Indexed OCR Text
Pages 281-300
٣- (ذِكْرُ الکَبَائِر) - حديث رقم ٤٠١٠ ٢٨١ ٣- (ذِكْرُ الْكَبَائِرِ) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أراد به بعض الكبائر؛ إذلم يستوف الأحاديث الواردة في ذلك، وسأذكر ما ذكره العلماء، مما ورد فيه في المسألة الثالثة،، إن شاء الله تعالى. و((الكبائر)): جمع كبيرة، وقد اختلف في حدّها على أقوال كثيرة، سيأتي تفصيلها مستوفّى في المسألة الخامسة، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب. ٤٠١٠- (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا بَقِيَّةُ، قَالَ: حَدَّثَنِي بَحِيْرُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، أَنَّ أَبَا رُهُم السَّمَعِيَّ حَدَّثَهُمْ، أَنَّ أَبَا أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيّ حَدَّثَهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ قَالَ: ((مَنْ جَاءَ تَّعْبُدُ اللَّهَ، وَلَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَيُقِيمُ الصَّلَاةَ، وَيُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَيَجْتَنِبُ الْكَبَائِرَ، كَانَ لَهُ الْجَنَّةُ))، فَسَأَلُوهُ عَنْ الْكَبَائِرِ؟، فَقَالَ: ((الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَقَتْلُ النّفْسِ الْمُسْلِمَةِ، وَالْفِرَارُ يَوْمَ الزَّحْفِ)). رجال هذا الإسناد: ستة : ١- (إسحاق بن إبراهيم) الحنظليّ المروزيّ المعروف بابن راهويه، ثقة ثبت [١٠] ٢/٢ . ٢- (بقيّة) بن الوليد الْكَلَاعيّ، أبو يُحمِد الحمصيّ، صدوق كثير التدليس عن الضعفاء [٨] ٥٥/٤٥ . ٣- (بَحِير بن سَعْد) السَّحُوليّ، أبو خالد الْحمصيّ، ثقة ثبت [٦] ٦٨٨/١. [تنبيه]: وقع في ((الكبرى)) ((يحيى بن سعيد)) بدل ((بَحِير بن سعد))، وهو تصحيفٌ فاحش، والصواب ما هنا، وقد وقع على الصواب عنده في ((كتاب السير)) ٨٦٥٥/٥٣- فقد رواه عن عمرو بن عثمان بن سعيد بن كثير، عن بقيّة، عن بحير، عن خالد، وهو ابن معدان الخ. والله تعالى أعلم. ٤- (خالد بن معدان) الكلاعيّ الحمصيّ، ثقة عابد [٣] ٦٨٨/١. ٥- (أبو رُهم) بضم، فسكون- السَّمَعيّ(١) - اسمه أحزاب بن أَسِيد، مخضرم ثقة [٢] ٢١٦٣/٢٥ . (١) «السَّمَعِيُّ -: قال في ((القاموس)»: والسَّمَعُ مِحَرَّكَةً، أو كعِنَبٍ هو ابن مالك بن زيد بن سهل، أبو قبيلة من حِمْيَر منهم: أبو رُهم أحزاب بن أسيد. انتهى. » ٢٨٢ = شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْمُحَارَبَةِ ٦- (أبو أيوب الأنصاريّ) خالد بن زيد بن كُليب النجاريّ الصحابيّ الشهير، شهد بدرًا، وما بعدها، ونزل النبيّ صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم عليه حين قَدِمَ المدينة، ومات رضي الله تعالى عنه غازيًا بالروم سنة (٥٠) وقيل: بعدها، تقدّم في ٢٠/ ٢٠. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه اللّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير بحير، فمن رجال الأربعة، وغير أبي رُهم، فمن رجالهم، غير الترمذيّ. (ومنها): أنه مسلسل بالشاميين، غير شيخه، فمروزيّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، أَنَّ أَبَا رُهم السَّمَعِيَّ حَدَّثَهُمْ) أي حدّث خالدًا ومن معه (أَنَّ أَبَا أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيَّ) رضي اللَّه تعالى عنه (حَدَّثَهُ) أي حدّث أبا رُهُم (أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَهُ قَالَ: ((مَنْ جَاءَ) أي في يوم القيامة (يَعْبُدُ اللَّهَ) أي يوحده (وَلَّا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا) تأكید لما قبله، ولا يضرّه صورة العطف للمغايرة بالمفهوم، أو معنا ((يعبد اللَّه)): يُطيعه فيما يُطيقه، فما بعده إلى قوله: ((ويجتنب الكبائر)) تخصيص بعد تعميم (وَيُقِيمُ الصَّلَاةَ، وَيُؤْتِي الزَّكَاةَ) زاد في ((الكبرى)) في ((السير)) من طريق عمرو بن عثمان المذكورة، عن بقيّة زيادة: ((ويصوم شهر رمضان))، وهي عند أحمد في ((مسنده)) من طريق حَيْوَة بن شُريح، عنِ بقيّة، ولفظه: ((ويصوم رمضان)) (وَيَجْتَنِبُ الْكَبَائِرَ) أي يبتعد عنها (كَانَ لَهُ الْجَنَّةُ»، فَسَأَلُوهُ) أي الصحابة الذين كانوا حاضرين عنده صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم حينما حدّث بهذا الحديث (عَنْ الْكَبَائِرِ؟) أي عن المراد بقوله: ((ويجتنب الكبائر)) (فَقَالَ) صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم (الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ) خبر لمحذوف: أي هي الإشراك باللّه تعالى (وَقَتْلُ النَّفْسِ الْمُسْلِمَةِ) أي المعصومة الدم، وأما غير المعصومة بأن قتل نفسًا، فاستحقّ القصاص، أو زنى محصنًا، فاستحقّ الرجم، أو نحو ذلك، فليس داخلاً في هذا (وَالْفِرَارُ) بكسر الفاء أي الهروب، يقال: فرّ من عدوّه يفرّ، من باب ضرب فِرَارًا: هَرَب (يَوْمَ الزَّخْفِ) أي يوم الجهاد، ولقاء العدوّ في الحرب، والزَّحْفُ: الجيش، يَزْحَفُون إلى العدوّ، أي يمشون، يقال: زَحَفَ إليه زَحْفًا، من باب نَفَعَ: إذا مشى نحوه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. ٢٨٣= ٣- (ذكْرُ الگبائِر) - حديث رقم ٤٠١٠ مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي أيوب الأنصاريّ رضي اللَّه تعالى عنه هذا صحيح، وهو من أفراد المصنف رحمه اللَّه تعالى، أخرجه هنا٣/ ٤٠١٠- وفي ((الكبرى)) ٣٤٧٢/٣ وفي ((السير)) أيضًا ٨٦٥٥/٥٣. وأخرجه (أحمد) في ((باقي مسند الأنصار)) ٢٢٩٩١. والله تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان بعض الكبائر. (ومنها): أن من جاء يوم القيامة موحدًا، وملتزمًا لأحكام الإسلام، ومجتنبًا لكبائر الذنوب دخل الجنّة. (ومنها): أن فيه إشارة إلى أنه لا بدّ من هذه الأمور حتى يكون المكلّف عابدًا له تعالى، وأن مناط الأمر عليه، فمن أتى بهذا القدر من الطاعة فله الجنّة، وإن قصّر في غيره (ومنها): أن الصغائر تُغفر باجتناب الكبائر، كما قال الله تعالى: ﴿إِن تَجْتَنِبُوا كَبَآبِرَ مَا نُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ الآية [النساء: ٣١]. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثالثة): فيما ذكر ما ورد من الآثار في الكبائر: قال الحافظ رحمه الله تعالى: المراد بالموبقة هنا الكبيرة، كما ثبت في حديث أبي هريرة تَّه من وجه آخر، أخرجه البزّار، وابن المنذر، من طريق عمر بن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة ◌َزي، رفعه: ((الكبائر الشرك بالله، وقتل النفس ... )) الحديث، مثل رواية أبي الغيث، إلا أنه ذكر بدل السحر الانتقال إلى الأعرابيّة بعد الهجرة. وأخرج النسائيّ، والطبرانيّ، وصححه ابن حبّان، والحاكم من طريق صُهيب، مولى العتواريين، عن أبي هريرة، وأبي سعيد، قالا: قال رسول الله وَلَى: ((ما من عبد يُصلّي الخمس، ويجتنب الكبائر السبع، إلا فُتحت له أبواب الجنّة» الحديث، ولكن لم يفسّرها. والمعتمد في تفسيرها ما وقع في رواية سالم، وقد وافقه كتاب عمرو بن حزم الذي أخرجه النسائيّ، وابن حبّان في ((صحيحه))، والطبرانيّ، من طريق سليمان بن داود، عن الزهريّ، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جدّه، قال: ((كتب رسول اللَّه ◌َ ل كتاب الفرائض، والديات، والسنن، وبعث به مع عمرو بن حزم إلى اليمن)) الحديث بطوله، وفيه: ((وكان في الكتاب: وإن أكبر الكبائر الشرك))، فذكر مثل حديث سالم سواءً. وللطبرانيّ من حديث سهل بن أبي حثمة، عن عليّ ◌َّه رفعه: ((اجتنب الكبائر السبع))، فذكرها، لكن ذكر ((التعرّب بعد ٢٨٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْمُحَارَبَةِ الهجرة))، بدل ((السحر)). وله في ((الأوسط)) من حديث أبي سعيد مثله، وقال: ((الرجوع إلى الأعراب بعد الهجرة)). ولإسماعيل القاضي من طريق المطّلب بن عبد الله بن حنطب، عن عبد الله بن عمرو، قال: ((صعد النبيّ بَّر المنبر، ثم قال: أبشروا، من صلّى الخمس، واجتنب الكبائر السبع، نودي من أبواب الجنة))، فقيل له: أسمعت النبيّ وَّ يذكرهنّ؟ قال: نعم، فذكر مثل حديث عليّ سواءً. وقال عبد الرزاق: أنبأنا معمرٌ، عن الحسن، قال: ((الكبائر الإشراك بالله))، فذكر مثل الأصول سواءً، إلا أنه قال: ((اليمين الفاجرة))، بدل ((السحر)). ولابن عمرو فيما أخرجه البخاريّ في ((الأدب المفرد»، والطبريّ في ((التفسير))، وعبد الرزاق، والخرائطيّ في ((مساوىء الأخلاق))، وإسماعيل القاضي في ((أحكام القرآن))، مرفوعًا، وموقوفًا، قال: ((الكبائر تسع))، فذكر السبعة المذكورة، وزاد («الإلحاد في الحرم، وعُقُوق الوالدين)). ولأبي داود، والطبرانيّ، من رواية عُبيد بن عُمير بن قتادة الليثيّ، عن أبيه، رفعه: ((إن أولياء الله المصلّون، ومن يجتنب الكبائر))، قالوا: ما الكبائر؟ قال: هنّ تسعّ، أعظمهنّ الإشراك بالله))، فذكر مثل حديث ابن عمر سواءً، إلا أنه عبّر عن («الإلحاد في الحرم)) باستحلال البيت الحرام. وأخرج الإسماعيليّ القاضي بسند صحيح إلى سعيد بن المسيب، قال: ((هنّ عشرٌ))، فذكر السبعة التي في الأصل، وزاد: ((وعقوق الوالدين، واليمين الغموس، وشرب الخمر)). ولابن أبي حاتم من طريق مالك بن حريث، عن عليّ ◌َزليه قال: ((الكبائر))، فذكر التسعة، إلا مال اليتيم، وزاد العقوق، والتعرّب بعد الهجرة، وفراق الجماعة، ونكث الصفقة. وللطبراني عن أبي أمامة أنهم تذاكروا الكبائر، فقالوا: الشرك، ومال اليتيم، والفرار من الزحف، والسحر، والعقوق، وقول الزور، والغلول، والزنا، فقال رسول اللَّه وَ له: ((فأين تجعلون الذين يشترون بعهد الله ثمنًا قليلًا؟)). وعند عبد الرزاق، والطبراني، عن ابن مسعود وَزّه: ((أكبر الكبائر الإشراك بالله، والأمن من مكر الله، والقنوط من رحمة الله، واليأس من روح الله))، وهو موقوف. وروى إسماعيل بسند صحيح، من طريق ابن سيرين، عن عبد الله بن عمرو مثل حديث الأصل، لكن قال: ((البهتان)) بدل السحر، والقذف، فسُئل عن ذلك؟ فقال: البهتان يجمع. وفي ((الموطًا)) عن النعمان بن مرّة مرسلًا: ((الزنا، والسرقة، وشرب الخمر، فواحش))، وله شاهد من حديث عمران بن حُصين عند البخاريّ في ((الأدب المفرد)»، والطبرانيّ، والبيهقيّ، وسنده حسنّ، وتقدّم حديث ابن عباس في النميمة، ومن رواه بلفظ الغيبة، وترك التنزه من البول، كلّ ذلك في ((الطهارة)). ولإسماعيل القاضي، من ٢٨٥= ٣- (ذِكْرُ الخَبَائِر) - حديث رقم ٤٠١٠ مرسل الحسن، ذكر ((الزنا والسرقة))، وله عن أبي إسحاق السبيعيّ: ((شتم أبي بكر وعمر»، وهو لابن أبي حاتم من قول مغيرة بن مِقسم. وأخرج الطبريّ عنه بسند صحيح: ((الإضرار في الوصيّة من الكبائر))، وعنه ((الجمع بين الصلاتين من غير عذر))، رفعه، وله شاهد أخرجه ابن أبي حاتم عن عمر قوله، وعند إسماعيل من قول ابن عمر ذكر النُّهْبة، ومن حديث بُريدة عند البزار منع فضل الماء، ومنع طروق الفحل، ومن حديث أبي هريرة عند الحاكم: ((الصلوات كفّارات إلا من ثلاث: الإشراك بالله، ونكث الصفقة، وترك السنّة))، ثم فسّر نكث الصفقة بالخروج على الإمام، وترك السنّة بالخروج عن الجماعة. أخرجه الحاكم. ومن حديث ابن عمر عند ابن مردويه: ((أكبر الكبائر سوء الظنّ بالله)). ومن الضعيف في ذلك نسيان القرآن. أخرجه أبو داود، والترمذيّ، عن أنس تنزيه رفعه: ((نظرت في الذنوب، فلم أرَ أعظم من سورة من القرآن أوتيها رجل، فنسيها)). وحديث: ((من أتى حائضًا، أو كاهنًا، فقد كفر)». أخرجه الترمذيّ. قال الحافظ رحمه الله تعالى: فهذا جميع ما وقفت عليه، مما ورد التصريح بأنه من الكبائر، أو من أكبر الكبائر، صحيحًا، وضعيفًا، مرفوعًا، و موقوفًا، وقد تتبعته غاية التتبع، وفي بعضه ما ورد خاصًّا، ويدخل في عموم غيره، كالتسبب في لعن الولدین، وهو داخل في العقوق، وقتل الولد، وهو داخل في قتل النفس، والزنا بحليلة الجار، وهو داخلٌ في الزنا، والنُّهْبة، والغلول، واسم الخيانة يشمله، ويدخل الجميع في السرقة، وتعلّم السحر، وهو داخل في السحر، وشهادة الزور، وهي داخلة في قول الزور، ويمين الغموس، وهي داخلة في اليمين الفاجرة، والقنوط من رحمة الله، کالیأس من روح الله. والمعتمد في كلّ ذلك ما ورد مرفوعًا بغير تداخل من وجه صحيح، وهي السبعة المذكورة في حديث الباب، والانتقال عن الهجرة، والزنا، والسرقة، والعقوق، واليمين الغموس، والإلحاد في الحرم، وشرب الخمر، وشهادة الزور، والنميمة، وترك التنزه من البول، والغلول، ونكث الصفقة، وفراق الجماعة، فتلك عشرون خصلة، وتتفاوت مراتبها، والمجمع على عدّه من ذلك أقوى من المختلف فيه، إلا ما عضده القرآن، أو الإجماع،، فيلتحق بما فوقه، ويجتمع