِغَمْسٍ مَا يُنَجُّس الْمَاءِ، إِذَا مَاتَ فِيهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إِفْسَاد. وَقَالَ بَعْض مَنْ خَالَفَ فِي ذَلِكَ: لَا يَلْزَم مِنْ غَمْس الذُّبَابِ مَوْته، فَقَدْ يَغْمِسهُ بِرِفْقٍ، فَلَا يَمُوتِ، وَالْحَيّ لَا يُنَجِس مَا يَقَعِ فِيهِ، كَمَا صَرَّحَ الْبَغَوِيُّ بِاسْتِنْبَاطِهِ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ. وَقَالَ أَبُو الطَّيْب الطَّبَرِيُّ: لَمْ يَقْصِد النَّبِيّ ◌َّ بَهَذَا الْحَدِيث بَيَان النَّجَاسَةِ وَالطَّهَارَةِ، وَإِنَّمَا قَصَدَ بَيَانِ التَّدَاوِي مِنْ ضَرَر الذُّبَابِ، وَكَذَا لَمْ يَقْصِد بِالنَّهِي عَنِ الصَّلَاةِ فِي مَعَاطِنِ الْإِبِل، وَالْإِذْنِ فِي مَرَاحِ الْغَنَم، طَهَارَة، وَلَا نَجَاسَة، وَإِنَّمَا أَشَارَ إِلَى أَنَّ الْخُشُوعِ لَا يُوجَد مَعَ الْإِبِل، دُون الْغَنَمِ. قال الحافظ: وَهُوَ كَلَام صَحِيحٍ، إِلَّا أَنَّهُ لَا يَمْنَعِ أَنْ يُسْتَنْبَطِ مِنْهُ حُكْم آخَرِ، فَإِنَّ الْأَمْر بِغَمْسِهِ، يَتَنَاوَلِ صُوَرًا، مِنْهَا أَنْ يَغْمِسُهُ مُخْتَرِزًا عَنْ مَوْته، كَمَا هُوَ الْمُدَّعَى هُنَا، وَأَنْ لا يَخْتَرِزِ بَلْ يَغْمِسُهُ، سَوَاء مَاتَ، أَوْ لَمْ يَمُثْ، وَيَتَنَاوَل مَا لَوْ كَانَ الطَّعَامِ حَارًّا، فَإِنَّ الْغَالِب أَنَّهُ فِي هَذِهِ الصُّورَة يَمُوت، بِخِلَافِ الطَّعَامِ الْبَارِدِ، فَلَمَّا لَمْ يَقَعِ التَّقْبِيدُ، حُمِلَ عَلَّى = ٧٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْفَرَعِ، وَالْعَتِيرَةِ الْعُمُومِ، لَكِنْ فِيهِ نَظَر؛ لِأَنْهُ مُطْلَقٌ يَصْدُق بِصُورَةٍ، فَإِذَا قَامَ الدَّلِيلِ عَلَى صُورَة مُعَيِّنَة، حُمِلَ عَلَيْهَا . وَاسْتَشْكَلَ ابْنِ دَقِيقِ الْعِيد، إِلْحَاقٍ غَيْرِ الذُّبَابِ بِهِ فِي الْحُكْمِ الْمَذْكُورِ، بِطَرِيقٍ آخَرٍ، فَقَالَ: وَرَدَ النَّصِّ فِي الذُّبَابِ، فَعَدَّوْهُ إِلَى كُلّ مَا لا نَفْس لَهُ سَائِلَة، وَفِيهِ نَظَر؛ لِجَوَازٍ أَنْ تَكُون الْعِلَّة فِي الذُّبَابِ قَاصِرَة، وَهِيَ عُمُومِ الْبَلْوَى، وَهَذِهِ مُسْتَنْبَطَة، أَوْ التَّعْلِيلِ بِ(إنَّ فِي أَحَد جَنَاحَيْهِ دَاء، وَفِي الْآخَرِ شِفَاء))، وَهَذِهِ مَنْصُوصَةٍ، وَهَذَانِ الْمَعْنَيَانِ لَا يُوجَدَانِ فِي غَيْرِهِ، فَيَبْعُد كَوْن الْعِلَّةِ مُجَرَّد كَوْنه لَا دَم لَهُ سَائِل، بَلْ الَّذِي يَظْهَر أَنَّهُ جُزْء عِلَّة، لا عِلَّة كَامِلَة. انْتَھَى. وَقَدْ رَجَّحَ جّاعَةٍ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّ مَا يَعُمّ وُقُوعه فِي الْمَاءِ، كَالذُّبَابٍ، وَالْبَعُوض لَا يُنَجْسِ الْمَاءِ، وَمَا لَا يَعُمّ كَالْعَقَّارِبٍ يُنَجِّس، وَهُوَ قَوِيّ. (ومنها): ما قَالَه الْخَطَّابِيُّ رحمه الله تعالى: تَكَلَّمَ عَلَى هَذَا الْحَدِيث مَنْ لَا خَلَاق لَهُ، فَقَالَ: كَيْف يَجْتَمِعِ الشِّفَاءِ وَالِدَّاء فِي جَنَاحَي الذُّبَابِ؟ وَكَيْف يَعْلَم ذَلِكَ مِنْ نَفْسه، حَتَّى يُقَدْمِ جَنَاحِ الشِّفَاءِ، وَمَا أَلْجَأَهُ إِلَى ذَلِكَ؟ قَالَ: وَهَذَا سُؤَال جَاهِلِ، أَوْ مُتَجَاهِل، فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ الْحَيَوَان، قَدْ جَمَعَ الصِّفَاتِ الْمُتَضَادَّة. وَقَدْ أَلَّفَ اللَّه بَيْنِهَا، وَقَهَرَهَا عَلَى الاجْتِمَاعِ، وَجَعَلَ مِنْهَا قُوَى الْحَيَوَانِ، وَإِنَّ الَّذِي أَلْهَمَ النَّحْلَةِ اتَّخَاذِ الْبَيْتِ الْعَجِيب الصَّنْعَة؛ لِلتَّعْسِيلِ فِيهِ، وَأَلْهَمَ الثَّمْلَة أَنْ تَدَّخِرِ قُوتَهَا أَوَان حَاجَتِهَا، وَأَنْ تَكْسِر الْحَبَّة نِصْفَيْنِ؛ لِئَلَّا تَسْتَنْبِت، لَقَادِرٌ عَلَى إِلْهَام الذُّبَابَةِ أَنْ تُقَدِّم جَنَاحًا، وَتُؤَخِّر آخر. وَقَالَ ابْنِ الْجَوْزِيّ: مَا نُقِلَ عَنْ هَذَا الْقَائِلِ، لَيْسَ بِعَجِيبٍ، فَإِنَّ النَّخْلَة تُعَسِّلٍ مِنْ أَعْلَاهَا، وَتُلْقِي السُّ مِنْ أَسْفَلَهَا، وَالْحَيَّةُ الْقَاتِلُ سُمُّهَا تُدْخَلَ لُحُومُهَا فِي التِّزْيَاقِ الَّذِي يُعَالَجِ بِهِ السُّمّ، وَالذُّبَابَةُ تُسْحَقُ مَعَ الإِثْمِد لِجَلَاءِ الْبَصَر. وَذَكَرَ بَعْض حُذَّاقِ الْأَطِبَّاءِ، أَنَّ فِي الذُّبَابِ قُوَّةً سُمِّيَّةً يَدُلّ عَلَيْهَا الْوَرَمُ، وَالْحَكَّة الْعَارِضَة عَنِ لَسْعِه، وَهِيَ بِمَنْزِلَةِ السِّلَاحِ لَهُ، فَإِذَا سَقَطَ الذُّبَابِ فِيمَا يُؤْذِيهِ، تَلَقَّاهُ بِلَاحِهِ، فَأَمَرَ الشَّارِعُ أَنْ يُقَابِلِ تِلْكَ السُّمِّيَّةَ، بِمَا أَوْدَعَهُ اللَّه تَعَالَى فِي الْجَنَاحِ الْآخَرِ مِنْ الشِّفَاء، فَتَتَقَابَلِ الْمَادَّتَانِ، فَيَزُولِ الضَّرَر بِإِذْنِ اللَّه تَعَالَی. