Indexed OCR Text
Pages 261-280
٣- (مطُّ المرأة بغیر إِذْنِ زوجها) - حديث رقم ٣٧٨٥
٢٦١
الْمُعَلِّمُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِوحٍ و أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ
بْنُ مَسْعَدَةَ، قَالَ: حَدْثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَنِعِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ الْمُعَلِّمُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ
شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدْهِ، قَالَ: لَمَّا فَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ لهِ مَكَّةَ، قَامَ خَطِيبًا، فَقَّالَ فِي
خُطْبَتِهِ: ((لَا يَجُوزُ لِمْرَأَةٍ عَطِئَةٌ، إِلَّا بِإِذْنِ زَوْجِهَا))).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((خالد)): هو ابن الحارث الْهُجَيميّ. والحديث
صحيح، سبق القول فيه في الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع،
والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٧٨٥- (أَخْبَرَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيّ، قَالَ: حَذْثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ يَخْتِى بْنِ
هَانِئٍ، عَنْ أَبِي حُذَيِفَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ بَشِيرٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَلْقَمَةً
الثَّقَفَّيْ، قَالَ: قَدِمَ وَقْدُ ثَقِيفٍ، عَلَى رَسُولِ اللَّهِ بَ، وَمَعَّهُمْ هَدِيَّةٌ، فَقَالَ: ((أَهَدِيَّةٌ، أَمْ
صَدَقَةٌ؟، فَإِنْ كَانَتْ هَدِيَّةً، فَإِنَّمَا يُبْتَغَى بَهَا وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ وَهِ وَقَضَاءُ الْحَاجَةِ، وَإِنْ
كَانَتْ صَدَقَّةً، فَإِنَّمَا يُبْتَغَى بِهَا وَجْهُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ»، قَالُوا: لَا، بَلْ هَدِيَّةٌ، فَقَبِلَهَا مِنْهُمْ،
وَقَعَدَ مَعَهُمْ يُسَائِلُهُمْ، وَيُسَائِلُونَهُ، حَتَّى صَلَّى الظُّهْرَ مَعَ الْعَضْرِ).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: مناسبة هذا الحديث، والذي بعده للترجمة غير
ظاهرة، فليُتأمّل.
رجال هذا الإسناد: ستة:
١- (هنّاد بن السريّ) التيميّ، أبو السريّ الكوفيّ، ثقة [١٠] ٢٥/٢٣.
٢- (أبو بكر بن عياش) الأسديّ الكوفيّ المقرىء، مشهور بكنيته، والأصحّ أنها
اسمه، وقيل: اسمه محمد، أو عبد اللّه، أو سالم، أو شعبة، أو غير ذلك، ثقة عابد،
إلا أنه لما كبر ساء حفظه، وكتابه صحيح [٧] ٩٨/ ١٢٧ .
٣- (يحيى بن هانىء) بن عروة المراديّ، أبو داود الكوفيّ، ثقة [٥] ٨٢١/٣٣.
[تنبيه]: وقع في بعض النسخ: ((عن يحيى بن أبي هانىء)) وهو غلط، فتنبّه.
٤- (أبو حُذيفة) غير منسوب، يقال: أسمه عبد الله بن محمد الكوفيّ، روى عن
عبد الملك بن محمد بن بشير، وعنه يحيى بن هانئء، مجهول [٦]، تفرّد به المصنّف
بهذا الحديث فقط.
٥- (عبد الملك بن محمد بن بَشِير) الكوفيّ، مجهول [٦].
روى عن عبد الرحمن بن علقمة الثقفيّ في قدوم وفد ثقيف. وعنه أبو حُذيفة
الْهُذليّ. قال البخاريّ: لم يتبيّن سماع بعضهم من بعض. روى له المصنّف هذا
الحديث الواحد، وقد اختلف فيه. ضبط ابن ماكولا بشيرًا جدّ عبد الملك بالنون،
=
٢٦٢ =
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْعُمْرَى
والسين المهملة. وقال ابن عديّ: ليس له إلا الشيء اليسير.
[تنبيه]: وقع في نسخ ((المجتبى)) كلها، و((الكبرى)) اسم جدّ عبد الملك ((بشير))
بموحّدة، وشين معجمة، مكبّرًا، وهو الذي في ((تهذيب الكمال)) ٣٩٩/١٨ و((تهذيب
التهذيب)) ٦٢٣/٢- وضبطه الحافظ في ((التقريب)) بالنون، والسين المهملة، مصغّرًا،
واعتمد في ذلك على ضبط ابن ماكولا، فقد ضبطه هكذا في «الإكمال» فراجعه في جـ ١
ص ٣٠٢ . والله تعالى أعلم.
٦- (عبد الرحمن بن علقمة الثقفيّ) ويقال: ابن أبي علقمة، مختلفٌ في صحبته. روى
عن النبيّ وَّر هذا الحديث. وقيل: عن عبد الرحمن بن أبي عقيل الثقفيّ، وروى أيضًا عن
عبد الله بن مسعود. وعنه أبو صخر جامع بن شداد المحاربيّ، وعبد الملك بن محمد بن
بشير الكوفيّ، وعون بن أبي جحيفة. قال ابن أبي حاتم، عن أبيه: ليست له صحبة. وقال
ابن حبّان: يقال: له صحبة. وقال الدارقطنيّ: لا تصحّ له صحبة، ولا نعرفه. تفرّد به
المصنّف، وأبو داود، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَلْقَمَةَ الثَّقَفِّيْ) أنه (قَالَ: قَدِمَ) بكسر الدال المهملة (وَفْدُ ثَقِيفٍ
عَلَى رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ، وَمَعَهُمْ هَدِيَّةٌ) جملة في محلّ نصب على الحال (فَقَالَ) ◌ِ (أَهَدِيَّةٌ،
أَمْ صَدَقَةٌ؟) وإنما سألهم عن ذلك ليأكل إن قيل: هديّة، ويترك للصحابة إن قيل:
صدقة؛ لأنه لا يأكل الصدقة، وقد تقدّم في ((كتاب الزكاة)) برقم ٢٦١٣ - من طريق بهز
ابن حكيم، عن أبيه، عن جده، قال: كان النبي ◌َ ◌ّر، إذا أتي بشيء، سأل عنه، أهدية
أم صدقة؟، فإن قيل: صدقة لم يأكل، وإن قيل هدية بسط يده.