من المرفوع، ومن الموقوف ما یقاربها . ويحتاج عند هذا إلى الجواب عن الحكمة في الاقتصار على سبع. ويجاب بأن مفهوم العدد ليس بحجة، وهو جواب ضعيف. وبأنه أعلم أوّلًا بالمذكورات، ثم أعلم ٢٨٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْمُحَارَبَةِ بما زاد، فيجب الأخذ بالزائد، أو أن الاقتصار وقع بحسب المقام بالنسبة للسائل، أو من وقعت له واقعة، ونحو ذلك. وقد أخرج الطبريّ، وإسماعيل القاضي، عن ابن عبّاس رضي اللّه تعالى عنهما أنه قيل له: الكبائر سبع، فقال: هنّ أكثر من سبع، وسبع، وفي رواية عنه: هي إلى السبعين أقرب، وفي رواية إلى السبعمائة. ويحمل كلامه على المبالغة بالنسبة إلى من اقتصر على سبع، وكأن المقتصر عليها اعتمد على حديث الباب المذكور. انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى، وهو بحثّ نفيسٌ جدًّا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في تقسيم الذنوب إلى صغائر، وكبائر: وقد اختلف السلف في الكبائر والصغار، فذهب الجمهور إلى أن من الذنوب کبائر، ومنها صغائر. وشذّت طائفة منهم: أبو إسحاق الاسفرايينيّ، فقال: ليس في الذنوب صغيرة، بل كلّ ما نهى الله عنه كبيرة. ونقل ذلك عن ابن عبّاس، وحكاه القاضي عياض عن المحقّقين، واحتجوا بأن كلّ مخالفة لله، فهي بالنسبة إلى جلاله كبيرة اهـ. ونسبه ابن بطّال إلى الأشعريّة، فقال: انقسام الذنوب إلى صغائر وكبائر هو قول عامّة الفقهاء، وخالفهم في ذلك من الأشعريّة أبو بكر بن الطيّب، وأصحابه، فقالوا: المعاصي كلها كبائر، وإنما يقال لبعضها صغيرة بالإضافة إلى ما هو أكبر منها، كما يقال: القُبلة المحرّمة صغيرة بإضافتها إلى الزنا، وکلّھا کبائر، قالوا: ولا ذنب عندنا يُغفر واجبًا باجتناب ذنب آخر، بل كلّ ذلك كبيرة، ومرتكبه في المشيئة غير الكفر؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِّرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ [النساء: ٤٨]. وأجابوا عن الآية التي احتجّ أهل القول الأول بها، وهي قوله تعالى: ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَابِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ [النساء: ٣١] أن المراد الشرك. وقد قال الفرّاء: من قرأ ((كبائر)»، فالمراد بها كبير، وكبير الإثم هو الشرك، وقد يأتي لفظ الجمع، والمراد به الواحد، كقوله تعالى: ﴿ كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوجِ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٥]، ولم يُرسل إليهم غير نوح غلََّله، قالوا: وجواز العقاب على الصغيرة كجوازه على الكبيرة اهـ. قال النوويّ: قد تظاهرت الأدلة من الكتاب والسنّة إلى القول الأول. وقال الغزاليّ في ((البسيط)): إنكار الفرق بين الصغيرة والكبيرة، لا يليق بالفقيه. قال الحافظ: قد حقّق إمام الحرمين المنقول عن الأشاعرة، واختاره، وبيّن أنه لا يخالف ما قاله الجمهور، فقال في ((الإرشاد)): المرضيّ عندنا أن كلّ ذنب يُعصى الله به كبيرة، فربّ شيء يُعدّ صغيرة بالإضافة إلى الأقران، ولو كان في حقّ الملك لكان كبيرة، والربّ أعظم من عُصي، فكلّ ذنب بالإضافة إلى مخالفته عظيم، ولكن ٢٨٧ == ٣- (ذِكْرُ الگبائِر) - حديث رقم ٤٠١٠ الذنوب، وإن عظمت، فهي متفاوتة في رتبها. وظنّ بعض الناس أن الخلاف لفظيّ، فقال: التحقيق أن للكبيرة اعتبارين، فبالنسبة إلى مقايسة بعضها لبعض، فهي تختلف قطعًا، وبالنسبة إلى الآمر الناهي، فكلّها كبائر اهـ. والتحقيق أن الخلاف معنويّ، وإنما جرى إليه الأخذ بظاهر الآية، والحديث الدال على أن الصغائر تُكفّر باجتناب الكبائر، كما تقدّم. والله تعالى أعلم. وقال القرطبيّ: ما أظنّه يصحّ عن ابن عباس أن كلّ ما نهى الله عز وجل عنه كبيرة؛ لأنه مخالف لظاهر القرآن في الفرق بين الصغائر والكبائر في قوله: ﴿الَّذِينَ يَجْتَِّبُونَ كَرَ اَلْإِثْمِ وَالْفَوَحِشَ إِلَّ اَللَّمْ﴾ [النجم: ٣٢]، وقوله: ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَابِرَ مَا نُنْهَوْنَ عَنْهُ تُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيْئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١]، فجعل في المنھیّات صغائر وكبائر، وفرّق بينهما في الحكم، إذ جعل تكفير السيّت في الآية مشروطًا باجتناب الكبائر، واستثنى اللمم من الكبائر والفواحش، فكيف يخفى ذلك على حبر القرآن. قال الحافظ: ويؤيّده ما سيأتي عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما في تفسير اللمم، لكن النقل المذكور عنه، أخرجه إسماعيل القاضي، والطبريّ بسند صحيح على شرط الشيخين إلى ابن عبّاسٍ، فالأولى أن يكون المراد بقوله: ((نهى الله عنه)) محمولًا على نهي خاصّ، وهو الذي قُرن به وعيد، كما قُيّد في الرواية الأخرى عن ابن عباس، فيحمل مطلقه على مقيّده جمعًا بين كلاميه. وقال الطيبيّ: الصغيرة والكبيرة أمران نسبيّان، فلا بدّ من أمر يضافان إليه، وهو أحد ثلاثة أشياء: الطاعة، أو المعصية، أو الثواب، فأما الطاعة، فكلّ ما تكفّره الصلاة مثلًاً هو من الصغائر، وكلّ ما يكفّره الإسلام، أو الهجرة فهو من الكبائر. وأما المعصية، فكلّ معصية يستحقّ فاعلها بسببها وعيدًا، أو عقابًا أزيد من الوعيد، أو العقاب المستحقّ بسبب معصية أخرى، فهي كبيرة. وأما الثواب، ففاعل المعصية إذا كان من المقرّبين، فالصغيرة بالنسبة إليه كبيرة، فقد وقعت المعاتبة في حقّ بعض الأنبياء على أمور لم تعدّ من غيرهم معصية اهـ. وكلامه فيما يتعلّق بالوعيد والعقاب يخصص عموم من أطلق أن علامة الكبيرة ورود الوعيد، أو العقاب في حقّ فاعلها، لكن يلزم منه أن مطلق قتل النفس مثلًا كبيرة، كأنه وإن ورد الوعيد فيه، أو العقاب، لكن ورد الوعيد والعقاب في حقّ قاتل ولده أشدّ، فالصواب ما قاله الجمهور، وأن المثال المذكور، وما أشبهه ينقسم إلى كبير وأكبر. انتهى كلام الحافظ رحمه اللَّه تعالى(١) وهو بحثّ نفيسٌ جدًّا. والله تعالى أعلم (١) (فتح)) ١٢/ ١٤-١٦. ((كتاب الأدب)). = ٢٨٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْمُحَارَبَةِ بالصواب، وإليه المرجع، والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في حدّ الكبيرة: قال النوويّ رحمه الله تعالى: واختلفوا في ضبط الكبيرة اختلافاً كثيراً