Indexed OCR Text

Pages 301-320

٤- ( ذِكْرُ أَعْظَم الذَنْبِ، وَاخْتِلافٍ ... - حديث رقم ٤٠١٤
٣٠١ =
أخرجه الترمذي، والنسائي، لكن الترمذي بعد أن ساقه بلفظ واصل، عطف عليه بالسند
المذكور طريق سفيان عن الأعمش ومنصور، قال بمثله، وكأن ذلك كان في أول الأمر.
وذكر الخطيب هذا السند مثالا لنوع من أنواع مدرج الإسناد، وذكر فيه أن محمد بن
كثير وافق عبد الرحمن على روايته الأولى، عن سفيان فيصير الحديث عن الثلاثة بغير
تفصيل .
وقد أخرجه البخاري في ((الأدب)) عن محمد بن كثير، لكن اقتصر من السند على
منصور، وأخرجه أبو داود عن محمد بن كثير، فضم الأعمش إلى المنصور، وأخرجه
الخطيب من طريق الطبراني، عن أبي مسلم الليثي، عن معاذ بن المثني، ويوسف
القاضي، ومن طريق أبي العباس البرقي، ثلاثتهم عن محمد بن كثير، عن سفيان عن
الثلاثة، وكذا أخرجه أبو نعيم في ((المستخرج)) عن الطبراني، وفيه ما تقدم. وذكر
الخطيب الاختلاف فيه على منصور، وعلى الأعمش، في ذكر أبي ميسرة وحذفه، ولم
يختلف فيه على واصل في إسقاطه، في غير رواية سفيان. وقد أخرجه الترمذي،
والنسائي من رواية شعبة، عن واصل بحذف أبي ميسرة، لكن قال الترمذي رواية
منصور أصح -يعني بإثبات أبي ميسرة- وذكر الدارقطني الاختلاف فيه، وقال: رواه
الحسن بن عبيد الله، عن أبي وائل، عن عبد اللّه، كقول واصل، ونقل عن الحافظ أبي
بكر النيسابوري أنه قال: يشبه أن يكون الثوري جمع بين الثلاثة لما حدث به ابن مهدي
ومحمد بن كثير، وفصله لما حدث به غيرهما -يعني فيكون الإدراج من سفيان، لا من
عبد الرحمن، والعلم عند الله تعالى. انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى ببعض
تصرّف(١) وهو بحث نفيس جدًّا. والله تعالى أعلم بالصواب .
٤٠١٤- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ
وَاصِلٍ، عَنِ أَبِيِ وَائِلٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَخْبِيلَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ
اللَّهِ، أَيُّ الذَّتْبِ أَعْظَمَّ؟، قَالَ: ((أَنْ تَجَعَلَ لِلّهِ نِدًا، وَهُوَ خَلَقَكَ))، قُلْتُ: ثُمَّ مَاذَا؟، قَالَ:
((أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ، خَشْيَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ))، قُلْتُ: ثُمَّ مَاذَا؟، قَالَ: ((أَنْ تُزَانِيَ بِحَلِيلَةٍ
جَارِكَ») .
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١- (محمد بن بشّار) العبديّ، بُنْدار أبو بكر البصريّ، ثقة حافظ [١٠]٢٧/٢٤.
٢- (عبد الرحمن) بن مهديّ بن حسّان العنبريّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقة ثبت
(١) راجع ((الفتح)» ١٤/ ٧٣-٧٤.

٣٠٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْمُحَارَبَةِ
إمام[٩]٤٢ /٤٩ .
٣- (سفيان) بن سعيد الثوريّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقة ثبت حجة [٧] ٣٧/٣٣.
٤- (واصل) بن حيّان الأحدب الأسديّ الكوفيّ، بَيّاعُ السابَريّ، ثقة ثبت [٦]١٧٢/
٢٦٨ .
٥- (أبو وائل) شقيق بن سلمة الأسديّ الكوفي، مخضرم ثقة [٢]٢/٢.
٦- (عمرو بن شُرَخبيل) أبو ميسرة الهمدانيّ الكوفي، ثقة عابدٌ، مخضرمٌ [٢]١٨٠/
٢٨٥ .
[تنبيه]: قوله: ((شُرَحبيل)) - بضم الشين المعجمة، وفتح الراء - غَيْرِ مُنْصَرِف؛ لِكَوْنِهِ
اسْمَا، عَجَمِيًّا، عَلَمًا. قاله النوويّ(١). والله تعالى أعلم.
٧- (عبد الله) بن مسعود الصحابيّ الشهير رضي اللّه تعالى عنه ٣٩٠/٣٥ والله تعالى
أعلم .
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سباعيّات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال
الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بثقات الكوفيين من سفيان، وشيخه، وعبد الرحمن
بصريّان. (ومنها): أن شيخه أحد المشايخ التسعة الذين يروي عنهم أصحاب الأصول
بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ مخضرم، عن تابعيّ
مخضرم، فيكون من رواية الأقران. والله تعالى أعلم .
شرح الحديث
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ) بن مسعود رضي الله تعالى عنه، أنه (قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ) وفي
رواية لأحمد من وجه آخر، عن مسروق، عن ابن مسعود: ((جلس رسول الله صلّى اللّه
تعالى عليه وسلم على نشز من الأرض، وقعدت أسفل منه، فاغتنمت خلوته، فقلت:
بأبي وأمّ أنت يا رسول اللّه، أيُّ الذنب أكبر؟ ... )) الحديث (أَيُّ الذَّتْبِ أَعْظَمُ؟) وفي
رواية للبخاريّ: ((أكبر))، ووقع في رواية عاصم، عن أبي وائل، عن عبد الله: ((أعظم
الذنوب عند الله))، أخرجها الحارث، وفي رواية أبي عبيدة بن معن، عن الأعمش:
(أي الذنوب أكبر عند اللّه))، وفي رواية الأعمش عند أحمد وغيره: ((أي الذنب أكبر))،
وفي رواية الحسن بن عبيد الله، عن أبي وائل: ((أكبر الكبائر)).
قال ابن بطال عن المهلب: يجوز أن يكون بعض الذنوب أعظم من بعض من الذنبين
(١) (شرح مسلم)٤ ٢/ ٨٠.

٤ - ( ذِكْرُ أَعْظَم الذَّنْبِ، وَاخْتِلافٍ ... - حديث رقم ٤٠١٤
٣٠٣ =
المذكورين في هذا الحديث، بعد الشرك؛ لأنه لا خلاف بين الأمة أن اللواط أعظم إثما
من الزنا، فكأنه وَ ليل إنما قصد بالأعظم هنا ما تكثر مواقعته، ويظهر الاحتياج إلى بيانه
في الوقت، كما وقع في حق وفد عبد القيس، حيث اقتصر في منهياتهم على ما يتعلق
بالأشربة؛ لفُشُوّها في بلادهم .
وتعقّبه الحافظ: فقال: وفيما قال نظر من أوجه:
[أحدها]: ما نقله من الإجماع، ولعله لا يقدر أن يأتى بنقل صحيح صريح بما ادعاه
عن إمام واحد، بل المنقول عن جماعة عكسه، فإن الحد عند الجمهور، والراجح من
الأقوال إنما ثبت فيه بالقياس على الزنا، والمقيس عليه أعظم من المقيس، أو مساويه،
والخبر الوارد في قتل الفاعل والمفعول به، أو رجمهما ضعيف .
[وأما ثانيا]: فما من مفسدة فيه إلا ويوجد مثلها في الزنا وأشد، ولو لم يكن إلا ما
قيد به في الحديث المذكور، فإن المفسدة فيه شديدة جدا، ولا يتأتى مثلها في الذنب
الآخر، وعلى التنزل فلا يزيد .
[وأما ثالثا]: ففيه مصادمة للنص الصريح على الأعظمية، من غير ضرورة إلى ذلك .
[وأما رابعاً]: فالذي مثل به من قصة الأشربة ليس فيه، إلا أنه اقتصر لهم على بعض
المناهي، وليس فيه تصريح، ولا إشارة بالحصر في الذي اقتصر عليه، والذي يظهر أن
كلا من الثلاثة على ترتيبها في العظم، ولو جاز أن يكون فيما لم يذكره شيء يتصف
بكونه أعظم منها، لما طابق الجواب السؤال .
نعم يجوز أن يكون فيما لم يذكر شيء يساوي ما ذكر، فيكون التقدير في المرتبة
الثانية مثلا بعد القتل الموصوف، وما يكون في الفحش مثله، أو نحوه، لكن يستلزم أن
يكون فيما لم يذكر في المرتبة الثانية شيء هو أعظم مما ذكر في المرتبة الثالثة، ولا
محذور في ذلك. وأما عَدُّ عقوق الوالدين في أكبر الكبائر في حديث أبي بكرة تعظيّه
فيما أخرجه الشيخان، قال: قال رسول اللّه وَله: ((ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ... ))
الحديث، وفيه: ((وعقوق الوالدين))، وذكرت بالواو، فيجوز أن تكون رتبة رابعة، وهي
أكبر مما دونها .. انتهى كلام الحافظ ببعض تصرف (١).
(قَالَ) صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم (أَنْ تَجَعَلَ لِلَّهِ نِدًّا) قال الفيّوميّ: النَّدُّ -بالكسر -:
المثل، والنَّديدُ مثله، ولا يكون النّدّ إلا مُخالفاً، والجمع أنداد، مثلُ حِمْل وأحمال.
انتهى. وقال النوويّ: وَالنِّدّ: الْمِثْل، رَوَى شَمِر، عَنْ الْأَخْفَشِ، قَالَ: الَّدَ: الضُدّ،
(١) «الفتح » ٧٤/١٤.

