Indexed OCR Text

Pages 201-220

٣٨- (كِتَب الْبَيْعَةِ)
٢٠١
ثم تُطلق البيعة على المبايعة، والطاعة، وهو المراد هنا.
قال في ((الفتح)): المبايعة: عبارة عن المعاهدة، سُمّيت بذلك تشبيهًا لها بالمعاوضة
الماليّةٍ، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ أَشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَهُم بِأَنَّ لَهُمُ
الْجَنَّةٌ﴾ الآية [التوبة: ١١١]. انتهى(١).
وقال في ((النهاية)): ما معناه: المبايعة على الإسلام: عبارة عن المعاقدة عليه،
والمعاهدة، كأن كلّ واحد منهما باع ما عنده من صاحبه، وأعطاه خالصة نفسه،
وطاعته، ودَخِيلةً أمره. انتهى(٢).
وقال القاضي عياض رحمه اللّه تعالى: ما حاصله: اختلف في اشتقاق البيعة، فقيل:
أصله من البيع؛ لأن المتبايعين يمُدّ كلّ واحد منهما يده إلى صاحبه، ولما كان الأمراء
عند التوثيق بمن يأخذون عليه العهد، يأخذون بيده، شُبّه بذلك، فسُمّيت مبايعةٌ.
وقيل: بل كانوا يضربون بأيدي بعضهم على بعض عند التبايع، ولهذا سمّيت صفقةً؛
لصفق الأيدي عندها، فسُمّيت بها. وقيل: بل سُمّيت مبايعة؛ لما فيها من المعاوضة،
تشبيهًا بالبيع أيضًا؛ لما وعدهم اللَّه من الجزاء، والثواب على الإسلام، وطاعة الرسول
صلّى الله تعالى عليه وسلم، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ أُشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية
[التوبة: ١١١]. انتهى كلام القاضي عياض رحمه الله تعالى(٣).
وقال أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: البيعة مأخوذة من البيع، وذلك أن
المبايع للإمام يلتزم أن يقيه بنفسه وماله، فكأنه قد بذل نفسه، وماله لله تعالى، وقد
وعده اللّه تعالى على ذلك بالجنّة، فكأنه قد حصلت له المعاوضة، فصدق على ذلك
اسم البيع، والمبايعة، والشراء، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ أُشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ
وَأَمْوَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ إلى أن قال: ﴿فَأُسْتَبْشِرُواْ بِبَيْحِكُمُ الَّذِى بَايَعْتُ بِّ﴾
[التوبة: ١١١]. وعلى نحو من هذا قال النبيّ صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم لصهيب:
((ربحَ البيع أبا يحيى))(٤). وكانت قريش تبعته لتردّه عن هجرته، فبذل لهم ماله في
تخليص نفسه ابتغاء ثواب الله تعالى، فسمّاه النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم بيعًا، وهذا
أحسن ما قيل في المبايعة.
ثم هي واجبة على كلّ مسلم؛ لقوله صلّى اللّه تعالى عليه وسلم: ((من مات وليس
(١) ((فتح)) ٩٢/١ (كتاب الإيمان)) حديث: ١٨.
(٢) ((النهاية)) ١/ ١٧٤.
(٣) ((إكمال المعلم)) ٢٤٧/٦-٢٤٨.
(٤) رواه الحاكم في ((المستدرك)) ٣٩٨/٣ وقال: صحيح على شرط مسلم، وأقرّه الذهبيّ.

= ٢٠٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْبَيْعَةِ
في عنقه بيعة، مات ميتةً جاهليّة. رواه مسلم. غير أنه من كان من أهل الحل والعقد،
والشهرة، فبيعته بالقول، والمباشرة باليد، إن كان حاضرًا، أو بالقول والإشهاد عليه،
إن كان غائبًا، ويكفي من لا يؤبه له، ولا يُعرف أن يعتقد دخوله تحت طاعة الإمام،
ويسمع، ويُطيع له في السرّ والجهر، ولا يعتقد خلاف ذلك، فإن أضمره، فمات مات
مِتَةً جاهليّة؛ لأنه لم يجعل في عنقه بيعة. انتهى كلام القرطبيّ رحمه اللّه تعالى(١).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قوله: واجبة على كلّ مسلم الخ)) هذا إذا كان للمسلمين
إمام، أما إذا لم يكن لهم إمام، وكانوا فوضى، فلا وجوب؛ لحديث حذيفة رضي الله
تعالى عنه المتفق عليه، واللفظ للبخاريّ، قال: كان الناس يسألون رسول اللّه وَل عن
الخير، وكنت أسأله عن الشر، مخافة أن يُدركني، فقلت: يا رسول الله، إنا كنا في جاهلية
وشر، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟، قال: ((نعم)) قلت: وهل بعد
ذلك الشر من خير؟ قال: ((نعم، وفيه دَخَنٌ))، قلت: وما دخنه؟ قال: ((قوم يَهَدُون بغير
هديي، تعرف منهم وتنكر)) قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: ((نعم دُعاة إلى أبواب
جهنم، من أجابهم إليها، قذفوه فيها))، قلت: يا رسول الله، صِفْهم لنا، فقال: ((هم من
جِلْدَتنا، ويتكلمون بألسنتنا»، قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: ((تلزم جماعة
المسلمين، وإمامهم)) قلت: فإن لم يكن لهم جماعة، ولا إمام؟ قال: ((فاعتزل تلك الفرق
كلها، ولو أن تَعَضّ بأصل شجرة، حتى يُدركك الموت، وأنت على ذلك)).
فهذا الحديث صريح في أن وجوب لزوم الجماعة إنما يكون إذا وُجدت الجماعة،
وكان لها إمام، وأما إذا لم يكن كذلك، فالواجب اعتزال الفرق كلها، فرارًا بدينه، كما
أمره به النبيّ صلَّى اللَّه تعالى عليه وسلم. والله تعالى أعلم بالصواب.
١- (الْبَيْعَةُ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ)
٤١٥١- (أَخْبَرَنَا الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ النَّسَائِيُّ، مِنْ لَفْظِهِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ
سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَخْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ بْنِ
الصَّامِتِ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، قَالَ: بَايَغَنَا رَسُولَ اللَّهِ وَّهَ عَلَى السَّمْعِ، وَالطَّاعَةِ، فِي
الْيُسْرِ وَالْعُسْرِ، وَالْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ، وَأَنْ لَا نُتَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ، وَأَنْ تَقُومَ بِالْحَقِّ حَيْثُ كُنَّا،
لَا نَخَافُ لَوْمَةَ لَائِمٍ»).
(١) ((المفهم)) ٤٤/٤. ((كتاب الإمارة)).

١- (الْبَيْعَةُ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ) - حديث رقم ٤١٥١
٢٠٣
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١- (قتيبة) بن سعيد الثقفي، أبو رجاء البغلاني، ثقة ثبت [١٠] ١/١.
٢- (الليث) بن سعد، أبو الحارث الفهميّ المصريّ، ثقة ثبت إمام [٧] ٣٥/٣١ .
٣- (يحيى بن سعيد) بن قيس الأنصاريّ، أبو سعيد المدنيّ القاضي، ثقة ثبت [٥]
٢٣/٢٢ .
٤- (عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت) الأنصاريّ المدنيّ، ويقال له: عبد الله،
ثقة [٤] ٣٤٩٨/٥٣ .
٥- (عبادة بن الصامت) بن قيس الأنصاريّ الخزرجي، أبو الوليد المدنيّ الصحابيّ
البدريّ المشهور، وهو أحد النقباء ليلة العقبة، مات بالرملة سنة (٣٤)، وله (٧٢) سنة،
وقيل: عاش إلى خلافة معاوية رضي اللّه تعالى عنهما، تقدّم في ٤٦١/٦. والله تعالى
أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه اللّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من يحيى، والباقيان مصريّان.
(ومنها): أن فيه رواية الراوي عن جدّه، وتابعي عن تابعيّ. والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: القائل: ((أخبرنا الإمام أبو عبد الرحمن النسائيّ)) هو الراوي عن المصنّف،
والظاهر أنه ابن السنّيّ، لأنه المشهور برواية ((المجتبى))، وقوله: ((من لفظه)) يعني أنهم
سمعوه من لفظ النسائيّ، لا أنه قرأ عليه قارىء، وإنما بيّنه؛ لئلا يُظنّ أنه سمع قارئًا
على الشيخ، حيث إن الغالب في استعمال المحدّثين لفظة ((أخبرنا)) إذا سمع الطالب
قارئًا يقرأ على الشيخ، ولكن ليس هذا واجبًا عندهم، بل هو مستحسن، كما قال
السيوطيّ في ((ألفية الحديث)):
وَقَارِىءٍ بِنَفْسِهِ ((أَخْبَرَنِي))
وَاسْتَحْسَنُوا لِمُفْرَدٍ ((حَدَّثَنِي))
وَإِنْ سَمِعْتَ قَارِتًا ((أَخْبَرَنَا))
وَإِنْ يُحَدِّثْ جْلَةٌ (حَدَّثَنَا))
[تنبيه آخر]: سقط من هذا السند بعد ذكر عبادة بن الوليد ذكر لفظة ((عن أبيه)) من
جميع نسخ ((المجتبى))، وكذا من نسخة ((الكبرى))، لكن الذي ذكره الحافظ المزّيّ في
((تحفة الأشراف)) جـ ٤/ ٢٦٠ أنه ثابت في رواية أبي الحسن بن حيويه، ولعله لاختلاف
النسخ. والله تعالى أعلم.