(فَإِنْ كَانَتْ هَدِيَّة) بالنصب على أنه خبر ((كان))، واسمها ضمير يعود إلى المدفوعة،
أي إن كانت المدفوعة إليه وَّر هدية (فَإِنَّمَا يُبْتَغَى) بالبناء للمفعول: أي يطلب (بَهَا وَجْهُ
رَسُولِ اللَّهِ وَلِهِ، وَقَضَاءُ الْحَاجَةِ، وَإِنْ كَانَتْ صَدَقَة) بالنصب على الخبرية، وإعرابه
كإعراب سابقه، (فَإِنَّمَا يُبْتَغَى بِهَا وَجْهُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ) فيه بيان الفرق بين الهديّة والصدقة،
وأن الهديّة ما يُقصد به التقرّب إلى المهدى إليه، والصدقة ما يُقصد به التقرّب إلى الله عز
وجل (قَالُوا: لَا) أي ليس صدقة (بَلْ) هو (هَدِيَّةٌ، فَقَبِلَهَا مِنْهُمْ، وَقَعَدَ مَعَهُمْ يُسَائِلُهُمْ،
وَيُسَائِلُونَهُ) وفي نسخة: ((يسألهم، ويسألونه))، وفي أخرى: ((يسائلهم، ويسألونه)). يعني
أنهم ◌َّر جلس مع هؤلاء الثقفيين يسألهم عن قومهم، وأوضاع بلدهم، ويسالونه عن
أمور دينهم. والله تعالى أعلم (حَتَّى صَلَّى الظُّهْرَ مَعَ الْعَصْرِ) قال السنديّ رحمه الله
تعالى: ظاهره أنه جمع بينهما وقتًا، ويلزم منه الجمع بلا سفر، وذلك لأن قدوم الوفد
٣- (عَطِبَةُ المُزاةِ بِغَيْرِ إِذْنِ زَوْجِهَا) - حديث رقم ٣٧٨٦
٢٦٣
کان بالمدينة، لا في محلّ السفر، والجمع بلا سفر، لا يجوز عند القائلین به، إلا ببعض
الأعذار، وهي غير ظاهرة ههنا، سيّما لتمام الجماعة الحاضرة، فلا بد من الحمل على
الجمع فعلًا، بأن أخّر الأولى، فصلّاها في آخر وقتها، وقدّم الثانية، فصلّاها في أول
وقتها، أو الجمع مكانًا، بمعنى أنه قعد في ذلك المكان، حتى فرغ من الصلاتين، فصلّى
الظهر في وقتها، ثم قعد يتحدّث معهم حتى صلّى العصر في ذلك المكان. والله تعالى
أعلم. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لا مانع من حمله على ظاهره، فقد صحّ جمعه وَّ بين الظهر
والعصر، وبين المغرب والعشاء في المدينة، في غير خوف ولا مرض، قد صح من حديث
ابن عبّاس رَيْتًا، وهو حديث متفقٌ عليه، وقد تقدّم في ((كتاب الصلاة)) برقم -٥٨٩ - وفي
رواية مسلم: قيل ابن عبّاس تيهنا: لم فعل ذلك؟، قال: كي لا يُحرج أمته، وفي رواية: أراد
أن لا يُحرج أمته، فدل على أنه {آلآ كان يجمع بين تلك الصلوات أحيانًا، بيانًا للجواز، فحمل
ما في هذه القصّة إن صحّت على هذا الظاهر لا يبعُد لكنها لا تصح، فتنبه. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
والحديث من أفراد المصنف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا-٣٧٨٥/٥- وفي ((الكبرى»
في ٦٥٩٣/٥ - وهو حديث ضعيف؛ للجهالة في رواته، كما تقدّم في تراجمهم. والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٧٨٦- (أَخْبَرَنَا أَبُو عَاصِم، خُشَيْشُ بْنُ أَصْرَمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا
مَعْمَرْ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بِهِ، قَالَ: ((لَقَدْ
هَمَمْتُ أَنْ لَا أَقْبَلَ هَدِيَّةً، إِلَّا مِنْ قُرَشِيٍّ، أَوْ أَنْصَارِيٍّ، أَوْ ثَقَفِيٍّ، أَوْ دَوْسِيٌّ))).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: تقدّم في الحديث الماضي أن مناسة الباب للحديث
غير ظاهرة، فليُتأمّل.
ورجال هذا الإسناد: ستة:
١- (أبو عاصم، خُشيش بن أصرم) النسائيّ، ثقة حافظ [١١] ٥٩٠/٤٤.
٢- (عبد الرزّاق) بن همّام الصنعانيّ، ثقة حافظ مصنف شهير، عمي في آخره،
فتغير، وكان يتشيع [٩] ٦١/ ٧٧ .
٣- (معمر) بن راشد، أبو عروة الصنعاني، ثقة ثبت [٧] ١٠/١٠.
٤- (ابن عجلان) محمد المدني، صدوق، إلا أنه اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة
[٥] ٤٠/٣٦.
٥- (سعيد) بن أبي سعيد كيسان المقبريّ، أبو سَعْد المدني، ثقة، تغيّر قبل موته
٢٦٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْعُمْرَى
بأربع سنين [٣] ١١٧/٩٥ .
٦- (أبو هريرة) رضي اللَّه تعالى عنه ١/١ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فنسائيّ، وعبد الرزاق،
ومعمر، فصنعانيان. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة تَظُه من
المكثرين السبعة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ◌َيُ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ) وفي نسخة: ((أن نبيّ اللَّه)) (رَّةِ، قَالَ: ((لَقَدْ
هَمَمْتُ) من باب قتل، يقال: همَمتُ بالشيء هَمّا: إذا أردته، ولم تفعله. قاله الفيّوميّ.
وفي رواية أبي داود من طريق محمد بن إسْحَاقَ، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن
أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه وَ له: ((وايم الله، لا أقبل بعد يومي هذا، من
أحد هدية، إلا أن يكون مهاجرا قرشيا، أو أنصاريا، أو دوسيا، أو ثقفيا)). وقد بين
سَبَبَ قوله وَّر هذا، في رواية الترمذيّ، من طريق ابن إسحاق، عن سعيد بن أبي سعيد
المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: أهدى رجل من بني فزارة، إلى النبي ◌َّ ناقة
من إبله، التي كانوا أصابوا بالغابة، فعوّضه منها بعض العوض، فتسخطه، فسمعت
رسول اللَّه ◌َ لل على هذا المنبر، يقول: ((إن رجالا من العرب، يُهدِي أحدهم الهدية،
فأُعوِّضه منها بقدر ما عندي، ثم يتسخطه، فيظل يتسخط عليّ، وايم الله، لا أقبل بعد
مقامي هذا، من رجل من العرب هدية، إلا من قرشي، أو أنصاري، أو ثقفي، أو
دوسي». قال أبو عیسی هذا حديث حسن.
وفي رواية أيوب بن مسكين، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، أن أعرابيا أهدى
لرسول اللَّه ◌َه بَكْرَةً، فعوّضه منها ست بكرات، فتسخطه، فبلغ ذلك النبي ◌َّر، فحمد
اللَّه، وأثنى عليه، ثم قال: ((إن فلانا أهدى إلي ناقة، فعوضته منها ست بكرات، فظل
ساخطا، ولقد هممت أن لا أقبل هدية، إلا من قرشي، أو أنصاري، أو ثقفي، أو
دوسي».
(أَنْ لَا أَقْبَلَ هَدِيَّةً، إِلَّا مِنْ قُرَشِيٌّ، أَوْ أَنْصَارِيٍّ، أَوْ ثَقَفِيٌّ، أَوْ دَوْسِيٌّ) أي إلا ممن لا
يطمع في ثوابها بهذا القدر، وقوله: ((إلا من قرشيّ، أو أنصاريّ الخ)) كلمة ((أو)) فيه
للتعميم، فلا يُفيد منع الجمع بين القبول لهدايا من استثنى، ولا يلزم أن لا يقبل إلا
٣- (مطۀُ المرأة بغير إِذْنٍ زوجها) - حديث رقم ٣٧٨٦
٢٦٥
هديّة واحد من هؤلاء، فإذا قبل هديّة واحد فليس له أن يقبل هديّة الآخر، ومثله قوله
عز وجل: ﴿إِلَّا مَا حَمَلَتْ ◌ُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا أَخْتَلَطَ بِعَظْهٍ﴾ الآية
[الأنعام: ١٤٦] .
وقد ذكر السيوطيّ في ((شرحه)) نقلًا عن الأندلسيّ في ((شرح المفصّل))، قال: سئل
المزنيّ عن رجل حلف لا يكلّم أحدًا إلا كوفيّا، أو بصريّا، فكلّم كوفيّا وبصريّا؟،
فقال: ما أراه إلا حانثًا، فأنهي ذلك إلى بعض أصحاب أبي حنيفة المقيمين بمصر،
فقال: أخطأ المزنيّ، وخالف الكتاب والسنّة، أما الكتاب، فقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ
هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِى خُفٍُّ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا مَا حَمَلَتْ ◌ُهُورُهُمَّا أَوِ الْحَوَايَآ أَوْ مَا
أَخْتَلَطَ بِعَظْهٍ﴾ [الأنعام: ١٤٦]، وأما السنّة فقوله بَّه: ((لقد هممت أن لا أقبل هديّةً إلا
من قرشيّ، أو ثقفيّ))، فالمفهوم أن القرشيّ والثقفيّ كانا مستثنيين، فذُكر أن المزنيّ لَمّا
سمع بذلك رجع إلى قوله. انتهى(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع،
والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه هذا صحيح.
[فإن قلت]: كيف يصحّ، وفيه ابن عجلان، وقد سبق آنفًا أنه اختلطت عليه أحاديث
أبي هريرة ◌َث ؟.