٣٠٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْمُحَارَبَةِ
وَالشَّبَهِ، وَفُلَانْ نِدّ فُلَانِ، وَنَدِيده، وَنَدِيدَتُهُ: أَنيْ مِثْله. انتهى(١)
(وَهُوَ خَلَقَكَ) جملة في محلّ نصب على الحال، أي والحال أن اللَّه تعالى هو الذي
خلقك، وحده، دون أن يشاركه في ذلك أحد، حتى يَشَرَّك في العبادة. قال القرطبيّ
رحمه الله تعالى: هو نحو قوله تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُواْ لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾
[البقرة: ٢٢]، ومعناه أنّ اتخاذ الإنسان إلهاً غير خالقه المنعم عليه، مع علمه بأن ذلك
المتّخذ ليس هو الذي خلقه، ولا الذي أنعم عليه، من أقبح القبائح، وأعظم
الجهالات، وعلى هذا، فذلك أكبر الكبائر، وأعظم العظائم. انتهى (٢).
قال ابن مسعود رضي اللّه تعالى عنه (قُلْتُ: ثُمَّ مَاذَا؟) أي ثمّ أي شيء يكون أعظم
ذنباً عند الله تعالى؟ .
قيل: الصواب أن ((أَيُّ)) هنا غير منون؛ لأنه غير موقوف عليه في الكلام، والسائل
ينتظر الجواب، والتنوين لا يوقف عليه، فتنوينه، ووصله بما بعده خطأ، فيوقف عليه
وقفةً لطيفة، ثم يؤتى بما بعده. قاله الفاكهي. وحكى ابن الجوزيّ عن ابن الخشّاب
الجزم بتنوينه؛ لأنه معربٌ، غير مضاف. وتُعُقّب بأنه مضافٌ تقديراً، والمضاف إليه
محذوفٌ لفظاً، والتقدير: ثمّ أيُّ الذنبِ أعظم؟ فيُوقف عليه بلا تنوين. (٣).
(قَالَ) صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم (أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ، خَشْيَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ) أي لأجل
خوفك أن يشاركك في طعامك. وقال في ((الفتح)): أي من جهة إيثار نفسه عليه عند
عدم ما يكفي، أو من جهة البخل مع الوجدان. انتهى (٤) .
وخصّ الطعام بالذكر؛ لِأَنّةً كَانَ الْأَغْلَبِ مِنْ حَالِ الْعَرَب .
قال القرطبيّ رضي الله تعالى عنه: هذا من أعظم الذنوب؛ لأنه قتلُ نفسٍ محرّمة
شرعاً، محبوبةٍ طبعاً، مرحومة عادةً، فإذا قتلها أبوها كان ذلك دليلاً على غلبة الجهل،
والبخل، وغِلَظ الطبع، والقسوة، وأنه قد انتهى من ذلك كلّه إلى الغاية القصوى، وهذا
نحو قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوَا أَوْلَدَكُمْ مِّنْ إِمْلَقٍ﴾ الآية [الأنعام: ١٥١]، أي فقر،
وهو خطاب لمن كان فقره حاصلًا في الحال، فيُخفّف عنه بقتل ولده مؤنته من طعامه،
ولوازمه، وهذه الآية بخلاف الآية الأخرى التي قال فيها: ﴿خَشْيَةً إِمْلَقِّ﴾
[الإسراء: ٣١]، فإنه خطابٌ لمن كان واجداً لما يُنفق عليه في الحال، غير أنه يقتله
(١) ((شرح مسلم ٨٠/٢.
(٢) ((المفهم٤ ١/ ٢٨٠.
(٣) راجع ((الفتح)٤ ٢/ ١٩١ ((كتاب الصلاة) رقم الحديث ٥٢٧.
(٤) ((فتح)٨ ٤٣٩/٩. ((كتاب التفسير)).

٤- (ذِكْرُ أَعْظَم الذّنْبِ، وَاخْتِلافٍ ... - حديث رقم ٤٠١٤
٣٠٥ =
مخافة الفقر في ثاني الحال، وكان بعض جُفاة الأعراب، وجُهّالهم ربما يفعلون ذلك.
وقد قيل: إن الأولاد في هاتين الآيتين هم البنات، كانوا يَدفنُونهنّ أحياء، أَنَفَةٌ، وكبراً،
ومخافة العيلة، والْمَعَرَّة، وهي المؤودة التي ذكر اللَّه تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُردَةُ سُئِلَتْ
٨
بِأَِ ذَنْبٍ قُئِلَتْ﴾ [التكوير: ٨و٩] .
والحاصل أن أهل الجاهليّة كانوا يصنعون كلّ ذلك، فنهى اللَّه تعالى عن ذلك،
وعظّم الإثم فيه، والمعاقبة عليه، وأخبر النبيّ صلّى اللّه تعالى عليه وسلم أن ذلك من
أعظم الكبائر. انتهى(١) .
(قُلْتُ: ثُمَّ مَاذَا؟، قَالَ) صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم (أَنْ تُزَانِيَ بِحَلِيلَةٍ جَارِكَ))) بِفَتْحِ
الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَزْن عَظِيمَة: والمراد زوجته الَّتِي يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا. وَقِيلَ: الَّتِي تَحَلُّ مَعَةً
فِي فِرَاش وَاحِد. وقال في ((الفتح)): هي مأخوذة من الحلّ؛ لأنها تحلّ له، فهي فَعيلة
بمعنى فاعلة. وقيل: من الحلول؛ لأنها تحلّ معه، ويحلّ معها .
وقال القرطبيّ: ((الحَليلة)): هي التي يحلّ وطؤها بالنكاح، أو التسرّي .
و))الجارُ)): هو المجاور في المسكن، والداخلُ في جوار العهد. و))تُزاني)): أي
تحاول الزنى، يقال: المرأة تُزاني مُزاناً من زَنى. والزنى وإن كان من أكبر الكبائر،
والفواحش، لكنه بحليلة الجار أفحش، وأقبح؛ لما ينضمّ إليه من خيانة الجار، وهَتْك
ما عظّم الله تعالى ورسوله صلّى الله تعالى عليه وسلم من حرمته، وشدّة قبح ذلك
شرعاً وعادة، فلقد كان الجاهليّة يتمدّحون بصون حرائم الجار، ويغُضّون دونهم
الأبصار، كما قال عَنْتَرة [من الكامل]:
وَأَغُضُّ طَرْفِي مَا بَدَتْ لِيَ جَارَتِي حَتَّى يُوَارِيَ جَارَتِي مَأْوَاهَا (٢)
وَقال النوويّ رحمه اللَّه تعالى: معنى تزاني: أَيْ تَزْنِي بِهَا برِضاها، وذلك يتَضَمَّن
الزّنَا، وإِفْسَادها على زوجها، وَاسْتِمَالَة قَلْبِهَا إلى الزَّانِي، وذَلَك أَفْحَشُ، وهو مع امرأةً
الْجَارِ أَشَدُّ قُبْحًا، وأَعْظَمُ جُزْمًا؛ لأَنَّ الْجَار يَتَوَقَّع مِنْ جَارَه الذَّبْ عَنْهُ، وعن حَرِيمه،
وَيَأْمَنِ بَوَائِقِه، وَيَطْمَئِنُّ إِلَيْهِ، وَقَدْ أُمِرَ بِإِكْرامه، والإِحْسَانِ إِلَيْهِ، فَإِذا خالف هَذَا كُلّه بِالزِّنَا
بامرَأَتِه، وَإِفْسَادها عليْهِ، مَعَ تَمَكَّنِهِ مِنْها، على وَجْهٍ لَا يَتَمَكْن غَيْرِهِ مِنْهِ، كَانَ فِي غَايَةٍ من
الْقُبْح. انتهى .
وزاد في رواية الشيخين: ((فأنزل اللَّه تصديقها: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ وَلَا
(١) ((المفهم٢٨٠/١٤-٢٨١.
(٢) «المفهم٢٨١/١٤.

٣٠٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْمُحَارَبَةِ
يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِ حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ [الفرقان: ٦٨].
قال النوويّ: وَقَوْله- سُبْحَانِه وَتَعَالَى -: ﴿وَلَا نَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِيِ حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِآلْحَقِّ﴾
[الإسراء: ٣٣]، مَعْنَاه: أَيْ لا تقْتُلُوا النَّفْس الَّتِي هِي معصومة في الأَصْل، إِلا مُحِقِينَ
فِي قَتْلَهَا. انتهى(١) .
وقوله تعالى: ﴿وَلَ نَّقْتُواْ أَوْلَدَّكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَقٍ﴾ [الإسراء: ٣١]: أَيْ فَقْر. وَقَوْله تَعَالَى:
﴿يَلْقَ أَثَامًا﴾ قِيلَ: مَعْنَاهُ جَزَاء إِثْمِه، وَهو قَوْلَ الْخَلِيلِ، وَسِيبَوَيْهِ، وَأَبِي عَمْروِ الشَّيْبَانِيّ،
وَالْفَرَّاءِ، وَالزَّجَّاجِ، وَأَبِي عَلِيّ الْفَارِسِيِّ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ عقوبَةٌ. قَالَهُ يُونُسٍ، وَأَبُو عُبَيْدَة.
وَقِيلَ: مَعْنَاهُ جَزَاءَ، قَالَهُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَالسُّدِّيُّ. وَقَالَ أَكْثَرِ الْمُفَسْرِينَ، أَوْ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ:
هُوَ وَادٍ، فِي جَهَنَّم، عَافَانَا اللَّه الْكَرِيم، وَأَحْبَابنَا مِنْهَا. انتهى(٢).
وقال القرطبيّ: ظاهر هذا أن هذه الآية نزلت بسبب هذا الذنب الذي ذكره النبيّ
صلّى الله تعالى عليه وسلم، وليس كذلك؛ لأن الترمذيّ قد روى هذا الحديث، وقال
فيه: وتلا النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم هذه الآية: ﴿ وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا
ءَاخَرَ﴾ الآية [الفرقان: ٦٨]، بدل ((فأنزل اللَّه))، وظاهره أنه صلّى الله تعالى عليه وسلم
قرأ بعد ذكر هذا الحديث ما قد كان أُنزل منها، على أن الآية تضمّنت ما ذكره في حديثه
بحكم عمومها. انتهى (٣).
وقال في ((الفتح)): والقتل، والزنا في الآية مطلقان، وفي الحديث مقيّدان، أما القتل
فبالولد، خشية الأكل معه، وأما الزنا فبزوجة الجار، والاستدلال لذلك بالآية سائغٌ؛
لأنها وإن وردت في مطلق الزنا، والقتل، لكن قتل هذا، والزنا بهذه أكبر، وأفحش.
وقد روى أحمد من حديث المقداد بن الأسود رضي اللّه تعالى عنه، قال: قال رسول
اللّه صلّى الله تعالى عليه وسلم: ((ما تقولون في الزنا؟))، قالوا: حرامٌ، قال: لأن يزني
الرجل بعشر نسوة، أيسر عليه من أن يزني بامرأة جاره)). انتهى(٤). والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان .
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عبدالله بن مسعود رضي الله تعالى عنه هذا متفقٌ عليه .
(١) ((شرح مسلم٤ ٨٠/٢.
(٢) ((شرح مسلم)٤ ٢/ ٨٠-٨١. ((كتاب الإيمان.
(٣) ((المفهم،١/ ٢٨١-٢٨٢.
(٤) ((فتح)) ٩/ ٤٤٠. (كتاب التفسير)).