٢٠٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْبَيْعَةِ
شرح الحديث
(عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ) رضي اللَّه تعالى عنه، أنه (قَالَ: بَايَعْنَا) تقدّم معنى البيعة في
شرح الترجمة (رَسُولَ اللَّهِ وَل﴿) وكانت تلك المبايعة ليلة العقبة، كما قاله في ((الفتح)).
قال أبو العبّاس القرطبيّ: هذه البيعة تُسمّى بيعة الأمراء، وسُمّيت بذلك؛ لأن
المقصود بها تأكيد السمع والطاعة على الأمراء. وقد كان عبادة رضي الله تعالى عنه بايع
رسول الله صلَّى اللَّه تعالى عليه وسلم بيعة النساء، وسميت بذلك؛ لأنه لم يكن فيها
ذكر حرب، ولا قتال. وقد بايع النبيّ صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم أصحابه بيعة
الرضوان، وسمّيت بذلك لقول الله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِىَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ
تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨]. انتهى(١).
(عَلَى السَّمْعِ، وَالطَّاعَةِ) متعلّق بـ((بايعنا))، و((على)) بمعنى اللام، أو بتضمين ((بايعنا))
معنى العهد، أي عاهدناه على أن نسمع كلامه، ونطيع أمره، وكذا من يقوم بعده مقامه
من الخلفاء (فِي الْيُسْرِ وَالْعُسْرِ) وفي رواية إسماعيل بن عُبيد عند أحمد: ((وعلى النفقة
في العسر واليسر)) (وَالْمَنْشَطِ) بفتح الميم، والمعجمة، وسكون النون بينهما: أي في
حالة نشاطنا (وَالْمَكْرَهِ) بضبط ما قبله: أي في الحالة التي نكون فيها عاجزين عن العمل
بما نؤمر به. ونقل ابن التين عن الداوديّ أن المراد الأشياء التي يكرهونها. قال ابن
التين: والظاهر أنه أراد في وقت الكسل والمشقّة في الخروج؛ ليطابق قوله: ((في
المنشط))، ويؤيّده ما وقع في رواية إسماعيل بن عبيد بن رفاعة، عن عبادة، عند أحمد:
((في النشاط والكسل)). قاله في ((الفتح)).
وقال السنديّ: الْمَنشَطُ، والْمَكْره: مَفْعَلٌ بفتح الميم والعين، من النشاط،
والكراهة، وهما مصدران، أي في حالة النشاط والكراهة، أي حالة انشراح صدورنا،
وطيب قلوبنا، وما يُضادّ ذلك. أو اسما زمان، والمعنى واضح. أو اسما مكان: أي
فيما فيه نشاطهم، وكراهتهم. كذا قيل، ولا يخفى أن ما ذكره من المعنى على تقدير
كونهما اسمي مكان مجازيّ، وكذا قال بعضهم: كونهما اسمي مكان بعيد. انتهى (٢).
زاد في الآتية: ((وأَثَرَة علينا)) بفتح الهمزة، والمثلّثلة: أي تفضيل غيرنا علينا في
الفيء، أو في غيره. والمراد أن طواعيتهم لمن يتولّى عليهم لا تتوقّف على إيصالهم
حقوقهم إليهم، بل عليهم الطاعة، ولو منعوهم حقّهم.
(١) ((المفهم)) ٤ / ٤٤-٤٥.
(٢) (شرح السنديّ)) ١٣٨/٧.

٢٠٥
١- (الْبَيْعَةُ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ) - حديث رقم ٤١٥١
(وَأَنْ لَا تُتَازِعَ الْأَمْرَ) أي الملك والإمارة، أو كلّ الأمور (أَهْلَهُ) الضمير للأمر، أي إذا وُكل
الأمر إلى من هو أهل له، فليس لنا أن نجرّه إلى غيره، سواء كان ذلك الغير أهلًاً، أم غير أهل.
زاد في رواية أحمد: ((وإن رأيت أن لك»، أي وإن اعتقدت أن لك في الأمر حقًّا، فلا تعمل
بذلك الظنّ، بل اسمع، وأطع إلى أن يَصِل إليك بغير خروج عن الطاعة. وزاد في رواية حبان
أبي النضر، عن جنادة عند ابن حبّان أحمد: (( وإن أكلوا مالك، وضربوا ظهرك)).
(وَأَنْ نَقُومَ بِالْحَقِّ) أي بإظهاره، وتبليغه للناس (حَيْثُ كُنَّا) أي في موضع وُجدنا (لا
نَخَافُ لَوْمَةً لَّائِم) أي لا نترك قول الحقّ لأجل خوف ملامة اللائمين علينا.
وقال النوويّ: معناه: نأمر بالمعروف، وننهى عن المنكر في كلّ زمان ومكان،
الكبار والصغار، لا نُداهن فيه أحدًا، ولا نخافه، ولا نلتفت إلى اللائمين. انتهى (١).
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه هذا متفقٌ عليه، لكن من رواية الوليد
ابن عبادة، عن عبادة ◌َظي ، كما في الروايات الآتية، وأما من رواية عبادة بن الوليد،
عن عبادة، فمن أفراد المصنف، فَلْيُتَنَّه. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا- ٤١٥١/١ و٤١٥٢ و٤١٥٣/٢ و٤١٥٤/٣ و٤١٥٥/٤ و ٤١٥٦/٥-
وفي ((الكبرى)) ١/ ٧٧٧٠ و٧٧٧١ و٧٧٧٢/٢ و٧٧٧٣/٣ و٤/ ٧٧٧٤ و٥ / ٧٧٧٥.
وأخرجه (خ) في)) الفتن)) ٧٠٥٦ و((الأحكام)) ٧١٩٩. (م) في ((الإمارة)) ٤٧٤٥ و٤٧٤٦
و ٤٧٤٧ و٤٧٤٨ (ق) في ((الجهاد)) ٢٨٦٦ (أحمد) في ((باقي مسند الأنصار)) ٢٢١٧٠
و٢٢١٩٢ و٢٢٢٠٩ و٢٢٢١٨ و٢٢٢٢٩ (الموطأ) في ((الجهاد)) ٩٧٧. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان مشروعيّة بيعة الإمام على
السمع والطاعة. (ومنها): وجوب سمع كلام الأمراء، وطاعة أوامرهم. (ومنها): أن
وجوب الطاعة لا يختلف باختلاف الأحوال من العسر واليسر، والنشاط والكره، فيجب
على المسلم طاعتهم في كلّ أحواله، قدر استطاعته. (ومنها): أنه لا يجوز منازعة وليّ
الأمر في شأن الولاية، ولا في غيرها، إلا أن يكون معصية، إذ لا طاعة للمخلوق في
(١) (شرح مسلم)) ١٢/ ٤٣٣.

