Indexed OCR Text

Pages 201-220

١- (ذِكْرُ اخْتِلَفِ اَلْفَاَظِ النَقِلِينَ ... - حديث رقم ٣٧٠٩
٢٠١
٣٧٠٨- (أَخْبَرَنَا مُوسَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو
حَيَّانَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرِ الْأَنْصَارِيُّ(١)، أَنَّ أُمَّهُ ابْنَةَ رَوَاحَةً،
سَأَلَتْ أَبَاهُ، بَعْضَ الْمَوْهِبَةِ مِنْ مَالِهِ لِإِبْنِهَا، فَالْتَوَى بِهَا سَنَّةً، ثُمَّ بَذَا لَهُ، فَوَهَبَهَا لَهُ،
فَقَالَتْ: لَا أَرْضَى حَتَّى تُشْهِدَ (٢) رَسُولَ اللَّهِ وَِّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أُمَّ هَذَا، ابْنَةَ
رَوَاحَةَ، قَاتَلَتْنِي عَلَى الَّذِي وَهَبْتُ لَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ: ((يَا بَشِيرُ، أَلَكَ وَلَدْ سِوَى
هَذَا؟))، قَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ: ((أَفَكُلُهُمْ وَهَبْتَ لَهُمْ، مِثْلَ الَّذِي وَهَبْتَ لِاِبْنِكَ
هَذَا؟))، قَالَ: لَا، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((فَلَا تُشْهِذْنِي إِذَا، فَإِنِّي لَا أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ))).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه:
موسى بن عبد الرحمن بن سعيد بن مسروق الكنديّ المسروقيّ، أبي عيسى الكوفيّ،
فقد تفرّد به هو، والترمذيّ، وابن ماجه، وهو ثقة، من كبار [١١] ٧٤/ ٩١.
و((أبو أسامة)): هو حماد بن أسامة بن زيد القرشيّ مولاهم الكوفيّ. و((أبو حيّان)):
هو يحيى بن سعيد بن حيّان التيميّ الكوفيّ.
وقوله: ((ابنة رواحة)): هي والدة النعمان بن بشير، عمرة بن رواحة بن ثعلبة
الخزرجيّة، أخت عبد الله بن رواحة الصحابيّ المشهور. ووقع عند أبي عوانة من طريق
عون بن عبد الله أنها بنت عبد الله بن رواحة، والصحيح الأول، وبذلك ذكرها ابن سعد
وغيره، وقالوا: كانت ممن بايع النبيّ وَليل من النساء، وفيها يقول قيس بن الخطيم -
بفتح المعجمة -:
وَعَمْرَةُ مِنْ سَرَوَاتِ النِّسَاءِ تَنْفَحُ بِالْمِسْكِ أَزْدَانُهَا (٣)
وقوله: ((فالتوى بها سنة)) أي تثاقل، وأخر بذلك سنة. وقد تقدّم رواية سنتين، عند
ابن حبّان، ووجه الجمع بينهما بأنه كان زيادة على سنة، فتارة جبره، فقال: سنتين،
وتارة ألغى الكسر، وقال: سنة.
وقوله: ((قاتلتني على الذي وهبت له الخ)) أي نازعتني كثيرًا، وألحّت عليّ في
المطالبة به .
والحديث أخرجه مسلم، وسبق تمام البحث فيه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٧٠٩- (أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حَيَّانَ، عَنِ الشَّغْيِيّ،
(١) سقط من بعض النسخ قوله: ((ابن بشير الأنصاريّ)).
(٢) وفي نسخة: ((حتى يَشْهَدَ)).
(٣) راجع ((الفتح)) ٥٢٩/٥ ((كتاب الهبة)).