٤ - (ذِكْرُ أَعْظَم الذَّنْبِ، وَاخْتِلافٍ ... - حديث رقم ٤٠١٥
٣٠٧
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٤٠١٤/٤ و٤٠١٥ و٤٠١٦- وفي ((الكبرى))٣٤٧٦/٤ و٣٤٧٧
و٣٤٧٨٠ وأخرجه(خ) في ((التفسير)) ٤٤٧٧ و٤٧٦١ و)) الأدب»٦٠٠١ و))الحدود))
٦٨١١ و(الديات)) ٦٨٦١ و)) التوحيد)) ٧٥٢٠ و٧٥٣٢ (م) في ((الإيمان)) ٨٦ (د) في
((الطلاق)) ٢٣١٠ (ت) في ((التفسير)) ٣١٨٢ و٣١٨٣ (أحمد) في ((مسند المكثرين))
٣٦٠١ و٤٠٩١ و٤١٢٠ و٤٣٩٧ و٤٤٠٩. والله تعالى أعلم .
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان أعظم الذنوب، وهو الذي
تضمّنه هذا الحديث. (ومنها): بيان تفاوت الذنوب فيما بينها، فمنها ما هو أكبر، ومنها
ما هو كبير، ومنها ما هو صغير، وقد تقدّم بيان اختلاف العلماء في ذلك في الباب
الماضي، ولله الحمد (ومنها): ما قاله النوويّ رحمه الله تعالى: فِيهِ أَنَّ أَكْبَرِ الْمَعَاصِي
الشِّرْك، وَهَذَا ظاهر، لا خَفَاء فِيه. وَأَنَّ الْقَتْلِ بغير حقّ يَلِيه، وَكَذَلِكَ قَالَ أصحابنا: أَكْبَر
الْكَبَائِرِ بَعْد الشِّرْكَ الْقَتْلُ. وكذا نَصَّ عليه الشَّافِعِيُّ رحمه اللَّه تعالى فِي ((كِتَاب
الشّهَادَات)) مِنْ ((مُختصر الْمُزَنِيِّ))، وَأَمَّا مَا سواهما مِنْ الزِّنَا، وَالْوَاطِ، وَعُقُوق
الْوَالِدَيْنِ، وَالسِّخْرِ، وَقَذْفِ الْمُحْصَنَاتِ، وَالْفِرَارِ يَوْمِ الزَّحْف، وَأَكْلِ الرِّبَا، وَغَيْرِ ذَلِكَ
مِنْ الْكَبَائِرِ، فَلَهَا تَفَاصيلُ، وَأَحكامٌ تُعْرَف بِهَا مَرَاتِهَا، وَيَخْتَلِفِ أَمْرها باختلاف
الأَحوال، وَالْمَفَاسِدِ الْمُرَتَّبَة عَلَيْهِ. وَعَلَى هَذَا يُقَّال، فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا: هِيَ مِنْ أَكْبَر
الْكَبَائِرِ، وَإِنْ جَاءَ فِي مَوْضِعٍ أَنَّا أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ، كَانَ الْمُرَادِ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي
أَفْضَلِ الْأَعْمَال. وَاَللَّه أَعْلَمَ انتهى كلام النوويّ رحمه الله تعالى(١). وهو تحقيق نفيس.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل .
٤٠١٥- (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَخْتَى، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ:
حَدَّثَنِي وَاصِلٌ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَّ الذَّتْبِ
أَعْظَمُ؟، قَالَ: ((أَنْ تَجَعَلَ لِلَّهِ نِذَا، وَهُوَ خَلَقَكَ))، قُلْتُ: ثُمَّ أَّ؟، قَالَ: ((أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ،
مِنْ أَجْلٍ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ))، قُلْتُ: ((ثُمَّ أَيُّ؟، قَالَ: ((ثُمَّ أَنْ تُزَانِيَ بِحَلِيلَةِ جَارِكَ))).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلّهم رجال الصحيح، وتقدّموا
غير مرَّة. و((عمرو بن عليّ)): هو الْفَلّاس. و((يحيى)): هو ابن سعيد القطّان.
والحديث أخرجه البخاريّ في ((التفسير)) -رقم ٤٧٦١(٢)، وغرض المصنف رحمه
(١) (شرح مسلم٤ ٨١/٢ ((كتاب الإيمان)).
(٢) رواه البخاريّ في ((التفسير)) ٤٣٨/٩- رقم ٤٧٦١. بنسخة ((الفتح)).

٣٠٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْمُحَارَبَةِ
الله تعالى منه بيان مخالفة يحيى القطّان لعبد الرحمن بن مهديّ في إسقاط عمرو بن
شُرَحبيل بين أبي وائل، وعبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه، وقد تقدم أن
الصواب في رواية واصل إسقاطه، وفي رواية منصور والأعمش إثباته، والحديث ثابت
بكلا الطريقين. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم
الوكيل.
٤٠١٦- (أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ، قَالَ: أَنْبَأَنَا يَزِيدُ، قَالَ: أَنْبَأَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَاصِمِ، عَنْ أَبِي
وَائِلِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِوَهِ، أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ؟، قَالَ: «الشِّرْكُ، أَنْ
تَجَعَلَ لِلَّهِ نِذًا، وَأَنْ تُزَانِيَ بِحَلِيلَةِ جَارِكَ، وَأَنْ تَقْتُلَ وَلَّدَكَ، مَّخَافَةَ الْفَقْرِ، أَنْ يَأْكُلَ مَعَكَ،
ثُمَّ قَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ﴾ [الفرقان: ٦٨].
قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: هَذَا خَطَأْ، وَالصَّوَابُ الَّذِي قَبْلَهُ، وَحَدِيثُ يَزِيدَ هَذَا خَطَأْ، إِنَّمَا
هُوَ وَاصِلٌ. وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلّهم رجال الصحيح، إلا أن فيه
علّة، كما سيبيّنه المصنّف رحمه الله تعالى آخر الحديث.
و((عبدة)): هو ابن عبد اللَّه الصفّار الْخُزَاعِيّ، أبو سهل البصريّ، كوفيّ الأصل، ثقة
[١١] ٨٠٠/١٨. و((يزيد)): هو ابن هارون الواسطيّ. و((عاصم)): هو ابن أبي النجود.
وقوله (قَالَ أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ) أي النسائيّ رحمه اللَّه تعالى (هَذَا خَطَأْ، وَالصَّوَابُ
الَّذِي قَبْلَهُ، وَحَدِيثُ يَزِيدَ هَذَا خَطَأْ، إِنَّمَا هُوَ وَاصِلٌ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ) يعني أن رواية
يزيد بن هارون هذه خطأ، أخطأ فيها يزيد على شعبة، فروى عنه عن عاصم، عن أبي
وائل، مخالفًا لرواية الثقات، حيث رووه عن شعبة وغيره عن واصل، عن أبي وائل،
فتصحّف على يزيد بعاصم. فجملة قوله: ((وحديث يزيد الخ)) تفسير وتوضيح لقوله:
((هذا خطأ الخ)).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: كلام المصنّف رحمه الله تعالى هذا إنما هو بالنسبة
للسند، وأما المتن فإنه صحيح بما سبق من الإسناد، فتنبه. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)) .