٢٠٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْبَيْعَةِ
معصية الخالق. (ومنها): وجوب قول الحقّ، من الأمر بالمعروف، والنهي عن
المنكر، وعدم المداهنة فيه للناس، ولا الالتفات إلى لوم لائمهم، بل يغيّر المنكر بكلّ
ما يقدر عليه، من فعل، أو قول، ما لم يخشّ إثار فتنة، وتسبّب منكر أشدّ منه.
قال النوويّ: وأجمع العلماء على أن الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر فرض
كفاية، فإن خاف من ذلك على نفسه، أو ماله، أو على غيره، سقط الإنكار بيده،
ولسانه، ووجبت كراهته بقلبه. هذا مذهبنا، ومذهب الجماهير. وحكى القاضي هنا
عن بعضهم أنه ذهب إلى الإنكار مطلقًا في هذه الحالة، وغيرها. انتهى (١).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قول الجماهير هو الحقّ؛ لحديث أبي سعيد الخدريّ
رضي الله تعالى عنه، قال: سمعت رسول اللَّه وَ ل يقول: ((من رأى منكم منكرا، فليغيره
بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)). رواه مسلم.
فقد رخّص الشارع في هذا النصّ في ترك الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر فعلًا،
أو قولًا عند عدم الاستطاعة، فالقول بالوجوب مطلقًا مخالف لهذا النصّ.
لكن لو أخذ أحد بالعزيمة، فواجه من يخافه بذلك، لكان أفضل؛ لما سيأتي
للمصنّف ٤٢١١/٣٧- بإسناد صحيح، عن طارق بن شهاب، أن رجلا سأل النبي وَلآه
وقد وضع رجله في الْغَزْز: أيُّ الجهاد أفضل؟ قال: ((كلمة حقّ، عند سلطان جائر)).
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): زاد في رواية الشيخين: ((إلا أن تروا كُفرًا بَوَاحًا، عندكم من اللَّه
فيه برهان».
فَقَوْله: ((بَوَاحًا)) - بِمُوَحَّدَةٍ وَمُهْمَلَة- قَالَ الْخَطَّابِيُّ: مَعْنَاه قَوْله: ظَاهِرًا بَادِيًا، مِنْ
قَوْلهمْ: بَاحَ بِالشَّيْءِ يَبُوحِ بِهِ بَوْحًا، وَبَوَاحًا: إِذَا أَذَاعَهُ، وَأَظْهَرَهُ. وَأَنْكَرَ ثَابِت فِي
(الدَّلَائِل)) بَوَاحًا وَقَالَ: إِنَّمَا يَجُوز (بَوْحًا)) بِسُكُونِ الْوَاو، و((بُؤَاحًا)) بِضَمْ أَوَّلِه، ثُمَّ هَمْزَة
مَمْدُودَة. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: مَنْ رَوَاهُ بِالرَّاءِ، فَهُوَ قَرِيبٍ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى، وَأَصْلِ الْبَرَاحِ:
الأَرْض الْقَفْرَاء الَّتِي لَا أَنِيس فِيهَا، وَلَا بِنَاءِ. وَقِيلَ: الْبَرَاحِ الْبَان، يُقَال: بَرَحَ الْخَفَاء:
إِذَا ظَهَرَ. وَقَالَ النَّوَوِيّ: هُوَ فِي مُعْظَم النُّسَخِ مِنْ مُسْلِم بِالْوَاوِ، وَفِي بَعْضِهَا بِالرَّاءِ.
قال الحافظ: وَوَقَعَ عِنْدَ الطََّرَانِيِّ، مِنْ رِوَايَة أَحْمَد بْنِ صَالِحٍ، عَنْ ابْنِ وَهُب، فِي
هَذَا الْحَدِيث: ((كُفْرًا صُرَاحًا))، بِصَادٍ مُهْمَلَة مَضْمُومَة، ثُمَّ رَاء. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة حِبَّان
أَبِي النَّضْرِ الْمَذْكُورَة: ((إِلا أَنْ يَكُون مَعْصِيَة لِلَّهِ بَوَاحًا))، وَعِنْدَ أَحْمَد، مِنْ طَرِيق عُمَيْر بْن
(١) ((شرح مسلم)) ١٢/ ٤٣٣. ((كتاب الإمارة)).

٢٠٧
١- (الْبَيْعَةُ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ) - حديث رقم ٤١٥١
هَانِئِ، عَنْ جُنَادَةَ: ((مَا لَمْ يَأْمُرُوكُ بِثْم بَوَاحًا)). وَفِي رِوَايَة إِسْمَاعِيل بْن عُبَيْد، عِنْدَ
أَحْمَد، وَالطَّبَرَانِيٌّ، وَالْحَاكِم، مِنْ رِوَايَتَهُ(١)، عَنْ أَبِهِ، عَنْ عُبَادَةَ: ((سَيَلِي أُمُورَكُمْ مِنْ
بَعْدِي رِجَال، يُعَرِّفُونَكُمْ مَا تُنْكِرُونَ، وَيُتْكِرُونَ عَلَيْكُمْ مَا تَعْرِفُونَ، فَلَا طَاعَة لِمَنْ عَصَى
اللَّه)). وَعِنْدَ أَبِي بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة، مِنْ طَرِيقِ أَزْهَرِ بْنِ عَبْد اللَّه، عَنْ عُبَادَةَ، رَفَعَهُ:
(سَيَكُونُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاء، يَأْمُرُونَكُمْ بِمَّا لَا تَعْرِفُونَ، وَيَفْعَلُونَ مَا تُتْكِرُونَ، فَلَيْسَ لِأُولَئِكَ
عَلَيْكُمْ طَاعَة)).
وقَوْله: ((عِنْدَكُمْ مِنْ اللَّه فِيهِ بُرْهَان)): أَيْ نَصّ آيَة، أَوْ خَبَر صَحِيحٍ، لا يَحْتَمِل
التَّأْوِيلِ. وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لا يَجُوز الْخُرُوجِ عَلَيْهِمْ، مَا دَامَ فِعْلهمْ يَحْتَمِلِ التَّأْوِيل.
قَالَ النَّوَوِيّ: الْمُرَاد بِالْكُفْرِ هُنَا الْمَعْصِيَة، وَمَعْنَى الْحَدِيثِ: لَا تُنَازِعُوا وُلَاةَ الْأُمُور
فِي وِلَايَتِهِمْ، وَلَا تَعْتَرِضُوا عَلَّيْهِمْ، إِلَّا أَنْ تَرَوْا مِنْهُمْ مُنْكَرًا مُحَقِّقًا، تَعْلَمُونَهُ مِنْ قَوَاعِد
الْإِسْلَام، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَأَنْكِرُوا عَلَّيْهِمْ، وَقُولُوا بِالْحَقِ، حَيْثُمَا كُنْتُمْ. انْتَهَى.
وَقَالَ غَيْرِهِ: الْمُرَاد بِالْإِثْم هُنَا الْمَعْصِيَةِ وَالْكُفْرِ، فَلَا يُعْتَرَض عَلَى السُّلْطَان، إِلَّا إِذَا
وَقَعَ فِي الْكُفْرِ الظَّاهِر.
قال الحافظ: وَالَّذِي يَظْهَرِ حَمْلِ رِوَايَةِ الْكُفْرِ، عَلَى مَا إِذَا كَانَتْ الْمُنَازَعَة فِي الْوِلَايَةِ،
فَلا يُنَازِعُهُ بِمَا يَقْدَحِ فِي الْوِلَايَةِ، إِلَّا إِذَا ازْتَكَبَ الْكُفْرِ، وَحَمْلِ رِوَايَةِ الْمَعْصِيَةِ، عَلَى مَا
إِذَا كَانَتْ الْمُنَازَعَةِ، فِيمَا عَذَا الْوِلَايَةِ، فَإِذَا لَمْ يُقْدَحِ فِي الْوِلَايَةِ، نَازَعَهُ فِي الْمَعْصِيَةِ، بِأَنْ
يُتْكِرِ عَلَيْهِ بِرِفْقٍ، وَيَتَوَصَّل إِلَى تَثْبِيت الْحَقْ لَهُ بِغَيْرِ عُثْف. وَمَحَلّ ذَلِكَ إِذَا كَانَ قَادِرًا.
ذكره في ((الفتح))(٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في حكم الخروج على الأئمة لظلمهم:
قال النوويّ رحمه الله تعالى في ((شرح مسلم)): ما حاصله: أجمع المسلمون على أن
الْخُرُوجِ عَلَى الأئمة، وَقِتَالِهِمْ حَرَامِ، وَإِنْ كَانُوا فَسَقَة، ظَالِمِينَ، وَقَدْ تَظَاهَرَتْ
الأَحَادِيث بِمَعْنَى مَا ذَكَرْته، وَأَجَمعَ أَهْلِ السُّنَّ أَنَّهُ لا يَنْعَزِلِ السُّلْطَانِ بِالْفِسْقِ، وَأَمَّا الْوَجْهِ
الْمَذْكُورِ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ لِيَعْضِ أَصْحَابنَا أَنَّهُ يَنْعَزِل، وَحُكِيَ عَنْ الْمُعْتَزِلَة أَيْضًا، فَغَلَطْ مِنْ
قَائِله، مُخَالِف لِلإجماعِ.
قَالَ الْعُلَمَاءِ: وَسَبَّبَ عَدَمِ انْعِزَاله، وَتَحَرِيم الْخُرُوجِ عَلَيْهِ، مَا يَتَرَتَّب عَلَى ذَلِكَ مِنْ
الْفِتَنِ، وَإِرَاقَةِ الدِّمَاءِ، وَفَسَادَ ذَات الْبَيْنِ، فَتَكُونِ الْمَفْسَدَةِ فِي عَزْله أَكْثَر مِنْهَا فِي بَقَّائِهِ .
قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٍ: أَجَمعَ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّ الإِمَامَة لا تَنْعَقِد لِكَافِرٍ، وَعَلَى أَنَّهُ لَوْ طَرَّأَ
(١) هكذا نسخة ((الفتح)) ولعل الصواب: ((من رواية عبادة، عن أبيه إلخ)) والله تعالى أعلم.
(٢) ((فتح) ١٤/ ٤٩٧-٤٩٨ ((كتاب الفتن)) حديث: ٧٠٥٧.

