Indexed OCR Text

Pages 21-40

٢١
٤- (جُلُودُ الْمَيْتَةِ)- حديث رقم ٤٤٢٠
غيره. وقال في (تهذيب التهذيب)): أخرج له النسائيّ مقرونًا. انتهى.
[تنبيه]: قوله: ((أخرج له النسائيّ مقرونا))، فيه نظر؛ لأنه لم يقرنه بغيره، بل أخرج
له بانفراده، فكان الأولى التعبير بقوله: أخرج له متابعةً؛ إذ هو متابعٌ لمالك، فتنبّه.
والله تعالى أعلم.
وقوله: ((لو نزعوا الخ)) جواب ((لو (( محذوف: أي لكان خيرا لهم، أو هي للتمنّي،
فلا تحتاج إلى جواب.
والحديث صحيحٌ، وقد سبق البحث عنه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٢٣٩- (أَخَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدِ الْقَطَّانُ الرَّقْيُ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، قَالَ: قَالَ
اِبْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَّاءٌ مُنْذُ (١) حِينٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ،
أَخْبَرَتْنِي مِّيْمُونَةُ، أَنَّ شَاةً مَاتَتْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َِّ: ((أَلَّ دَبَغْتُمْ إِهَابَهَا، فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ؟))).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح غير شيخه، فقد
تفرّد به هو وأبو داود، وهو صدوق [١١] ٧٥٣/٧. و((حجّاج)): هو ابن محمد
الأعور الْمِصْيصيّ. و((عطاء)): هو ابن أبي رباح.
وقوله: ((منذ حين)) وفي نسخة: «مُذْ حين)). وقوله: ((ألّا دبغتم إهابها)) هكذا في
الهنديّة، وفي ((الكبرى)): ((ألا أخذتم إهابها))، ووقع في النسخة المطبوعة ((ألا دفعتم
إهابها))، قال السنديّ: هكذا في نسختنا من الدفع بالفاء، والعين المهملة: أي
أخذتموه، وبعّدتموه من اللحم بالنزع عنه، والأقرب ((دبغتم)) بالباء، والغين المعجمة.
انتھی .
والحديث أخرجه مسلم، وقد تقدّم تمام البحث عنه قريبًا. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٢٤٠- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَن سُفْيَانَ، عَنِ عَمْرٍو، عَنِ عَطَاءٍ، قَالَ:
سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، قَالَ: مَرَّ النَِّيِّ نَّه بِشَاةٍ لِمَيْمُونَةَ مَيْتَةٍ، فَقَالُ: ((أَلَّا أَخَذْتُمْ إِهَابِهَا،
فَدَبَغْتُمْ، فَانْتَفَعْتُمْ))).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه،
محمد بن منصور الْخُزَاعِيّ الْجَوّاز المكيّ، فإنه من أفراده، وهو ثقة. و((سفيان)): هو
ابن عيينة. و((عمرو)): هو ابن دينار. و((عطاء)): هو ابن أبي رباح.
(١) وفي نسخة: ((مُذْ)).

٢٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْفَرَعِ، وَالْعَتِيرَةِ
والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم البحث عنه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٢٤١ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ، عَن جَرِيرٍ، عَن مُغِيرَةَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: قَالَ ابْنُ
عَبَّاسٍ: مَرَّ النَّبِيُّ بِّهِ، عَلَى شَاةٍ مَيْتَةٍ، فَقَالَ: ((أَلَّ انْتَفَعْتُمْ بِإِهَابِها))).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه،
فقد تفرّد به هو، وأبو داود، وهو مصّيصيّ ثقة [١٠]. و((جرير)): هو ابن عبد
الحميد. و((مُغيرة)) -بضم الميم، وتكسر -: هو ابن مِقْسَم. و((الشعبيّ)): هو عامر بن
شراحیل .
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مرّ البحث عنه مستوفّى. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٢٤٢- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي رِزْمَةَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى،
عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَن سَوْدَةً، زَوْجِ
النَّبِيِّ بَِّ، قَالَتْ: مَاتَتْ شَاةٌ لَنَا، فَدَبَغْنَا مَسْكَهَا، فَمَا زِلْنَا نَنْبِذُ فِيهَا حَتَّى صَارَتْ شَنَّا»).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١- (محمد بن عبد العزيز بن أبي رزمة) -بكسر الراء، وسكون الزاي- أبو عمرو
المروزيّ ثقة [١٠] ٤٧ /٦٠٢ .
٢- (الفضل بن موسى) السينانيّ المروزيّ ثقة ثبت ربما أغرب، من كبار [٩] ١٨٣
١٠٠ .
٣- (إسماعيل بن أبي خالد) البجليّ الأحمسيّ الكوفيّ ثقة ثبت [٤] ١٣/ ٤٧١.
٤- (الشعبي) عامر بن شَرَاحيل الهمداني الكوفي، ثقة ثبت فقيه فاضل [٣]٨٢/٦٦.
٥- (عكرمة) مولى ابن عبّاس، ثقة ثبت [٣] ٣٢٥/٢.
٦- (ابن عباس) البحر الحبر رضي اللَّه تعالى عنهما ٣١/٢٧ .
٧- (سودة) بنت زمعة بن قيس بن عبد شمس بن عبد ودّ بن نصر بن مالك بن حِسْل
ابن عامر بن لُؤيّ العامريّة القرشيّة، أم المؤمنين، هي أول امرأة تزوّجها رسول الله صلّى
الله تعالى عليه وسلم بعد موت خديجة، قبل عائشة، وهو بمكة، ودخل بها قبل
الهجرة، وكانت قبله عند السكران بن عمرو، أسلمت بمكة قديمًا، وهاجرت هي
وزوجها إلى الحبشة الهجرة الثانية، ومات زوجها هناك. روت عن النبيّ صلّى اللَّه
تعالى عليه وسلم. وعنها ابن عبّاس، ويحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سَعْد بن
زُرارة. أخرج الترمذيّ بسند حسن، عن ابن عباس، رضي اللَّه تعالى عنهما، قال:

٢٣
٤- (جُلُودُ الْمَيتَةِ)- حديث رقم ٤٤٢٢
خَشِيتْ سودةُ أن يطلقها النبي ◌َّر، فقالت: لا تطلقني، وأمسكني، واجعل يومي
لعائشة، ففعل، فنزلت: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ .
وأخرجه ابن سعد من حديث عائشة رضي اللّه تعالى عنها من طرق، في بعضها: أنه
بعث إليها بطلاقها، وفي بعضها أنه قال لها: ((اعتدّي))، والطريقان مرسلان، وفيهما أنها
قعدت له على طريقه، فناشدته أن يُراجعها، وجعلت يومها وليلتها لعائشة، ففعل. ومن
طريق معمر، قال: بلغني أنها كلّمته، فقالت: ما بي على الأزواج من حرص، ولكنّي
أُحبّ أن يبعثني الله يوم القيامة زوجًا لك. وقال هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة
رضي اللّه تعالى عنها، قالت: ما من امرأة أحبّ إليّ أن أكون في مِسْلاخها من سودة
بنت زمعة، إلا أن بها حِدّةً، تُسرع منها الْفَيْئَةَ. وقال ابن سعدحدّثنا أبو معاوية، عن
الأعمش، عن إبراهيم، قال: قالت سودة لرسول الله صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم:
صّيتُ خلفك الليلةَ، فركعتَ بي حتى أمسكتُ بأنفي مخافةَ أن يقطر الدم، فضحك،
وكانت تُضحكه بالشيء أحيانًا. وهذا مرسل، رجاله رجال الصحيح. وأخرج ابن سعد
بسند صحيح، عن محمد بن سيرين أن عمر بعث إلى سودة بغِرَارة من دراهم، فقالت:
ما هذه؟ قالوا: دراهم، قالت: في غِرَارة مثل التمر، ففرّقتها. وروى ابن المبارك في
((الزهد)) من مرسل أبي الأسود، يتيم عروة: أن سودة قالت: يا رسول اللَّه، إذا متنا
صلّى لنا عثمان بن مظعون، حتّى تأتينا أنت، فقال لها: ((يا بنت زمعة لو تعلمين علم
الموت، لعلِمتِ أنه أشدّ مما تظنّين)).
وقال ابن أبي خيثمة: تُوفّيت في آخر خلافة عمر بن الخطّاب. ورجّح الواقديّ أنها
ماتت سنة (٥٤)، وقال ابن حبّان: ماتت سنة (٦٥)(١).
روى لها البخاريّ، والمصنّف حديث الباب فقط، وأخرج لها أبو داود حديثًا واحدًا
في أُسارى بدر. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سباعيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال
الصحيح. (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: إسماعيل،
والشعبي، وعكرمة، وفيه رواية صحابي، عن صحابية. والله تعالى أعلم.
(١) (تهذب التهذيب)) ٦٧٧/٤، وراجع ((الإصابة)) ٣٢٣/١٢-٣٢٤.