٣٠٩ ==
٥- (ذِكْرُ مَا يَحِلُّ بِهِ دَمُ الْمُسْلِم) - حديث رقم ٤٠١٧
٥- (ذِكْرُ مَا يَحِلُّ بِهِ دَمُ الْمُسْلِم)
٤٠١٧- (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ
الْأَعْمَشِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ◌ِِّ:
(وَالَّذِيَّ لَا إِلَّهَ غَيْرُهُ، لَا يَجِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ،
إِلَّ ثَلَاثَةُ نَفَرِ: الثَّارِكُ لِلْإِسْلَامِ، مُفَارِقُ الْجَمَاعَةِ، وَالثَّيْبُ الزَّانِ، وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ» .
قَالَ الأَعْمَشُ: فَحَدَّثْتُ بِهِ إِبْرَاهِيمَ، فَحَدَّثَنِي عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ بِمِثْلِهِ)
رجال هذا الإسناد: سبعة :
١- (إسحاق بن منصور) بن بُهْرَام الْكَوْسَج، أبو يعقوب المروزيّ، قفة ثبت [١١]
٨٨/٧٢.
٢- (الأعمش) سليمان بن مِهْرَان الكاهليّ مولاهم، أبو محمد الكوفيّ، ثقة ثبت
ورع فاضل، لكنه يدلّس [٥] ١٨/١٧.
٣- (عبد الله بن مُرّة) الهمدانيّ الخارفيّ الكوفيّ، ثقة [٣] ١٨٦٠/١٧.
٤- (مسروق) بن الأجدع بن مالك الهمدانيّ، أبو عائشة الكوفيّ، مخضرم ثقة فقيه
عابد [٢] ٩٠/ ١١٢ .
٥- (عبد الله) بن مسعود رضي اللَّه تعالى عنه٣٩/٣٥، و((عبد الرحمن)) بن مهديّ،
و((سفيان)) الثوريّ تقدّما في الباب الماضي. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سباعيّات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال
الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بثقات الكوفيين، غير شيخه، فمروزيّ، وعبد
الرحمن، فبصريّ. (ومنها): أن فيه ثلاثة من ثقات التابعين يروي بعضهم عن بعض:
الأعمش، وعبد الله بن مرّة، ومسروق. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ) بن مسعود رضي الله تعالى عنه، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّةِ:
(وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ) وفي رواية مسلم: قام فينا رسول اللّه صلَّى اللّه تعالى عليه وسلم،
فقال: ((والذي لا إله غيره)) (لَا يَحِلُّ) قال في ((الفتح)): ظاهره إثبات إباحة قتل من
استُثني، وهو كذلك بالنسبة لتحريم قتل غيرهم، وإن كان قتلُ من أبيح قتلُهُ منهم واجبًا

= ٣١٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْمُحَارَبَّةِ
في الحكم. انتهى(١) (دَمُ امْرِئٍ مُسْلِم) وفي رواية: ((دم رجل))، والمراد لا يحلّ إراقة
دمه، أي كلّه، وهو كنايةٌ عن قتله، ولو لم يُرق دمه. قاله في ((الفتح)).
وقال السنديّ: والمرء: الإنسان، أو الذكر، لكن أُريد به هنا الإنسان مطلقًا، أو أريد
الذكر، وترك ذكر الأنثى على المقايسة والإتباع، كما هو العادة الجارية في الكتاب
والسنّة. انتهى(٢).
وقوله (يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ) صفة ثانيةٌ، ذُكرت لبيان أن المراد
بالمسلم هو الآتي بالشهادتين، أو هي حالٌ مقيّدةٌ للموصوف؛ إشعارًا بأن الشهادة هي
العمدة في حقن الدم. وهذا رجحه الطيبيّ، واستتشهد بحديث أسامة رضي الله تعالى
عنه: «كيف تصنع بلا إله إلا الله)).
(إِلَّا ثَلَاثَةُ نَفَرِ: التَّارِكُ لِلْإِسْلَامِ، مُفَارِقُ الْجَمَاعَةِ) وفي رواية البخاريّ: ((والمفارق لدينه،
التارك للجماعة))، قال في ((الفتح)): كذا فِي رِوَايَة أَبِي ذَرْ، عَنْ الْكُشْمِيهَنِيّ، وَلِلْبَاقِينَ
((وَالْمَارِق من الدِّين))، لكنْ عِنْدِ النَّسَفِيّ، وَالسَّرَخْسِيّ، وَالْمُسْتَمْلِي: ((والْمارق لدينه)). قال
الطَِّيُّ: الْمَارِق لدينه: هو التَّارِك له، من الْمروق، وهو الْخروج. وفي رواية مسلم:
((وَالتَّارِك لدينه المفارق للجماعة)». وله في رواية الثَّوْرِيّ: ((الْمفارق للجماعة)).
وقد أخرجه مسلم أَيْضًا بَعْده، من طريق شَيْبَانَ بْن عَبْد الرَّحمن، عن الأعمش، ولم
يسق لَفْظه، لكن قال: ((بِالإِسْنَادين جميعا))، ولم يقُل: ((وَالَّذِي لا إِله غَيْرِه)). وَأَفرده
أبو عوانة فِي ((صحيحه)) من طريق شَيْبانَ بِاللفظ الْمَذْكُور سواء.
وَالْمُرَاد بِالجماعة جماعة المسلمين، أَي فارقهم، أَوْ تَرَكهم بِالارتدادِ، فهي صفة
(«التَّارِكِ))، أَو ((الْمُفَارِقِ))، لا صِفة مُستقلّة، وإلا لكانت الخصال أربعا، وهو كقوله قبل
ذلكَ: ((مُسلم، يَشْهَد أَنْ لا إِله إِلا اللَّه))، فإنها صِفَة مُفَسِّرَة لقوله: ((مسلم))، وليست قيدًا
فيه، إِذْ لا يكون مُسلمًا إلا بذلكَ.
وَيُؤَيِّد هذا أَنَّهُ وَقَعَ عند المصنّف ١٤/ ٤٠٥٨ - بسند صحيح فِي حَدِيث عُثْمَان رضي
اللَّه تعالى عنه: ((أَوْ يَكْفُر بَعْد إِسْلَامه)). وَفِي لَفْظ لَهُ صَحِيحٍ أَيْضًا: ((أو ارْتَدَّ بَعْد
إِسْلَامه))، وَلَهُ في حديث عائشة رضي اللَّه تعالى عنها التالي: ((أَوْ كَفَرَ بَعْد إسلامه)).
وَفِي حَدِيث ابْنِ عَبَّاس عِنْد النسائيّ(٣): ((مُرْتَدّ بَعْد إِيمَان)).
(١) ((فتح)) ١٤/ ١٨٤. ((كتاب الديات)) رقم ٦٨٧٨ .
(٢) (شرح السنديّ)) ٧/ ٩١ .
(٣) وفي نسخة من ((الفتح)): ((عند الطبراني))، بدل النسائيّ، والظاهر أنه الصواب؛ لأني لم أر عند
النسائيّ هذه الرواية. والله تعالى أعلم.

٣١١ ===
٥- (ذِكْرُ مَا يَحِلُّ بِهِ دَمُ المُسْلِم) - حديث رقم ٤٠١٧
قال ابن دَقِيق الْعِيد رحمه الله تعالى: الرِّدَّة سَبَب لإباحة دَم الْمُسلم بالإجماع في
الرجُل. وَأَمَّا الْمَرْأَةَ ففيها خلاف، وقد أُسْتُدِلَّ بهذا الْحَدِيثِ للْجُمْهورِ فِي أَنَّ حكمها
حُكْمِ الرَّجُل لِاِسْتِوَاءِ حُكْمِهمَا فِي الزْنَا. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّا ذَلَالَة اقْتِرَان وَهِيَ ضَعِيفَة.
وقال البَيْضاويّ: ((الَّارِك لِدِينِهِ)) صِفة مؤكّدة لِ لْمَارِقٍ)): أي الَّذِي تَرَكَ جماعة
الْمُسلمينَ، وخرج مِنْ جُلَتهمْ.
قال: وَفي الْحَدِيث دليل لمنْ زعم أَنَّه لا يُقتلُ أحدٌ دخِل في الإسلام بشيْءٍ، غير
الذي عُدِّدَ، كَتَرْكِ الصَّلَاة، ولم يَنْفَصِل عن ذلك. وَتَبِعُهُ الطِّيُّ، وقال ابن دقيق العيد:
قد يُؤْخذ من قوله ((الْمُفَارِق للجماعةِ)): أَنَّ الْمراد الْمخالِفُ لأهل الإجماع، فيكون
مُتَمّسكّاً لمنْ يَقُول: مُخَالِفُ الإجماعِ كَافِرٌ. وقد نُسِبَ ذلك إلى بَعْض النَّاسَ. وليس
ذلك بِالْهَيْنِ، فإنَّ الْمَسَائِل الإجماعِيَّة، تَارَة يَصحبها التَّوَاتُر بالنقل، عن صاحب الشّرع،
كُوُ جُوبِ الصلاة مثلًا، وتارَةٌ لا يَصْحَبهَا التَّوَاتُر. فالأول: يُكَفَّرِ جَاحِدُهُ؛ لِمُخَالَفة
التَّوَاتُر، لا لمخالفة الْإِجْمَاعِ. وَالثَّانِ: لَا يُكَفَّر بِهِ.
قَال الحافظ العراقيّ فِي ((شرح التّزْمِذِيّ)): الصَّحِيح فِي تَكْفِير مُنْكِر الإجماعِ، تَقْيِيدُهُ
بِإِنْكَارِ مَا يُعْلَم وُجُوبُهُ من الدِّين بالضرورة، كَالصَّلوات الخمس. وَمِنْهُمْ مَنْ عَبَّرَ بِإِنْكَارِ
مَا عُلِمَ وُجُوبِه بِالتَّوَاتُرِ، وَمِنْهُ القول بِحُدُوثِ الْعَالَمِ. وقد حَكّى عِيَاض، وَغَيْرِهِ، الْإجماع
على تَكْفِير من يَقُول بِقِدَم الْعَالَم. وقال ابن دَقِيقَ الْعید: وقع هنا من يدعِي الْحِذْق في
المعقولات، ويميل إلى الْفَلْسَفة، فَظَنَّ أَنَّ الْمُخَالِف في حدوث الْعَالَمِ، لاَ يُكَفَّر؛ لأَنَّةً
من قبيل مُخالَفَة الإجماع. وَتَمَسَّكَ بقولنا: إِنَّ مُنْكر الإجماع، لا يُكَفَّر على الإطلاق،
حتّى يَثْبُتَ النَّقْلُ بذلك مُتَوَاتِرًا، عَنْ صَاحِب الشَّرْعِ. قال: وهو تَمَسُكّ ساقط، إِمَّا عن
عَمّى في البَصيرة، أو تَعام؛ لأَنَّ حُدُوثِ الْعَالَم من قبيل ما اجتمع فيه الإجماع، وَالتَّوَاتُر
بِالنَّقْلِ. وقال النَّوويّ: قَوْله: ((التَّارِك لدينِهِ)) عامٌّ في كُلّ من ارْتَدَّ، بِأَيِّ رِدَّة كانت،
فيجبُ قَتْله، إن لم يرجع إلى الإسلام.
وَقَوْله: ((الْمُفَارِق للجماعة)) يَتَنَاوَل كُلّ خَارِج عن الجماعة، ببدعة، أو نفي إجماع،
كَالرَّوَافِضٍ، والخوارج، وَغَيْرِهمْ. كَذَا قَالَ. وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ.
وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ فِي ((الْمُفْهِم)): ظَاهِرِ قَوْله: ((الْمُفَارِقَ للجماعة)) أَنَّهُ نعت لِلتَّارك لدينه؛
لأَنَةً إذا ارْتَدَّ، فارق جماعة المسلمين، غير أنَّهُ يَلتحق به كلُّ من خرج عن جماعة
الْمُسْلمِين، وإن لم يَرْتَدَّ، كمن يَمْتَنع من إقامة الحدّ عليه، إذا وجب، ويقاتل على
ذلك، كأهل الْبَغْي، وَقُطّاع الطريق، والمحاربين، من الخوارج، وغيرهم. قال:
فيتناوَلَهُمْ لَفْظ ((الْمُفَارِق للجماعة)) بطريق العموم، ولو لم يكن كذلك، لم يصحّ