٢٠٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْبَيْعَةِ
عَلَيْهِ الْكُفْرِ انْعَزَلَ، قَالَ: وَكَذَا لَوْ تَرَكَ إِقَامَةِ الصَّلَوَاتِ، وَالدُّعَاء إِلَيْهَا، قَالَ: وَكَذَلِكَ عِنْد
جْهُورهمْ الْبِدْعَةُ، قَالَ: وَقَالَ بَعْض الْبَصْرِيِّينَ: تَنْعَقِد لَهُ، وَتُسْتَدَامِ لَهُ؛ لأَنَّةً مُتَأَوِّل، قَالَ
الْقَاضِي: فَلَوْ طَرَّأَ عَلَيْهِ كُفْرِ، وَتَغِْير لِلشَّرْعِ، أَوْ بِذْعَة، خَرَجَ عَنْ حُكْم الْوِلَايَةِ،
وَسَقَطَتْ طَاعَتِه، وَوَجَبَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ الْقِيَامَ عَلَيْهِ، وَخَلْعه، وَنَصْبِ إِمَامٍ عَادِل، إِنْ
أَمْكَنَّهُمْ ذَلِكَ، فَإِنْ لَمْ يَقَعِ ذَلِكَ إِلَّا لِطَائِفَةٍ، وَجِبَ عَلَيْهِمْ الْقِيَامِ بِخَلْع الْكَافِرِ، وَلَا يَجِب
فِي الْمُبْتَدِعِ، إِلَّا إِذَا ظَنُوا الْقُدْرَة عَلَيْهِ، فَإِنْ تَحَقِّقُوا الْعَجْزِ، لَمْ يَجِبَ الْقِيَامِ، وَلْيُهَاجِزْ
الْمُسْلِمِ عَنْ أَرْضِه إِلَى غَيْرِهَا، وَيَفِرٌ بِدِينِهِ، قَالَ: وَلَا تَنْعَقِد لِفَاسِقِ ابْتِدَاء، فَلَوْ طَرَأَ عَلَى
الْخَلِيفَة فِسْقٍ، قَالَ بَعْضهم: يَجِب خَلْعه، إِلَّا أَنْ تَتَرَتَّب عَلَيْهِ فِتْنَةُ وَحَرْب، وَقَالَ جَّاهِير
أَهْلِ السُّنَّة، مِنْ الْفُقَهَاءِ، وَالْمُحَدِّثِينَ، وَالْمُتَكَلِّمِينَ: لا يَنْعَزِل بِالْفِسْقِ، وَالظُّلْمِ، وَتَعْطِيل
الْحُقُوقِ، وَلَا يُخْلَعِ، وَلَا يَجُوز الْخُرُوجِ عَلَيْهِ بِذَلِكَ، بَلْ يَجِب وَعْظِه، وَتَخْوِيفه؛
لِلأَحَادِيثِ الْوَارِدَة فِي ذَلِكَ.
قَالَ الْقَاضِي: وَقَدْ ادَّعَى أَبُو بَكْرِ بْن مُجَاهِد، فِي هَذَا الْإِجَمَاعِ، وَقَدْ رَدَّ عَلَيْهِ بَعْضهمْ
هَذَا، بِقِيَامِ الْحَسَنِ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ، وَأَهْلِ الْمَدِينَةِ عَلَى بَنِي أُمَيَّةٍ، وَبِقِيَامِ جَّاعَة عَظْمِيَّة مِنْ
التَّابِعِينَ، وَالصَّدْرِ الْأَوَّلِ عَلَى الْحَجَّاجِ، مَعَ ابْنِ الْأَشْعَثَ، وَتَأَوَّلَ هَذَاَ الْقَائِلِ قَوْله: ((أَلَّا
نُنَازِعِ الْأَمْرِ أَهْلِه)) فِي أَئِمَّة الْعَذْل.
وَحُجَّة الْجُمْهُورِ أَنَّ قِيَامِهِمْ عَلَى الْحَجَّاجِ، لَيْسَ بِمُجَرَّدِ الْفِسْقِ، بَلْ لَمَّا غَيَّرَ مِنْ
الشَّرْعِ، وَظَاهَرَ الْكُفْر؛ لبيعه الأحرار، وتفضيله الخليفة على النبيّ صلّى اللَّه تعالى عليه
وسلم، وقوله المشهور المنكر في ذلك. قَالَ الْقَاضِي: وَقِيلَ: إِنَّ هَذَا الْخِلَاف، كَانَ
أَوَّلا، ثُمَّ حَصَلَ الإجماعِ عَلَى مَنْعَ الْخُرُوجِ عَلَيْهِمْ. وَاَللَّه أَعْلَم. انتهى(١).
وقال في (الفتح)): وَنَقَلَ ابْن التِّين، عَنْ الدَّاوُدِيِّ، قَالَ: الَّذِي عَلَيْهِ الْعُلَمَاءِ فِي أُمَرَاءُ
الْجَوْر، أَنَّهُ إِنْ قَدَرَ عَلَى خَلْعه بِغَيْرٍ فِتْنَة، وَلَا ظُلْم وَجَبَ، وَإِلا فَالْوَاجِبِ الصَّبْرِ. وَعَنْ
بَعْضِهِمْ: لَا يَجُوز عَقْد الْوِلَايَة لِفَّاسِقِ ابْتِدَاء، فَإِنْ أَحْدَثَ جَوْرًا بَعْدَ أَنْ كَانَ عَدْلا،
فَاخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ الْخُرُوجِ عَلَيْهِ، وَالصَّحِيحِ الْمَنْعِ، إِلَّا أَنْ يَكفُر، فَيَجِب الْخُرُوجِ عَلَيْهِ.
انتھی(٢).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا القول الأخير المصحح عندي هو الحقّ،
وحاصله أنه لا يجوز الخروج على الأئمة بأي نوع من أنواع الفسق، والظلم، إلا
بصريح الكفر، وأما ما عداه، فإن أمكن إزالته بغير خروج عليه، فذاك، وإلا فلا يجوز
(١) (شرح مسلم)) ١٢/ ٤٣٢-٤٣٣. ((كتاب الإمارة)). بزيادة من ((إكمال المعلم)) ٢٤٧/٦.
(٢) ((فتح)) ٤٩٨/١٤ ((كتاب الفتن)).

٢- (بَأَبُ البَيْعَةِ عَلَى أَنْ لَ نتَزِعَ الأَمَّرَ أَهْلَهَ) - حديث رقم ٤١٥٣
٢٠٩ ==
الخروج عليه، وهذا هو الذي أوضحه النبيّ صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم بقوله: ((إلا أن
تروا كفرًا بواحًا، عندكم من اللَّه فيه برهان)). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤١٥٢- (أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ حَمَّدٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَحْتِى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَادَةَ
ابْنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، عَنْ أَبِهِ، أَنَّ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ، قَالَ: بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ
وَ﴿ِ، عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ، وَذَكَرَ مِثْلَهُ).
قال الجامع عفَا اللَّه تعالى عنه: ((عيسى بن حمّاد)): هو أبو موسى التُّجِيبيّ المصريّ،
الملقّب زُغْبَةَ، ثقة [١٠] ٢١١/١٣٥ .
و((أبو عبادة)): هو الوليد بن عبادة بن الصامت الأنصاريّ المدنيّ، وُلد في عهد النبيّ
صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم، وهو ثقة، من كبار [٢].
قال ابن سعد: تُوُفّي في خلافة عبد الملك بن مروان، وكان ثقة، قليل الحديث.
وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). وقال العجليّ: شاميّ تابعيّ ثقة. روى له الجماعة،
سوى أبي داود، وله عند المصنّف هذا الحديث، وقد كرّره أربع مرّات.
وقوله: ((وذكر مثله)) الضمير لعيسى بن حماد. والحديث تقدم تمام الكلام فيه في
الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)).
٢- (بَابُ الْبَيْعَةِ عَلَى أَنْ لَا تُنَازِعَ
الأَمْرَ أَهْلَهُ)
٤١٥٣- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةٌ عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ،
عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ يَحْتِى بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَادَةُ بْنُ الْوَلِيدِ
بْنِ عُبَادَةَ، قَالَ: حَدْثَنِي أَبِي، عَنْ عُبَادَةَ، قَالَ: بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ نَّه عَلَى السَّمْعِ
وَالطَّاعَةِ، فِي الْيُسْرِ وَالْعُسْرِ، وَالْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ، وَأَنْ لَا تُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ، وَأَنْ تَقُولَ، أَوَّ
نَقُومَ بِالْحَقْ، حَيْثُمَا كُنَّا، لَا نَخَافُ لَوْمَةً لَائِم).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير الحارث،