٢٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْفَرَعِ، وَالْعَثِيرَةِ
شرح الحديث
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله تعالى عنهما (عَن سَوْدَةَ، زَوْج النِّيِّ وََّ) رضي الله تعالى
عنها، أنها (قَالَتَ: مَاتَتْ شَاةٌ لَنَا، فَدَبَغْنَا) - بفتح الباء الموَوحّدة- يقال: دبغتُ الجلدَ
دَبْغًا، من بابي قتل، ونَفَعَ، ومن باب ضرب لغةٌ حكاها الكسائيّ. والدِّباغة بالكسر:
اسم الصَّنْعَةِ، وقد يُجعل مصدرًا، والدِّبْغ بالكسر، والدِّبَاغ أيضًا: ما يُدبَغُ به، واندبغ
الجلد في المطاوعة، والفاعل دبّاغ، والْمَذْبَغَةُ بالفتح: موضع الدَّبْغ، وضمّ الباء لغةٌ.
قاله الفيّوميّ (مَسْكَهَا) بالنصب مفعول ((دبغنا))، والْمَسْكُ)) - بفتح الميم، وبالمهملة -:
الجلد، وجمعه مُسُوكٌ، مثلُ فَلْس وفُلُوس (فَمَا زِلْنَا تَتْبِذُ فِيهَا) بكسر الباء الموحّدة، من
باب ضرب: أي نُلقي فيها التمرات، ونحوها، حتى تكون نبيذًا، وإنما أنّث ضمير
((فيها)) على تأويل المسك بالقربة (حَتَّى صَارَتْ شَئًّا))) - بفتح المعجمة، وتشديد النون:
أي عَتيقًا باليًا، والشّنَّةُ: القِرْبة العَتِيقة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث :
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث سودة رضي الله تعالى عنها هذا أخرجه البخاريّ.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا- ٤٢٤٢/٤- وفي ((الكبرى)) ٤٥٦٦/٤. وأخرجه (خ) في ((الأيمان
والنذور)) ٦٦٨٦ (أحمد) في ((مسند القبائل)) ٢٦٨٧٢ . والله تعالى أعلم.
[تنبيه] : قال الحافظ رحمه الله تعالى: أخرج النسائيّ من طريقٍ مغيرة بن مقسم،
عن الشعبيّ، عن ابن عبّاس رضي اللّه تعالى عنهما عن النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم
حديثًا في دباغ جلد الشاة الميتة غير هذا -يعني الحديث الذي قبل هذا- قال: وأشار
المزّيّ في ((الأطراف)) إلى أن ذلك عّة لرواية إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبيّ التي
في الباب. قال الحافظ: وليس كذلك، بل هما حديثان متغايران في السياق، وإن كان
كلّ منهما من رواية الشعبيّ، عن ابن عبّاس، ورواية مغيرة هذه توافق لفظ رواية عطاء،
عن ابن عبّاس، عن ميمونة، وهي عند مسلم، وأخرجها البخاريّ من رواية عُبيد الله بن
عبد الله، عن ابن عبّاس، بغير ذكر ميمونة، ولا ذكر الدباغ فيه. انتهى. كلام الحافظ
رحمه اللّه تعالى(١).
(١) ((فتح)) ٤٢٦/١٣ ((كتاب الأيمان والنذور)».
-

=
٢٥
٤- (جُلُودُ المَیتةِ)- حديث رقم ٤٤٢٣
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: ((في دباغ جلد الميتة الخ)) فيه نظر؛ لأن
حديث مغيرة المذكور ليس فيه ذكر الدباغ، بل ذكر الانتفاع بها فقط، ولفظه: ((مرّ النبيّ
صلّى الله تعالى عليه وسلم على شاة ميتة، فقال: ((ألا انتفعتم بإهابها)). فتنبه. والله
تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان حكم جلود الميتة، وهو
جواز الانتفاع به بعد دبغها. (ومنها): أن فيه الرّدَّ على من زعم أن الزهد لا يتمّ إلا
بالخروج عن جميع ما يُتَمَلّك؛ لأن موت الشاة يتضمّن سبق ملكها، واقتنائها. (ومنها):
أن فيه جواز تنمية المال؛ لأنهم أخذوا جلد الميتة، فدبغوه، فانتفعوا به، بعد أن كان
مطروحًا. وفيه جواز تناول ما يَهَضِم الطعام؛ لِمَا دلّ عليه الانتباذ، وفيه إضافة الفعل إلى
المالك، وإن باشره غيره، كالخادم. ذكر هذه الفوائد في ((الفتح))، نقلًا عن ابن أبي جمرة
رحمه الله تعالى(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا،
ونعم الوكيل .
٤٢٤٣- (أَخْبَرَنَا قُتَنِيَةُ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، عَن سُفْتَانَ، عَنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَن ابْنِ
وَعْلَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ: ((أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ، فَقَدْ طَهُرَ))).
رجال هذا الإسناد: ستة :
١- (قتيبة) بن سعيد البغلاني الثقة الثبت [١٠] ١/١.
٢- (علي بن حُجر) السعدي المروزي، ثقة حافظ، من صغار [٩] ١٣/١٣.
٣- (سفيان) بن عُيينة الإمام الحجة الثبت [٨] ١/١.
٤- (زيد بن أسلم) العدوي المدني، ثقة فاضل [٣] ٨٠/٦٤.
٥- (ابن وَغْلة) -بفتح الواو، وسكون العين المهملة -: هو عبد الرحمن بن وَغْلة،
ويقال: ابن السميفع بن وَعْلة المصريّ السَّبَئيّ، صدوقٌ [٤].
قال ابن معين، والعجليّ، والنسائيّ: ثقة. وقال أبو حاتم: شيخ. وذكره ابن حبّان
في ((الثقات)). وقال ابن يونس: عبد الرحمن بن أَسميفع بن وعلة السئيّ، كان شريفًا
بمصر في أيامه، وله وفادة على معاوية، وصار إلى إفريقية، وبها مسجده، ومواليه.
وقال في حرف الألف: أُسميفع بن وعلة بن يعفر بن سلامة بن شُرَخبيل بن علقمة
السبئيّ، آخر ملوك سبأ، عليه قام الإسلام، هاجر في خلافة عمر، وشهِد الفتح بمصر،
(١) راجع ((الفتح)) ١٣/ ٤٢٦.

=
٢٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْفَرَعِ، وَالْعَثِيرَةِ
وترك عدّة من الولد، منهم عبد الله، وعبد الرحمن، وذكر غيرهم. وذكره يعقوب بن
سفيان في ثقات التابعين من أهل مصر. وذكره أحمد، فضعّفه في حديث الدباغ. روى
له الجماعة، سوى البخاريّ، وله في هذا الكتاب حديثان، هذا، وأعاده بعده، و٤٦٦٦
حديث: ((إن الذي حرم شربها، حرم بيعها ... )) الحديث.
٦- (ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما المذكور قبله. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
منها: أنه من خماسيات المصنف رحمه اللّه تعالى. ومنها: أن رجاله كلهم رجال
الصحيح. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَن ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي اللَّه تعالى عنهما، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَِّ: ((أَيُّمَا إِهَاب)
وقد تقدّم أَنَّه اخْتَلَّفَ أَهْلِ اللُّغَة فِي الْإِهَابِ فَقِيلَ هُوَ الْجِلْد مُطْلَقًا، وَقِيلَ: هُوَ الْجِلْدِ قَبَّل
الدُّبَاغِ، فَأَمَّا بَعْده، فَلَا يُسَمَّى إِهَابًا، وهو الراجح، وَجْمعه: أَهَبّ - بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَالْهَاء،
وَبِضَمُهَا لُغَتَانِ (دُبِغَ) بِالبناء للمجهول (فَقَدْ طَهُرَ) بِفَتْحِ الْهَاءِ، وَضَمّهَاَ، من بابي قتَلَ،
وقَرُب لُغَتَانِ، وَالْفَتْحِ أَفْصَح. وهذا بعمومه يشمل جلدَ مأكول اللحم، وغيره، وبه أخذ
كثير من أهل العلم، وهو الراجح، كما تقدّم تحقيقه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في بیان مواضع ذكر المصنّف له، وفیمن أخرجه معه:
أخرجه هنا- ٤ /٤٢٤٢ و ٤٢٤٣ - وفي («الكبرى» ٤٥٦٧/٤ و ٤٥٦٨. وأخرجه (م)
في ((الحيض)) ٥٤٧ و٥٤٨ و٥٤٩ (د) في ((اللباس)) ٤١٢٣ (ت) في ((اللباس)) ١٧٢٨
(ق) في ((اللباس)) ٣٦٠٩ (أحمد) في ((مسند بني هاشم)) ١٨٩٨ و٢١١٨ و٢٤٣١
و٢٥١٨ و٢٥٣٤ و٢٨٧٣ و٣١٨٨ (الموطأ) في ((الصيد)) ١٠٧٩ (الدارمي) في
(الأضاحي)) ١٩٨٥ و١٩٨٦. وبقيّة المسائل تقدّمت قريبًا. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٢٤٤- (أَخْبَرَنِي الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ بَكْرٍ - وَهُوَ ابْنُ
مُضَرَ - قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَن جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا الْخَيْرِ، عَنْ ابْنٍ وَعْلَةَ، أَنَّهُ