٣١٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْمُحَارَبَةِ
الحصر؛ لأَنْهُ يلزم أنْ ينفي مَنْ ذُكِرَ، ودمه حلال، فلا يَصِح الحصر، وكلام الشارع
مُتَزَّه عن ذلك، فدلَّ على أَنَّ وَصْف الْمُفَارَقَة للجماعة، يَعُمّ جميع هؤلاء. قال: وَتَحقيقه
أَنَّ كلَّ من فارق الجماعة، ترك دينه، غير أَنَّ المرتدّ تركَ كلّه، وَالْمُفَارِق بغير رِدَّة ترك
بَعْضه. انتهى. قال الحافظ: وفيه مناقشة؛ لأَنَّ أَصل الخصلة الثالثة الارتداد، فلا بدّ من
وجوده، والْمُفارِق بغير ردَّة، لا يُسَمَّى مرتّدًّا، فيلزم الخلف في الحصر. وَالتَّحقيق في
جواب ذلك، أَنَّ الحصر فيمن يجب قَتْله عينًا. وأَمَّا من ذكرهم، فَإِنَّ قتل الواحد منهم،
إنما يُباحُ إِذا وقع حال المحاربة، والمقاتلة، بِدَلِيلٍ أَنَّهُ لَوْ أُسِرَ لَمْ يَجُزْ قَتْلُهُ صَبْرًا اتَّفَاقًا،
فِي غَيْرِ الْمُحَارِبِينَ، وَعَلَى الرَّاجِحِ فِي الْمُحَارِبِينَ أَيْضًا، لَكِنْ يَرِد عَلَى ذَلِكَ قَتْلِ تَارِك
الصَّلاة، وسيأتي مزيد بسط للبحث في المسألة الثالثة، إن شاء الله تعالى.
(وَالثَّيِّبُ الزَّانِي) أَيْ فَيَحِلّ قَتْلُهُ بِالرَّجْم، وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيثِ عُثْمَان رضي الله تعالى
عنه الآتي ١٤ / ٤٠٥٨- بِلَفْظِ ((رَجُل زَنَّى بَعْد إِحْصَانه، فَعَلَيْهِ الرَّجْم)). قَالَ النَّوَوِيّ:
الزَّانِي يَجُوز فِيهِ إِثْبَاتِ الْيَاءِ، وَحَذْفِهَا، وَإِثْبَاتَهَا أَشْهَرُ.
(وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ) أَيْ مَنْ قَتَلَ عَمْدًا، بِغَيْرِ حَقْ قُتِلَ بِشَرْطِهِ. وَوَقَعَ فِي حَدِيث عُثْمَان
الْمَذْكُور: ((أو قَتَلَ عَمْدًا، فَعَلَيْهِ الْقَوَدُ)). وَفِي حَدِيث جَابِرٍ رضي اللّه تعالى عنه،عِنْد
الْبَزَّار: ((وَمَنْ قَتَلَ نَفْسًا ظُلْمًا)).
وقوله (قَالَ الْأَعْمَشُ: فَحَدَّثْتُ بِهِ إِبْرَاهِيمَ، فَحَدَّثَتِي عَنْ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ بِمِثْلِهِ)
يعني أن الأعمش حدث بحديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه هذا إبراهيم النخعيَّ،
فحدّثه إبراهيم، عن الأسود بن يزيد، عن عائشة رضي اللّه تعالى عنها.
والغرض من هذا أن الأعمش وإبراهيم استفاد كلٌّ واحد منهما من صاحبه ما ليس
عنده، فالأعمش کان عنده حديث ابن مسعود رضي الله تعالی عنه، وليس عنده حدیث
عائشة رضي اللّه تعالى عنها، وإبراهيم بالعكس، فاستفاد كلٌّ منهما من الآخر ما ليس
عنده. والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: هَذِهِ الرواية، أَغْفَلَ الْمِزْيّ رحمه الله تعالى فِي ((الْأَطْرَاف)» ذِكْرهَا، فِي مُسْنَد
عَائِشَة، وَأَغْفَلَ التَّنْبِيه عَلَيْهَا فِي تَرْجّة عَبْد اللَّه بْن مُرَّة، عَنْ مَسْرُوق، عَنْ ابْنِ مَسْعُود.
أفاده في ((الفتح)). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان،
وعليه التكلان .
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه هذا متّفقٌ عليه.

٥- (ذِكْرُ مَا يَحِلُّ بِهِ دَمُ الْمُسْلِم) - حديث رقم ٤٠١٧
٣١٣ -
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٤٠١٧/٥ وفي ((القسامة)) ٤٧٢٢/٥ - وفي ((الكبرى)) ٣٤٧٩/٥
و((القسامة)) ٦٩٢٣/٥. وأخرجه (خ) في ((الديات)) ٦٨٧٨ (م) في ((القسامة)) ١٦٧٦
(د) في ((الحدود)) ٤٣٥٢ (ت) في ((الديات)) ١٤٠٢ (ق) في)) الحدود)) ٢٥٣٤ (أحمد)
في ((مسند المكثرين» ٣٦١٤ و٤٠٥٥ و٤٢٣٣ و٤٤١٥ و((باقي مسند الأنصار)» ٢٤٩٤٧
(الدارمي) في ((الحدود)) ٢٢٩٨ و((السير)) ٢٤٤٧. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه اللّه تعالى، وهو بيان ما يحلّ به دم المسلم.
(ومنها): أنه اسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ: ((النّفْس بِالنّفْسِ)) عَلَى تَسَاوِي النُّفُوس فِي الْقَتْلِ الْعَمْد،
فَيُقَادِ لِكُلِّ مَقْتُول مِنْ قَاتِله، سَوَاء كَانَ حرًّا، أو عبدا.
(ومنها): أنه تَمَسَّكَ بِهِ الحنفيةُ، وَادَّعَوْا أَنَّ آيَة الْمَائِدَة: ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ الآية
[المائدة: ٤٥]، نَاسِخَة لَآيَةِ الْبَقَرَة: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِ الْقَتْلِّ الْحُرُّ بِالْخُ وَاَلْعَبْدُ
بِالْعَبْدِ﴾ [البقرة: ١٧٨]، وَمِنْهُمْ مَنْ فَرَّقَ بَيْن عَبْد الْجَانِي، وعبد غَيْرِهِ، فَأَقَادَ مِنْ عَبْد
غَيْرِه، دُون عَبْد نَفْسه.
وَقَالَ الْجُمْهُور: آيَةِ الْبَقَّرَة مُفَسْرَة ◌ِآَيَةِ الْمَائِدَة، فَيُقْتَلُ العبد بِالْحُرِّ، ولا يُقْتَلِ الْحُرّ
بالعبدِ؛ لِنَقْصِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيّ: لَيْسَ بَيْنِ الْعَبْد وَالْحُرّ قِصَاص، إِلَّا أَنْ يَشَاء الْحُرّ.
وَاحْتُجَّ لِلْجُمْهُورِ بِأَنَّ الْعَبْدِ سِلْعَة، فَلَا يَجِب فِيهِ إِلَّا الْقِيمَةِ، لَوْ قُتِلَ خَطَأ.
(ومنها): أنه اسْتُدِلَّ بِعُمُومِهِ، عَلَى جَوَاز قَتْل الْمُسْلِمِ بِالْكَافِرِ الْمُسْتَأْمَنْ، وَالْمُعَاهَد.
(ومنها): أن فيه جَوَاز وَصْف الشّخْص بِمَا كَانَ عَلَيْهِ، وَلَو انْتَقَلَ عَنْهُ؛ لاسِْشْنَائِهِ
الْمُرْتَدَّ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَهُوَ بِاعْتِبَارِ مَا كَانَ.
(ومنها): أنه اسْتُدِلَّ بَهذَا الْحَدِيث لِلْجُمْهُورِ فِي أَنَّ حُكْم المرأة حُكْم الرَّجُلِ لاسْتِوَاءِ
◌ُكْمهما فِي الزِّنَا.
وَتُعُقِّبَ بِأَنَّا دَلَالَة اقْتِرَان وَهِيَ ضَعِيفَة. وَقَالَ الْبَيْضَاوِيّ: ((التَّارِك لِدِينِهِ)) صِفَة مُؤَكِّدَة
لِ«الْمَارِقٍ)): أَيْ الَّذِي ترك جماعة المسلمين، وخرج من جُملتهم.
(ومنها): ما ذكره ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى، أنه اسْتُدِلَّ بهذا الحديث أَنَّ تَارِك
الصَّلاة، لا يُقْتَل بِتَزْكِهَا؛ لكونه ليس من الأمور الثَّلاثَة، قال الحافظ: وبذلك اسْتَدَلَّ
الحافظ أَبُوِ الْحَسَنِ بْنِ الْمُفَضَّلِ الْمَقْدِسِيُّ، فِي أَبْيَاتِهِ الْمَشْهُورَةِ، ثُمَّ سَاقَهَا، وَمِنْهَا، وَهُوَ
كَافٍ فِي تَحَصِيلِ الْمَقْصُودِ هُنَّا:
وَالرَّأْيِ عِنْدِي أَنْ يُعَزّرَهُ الْإِمَا مُ بِكُلْ تَعْزِيرٍ يَرَاهُ صَوَابًا