منتشراً، فروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنها كلّ ذنب ختمه اللَّه بنار، أو غَضَبٍ، أو لعنةٍ، أو عذاب، قال: وجاء نحو هذا عن الحسن البصريّ. وقال آخرون: هي ما أوعد اللَّه عليه بنار في الآخرة، أو أوجب فيه حداً في الدنيا. قال الحافظ: وممن نصّ على هذا الأخير الإمام أحمد فيما نقله القاضي أبو يعلى، ومن الشافعيّة الماورديّ، ولفظه: الكبيرة ما وجبت فيه الحدود، أو توجّه إليها الوعيد. والمنقول عن ابن عباس أخرجه ابن أبي حاتم بسند لا بأس به، إلا أن فيه انقطاعاً. وأخرج من وجه آخر متّصل لا بأس برجاله أيضاً عن ابن عبّاس، قال: ((كلّ ما توعّد اللَّه عليه بالنار كبيرة)). وقد ضبط كثير من الشافعيّة الكبائر بضوابط أخرى، منها: قول إمام الحرمين: كلّ جريمة تؤذن بقلة اكتراث مرتكبها بالدين، ورقّة الديانة. وقول الْحَليميّ: كلّ محرّم لعينه، منهيّ عنه لمعنى في نفسه. وقال الرافعيّ: هي ما أوجب الحدّ. وقيل: ما يلحق الوعيد بصاحبه بنصّ كتاب، أو سنّة . هذا أكثر ما يوجد للأصحاب، وهم إلى ترجيح الأول أميل، لكن الثاني أوفق لما ذكروه عند تفصيل الكبائر انتهى كلامه . وقد استُشكل بأن كثيراً مما وردت النصوص بكونه كبيرةً لا حدّ فيه، كالعقوق. وأجاب بعض الأئمة بأن مراد قائله ضبط ما لم يرد فيه نصٌّ بكونه كبيرةً. وقال ابن عبدالسلام في ((القواعد)): لم أقف لأحد من العلماء على ضابط للكبيرة، لا يَسلَم من الاعتراض، والأولى ضبطها بما يُشعر بتهاون مرتكبها بدينه، إشعارَ أَذْوَنِ الكبائر المنصوص عليها. قال الحافظ: وهو ضابط جيّد. وقال القرطبيّ في ((المفهم)): الراجح أن كلّ ذنب نصّ على كبره، أو عظمه، أو توعّد عليه بالعقاب، أو عُلِّق عليه حدّ، أو شدّد النكير عليه، فهو كبيرة. وكلام ابن الصلاح يوافق ما نقل أوّلًا عن ابن عبّاس، وزاد إيجاب الحدّ. وعلى هذا يكثر عدد الكبائر. وقد ذهب آخرون إلى أن الذنوب التي لم يُنصّ على كونها كبيرة مع كونها كبيرة لا ضابط لها، فقال الواحديّ: ما لم ينصّ الشارع على كونه كبيرة، فالحكمة في إخفائه أن يمتنع العبد من الوقوع فيه خشية أن يكون كبيرة، كإخفاء ليلة القدر، وساعة الجمعة، والاسم الأعظم. والله أعلم(١). (١) (٢) راجع ((الفتح)) ١٤/١٢-١٦ ((كتاب الأدب)). ٢٨٩ = ٣- (ذِكْرُ الخبائِر) - حديث رقم ٤٠١٠ وقال الحافظ في ((كتاب الحدود)) من ((الفتح)) بعد أن أورد الأحاديث الواردة في الكبائر: ما نصّه: وإذا تقرّر ذلك عُرف فساد من عرّف الكبيرة بأنها ما وجب فيها الحدّ؛ لأن أكثر المذكورات لا يجب فيها الحدّ. قال الرافعيّ في ((الشرح الكبير)): الكبيرة هي الموجبة للحدّ. وقيل: ما يُلحق الوعيد بصاحبه بنص كتاب، أو سنة. وهذا أكثر ما يوجد للأصحاب، وهم إلى ترجيح الأول أميل، لكن الثاني أوفق لما ذكروه عند تفصيل الكبائر. وقد أقرّه في ((الروضة))، وهو يُشعر بأنه لا يوجد عن أحد من الشافعيّة الجمع بين التعريفين، وليس كذلك، فقد روى الماورديّ في ((الحاوي)): هي ما يوجب الحدّ، أو توجه إليها الوعيد، و)) أو)) في كلامه للتنويع، لا للشكّ، وكيف يقول عالم: إن الكبيرة ما ورد فيه الحدّ مع التصريح في ((الصحيحين)) بالعقوق، واليمين الغموس، وشهادة الزور، وغير ذلك، والأصل فيما ذكره الرافعيّ قول البغويّ في ((التهذيب)): من ارتكب كبيرة، من زنا، أو لواط، أو شرب خمر، أو غصب، أو سرقة، أو قتل بغير حقّ، تُردّ شهادته، وإن فعله مرّةً واحدةً، ثم قال: فكلّ ما يوجب الحدّ من المعاصي، فهو كبيرةٌ. وقيل: ما يلحق الوعيد بصاحبه بنص كتاب، أو سنّة انتهى. والكلام الأول لا يقتضي الحصر، والثاني هو المعتمد . وقال ابن عبدالسلام: لم أقف على ضابط الكبيرة - يعني يسلم من الاعتراض- قال: والأولى ضبطها بما يُشعر بتهاون مرتكبها إشعار أصغر الكبائر المنصوص عليها، قال: وضبطها بعضهم بكلّ ذنب قُرن به وعيدٌ، أو لعنْ . قال الحافظ: وهذا أشمل من غيره، ولا يَرِد عليه إخلاله بما فيه حدّ؛ لأن كلّ ما ثبت فيه الحدّ، لا يخلو من ورود الوعيد على فعله، ويدخل فيه ترك الواجبات الفوريّة منها مطلقاً، والمتراخية إذا تضيّق . وقال ابن الصلاح: لها أمارات: [منها]: إيجاب الحدّ. [ومنها]: الإيعاد عليها بالعذاب بالنار، ونحوها في الكتاب أوالسنة. [ومنها]: وصف صاحبها بالفسق. [ومنها]: اللعن. قال الحافظ: وهذا أوسع مما قبله . وقد أخرج إسماعيل القاضي بسند فيه ابن لَهِيعة، عن أبي سعيد رضي اللّه تعالى عنه مرفوعاً: ((الكبائر كلّ ذنب أدخل صاحبه النار))، وبسند صحيح عن الحسن البصريّ، قال: ((كلّ ذنب نسبه اللَّه تعالى إلى النار، فهو كبيرة)). ومن أحسن التعاريف قول القرطبيّ في (المفهم)): كلّ ذنب أطلق عليه بنصّ كتاب، أو سنة، أو إجماع أنه كبيرة، أو عظيم، أو أخبر فيه بشدّة العذاب، أو عُلّق عليه الحدّ، أو شُدّد النكير عليه، فهو كبيرة)» . ٢٩٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْمُحَارَبَةِ وعلى هذا فينبغي تتبّع ما ورد فيه الوعيد، أو اللعن، أو الفسق، من القرآن، أو الأحاديث الصحيحة والحسنة، ويُضمّ إلى ما ورد فيه التنصيص في القرآن، والأحاديث الصحاح، والحسان على أنه كبيرة، فمهما بلغ مجموع ذلك عُرف منه تحرير عَدّها . قال الحافظ: وقد شرعت في جمع ذلك، وأسأل الله الإعانة على تحريره بمنه وكرمه. وقال الْحَلِيميّ في ((المنهاج)): ما من ذنب إلا وفيه صغيرة، وكبيرة، وقد تنقلب الصغيرة كبيرة بقرينة تُضمّ إليها، وتنقلب الكبيرة فاحشةً كذلك، إلا الكفر بالله، فإنه أفحش الكبائر، وليس من نوعه صغيرة. قال الحافظ: ومع ذلك فهو ينقسم إلى فاحش، وأفحش . ثم ذكر الحليميّ أمثلةً لما قال: فالثاني كقتل النفس بغير حقّ، فإنه كبيرة، فإن قتل أصلًا، أو فرعاً، أو ذا رحم، أو بالحرم، أو بالشهر الحرام، فهو فاحشة. والزنا كبيرة، فإن كان بحليلة الجار، أو بذات رحم، أو في شهر رمضان، أو في الحرم، فهو فاحشة. وشرب الخمر كبيرة، فإن كان في شهر رمضان نهاراً، أو في الحرم، أو جاهر به، فهو فاحشةٌ . والأول: كالمفاخذة مع الأجنبيّة صغيرة، فإن كان مع امرأة الأب، أو حليلة الابن، أو ذات رحم، فكبيرة. وسرقة ما دون النصاب صغيرةٌ، فإن كان المسروق منه لا يملك غيره، وأفضى به عدمه إلى الضعف، فهو كبيرة، وأطال في أمثلة ذلك. وفي الكثير منه ما يُتعقّب، لكن هذا عنوانه، وهو منهجٌ حسنٌ، لا بأس باعتباره، ومداره على شدّة المفسدة، وخفّتها. انتهى