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ومن الملاحدة الذين طعنوا في هذا الحديث، بل تعدّاه إلى الطعن في أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه راويه محمود أبو ريّة في كتاب سمّاه ((أضواء على السنّة المحمّديّة))، وهو أحقّ بأن يُسمّى ((ظلمات على السنّة)) وقد قام برد ضلالاته العلامة الفهامة الدّرّاكة الشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلّميّ في كتابه («الأنوار الكاشفة))، فقال فيه: وقع إليّ كتاب جمعه أبو ريّة، فطالعته، وتدبّرته، فوجدته جمعًا، ٧١ ٤١- (كِتَابُ الصَّيْدِ، وَالذَّبَائِح) وترتيبًا، وتكميلًا للمطاعن في السنة النبويّة، والجواب عن الطعن في هذا الحديث، نلخّصها في الفقرات الآتية: ١- الحديث الذي معنا من الأحاديث التي انتقاها، واختارها الإمام البخاريّ لصحّتها، ووضعها في (صحيحه))، وحسبك بهذا الإمام الجليل، وبكتابه الذي أجمعت الأمة على قبوله، فتلقته بالقبول والرضا، والاعتماد والعمل بما فيه. ٢- حديث الذباب لم ينفرد بروايته أبو هريرة، وإنما رواه أبو سعيد الخدريّ، وأنس ابن مالك، كما جاء ذلك في ((مسند الإمام أحمد)). ٣- من هو الذي يتطاول؟ حتى ينال من طرف صحابيّ من أصحاب رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم حتى يصل إلى أحفظهم لأحاديث رسول الله صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم، وأكثرهم لها نقلًا، الذي دعا له النبيّ صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم بالحفظ، وعدم النسيان، والذي فرّغ نفسه لحفظ الحديث، فلا زراعة تشغله، ولا تجارة تُلهیه، وإنما ليله ونهاره يتابع ما يلفظ به النبيّ صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم من الحكمة، ثم يَسھَر ليله ليحفظها، ويُثبتها في قلبه . ٤- قال الشيخ المعلّميّ رحمه الله تعالى: علماء الطبّ يعترفون بأنهم لم يُحيطوا بكل شيء علمًا، ولا يزالون يكتشفون الشيء بعد الشيء، فبأيّ إيمان ينفي أبو ريّة، وأضرابه أن يكون اللّه تعالى أطلع رسوله صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم على أمر لم يَصِل إليه علم الطبيعة بعدُ، هذا، وخالق الطبيعة، ومدبّرها هو واضع الشريعة . ٥- أثبت الأطباء الحديثون أن في أحد جناحي الذباب داءً، وفي الآخر شفاء، وبهذا - والله- وضح الحقّ، ومن أصدق من الله حديثًا(١) انتهى كلام المعلمي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلتُ، وإليه أنیب)) . ٤١- (كِتَابُ الصَّيْدِ، وَالذَّبَائِحِ) قال في ((المصباح المنير)): صاد الرجلُ الطيرَ يَصِيده صَيْدًا، فالطير مَصِيدٌ، والرجل (١) راجع ((توضيح الأحكام من بلوغ المرام)) للشيخ عبد الله بن عبد الرحمن البسام ١١٧/١ -١١٨. ٧٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصَّيْدِ، وَالذَّبَائِحِ صائدٌ، وصَيّادٌ. قال ابن الأعرابيّ: يقال: يَصَاد، وباتَ يَبَاتُ، وعافَ يَعَافُ، وخالَ الغيثَ يَخَالُهُ، لغةٌ في يَفْعِلُ بالكسر في الكلّ. وسُمّي ما يُصاد صَيْدًا، إمّا فَعْلٌ بمعنى مفعول، وإما تسميةٌ بالمصدر، والجمع صُيُود، واصطاده مثلُ صاده، والمَصِيدة وزانُ كَرِيمة، والْمِصْيَدَة بكسر الميم، وسكون الصاد، والْمِصْيَدُ بحذف الهاء أيضًا آلة الصيد، والجمع مصايد بغير همز. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ومن إطلاق الصيد على الْمَصِيد قول الشاعر [من بحر الكامل] : صَيْدُ الْمُلُوكِ أَرَانِبٌ وَثَعَالِبُ وَإِذَا رَكِبْتُ فَصَيْدِيَ الأَبْطَالُ وفي ((حاشية)) ابن عابدين على ((الدرّ المختار)): الصيد مصدر صاده: إذا أخذه، فهو صائد، وذاك مَصِيدٌ، ويُسمّى المصِيد صيدًا، فيجمع على صُيُود، وهو كلّ ممتنع، متوحّشٍ طبعًا، لا يُمكن أخذه إلا بحيلة. اهـ مغرب. فخرج بـ((الممتنع)) مثل الدجاج والبَطْ، إذ المراد منه أن يكون له قوائم، أو جناحان، يملك عليهما، ويقدر على الفرار من جهتهما. وبـ((المتوحّش)) مثل الْحَمَام، إذ معناه أن لا يألف الناس ليلاً، ونهارًا. وبـ((طبعًا)) ما يتوحّش من الأهليّات، فإنها لا تحلّ بالاصطياد، وتِحِلّ بذكاة الضرورة، ودخل متوحّشٌ يألف، كالظبي، لا يمكن أخذه إلا بحيلة، أي فإنه وإن كان مما يألف بعد الأخذ، إلا أنه صيد قبله، يحلّ بالاصطياد، ودخل فيه ما لا يُؤكل لحمه. انتهى كلام ابن عابدين رحمه اللّه تعالى ببعض اختصار(١). وقال أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: الأصل في جواز الصيد على الجملة الكتاب، والسنّة، وإجماع الأمّة، فأما الكتاب فقوله تعالى: ﴿يَسْتَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَْ قُلْ أُحِلَ لَكُمُ الطَّيِّبَتُّ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِجِ مُكَلِينَ﴾ الآية [المائدة: ٤] أي وصيد ما علّمتم، وقوله تعالى: ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَىْءٍ مِّنَ الصَّيْدِ﴾ الآية [المائدة: ٩٤]، وقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُ مَتَعًا لَّكُمْ وَ لِسَيَّارَةِ﴾ [المائدة: ٩٦]. وأما السنّة فالأحاديث الآتية الصحيحة، وأما الإجماع فإنه قد أجمع أهل العلم على إباحة الاصطياد، والأكل من الصيد. والصيد ذكاة في المتوحّش طبعًا، غير المقدور عليه، المأكول نوعه، والنظر فيه في الصائد، والْمَصِيد، والآلة التي يُصاد بها، ولكلّ منها شروط يأتي بيانها أثناء النظر في الأحاديث الآتية، إن شاء اللّه تعالى. انتهى كلام القرطبيّ ببعض تصرّف(٢). (١) ((ردّ المحتار حاشية درّ المختار)) ٦/ ٤٩٠. (٢) ((المفهم)) ٢٠٤/٥ . ٧٣ ٤١- (كِتَابُ الصَّيْدِ، وَالذَّبَائِح) وقال النوويّ رحمه الله تعالى: الأحاديث المذكورة في هذا الكتاب في الاصطياد كلّها فيها إباحة الاصطياد، وقد أجمع المسلمون عليه، وتظاهرت عليه دلائل الكتاب، والسنّة، والإجماع. قال القاضي عياض: هو مباح لمن اصطاد للاكتساب، والحاجة، والانتفاع به بالأكل، وثمنه. قال: واختلفوا فيمن اصطاد للّهو، ولكن قصد تذكيته، والانتفاع به، فكرهه مالكٌ، وأجازه الليث، وابن عبد الحكم. قال: فإن فعله بغير نيّة التذكية، فهو حرام؛ لأنه فساد في الأرض، وإتلاف نفس عَبَثًا. انتهى(١). وأما ((الذبح)) -بفتح، فسكون- فهو قطع الحلقوم من باطنِ عند النَّصِيل، وهو موضع الذبح من الحلق، والذّبْحُ مصدر ذبحتُ الشاةَ، يقال ذَبَخَه يَذْبَحُهُ ذَبْحًا، فهو مذبوحٌ، وذَبِيحٌ، من قوم ذَّبْحَى، وذَبَاحَى، وكذلك التيس، والكبش من كِبَاش ذَبْحَى، وذَبَحَى. والذّبِيحَةُ: الشاة المذبوحة، وشاةٌ ذَبِيحة، وذَبيحٌ، من نِعَاجِ ذَبْحَى، وذِبَاحَى، وذَبَائح، وكذلك الناقة، قال الأزهريّ: الذَّبِيحة: اسم لما يُذبَح من الحيوان، وأُنّث لأنه ذُهب به مذهب الأسماء، لا مذهب النعت، فإن قلت: شاة ذبيح، أو كبش ذبيح، أو نعجة ذبيحٌ لم تدخل فيه الهاء؛ لأن فعيلًا إذا كان نعتًا في معنى مفعول يُذكّر، يقال: امرأةٌ قتيلٌ، وكَفَّ خَضِيبٌ. وقال: أيضًا: الذبيح: المذبوح، والأنثى ذبيحة، وإنَّما جاءت بالهاء لغلبة الاسم عليها. والذّبح - بكسر، فسكون -: اسم ما أُعدّ للذبح، وهو بمنزلة الذبيح، والمذبوح، كالطّخن بمعنى المطحون، والْقِطْف بمعنى المقطوف، قال الله تعالى: ﴿وَقَدَيْنَهُ بِذِيْجِ عَظِيمٍ﴾ [الصفّات: ١٠٧] ، أي بكبش يُذبح، وهو الكبش الذي فُدي به إسماعيل بن إبراهيم صلى الله عليهما، وعلى نبيّنا وسلم. والذَّبْحُ أيضًا الشّقِّ، وكلُّ ما شُقّ، فقد ذُبح، قال منظور بن مرثد الأسديّ [من مشطور الرجز] : يَا حَبَّذَا جَارِيَةٌ مِنْ عَكِّ تُعَقَّدُ الْمِزْطَ عَلَى مِدَكٌ شِبْهِ كَثِيبِ الرَّمْلِ غِيرٍ رَكْ كَأَنَّ بَيْنَ فَكُهَا وَالْفَكُ فَأْرَةُ مِسْكِ ذُبِحَتْ فِي سُكِّ أي فُتقت. ذكر هذا كلّه في ((لسان العرب))(٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب (١) ((شرح مسلم)) ١٣ / ٧٥. (٢) ((لسان العرب)) ٤٣٦/٢-٤٣٨ . ٧٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصَّيْدِ، وَالذَّبَائِحِ ١- (الأَمْرُ بِالتَّسْمِيَةِ عِنْدَ الصَّيْدِ) ٤٢٦٥- (أَخْبَرَنَا الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ النَّسَائِيُّ، بِمِصْرَ قِرَاءَةً عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ، عَن سُوَيْدٍ بْنِ نَصْرِ، قَالَ: أَنْبَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَن عَاصِمٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ عَدِيُ بْنِ حَاتِمِ، أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ بَّهِ عَنِ الصَّيْدِ؟، فَقَالَ: ((إِذَا أَزَّسَلْتَ كَلْبَكَ، فَاذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ، فَإِنْ أَدْرَكْتَهُ لَمْ يَقْتُلْ، فَاذْبَحْ، وَاذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَدْرَكْتَهُ قَدْ قَتَلَ، وَلَمْ يَأْكُلْ فَكُلْ، فَقَدْ أَمْسَكَهُ عَلَيْكَ، فَإِنْ وَجَدْتَهُ قَدْ أَكَلَ مِنْهُ، فَلَا تَطْعَمْ مِنْهُ شَيْئًا، فَإِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ، وَإِنْ خَالَطَ كَلْبُكَ كِلَابَا، فَقَتَلْنَ، فَلَمْ يَأْكُلْنَ، فَلَا تَأْكُلْ مِنْهُ شَيْئًا، فَإِنَّكَ لَا تَذْرِي أَّهَا قَتَلَ))). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١- (سُويد بن نصر) أبو الفضل المروزيّ، المعروف بالشاه، راوية ابن المبارك، ثقة [١٠] ٤٥ /٥٥ . ٢- (و((عبد الله بن المبارك) الإمام أبو عبد الرحمن المروزيّ الحافظ الفقيه الحجة المشهور [٨] ٣٦/٣٢. ٣- (عاصم) بن سُليمان الأحول، أبو عبد الرحمن البصريّ، ثقة [٤] ٢٣٩/١٤٨. ٤- (الشعبيّ) عامر بن شَرَاحيل الهمدانيّ الكوفيّ الإمام الجليل الفقيه المشهور [٣] ٨٢/٦٦ ٠ ٥- ((عَدِيُّ بْنُ حَاتِم) بن عبد الله بن سعد بن الْحَشْرَج الطائيّ، أبي طَرِيف، الصحابيّ الشهير، وأبوه حاتم هو المشهور بالجود، وكان هو أيضًا جوادًا، وكان إسلامه سنة الفتح، وثبت هو وقومه على الإسلام في الرّة، وشهد الفتوح بالعراق، ثم كان مع عليّ رضي الله تعالى عنه في حروبه، ومات رضي اللّه تعالى عنه بالكوفة سنة (٦٨)، وهو ابن مائة وعشرين سنة، وقيل: وثمانين سنة. تقدّم في ٢١٦٩/٢٩ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : منها: أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. ومنها: أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرد به هو، والترمذيّ. (ومنها): أن شيخه وشيخ شيخه مروزيان، وعاصمًا بصريّ، والباقيان كوفيان. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ. والله تعالى أعلم. = ٧٥ ١- (الأمَّرُ بِالتَّسْمِيَّةِ عِنْدَ الصَّيْدِ) - حديث رقم ٤٢٦٥ [تنبيه]: قوله: ((أخبرنا الإمام أبو عبد الرحمن الخ)): هذا ملحق من بعض الرواة عن المصنّف رحمه الله تعالى، والظاهر أنه الحافظ أبو بكر أحمد بن محمد بن إسحاق بن السنّي (ت٣٦٤هـ) رحمه الله تعالى، لأنه الذي اشتهر برواية (السنن الصغرى)) عنه. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَن عَدِيٌّ بْنِ حَاتِم) رضي اللَّه تعالى عنه، وسيأتي في -٧/ ٤٢٧٢ - من طريق سعيد ابن مسروق، عن الشّعبيّ، عن عديّ بن حاتم، وكان لنا جارًا، ودَخِيلًا، ورَبيطًا بالنهرين ... )) الحديث. وفي ٢٢/ ٤٣٠٨- من طريق عبد الله بن أبي السفر، عن الشعبيّ، قال: سمعت عديّ بن حاتم ... )) الحديث. (أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ بَّهِ عَنِ الصَّيْدِ؟) أي عن حكم الصيد، وسيأتي نصّ سؤاله قريبًا أنه قال: قلت: يا رسول اللّه، أُرسِلُ كلابي المعلّمة، فيُمسكن عليّ، أفآكل؟»