٤ - (جُلُودُ الْمَينةِ)- حديث رقم ٤٤٢٤
=
٢٧
سَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ، فَقَالَ: إِنَّا نَغْزُو هَذَا الْمَغْرِبَ، وَإِنُهُمْ أَهْلُ وَثَنِ، وَلَهُمْ قِرَبٌ، يَكُونُ فِيهَا
اللَّيَنُ وَالْمَاءُ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسِ: ((الدُّبَاغُ طَّهُورٌ))، قَالَ ابْنُ وَغْلَةَ: عَنْ رَأْيِكَ، أَوْ شَيْءٌ
سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ نَّهَ؟، قَالَ: بَلْ عَن رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ).
رجال هذا الإسناد : سبعة :
١- (الربيع بن سليمان بن داود) الجيزي، أبو محمد المصري الأعرج، ثقة [١١]
١٧٣/١٢٢ .
٢ - (إسحاق بن بكر بن مضر) أبو يعقوب المصري، صدوق فقيه [١٠]١٧٣/١٢٢.
٣- (أبوه) بكر بن مضر بن محمد بن حكيم المصري، ثقة ثبت [٨] ١٢٢/ ١٧٣ .
٤ - (جعفر ربيعة) بن شُرَحبيل الكندي، أبو شُرحبيل المصري، ثقة [٥] ١٧٣/١٢٢.
٥- (أبو الخير) مرثد بن عبد اللّه اليزني المصري، ثقة فقيه [٣] ٥٨٢/٣٨ .
والباقيان تقدّما قبله. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
منها: أنه من سباعيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال
الصحيح، غير شيخه فقد تفرد به هو وأبو داود. "(ومنها): أنه مسلسل بالمصريين.
(ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: جعفر، عن أبي الخير، عن
ابن وَعْلَة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ) بن شُرحبيل بن حسَنَة الكنديّ، أبي شرحبيل المصريّ (أَنَّهُ
سَمِعَ أَبَا الْخَيْرِ) مرثد بن عبد اللَّه اليَزَنيّ المصريّ (عَن) عبد الرحمن (ابْنِ وَعْلَةَ) - بفتح
الواو، وسكون المهملة- السبئيّ (أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ) رضي اللَّه تعالى عنهما (فَقَالَ: إِنَّا
نَغْزُو هَذَا الْمَغْرِبَ) أي: القطر المعروف (وَإِنَّهُمْ أَهْلُ وَثَنٍ) - بفتح الواو، والمثلّثة : -:
الصنم، سواء كان من خشب، أو حجر، أو غيره، والجمع وُثُنّ - بضمّتين، مثلُ أَسَدٍ
وأُسُدٍ-، وأوثانٌ، ويُنسب إليه من يتديّن بعبادته على لفظه، فيقال: رجلٌ وثنيّ، وقومٌ
وثنيّون، وامرأة وثنيّة، ونساء وثنيّات. قاله الفيّوميّ.
وقال في باب الصاد: الصنم: يقال: هو الوثن المتّخذ من الحجارة، أو الخشب،
ويُروى عن ابن عبّاس. ويقال: الصنم: المتّخذ من الجواهر المعدنيّة التي تذُوب،
والوثن هو المتّخذ من حجر، أو خشب. وقال ابن فارس: الصنم ما يُتّخذ من خشب،
أو نحاس، أو فضّة، والجمع أصنام. انتهى.

٢٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْفَرَعِ، وَالْعَثِيرَةِ
(وَلَهُمْ قِرَبٌ) -بكسر القاف، وفتح الراء -: جمع قربة - بكسر، فسكون- مثلٌ سِذْرَة
وسِدَرٍ، قال في ((القاموس)): القِربة بالكسر: الْوَطْبُ من اللبن(١)، وقد تكون للماء، أو
هي الْمَخروزة من جانب واحد. قال: والوَطبُ: سقاء اللبن، وهو جلد الجَذَّع، فما
فوقه، جمعه أوطبٌ، ووطاب، وأوطاب. انتهى (يَكُونُ فِيهَا اللَّبَنُ وَالْمَاءُ، فَقَّالَ ابْنُ
عَبَّاسٍ) رضي اللَّه تعالى عنهما (الدِّبَاغُ طهورٌ) مبتدأ وخبر، و((الدباغ)) -بكسر الدال
المهملة، و((الطَّهُورٌ)) - بفتح الطاء المهملة- المطهّر، يعني دَبغ القرب مطهّر لها.
وفي رواية لمسلم من طريق يزيد بن أبي حبيب، أن أبا الخير حدثه، قال: رأيت
على ابن وَعْلَة السَّبَئيّ فَرْوًا، فمَسِسْتُه، فقال: ما لك تمسه، قد سألت عبد الله بن
عباس، قلت: إنا نكون بالمغرب، ومعنا البربر والمجوس، نُؤتَی بالكبش، قد ذبحوه،
ونحن لا نأكل ذبائحهم، ويأتونا بالسِّقَاء، يجعلون فيه الْوَدَك؟ فقال ابن عباس: قد سألنا
رسول اللّه وَ ل عن ذلك؟، فقال: ((دباغه طهوره)).
(قَالَ ابْنُ وَعْلَةَ: عَن رَأْيِكَ، أَوْ شَيْءٌ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلِيرِ؟) أي أتفتي بهذا عن
مجرّد اجتهادك؟ أم بما سمعته عنه صلَّى اللَّه تعالى عليه وسلم؟، وفيه أن المستفتي له
أن يسأل المفتي عن مأخذه، استرشادًا، حتى يكون على بصيرة من أمر دينه، لا تعنًّا،
وعلى العالم أن يبيّن له ذلك، إن كان جليّا، كدليل ابن عبّاس رضي اللَّه تعالى عنهما
هذا، وأما إذا كان صعبًا، يقصر فهمه عنه، فليس عليه أن يذكره له، صونًا لنفسه عن
التعب فيما لا يُفيد، ويعتذر إليه بقصور فهمه عنه، قال في ((الكوكب الساطع)):
وَجَازَ عَنِ مَأْخَذِهِ إِنْ يَسْأَلِ مُسْتَرْشِدًا وَلْيُبْدٍ إِنْ كَانَ جَلِي
(قَالَ) ابن عبّاس رضي اللَّه تعالى عنهما (بَلْ عَن رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ) وفي رواية لمسلم: ((فقلت: أرأيّ تراه؟ فقال ابن عباس: سمعت رسول الله
مَلجر، يقول: ((دباغه طهوره)).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: حديث ابن عباس رَّ هذا صحيح، وقد تقدم
تخريجه في الحديث الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،
وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٢٤٥- (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي،
عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَن جَوْنِ بْنٍ قَتَادَةَ، عَن سَلَمَةَ بْنِ الْمُحَبِّقِ، أَنَّ نَبِيَّ اللّهِ وَّه فِي
غَزْوَةٍ تَبُوكَ دَعَا بِمَاءٍ، مِنْ عِنْدِ امْرَأَةٍ، قَالَتْ: مَا عِنْدِي إِلَّ فِي قِرْبَةٍ لِي، مَنْتَةٍ، قَالَ:
(أَلَيْسَ قَدْ دَبَغْتِهَا؟))، قَالَتْ: بَلَى، قَالَ: فَإِنَّ دِبَاغَهَا ذَكَاتُهَا))).
(١) هكذا في ((القاموس)) بـ((من))، ولعله ((للبن)) باللام، فليُحرّر.