[قلت]: إنما صح لشواهده، فمنها ما تقدم قريبًا من رواية أبي داود، والترمذيّ من
طريق ابن إسحاق، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة تمثّه ، وابن
إسحاق مدلس، وقد عنعنه، وما أخرجه الترمذيّ أيضًا من طريق أيوب بن مسكين، عن
سعيد المقبريّ، عن أبي هريرة تَمّ، وأيوب -كما في ((التقريب)) - صدوق، له
أوهام، وما أخرجه أحمد ٢/ ٢٩٢ من طريق أبي معشر، عن سعيد بن أبي سعيد
المقبري، عن أبي هريرة ◌َّ ، وأبو معشر اسمه نجيح بن عبد الرحمن، وهو ضعيف.
وهذه الطرق، وإن كان فيها مقال، إلا أن مجموعها يصلح لتقوية رواية ابن عجلان.
وله أيضًا شاهد من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عند ابن حبان (١١٤٥)
والضياء المقدسي ٦٢/ ٢٨١، وسنده صحيح، كما قال الشيخ الألبانيّ رحمه الله تعالى(٢).
(١) راجع ((زهر الربى)) ٢٨٠/٦.
(٢) راجع ((السلسلة الصحيحة)) ٢٥٣/٤-٢٥٤ رقم الحديث (١٦٨٤).
٢٦٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْعُمْرَى
والحاصل أن حديث الباب صحيح؛ لما ذُكر، فتنبّه. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٣٧٨٦/٥ - وفي ((الكبرى)) ٦٥٩٤/٥. وأخرجه (د) في ((البيوع))
٣٥٣٧ (ت) في ((المناقب)) ٣٩٤٥ و٣٩٤٦ . والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): مشروعيّة قبول الهديّة، وقد ورد النهي عن ردّها، فقد أخرج أحمد في
((مسنده)) -٤٠٤/١-٤٠٥، والبخاريّ في ((الأدب المفرد» رقم -١٥٧ - بسند صحيح،
عن عبد الله بن مسعود رَني، قال: قال رسول اللّه وَله: ((أجيبوا الداعي، ولا تردّوا
الهديّة، ولا تضربوا المسلمين))(١).
(ومنها): مشروعيّة مكافأة المهدي، وقد ورد الأمر بذلك، فقد أخرج أحمد-٥٣٤٢
بإسناد صحيح، عن ابن عمر، عن النبي وَّر، قال: من استعاذ بالله فأعيذوه، ومن
سألكم بالله فأعطوه، ومن دعاكم فأجيبوه، ومن أتى إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم
تجدوا ما تكافئوه، فادعوا له، حتى تعلموا أن قد كافأتموه)).
(ومنها): أنه يستحبّ عدم قبول الهديّة، إذا كان المهدي طامعًا في العوض، ولا
يُرضيه ما يعطيه المهدى إليه، لقوله وَله: ((لقد هممت أن لا أقبل الهديّة إلا من قرشيّ
الخ))، فإنه يدلّ على أن شرط قبول الهديّة أن يكون صاحبها قانعًا بما يُعطى.
(ومنها): جواز الإهداء بقصد أخذ العوض، وأنه لا ينقص به فضل الإهداء، بخلاف
الصدقة، فإنه لا يؤخذ عليها عوض. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع،
والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٧٨٧- (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ
قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللّهِ إِ لَهِ، أَنِيَ بِلَحْم، فَقَالَ: ((مَا هَذَا؟))، فَقِيلَ: تُصُدْقَ بِهِ
عَلَى بَرِيرَةَ، فَقَّالَ: ((هُوَ لَهَا صَدَقَةٌ، وَلَنَا هَدِيَةٌ)(٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا
غير مرّة. و((إسحاق بن إبراهيم)): هو الحنظليّ المعروف بابن راهويه.
والحديث متفقٌ عليه، وقد تقدّم في ((كتاب الزكاة)) -٢٦١٤/٩٩- ((إذا تحوّلت
الصدقة))، وقد استوفيتُ شرحه، وبيان مسائله هناك، ولله الحمد والمنّة، فراجعه
تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
(١) راجع (إرواء الغليل) للشيخ الألباني ٥٩/٦ - رقم الحديث ١٦١٦.
(٢) يوجد في النسخة الهندية هنا: ما نصّه: (آخر كتاب الرقبى، والعمرى)).
٢٦٧ =
٣٤- (کِتابُ الأيمَانِ، والنُّورِ) - حديث رقم ٣٧٨٨
واستدلال المصنّف به على الترجمة من حيث إنه وَ* قبل هديّة بريرة تطبيقها، مع أنه
كان لها زوجٌ، فدلّ على أن النهي في حديث عبد الله بن عمرو روايتنا المتقدم محمول
على حسن المعاشرة، وتطييب خاطر الزوج، كما تقدّم بيانه. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلتُ، وإليه
أنیب)».
٣٤- (كِتَابُ الأَيْمَانِ، وَالنُّذُورِ)
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((الأيمان)) - بفتح الهمزة- جمع يمين، وأصل اليمين
في اللغة اليد، وأُطلقت على الحلف لأنهم كانوا إذا تحالفوا أخَذَ كلِّ بيمين صاحبه.
وقيل: لأن اليد اليمنى من شأنها حفظ الشيء، فسُمّي الحلف بذلك لحفظ المحلوف
عليه، وسمّي المحلوف عليه يمينًا لتلبّسه بها. ويُجمع اليمين أيضًا على أَيُمُن، كرَغِيفٍ
وأَرْغُف. وعُرِّفت شرعًابأنها توكيد الشيء بذكر اسم، أو صفة للَّه تعالى. وهذا أخصر
التعاريف، وأقربها. قاله في ((الفتح))(١).
وقال ابن قدامة رحمه اللّه تعالى: الأصل في مشروعيّة الأيمان الكتاب، والسنّة،
والإجماع، أما الكتاب، فقوله سبحانه وتعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِلَّغْوِ فِّ أَيْمَنْكُمْ وَلَكِنْ
يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَنَّ﴾ الآية [المائدة: ٨٩]. وقال تعالى: ﴿وَلَا تَنْقُضُواْ الْأَيْمَنَ بَعْدَ
تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل: ٩١] وأمر نبيّه وَّر بالحلف في ثلاثة مواضع، فقال: ﴿وَيَسْتَنَِّقُوَكَ
أَحَّ هُوَّ قُلْ إِى وَرَِيَ إِنَّهُ لَحَقِّ﴾ الآية [يونس: ٥٣]، وقال تعالى: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبٍِّ
لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ الآية [سبأ: ٣]، والثالث: ﴿قُلْ بَى وَرَبِّ لَنُعَنُنَّ﴾ الآية [التغابن: ٧].
وأما السنّة فقول النبيّ وَله: ((إني والله إن شاء الله، لا أحلف على يمين، فأرى
غيرها خيرًا منها، إلا أتيت الذي هو خير، وتحلّلتها))، متّفقٌ عليه. وكان أكثر قسم
رسول اللَّهُ وَ له: ((ومُصَرِّفِ القلوب))، و((مقلّب القلوب))، ثبت هذا عن رسول اللّه وَله
في آي، وأخبار سوى هذين كثيرة. وأجمعت الأمة على مشروعيّة اليمين، وثبوت
حكمها، ووضعُها في الأصل لتوكيد المحلوف عليه. انتهى (٢).
(١) ((فتح)) ١٣/ ٣٦١.
٢٦٨
=
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَيْمَانِ، وَالتُّذُورِ
و((التّذور)) جمع نَذْر، هو في الأصل مصدر نَذَر ينذِرُ، من باب ضرب، وفي لغة من
باب قتل. أفاده الفيوميّ.
وقال في ((القاموس))، و((شرحه)): ونذَرَ على نفسه ينذِر -بالكسر- وينذُرُ - بالضمْ-
نَذْرًا - بالفتح- ونُذُورًا - بالضمّ-(١): أوجبه، كانتذر، ونذَرَ ماله، ونذَر لله سبحانه
وتعالى كذا: أو جبه على نفسه تبرّعًا، من عبادة، أو صدقة، أو غير ذلك، وفي الكتاب
العزيز: ﴿إِنّ نَذَرْتُ لَكَ مَا فِ بَْنِ مُحَرًَّا﴾ الآية [آل عمران: ٣٥]، قالته امرأة عمران، أم
مريم. قال الأخفش: تقول العرب: نذر على نفسه نذْرًا، ونذرت مالي، فأنا أنذره
نذرًا. رواه يونس عن العرب. أو النذر: ما كان وعدًا على شرط، فَعَلَيّ إن شفَى اللَّهُ
مريضي كذا، نذْرٌ، وعليَّ أن أتصدّق بدينارٍ، ليس بنذر. انتهى(٢).