، وله صيغ أخرى في السؤال ستأتي، إن شاء اللَّه تعالى (فَقَالَ) صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم (إِذَا أَرْسَلْتَ) أي أردت إرسال (كَلْيكَ) أي المعلّم، لما في الرواية الآتية: ((إذا أرسلت كلبك المعلّم ... )). وَالْمُرَاد بِالْمُعَلَّمَ هو الَّذِي إِذَا أَغْرَاهُ صَاحِبِهُ عَلَى الصَّيْد طَلَبه، وَإِذَا زَجَرَه انْزَجَرَ، وَإِذَا أَخَذَ الصَّيْدَ حَبَسَهُ عَلَى صَاحِبِهِ، وَهَذَا الثَّالِث مُخْتَلَفْ فِي اشْتِرَاطه، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة السابعة، إن شاء الله تعالى. (فَاذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ، فَإِنْ أَدْرَكْتَهُ) أي الكلب، أو الصيد (لَمْ يَقْتُل) بالبناء للفاعل : أي إن أدركت الكلب لم يقتل الصيد، أو أدركت الصيد لم يقتله الكلبُ، والجملة في محل نصب على الحال (فَاذْبَخ) أي الصيد، أي إن أردت أكله، فاذبحه وجوبًا (وَاذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ) أي لا تكتف بالتسمية السابقة عند إرسال الكلب (وَإِنْ أَدْرَكْتَهُ قَدْ قَتَلَ) بالبناء للفاعل، والضمير للكلب، ويحتمل أن يكون بالبناء للمفعول، والضمير للصيد (وَلَمْ يَأْكُلْ) أي لم يأكل الكلب من ذلك الصيد الذي قتله (فَكُلْ، فَقَدْ أَمْسَكَهُ) الفاء للتعليل، لأنه أمسكه (عَلَيْكَ) أي لأجلك، و(على)) بمعنى اللام (فَإِنْ وَجَدْتَهُ قَدْ أَكَلَ مِنْهُ، فَلَا تَطْعَمْ) بفتح العين المهملة، من باب تَعِب طَعْمًا - بفتح، فسكون -: أي لا تأكل (مِنْهُ شَيْئًا) وبهذا أخذ الجمهور، خلافًا لمالك، وسيأتي تحقيق الخلاف، إن شاء الله تعالى (فَإِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ) هذه الجملة تعليل للنهي عن الأكل، أي إنما أمسك الصيد لأجل نفسه، لا لك، وشرط الحلّ أن يُمسك عليك. قال النوويّ رحمه الله تعالى: معناه: أن اللَّه تعالى قال: ﴿فَكُلُواْ مِمَّ أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ الآية [المائدة: ٤]، فإنما أباحه بشرط أن نعلم أنه أمسك علينا، وإذا أكل منه لم نعلم أنه أمسك لنا، أم لنفسه، ٧٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصَّيْدِ، وَالذَّبَائِح فلم يوجد شرط إباحته، والأصل تحريمه انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: لم نعلم أنه أمسك لنا، أم لنفسه الخ، فيه نظر، فإنه صلّى الله تعالى عليه وسلم نصّ على أنه أمسك لنفسه، فكيف يقال: ((لم نعلم أنه أمسك الخ))؟، فتنبّه. والله تعالى أعلم. (وَإِنْ خَالَطَ كَلْبُكَ كِلَابَا، فَقَتَلْنَ، فَلَمْ يَأْكُلْنَ، فَلَا تَأْكُلْ مِنْهُ شَيْئًا، فَإِنَّكَ) الفاء للتعليل أيضًا (لَا تَذْرِي أَّهَا قَتَلَ) أي أيُّ تلك الكلاب قتل ذلك الصيد، فيحتمل أنه قتله كلب آخر غير كلبك، فحينئذ لا يحلّ؛ لعدم التسمية عند إرساله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته : حديث عديّ بن حاتم رضي الله تعالى عنه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا- ٤٢٦٥/١ و٤٢٦٦/٢ و٤٢٦٧/٣ و٤٢٦٨/٤ و٤٢٦٩/٥ و٤٢٧٠/٦ و٤٢٧١/٧ و٤٢٧٢ و٤٢٧٣ و٤٢٧٤ و٤٢٧٥ و٤٢٧٦/٨ و٤٢٧٧ و ١٨/ ٤٣٠٠ و٤٣٠١ و٤٣٠٢/١٩ و٤٣٠٣ و٤٣٠٦ و٤٣٠٧/٢١ و٤٣٠٨/٢٢ و٤٣٠٩/٢٣ و٤٣١٠- وفي ((الكبرى)) ٤٧٧٤/١ و٤٧٧٥/٢ و٤٧٧٦/٣ و٤ /٤٧٧٧ و٤٧٧٨/٥ و٦ /٤٧٧٩ و٧/ ٤٧٨٠ ٤٧٨٥/٨٠ و٤٧٨٦ و٤٨١٠/٢٠ و٤٨١١ ٤٨١٢/٢١ و ٤٨١٣ و٤٨١٤ و٤٨١٦/٢٢ و٤٨١٧/٢٣ ٤٨١٨/٢٤ و٤٨١٩/٢٥ و٤٨٢٠ . وأخرجه (خ) في ((الوضوء)) ١٧٥ و((البيوع)) ٢٠٥٤ و((الذبائح والصيد)) ٥٤٧٥ و٥٤٧٦ و٥٤٧٧ و٥٤٨٣ و٥٤٨٥ و٥٤٨٦ و٥٤٨٧ و((التوحيد)» ٧٣٩٧ (م) في ((الصيد والذبائح)) ٣٥٦٠ و٣٥٦١ و٣٥٦٢ و٣٥٦٣ و٣٥٦٤ و٣٥٦٥ و٣٥٦٦ (د) في ((الضحايا)) ٢٨٢٤ و٢٨٤٧ و٢٨٤٨ و٢٨٤٩ و٢٨٥٠ و٢٨٥١ و٢٨٥٢ و٢٨٥٣ و٢٨٥٤ و(ت) في ((الصيد)) ١٤٦٥ و١٤٦٩ و١٤٧٠ و١٤٧١ و(ق) في ((الذبائح)) ٣١٧٧ و((الصيد)) ٣٢٠٨ و٣٢١٢ و٣٢١٣ و٣٢١٤ و٣٢١٥ (أحمد) في ((أول مسند الكوفيين)) ١٧٧٨١ و١٧٧٩٤ و١٧٧٩٨ و١٧٧٩٣ و١٨٩٠١ و٩٠٠٢ . والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان وجوب التسمية عند إرسال الكلب إلى الصيد؛ لأمره صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم بذلك. (ومنها): جواز = ٧٧ ١- (الأمْرُ بِالتَّسْمِيَةِ عِنْدَ الصَّيْدِ) - حديث رقم ٤٢٦٥ الاصطياد، وأنه من الأمور المباحة، وليس من اللَّهو واللعب. (ومنها): جواز اقتناء الكلب للصيد. (ومنها): جواز