٢٩
٤- (جُلُودُ الْمَيْتَةِ)- حديث رقم ٤٤٢٥
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١- (عبيد الله بن سعيد) أبو قُدامة السرخسيّ، ثقة مأمون سنّي [١٠] ١٥/١٥.
٢- (معاذ بن هشام) الدستوائيّ البصري، صدوق، ربما وَهَم [٩] ٣٤/٣٠.
٣- (أبوه) هشام بن أبي عبد اللَّه / سَنْبَر، أبو بكر البصريّ الدستوائي، ثقة ثبت، من
كبار [٧] ٣٤/٣٠.
٤ - (قتادة) بن دعامة السدوسي البصري ثقة ثبت، يدلس [٤] ٣٤/٣٠.
٥- (الحسن) بن أبي الحسن/ يسار البصري ثقة ثبت فاضل، يدلس [٣] ٣٦/٣٢.
٦- (جَون - بفتح الجيم، وسكون الواو- ابن قتادة) بن الأعور بن ساعدة بن عوف
بن كعب بن عبد شمس بن سعد التميميّ، ثم السعديّ البصريّ، يقال: إن له صحبة،
ولم تثبت، مقبول [٢].
روى عن الزبير بن العوّام، وشهد معه الْجَمَّل، وعن سلمة بن الْمُحَبّق. وعنه الحسن
البصريّ، وقرّة بن خالد، وقيل: إن قتادة روى عنه. واختلف على هُشيم في حديثه عن
منصور بن زاذان، عن الحسن، عن جون بن قتادة، عن سلمة بن المحبّق، وهو
الصحيح. وقال أبو طالب عن أحمد: لا يُعرف. وقال ابن البراء، عن ابن المدينيّ:
جونٌ معروفٌ، لم يرو عنه غير الحسن. وذكره في موضع آخر في المجهولين من شيوخ
الحسن البصريّ. وذكر ابن سعد قتادة والده في الصحابة. وذكره ابن حبّان في ثقات
التابعين، وأخرج حديثه عن سلمة، وكذا الحاكم. واغترّ ابن حزم بظاهر الإسناد،
فأخرج الحديث من طريق الطبريّ، عن محمد بن حاتم، عن هُشيم، وقال في روايته :
عن جون، كنا مع النبيّ صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم في بعض أسفاره، وقال: إنه
صحيح. وتعقّبه أبو بكر بن مُفَوَّز بأن محمد بن حاتم أخطأ فيه، وإنما هو جون، عن
سلمة، وجونٌ مجهول.
وتعقّب الحافظ في (تهذيب التهذيب)) ابنَ مفوّز في نسبته الخطإ لمحمد بن حاتم بأن
أصحاب هُشيم وافقوه، وشذّ عنهم زكريّا بن يحيى زَحْمُويه، فرواه عن هشيم بذكر
سلمة فيه، والمحفوظ من حديث هشيم لا ذكر لسلمة في سنده. قال البغويّ في ((معجم
الصحابة)): هكذا حدّث به هُشيم، لم يُجاوز به جون بن قتادة، وليست لجون صحبة.
وقال ابن منده: وهِم فيه هُشيم، وليست لجَوْن صحبة، ولا رواية. وتعقّبه أبو نُعيم
برواية زَخمويه. والصواب مع ابن منده. قاله الحافظ المزّيّ في ((الأطراف)). تفرّد به
المصنّف، وأبو داود بهذا الحديث فقط.
٧- (سَلَمَةُ) بفتحات (ابْنُ الْمُحَبِّقِ) -بضم الميم، وفتح الحاء المهملة، وكسر

= ٣٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْفَرَعِ، وَالْعَتِيرَةِ
الموحّدة المشددة- وقيل: هو ابن ربيعة بن صخر الْهُذَليّ، قال المنذريّ في ((مختصر
السنن)): وَسَلَمَةِ ابْنِ الْمُحَبِّق لَهُ صُخْبَة، وَهُوَ هُذَلِيَ، سَكَنَ الْبَصْرَة، كُنْيَتَه ◌َبُو سِنَان،
وَاسْمِ الْمُحَبِّق صَخْر، وَهُوَ بِضَمِّ الْمِيم، وَفَتْحِ الْحَاء الْمُهْمَلَةِ، وَبَعْدِهَا بَاء مُوَخَّدَة،
وَقَافٍ، وَأَصْحَابِ الْحَدِيثِ يَفْتَحُونَ الْبَاءِ، وَيَقُولِ بَعْض أَهْلِ اللُّغَة: هِيَ مَكْسُورَة، وَإِنَّمَا
سَمَّاهُ أَبُوهُ الْمُحَبِّق، تَفَاؤُلَا بِشَجَاعَتِهِ، أَنَّهُ يُضْرِطِ أَعْدَاءَهُ. انتهى. وقد تقدّمت ترجمته في
٧/ ٣٣٦٤ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
منها: أنه من سباعيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم ثقات،
غير جون. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير شيخه، فسرخسيّ. (ومنها): أن فيه
ثلاثة من تابعي البصرة، يروي بعضهم عن بعض: قتادة، والحسن، وجَوْنٌ. والله
تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَن جَوْن بْن قَتَادَةَ) -بِفَتْحِ الْجِيم، وَسُكُون الْوَاوِ، وَبَعْدَهَا نُون- (عَن سَلَمَةَ)
بفتحات (ابْنِ الْمُحَبِّقِ) بصيغة اسم الفاعل، وقيل: بصيغة اسم المفعول- الصحابي
رضي اللّه تعالى عنه (أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ وَّةِ، فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ دَعَا بِمَاءِ) أي طلبه (مِنْ عِنْدِ امْرَأَةٍ،
قَالَتْ) تلك المرأة التي طلب منها الماء، ولفظ ((الكبرى)): ((فقالت)) (مَا عِنْدِي إِلَّ فِي قِرْبَةٍ
لِي، مَنَْةٍ) صفة لـ((قربة)) على حذف مضاف: أي جلد ميتة، والمعنى أن تلك القربة من
جلد شاة ميتة (قَالَ) صلَّى اللَّه تعالى عليه وسلم، ولفظ ((الكبرى)): ((فقال)) (أَلَيْسَ قَدْ
دَبَغْتِهَا؟))، قَالَتْ) المرأة (بَلَى) قد دبغتها (قَالَ) صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم (فَإِنَّ دِبَاغَهَا
ذَكَاتُها)- بفتح الذال المعجمة -: أي ذبحها، يعني أنّ دباغ جلد الميتة طهارة لها، جعل
الدباغ بمنزلة ذبح الحيوان في تحليله، وتطهيره.
قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي ((الْمَعَالِم)): هَذَا يَدُلّ عَلَى بُطْلَانْ قَوْل مَنْ زَعَمَ، أَنَّ إِهَابِ الْمَيْتَةِ، إِذَا
مَسَّهُ الْمَاءِ، بَعْد الدِّبَاغ يَنْجُس، وَيُبَيِّن أَنَّهُ طَاهِر كَطَهَارَةِ الْمُذَكَّى، وَأَنَّهُ إِذَا بُسِطَ ، وَصُلِّيَ
عَلَيْهِ، أَوْ خُرِزَ مِنْهُ خُفٍّ، فَصُلِّيَ فِيهِ جَازَ. انْتَهَى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث سلمة بن المحبّق رضي اللّه تعالى عنه هذا صحيح.

=
٣١
٤- (جُلُودُ الْمَيْتَةِ)- حديث رقم ٤٤٢٦
[فإن قلت]: فيه جَوْنُ بن قتادة، وقد قال عنه أحمد: لا يعرف، فكيف يصح؟.
[قلت]: جَوْن روى عنه الحسن، وقتادة، فارتفعت جهالة عينه، وقد قال ابن
المدينيّ في رواية: إنه معروفٌ، ووثقه ابن حبّان، فأقلّ أحواله أن يكون حسن
الحديث، ثم إن حديثه هذا له شواهد، قد ذكرت في هذا الباب وغيره، فيكون صحيحًا
بها. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا- ٤٢٤٥/٤- وفي ((الكبرى)) ٤٥٦٩/٤. وأخرجه (د) في ((اللباس))
٤١٢٥. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم
الوكيل .
٤٢٤٦- (أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مَنْصُورٍ، بْنِ جَعْفَرِ النَّيْسَابُورِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ
مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شَرِيكُ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنَ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنِ الْأَسْوَدِ، عَن
عَائِشَةَ، قَالَتْ: سُئِلَ النَّبِيُّ وََّ، عَن جُلُودِ الْمَنْتَةِ؟، فَقَالَ: ((ِبَاغُهَا طَهُورُهَا))).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح. و((الحسين
ابن محمد بن جعفر النيسابوريّ)): هو أبو عليّ السلميّ، ثقة فقيه [١٠] ١٦٦٤/٢٥.
و ((الحسين بن محمد)) بن بُهُرَام التميميّ، أبو أحمد، أو أبو عليّ الْمُؤدّب الْمَرُّوذيّ -
بتشديد الراء، وبذال معجمة- نزيل بغداد، ثقة [٩].
قال ابن سعد: ثقة، مات في آخر خلافة المأمون. وقال النسائيّ: ليس به بأس.
وقال معاوية بن صالح: قال لي أحمد: اكتُبوا عنه. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). وقال
ابن نُمير: صدوق. وقال العجليّ: بصريّ ثقة. وقال محمد بن مسعود: ثقة. وقال ابن
قانع: مات سنة (٢١٥)، وهو ثقة. وقال حنبل بن إسحاق: مات سنة (٢١٣). وقال
مطيّن: سنة (٢١٤). روى له الجماعة، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
و((شريك)): هو ابن عبد الله النخعيّ القاضي الكوفيّ، صدوق يخطىء كثيرًا، وتغير
منذ ولي القضاء، وكان عادلا فاضلًا شديدًا على أهل البدع [٨] ٢٩/٢٥. و((عمارة بن
عُمير)): هو التيميّ الكوفيّ، ثقة ثبتٌ [٤] ٦٠٨/٤٩. و((الأسود)): هو ابن يزيد بن
قيس النخعيّ الكوفيّ المخضرم الثقة الفقيه الكوفيّ. وشرح الحديث واضح.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث عائشة رضي اللّه تعالى عنها هذا صحيح.
[فإن قلت]: كيف يصحّ، وفي إسناده شريكٌ، وقد تكلّموا فيه، كما مرّ آنفًا؟.
[قلت]: لم يتفرّد به شريك، بل تابعه عليه إسرائل، عن الأعمش، كما سيأتي بعد
حديثين، إن شاء الله تعالى.

٣٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْفَرَعِ، وَالْعَتِيرَةِ
وهو من أفراد المصنف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا- ٤٢٤٦/٤ و٤٢٤٧ و ٤٢٤٨
و٤٢٤٩ و٤٢٥٤/٦- وفي ((الكبرى)) ٤/ ٥٤٧٠ و٤٥٧١ و٤٥٧٢ و ٤٥٧٣ و٧ /٤٥٧٨ .
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٢٤٧- (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمِّي، قَالَ:
حَدَّثَنَا شَرِيكُ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَن إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْأَسْوَدِ، عَن عَائِشَةَ، قَالَتْ: سُئِلَ رَسُولُ
اللَّهِ وَِّ، عَنْ جُلُودِ الْمَيْتَةَ؟، فَقَالَ: ((دِبَاغُهَا ذَكَانَها))).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح.
و((عبيد الله بن سعد)): هو الزهريّ، أبو الفضل البغداديّ، قاضي أصبهان، ثقة
[١١] ١٧/ ٤٨٠. و((عم عبيد اللّه)): هو يعقوب بن إبراهيم الزهريّ، أبو يوسف
المدنيّ، نزيل بغداد، ثقة فاضل [٩] ٣١٤/١٩٦. و((إبراهيم)): هو ابن يزيد
النخعيّ .
والحديث صحيح، كما سبق الكلام فيه في الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٢٤٨ - (أَخْبَرَنَا أَيُّوبُ بْنُ مُحَمَّدِ الْوَزَّانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا
شَرِيكُ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْأَسْوَدِ، عَن عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ وََّ، قَالَ:
(ذَكَاةُ الْمَنْتَةِ دِبَاغُهَا))).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد کلهم رجال الصحيح، غیر شیخه،
((أيوب بن محمد الوزان)) أبي محمد الرّقْيّ، وهو ثقة. و((حجاج بن محمد)): هو الأعور
المصّيصيّ الثقة الثبت.
والحديث صحيح، وقد مضى القول فيه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٢٤٩- (أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا
إِسْرَائِيلُ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْأَسْوَدِ، عَن عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ
(وَإِ﴿ : ((ذَكَاةُ الْمَيْنَةِ دِبَاغُهَا))).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير
شيخه، ((إبراهيم بن يعقوب)): وهو الْجُوزجانيّ الحافظ الثبت.
و((مالك بن إسماعيل)): هو ابن درهم، ويقال: ابن زياد بن درهم، أبو غسّان النَّهْديّ
مولاهم، الكوفيّ الحافظ، ابن بنت حمّاد بن أبي سُليمان، ثقة مُتقنّ، صحيح الكتاب،
عابد، من صغار [٩].

٣٣
٤- (جُلُودُ الْمَيْتَةِ)- حديث رقم ٤٤٢٩
قال محمد بن عليّ بن داود البغداديّ: سمعت ابن معين يقول لأحمد: إن سرّك أن
تكتب عن رجُل ليس في قلبي منه شيء، فاكتب عن أبي غسّان. وقال أبو حاتم، عن
ابن معين: ليس بالكوفة أتقن من أبي غسّان. وعن ابن معين، قال: هو أجود كتابًا من
أبي نُعيم. وقال يعقوب بن شيبة: ثقة صحيح الكتاب، وكان من العابدين. وقال مرّة:
كان ثقة متثبتًا. وقال ابن نُمير: أبو غسّان أحبّ إليّ من محمد بن الصَّلْت، أبو غسّان
محدّث من أئمّة المحدثين. وقال أبو حاتم: كان أبو غسّان يُملي علينا من أصله، وكان
لا يملي حديثًا حتّى يقرأه، وكان ينحو، ولم أر بالكوفة أتقن منه، لا أبو نُعيم، ولا
غيره، وهو أتقن من إسحاق بن منصور السَّلُوليّ، وهو متقن ثقةٌ، وكان له فضل،
وصلاح، وعبادة، وصحّة حديث واستقامة، وكانت عليه سجّادتان، كنت إذا نظرت
إليه كأنه خرج من قبره. وقال أبو داود: كان صحيح الكتاب، جيّد الأخذ. وقال
النسائيّ: ثقة. وقال ابن سعد: كان أبو غسّان صدوقًا، شديد التشيّع. وذكره ابن حبّان
في ((الثقات)). وقال ابن شاهين في (الثقات)): قال عثمان بن أبي شيبة: أبو غسّان
صدوقٌ، ثبتٌ، متقنّ، إمام من الأئمّة، ولولا كلمته لما كان يفوقه بالكوفة أحد. وقال
معاوية بن صالح، عن ابن معين: ثقة. وقال العجليّ: ثقة، وكان متعبّدًا، وكان صحيح
الكتاب. وقال الذهبيّ في ((الميزان))) ذكره ابن عديّ، واعترف بصدقه وعدالته، لكن
ساق قول السعديّ: كان حسَنيًا -يعني الحسن بن صالح- على عبادته، وسوء مذهبه،
هذا كلام السعديّ، وهو إبراهيم بن يعقوب الْجُوزجانيّ، وعَنَى بذلك أن الحسن بن
صالح بن حيّ مع عبادته، كان يتشيّع، فتبعه مالكٌ هذا في الأمرين. قال ابن سعد: مات
سنة (٢١٩) في غرّة ربيع الأول. وفيها أرّخه غير واحد. روى له الجماعة، وله في هذا
الكتاب هذا الحديث فقط .
و(إسرائيل)): هو ابن يونس بن أبي إسحاق السبيعيّ الهمدانيّ الكوفيّ الثقة.
والحديث صحيح، كما سبق البحث عنه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلتُ، وإليه
أنیب)).