٢١٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْبَيْعَةِ
وهو ثقة حافظ. و((محمد بن سلمة)): هو المراديّ الْجَمَليّ، أبو الحارث المصريّ، الثقة
الثبت. و((مالك)): هو ابن أنس إمام دار الهجرة.
والحديث متفق عليه، وقد سبق البحث عنه في الباب الماضي. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
٣- (بَابُ الْبَيْعَةِ عَلَى الْقَوْلِ بِالْحَقِّ)
٤١٥٤- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْتِى بْنِ أَيُّوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِذْرِیسَ، عَنْ ابْنِ
إِسْحَاقَ، وَيَحْيِى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَادَةً بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنَ
جَدِهِ، قَالَ: بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ بِ ◌ّه عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ، وَالْمَنْشَطِ
وَالْمَكْرَهِ، وَأَنْ لَا تُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ، وَعَلَى أَنْ تَّقُولَ بِالْحَقِّ حَيْثُ كُنَّا).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، وهو
مروزيّ ثقة حافظ. و((عبدُ اللَّه بن إدريس)): هو الأوديّ الكوفيّ. و((ابن إسحاق)): هو
محمد، إمام المغازي.
والحديث متفقٌ عليه، وقد سبق القول فيه قبل باب. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
٤- (الْبَيْعَةُ عَلَى الْقَوْلِ بِالْعَذْلِ)
٤١٥٥ - (أَخْبَرَنِي(١) هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْوَلِيدُ
ابْنُ كَثِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُبَادَةُ بْنُ الْوَلِيدِ، أَنَّ أَبَاهُ الْوَلِيدَ حَدَّثَهُ، عَنْ جَدِّهِ عُبَادَةَ بْنِ
الصَّامِتِ، قَالَ: بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ وَّه عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، فِي عُسْرِنَا وَيُسْرِنَا،
(١) وفي نسخة: ((أخبرنا)).

٥- (الْبَيْعَةُ عَلَى الأثْرَةِ) - حديث رقم ٤١٥٦
=
٢١١
وَمَنْشَطِنَا وَمَكَارِهِنَا، وَعَلَى أَنْ لَا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ، وَعَلَى أَنْ نَقُولَ بِالْعَذْلِ أَيْنَ كُنَّا، لا
نَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةً لَائِم).
قال الجامع عفا اللَّه تَعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح. و((هارون
بن عبد اللَّه)): هو أبو موسى الحمّال البغداديّ. و((أبو أسامة)): هو حماد بن أُسامة
الكوفيّ. و((الوليد بن كثير)): هو المخزوميّ، أبو محمد المدنيّ، ثم الكوفيّ، صدوقٌ
عارفٌ بالمغازيّ، ورمي برأي الخوارج [٦] ٤٤/ ٥٢ .
والحديث متّفق عليه، وقد مرّ قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب .
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)) .
٥- (الْبَيْعَةُ عَلَى الأَثَرَةِ)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((الأثرة)) : -بفتحتين)) -: اسم من الاستئثار، فمعنى:
((وأَثَرَة علينا)) أي تفضيل غيرنا علينا.
[فإن قيل]: إن البيعة على الأَثَرَة، ليس فعلًا لهم، فكيف يبايعون عليه؟، وأيضًا
ليس هو بأمر مطلوب في الدين، بحيث يُبايَع عليه، وأيضًا عمومه يرفعه من أصله؛ لأن
كلّ مسلم إذا بايع على أن يفضّل عليه غيره، فلا يوجد ذلك الغير الذي يفضّل، فما وجه
هذه المبايعة؟ .
[أُجيب]: بأن المراد بالبيعة عليه البيعة على الصبر إذا حصل لهم ذلك، فإذا أُوثر
عليهم غيرهم في الفيء، أو العطايا، أو الولايات، أو في أيّ حقّ من حقوقهم صبروا
عليه، ولم ينازعوا الولاة فيه.
ثم قيل: الضمير في ((علينا)) كناية عن جماعة الأنصار، أو عامّ لهم ولغيرهم، والأول
أوجه، فإنه صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم أوصى إلى الأنصار: ((ستكون بعدي أَثْرَةٌ، فاصبروا
عليها)) يعني أن الأمراء ستفضّل عليكم غيركم في العطايا، والولايات، والحقوق، وقد
وقع ذلك في عهد الأمراء بعد الخلفاء الراشدين، فصبروا. أفاده السنديّ.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: عندي الأوجه عمومه للأنصار ولغيرهم، فإنه وإن
كان الخطاب في هذا الحديث لهم، إلا أن المراد العموم، بدليل أنه صلّى اللَّه تعالى

٢١٢
:
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْبَيْعَةِ
عليه وسلم بايع هذه المبايعة لغير الأنصار أيضًا، كما سيأتي في حديث أبي هريرة،
وجرير، وغيرهم رضي اللّه تعالى عنهم، فتبصّر. والله تعالى أعلم بالصواب.
٤١٥٦- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ
سَيَّارٍ، وَيَخْتِى بْنِ سَعِيدٍ، أَنَّهُمَا سَمِعَا عُبَادَةَ بْنَ الْوَلِيدِ، يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيِهِ، أَمَّا سَيَّارٌ،
فَقَالَ: ((عَنْ أَبِيهِ))، وَأَمَّا يَحْتِى، فَقَالَ: عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِهِ، قَالَ: بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ ◌ِ،
عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، فِي عُسْرِنَا وَيُسْرِنَا، وَمَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا، وَأَثَرَةٍ عَلَيْنَا، وَأَنْ لَا نُنَازِعَ
الْأَمْرَ أَهْلَهُ، وَأَنْ نَقُومَ بِالْحَقِّ حَيْثُمَا كَانَ، لَا نَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِم.
قَالَ شُعْبَةُ: سَيَّارٌ لَّمْ يَذْكُرْ هَذَا الْحَرْفَ، ((حَيْثُمَا كَانَ))، وَذَكَرَهُ يَحْيِىَ، قَالَ شُعْبَةُ: إِنْ
كُنْتُ زِدْتُ فِیهِ شَيْئًا، فَهُوَ عَنْ سَيَّارٍ، أَوْ عَنْ يَخْتِى).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح. و((محمد
ابن الوليد)): هو الْبُسْريّ البصريّ، يلقّب حمدان. و((محمد)): هو ابن جعفر غندر.
و(سيّار)): هو ابن أبي سيّار وَزْدان، أبو الحكم الْعَنَزيّ الكوفيّ.
وقوله: ((أما سيّار، فقال: عن أبيه)) الخ، ولفظ ((الكبرى)): ((أما سيّار، فقال: ((عن أبيه
القاضي(١)، عن النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم الخ))، يعني أن سيّارًا قال: ((عن أبيه، عن
النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم))، فأرسله، وأما يحيى، فقال: ((عن أبيه، عن جدّه،
فوصله، وهو المحفوظ؛ فإن جمهور الرواة، رووه هكذا، كما سبق في الروايات السابقة .
وقوله: ((سيّار لم يذكر هذا الحرف» يعني أن قوله: «حیثما كان» إنما ذكره یحیی بن
سعيد، وأما سيّار، فلم يذكر إلا قوله: ((وأن نقول بالحقّ)).
والحديث متّفقٌ عليه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
حسبنا، ونعم الوكيل.
٤١٥٧- (أَخْبَرَنَا قُتَيبَةُ، قَالَ: حدثنا یَعْقُوبُ، عَنْ أَبِي حَازِم، عن أيِي صَالِح، عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَإِ، قَالَ: ((عَلَيْكَ بِالطَّاعَةِ، فِي مَنْشَطِكَ وَمَكْرَهِكَّ، وَعُسْرِكَ
وَيُسْرِكَ، وَأَثَرَةٍ عَلَيْكَ))).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلّهم رجال الصحيح، وتقدّموا
غير مرّة. و((يعقوب)): هو ابن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن عبد القاريّ
المدنيّ، نزيل الإسكندريّة، ثقة [٨] ٧٣٩/٤٥.
و ((أبو حازم)): هو سلمة بن دينار التمّار الأعرج المدنيّ القاصّ الثقة العابد [٥]٤٤/٤٠.
(١) هكذا وقع في نسخة ((الكبرى)) ولم يظهر في المراد، إذلم أر من وصف أباه بكونه قاضيًا. فالله أعلم.