٣١٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْمُحَارَبَةِ
فَالْأَضْلُ عِضْمَتُهُ إِلَى أَنْ يَمْتَطِي إِحْدَى الثَّلَاثِ إِلَى الْهَلَاكِ رِكَابَا
قَالَ: فَهَذَا مِنْ الْمَالِكِيَّة، اخْتَارَ خِلاف مَذْهَبِه، وَكَذَا اسْتَشْكُلَهُ إِمَام الْحَرَمَيْنِ، مِنْ
الشَّافِعِيَّة .
قال الحافظ: تَارِك الصَّلَاةِ اخْتُلِفَ فِيهِ، فَذَهَبَ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاق، وَبَعْض الْمَالِكِيَّة،
وَمِنْ الشَّافِعِيَّةِ ابْنِ خُزَيْمَةَ، وَأَبُو الطَّيِّب بْنِ سَلَمَة، وَأَبُو عُبَيْد بْن جُوَيْرِيَةً، وَمَنْصُور
الْفَقِيهِ، وَأَبُو جَعْفَرِ التِّرْمِذِيّ، إِلَى أَنَّهُ يُكَفِّر بِذَلِكَ، وَلَوْ لَمْ يَجْحَد وُجُوبًا. وَذَهَبَ
الْجُمْهُورِ إِلَى أَنَّهُ يُقْتَل حَدًّا.
وَذَهَبَ الْحَنَّفِيَّةِ، وَوَافَقَّهُمْ الْمُزَنِيُّ، إِلَى أَنَّهُ لَا يُكَفَّر، وَلَا يُقْتَل.
وَمِنْ أَقْوَى مَا يُسْتَدَلَ بِهِ عَلَى عَدَم كُفْرِهِ حَدِيث عُبَادَةَ رضي اللَّه تعالى عنه، رَفَعَهُ:
((خَمْسِ صَلَوَات، كَتَبَهُنَّ اللَّه عَلَى الْعِبَادِ)) الْحَدِيثِ، وَفِيهِ: ((وَمَنْ لَمْ يَأْتِ بِنَّ، فَلَيْسَ لَهُ
عِنْد اللَّه عَهْد، إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ، وَإِنْ شَاءَ أَدْخَلَهُ الْجَنَّة)). أَخْرَجَهُ مَالِك، وَأَصْحَاب السُّنَن،
وَصَخَّحَهُ ابْنِ حِبَّن، وَابْنِ السَّكَنِ، وَغَيْرِهمَا.
وَتَمَسَّكَ أَحْمَدُ، وَمَنْ وَافَقَهُ بِظَوَاهِر أَحَادِيثَ، وَرَدَتْ بِتَكْفِيرِهِ، وَحَمَلَهَا مَنْ خَالَفَهُمْ
عَلَى الْمُسْتَحِلّ؛ ◌ْعًا بَيْنِ الْأَخْبَارِ، وَاَللَّه أَعْلَمُ.
وَقَالَ ابْنِ دَقِيقِ الْعِيد: وَأَرَادَ بَعْض مَنْ أَدْرَكْنَا زَمَانِه، أَنْ يُزِيلِ الإِشْكَالِ، فَاسْتَدَلَّ
بِحَدِيثٍ: ((أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلِ النَّاس، حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لا إِلَه إِلا اللّه، وَيُقِيمُوا الصَّلَاة،
وَيُؤْتُوا الزَّكَاة)). وَوَجْهُ الدَّلِيلِ مِنْهُ، أَنَّهُ وَقَفَ الْعِصْمَة عَلَى الْمَجْمُوعِ، وَالْمُرَتَّبُ عَلَى
أَشْيَاء، لا يَحْصُل إِلا بِحُصُولِ مَجْمُوعِهَا، وَيَنْتَفِي بِانْتِفَاءِ بَعْضِهَا. قَالَ: وَهَذَا إِنْ قَصَدَ
الإِسْتِدْلَال بِمَنْطُوقِهِ، وَهُوَ (أُقَاتِلِ النَّاس إِلَخْ))، فَإِنْهَ يَقْتَضِي الْأَمْرِ بِالْقِتَالِ إِلَى هَذِهِ الْغَايَةِ،
فَقَدْ ذَهِلَ لِلْفَرْقِ بَيْنِ الْمُقَاتَلَة عَلَى الشَّيْءِ، وَالْقَتْلِ عَلَيْهِ، فَإِنَّ الْمُقَاتَلَة مُفَاعَلَةٌ، تَقْتَضِي
الْحُصُولِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ، فَلَا يَلْزَم مِنْ إِبَاحَة الْمُقَاتَلَة عَلَى الصَّلَاة، إِبَاحَة قَتْلِ الْمُمْتَنِعِ مِنْ
فِعْلِهَا، إِذَا لَمْ يُقَاتِل، وَلَيْسَ النَّزَاعِ فِي أَنَّ قَوْمًا، لَوْ تَرَكُوا الصَّلَاةِ، وَنَصَبُوا الْقِتَالِ، أَنَّهُ
يَجِب قِتَالهمْ، وَإِنَّمَا النَّظَرِ فِيمَا إِذَا تَرَكَّهَا إِنْسَانِ، مِنْ غَيْرِ نَصْبِ قِتَال، هَلْ يُقْتَل أَوْ لَا،
وَالْفَرْقِ بَيْنِ الْمُقَاتَلَة عَلَى الشَّيْءِ، وَالْقَتْلِ عَلَيْهِ ظَاهِرٌ. وَإِنْ كَانَ أَخْذَهُ مِنْ آخِرِ الْحَدِيث،
وَهُوَ تَرَتُّبُ الْعِصْمَةِ عَلَى فِعْلِ ذَلِكَ، فَإِنَّ مَفْهُومِه يَدُلْ على أنها لا تَتَرَتَّب على فِعْل
بعضه، هَانَ الأمر؛ لأنها دلالة مفهوم، وَمُخَالِفُهُ في هذه المسألة لا يقول بالمفهومِ، وأمَّا
من يقول به، فله أن يدفع حجته، بأنه عارضته دلالة المنطوق، في حديث الْبَابَ، وهي
أرجح، من دلالة المفهوم، فَيُقَدَّم عليها.
وَاسْتَدَلَّ به بَعْض الشّافِعِيَّة لِقَتْلِ تَارِك الصَّلَاة؛ لأنه تَارِكُ لِلدِّينِ، الذي هو العمل،

٣١٥ =
٥- (ذِكْرُ مَا يَحِلُّ بِهِ دَمُ الْمُسْلِم) - حديث رقم ٤٠١٧
وإنما لم يقولوا بِقتلٍ تَارِك الزَّكَاة؛ لإمكانِ انتزاعها منه قَهرًا، ولا يُقْتَلُ تاركُ الصِّيَّامِ؛
لإمكانٍ منعه المفطرات، فَيَحتاج هو أن يَنْوي الصيام؛ لأنه يعتقد وجوبه.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الأرجح في تارك الصلاة أنه يقتلُ، وأنه كافر؛ لقوله
صلّى الله تعالى عليه وسلم: ((فمن تركها فقد كفر))، ولكنه كفر دون كفر؛ لحديث عبادة
بن الصامت رضي الله تعالى عنه المتقدّم ذكره، وقد تقدّم تمام البحث في هذا في
(كتاب الصلاة))، في ٤٦٣/٨- ((باب الحكم في تارك الصلاة))، فراجعه تستفد. والله
تعالى أعلم.
(ومنها): أنه اسْتُدِلَّ به على أَنَّ الحز لا يُقْتَلُ بالعبدِ؛ لأنَّ العبد لا يُرْجَمُ إذا زنى، ولو
كَانَ ثَيًِّا، حكاهُ ابن التِّين، قال: وليس لأحدٍ أن يُفَرِّق ما جَمَعَهُ اللّه، إلا بدليلٍ، من
كتاب، أو سُنة، قال: وهذا بخلاف الخَصْلَة الثالثة، فإنَّ الإجماع، انعقد على أَنَّ العبد،
والحرّ فِي الرِّدَّة سواء، فكأنه جعَلَ أَنَّ الأصل العمل بدلالة الاقتران، ما لم يأت دليل
يُخَالِفهُ.
وقال الحافظ العراقيّ في ((شرح التّزْمِذِيّ)): اسْتَثْنَى بعضهم من الثلاثة، قتل الصائل،
فإنه يَجُوز قَتْله لِلدَّفْعِ، وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى قَوْلِ النَّوَوِيّ: يُخَصّ مِنْ عُمُومِ الثَّلَاثَة الصَّائِلِ،
وَنَحْوِهِ، فَيُبَاحِ قَتْله فِي الدَّفْعِ. وَقَدْ يُجَابِ بِأَنَّهُ دَاخِلِ فِي الْمُفَارِقِ لِلْجَمَاعَةِ، أَوْ يَكُون
الْمُرَاد لا يَحِلّ تَعَمُّد قَتْله، بمعنى أنه لا يَحِلّ قَتْله، إلا مُدَافَعَة، بخلاف الثلاثة.
واسْتَحْسَنَهُ الطَّبِيُّ، وَقَالَ: هُوَ أَوْلَى مِنْ تَقْرِيرِ الْبَيْضَاوِيّ؛ لِأَنّةَ فَسَّرَ قَوْله: ((النَّفْس
بِالنَّفْسِ)) يَحِلْ قَتْل النَّفْس قصاصًا، للنَّفسِ الَّتي قتلها عُذْوَانًا، فاقْتَضَى خروج الصَّائِل،
ولو لم يَقْصِد الدَّافع قتله.
قال الحافظ: وَالْجواب الثَّاني هو الْمُعْتَمَد، وَأَمَّا الْأَوَّل فَتَقَدَّمَ الجواب عنه. وَحَكَى
ابن التّين، عن الدَّاوُدِيّ، أَنَّ هذا الْحَدِيث مَنْسُوخٍ بِآيَةِ الْمُحَارَبَة: ﴿مَنْ قَتْلَ نَفْسًا بِغَيْرِ
نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٢]، قَالَ: فَأَبَاحِ الْقَتْلِ بمجرَّد الفساد في الأرض،
قال: وقد ورد فِي الْقَتْل بِغَيْرِ الثَّلَاث أَشْيَاءُ، منها: قَوْله تعالى: ﴿فَقَئِلُواْ الَّتِى تَّبْفِى﴾
[الحجرات: ٩]، وَحَدِيث: ((مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْم لُوط، فَاقْتُلُوهُ))، وَحَدِيث:
((مَنْ أَتَّى بِهِيمَةً فاقتلوه))، وَحَدِيث: ((مَنْ خَرَجَ، وَأَمْرُ النَّاسِ جَميعٌ، يريد تَفَرُّقَهُمْ فاقتلوه))،
وقول عُمَرَ: ((تَغِرَّة أَنْ يُقْتَلَا»، وَقَوْل جَّاعَة مِنْ الأئمَّة: إنَ تَابَ أَهْلُ الْقَدَر، وإلا قُتِلُوا،
وَقَالَ جَّاعَةٍ مِنْ الأئمّة: يُضْرَبِ الْمُبْتَدِعُ حتى يَرْجِع، أو يموتَ، وَقَوْل جَّاعَة مِنْ الأئمّة:
يُقْتَلِ تَارِكُ الصلاة، قال: وَهَذَا كُلُّه زَائِد عَلَى الثَّلاث. قال الحافظ: وَزَادَ غَيْرِه: قَتْل مَنْ
طَلَبَ أَخْذَ مَال إنسان، أَوْ حَرِيمِه بِغَيْرِ حقّ، وَمَانِعِ الزَّكَاةِ الْمَفْرُوضَة، ومن ارتدَّ، وَلَمْ