٣٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْفَرَعِ، وَالْعَتِيرَةِ
٥- (مَا يُذْبَغُ بِهِ جُلُودُ الْمَيْتَةِ)
٢٤٥٠ - (أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ، عَنِ ابْنٍ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ،
٤٢
وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَن كَثِيرِ بْنِ فَرْقَدٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَالِكِ بْنِ حُذَافَةَ حَدَّثَهُ، عَنِ الْعَالِيَّةِ
بِنْتِ سُبَيْعٍ، أَنَّ مَيْمُونَةَ زَوْجَ النَِّيِّ نَّهَ حَدَّثَتْهَا، أَنَّهُ مَرَّ بِرَسُولِ اللَّهِ نَّهِ رِ جَالٌ مِنْ قُرَيْشٍ،
يَجُرُونَ شَاةً لَهُمْ، مِثْلَ الْحِصَانِ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ وَّر: «لَوْ أَخَذْتُمْ إِهَابَهَا»، قَالُوا:
إِنَّهَا مَيْتَةٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((يُطَهِّرُهَا الْمَاءُ وَالْقَرَظُ))).
رجال هذا الإسناد: ثمانية :
١- (سليمان بن داود) المهريّ، أبو الربيع المصريّ ثقة [١١] ٧٩/٦٣ .
٢- (ابن وهب) عبد اللَّه الفقيه الحافظ الثبت المصريّ [٩] ٩/ ٩.
٣- (عمرو بن الحارث) أبو أيوب الفقيه الثبت المصريّ [٧] ٧٩/٦٣.
٤- (الليث بن سعد) الإمام الفقيه الحجة الثبت المصريّ [٧] ٣٥/٣١.
٥- (كثير بن فَرْقد) المدنيّ، نزيل مصر، ثقة [٧] ١٥٨٩/٣٠.
٦- (عبد الله بن مالك بن حُذافة) حجازيّ، سكن مصر، مقبول [٤].
روى عن أمه العالية، وعنه كثير بن فرقد، تفرّد به المصنّف، وأبو داود بهذا الحديث
فقط .
٧- (العالية بنت سُبيع) روت عن ميمونة رضي اللَّه تعالى عنها، وعنها ابنها عبد الله
ابن مالك. قال العجليّ: مدنيّةٌ، تابعيّة، ثقة. تفرّد بها المصنّف، وأبو داود بهذا
الحديث فقط .
٨- (ميمونة) أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها٦ ٢٣٦/١٤. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
منها: أنه من سباعيات المصنف رحمه اللّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم ثقات،
غير عبد الله بن مالك، فمقبول. (ومنها): أنه مسلسل بالمصريين. (ومنها): أن فيه
رواية تابعي عن تابعيّة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَن كَثِيرِ بْنِ فَرْقَدٍ) بفتح الفاء، وسكون الراء، وفتح القاف (أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَالِكِ بْنِ
حُذَافَةَ) بضمّ الحاء المهملة، وتخفيف الذال المعجمة (حَدَّثَهُ، عَن) أمه (الْعَالِيَةِ بِنْتِ

٣٥ =
٥- (مَا يُدْبَغُ بِهِ جُلُودُ الْمَتِتَةِ) - حديث رقم ٤٢٥٠
سُبَيْعٍ) بضم السين المهملة، مصغّرًا (أَنَّ مَيْمُونَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ بَِّ حَدَّثَتْهَا) وفي رواية أبي
داود: ((عن العالية بنت سبيع، أنها قالت: كان لي غنم بأَحُدٍ، فوقع فيها الموت،
فدخلت على ميمونة، زوج النبي ◌ّر، فذكرت ذلك لها، فقالت لي ميمونة: لو أخذت
جلودها، فانتفعت بها، فقالت: أَوَ يَحِلّ ذلك؟، قالت: نعم، مَرَّ على رسول اللّه وَلَه
رجال من قريش، يجرون شاة لهم فقال لهم رسول اللَّه ◌َلّ لو أخذتم إهابها قالوا إنها
ميتة فقال رسول اللَّه وَالجر: ((يطهرها الماء والقرظ)).
(أَنَّهُ مَرَّ بِرَسُولِ اللَّهِ وَهَ رِ جَالٌ مِنْ قُرَيْشٍ، يَجُرُونَ شَاةً لَهُمْ، مِثْلَ الْحمار) يجرّونها
مِثْل جَرّ الحمار إذا مات؛ لإبعاده عن الناس؛ لئلا يتضرّروا بجيفته، أو التشبيه في كونها
مَيْتَة مُنْتَفِخَة مثله.
وفي بعض النسخ: ((مثل الحِصان)): وهو بكسر الحاء، وتخفيف الصاد المهملتين:
الفرسُ الذكر، أو المضنون بمائه. قاله في ((القاموس)). وقال الفيّوميّ: الحصان
بالكسر: الفرس الْعَتيق، قيل: سُمّي بذلك؛ لأن ظهره كالحِضْن لراكبه. وقيل: لأنه
ضُنَّ بمائه، فلم يُنْزَ إلا على كريمة، ثم كثُر ذلك حتّى سُمّي كلُّ ذكر من الخيل حصانًا،
وإن لم يكن عَتيقًا، والجمع حُصُنْ، مثلُ كتاب وكُتُب. انتهى.
(فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ وَ لَّهِ: ((لَوْ أَخَذْتُمْ إِهَابَها) قيل: (لو((هنا للتمنّي بمعنى (ليت))،
فلا تحتاج إلى جواب. وقيل: هي شرطيّةٌ، حُذف جوابها: أي لكان حسنًا (قَالُوا: إِنَّا
مَيْتَةٌ) أي فهي محرّمة بنص الكتاب، حيث قال اللَّه تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْنَةُ﴾ الآية
(فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ بِّهِ: (يُطَهِّرُهَا الْمَاءُ وَالْقَرَظُ) بفتحتين: قال الفيوميّ رحمه اللّه تعالى:
هو حبّ معروفٌ، يَخرُج في غُلُفٍ، كالعَدَس، من شجر العضاه، وبعضهم يقول:
القرظ وَرَقُ السَّلَم، يُدبغ به الأَدِيم، وهو تسامحٌ، فإن الورق لا يُدبغ به، وإنما يُدبغ
بالحبّ. قال: وبعضهم يقول: القرظ شجر، وهو تسامح أيضًا، فإنهم يقولون: جَنَيتُ
القرَظَ، والشجرُ لا يُجَنَى، وإنما يُجنى ثمرُهُ. انتهى كلام الفيوميّ.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: في هذا الذي أنكره، وقال: إنه تسامحْ نظرٌ لا
يخفى، فإن أهل اللغة، أثبتوا ذلك، فقال المجد في ((القاموس)): القرظ محرَّكةً: ورق
السلم، أو ثمر السَّنْط. انتهى. وقال ابن منظور في ((اللسان)): القرظ شجرٌ يُدبغ به.
وقيل: ورق السلم، يُدبغ به الأَدَمُ. قال: وقال أبو حنيفة: القرظ: أجود ما تُدبغ به
الأُهُب في أرض العرب، وهي تُدبغ بورقه، وثمره. وقال مرّةً: القرظ شجرٌ عظام، لها
سُوقٌ غِلاظْ، أمثال الْجَوْز، وورقه أصفر من ورق التفّاح، وله حبّ يوضع في
الموازين، وهو ينبت في القِيعَان. انتهى كلام ابن منظور.