وقال في ((الفتح)): وأصله الإنذار، بمعنى التخويف. وعرّفه الراغب بأنه إيجاب ما
ليس بواجب لحدوث أمر انتهى(٣).
وقال ابن الأثير: وقد تكرّر في أحاديث النذر ذكر النهي عنه، وهو تأكيد لأمره،
وتحذيرٌ عن التهاون به بعد إيجابه، ولو كان معناه الزجرَ عنه حتى لا يُفْعَلَ، لكان في
ذلك إبطالا حكمه، وإسقاطُ لزوم الوفاء به، إذ كان بالنهي يصير معصيةً، فلا يلزم،
وإنما وجه الحديث أنه قد أعلمهم أن ذلك أمرٌ لا يجرُّ لهم في العاجل نفعًا، ولا يصرِف
عنهم ضرّا، ولا يردّ قضاءً، فقال: لا تنذِرُوا على أنكم قد تدركون بالنذر شيئًا لم يُقدّره
الله لكم، أو تصرفون به عنكم ما جرى به القضاء عليكم، فإذا نذرتم، ولم تعتقدوا
هذا، فاخرجوا عنه بالوفاء، فإن الذي نذرتموه لا زم لكم. انتهى (٤).
وقال ابن قدامة رحمه اللّه تعالى: الأصل في النذر الكتاب، والسنّة، والإجماع، أما
الكتاب، فقول الله عز وجل: ﴿يُولُونَ بِالَّذْرِ﴾ [الإنسان: ٧]، وقال تعالى: ﴿وَلْيُوفُوا
تُذُورَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩]، وأما السنّة، فروت عائشة أن رسول اللّه وَّلتر، قال: ((من نذر
أن يطيع اللّه فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه)). رواه البخاري، ويأتي للنسائيّ
برقم - ٣٨٣٣ - وعن عمران بن حصين تطلثبتا، عن النبي ◌َّر، قال: ((خيركم قرني، ثم
الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم)) -قال عمران: لا أدري ذكر ثنتين، أو ثلاثا، بعد قرنه-
(١) ((المغني)) ٤٣٥/١٣.
(٢) على هذا ليس ((النذور)) جمعًا لنذر، بل هو مصدر مفرد، كالقعود، والجلوس، فافهم.
(٣) راجع ((القاموس))، وشرحه (تاج العروس) ٥٦١/٣.
(٤) ((فتح)) ١٣/ ٣٦١.
(٥) ((النهاية)) ٣٩/٥.
٣٤- (کِتابُ الأیَمَانِ، والنُّورِ) - حديث رقم ٣٧٨٨
٢٦٩ =
(ثم يجيء قوم ينذُرون، ولا يَفُون، ويخونون، ولا يؤتمنون، ويشهدون، ولا
يستشهدون، ويظهر فيهم السمن)). رواه البخاريّ، ويأتي للنسائيّ برقم - ٣٨٣٦. قال:
وأجمع المسلمون على صحّة النذر في الجملة، ولزوم الوفاء به. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الظاهر أنه سقط من النسّاخ كتابة الترجمة بلفظ:
(الحلف بمقلّب القلوب)»، بدليل أنه موجود هكذا في ((الكبرى))، وبدليل الترجمة التالية.
والله تعالى أعلم بالصواب.
٣٧٨٨ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الرُّهَاوِيُّ(٢)، وَمُوسَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالًا:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ
ابْنِ عُمَرَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: كَانَتْ يَمِينٌ، يَحْلِفُ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: (لَا، وَمُقَلْبٍ
الْقُلُوبِ))).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١- (أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الرُّهَاوِيُّ) أبو الحسين الثقة الحافظ [١١] ٤٢/٣٨.
٢- (مُوسَى بْنُ عَبْدِ الرَّحمَنِ) بن سعيد بن مسروق الكندي المسروقي، أبو عيسى
الكوفي، ثقة، من كبار [١١] ٩١/٧٤.
٣- (مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ) العبديّ، أبو عبد اللَّه الكوفي، ثقة حافظ [٩] ٨٨٢/٥.
٤- (سفيان) بن سعيد الثوري الإمام الحجة الثبت [٧] ٣٧/٣٣.
٥- (موسى بن عقبة) بن أبي عيّاش الأسديّ مولاهم المدنيّ، ثقة فقيه، إمام في
المغازي [٥] ٩٦/ ١٢٢ .
٦- (سالم بن عبد الله بن عمر) بن الخطاب العدويّ المدنيّ، ثقة ثبت فقيه [٣]
٤٩٠/٢٣ .
٧- (ابن عمر) عبد الله رضي الله تعالى عنهما ١٢/١٢. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح، غیر شیخیه، فالأول من أفراده، والثاني تفرد به هو، والترمذيّ، وابن
ماجه. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين إلى سفيان، غير شيخه أحمد، فرُهاويّ،
والباقون مدنيون.
(١) ((المغني)) ٦٢١/١٣. ((كتاب النذور)).
(٢) (الرُّهاويّ)) بالضم: نسبة إلى رُها مدينة بالجزيزة. قاله في ((لبّ اللباب)) ٣٦٣/١.
٢٧٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَيْمَانِ، وَالتُّذُورِ
(ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، موسى، عن سالم. (ومنها): أن سالمًا من
الفقهاء السبعة على بعض الأقوال. (ومنها): أن فيه ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما من
العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (٢٦٣٠) حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ سَالِم) هكذا في رواية الثوريّ، عن موسى بن عقبة، وكذا قال ابن المبارك، عن
موسى بن عُقَبة، عند البخاريّ في ((القدر))، وهو المحفوظ، وشذّ النفيليّ، فقال: ((عن
ابن المبارك، عن موسى، عن نافع))، بدل ((سالم))، أخرجه أبو داود في رواية ابن داسة.
أفاده في ((الفتح))(١) (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) رَا، أنه (قَالَ: كَانَتْ يَمِينٌ) اليمين مؤنثة؛ ولذا
أُلحقت التاء بـ((كان)). قال الفيّوميّ: ويَمِين الحلفِ أنثى، وتُجمع على أَيْمُنِ، وأَيْمَانٍ.
قاله ابن الأنباريّ. قيل: سمّي الحلِفُ يمينًا؛ لأنهم كانوا إذا تحالفوا ضرب كلُّ واحد
منهم بيمينه على يمين صاحبه، فسمّي الحلف يمينًا مجازًا. انتهى.
وقال السنديّ رحمه الله تعالی: المراد بالیمین المحلوف به، و ((علیها) بمعنی ابها)،
ثم الظاهر نصب ((اليمين)) على الخبريّة؛ لأن قوله: ((لا، ومقلّب القلوب)) قد أُريد به
لفظه، فيجري عليه حكم المعارف، فيتعيّن أن يكون اسم ((كانت))، إلا أن يقال:
((كانت)) فيها ضمير القصّة. انتهى.
(يَخْلِفُ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ وَ﴿) أي كثيرًا ففي رواية البخاريّ من طريق ابن المبارك،
عن موسى بن عقبة في ((القدر)): ((كثيرًا ما كان النبيّ وَّر يحلف ... ))، ومن طريقه أيضًا
في ((التوحيد)): ((أكثر ما كان النبيّ وَل يحلف ... )). وأخرجه ابن ماجه من وجه آخر
عن الزهريّ، بلفظ: ((كان أكثر أيمان رسول اللّه وَالر: ((لا، ومصرّف القلوب))
(لا) إما زائدة لتأكيد القسم، كما في قوله تعالى: ﴿لَا أُثِْمُ﴾ [القيامة: ١]، أو لنفي
ما تقدّم من الكلام، مثل أن يقال له: هل الأمر كذا، فيقول: ((لا، ومقلّب القلوب)).
قاله السنديّ.
(وَمُقَلْبِ الْقُلُوبِ) هذا هو المقسم به.