٢١٣ =
٦- (الْبَيْعَةُ عَلَى النَّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِم) - حديث رقم ٤١٥٨
و((أبو صالح)): هو ذكوان السمّان الزيّات المدنيّ الثقة الثبت [٣] ٤٠/٣٦.
وحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه هذا أخرجه المصنف هنا- ٤١٥٧/٥-
وفي ((الكبرى)) ٧٧٧٦/٥. وأخرجه (م) في ((الإمارة)) ١٨٣٦ (أحمد) في ((مسند
الكثرين)» ٨٧٣٠ . وشرحه، وسائر مسائله تقدّمت في الكلام على حديث عبادة بن
الصامت رضي الله تعالى عنه الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب».
٦- (الْبَيْعَةُ عَلَى النُّضْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ)
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((النُّصْح)) بضمّ، فسكون -: مصدرٌ، يقال: نَصَحتُ
لزيد أَنْصَحُ نُصْحًا، ونَصِيحةً، هذه هي اللغة الفصيحة، وعليها قوله تعالى: ﴿إِنْ أَرَدتُ
أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ﴾ [هود: ٣٤]، وفي لغة يتعدّى بنفسه، فيقال: نصحته، وهو الإخلاص،
والصدقُ والْمَشُورَةُ، والعمل، والفاعل ناصحٌ، ونَصِيحٌ، والجمعُ نُصَحاءُ. قاله
الفيوميّ.
وقال المازريّ رحمه اللّه تعالى: النصيحة مشتقّةٌ من نصحت العسل: إذا صفّيته من
الشَّمَع، يقال: نصح الشيُّ: إذا خلص، ونصح له القول: إذا أخلصه له، شبهوا تخليص
القول من الغشّ بتخليص العسل من الخلط. أو مشتقّة من النَّضْح بفتح، فسكون -:
وهي الخياطة بالْمِنْصحة، وهي الإبرة، يقال: نصح الرجل ثوبه: إذا خاطه، فشبّهوا
فعل الناصح فيما يتحرّاه من صلاح المنصوح له بما يسدّه من خلل الثوب. والمعنى أنه
يلُمّ شعث أخيه بالنصح، كما تلمّ المِنصَحة. ومنه التوبة النَّصُوح، كأن الذنب يمزّق
الدين، والتوبة تَخِيطه. انتهى. كلام المازريّ بزيادة من كلام غيره.
وقال الخطّابِيّ رحمه الله تعالى: النصيحة كلمة جامعة، معناها حيازة الحظّ
للمنصوح له، قال: ويقال: هي من وجيز الأسماء، ومختصر الكلام، وليس في كلام
العرب كلمة مفردة تُستَوفَى بها العبارة عن معنى هذه الكلمة، كما قالوا في الفلاح: ليس
في كلام العرب كلمة أجمع لخير الدنيا والآخرة منه. قال: وقيل: النصيحة مأخوذة من
نصح الرجل ثوبه اذا خاطه، فشبهوا فعل الناصح فيما يتحراه من صلاح المنصوح له بما

٢١٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْبَيْعَةِ
يسده من خلل الثوب. قال: وقيل: إنها مأخوذة من نصحت العسل إذا صَفّيته من
الشمع، شبهوا تخليص القول من الغش بتخليص العسل من الخلط. قال: ومعنى
الحديث: عمادُ الدين وقِوَامه النصحية، كقوله: ((الحج عرفة)): أى عماده ومعظمه
عرفة. انتهى(١). والله تعالى أعلم بالصواب.
٤١٥٨- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ زِيَادِ بْنِ
عِلَاقَةَ، عَنْ جَرِيرٍ، قَالَ: بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ، عَلَى النُّضْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١- (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ) أبو يحيى المكيّ، ثقة [١٠] ١١/١١.
٢- (سفيان) بن عيينة الإمام الحجة الثبت المكيّ [٨] ١/١.
٣- (زياد بن عِلاقة) - بكسر العين المهملة- كوفيّ ثقة رُمي بالنصب [٣]٩٥٠/٤٣.
٤- (جرير) بن عبد الله بن جابر البجليّ الأحمسيّ الصحابيّ المشهور، مات رضي
الله تعالى عنه سنة (٥١) أو بعدها، تقدّم في ٥١/٤٣. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من رباعيات المصنف رحمه الله تعالى، وهو (١٨٩) من رباعيّات
الکتاب. (ومنها): أن رجالہ کلهم رجال الصحيح، غیر شيخه، فقد تفرد به هو، وابن
ماجه. (ومنها): أن فيه مکیین، شيخه، وسفيان، وکوفیین، زياد، وجرير، فإنه رتّ
ممن نزل الكوفة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ جَرِيرٍ) بن عبد الله رضي اللَّه تعالى عنه، أنه (قَالَ: بَايَعْتُ) أي عاهدت،
وعاقدت (رَسُولَ اللَّهِ بِّهِ عَلَى النُّضْحِ لِكُلِّ مُسْلِم) تقدّم معنى النصح، والنصحية أول
الباب. وفي الرواية التالية: ((على السمع والطاعة، وأن أنصح لكلّ مسلم))، وفي ١٦/
٤١٧٦- من طريق أبي وائل، والشعبيّ كلاهما، عنه: ((أتيت النبيّ صلّى اللَّه تعالى عليه
وسلم، فقلت له: أبايعك على السمع والطاعة فيما أحببت، وفيما كرهت، قال النبيّ
صلّى الله تعالى عليه وسلم: ((أوَ تستطيع ذلك يا جرير، أو تطيق ذلك، قال: قل: فيما
استطعت، فبايعني، والنصح لكلّ مسلم))، وفي ٤١٧٩/١٧- من طريق أبي وائل، عنه:
(أتيت النبيّ صلّى اللّه تعالى عليه وسلم، وهو يبايع، فقلت: يا رسول اللَّه، ابسط يدك
(١) راجع (شرح النوويّ على صحيح مسلم)) ٣٧/٢ .

٦- (البَيْعَةُ عَلَى النَّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِم) - حديث رقم ٤١٥٨
٢١٥
حتى أبايعك، واشترط عليّ، فأنت أعلم، قال: أبا يعك على أن تعبد اللّه، وتقيم
الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتناصح المسلمين، وتفارق المشركين)). ورواه ابن حبّان من
طريق أبي زرعة بن عمرو بن جرير، عن جدّه، وزاد فيه: ((فكان جرير إذا اشترى شيئًا،
أو باع يقول لصاحبه: اعلم أن ما أخذنا منك أحبّ إلينا مما أعطيناكه، فاختر)). وروى
الطبرانيّ في ترجمته: ((أن غلامه اشترى له فرسًا بثلاثمائة، فلما رآه جاء إلى صاحبه،
فقال: إن فرسك خير من ثلاثمائة، فلم يزل يزيده حتى أعطاه ثمانمائة)).
قال القرطبيّ: كانت مبايعة رسول الله صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم لأصحابه مرّات
متعدّدة في أوقات مختلفة بحسب ما كان يحتاج إليه، من تجديد عهد، أو توكيد أمر،
فلذلك اختلفت ألفاظها، كما دلّت عليه الأحاديث الآتية. انتهى(١).
وقال القاضي عياض: اقتصر على الصلاة والزكاة؛ لشهرتهما، ولم يذكر الصوم
وغيره لدخول ذلك في السمع والطاعة.
وقوله: ((فيما استطعت)) قال القرطبيّ: رويناه بفتح التاء على مخاطبته إياه، وعلى
هذا فيكون قوله: ((فيما استطعت)) من قول النبيّ صلّى اللّه تعالى عليه وسلم، مخاطبًا له
به، فلا يحتاج إلى التلفّظ بهذا القول. ورويناه بضمّ التاء للمتكلّم، وعلى هذا فيكون
النبيّ صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم أمره أن ينطق بهذا اللفظ، فكأنه قال له: قل: فيما
استطعت، وعليه فيحتاج جرير إلى النطق بذلك امتثالاً للأمر، وعلى الوجهين،
فمقصود هذا القول التنبيه على أن اللازم من الأمور المبايع عليها هو ما يُطاق،
ويُستطاع، كما هو المشترط في أصل التكليف، كما قال اللَّه تعالى: ﴿لَا يُكَلِفُ اللَّهُ
نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، ويُشعر الأمر بقول ذلك اللفظ في حال المبايعة
بالعفو عن الهفوة، والسقطة، وما وقع عن خطأ، أو تفريط. انتهى كلام القرطبيّ.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: يؤيّد رواية ضمّ التاء ما تقدّم من رواية أبي وائل،
والشعبيّ، عن جرير بلفظ: ((قل: فيما استطعتُ)). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث جرير رضي اللّه تعالى عنه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
(١) ((المفهم)) ٢٤٤/١. ((كتاب الإيمان)).