٣٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْفَرَعِ، وَالْعَتِيرَةِ
فأفاد ما ذُكر أنه يُطلق على الشجر، وعلى الورق، وأنه يدبغ بورقه، وثمره، فتنبّه.
والله تعالى أعلم.
وقَالَ الْخَطَّبِيُّ رحمه الله تعالى: الْقَرَظ: شَجَرٌ يُذْبَغ بِهِ الْأُهُب، وَهُوَ لِمَا فِيهِ مِنْ
الْعُفُوصَةِ، وَالْقَبْض، يُنَشِّفُ الْبِلَّة، وَيُذْهِب الرَّخَاوَة، وَيُجَفْفِ الْجِلْد، وَيُصْلِحُهُ،
وَيُطَيِّبُهُ، فَكُلّ شَيْءٍ عَمِلَ عَمَلِ الْقَرَظ، كَانَ حُكْمِه فِي التَّطْهِيرِ حُكْمِه، وَذِكْرُ الْمَاءِ مَعَ
الْقَرَظِ قَدْ يَحْتَمِلِ أَنْ يَكُون إِنَّمَا أَرَادَ بِذَلِكَ، أَنَّ الْقَرَظ يَخْتَلِط بِهِ، حِين يُسْتَعْمَل فِي
الْجِلْد. وَيَحْتَمَلِ أَنْ يَكُون إِنَّمَا أَرَادَ أَنَّ الْجِلْد، إِذَا خَرَجَ مِنْ الدِّبَاغِ، غُسِلَ بِالْمَاءِ، حَتَّى
يَزُول عَنْهُ مَا خَالَطَهُ مِنْ وَضَرِ الدَّبْغِ وَدَرَنه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث ميمونة رضي اللَّه تعالى عنها هذا صحيح.
[فإن قلت]: كيف يصحّ، وفي إسناد عبد الله بن مالك بن حُذافة، لم يرو عنه غير
كثير بن فرقد، فهو مجهول عين، وكذا أمه لم يرو عنها غير ابنها؟ .
[قلت]: إنما صحّ لأن له شاهدًا صحيحًا من حديث ابن عبّاس رضي اللّه تعالى
عنهما، أخرجه الدار قطنيّ، والبيهقيّ، من طريق عمرو بن الربيع بن طارق: ثنا يحيى بن
أيوب، عن عُقيل، عن الزهريّ، عن عبيد الله، عن ابن عبّاس رضي اللَّه تعالى عنهما،
مرفوعًا بلفظ: ((أوليس في الماء والقرظ ما يُطهّره)). وهذا إسناد صحيح على شرط
الشيخين(١) .
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا- ٤٢٥٠/٥- وفي ((الكبرى)) ٤٥٧٤/٥. وأخرجه (د) في ((اللباس))
٤١٢٦. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان ما يُدبغ به جُلود الميتة،
وهو القرظ والماء. (ومنها): أنه يدلّ على وجوب استعمال الماء في أثناء الدباغ، قيل:
وهو أحد قولي الشافعيّ. قاله السنديّ. (ومنها): ما قاله الخطّابيّ رحمه الله تعالى: أنه
فِيهِ حُجَّةً لِمَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ غَيْرِ الْمَاءِ، لَا يُزِيلِ النَّجَاسَة، وَلَا يُطَهْرهَا فِي حَال مِنْ
(١) راجع ((السلسلة الصحيحة)) للشيخ الألبانيّ رحمه الله تعالى ١٩٤/٥ - ١٩٥ رقم الحديث ٢١٦٣.

٣٧
٥- (مَا يُدْبَغُ بِهِ جُلُودُ الْمَيِنَةِ) - حديث رقم ٤٢٥٠
الْأَحْوَالِ انْتَهَى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: وفي كلامه هذا نظر، فقد تقدّم في ((كتاب الطهارة))
أن الأرجح أن غير الماء يطهّر أيضًا إذا أمر به الشارع، كطهارة النعل بالمسح، فقد
أخرج أبو داود بإسناد صحيح عن أبي سعيد الخدري رضي اللَّه تعالى عنه، مرفوعًا:
((إذا جاء أحدكم إلى المسجد، فلينظر، فإن رأى في نعليه قذرًا، أو أذى، فليمسحه،
وليصل فيهما)). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في الأشياء التي يُدبغ الإهاب بها:
قال النوويّ رحمه الله تعالى: يَجُوز الدِّبَاغْ بِكُلِّ شَيْءٍ، يُنَشِّف فَضَلَات الْجِلْد
وَيُطَيِّبُهُ، وَيَمْنَعِ مِنْ وُرُودِ الْفَسَاد عَلَيْهِ، وَذَلِكَ كَالشَّتْ، وَالشَّبّ، وَالْقَرْظِ، وَقُشُور
الرُّمَّان، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، مِنْ الْأَدْوِيَةِ الطَّاهِرَة، وَلَا يَحْصُل بِالتَّشْمِيسِ عِنْدِنَا، وَقَالَ
أَضْحَاب أَبِي حَنِيفَة: يَحْصُل، وَلَا يَحْصُل عِنْدِنَا بِالتِّرَابِ، وَالرَّمَادِ، وَالْمِلْحِ عَلَى الْأَصَحّ
فِي الْجَمِيعِ. وَهَلْ يَحْصُلِ بِالْأَذْوِيَةِ النَّحِسَة، كَذَّرْقِ الْحَمَامِ، وَالشَّبّ الْمُتَنَجُس؟ فِيهِ
وَجْهَانٍ: أَصَحّهمَا عِنْد الْأَصْحَابِ حُصُوله، وَيَجِب غَسْله بَعْد الْفَرَاغِ مِنْ الدِّبَاغْ بِلَا
خِلَاف، وَلَوْ كَانَ دَبْغُه بِطَاهِرٍ، فَهَلْ يَحْتَاجِ إِلَى غَسْله بَعْد الْفَرَاغِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ. وَهَلْ
يُخْتَاجُ إِلَى اسْتِعْمَال الْمَاءِ فِي أَوَّل الدُّبَاغِ؟ فِيهِ وَجْهَانٍ. قَالَ أَصْحَابًا: وَلَا يَفْتَقِرِ الدِّبَاغْ
إِلَى فِعْلِ فَاعِلِ. فَلَوْ أَطَارَتِ الرِّيحِ جِلْدَ مَيْتَة، فَوَقَعَ فِي مَذْبَغْه ◌َهُرَ. وَاَللَّه أَعْلَم.
وَإِذَا طَهُرَ بِالدِّبَاغِ جَازَ الانْتِفَاعِ بِهِ بِلَا خِلَافٍ. وَهَلْ يَجُوز بَيْعه؟ فِيهِ قَوْلَانِ لِلشَّافِعِيِّ:
أَصَحّهِمَا يَجُوز. وَهَّلْ يَجُوز أَكْلِه؟ فِيهِ ثَلَاثَة أَوْجُه، أَوْ أَقْوَالِ: أَصَحّهَا لَا يَجُوز بِحَالٍ،
وَالثَّانِي يَجُوز، وَالثَّالِث يَجُوز أَكْلِ جِلْد مَأْكُول اللَّخْمِ، وَلَا يَجُوزِ غَيْرِه.
وَإِذَا طَهُرَ الْجِلْد بِالدِّبَاغِ، فَهَلْ يَظْهُر الشَّعْرِ الَّذِي عَلَيْهِ تَّبَعًا لِلْجِلْدِ، إِذَا قُلْنَا بِالْمُخْتَارِ
فِي مَذْهَبنَا: إِنَّ شَعْرِ الْمَيْتَةَ نَجَس، فِيهِ قَوْلَانِ لِلشَّافِعِيِّ: أَصَحْهِمَا، وَأَشْهَرِهِمَا لَا يَظْهُر؛
لِأَنَّ الدُّبَاغِ لَا يُؤَثْرِ فِيهِ، بِخِلَافِ الْجِلْد.
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: الذي يظهر لي أن الشعر تابع للجلد؛ لأن الشارع لم
يستثنه، فلو كان غير داخل في حكم الطهارة لما سكت عنه؛ لشدّة الحاجة إليه. والله
تعالى أعلم.
قال: قَالَ أَصْحَابنَا: لَا يَجُوزِ اسْتِعْمَال جِلْد الْمَيْتَة، قَبْل الدِّبَاغْ فِي الْأَشْيَاءِ الرَّطْبَة.
وَيَجُوز فِي الْيَابِسَات مَعَ كَرَاهَته. وَاَللَّه أَعْلَم. انتهى كلام النوويّ (١).
(١) ((شرح مسلم)) ٤/ ٥٥ .