والمراد بتقليب القلوب تقليب أعراضها، وأحوالها، لا تقليب ذات القلب. فالمعنى
أنه تعالى متصرّف في قلوب عباده بما شاء، لا يمتنع عليه شيء منها، ولا تفوته إرادة.
وقال الكرمانيّ: ما معناه: كان يحتمل أن يكون المعنيُّ بقوله: ((مقلّب القلوب))
أن يجعل القلب قلبًا، لكن مظانّ استعماله تنشأ عنه، ويستفاد منه أن أعراض
(١) ((فتح)) ٢٠٣٥٦/١٣ كتاب القدر)).
٢٧١ ==
٣٤- (کِتابُ الأيمَانِ، والنُّورِ) - حديث رقم ٣٧٨٨
القلب، كالإرادة وغيرها بخلق الله تعالى، وهي من الصفات الفعليّة، ومرجعها إلى
القدرة. انتهى(١).
وقال الراغب الأصفهانيّ: قَلبُ الشيء: تصريفه، وصرفه عن وجه إلى وجه، كقلب
الثوب، وقلب الإنسان، أي صرفه عن طريقته. قال: وتقليب القلوب والبصائر: صرفها
من رأي إلى رأي، والتقلُّبُ: التصرُّفُ. قال تعالى: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِ تَقَلِِّهِمْ﴾ الآية
[النحل: ٤٦]. وقلب الإنسان سُمّي به؛ لكثرة تقلّبه.
ويُعبّر بالقلب عن المعاني التي يختصّ بها، من الروح، والعلم، والشجاعة، وقوله
تعالى: ﴿وَبَلَغَتِ اٌلْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ الآية [الأحزاب: ١٠] أي الأرواح، وقوله تعالى:
﴿لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبُ﴾ الآية [ق: ٣٧] أي علمٌ، وفهمْ، وقوله تعالى: ﴿وَلِتَطْمَيِنَّ بِهِ.
قُلُوبُكُمْ﴾ الآية [الأنفال: ١٠] أي تثبت به شجاعتكم، ويزول خوفكم. انتهى
الراغب(٢).
وقال القاضي أبو بكر بن العربيّ: القلب جزء من البدن، خلقه، وجعله للإنسان
محلّ العلم، والكلام، وغير ذلك، من الصفات الباطنة، وجعلٍ ظاهر البدن محلّ
التصرّفات الفعليّة والقوليّة، ووكّل بها ملكًا يأمر بالخير، وشيطانًا يأمر بالشرّ، فالفعل
بنوره يهديه، والهوى بظلمته يُغويه، والقضاء والقدر مسيطرٌ على الكلّ، والقلب يتقلّب
بين الخواطر الحسنة والسيّئة، واللّمَّة من الملك تارة، ومن الشيطان أخرى، والمحفوظ
من حفظه الله تعالى انتهى(٣). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب،
وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما هذا أخرجه البخاريّ.
(المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٣٧٨٨/١ و٣٧٨٩ - وفي ((الكبرى)) ٤٧٠٣/٢ و٤٧٠٤/٣. وأخرجه
(خ) في ((القدر)) ٦٦١٧ و((الأيمان والنذور)) ٦٦٢٧ و((التوحيد)) ٧٣٩١ (د) في ((الأيمان
والنذور)) ٣٢٦٣ (ت) في ((الأيمان والنذور)) ١٥٤٠ (ق) في ((الكفّارات)) ٢٠٩٢ (أحمد)
(١) ((فتح)) ٣٣٠/١٥ (كتاب التوحيد)). رقم الحديث٧٣٩١.
(٢) ((مفرات ألفاظ القرآن)) ص ٦٨١ - ٦٨٢.
(٣) راجع ((الفتح)) ٣٧٤/١٣.
٢٧٢
==
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَيْمَانِ، وَالتُّذُورِ
في ((مسند المكثرين)) ٥٣٤٥ و٦٠٧٤ . والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): أن فيه دلالة على مشروعيّة الخَلِفِ على الشيء؛ تأكيدًا له. (ومنها):
استحباب الحلف بقوله: ((لا، ومقلّب القلوب)). (ومنها): أن فيه أن أعمال القلوب من
الإرادات، والدواعي، وسائر الأعراض بخلق الله تعالى. (ومنها): أن فيه جواز تسمية
اللّه تعالى بـ((مقلّب القلوب))، و((مصرّف القلوب))، ونحو ذلك مما ثبت من صفاته تعالى
في الكتاب والخبر الصحيح، وإن لم يتواتر، على الوجه الذي يليق به. (ومنها): إثبات
صفة التقليب لله سبحانه وتعالى على ما يليق بجلاله. (ومنها): أن في الحديث حجةً
لمن أوجب الكفّارة على من حلف بصفة من صفات اللَّه تعالى، فحنث، ولا نزاع في
أصل ذلك، وإنما الخلاف في أيُّ صفة تنعقد بها اليمينُ؟، والتحقيق أنها مختصّة بالتي
لا يُشاركه فيها غيره، كمقلّب القلوب. (ومنها): ما قاله القاضي أبو بكر بن العربيّ
رحمه الله تعالى: في الحديث جواز الحلف بأفعال اللَّه تعالى، إذا وُصف بها، ولم
يُذكر اسمه، قال: وفرّق الحنفيّة بين القدرة والعلم، فقالوا: إن حلف بقدرة الله
انعقدت يمينه، وإن حلف بعلم اللّه، لم تنعقد؛ لأن العلم يُعبّر به عن المعلوم، كقوله
تعالى: ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا﴾ الآية [الأنعام: ١٤٨].
والجواب أنه هنا مجازٌ، إن سُلّم أن المراد به المعلوم، والكلام إنما هو في الحقيقة
انتهى (١). (ومنها): ما قال البيضاويّ: في نسبة تقليب القلوب إلى الله تعالى إشعارٌ بأنه
يتولّى قلوب عباده، ولا يكلها إلى أحد من خلقه. وفي دعائه وَّر ((يا مقلب القلوب ثبت
قلبي على دينك)) إشارة إلى شمول ذلك للعباد حتى الأنبياء، ورفع توهم من يتوهم أنهم
يُستثَون من ذلك، وخصّ نفسه بالذكر إعلامًا بأن نفسه الزكيّة إذا كانت مفتقرةً إلى أن
تلجأ إلى الله سبحانه وتعالى، فافتقار غيرها ممن هو دونه أحقّ بذلك(٢). والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
(إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلتُ، وإليه
أنیب».
(١) راجع ((الفتح)) ١٣/ ٣٧٤ ((كتاب الأيمان والنذور)).
(٢) راجع (الفتح)) ٣٣٠/١٥ ((كتاب التوحيد)).
٢- (الْخَلِفُ بِ«مُصَرَقِ القُلُوب))) - حديث رقم ٣٧٨٩
٢٧٣ =
٢- (الْحَلِفُ بـ((مُصَرِّفِ الْقُلُوب)))
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((الْحَلِفُ)) -بفتح الحاء المهملة، وكسر اللام،
وتسكّن تخفيفًا، مصدر حَلَف، يقال: حلّفتُ بالله حَلِفًا، وتؤنّث الواحدة بالهاء، فيقال:
حَلِفةٌ، ويقال في التعدّي أحلفته إحلافًا، وحلّفته تحليفًا، واستحلفته. قاله الفيوميّ.
والله تعالى أعلم بالصواب.
٣٧٨٩- (أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يَخْتِى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّلْتِ، أَبُو
يَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِم،
عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَتْ يَمِينُ رَسُولِ اللَّهِلَهَ، الَّتِي يَخْلِفُ بِهَا، ((لَا، وَمُصَرِّفِ الْقُلُوبِ))}.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، و((محمد
بن يحيى بن عبد الله)): هو الذهليّ النيسابوريّ الحافظ الشهير [١١] ٣١٤/١٩٦.
و ((محمد بن الصَّلْت، أبو يعلى)) البصريّ التَّوَّزيّ -بفتح المثنّة، وتشديد الواو،
بعدها زاي- أصله من تَوَّز، ويقال: جَوَّز بالجيم: بلدة بفارس - صدوق تِهِم [١٠].