=
٢١٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْبَيْعَةِ
أخرجه هنا - ٤١٥٨/٦ و٤١٥٩ و٤١٧٦/١٦ و٤١٧٧/١٧ و٤١٧٩ و٤١٨٠/٢٤/
٤١٩١- وفي ((الكبرى)) ٦/ ٧٧٧٧ و٧٧٧٨ و٧٧٩٧/١٩ و٧٧٩٨/٢٠ و٧٨٠٠ و٢٨/
٧٨١٢. وأخرجه (خ) في ((الإيمان)) ٥٧ و٥٨ و((مواقيت الصلاة)) ٥٢٤ و((الزكاة))
١٠٤١ و(البيوع)) ٢١٥٧ و(الشروط)) ٢٧١٤ و٢٧١٥ و((الأحكام)) ٧٢٠٤ (م) في
((الإيمان)) ٥٦ (ت) في (البرّ والصلة)) ١٩٢٢٥ (أحمد) في ((مسند الكوفيين)) ١٨٦٧١
و ١٨٦٨٠ و١٨٧٠٠ و١٨٧٣٤ و١٨٧٥٣ (الدارمي) في ((البيوع)) ٢٥٤٠. والله تعالى
أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه اللّه تعالى، وهو مشروعيّة البيعة على النصح
لكلّ مسلم. (ومنها): وجوب النصيحة لكلّ مسلم. (ومنها): تحريم الغشّ، والخديعة،
بل يجب على الإنسان أن يُعامل الآخرين بما يحبّ أن يعاملوه به. (ومنها): بيان مكانة
النصح في الإسلام، حيث اعتنى به الشارع، فكان يبايع عليه، وأنه ملاك الأمر كلّه،
حيث قال صلّى الله تعالى عليه وسلم فيما سيأتي من حديث تميم الداريّ رضي الله
تعالى عنه: ((الدين النصيحة))، فجعله عين الدين كلّه. (ومنها): أن الوفاء بالمبايعة إنما
يجب على الإنسان فيما استطاع، فلا يكلّف غير طاقته، كما نفاه اللّه تعالى في قوله:
﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ الآية [البقرة: ٢٨٦]. (ومنها): ماكان عليه الصحابة
رضي الله تعالى عنهم من قوة الإيمان، وكمال الاتّباع، ويتمثّل ذلك في مدى التزام هذا
الصحابيّ جرير بن عبد الله رضي اللّه تعالى عنه لهذا العهد العظيم، فقد أثّر في سلوكه،
حَيَاتَهُ كلّها، فلا يبايع أحدًا، إلا واجتهد في بذل النصح له، كما أوضحته رواية ابن
حبان، ((فكان جرير إذا اشترى، أو باع يقول: اعلم أن ما أخذنا منك أحبّ إلينا مما
أعطيناك، فاختر)). جعلنا الله تعالى ممن يستمعون القول، فيتبعون أحسنه. والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤١٥٩- (أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ يُونُسَ، عَنْ عَمْرٍو
ابْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ، قَالَ جَرِيرٌ: بَايَعْتُ النَّبِيَّ ◌َّةِ، عَلَى السَّمْعِ
وَالَطَّاعَةِ، وَأَنْ أَنْصَحَ لِكُلِّ مُسْلِمِ).
قال الجامع عفا الله تعالى عنّه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا.
وشيخه هو الدورقيّ، أبو يوسف البغداديّ، أحد مشايخ الأئمة الستّة بلا واسطة، ثقة
حافظ [١٠] ٢١/ ٢٢. و((يونس)): هو ابن عُبيد بن دينار العبديّ البصريّ، ثقة ثبت
فاضل ورعٌ [٥] ١٠٩/٨٨. و((عمرو بن سعيد)): هو القرشيّ، أو الثقفيّ مولاهم،

٢١٧
٧- (البَيْعَةُ عَلَى أَنْ لَ نَفِّرًّ) - حديث رقم ٤١٦٠
أبو سعيد البصريّ، ثقة [٥] ٣٢٧٩/٣٩. ((وأبو زرعة بن عمرو بن جرير)): هو البجليّ
الكوفيّ، حفيد جرير الصحابيّ رضي الله تعالى عنه، قيل: اسمه هَرِم، وقيل: عمرو،
وقيل: عبد اللَّه، وقيل: عبد الرحمن، وقيل: جرير، ثقة [٣] ٥٠/٤٣.
والحديث متفقٌ عليه، وتقدّم تمام البحث فيه في الذي قبله. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
٧- (الْبَيْعَةُ عَلَى أَنْ لَا نَفِرَّ)
٤١٦٠- (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، سَمِعَ جَابِرًا، يَقُولُ: لَمْ
تُبَايِعْ رَسُولَ اللَّهِ بَّهَ عَلَى الْمَوْتِ، إِنَّمَا بَايَعْنَاهُ عَلَى أَنْ لَا نَفِرَّ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١- (قتيبة) بن سعيد الثقفيّ البغلانيّ، ثقة ثبت [١٠] ١/١ .
٢- (سفيان) بن عيينة المذكور في الباب الماضي.
٣- (أبو الزبير) محمد بن مسلم بن تَدْرُس المكيّ، صدوق، يدلّس [٤] ٣٥/٣١.
٤- (جابر) بن عبد الله بن عمرو بن حرَام الأنصاريّ السَّلَميّ الصحابيّ ابن الصحابيّ
رضي اللّه تعالى عنهما، غزا تسع عشرة غزوة، ومات بالمدينة بعد السبعين، وهو ابن
أربع وتسعين سنة. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من رباعيات المصنف رحمه الله تعالى، وهو (١٩٠) من رباعيّات
الكتاب. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمكيين، غير
شيخه، فبغلانيّ، وجابر ◌َّه سكن مكة. (ومنها): أن فيه جابرًا رضي اللّه تعالى عنه
من المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم رحمه الله تعالى، أنه (سَمِعَ جَابِرًا) رضي اللَّه تعالى
عنه (يَقُولُ: لَمْ نُبَايِعْ رَسُولَ اللَّهِ وَ هِ عَلَى الْمَوْتِ) أي لأنه ليس في اختيار أحد، فالبيعة
عليه غير مفيدة، لعدم دخولها تحت وسع المكلّف (إِنَّمَا بَايَعْنَاهُ عَلَى أَنْ لَا نَفِرَّ) أي لا نفرّ