ما قتله الكلب من الصيد، إن لم يُدرك حيّا. (ومنها): وجوب ذبح الصيد الذي أمسكه الكلب، إذا وجد حيّا، فلو مات بعد أن تمكّن صاحبه من ذبحه، وتركه لم يحلّ. (ومنها): وجوب التسمية عند ذبحه، فلا تجزىء التسمية السابقة عند الإرسال، وسيأتي مزيد بسط لذلك قريبًا، إن شاء اللّه تعالى. (ومنها): اشتراط كون الكلب معلّمًا، فلو سمّى على كلب غير معلّم، فقتل الصيد لم يحلّ. (ومنها): إِيَاحَة الاصْطِيَاد بِالْكِلَابِ الْمُعَلَّمَة، وَاسْتَثْنَى أَحْمَد، وَإِسْحَاق الْكَلْب الْأَسْوَد، وَقَالَا: لَا يَحِلّ الصَّيد بِهِ؛ لِأَنَّةُ شَيْطَان، وَنَقَّلَ عَنِ الْحَسَنِ، وَإِبْرَاهِيم، وَقَتَادَة نَحْوِ ذَلِكَ. (ومنها): أن فيه فضل العلم، وأن للعالم من الفضيلة ما ليس للجاهل؛ لأن الكلب إذا عُلّم يكون له فضيلة، على سائر الكلاب، فالإنسان إذا كان له علم أولى أن يكون له فضل على سائر الناس، لا سيّما إذا عمِل بما علِمَ، وهذا كما رُوي عن عليّ بن أبي طالب رضي اللّه تعالى عنه أنه قال: لكلّ شيء قيمةٌ، وقيمة المرء ما يُحسنه. ذكره القرطبيّ في ((تفسيره))(١). (ومنها): جَوَاز أَكْلِ مَا أَمْسَكَهُ الْكَلْبِ، بِالشُّرُوطِ الْمُتَقَدْمَة، وَلَوْ لَمْ يُذْبَحِ؛ لِقَوْلِهِ: ((إِنَّ أَخْذ الْكَلْبِ ذَكَاةً))،َ فَلَوْ قَتَلَ الصَّيْدِ بِظُفْرِهِ، أَوْ نَابَهُ حَلَّ، وَكَذَا بِثِقَلِهِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ لِلشَّافِعِيِّ، وَهُوَ الرَّاجِحِ عِنْدهمْ، وَكَذَا لَوْ لَّمْ يَقْتُلُهُ الْكَلْبِ، لَكِنْ تَرَكَهُ، وَبِهِ رَمَقٌ، وَلَمْ يَبْقَ زَمَن يُمْكِن صَاحِبِهِ فِيهِ لَحَاقُهُ، وَذَبْحُهُ، فَمَاتَ حَلَّ؛ لِعُمُومٍ قَوْله: ((فَإِنَّ أَخْذَ الْكَلْب ذَكَاة))، وَهَذَا فِي الْمُعَلَّم، فَلَوْ وَجَدَهُ حَيَّا حَيَاة مُسْتَقِرَّة، وَأَذَرَكَ ذَكَاته، لَمْ يَحِلّ إِلَّا بِالتَّذْكِيَةِ، فَلَوْ لَمْ يَذْبَحُهُ مَعَ الْإِمْكَان حَرُمَ، سَوَاء كَانَ عَدَمِ الذَّبْحِ اخْتِيَارًا، أَوْ اضطِرَارًا، كَعَدَم حُضُور آلَةِ الذَّبْحِ. فَإِنْ كَانَ الْكَلْبِ غَيْرِ مُعَلَّم، اشْتَرَطَ إِذْرَاك تَذْكِيَتِه، فَلَوْ أَدْرَكَهُ مَيِّتًا لَمْ يَحِلّ. (ومنها): أن شرط حل ما قتله الكلب أن لا يشاركه في القتل كلبٌ آخر، فلو شاركه لم يحلّ؛ لاختلاط المبيح والمحرّم، فِغُلّب المحرّم. قال في (الفتح)): وَمَحَلّه مَا إِذَا اسْتَرْسَلَ بِنَفْسِهِ، أَوْ أَرْسَلَهُ مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الذَّكَاةِ، فَإِنْ تَحَقَّقَ أَنَّهُ أَرْسَلَهُ مَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الذَّكَاةِ حَلَّ، ثُمَّ يُنْظَرِ، فَإِنْ أَرْسَلَاهُمَا مَعًا، فَهُوَ لَهُمَا، وَإِلَّا فَلِلْأَوَّلِ، وَيُؤْخَذ ذَلِكَ مِنْ التَّعْلِيلِ فِي قَوْله: ((فَإِنَّمَا سَمَّيْت عَلَى كَلْبك، وَلَمْ تُسَمِّ عَلَى غَيْرِهِ))، فَإِنَةً يَفْهَم مِنْهُ أَنَّ الْمُرْسِلِ، لَوْ سَمَّى عَلَى الْكَلْبِ لَحَلَّ. ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَة بَيَان، عَنِ الشَّغْبِيّ: ((وَإِنْ (١) ((الجامع لأحكام القرآن)» ٧٤/٦. تفسير سورة المائدة. ٧٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصَّيْدِ، وَالذَّبَائِحِ خَالَطَهَا كِلَابٍ مِنْ غَيْرِهَا، فَلَا تَأْكُل))، فَيُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ وَجَدَهُ حَيَّ، وَفِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّة، فَذَكَّاهُ حَلَّ؛ لأَنَّ الاعْتِمَاد فِي الْإِبَاحَة عَلَى الَّذْكِيَةِ، لَا عَلَى إِمْسَاكِ الْكَلْب. قاله في ((الفتح))(١). (ومنها): أن شرط الحلّ أيضًا أن لا يأكل الكلب من الصيد الذي قتله، وإلا فلا يحلّ؛ لأنه صاده لنفسه، لا لصاحبه. وسيأتي مزيد بسط في ذلك قريبًا، إن شاء الله تعالى . (ومنها): إِبَاحَة الاصْطِيَاد لِلانْتِفَاعِ بِالصَّيْدِ، لِلْأَكْلِ وَالْبَيْعِ، وَكَذَا اللَّهْوِ، بِشَرْطِ قَصْد الَّذْكِيَة، وَالانْتِفَاعِ، وَكَرِهَهُ مَالِك، وَخَالَفَهُ الْجُمْهُورَ. قَالَ اللَّيْث: لَا أَعْلَمْ حَقًّا