قال أبو حاتم: صدوقٌ كان يُملي علينا من حفظه التفسير وغيره، وربّما وهِم. وقال
الدارقطنيّ: ثقة. وذكره ابن حبّان في ((الثقات))، وقال: مات سنة (٢٢٨). وقال ابن
حزم: مجهول. روى عنه البخاريّ حديثين، والمصنّف بواسطة محمد بن يحيى الذهليّ
هذا الحديث فقط .
و((عبد الله بن رجاء)): هو أبو عمران البصريّ، نزيل مكة، ثقة تغيّر حفظه قليلًا، من
صغار [٨] ٣٠٠٢/١٩٣.
و((عبّاد بن إسحاق)): هو عبد الرحمن بن إسحاق بن عبد الله بن الحارث بن كنانة
المدنيّ، صدوقٌ، رُمي بالقدر [٦].
والحديث حسنّ، وقد سبق شرحه، وبيان مسائله في الذي قبله. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلتُ، وإليه
أنیب» .
٢٧٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَيْمَانِ، وَالتُّذُورِ
٣- (الْحَلِفُ بِعِزَّةِ اللَّهِ تَعَالَى)
٣٧٩٠- (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنِي
مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَِّ، قَالَ: ((لَمَّا
خَلَقَ اللَّهُ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ، أَرْسَلَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامِ إِلَى الْجَنَّةِ، فَقَالَ: انْظُرْ إِلَيْهَا، وَإِلَى مَا
أَعْدَدْتُ لِأَهْلِهَا فِيهَا، فَنَظَرَ إِلَيْهَا، فَرَجَعَ، فَقَالَ: وَعِزَّتِكَ، لَا يَسْمَعُ بِهَا أَحَدٌ، إِلَّا دَخَلَهَا،
فَأَمَرَ بِهَا، فَحُفَّتْ بِالْمَكَارِهِ، فَقَالَ: اذْهَبْ إِلَيْهَا، فَانْظُرْ إِلَيْهَا، وَإِلَى مَا أَعْدَدْتُ لِأَهْلِهَا
فِيهَا، فَتَظَرَ إِلَيْهَا، فَإِذَا هِيَ قَدْ حُفَّتْ بِالْمَكَارِهِ، فَقَالَ: وَعِزَّتِكَ، لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ لَا يَدْخُلَهَا
أَحَدٌّ، قَالَ: اذْهَبْ، فَانْظُرْ إِلَى النَّارِ، وَإِلَى مَا أَعْدَدْتُ لِأَهْلِهَا فِيهَا، فَتَظَرَ إِلَيْهَا، فَإِذَا هِيَ
يَرْكَبُ بَعْضُهَا بَعْضًا، فَرَجَعَ، فَقَالَ: وَعِزَّتِكَ، لَا يَدْخُلُهَا أَحَدٌ، فَأَمَرَ بِهَا، فَحُفَّتْ
بِالشَّهَوَاتِ، فَقَالَ: ارْجِعْ، فَانْظُرْ إِلَيْهَا، فَنَظَرَ إِلَيْهَا، فَإِذَا هِيَ، قَدْ حُفَّتْ بِالشَّهَوَاتِ،
فَرَجَعَ، وَقَالَ: وَعِزَّكَ، لَقَدْ خَشِيتُ، أَنْ لَا يَنْجُوَ مِنْهَا أَحَدٌّ، إِلَّا دَخَلَهَا))).
رجال هذا الإسناد : خمسة :
١- (إسحاق بن إبراهيم) الحنظليّ المروزيّ المعروف بابن راهويه، ثقة ثبت فقيه
[١٠] ٢/٢ .
٢- (الفضل بن موسى) السِّينانيّ، أبو بو عبد الله المروزيّ، ثقة ثبت، ربما أغرب،
من كبار [٩] ١٠٠/٨٣ .
٣- (محمد بن عمرو) بن علقمة بن وقّاص الليثيّ المدنيّ، صدوقٌ، له أوهام [٦]
١٦ / ١٧ .
٤- (أبو سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف المدنيّ الفقيه [٣] ١/١.
٥- (أبو هريرة) رضي الله تعالى عنه ١/١ . والله تعالياً علم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، وشيخ شيخه،
فمروزيان. (ومنها): أن فيه أبا سلمة من الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، وفيه
أبو هريرة تني من المكثرين السبعة. والله تعالى أعلم.
٣- (الْحَلِفُ بِعِزَةُ اللَّهِ تَعَالَى) - حديث رقم ٣٧٩٠
٢٧٥
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً) رضي اللَّه تعالى عنه (عَنْ رَسُولِ اللَّهِ، قَالَ: لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الْجَنَّةَ
وَالنَّارَ، أَرْسَلَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامِ إِلَى الْجَنَّةِ، فَقَالَ: انْظُرْ إِلَيْهَا، وَإِلَى مَا أَعْدَدْتُ لِأَهْلِهَا
فِيهَا) أي من النعيم المقيم، والعزّ المستديم (فَتَظَرَ) جبريل (إِلَيْهَا، فَرَجَعَ، فَقَالَ:
وَعِزَّتِكَ) هذا محلّ الشاهد، حيث أقسم جبريلَّالَّلُ بعزّة اللَّه تعالى، فدل على
مشروعيّة القسم بعزّة اللّه تعالى.
(لَا يَسْمَعُ بِهَا) أي بصفات الجثّة، وبما أُعدّ فيها من أنواع النعيم المقيم، وأصناف العزّ
المستديم (أَحَدٌّ، إِلَّا دَخَلَهَا) قال السنديّ: يريد أن مقتضى ما فيها من اللذّة، والخير،
والنعمة أن لا يتركها أحدٌ سمع بها في أيّ نعمة كان، ولا يَمْنَعُ عنها شيء من النعم، ولا
يستغني عنها أحد بغيرها أيَّ شيء كان، والمطلوب مدحها، ومدح ما أعدّ فيها، وتعظيمها،
وتعظيم ما فيها، وأنها دارٌ لا يساويها دارٌ، وليس المراد الحقيقة، حتّى يقال: يلزم أن يكون
جبريل بهذا الحلف حانثًا، ويكون في هذا الخبر كاذبًا، وهذا ظاهرٌ. ويحتمل أن المراد:
لا يسمع بها أحدٌ إلا دخلها، إن بقيت على هذه الحالة. انتهى.
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذا الاحتمال الثاني هو الصواب، وأما الاحتمال
الأول، ففيه نظر لا يخفى، فإن أسلوبه غير لائق بالمقام، فتنبّه. والله تعالى أعلم.
(فَأَمَر) اللَّه سبحانه وتعالى. وفي نسخة: ((وأمر)) (بَهَا) أي بالجنّة (فَحُفَّتْ) بالحاء
المهملة، والفاء، والبناء للمفعول، من الحَفَاف، وهو ما يُحيط بالشيء، حتى لا
يُتوصّل إليه إلا بتخطّيه، فالجنّة لا يُتوصّل إليها إلا بقطع مفاوز المكاره، والنار لا يُنجَى
منها إلا بترك الشهوات(١) (بِالْمَكَّارِهِ) جمع مكروه، كما في ((اللسان)).
قال السنديّ رحمه الله تعالى: أي جُعلت سبل الوصول إليها المكاره والشدائد على
الأنفس، كالصوم، والزكاة، والجهاد، ولعلّ لهذه الأعمال وجودًا مثاليًا ظهر بها في
ذلك العالم، وأحاطت الجنة من كلّ جانب، وقد جاء الكتاب والسنّة بمثله، ومن جملة
ذلك قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ ءَدَمَ الْأَسْمَّءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَضَهُمْ - أي المسميات - عَلَى
الْمَلَئِكَةِ﴾ [البقرة: ٣١]، ومعلومٌ أن فيها المعقولات، والمعدومات. والله تعالى
(٢)
أعلم. انتهى (٢).
(فَقَالَ: اذْهَبْ إِلَيْهَا، فَانْظُرْ إِلَيْهَا، وَإِلَى مَا أَعْدَدْتُ لِأَهْلِهَا فِيهَا، فَتَظَرَ إِلَيْهَا، فَإِذَا هِيَ
(١) (فتح)) ١١٧/١٣.