٣١٦
=
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْمُحَارَبَةِ
يُفَارِقِ الْجَمَاعَةِ، وَمَنْ خَالَفَ الْإِجَاعِ، وَأَظْهَرَ الشِّقَاقِ، وَالْخِلاف، وَالزّنْدِيق إذا تاب
على رَأْي، وَالسَّاجِر.
والجواب عن ذلك كُلّه: أَنَّ الأكثر فِي الْمُحَارِبَةِ أَنَّهُ إن قَتَلَ قُتِلَ، وَبِأَنَّ حُكْم الآية في
الْبَاغِي أَنْ يُقَاتَل، لا أَنْ يُقْصَدَ إِلَى قَتْلِهِ، وَبِأَنَّ الخبرين فِي اللَّوَاطِ، وَإِثْيَان الْبَهِيمَة، لم
يَصِحًّا، وَعلى تَقْدِير الصِّحَّة، فهما داخلان في الزُّنَا، وَحَدِيثُ الْخَارِج عن الْمُسْلِمِينَ
تَقَدَّمَ تَأْوِيله، بِأَنَّ الْمُرَاد بِقَتْلِهِ حَبْسه، وَمَنْعه من الخروج، وَأَثَرُ عُمر مِنْ هَذَا الْقَبِيل،
والقول في الْقَدَرِيَّة، وسائر الْمُبْتَدِعَة، مُفَرَّع على الْقَوْل بِتَكْفِيرهم، وبِأَنَّ قَتْل تَارِك
الصلاة، عند من لا يُكَفِّرُهُ، مُخْتَلَف فيه، كَمَّا تَقَدَّمَ إِيضَاحِه، وَأَمَّا من طلَب الْمَالَ، أَوْ
الْحَرِيم، فمن حُكْم دَفْعِ الصَّائِل، وَمَانِعِ الزَّكَاةِ تَقَدَّمَ جوابه، وَمُخَالِفِ الْإِجَمَاعِ دَاخِلِ فِي
مُفَارِق الْجَمَاعَة، وَقَتْلِ الزّنْدِيقِ لاسْتِصْحَابٍ حُكْم كُفْرِهِ، وَكَذَا السَّاحِرِ، وَالْعِلْمِ عِنْد اللَّه
تَعَالَی.
وقد حَكَى ابن الْعَرَبِيّ، عن بعض أشياخه، أَنَّ أَسباب الْقَتْل عشرة، قال ابن الْعَرَبِيّ:
ولا تَخْرُج عن هذه الثلاثة بحال، فَإِنَّ من سَحَرَ، أَوْ سَبَّ نَبِيَ اللَّه صلَّى اللَّه تعالى عليه
وسلم، كَفَرَ، فَهُوَ دَاخِلِ فِي التَّارِك لِدِينِهِ (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٠١٨- (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْتِى، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ:
حَذَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنٍ غَالِبٍ، قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: أَمَا عَلِمْتَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ
﴿ِ، قَالَ: ((لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، إِلَّا رَجُلْ زَنَى بَعْدَ إِخْصَانِهِ، أَوْ كَفَرَ بَعْدَ إِسْلَامِهِ، أَوْ
النّفْسُ بِالنَّفْسِ)). وَقَقَهُ زُهَيْرٌ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١- (عمرو بن عليّ) الفلّاس البصريّ، ثقة ثبت [١٠] ٤/٤.
٢- (يحيى) بن سعيد القطّان البصريّ، ثقة ثبت حجة [٩] ٤/٤.
٣- (سفيان) بن سعيد الثوريّ المذكور قريبًا.
٤- (أبو إسحاق) عمرو بن عبد الله السبيعيّ الكوفيّ، ثقة عابد اختلط بأَخَرَة [٣]
٤٢/٣٨ .
٥- (عمرو بن غالب) الهمدانيّ الكوفيّ، مقبولٌ [٣].
رَوَى عن عليّ، وعمّار، وعائشة، والأشتر النخعيّ. وعنه أبو إسحاق السبيعيّ.
(١) راجع ((الفتح) ١٤ / ١٨٤- ١٨٨. (كتاب الديات)) رقم الحديث ٦٨٧٨.

٣١٧ =
٥- (ذِكْرُ مَا يَحِلُّ بِهِ دَمُ الْمُسْلِم) - حديث رقم ٤٠١٨
ذكره ابن حبّان في ((الثقات)). وقال ابن الْبَرْقَيْ: كوفيّ مجهولٌ، احْتُمِلَت روايته لرواية
أبي إسحاق عنه. وقال مسلم في ((الوحدان)): تفرّد عنه أبو إسحاق. وقال أبو عليّ
الصدفيّ: وثّقه النسائيّ. وقال الذهبيّ: ما حدّث عنه سوى أبي إسحاق. تفرّد به
المصنّف بهذا الحديث فقط، والترمذيّ بحديث آخر. والله تعالى أعلم.
٦- (عائشة) أم المؤمنين رضي اللَّه تعالى عنها٥/٥ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه اللّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح، غير عمرو بن غالب، كما سبق آنفًا. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين،
غير شيخه، ويحيى، فبصريان، وعائشة رضي اللّه تعالى عنها، فمدنيّة. (ومنها): أن
فيه رواية تابعي عن تابعيّ. (ومنها): أن فيه عائشة رضي الله تعالى عنها من المكثرين
السبعة، روت (٢٢١٠) أحاديث. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَمْرِو بْنِ غَالِبٍ) الهمدانيّ، أنه (قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ) رضي اللّه تعالى عنها (أَمَا
عَلِمْتَ)
في الحديث قصّة، ساقها الإمام أحمد رحمه الله تعالى في ((مسنده))، ولفظه:
حدثنا ابن نمير، حدثنا يونس بن أبي إسحاق، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن
غالب، قال: انتهيت إلى عائشة أنا وعمار والأشتر، فقال عمار: السلام عليك يا أُمَّتَاه،
فقالت: السلام على من اتبع الهدى، حتى أعادها عليها مرتين، أو ثلاثا، ثم قال: أما
والله إنكِ لأمي، وإن كرهت، قالت: من هذا معك؟ قال: هذا الأشتر، قالت: أنت
الذي أردت أن تقتل ابن أختي، قال: نعم، قد أردت ذلك، وأراده، قالت: أَمَا لو
فعلت، ما أفلحت، أَمَّا أنت يا عمار، فقد سمعتَ، أو سمعتُ رسول اللَّه وَل يقول:
((لا يحل دم امرئ مسلم، إلا من ثلاثة، إلا مَنْ زنى بعدما أُحصِن، أو كفر بعدما أسلم،
أو قتل نفسا، فقُتِل بها)).
حدثنا وكيع، قال: حدثنا سفيان، وإسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن
غالب، قال: جاء عمار، ومعه الأشتر، يستأذن على عائشة، قال: يا أُمَّه، فقالت:
لست لك بأم، قال: بلى، وإن كرهتٍ، قالت: من هذا معك؟ قال: هذا الأشتر،
قالت: أنت الذي أردت قتل ابن أختي، قال: قد أردت قتله، وأراد قتلي الحديث.
(أَنَّ رَسُولَ اللَّهِهِ، قَالَ: ((لَا يَجِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، إِلَّا رَجُلْ) بالرفع على البدليّة من