أَشْبَه بِبَاطِلٍ مِنْهُ، فَلَوْ لَمْ يَقْصِد الاِنْتِفَاعِ بِهِ حَرُمَ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ، بِثْلَافِ نَفْسٍ عَبَثًا، قال الحافظ: وَيَنْقَدِحُ أَنْ يُقَالَ: يُبَاحِ، فَإِنْ لَازَمَهُ وَأَكْثَر مِنْهُ كُرِهَ؛ لِأَنَّةً قَدْ يَشْغَلَهُ عَن بَعْض الْوَاجِبَات، وَكَثِيرٍ مِنْ الْمَنْدُوبَات. وَأَخْرَجَ التِّزْمِذِيّ مِنْ حَدِيث ابْنِ عَبَّاس، رَفَعَهُ: (مَنْ سَكَنَ الْبَادِيَةِ جَفَا، وَمَنْ اتَّبَعَ الصَّيْدِ غَفَلَ))، وَلَهُ شَاهِدٍ عَن أَبِي هُرَيْرَة، عِنْد التِّزْمِذِيّ أَيْضًا، وَآخَر عِنْد الدَّارَقُطْنِيُّ، فِي ((الْأَفْرَاد)) مِنْ حَدِيث الْبَرَاءِ بْن عَازِب، وَقَالَ: تَفَرَّدَ بِهِ شَرِيك. (ومنها): جَوَاز اقْتِنَاء الْكَلْبِ الْمُعَلَّم لِلصَّيْدِ. وَسَيَأْتِي الْبَحْثِ فِيهِ فِي شرح حَدِيث: ((مَنْ اقْتَنَى كَلْبًا))، إن شاء الله تعالى. (ومنها): أنه اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَاز بَيْعِ كَلْب الصَّيْد؛ لِلْإِضَافَةِ فِي قَوْله: (كَلْبك))، وَأَجَابَ مَنْ مَنَعَ بِأَنَّا إِضَافَة اخْتِصَاص، وسيأتي تمام البحث فيه في محلّه، إن شاء الله تعالى. (ومنها): أنه اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى طَهَارَة سُؤْر كَلْب الصَّيْد، دُونِ غَيْرِهِ مِنْ الْكِلَاب؛ لِلْإِذْنِ فِي الْأَكْلِ مِنْ الْمَوْضِعِ الَّذِي أَكَلَ مِنْهُ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْغَسْلِ، وَلَوْ كَانَ وَاجِبًا لَبَيَّنَهُ؛ لِأَنَّةَ وَقْتِ الْحَاجَةِ إِلَى الْبَيَانِ. وَقَالَ بَعْض الْعُلَمَاءِ: يُعْفَى عَنِ مَعَضَ الْكَلْبِ، وَلَوْ كَانَ نَجَسًا؛ لِهَذَا الْحَدِيث. وَأَجَابَ مَنْ قَالَ بِنَجَاسَتِهِ، بِأَنَّ وُجُوبِ الْغَسْلِ كَانَ قَدْ اِشْتَهَرَ عِنْدِهِمْ، وَعُلِمَ، فَاسْتَغْنَى عَن ذِكْرِهِ. وَفِيهِ نَظَرٌ، وَقَدْ يَتَقَوَّى الْقَوْل بِالْعَفْوِ؛ لِأَنَّةَّ بِشِدَّةِ الْجَزِي يَجِفُّ رِيقه، فَيُؤْمَنُ مَعَهُ مَا يُخْشَى مِنْ إِصَابَة لُعَابِه مَوْضِعِ الْعَضّ. قاله في ((الفتح)). (ومنها): أنه اسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ: (كُلْ مَا أَمْسَكَ عَلَيْك)) بِأَنَّهُ لَوْ أَرْسَلَ كَلْبِه عَلَى صَيْد، فَاصْطَادَ غَيْرِهِ حَلَّ؛ لِلْعُمُومِ الَّذِي فِي قَوْله: ((مَا أَمْسَكَ))، وَهَذَا قَوْل الْجُمْهُورِ، وَقَالَ مَالِك: لا يَحِلُّ، وَهُوَ رِوَايَّةِ الْبُوَيْطِيّ، عَن الشَّافِعِيّ. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: القول الأول أرجح؛ لظهور دليله. والله تعالى أعلم (١) ((فتح)) ٢٢/١١-٢٣. ٧٩ ١ - (الأمْرُ بِالتَّسْمِيَةِ عِنْدَ الصَّيْدِ) - حديث رقم ٤٢٦٥ بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في اشتراط إرسال الكلب: قال العلامة ابن قدامة رحمه الله تعالى: ما حاصله: يُشتَرط أن يُرسل الجارحة على الصيد، فإن استرسلت بنفسها، فقتلت لم يُبَح، وبهذا قال ربيعة، ومالكٌ، والشافعيّ، وأحمد، وأبو ثور، وأصحاب الرأي. وقال عطاءٌ، والأوزاعيّ: يؤكل صيده إذا أخرجه للصيد. وقال إسحاق: إذا سمّى عند انفلاته أُبيح صيده. وروَى بإسناده عن ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما أنه سُئل عن الكلاب، تَنفَلِتُ من مَرَابضها، فتصيد الصيد؟ قال: اذكر اسم اللّه، وكل. قال إسحاق: فهذا الذي أختار إن لم يتعمّد هو إرساله من غير ذكر اسم اللّه عليه. قال الخلال: هذا على معنى قول أبي عبد الله. واحتجّ الأولون بقول النبيّ صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم: ((إذا أرسلت كلبك، وسمّيتَ، فكل))، ولأن إرسال الجارحة جُعل بمنزلة الذبح، ولهذا اعتُبرت التسمية معه. وإن استرسل بنفسه، فسمّى صاحبه، وزجره، فزاد في عدوه أَبيح صيده؛ وهذا قول أحمد، وأبي حنيفة؛ لأن زجره أثّر في عدوه، فصار كما لو أرسله، وذلك لأن فعل الإنسان متى انضاف إلى فعل غيره، فالاعتبار بفعل الإنسان، بدليل ما لو صال الكلب على إنسان، فأغراه إنسان، فالضمان على من أغراه. وقال الشافعيّ: لا يُباح، وعن