٣٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْفَرَعِ، وَالْعَتِيرَةِ
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم
الوكيل.
٤٢٥١- (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ - يَعْنِي ابْنَ الْمُفَضَّلِ- قَالَ:
حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنِ ابْنٍ أَبِي لَيْلَى، عَن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُكَّيْم، قَالَ: قُرِئَ عَلَيْنَا
كِتَابُ رَسُولِ اللَّهِ وَلِّ، وَأَنَا غُلَامٌ شَّابٌّ: ((أَنْ لَا تَنْتَفِعُوا مِنْ الْمَيْتَةِ بِإِهَابٍ، وَلَا عَصَبٍ))).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: حديث عبد الله بن عُكيم رحمه اللّه تعالى عنه هذا لا
مناسبة بينه وبين هذا الباب، فكان الأولى للمصنّف أن يُفرده بترجمة مستقلّة، كما فعل
في (الكبرى))، حيث ترجم له بقوله: ((النهي عن أن يُتَنفَع من الميتة بشيءٍ))، ومما يؤيّد
ذلك مقابلته بالترجمة التالية، حيث قال: ((الرخصة في الاستمتاع بجلود الميتة إذا
دُبغت))، فليُتأمّل. والله تعالى أعلم.
رجال هذا الإسناد: ستة :
١- (إسماعيل بن مسعود) الْجَخدريّ البصريّ، ثقة [١٠] ٤٧/٤٢.
٢- (بشر بن المفضّل) بن لاحق، أبو إسماعيل البصريّ، ثقة ثبت غابد [٦٦/ ٨٢.
٣- (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة الثبت [٧] ٢٧/٢٤ .
٤- (الحكم) بن عُتيبة الكندي، أبو محمد الكوفي، ثقة ثبت فقيه، ربما دلس [٥]
١٠٤/٨٦ .
٥- (ابن أبي ليلى) هو عبد الرحمن الأنصاري المدني، ثم الكوفي، ثقة [٢] ٨٦/
١٠٤ .
٦- (عبد الله بن عُكيم) -بضم العين المهملة، مصغّرًا- الْجُهَنيّ، أبي معبد الكوفيّ
المخضرم، ثقة [٢].
قال الخطيب: سكن الكوفة، وقدِم المدائن في حياة حُذيفة رضي اللّه تعالى عنه،
وكان ثقة. وقال ابن عيينة، عن هلال الوزان: حدّثنا شيخنا القديم عبد الله بن عُكيم،
وكان قد أدرك الجاهليّة. وقال موسى الْجُهنيّ، عن ابنة عبد اللَّه بن عُكيم: كان أبي
يُحبّ عثمان، وكان عبد الرحمن بن أبي ليلى يُحبّ عليّا، وكانا متواخيين، فما
سمعتهما إلا أن أبي قال مرّةً لعبد الرحمن: لو أن صاحبك صبر أتاه الناس. وقال
البخاريّ: أدرك زمن النبيّ صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم، ولا يُعرَف له سماع صحيح،
وكذا قال أبو نُعيم. وقال ابن حبّان في ((الصحابة): أدرك زمنه صلّى اللَّه تعالى عليه
وسلم، ولم يسمع منه شيئًا. وكذا قال أبو زرعة. وقال ابن منده، وأبو نعيم: أدركه،
ولم يره. وقال البغويّ: يُشكّ في سماعه. وقال أبو حاتم أيضًا: ليس له سماع من النبيّ .

٥- (مَا يُدْبَغُ بِهِ جُلَوَدُ المَيِنَةِ) - حديث رقم ٤٢٥١
=
٣٩
صلّى الله تعالى عليه وسلم، من شاء أدخله في المسند على المجاز. وقال ابن سعد:
كان إمام مسجد جُهينة، وقال حكاية عن غيره: إنه مات في ولاية الحجّاج.
روى له الجماعة، سوى البخاريّ، له في مسلم حديث واحد: ((لا تشربوا في آنية
الذهب))، وله عند المصنّف في هذا الكتاب حديثان فقط، حديث الباب، كرره ثلاث
مرّات، وفي ((كتاب الزينة)) ٥٣٠٣/٨٧ - حديث استسقى حذيفة رضي الله تعالى عنه،
فأتاه دِهْقَان بماء في إناء فضّة ... الحديث. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال
الصحيح، غير ابن عُكيم. (ومنها): أنه مسلسل بثقات البصريين إلى شعبة. وبثقات
الكوفيين بعده. (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين، يروي بعضهم عن بعض: الحكم،
وابن أبي ليلى، وعبد الله بن عُكيم. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُكَيْم) بضمّ المهملة الجهنيّ، أنه (قَالَ: قُرِئَ) بالبناء للمفعول
(عَلَيْنَا كِتَابُ رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ، وَأَنَا غُلَامٌ) بضمّ الغين المعجمة: في الأصل الابن
الصغير، ويطلق على الرجل مجازًا باسم ما كان عليه، كما يقال للصغير: شيخٌ، مجازًا
باسم ما يؤول إليه. وجاء في الشعر غُلامةٌ بالهاء للجارية، قال أوس بن غَلْفَاء الْهُجَيميّ،
يصف فرسًا [من الوافر]:
وَمُزْ كِضَةٌ صَرِيحِيٍّ أَبُوهَا يَانُ لَهَا الْغُلَامَةُ وَالْغُلَامُ
قال الأزهريّ: سمعت العرب تقول للمولود حين يولد ذكرًا: غلامٌ، وسمعتهم
يقولون للكهل: غُلام، وهو فاش في كلامهم. أفاده الفيّوميّ.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: المراد هنا الكبير، بدليل وصفه بقوله (شَابٌّ)اسم
فاعل من شبّ الصبيّ يَشِبّ، من باب ضرب شَبَابًا، وشَبيبةً، وهو شابٌ، وذلك سنٍّ
قبل الكُهُولة، جمعه شُبّانٌ، مثلُ فارس وفُرْسان (أَنْ لَا تَنْتَفِعُوا مِنْ الْمَيْتَةِ) قيل: هذا ناسخٌ
للأخبار السابقة؛ لأنه كان قبل موته صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم بشهر، فصار متأخّرًا،
والجمهور على خلافه؛ لأنه لا يُقاوم تلك الأحاديث صحّةً، واشتهارًا، وقد جمع بعض
المحقّقين بينه وبين الأحاديث السابقة بأن الإهاب اسم لغير المدبوغ، فلا معارضة بينه
وبين الأحاديث السابقة. وقد تقدّم تمام البحث في هذا عند شرح حديث ميمونة رضي
اللَّه تعالى عنها، فراجعه تستفد (بِإِهَاب) بكسر الهمزة، قد تقدّم ضبطه، ومعناه، فلا

٤٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْفَرَعِ، وَالْعَثِيرَةِ
تغْفُل (وَلَا عَصَبٍ) بفتحتين: هي أطناب(١) المفاصل، والجمع أَعصابٌ، مثلُ سبب
وأسباب. قال بعضهم: عصَب الجسد الأصغر من الأطناب. قاله الفيّوميّ. وقال ابن
منظور في ((اللسان)): العصَبُ عصَبُ الإنسان والدّابَة، والأعصاب: أطناب المفاصل
التي تُلائم بينها، وتشُدّها، وليس بالعَقَب، يكون ذلك للإنسان، وغيره، كالإبل،
والبقر، والغنم، والنَّعَم، والظباء، والشاء، الواحدة عَصَبَةٌ. قال: والعَقَب: العصَب
الذي تُعمل منه الأوتار،َ الواحدة عَقَبَةٌ، قال: والفرق بين العقَب والعصَب يَضرب إلى
الصُّفْرة، والعقَب يضرب إلى البياض. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عبد الله بن عُكيم رضي اللّه تعالى عنه هذا صحيح على الصحيح كما يأتي
تحقيقه في المسألة الثالثة، إن شاء الله تعالى.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٤٢٥١/٥ و٤٢٥٢ و٤٢٥٣ - وفي ((الكبرى)) ٤٥٧٥/٦ و٤٥٧٦
و٤٥٧٧. وأخرجه (د) في ((اللباس)) ٤١٢٧ و٤١٢٨ (ت) في ((اللباس)) ١٧٢٩ (ق) في
((اللباس)) ٣٦١٣ (أحمد) في ((أول مسند الكوفيين)) ١٨٣٠٣ و١٨٣٠٨. والله تعالى
أعلم.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في صحّة حديث عبد الله بن عُكيم هذا:
قال الحافظ رحمه الله تعالى في ((التلخيص الحبير)): حديث ((لا تنتفعوا من الميتة
بإهاب، ولا عصب)) أخرجه الشافعيّ في ((حرملة))، وأحمد، والبخاريّ في ((تاريخه))،
والأربعة، والدارقطنيّ، والبيهقيّ، وابن حبّان عن عبد الله بن عُكيم: ((أتانا كتاب
رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم قبل موته: ألا تنتفعوا من الميتة بإهاب، ولا
عصَب))، وفي رواية الشافعيّ، وأحمد، وأبي داود: ((قبل موته بشهر))، وفي رواية
لأحمد ((بشهر، أو شهرين))، قال الترمذيّ حسنٌ، وكان أحمد يذهب إليه، ويقول هذا
آخر الأمر، ثم تركه لَمّا اضطربوا في إسناده، حيث روى بعضهم، فقال: عن ابن
عُكيم، عن أشياخ من جهينة، وقال الخلال: لَمّا رأى أبو عبد الله تزلزل الرواة فيه
توقف فيه .
(١) ((الأطناب)) جمع طُنُب بضمتين، وسكون الثاني: الحبل الذي تُشدّ به الخيمة، ونحوها. اهـ
المصباح.