(٢) ((شرح السنديّ)) ٣/٧-٤.
٢٧٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَيْمَانِ، وَالتُّذُورِ
قَدْ حُفَّتْ) وفي نسخة: ((حُجِبت)) (بِالْمَكَارِهِ، فَقَالَ: وَعِزَّتِكَ، لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ لَا يَدْخُلَهَا
أَحَدٌ) أي لصعوبة الوصول إليها، حيث حُفّت بالمكاره (قَالَ) سبحانه وتعالى (اذْهَبْ،
فَانْظُرْ إِلَى النَّارِ، وَإِلَى مَا أَعْدَدْتُ لِأَهْلِهَا فِيهَا) من السعير، والشرّ المستطير (فَتَظَرَ إِلَيْهَا،
فَإِذَا هِيَ يَرْكَبُ (١) بَعْضُهَا بَعْضًا) أي يعلو بعضها على بعض، حتى يأكله، وهو بمعنى
الحديث الآخر في ((كتاب الكسوف))، حيث قال وَلّ: ولقد رأيت جهنّم يَحطِم بعِضُها
بعضًا ... )) (فَرَجَعَ) جبريل علِّلهُ إلى ربّه عز وجل (فَقَالَ: وَعِزَّتِكَ، لَا يَدْخُلُهَا أَحَدٌ)
أي لما بها من شدة العذاب (فَأَمَرَ) سبحانه وتعالى (بَهَا، فَحُفَّتْ بِالشَّهَوَاتِ) أي أحيطت
بالأمور التي تشتهيها النفس، من لذّات المعاصي، والمخالفات (فَقَالَ سبحانه وتعالى
لجبريل: ارْجِعْ، فَانْظُرْ إِلَيْهَا، فَتَظَرَ إِلَيْهَا، فَإِذَا هِيَ، قَدْ حُقَّتْ بِالشَّهَوَاتِ، فَرَجَعَ،
وَقَالَ: وَعِزَّتِكَ، لَقَدْ خَشِيتُ، أَنْ لَا يَنْجُوَ مِنْهَا أَحَدٌ، إِلَّا دَخَلَهَا) قال السنديّ رحمه الله
تعالى: الظاهر أن جملة ((إلا دخلها)) حالٌ بتقدير ((قد)) مستثنى من عموم الأحوال، ولا
يخفى أنه لا يُتصوَّر النجاة فيها إذا دخلها، فالاستثناء من قبيل التعليق بالمستحيل، أي لا
ينجو منها أحدٌ في حال إلا حال دخوله فيها، وهو مستحيلٌ، فصارت النجاة مستحيلةً،
وقد قيل بمثله في قوله تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوَاً وَلَا تَأْثِيمًا إِلَّ قِيْلًا سَلَمًا سَلَمَا﴾
[الواقعة: ٢٦]، وقوله تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا أَلْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾
[الدخان: ٥٦]. انتهى(٢).
[تنبيه]: هذا الحديث أخرجه البخاريّ في ((صحيحه)) مختصرًا، فقال في ((كتاب
الرِّقاق)) -٦٤٨٧ -: حدثنا إسماعيل، قال: حدثني مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج،
عن أبي هريرة، أن رسول اللّه وَ له، قال: ((حُجبت النار بالشهوات، وحُجبت الجنة
بالمکارە».
فقال في ((الفتح)): قوله: ((حجبت)) كذا للجميع في الموضعين، إلا الفرويّ، فقال:
((حُفّت)) في الموضعين، وكذا هو عند مسلم من رواية ورقاء بن عمر، عن أبي الزناد،
وكذا أخرجه مسلم، والترمذيّ من حديث أنس ◌َّ. وهو من جوامع كلمه وَّر،
وبديع بلاغته في ذمّ الشهوات، وإن مالت إليها النفوس، والحضّ على الطاعات، وإن
كرهتها النفوس، وشقّ عليها، وقد ورد إيضاح ذلك من وجه آخر عن أبي هريرة تزفيه ،
فأخرج أبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن حبّان، والحاكم، من وجه آخر عن أبي
هريرة ◌َنْيُ، رفعه: ((لَمّا خلق الله الجنة ... )) فذكر حديث الباب، ثم قال: فهذا يفسّر
(١) وفي نسخة: ((يتركّب)) ولعله تصحيف.
(٢) (شرح السنديّ)) ٧ /٤.
٢٧٧
٣- (الْحَلِفُ بِعِزَةُ اللهِ تَعَالی) - حديث رقم ٣٧٩٠
رواية الأعرج، فإن المراد بالمكاره هنا ما أُمر المكلّف بمجاهدة نفسه فيه فعلًا، وتركًا،
كالإتيان بالعبادات على وجهها، والمحافظة عليها، واجتناب المنهيّات قولًا وفعلًا،
وأطلق المكاره لمشقّتها على العامل، وصعوبتها عليه، ومن جملتها الصبر على المصيبة،
والتسليم لأمر الله فيها.
والمراد بالشهوات ما يُستلذّ من أمور الدنيا، مما منَعَ الشرع من تعاطيه، إما
بالأصالة، وإما لكون فعله يستلزم ترك شيء من المأمورات، ويلتحق بذلك الشبهات،
والإكثار مما أبيح، خشيةَ أن يوقع في المحرّم، فكأنه قال: لا يُوصل إلى الجنّة إلا
بارتكاب المشفّات، المعبّر عنها بالمكروهات، ولا إلى النار إلا بتعاطي الشهوات،
وهما محجوبتان، فمن هتك الحجاب اقتحم.
ويحتمل أن يكون هذا الخبر، وإن كان بلفظ الخبر، فالمراد به النهي(١).
وقال ابن العربيّ: معنى الحديث أن الشهوات جُعلت على حفافي النار، وهي
جوانبها، وتوهّم بعضهم أنها ضرب بها المثل، فجعلها في جوانبها من خارج، ولو كان
ذلك ما كان مثلًا صحيحًا، وإنما هي من داخل، وهذه صورتها: (٢)
فمن اطّلع الحجاب، فقد واقع ما وراءه، وكلّ من تصوّرها من خارج، فقد ضلّ عن
معنى الحديث. ثم قال: فإن قيل: فقد جاء في البخاريّ: ((حُجبت النار بالشهوات))،
فالجواب أن المعنى واحد؛ لأن الأعمى عن التقوى الذي قد أخذت الشهوات سمعه،
وبصره يراها، ولا يرى النار التي هي فيها، وذلك لاستيلاء الجهالة، والغفلة على قلبه،
فهو كالطائر يرى الحبّة في داخل الفخ، وهي محجوبةٌ به، ولا يرى الفخّ لغلبة شهوة
الحبّة على قلبه، وتعلّق باله بها.
قال الحافظ: وقد بالغ کعادته في تضلیل من حمل الحدیث على ظاهره، ولیس ما
قاله غيره ببعيد، وأن الشهوات على جانب النار من خارج، فمن واقعها، وخرق
الحجاب دخل النار، كما أن الذي قاله القاضي محتمل. والله أعلم. انتهى (٣). والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه هذا أخرجه البخاريّ.
(١) هكذا العبارة في ((الفتح)) ١١٧/١٣ - وفيها ركاكة، ولعلّ الصواب ((مرادًا به النهي))، فتأمل.
(٢) راجع الرسم في ((الفتح)) ١١٧/١٣ ((كتاب الرقاق)).
(٣) ((فتح)) ١١٧/١٣ ((كتاب الرِّفَاق)).
٢٧٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَيْمَانِ، وَالُّذُورِ
(المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٣٧٩٠/٣ - وفي ((الكبرى)) ٤٧٠٢/١. وأخرجه (خ) في ((الرقاق))
٦٤٨٧ مختصرًا (د) في ((السنّة)) ٤٧٤٤ (أحمد) في ((باقي مسند المكثرين)) ٢٧٥١٢
و٨٤٣٤ و٨٦٤٤ . والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو جواز الحلف بعزّة اللّه تعالى.