مالك كالمذهبين. وإن أرسله بغير تسمية، ثم سمّى وزجره، فزاد عدوه، فظاهر كلام أحمد أنه يُباح؛ لأنه انزجر بتسميته وزجره، فأشبه التي قبلها. وقال القاضي: لا يُباح صيده؛ لأن الحكم يُعلّق بالإرسال الأول، بخلاف ما إذا استرسل بنفسه، فإنه لا يتعلّق به حظر، ولا إباحة. انتهى كلام ابن قدامة بتصرّف(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. (المسألة الخامسة): في أقوال أهل العلم في اشتراط كون الكلب وغيره معلمًا: قال أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: تعليم الكلب وغيره مما يُصاد به هو تأديبه على الصيد، بحيث يأتمر إذا أُمر، وينزجر إذا زُجر، ولا يُختلف في هذين الشرطين في الكلاب، وما في معناها من سباع الوحوش، واختلف فيما يُصاد به من الطير، فالمشهور أن ذلك مشترط فيها. وذكر ابن حبيب أنه لا يُشترط أن تنزجر إذا زُجرت، فإنه لا يتأتّى ذلك فيها غالبًا، فيكفي أنه إذا أمرت أطاعت. قال: والوجود يشهد للجمهور، بل الذي لا ينزجر نادرٌ فيها، وقد شرَط الشافعيّ، وجمهور من العلماء في (١) («المغني)) ٢٦١/١٣-٢٦٢. شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصَّيْدِ، وَالذَّبَائِحِ ٨٠ === التعليم أن يُمسك على صاحبه، ولا يأكل منه شيئًا، ولم يشترطه مالكٌ في المشهور (١) عنه. انتهى(١). وقال في ((الفتح)): ما حاصله: اخْتُلِفَ مَتَّى يُعْلَمُ تَعَلُّم الكلاب، فَقَالَ الْبَغَوِيُّ فِي ((التَّهْذِيب)): أَقَلْه ثَلَاث مَرَّات، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَة، وَأَحْمَذْ يَكْفِي مَرَّتَيْنِ، وَقَالَ الرَّافِعِيّ: لَمْ يُقَدِّرهُ الْمُعْظَم لاضْطِرَابِ الْعُرْفِ، وَاخْتِلَاف طِبَاعِ الْجَوَارِحِ، فَصَارَ الْمَرْجِعِ إِلَى الْعُرْف. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ مُجَالِد عَنِ الشَّعْبِيّ، عَنِ عَدِيّ فِي هَذَا الْحَدِيث، عِنْد أَبِي دَاوُدَ، وَالتّزْمِذِيّ، أَمَّ التِّرْمِذِيّ، فَلَفْظه: ((سَأَلْتَ رَسُول اللَّهِ وَ عَنْ صَيْدِ الْبَازِي، فَقَالَ: مَا أَمْسَكَ عَلَيْك فَكُلْ))، وَأَمَّا أَبُو دَاوُدَ، فَلَفْظه: ((مَا عَلَّمْتَ مِنْ كَلْب، أَوْ بَازٍ، ثُمَّ أَرْسَلْتِه، وَذَكَرْتِ اسْمِ اللَّه، فَكُلْ مَا أَمْسَكَ عَلَيْك))، قُلْت: وَإِنْ قَتَلَ؟، قَالَ: ((إِذَا قَتَلَ، وَلَمْ يَأْكُل مِنْهُ)). قَالَ التِّزْمِذِيّ: وَالْعَمَلِ عَلَى هَذَا عِنْد أَهْلِ الْعِلْم، لا يَرَوْنَ بِصَيْدِ الْبَازِ، وَالصُّقُور بأْسًا. انتهى . وقال ابن قدامة رحمه اللّه تعالى: ما حاصله: لا خلاف في اعتبار كون الجارح معلّمًا؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِجِ مُكَلِينَ تُعَلُِّونَهُنَّ مِمَا عَلََّكُمُ الَّهُ فَكُلُواْ مَِّ أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ الآية [المائدة: ٤]، ولحديث عدي بن حاتم، وأبي ثعلبة الخشنيّ رضي اللَّه تعالى عنهما: ((إذا أرسلت كلبك المعلّم ... )) الحديث. قال: ويُعتبر في تعليمه ثلاثة شروط، إذا أرسله استرسل، وإذا زجره انزجر، وإذا أمسك لم يأكل، ويتكرّر هذا منه مرّةً أخرى، حتى يصير معلّمًا في حكم العرف، وأقلّ ذلك ثلاث. قاله القاضي. وهو قول أبي يوسف، ومحمد، ولم يُقدّر أصحاب الشافعيّ عدد المرّات؛ لأن التقدير بالتوقيف، ولا توقيف في هذا، بل قدره بما يصير به في العرف معلّمًا. وحُكي عن أبي حنيفة أنه إذا تكرّر مرّتين، صار معلّمًا؛ لأن التكرار يحصل بمرّتين. وقال الشريف أبو جعفر، وأبو الخطّاب: يحصل ذلك بمرّة، ولا يُعتبر التكرار؛ لأنه تعلّم صنعة، فلا يُعتبر فيه التكرار، كسائر الصنائع. وحجة القول الأول أن تركه للأكل يحتمل أن يكون لشِبَع، ويحتمل أنه تعلّم، فلا يتميّز ذلك إلا بالتكرار، وما اعتُبر فيه التكرار اعتُبر ثلاثًا، كالمسح في الاستجمار، وعدد الأقراء، والغسلات في الوضوء، ونحوها، ويفارق الصنائع، فإنها لا يتمكّن من فعلها إلا من تعلّمها، فإذا فعلها عُلم أنه قد تعلّمها، وعرفها، وتركُ الأكلِ ممكن الوجود من المتعلّم وغيره، ويوجد من الصنفين جميعًا، فلا يتميّز به أحدهما من الآخر (١) ((المفهم)) ٢٠٥/٥.