=
٣١٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْمُحَارَبَةِ
((دُ امرىء))، على حذف مضاف، أي إلا دم رجل (زَنَى بَعْدَ إِحْصَانِهِ، أَوْ كَفَرَ بَعْدَ
إِسْلَامِهِ) أي ارتد عن الإسلام، وفي الرواية الآتية في - ١١/ ٤٠٥٠- من رواية عبيد بن
عمير، عن عائشة رضي الله تعالى عنها: ((أو رجلٌ يخرج من الإسلام، فيُحارب الله عزّ
وجلّ ورسوله، فيُقتل، أو يُصلب، أو يُنفى من الأرض)) (أَوْ النَّفْسُ بِالنَّفْسِ) أي النفس
التي تطالب لتُقتل في مقابل قتلها النفس التي لا يحلّ لها قتلها. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عائشة رضي الله تعالى عنها هذا صحيح.
[فإن قلت]: كيف يصحّ، وفي إسناده أبو إسحاق، وهو مدلسٌ، وقد عنعنه؟.
[قلت]: قد رُوِي هذا الحديثُ عن عائشة رضي اللَّه تعالى عنها بغير هذا السند،
فسيأتي للمصنّف رحمه الله تعالى في ١١/ ٤٠٥٠- بسند صحيح عن عُبيد بن عُمير،
عن عائشة رضي اللّه تعالى عنها: ((أن رسول الله صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم قال: ((لا
يحلّ دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث)) الحديث. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٤٠١٨/٥ و٤٠١٩ و٤٠٥٠/١١ وفي ((القسامة)) ٤٧٤٥/١٣- وفي
((الكبرى)) ٥/ ٣٤٨٠ و٣٤٨١ وفي ((القسامة)) ٦٩٤٥/١٢. وأخرجه (د) في ((الحدود))
٤٣٥٣ (أحمد) في ((مسند الأنصار)» ٢٣٧٨٣ و٢٤٩٤ و٢٥٧٢ و٢٥٢٦٦ . والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وقوله: (وقفه زُهيرٌ) يعني أن زُهير بن معاوية خالف سفيان الثوريّ في هذا الحديث،
فرواه موقوفًا على عائشة رضي اللّه تعالى عنها، كما بينه بقوله:
٤٠١٩- (أَخْبَرَنَا هِلَالُ بْنُ الْعَلَاءِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، قَالَ:
حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ غَالِبٍ، قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: يَا عَمَّارُ، أَمَا إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّهُ
لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ، إِلَّا ثَلَاثَةٌ: النَّفْسُ بِالنَّفْسِ، أَوْ رَجُلْ زَنَى بَعْدَ مَا أُخْصِنَ))، وَسَاقَ
الْحَدِيثَ).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((هلال بن العلاء)): هو أبو عمر الرّقّيّ، صدوق [١١]
١١٩٩/١٠ من أفراد المصنّف.
و((حسين)): هو ابن عيّاش بن حازم السلميّ مولاهم، أبو بكر الباجُدَانيّ، ثقة [١٠]
١٤٨٤/١٥، من أفراد المصنف أيضًا.

٣١٩
٥- (ذِكْرُ مَا يَحِلُّ بِهِ دَمُ المُسلِم) - حديث رقم ٤٠٢٠
و((زُهير)): هو ابن معاوية بن حُديج الجعفيّ، أبو خيثمة الكوفيّ، نزيل الجزيرة، ثقة
ثبت، إلا أن سماعه من أبي إسحاق بآخره [٧] ٤٢/٣٨.
وقوله: ((إلا ثلاثة)) أي إلا دم ثلاثة، فهو على حذف مضاف.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الحديث موقوف، ورواية سفيان التي قبله،
أرجح منه؛ لأمور:
[منها]: أن الرفع زيادة من ثقة حافظ، فتُقبل، ومعلومٌ أن سفيان الثوريّ أحفظ من
زُهیر بکثیر.
[الثاني]: أن زهيرًا، وإن كان ثقةً ثبتًا، إلا أنه إنما سمع من أبي إسحاق بعد أن
اختلط، كما هو مبيّن في ترجمته من ((تهذيب التهذيب))، وغيره، فتكون روايته ضعيفة.
[الثالث]: أن سفيان له متابع فقد رَوَى الحديثَ عُبيد بن عُمير، عن عائشة رضي الله
تعالى عنها، مرفوعًا، كما سيأتي للمصنّف في ١١/ ٤٠٥٠- إن شاء اللّه تعالى.
والحاصل أن الحديث صحيح مرفوعًا، فتنبّه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٠٢٠- (أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا
حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْتَى بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو أُمَامَةَ بْنُ سَهْلِ، وَعَبْدُ اللّهِ
ابْنُ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ، قَالَا: كُنَّا مَعَ عُثْمَانَ، وَهُوَ مَحْصُورٌ، وَكُنَّا إِذَا دَخَلْنَا مَذْخَلًا، نَسْمَعُ
كَلَمَ مَنْ بِالْبَلَاطِ، فَدَخَلَ عُثْمَانُ يَوْمًا، ثُمَّ خَرَجَ، فَقَالَ: إِنَّهِمْ لَيَتَوَاعَدُونِي بِالْقَتْلِ، قُلْنَا:
يَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ، قَالَ: فَلِمَ يَقْتُلُونِي؟، سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ وَهِ يَقُولُ: ((لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ
مُسْلِمِ، إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: رَجُلٌ كَفَرَ بَعْدَ إِسْلَامِهِ، أَوْ زَنَى بَعْدَ إِخْصَانِهِ، أَوْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ
نَفْسِ)، فَوَاللَّهِ مَا زَنَيْتُ فِي جَاهِلِيَّةٍ، وَلَا إِسْلَامٍ، وَلَا تَمَثَّيْتُ أَنَّ لِي بِدِينِي بَدَلًا، مُنْذُّ
هَدَنِيَ اللَّهُ، وَلَا قَتَلْتُ نَفْسًا، فَلِمَ يَقْتُلُونَنِي؟).
رجال هذا الإسناد: سبعة :
١- (إبراهيم بن يعقوب) بن إسحاق، أبو إسحاق الْجُوزّجانيّ، نزيل دمشق، ثقةٌ
حافظٌ، رُمي بالنصب [١١] ١٧٤/١٢٢ من أفراد المصنف، والترمذيّ.
٢- (محمد بن عيسى) أبو جعفر ابن الطبّاع البغداديّ، نزيل أُذَنَّةَ، ثقة فقيه [١٠]
٣٢٧٨/٣٩ .
٣- (حمّاد بن زيد) بن درهم الجهضميّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقة ثبت فقيه [٨]
٣/٣ .
٤- (يحيى بن سعيد) بن قيس الأنصاريّ، أبو سعيد المدنيّ القاضي، ثقة ثبت [٥]

٣٢٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْمُحَارَبَةِ
٢٣/٢٢ .
٥- (أبو أمامة بن سَهْل) هو أسعد بن سَهْل بن حُنَيف الأنصاريّ، معدود في الصحابة
لرؤيته، ولا سماع له [٢] ٥٠٩/٨.
٦- (عبد الله بن عامر بن ربيعة) الْعَنَزيّ، حليف بني عديّ، أبو محمد المدني، وُلد
على عهد النبيّ صلَّى اللّه تعالى عليه وسلم، وأبوه صحابيّ مشهور، وثّقه العجليّ،
وتقدّم في ٣٤١٦/٤ .
٧- (عثمان) بن عفّان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس الأمويّ، أمير المؤمنين
رضي الله تعالى عنه، وكانت خلافته اثنتي عشرة سنة، استُشهد في ذي الحجة بعد عيد
الأضحى سنة (٣٥هـ) وعمره (٨٠) سنة، وقيل: أكثر، وقيل: أقلّ، تقدّم في ٨٤/٦٨ .
والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه اللّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح، غير شيخه، كما سبق آنفًا. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من يحيى.
(ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعتين. (ومنها): أن صحابيّه أحد السابقين إلى
الإسلام، وأحد الخلفاء الراشدين، والعشرة المبشرين بالجنة رضي اللّه تعالى عنهم
أجمعين. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
عن يحيى بن سعيد أنه (قال: حَدَّثَنِي أَبُو أُمَامَةَ) أسعد (بْنُ سَهْلٍ) الأنصاريّ المدنيّ
(وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرٍ بْنِ رَبِيعَةً) العَنَّزيّ المدنيّ (قَالَا: كُنَّا مَعَ عُثْمَانَ) بن عفّان رضي اللَّه
تعالى عنه (وَهُوَ مَخْصُورٌ) جملة في محلّ نصب على الحال، والمحصور: اسم مفعول
من حَصَره العدوّ حَصْرًا، من باب قتل: أحاطوا به، ومنعوه من المضيّ لأمره. وقال
ابن السّكّيت، وثعلبٌ: حَصَرِه العدوُّ في منزله: حَبَسَهُ، وأحصره المرضُ بالألف: منعه
منى السفر. وقال الفرّاء: هذا هو كلام العرب، وعليه أهلُ اللغة. وقال ابن الْقُوطيّة،
وأبو عَمْرو الشيبانيّ: حصره العدوّ والمرض، وأحصره، كلاهما بمعنى حبسه. ذكره
الفيّوميّ .
(وَكُنَّا إِذَا دَخَلْنَا مَذْخَلًا) بفتح الميم، وضمّها: أي موضع دخول (نَسْمَعُ كَلَامَ مَنْ
بِالْبَلَاطِ) بفتح الباء، بوزن سحاب: موضع بالمدينة بين المسجد والسوق، مُبَلَّطْ،
ويقال: بَلَطَ الدارَ، وأبلطها، وبلّطها: إذا فرَشها بالبلاط، وهي الحجارة التي تُفْرَش في