قال في ((الفتح)): ما حاصله: إن الأيمان تنقسم إلى صريح، وكناية، ومتردّد بينهما،
وهو الصفات، وأنه اختلف هل يلتحق بالصريح، فلا يحتاج إلى قصد، أو لا،
فيحتاج، والراجح أن صفات الذات منها تلتحق بالصريح، فلا تنفع معها التورية، إذا
تعلّق به حقّ آدمي، وصفات الفعل تلتحق بالكناية، فعزّة الله من صفات الذات، وكذا
جلاله، وعظمته. قال الشافعيّ رحمه اللّه تعالى فيما أخرجه البيهقيّ في ((المعرفة)): من
قال: وحقُ الله، وعظمة الله، وجلال الله، وقدرة الله، يريد اليمين، أو لا يريده، فهي
يمين. انتهى. وقال غيره: والقدرة تحتمل صفة الذات، فتكون اليمين صريحة، وتحتمل
إرادة المقدور، فتكون كناية، كقول من يتعجّب من الشيء: انظر إلى قدرة الله، وكذا
العلم، كقوله: اللَّهم اغفر لنا علمك فينا، أي معلومك. انتهى (١).
(ومنها): أن الجنة والنار مخلوقتان اليوم، وقد دلّت الأدلة من الكتاب والسنّة على
ذلك، وزعمت المعتزلة أنهما يُخلَقان يوم الجزاء، وهو مذهب باطلٌ، منابذ للنصوص
الصحيحة الصريحة. (ومنها): منقبة جبريل نَّالَّله، حيث إنه هو المرسل إلى الأمور
المهمّة. (ومنها): إثبات كلام اللّه عز وجل، يكلّم من شاء من ملائكته، وأنبيائه إذا
شاء. (ومنها): صعوبة الوصول إلى الجنّة، حيث إنها محفوفة بالمكاره، فلا يصل إليها
إلا من أزال تلك الحجب، ولن يكون ذلك إلا ممن وفقه الله تعالى للطاعات، وجنّبه
المعاصي والزلات، فالسعيد هو الموفّق، وفقنا الله تعالى لكلّ خير، وجنّبنا كلّ ضير.
(ومنها): قرب النار، وأن الوصول إليها أمر لا عُسر فيه، حيث إنها محفوفةٌ بشهوات
النفس، و﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إلَّا مَا رَحِمَ رَبِيْ إِنَّ رَبِ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٣]،
اللَّهم أجرنا من النار. اللّهم إنا نسألك الجنّة، وما قرّب إليها من قول، وعمل، ونعوذ
بك من النار، وما قرّب إليها، من قول، وعمل. برحمتك يا أرحم الراحمين. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
(١) ((فتح)) ٣٩٦/١٣.
٤- (التَّيْدِيدُ فِي الْحَلِفِ بِغَيْرِ اللهِ تَعَالی) - حديث رقم ٣٧٩١
=
٢٧٩
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلتُ، وإليه أنيب)).
٤- (التَّشْدِيدُ فِي الْحَلِفِ بِغَيْرِ اللَّهِ
تَعَالَی)
٣٧٩١- (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ -وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرِ - قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ
ابْنُ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بِهِ: ((مَنْ كَانَ حَالِفًا، فَلَا يَخْلِفْ إِلَّ
بِاللَّهِ))، وَكَانَتْ قُرَيْشٌ تَحَلِفُ بِآبَائِهَا، فَقَالَ: ((لَا تَحَلِقُوا بِآبَائِكُمْ))).
رجال هذا الإسناد: أربعة :
١- (عليّ حجر) السعديّ المروزيّ، ثقة حافظ، من صغار [٩] ١٣/١٣.
٢- (إسماعيل بن جعفر) بن أبي كثير الأنصاريّ الزُّرقي المدنيّ، ثقة ثبت [٨] ١٦/
١٧ .
٣- (عبد الله بن دينار) العدويّ مولاهم، أبو عبد الرحمن المدنيّ، ثقة [٤] ١٦٧/
٢٦٠ .
٤- (ابن عمر) عبد اللَّه رضي اللَّه تعالى عنهما١٢/١٢. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من رباعيات المصنف رحمه الله تعالى، وهو (١٨٣) من رباعيات
الكتاب. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنیین،
غير شيخه، فمروزي. (ومنها): أن فيه ابن عمر رضي اللَّه تعالى عنهما أحد العبادلة
الأربعة، وقد أشار إليهم الحافظ السيوطيّ رحمه اللّه تعالى في ((ألفيّة الحديث)) بقوله:
وَابْنُ الزُّبَيْرِ فِي اشْتِهَارٍ يَجْرِي
وَالْحَبْرُ وَابْنَا عُمَرٍ وَعَمْرٍو
وَغَلَّطُوا مَنْ غَيْرَ هَذَا مَالَ لَهْ
دُونَ ابْنِ مَسْعُودٍ لَهُمْ عَبَادِلَهُ
وهو أحد المكثرين السبعة، المجموعين في قولي:
مِنَ الصَّحَابَةِ الْأَكَابِرِ الْغُرَزْ
الْمُكْثِرُونَ فِي رِوايَةِ الْخَبّز
فَأَنَسْ فَزَوْجَةُ الهَادِيَ الْأَبَرُ
أَبُو هُرَيْرَةَ يَلِيهِ ابْنُ عُمَزْ
وَبَعْدَهُ الْخُذْرِيُّ فَهْوَ الآخِرُ
ثُمَّ ابْنُ عَبَّاسٍ يَلِیهِ جَابِرُ
٢٨٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الأَيْمَانِ، وَالتُّذُورِ
روى (٢٦٣٠) حديثًا، وهذا كله قد تكرر في هذا الشرح غير مرّة، وإنما أعدته
تذكيرًا؛ لطول العهد به. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ ابْنِ عُمَرَ) رضي اللَّه تعالى عنهما، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((مَنْ كَانَ
حَالِفًا) أي مريدًا للحلف (فَلَا يَخْلِفْ إِلَّا بِاللَّهِ) قال العلماء: السرّ في النهي عن الحلف
بغير الله أن الحلف بالشيء يقتضي تعظيمه، والعظمة في الحقيقة إنما هي لله وحده.
وظاهر الحديث يقتضي تخصيص الحلف بالله خاصّة، لكن اتفق الفقهاء على أن اليمين
تنعقد بالله، وذاته، وصفاته العليّة، واختلفوا في انعقادها ببعض الصفات، كما سبق،
وكأن المراد بقوله: ((بالله)» الذات، لا خصوص لفظ ((الله))، وأما اليمين بغير ذلك، فقد
ثبت المنع منها، وهو للتحريم على الأرجح، وسيأتي البحث فيه قريبًا، إن شاء الله
تعالی.
(وَكَانَتْ قُرَيْشٌ) القبيلة المعروفة (تُحْلِفُ بِآبَائِهَا، فَقَالَ) ◌َِّ (لَا تَّلِفُوا بِآبَائِكُمْ) وفي
الرواية التالية: ((إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم)). وفي رواية الليث، عن نافع عند
البخاريّ: ((فناداهم رسول اللَّه وَلتر)). ووقع في مصنف ابن أبي شيبة من طريق عكرمة،
قال: ((قال عمر: حدّثتُ قومًا حديثًا، فقلت: لا وأبي، فقال رجلٌ من خلفي: لا تحفلوا
بآبائكم، فالتفتْ، فإذا رسول اللّه وَال# يقول: ((لو أن أحدكم حلف بالمسيح هلك،
والمسيح خير من آبائكم)). قال الحافظ: وهذا مرسل يتقوّى بشواهده. وقد أخرج
الترمذيّ من وجه آخر، عن ابن عمر أنه سمع رجلًا يقول: والكعبةِ، فقال: لا تحلف
بغير الله، فإني سمعت رسول اللَّه ◌َل يقول: ((من حلف بغير الله فقد كفر"، أو
((أشرك)). قال الترمذيّ: حسنٌ، وصححه الحاكم. والتعبير بقوله: ((فقد كفر))، أو
((أشرك)) للمبالغة في الزجر، والتغليظ في ذلك، وقد تمسّك به من قال بتحريم ذلك،
وهو الحقّ، كما سيأتي في المسألة الرابعة، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما هذا متفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٣٧٩١/٤ و٣٧٩٢ و٣٧٩٣/٥ و٣٧٩٤ و٣٧٩٥ - وفي ((الكبرى)» ٤/