كلام الحافظ رحمه اللَّه تعالى(١). وقد أشار الحافظ السيوطيّ رحمه الله تعالى في ((الكوكب الساطع)) إلى الخلاف المذكور في حدّ الكبيرة، وذكر بعض أمثلة الكبائر، فقال: وَفِي الْكَبِيرَةِ اضْطِرَابٌ إِذْ تُحدٌ فَقِيلَ ذُو تَوَعُدٍ وَقِيلَ حَدُّ كِتَابُنَا بِنَصْهِ قَدْ حَرَّمَا وَقِيلَ مَا فِي جِئْسِهِ حَذّ وَمَا وَقِيلَ كُلِّ وَالصَّغَارُ نُفِيَتْ وَقِيلَ لَا حَدَّ لَهَا بَلْ أُخْفِيَتْ جَرِيمَةٌ تُؤْذِنُنَا بِغَيْرٍ مَيْنْ وَالْمُرْتَضَى قَوْلُ إِمَامِ الْحَرَمَيْنْ بِالذِينِ وَالرُّفَّةِ فِي تَقْوَاهُ بِقِلَّةِ اكْتِرَاثِ مَنْ أَتَاهُ وَمُطْلَقِ الْمُسْكِرِ ثُمَّ السَّخْرِ كَالْقَتْلِ وَالزَّنَا وَشُرْبِ الْخَمْرِ (١) (فتح)) ١٥٩/١٤-١٦١. ((كتاب الحدود)) رقم الحديث ٦٨٥٧. ٢٩١ ٣- (ذِكْرُ الخَبائِر) - حديث رقم ٤٠١١ وَيَأْسِ رَحْمَةٍ وَأَمْنِ مَكْرٍ وَالْقَذْفِ وَالْوَاطِ ثُمَّ الْفِطْرِ (١) بِالزُّورِ وَالرَّشْوَةِ وَالْقِيَادَةٍ (٢) وَالْغَصْبِ وَالسَّزْقَةِ وَالشَّهَادَةِ خِيَانَةٍ فِي الْكَهْلِ وَالْوَزْنِ ظِهَازْ مَتْحِ زَكَاةٍ وَدِيَاثَةٍ (٣) فِرَارْ فَاجِرَةٍ عَلَى نَبِيْنَا بِمِينٌ(٤) نَمِيمَةٍ كَثْمٍ شَهَادَةِ يَمِين سِعَايَةٍ(٥) عَقْ وَقَطْعِ الرَّحِمِ وَسَبْ صَخْبِهِ وَضَرْبِ الْمُسْلِم تَأْخِيرِهَا وَمَالَ أَيْتَامِ رَوَوْا جِرَابَةٍ تَقْدِيمِهِ الصَّلَاةَ أَوَّ وَأَكْلٍ خِثْزِيرٍ وَمَيْتٍ وَالرَّبَا وَالْغَلِ (٦) أَوْ صَغِيرَةٍ قَدْ وَاظَهَا (٧) والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل . ٤٠١١ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَنَسٍ، عَنْ النَِّيْ رَِّحِ وَأَنْبَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، قَّالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَا يَقُولُ: قَالَ رَسُوَّلُ اللّهِ وَهِ: ((الْكَبَائِرُ الشّرْكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَقَوْلُ الزُّورِ))) . رجال هذا الإسناد: سبعة: ١-(محمد بن عبد الأعلى) الصنعانيّ، أبو عبد الله البصريّ، ثقة [١٠]٥/٥ . ٢- (إسحاق بن إبراهيم) ابن راهويه المذكور في السند السابق . ٣- (خالد) بن الحارث الْهُجَيميّ، أبو عثمان البصريّ، ثقة ثبت [٨]٤٧/٤٢. ٤- (النضر بن شُمَيل) المازنيّ النحويّ اللغويّ، أبو الحسن البصريّ، نزيل مرو، ثقة ثبت، من كبار [٩]٤٥/٤١. ٥- (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة الثبت [٧]٢٧/٢٤. (١) أي في رمضان من غير عذر. (٢) هي استحسان الرجل الفاحشة على غير أهله . (٣) هي استحسان الرجل الفاحشة على أهله . (٤) أي يكذب على النبيّ اقَه. (٥) هو أن يذهب بشخص إلى ظالم ليؤذيه . (٦) أي الغلول، وهي الخيانة في الغنيمة . (٧) راجع ((الكوكب الساطع في نظم جمع الجوامع)) ص٢٩٥-٣٠٣. بنسخة شرحي ((الجليس الصالح النافع)). ٢٩٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْمُحَارَبَةِ ٦- (عُبيدالله بن أبي بكر) أنس بن مالك، أبو معاذ الأنصاريّ البصريّ، ثقة [٤]. قال أحمد، وابن معين، وأبوداود، والنسائيّ: ثقة. وقال أبو حاتم: صالحٌ. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). روى له الجماعة، وله عند المصنّف في هذا الكتاب هذا الحديث فقط، وأعاده سندًا ومتنا في ((كتاب القسامة)) - ٤٨٦٨/٤٨- باب «ما جاء في كتاب القصاص من المجتبى)). والله تعالى أعلم . ٧- (أنس) بن مالك بن النضر الصحابيّ الخادم الشهير رضي الله تعالى عنه ٦/ ٦٠ والله تعالى أعلم . لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه اللَّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بثقات البصريين، غير إسحاق، فمروزيّ. (ومنها): أن فيه رواية الراوي عن جدّه. (ومنها): أن فيه أنساً رضي اللَّه تعالى عنه من المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثاً، وهو آخر من مات من الصحابة بالبصرة. والله تعالى أعلم . شرح الحديث (عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنٍ أَبِي بَكْرٍ) أنه (قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا) رضي اللَّه تعالى عنه (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ﴿) وفي رواية للبخاريّ: ((سئل النبيّ صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم عن الكبائر؟، قال الإشراك بالله (الْكَبَائِرُ) المراد أكبرها، كما صرّح به في حديث أبي بكرة رضي اللّه تعالى عنه: ((ألا أنبئكم بأكبر الكبائر))، وليس المراد حصر الكبائر في هذه الأشياء، كما تقدّم بيانه في مسائل الحديث الماضي (الشّرْكُ بِاللَّهِ) يحتمل مطلق الكفر، ويكون تخصيصه بالذكر لغلبته في الوجود، ولا سيّما في بلاد العرب، فذكره تنبيهاً على غيره. ويحتمل أن يراد به خصوصيّته، إلا أنه يرد عليه أن بعض الكفر أعظم قُبحاً من الإشراك، وهو التعطيل؛ لأنه نفي مطلقٌ، والشرك إثبات مقيّدٌ، فيترجّح الاحتمال الأول. أفاده في ((الفتح)) (١) . (وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ) أي عصيانهما، وقطع البرّ الواجب عنهما، وأصل العقّ: الشّقْ والقطع، ومنه قيل للذبيحة عن المولود: عقيقة؛ لأنه يُشقّ حلقومها. قاله الهرويّ، وغيره(٢). (١) («فتح»٥/ ٥٩٢-٥٩٣. ((كتاب الشهادات)). (٢) ((المفهم١٤ / ٢٨٢. ((كتاب الإيمان)). ٢٩٣ ٣- (ذِكْرُ الگبائِر) - حديث رقم ٤٠١٢ (وَقَتْلُ النّفْسِ) أي التي حرّم اللَّه قتلها، وهي المعصومة (وَقَوْلُ الزُّورِ) أي شهادة الزور، وهي الشهادة بالكذب والباطل، وإنما كانت من أكبر الكبائر؛ لأنها يُتوصّل بها إلى إتلاف النفوس والأموال، وتحليل ما حرّم اللّه، وتحريم ما أحلّ اللَّه، فلا شيء من الكبائر أعظم ضرراً، ولا أكثر فساداً منها بعد الشرك(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان . مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أنس رضي اللّه تعالى عنه هذا متّفقٌ عليه . (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٤٠١١/٣ و)كتاب القسامة)) - ٤٨٦٨/٤٨- وفي ((الكبرى))٣٤٧٣/٣. وأخرجه (خ) في ((الشهادات))٢٦٥٣ و)) الأدب))٥٩٧٧ و)) الديات))٦٨٧١ (م) في ((الإيمان))٨٨ (ت) في ((البيوع))١٢٠٧ و)) التفسير)) ٣٠١٨ (أحمد) في ((باقي مسند المكثرين)»١١٩٢٧ و١١٩٦٣ . وفوائد الحديث تُعلم مما سبق. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل . ٤٠١٢ - (أَخْبَرَنِي عَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ شُمَيْلِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا فِرَاسٌ، قَالَ: سَمِعْتُ الشَّعْبِيََّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ الشَِّيِّ نَّهِ، قَالَ: ((الْكَبَائِرُ: الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَالْيَمِينُ الْغَمُوسُ))). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده، وهو مروزيّ، نزيل دمشق، صدوقٌ، من صغار[ ١٠]١٣٤١/٨٥. و((ابن شُميل)): هو النضر المذكور في السند الماضي. و((فِرَاس)): هو ابن يحيى الهَمْدانيّ الخارفيّ، أبو يحيى الكوفيّ، صدوق، ربما وَهِم [٦] ٢٥٤١/٥٩. و))الشعبيّ)): هو عامر بن شَرَاحيل الإمام المشهور . قَوْله: ( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو ) أَيْ ابْنِ الْعَاصِ رضي اللَّه تعالى عنهما . وقوله: ((الكبائر الإشراك بالله))، في رواية شيبان، عن فراس، في أوله: ((جاء أعرابي إلى النبي وَّر، فقال: يا رسول الله ما الكبائر؟ ... )) فذكره. قال الحافظ: ولم أقف على اسم هذا الأعرابي. انتهى . وقوله: ((الكبائر الإشراك بالله الخ)): ذكر هنا ثلاثة أشياء بعد الشرك، وهو العقوق، (١) راجع ((المفهم١٤ / ٢٨٢. ٢٩٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْمُحَارَبَةِ وقتل النفس، واليمين الغموس. ورواه غندر عن شعبة بلفظ: ((الكبائر الإشراك بالله، وعقوق الوالدين))، أو قال: ((اليمين الغموس))، شك شعبة، أخرجه أحمد عنه هكذا، وكذا أخرجه البخاريّ في أوائل ((الديات))، والترمذي جميعا عن بندار، عن غندر، وعلقه البخاري هناك، ووصله الإسماعيلي من رواية معاذ بن معاذ، عن شعبة بلفظ: ((الكبائر الإشراك بالله، واليمين الغموس، وعقوق الوالدين))، أو قال: ((قتل النفس))، ووقع في رواية شيبان المذكورة: ((الإشراك بالله))، قال: ثم ماذا ؟ قال: ((ثم عقوق الوالدين))، قال: ثم ماذا؟ قال: ((اليمين الغموس)) ولم يذكر قتل النفس، وزاد في رواية شيبان: قلت: وما اليمين الغموس؟ قال: التي تَقتَطِع مال امرئ مسلم، هو فيها كاذب، والقائل: قلت، هو عبد الله بن عمرو، راوي الخبر، والمجيب النبي وَّر، ويحتمل أن يكون السائل من دون عبد الله بن عمرو، والمجيب هو عبد الله، أو من دونه، ويؤيّد كونه مرفوعاً حديث ابن مسعود والأشعث المذكور في الباب الذي بعده(١) . قال الحافظ: ثم وقفت على تعيين القائل: ((قلت: وما اليمين الغموس؟))، وعلى تعيين المسئول، فوجدت الحديث في النوع الثالث من القسم الثاني من ((صحيح ابن حبّان))، وهو قسم النواهي، أخرجه عن النضر بن محمد، عن محمد بن عثمان العجلي، عن عبيد الله بن موسى بالسند الذي أخرجه به البخاريّ، فقال في آخره، بعد قوله: ((ثم اليمين الغموس)): ((قلت لعامر: ما اليمين الغموس؟ الخ))، فظهر أن السائل عن ذلك فراس، والمسئول الشعبي، وهو عامر. فلله الحمد، ثم لله الحمد، ثم لله الحمد، فإني لم أر من تحرّر له ذلك من الشرّاح، حتى الإسماعيليّ، وأبا نعيم لم يخرجاه في هذا الباب من رواية شيبان، بل اقتصرا على رواية شعبة. انتهى كلام الحافظ رحمه اللَّه تعالى(٢). (١) يعني في (صحيح البخاريّ)) رقم (٦٦٧٦) - حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا أبو عوانة، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عبدالله رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من حلف على يمين صبر، يقتطع بها مال امرئ مسلم، لقي الله وهو عليه غضبان، فأنزل الله تصديق ذلك: ﴿إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا﴾ إلى آخر الآية، فدخل الأشعث بن قيس، فقال: ما حدثكم أبو عبدالرحمن؟، فقالوا: كذا وكذا، قال: فِيَّ أنزلت، كانت لي بئر في أرض ابن عم لي، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ((بينتك أو يمينه))، قلت: إذا يحلفَ عليها يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من حلف على يمين صبر، وهو فيها فاجر، يقتطع بها مال امرئ مسلم، لقي الله يوم القيامة وهو عليه غضبان)» . (٢) راجع ((الفتح)) ١٣/ ٤١٠ ((كتاب الأيمان والنذور)). ٢٩٥ ٣- (ذکرُ الخبائِر) - حدیث رقم ٤٠١٢ وقوله: و((اليمين الغَمُوس)) - بفتح المعجمة، وضم الميم الخفيفة، وآخره مهملة- قيل: سمّيت بذلك لأنها تَغْمِسُ صاحبها في الإثم، ثمّ في النار، فهي فَعُول بمعنى فاعلٍ. وقيل: الأصل في ذلك أنهم كانوا إذا أرادوا أن يتعاهدوا أحضروا جَفْنَة، فجعلوا فيهاً طيباً، أو دماً، أو رَمَاداً، ثم يحلفون عند ما يُدخلون أيديهم فيها؛ ليتمّ لهم بذلك المراد من تأكيد ما أرادوا، فسُمّيت تلك اليمين إذا غدر صاحبها غَمُوساً؛ لكونه بالغ في نقض العهد، وكأنها على هذا مأخوذةٌ من اليد المغموسة، فيكون فَعُول بمعنى مفعولة. وقال ابن التين: اليمين الغَمُوسُ التي ينغمس صاحبها في الإثم، ولذلك قال مالكٌ: لا كفّارة فيها، واحتجّ أيضاً بقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدُمُ الْأَيْمَنِّ﴾ [المائدة: ٨٩]، وهذه يمينٌ غير منعقِدَة؛ لأن المنعقد ما يُمكن حَلَّهُ، ولا يتأتّى في اليمين الغموس الْبَرُّ أصلًا. قاله في ((الفتح)) (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان . مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عبدالله بن عمرو رضي اللَّه تعالى عنهما هذا أخرجه البخاريّ . (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٤٠١٢/٣ و)) القسامة)) ٤٨٦٩/٤٨- وفي ((الكبرى))٣٤٧٤٠/٣ وأخرجه (خ) في ((الأيمان والنذور))٦٦٧٥ و)) الديات))٦٨٧٠ و((استتابة المرتدين)) ٦٩٢٠ (ت) و((التفسير))٣٠٢١ (أحمد) في ((مسند المكثرين)»٦٨٤٥ و٦٩٦٥ (الدارميّ) في ((الديات))٢٣٦٠. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): استدل بهذا الحديث الجمهور على أن اليمين الغموس لا كفارة فيها؛ للاتفاق على أن الشرك، والعقوق، والقتل، لا كفارة فيه، وإنما كفارتها التوبة منها، والتمكين من القصاص في القتل العمد، فكذلك اليمين الغموس حكمها حكم ما ذكرت معه . وأجيب بأن الاستدلال بذلك ضعيف؛ لأن الجمع بين مختلف الأحكام جائز، كقوله تعالى: ﴿كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَءَاتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]، والإيتاء واجب، والأكل غير واجب. وقد أخرج ابن الجوزي في ((التحقيق)) من طريق ابن شاهين بسنده إلى خالد بن معدان، عن أبي المتوكل، عن أبي هريرة، أنه سمع (١) ((فتح) ٤٠٩/١٣ ((كتاب الأيمان والنذور)). ٢٩٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْمُحَارَبَةِ رسول اللَّه واللهيقول: ((ليس فيها كفارة، يمين صبر، يقتطع بها مالا بغير حق)). قال الحافظ: وظاهر سنده الصحة، لكنه معلول؛ لأن فيه عنعنة بقية، فقد أخرجه أحمد من هذا الوجه، فقال في هذا السند عن المتوكل، أو أبي المتوكل، فظهر أنه ليس هو الناجي الثقة، بل آخر مجهول، وأيضا فالمتن مختصر، ولفظه عند أحمد: ((من لقي الله لا يشرك به شيئا دخل الجنة ... )) الحديث، وفيه: ((وخمس ليس لها كفارة: الشرك بالله ... )) وذكر في آخرها: ((ويمين صابرة يقتطع بها مالا بغير حق)). ونقل محمد بن نصر في ((اختلاف العلماء))، ثم ابن المنذر، ثم ابن عبد البر اتفاق الصحابة على أن لا كفارة في اليمين الغموس. وروى آدم بن أبي إياس في مسند شعبة، وإسماعيل القاضي في ((الأحكام)) عن ابن مسعود: ((كنا نَعُدّ الذنب الذي لا كفارة له اليمين الغموس، أن يحلف الرجل على مال أخيه كاذبا ليقتطعه))، قال: ولا مخالف له من الصحابة، واحتجوا بأنها أعظم من أن تكفر . وأجاب من قال بالكفارة، كالحكم، وعطاء، والأوزاعي، ومعمر، والشافعي، بأنه أحوج للكفارة من غيره، وبأن الكفارة لا تزيده إلا خيرا، والذي يجب عليه الرجوع إلى الحق، ورد المظلمة، فإن لم يفعل، وكفر فالكفارة لا ترفع عنه حكم التعدي، بل تنفعه في الجملة. وقد طعن ابن حزم في صحة الأثر عن ابن مسعود، واحتج بإيجاب الكفارة فيمن تعمد الجماع في صوم رمضان، وفيمن أفسد حجه، قال: ولعلهما أعظم إثما من بعض من حلف اليمين الغموس، ثم قال: وقد أوجب المالكية الكفارة على من حلف أن لا يزني، ثم زنى ونحو ذلك . ومن حجة الشافعي قوله في الحديث الماضي في ((كتاب الأيمان والنذور)): ((فليأت الذي هو خير، وليكفر عن يمينه))، فأمر من تعمد الحنث أن يكفر، فيؤخذ منه مشروعية الكفارة لمن حلف حانثا. قاله في («الفتح»٤١٠/١٣-٤١١. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الذي يظهر لي أن ما ذهب إليه الجمهور من عدم إيجاب الكفّارة في اليمين الغَمُوس أرجح؛ لعدم نصّ، أو إجماع على ذلك، ولا سيّما والصحابة متّفقون على عدم الوجوب، كما تقدم في قول ابن مسعود تعظيمه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل . ٤٠١٣ - (أَخْبَرَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هَانِئٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَرْبُ بْنُ شَدَّادٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْتَى بْنُ أَبِيِ كَثِيرٍ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ سِنَانٍ، عَنْ حَدِيثٍ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، أَنَّهُ حَدَّثَهُ أَبُوهُ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَّابِ النَّبِيِّ وَِّ، أَنَّ رَجُلاً قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا الْكَبَائِرُ؟، قَالَ: ((هُنَّ سَبْعٌ، أَعْظَمُهُنَّ إِشْرَاكَ بِاللَّهِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ بِغَيْرِ حَقٌّ، وَفِرَارٌ ٢٩٧ ٣- (ذِكْرُ الگبائِر) - حديث رقم ٤٠١٣ يَوْمَ الزَّخْفِ»، مُخْتَصَرٌ) . قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((العباس بن عبد العظيم)): هو العنبريّ، أبو الفضل البصريّ، ثقة حافظ، من كبار[١١]١١٩/٩٦. و))معاذ بن هانىء)) القيسيّ، ويقال: العيشيّ، ويقال: اليشكريّ، ويقال: البَهْرَانيّ، أبو هانىء البصريّ، ثقة، من كبار[١٠] . وثقه النسائيّ. وقال ابن قانع: بصريّ صالح. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). وقال مطیّن : مات سنة (٢٠٩). روی له الجماعة، سوی مسلم، له في البخاريّ حدیث واحد في صفة النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم، وله عند المصنّف حديثان: هذا الحديث، و-٤٨٠٤/٣٥-)) كتاب القسامة)) - ((ذكر الدية من الورق)) حديث ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما: («قتل رجلٌ رجلًا على عهد رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم ... )) الحديث . و((حرب بن شدّد)): هو اليشكريّ، أبو الخطّاب البصريّ، ثقة [٧]١١٩/٩٦. و ((عبدالحميد بن سِنَان)) مكيّ، مقبول [٦]. روى عن عبيد بن عمير، عن أبيه حديث: ((إن أولياء الله المصلّون ... ((الحديث، وفيه ذكر الكبائر. وعنه يحيى بن أبي كثير. ذكره ابن حبّان في ((الثقات)). تفرّد به المصنّف، وأبو داود بهذا الحديث فقط . و((عُبيد بن عُمير)): الليثيّ، أبو عاصم المكيّ، وُلد في عهد النبيّ صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم، وكان قاصّ أهل مكّة، مجمع على ثقته [٢]٤١٦/١٢. و((أبوه)) عُمير بن قتادة بن سعد بن عامر بن جُنْدَع بن ليث بن بكر بن عَبْد مناة الليثيّ الْجُندعيّ الكوفيّ. روى عن النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم. وعنه ابنه عُبيد وحده. ذكر العسكريّ أنه شهد الفتح. وذكر البغويّ أنه شهد حجة الوداع. وروى أبو يعلى في ((مسنده)) من طريق عُبيدالله بن عبيد بن عمير الليثيّ، عن أبيه، قال: أتيت إلى عمر رضي اللّه تعالى عنه، وهو يُعطي الناس، فقلت: يا ابن الخطّاب أعطني، فإن أبي استُشهد مع النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم، فأقبل إليّ، وضمّني إليه، ثم قال، فذكر قصّةً. قال الحافظ: فإن صحّ هذا، فحديث عبيد بن عمير، عن أبيه مرسل. انتهى. روى له المصنّف، وأبو داود، وابن ماجه، وله عندهم هذا الحديث، وله عند ابن ماجه حديث آخر في ((كتاب الصلاة)): حديث: ((يرفع يديه مع كلّ تكبيرة في الصلاة المكتوبة)) . ٢٩٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْمُحَارَبَةِ وقول: ((هنّ سبعٌ)) وفي رواية أبي داود الآتية: ((هنّ تسع))، فهو مختصرٌ في رواية المصنّف، كما أشار هو إليه . وقوله: ((مختصر)) يعني أن هذا الحديث مختصر من حديث طويل، وقد أخرجه الطبرانيّ في ((معجمه الكبير)) ٤٧/١٧-٤٨- والحاكم في ((مستدركه)) ٥٩/١، والبيهقيّ في ((سننه)) ١٨٦/١٠-، ولفظ الطبرانيّ(١): حدثنا أحمد بن داود المكيّ، حدّثنا العبّاس ابن الفضل الأزرق، ثنا حرب بن شدّاد، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبدالحميد بن سِنَان، أنه حدّثه عُبيد بن عمير الليثيّ، عن أبيه(٢)، قال: قال رسول الله صلَّى اللَّه تعالى عليه وسلم في حجة الوداع: ((إن أولياء(٣) اللَّه المصلُّون، ومن يُقيم الصلوات الخمس التي كتبهنّ الله على عباده، ويصوم رمضان، ويحتسب صومه، ويُؤتي الزكاة، طيّةً بها نفسه، يحتسبها، ويَجتنب الكبائر التي نهى اللَّه عنها، فقال رجلٌ من أصحابه: يا رسول اللّه، وكم الكبائر؟ قال: هنّ تسعٌ، أعظمهنّ الإشراك بالله، وقتلُ المؤمن بغير حقّ، والفِرَار يوم الزحف، وقَذْفُه المحصنة، والسحر، وأكل مال اليتيم، وأكلُ الربا، وعُقوق الوالدين المسلمين، وإحلال(٤) البيت الحرام، قبلتِكم أحياءً وأمواتاً، لا يموت رجلٌ لم يعمل هؤلاء الكبائر، ويُقيم الصلاة، ويؤتي الزكاةَ، إلا رافقَ محمداً صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم في بُحبوحة جنّةٍ أبوابها مصاريع الذهب)). والحديث حسنٌ، ولا يضرّه كون عبدالحميد بن سنان مقبولًا، فأحاديث الباب، وغيرها تشهد له، أخرجه المصنف رحمه الله تعالى عنه هنا-٤٠١٣/٣- وفي («الكبرى»٣٤٧٥٠/٣ وأخرجه (د) في ((الوصايا)). ٢٨٧٤ والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب . ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب» . (١) اخترت لفظ الطبرانيّ؛ لكونه أقدمهم . (٢) زاد في رواية الحاكم: ((وكانت له صحبة)). (٣) ولفظ ((المستدرك)): ألا إن أولياء الله ... )). (٤) لفظ المستدرك: ((واستحلال)). ٢٩٩ = ٤ - ( ذِكْرُ أَعْظَم الذنْبِ، وَاخْتِلافٍ ... - حديث رقم ٤٠١٤ ٤- ( ذِكْرُ أَعْظَم الذّتْبِ، وَاخْتِلَافٍ يَحْبَى، وَعَبْدِ الرَّحَنِ عَلَى سُفْيَانَ فِي حَدِيثٍ وَاصِلٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ فِیهِ) قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: وجه الاختلاف المذكور أن عبدالرحمن بن مهديّ روى الحديث عن سفيان الثوريّ، عن واصل بن حيّان، عن أبي وائل، عن عمرو بن شرحبيل، عن عبدالله بن مسعود رضي اللّه تعالى عنه، فخالفه يحيى القطّان، فرواه عن سفيان، عن واصل، عن أبي وائل، عن ابن مسعود رضي اللّه تعالى عنه، فأسقط عمرو ابن شُرحبيل بين أبي وائل، وابن مسعود رضي اللّه تعالى عنه. والمشهور في رواية واصل إسقاط الواسطة، فطريق يحيى هي الراجحة، كما يرشد إليه صنيع المصنّف، حيث إنه يأتي غالباً بالأسانيد التي فيها الخطأ، أوّلًا، ثم يُتبعها بالأسانيد الصحيحة، كما صنع هنا، فإنه قدّم رواية ابن مهديّ التي فيها الخطأ، ثم أتى برواية يحيى الصحيحة . والحاصل أن سفيان الثوريّ رحمه الله تعالى يروي هذا الحديث عن ثلاثة أنفس: أما اثنان، فأدخلا فيه بين أبي وائل، وابن مسعود عمرو بن شُرَخبيل، وهما منصور، والأعمش، وأما الثالث، فأسقطه، وهو واصل، وقد رواه ابن مهديّ، عن سفيان، عن واصل، عن عمرو، فعُدّ غلطاً، والصواب إسقاط عمرو من رواية واصل، كما فعل يحيى القطّان في روايته التالية . والحديث صحيح بالطريقين، فقد أخرج الشيخان معاً طريق منصور والأعمش، بإثبات الواسطة، وأخرج البخاريّ وحده طريق واصل، بإسقاطها . وقد أشار البخاريّ في ((صحيحه)) إلى هذا الاختلاف الذي أشار إليه المصنف رحمه الله تعالى، فقال البخاريّ في ((كتاب الحدود)): حدثنا عمرو بن علي، حدثنا يحيى، حدثنا سفيان، قال: حدثني منصور، وسليمان، عن أبي وائل، عن أبي مَيْسَرة، عن عبد الله رضي الله عنه، قال: قلت: يا رسول اللّه، أيُّ الذنب أعظم؟ قال: ((أن تجعل للّه نِداً، وهو خلقك))، قلت: ثم أيّ؟، قال: ((أن تقتل ولدك، من أجل أن يطعم معك))، قلت: ثم أيّ؟ قال: ((أن تزاني حليلةً جارك)) . ٣٠٠ = شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْمُحَارَبَةِ قال یحیی: وحدثنا سفيان، حدثني واصل، عن أبي وائل، عن عبد الله، قلت: يا رسول الله ... مثله . قال عمرو: فذكرته لعبد الرحمن، وكان حدثنا عن سفيان، عن الأعمش، ومنصور، وواصل، عن أبي وائل، عن أبي ميسرة، قال: دَعْهُ، دَعْه . وَقَوْله: ((قَالَ عَمْرو: (هُوَ ابْنِ عَلِيّ الفلّاس: فَذَكَرْتَه لِعَبْدِ الرَّحْمَن)) يَعْنِي ابْنِ مهدي . قال الحافظ رحمه الله تعالى: هكذا ذكره البخاري، عن عمرو بن علي، قدم رواية يحيى على رواية عبد الرحمن، وعقبها بالفاء. وقال الهيثم بن خلف، فيما أخرجه الإسماعيلي عنه: عن عمرو بن علي، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، فساق روايته، وحذف ذكر واصل من السند، ثم قال: وقال عبد الرحمن مرة: عن سفيان عن منصور والأعمش وواصل، فقلت لعبد الرحمن: حدثنا يحيى بن سعيد، فذكره، فقال عبد الرحمن: دعه . والحاصل أن الثوري حدث بهذا الحديث عن ثلاثة أنفس، حدثوه به عن أبي وائل، فأما الأعمش ومنصور، فأذخلا بين أبي وائل وبين ابن مسعود أبا ميسرة، وأما واصل فحذفه، فضبطه يحيى القطان عن سفيان هكذا مفصلا، وأما عبد الرحمن فحدث به أولا بغير تفصيل، فحمل رواية واصل على رواية منصور والأعمش، فجمع الثلاثة، وأدخل أبا ميسرة في السند، فلما ذكر له عمرو بن علي أن يحيى فصله، كأنه تردد فيه، فاقتصر على التحديث به عن سفيان عن منصور والأعمش حسب، وترك طريق واصل، وهذا معنى قوله: فقال: دعه دعه: أي اتركه، والضمير للطريق التي اختلف فيها، وهي رواية واصل. وقد زاد الهيثم بن خلف في روايته بعد قوله: دعه، فلم يذكر فيه واصلا بعد ذلك، فعُرف أن معنى قوله: دعه: أي اترك السند الذي ليس فيه ذكر أبي ميسرة . وقال الكرماني: حاصله أن أبا وائل، وإن كان قد رَوَى كثيرا عن عبد اللَّه، فان هذا الحديث لم يروه عنه، قال: وليس المراد بذلك الطعن عليه، لكن ظهر له ترجيح الرواية بإسقاط الواسطة لموافقة الأكثرين . قال الحافظ: كذا قال، والذي يظهر ما قدمته أنه تركه من أجل التردد فيه؛ لأن ذكر أبي ميسرة، إن كان في أصل رواية واصل، فتحديثه به بدونه، يستلزم أنه طعن فيه بالتدليس، أو بقلة الضبط، وإن لم يكن في روايته في الأصل، فيكون زاد في السند ما لم يسمعه، فاكتفى برواية الحديث عمن لا تردد عنده فيه، وسكت عن غيره، وقد كان عبد الرحمن حدث به مرة، عن سفيان، عن واصل وحده بزيادة أبي ميسرة، كذلك