٢١٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْبَيْعَةِ
عند ملاقاة العدوّ، وإن كان يؤدي إلى الموت، وإنما بايعوه على هذا؛ لكونه في مقدور
المكلّفين، يستطيعون الوفاء به.
وهذه المبايعة كانت يوم الحديبية، كما صرّح به في رواية مسلم، من طريق الليث بن
سعد، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: كنا يوم الحديبية ألفا وأربع مائة، فبايعناه، وعمر
آخذ بيده تحت الشجرة، وهي سَمُرة، وقال: بايعناه على أن لا نفر، ولم نبايعه على
الموت .
قال أبو العبّاس القرطبيّ رحمه اللّه تعالى: قوله: ((لم نبايعه على الموت)) مخالفٌ لما
قاله سلمة بن الأكوع أنهم بايعوه في ذلك اليوم على الموت، وكذلك قال عبد الله بن
زيد، وهذا خلافٌ لفظيّ، وأما المعنى فمتّفقٌ عليه؛ لأن من بايع على أن لا يفرّ حتى
يَفتح الله عليه، أو يُقتل، فقد بايع على الموت، فكأن جابرًا لم يسمع لفظ الموت،
وأخذ غيره الموت من المعنى، فعبّر عنه، ويشهد لما ذكرته أنه قد رُوي عن ابن عمر في
غير كتاب مسلم أن البيعة كانت على الصبر(١) وكان هذا الحكم خاصًا بأهل الحديبية،
فإنه مخالفٌ لما في في كتاب الله تعالى، من إباحة الفرار عند مثلي العدد، كما نصّ
عليه في سورة الأنفال، وعلی مقتضی بیع الحدیبیة لا فرار أصلا، فهذا حكم خاصّ بهم
والله تعالى أعلم- ولذلك قال عبد الله بن زيد: لا أبايع على هذا أحدًا بعد رسول الله
صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم(٢).
ثم إن الناس اختلفوا في العدد المذكور في آيتي الأنفال، فحمله جمهور العلماء على
ظاهره من غير اعتبار للقوّة والضعف، والشجاعة والجبن. وحكى ابن حبيب، عن
مالك، وعبد الملك أن المراد بذلك القوّة، والتكافؤ، دون تعيين العدد. وقال ابن
حبيب: والقول الأول أكثر، فلا تفرّ المائة من المائتين، وإن كانوا أشدّ جلدًا، وأكثر
سلاحًا. قال القرطبيّ: وهو الظاهر من الآية. قال عياضٌ: ولم يُختلف أنه متى جُهل
منزلة بعضهم على بعض في مراعاة العدد لم يجز الفرار. انتهى كلام القرطبيّ(٣).
(١) هو ما أخرجه البخاريّ في («صحيحه» -٢٩٥٨ - من طريق جويرية، عن نافع، قال: قال ابن عمر
رضي الله عنهما: رجعنا من العام المقبل، فما اجتمع منا اثنان على الشجرة التي بايعنا تحتها،
كانت رحمة من الله، فسألت نافعا على أي شيء بايعهم؟ على الموت؟ قال: لا، بل بايعهم على
الصبر.
(٢) هو ما أخرجه الشيخان، من طريق عباد بن تميم، عن عبد الله بن زيد، رضي الله عنه، قال: لما
كان زمن الْحَرّة، أتاه آت، فقال له: إن ابن حنظلة، يبايع الناس على الموت، فقال: لا أبايع
على هذا أحدا، بعد رسول اللّه وَلتر.
(٣) ((المفهم)) ٤ / ٦٧ -٦٨.

٢١٩
٧- (الْبَيْعَةُ عَلَى أَنْ لَ نَفِّرّ) - حديث رقم ٤١٦٠
وقال النوويّ في ((شرح مسلم)): قَوْله فِي رِوَايَة جَابِرِ، وَرِوَايَة مَعْقِل بْنِ يَسَارِ:
(بَايَعْنَاهُ يَوْمِ الْحُدَيْبِيَة عَلَى أَلَّا نَفِرَّ، وَلَمْ نُبَايِعَهُ عَلَى الْمَوْت))، وَفِي رِوَايَةٍ سَلَمَة: ((أَنَّهُمْ
بَايَعُوهُ يَوْمَئِذٍ عَلَى الْمَوْت))، وَهُوَ مَعْنَى رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن زَيْد بْن عَاصِمٍ. وَفِي رِوَايَة
مُجَاشِعِ بْن مَسْعُود: ((الْبَيْعَة عَلَى الْهِجْرَة، وَالْبَيْعَة عَلَى الْإِسْلَامِ، وَالْجِهَاد))، وَفِي حَدِيث
ابْن عُمَر، وَعُبَادَةَ: ((بَايَعْنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَة، وَأَلَّا نُنَازِعِ الْأَمْرِ أَهْله))، وَفِي رِوَايَة عَنْ
ابْن عُمَر فِي غَيْرِ (صَحِيح مُسْلٍمٍ)): ((الْبَيْعَة عَلَى الصَّبْر)).
قَالَ الْعُلَمَاءِ: هَذِهِ الرِّوَايَة تَجَمِعِ الْمَعَانِي كُلّهَا، وَتُبَيْنُ مَقْصُود كُلّ الرِّوَايَات، فَالْبَيْعَة
((عَلَى أَلَّا نَفِرّ)) مَعْنَاهُ: الصَّبْرِ حَتَّى نَظْفَر بِعَدُوْنَا، أَوْ نُقْتَل، وَهُوَ مَعْنَى الْبَيْعَة عَلَى الْمَوْت،
أَيْ: نَصْبِر، وَإِنْ آَلَ بِنَا ذَلِكَ إِلَى الْمَوْتِ، لَا أَنَّ الْمَوْتِ مَقْصُود فِي نَفْسِه، وَكَذَا الْبَيْعَة
عَلَى الْجِهَادِ، أَيْ وَالصَّبْرِ فِيهِ. وَاَللَّه أَعْلَم.
وَكَانَ فِي أَوَّل الْإِسْلَامِ يَجِب عَلَى الْعَشَرَةِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، أَنْ يَصْبِرُوا لِمِائَةٍ مِنْ
الْكُفَّارِ، وَلَا يَفِرُّوا مِنْهُمْ، وَعَلَى الْمِائَة الصَّبْرِ لِأَلْفِ كَافِرٍ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ، وَصَارَ الْوَاجِب
مُصَابَرَة الْمِثْلَيْنِ فَقَطْ، هَذَا مَذْهَبِنَا، وَمَذْهَب ابْنِ عَبَّاس، وَمَالِك، وَالْجُمْهُور، أَنَّ الْآيَة
مَنْسُوخَةٍ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة، وَطَائِفَةٍ: لَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ، وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الْمُعْتَبَر مُجَرَّد
الْعَدَد، مِنْ غَيْرِ مُرَاعَاة الْقُوَّة وَالضَّعْف، أَمْ يُرَاعَى؟ وَالْجُمْهُورِ عَلَى أَنَّهُ لَا يُرَاعَى لِظَاهِرٍ
الْقُرْآن .
وَأَمَّا حَدِيث عُبَادَةَ: (بَايَعْنَا رَسُول اللَّهِ وَّهَ عَلَى أَلَّا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلَا تَسْرِقُوا إِلَى
آخِرِه)»، فَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ فِي أَوَّل الْأَمْرِ، فِي لَيْلَة الْعَقَّبَة، قَبْلِ الْهِجْرَة مِنْ مَكَّة، وَقَبْل فَرْض
الْجِهَاد. انتهى كلام النوويّ(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن قول جابر رضي الله تعالى عنه:
((لم نبايع رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم على الموت))، إنما هو حكاية للّفظ
الذي صدر منه، حين المبايعة، فلا ينفي صدور لفظ الموت من غيره، كما في حديث
سلمة بن الأكوع رضي الله تعالى عنه الآتي في الباب التالي، إن شاء اللّه تعالى، وأنه لا
اختلاف في المعنى، إذ المقصود مصابرة العدوّ، ولو أدى ذلك إلى الموت. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
(١) (شرح مسلم)) ٥/١٣-٧. ((كتاب الإمارة)).

٢٢٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْبَيْعَةِ
حديث جابر رضي اللَّه تعالى عنه هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا- ٧/ ٤١٦٠- وفي ((الكبرى)) ٢٧٧٩/٧. وأخرجه (م) في ((الإمارة)»
١٨٥٦ (ت) في ((السير)) ١٥٩١ و١٥٩٤ (أحمد) في ((باقي مسند المكثرين)) ١٣٧٠٠
و١٤٤٠٩ و١٤٦٦٠ و١٤٨٣٥ (الدارمي) في ((السير)) ٢٤٥٤. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلتُ، وإليه
أنیب)) .
٨- (الْبَيْعَةُ عَلَى الْمَوْتِ)
٤١٦١- (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ، قَالَ:
قُلْتُ لِسَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ: عَلَى أَيِّ شَيْءٍ بَايَعْتُمْ النَّبِيِّ ◌َِّ، يَوْمَ الْحُدَنِيَةِ؟ قَالُ: عَلَى الْمَوْتِ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١- (قتيبة) المذكور في الباب الماضي.
٢- (حاتم بن إسماعيل) أبو إسماعيل الحارثيّ مولاهم، المدنيّ، كوفيّ الأصل،
صدوق تِهِم، صحيح الكتاب [٨] ٥٤٣/٢٤ .
٣- (يزيد بن أبي عُبيد) الأسلميّ، مولى سلمة بن الأكوع، ثقة [٤] ٦٧ / ١٩٦١ .
٤- (سلمة بن الأكوع) هو سلمة بن عمرو بن الأكوع، نُسب لجدّه الأسلميّ،
أبو مسلم، وأبو إياس الصحابيّ الشهير، شهد بيعة الرضوان، ومات رضي اللّه تعالى
عنه سنة (٦٤)، تقدّم في ٧٦٥/١٥. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من رباعيات المصنف رحمه اللّه تعالى، وهو (١٩١) من رباعيّات
الكتاب. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين،
غير شيخه، فبغلانيّ. والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: هذا الحديث بهذا الإسناد أخرجه الشيخان، فأخرجه البخاريّ في ((كتاب
الجهاد)) ((باب غزوة الحديبية)) الحديث: ٤١٦٩- وأخرجه مسلم في ((كتاب الإمارة))