٢٠٢
==
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الُخلِ
عَنِ الثَّعْمَانِ، قَالَ: سَأَلَتْ أُمِّي أَبِي، بَعْضَ الْمَوْهِبَةِ، فَوَهَبَهَا لِي، فَقَالَتْ: لَا أَرْضَى حَتَّى
أُشَهِدَ (١) رَسُولَ اللَّهِ لِّ، قَالَ: فَأْخَذَ أَبِي بِيَدِي، وَأَنَا غُلَامٌ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ بِهِ، فَقَالَ:
يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أُمَّ هَذَا، ابْنَةَ رَوَاحَةَ، طَلَبَثْ مِنِّي(٢) بَعْضَ الْمَوْهِبَةِ، وَقَدْ أَعْجَبَهَا، أَنْ
أَشْهِدَكَ عَلَى ذَلِكَ، قَالَ: ((يَا بَشِيرُ، أَلَكَ ابْنٌ غَيْرُ هَذَا؟))، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: ((فَوَهَبْتَ لَهُ
مِثْلَ مَا وَهَبْتَ لِهَذَا؟))، قَالَ: لَا، قَالَ: ((فَلَا تُشْهِذْنِي إِذَا، فَإِنِّي لَا أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ))).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: ((أبو داود)): هو سليمان بن سيف الحرّاني الثقة
[١١]. و((يعلى)): هو ابن عبيد الطنافسيّ الكوفيّ الثقة إلا في روايته عن الثوري، ففيه
لین من كبار [٩].
وقولها: ((حتى أُشهد رسول اللَّه ◌ِّر الخ)) بضم حرف المضارعة، أي قالت أمه: لا
أرضى بهذه العطية إلا أن أُشهد عليها رسول اللَّه وَلّ. وفي نسخة ((حتى تُشهد)) بتاء
المخاطب.
وقوله: ((أخذ بيدي)) لا تنافي بينه وبين ما تقدّم من قوله: ((فانطلق به أبوه يحمله))
لإمكان حمله على أنه حمله على رأسه في بعض الطريق، وأخذ بيده في بعض الطريق.
وقوله: ((طلبت مني الخ)) ولفظ ((الكبرى)): ((زاولتني)) وهو بمعنى المطالبة.
والحديث أخرجه مسلم، وسبق القول فيه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٧١٠- (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا
إِسْمَاعِيلُ، عَنْ عَامِرٍ، قَالَ: أُخِرْتُ أَنَّ بَشِيرَ بْنَ سَعْدٍ، أَتَى رَسُولَ اللَّهِ وَلِ، فَقَالَ: يَا
رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ امْرَأَتِي عَمْرَةَ بِنْتَ رَوَاحَةَ، أَمَرَتْنِ أَنْ أَتَصَدَّقَ عَلَى ابْنِهَا نُعْمَانَ بِصَدَقَةٍ،
وَأَمَرَتْنِي أَنْ أُشْهِدَكَ عَلَّى ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيِّ ◌َِّ: ((هَلْ لَكَ بَثُونَ سِوَاهُ؟))، قَالَ: نَعَمْ،
قَالَ: ((فَأَعْطَيْتَهُمْ مِثْلَ مَا أَعْطَيْتَ لِهَذَا؟(٣)))، قَالَ: لَا، قَالَ: ((فَلَا تُشْهِذْنِ عَلَى جَوْرٍ»).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((أحمد بن سليمان)): هو الرُّهاويّ الثقة الحافظ.
و((محمد بن عُبيد)): هو الطنافسيّ الكوفيّ، وهم إخوة خمسة بنو عبيد: محمد، ويعلى
المذكور في السند السابق، وعمر، وإدريس، وإبراهيم، وكلهم ثقات، وأبوهم أيضًا
ثقة قاله الدارقطنيّ .
[تنبيه]: وقع في بعض النسخ: ((محمد بن عبيد الله)) بدل ((محمد بن عبيد))، وهو
(١) وفي نسخة: ((حتى تُشهِدَ)).
(٢) وفي نسخة إسقاط لفظة ((متّ)). وفي أخرى: ((زاولتني))، وفي أخرى)): ((راودتني))،
والمزاولة، والمراودة كلاهما بمعنى المطالبة.
(٣) وفي نسخة: ((هذا) بحذف اللام.

١- (ذِكْرُ اخْتِلاَفِ الْفَاظِ النَّقِلِينَ ... - حديث رقم ٣٧١١
٢٠٣
غلط. فتنبه.
و((إسماعيل)): هو ابن أبي خالد. و((عامر)): هو الشعبيّ.
وقوله: ((أخبرت)) بالبناء للمجهول، وهذا لا يضرّ بصحة الحديث، فإنه تقدّم أن
الشعبيّ قال: حدثني النعمان بن بشير، فتبيّن أن مخبره هو النعمان.
وقوله: ((أن أتصدّق بصدقة الخ)» هو النُّخْلُ المتقدّم، سمّاه صدقة تجوّزًا، قاله القرطبيّ.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: كذا قال بعضهم: إن تسميته صدقة تجوّز، وليس كما
قال، بل هو صدقة حقيقة، فقد ثبت في غير هذا الحديث تسميته صدقة، فقد تقدم
للمصنف برقم - ٢٥٣٥- في ((كتاب الزكاة)) حديث أبي هريرة رَميه بإسناد حسن،
قال: قال رسول اللَّه ◌َله: ((تصدقوا))، فقال رجل: يا رسول الله عندي دينار، قال:
((تصدق به على نفسك))، قال: عندي آخر، قال: ((تصدق به على زوجتك))، قال عندي
آخر، قال: ((تصدق به على ولدك))، قال: عندي آخر: ((قال: «تصدق به على
خادمك))، قال عندي آخر: ((قال: ((أنت أبصر)). والله تعالى أعلم.
والحديث صحيح، وقد سبق تمام البحث فيه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٧١١- (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَكَرِيًّا، عَنْ
عَامِرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ ح وَأَنْبَأْنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم، قَالَ: أَنْبَأَنَا(١)
حِبَّانَ، قَالَ أَنْبَنَا(٢) عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ زَكَرِيًّا، عَنِ الشَّعْبِيّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ،
أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّنَّهِ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: أَتَى النَّبِيِّ ◌َِّ، فَقَالَ: إِنِّي تَصَدَّقْتُ عَلَى ابْنِي
بِصَّدَقَةٍ، فَاشْهَدْ، فَقَّالَ: ((هَلْ لَكَ وَلَدْ غَيْرُهُ؟))، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: ((أَعْطَيْتَهُمْ كَمَا
أَعْطَيْتَهُ))، قَالَ: لَا، قَالَ: ((أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ؟))).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((محمد بن حاتم)) هو: ابن نعيم المروزي الثقة من
أفراد المصنف. و((حبان)) بالكسر، هو ابن موسى المروزي. و((عبد الله)) هو: ابن
المبارك الإمام المشهور. و((أبو نعيم)): هو الفضل بن دُكين. و((زكريا)): هو ابن أبي
زائدة. و((عبد الله بن عتبة بن مسعود)): هو الْهُذليّ، ابن أخي عبد الله بن مسعود، وُلد
في عهد النبيّ وَّه ووثقه العجليّ، وجماعة، وهو من كبار [٢] ٩٨٨/٦٦.
وقوله: ((أن رجلًا جاء إلى النبيّ وَّ الخ)) هو بشير بن سعد، والد النعمان، فقد
أخرج الحديث أحمد في («مسنده)) ج٤/ ص٢٧٦، فقال:
(١) وفي نسخة: ((ثنا))، وفي أخرى: ((أنا)).
(٢) وفي نسخة: ((ثنا))، وفي نسخة: ((أنا)).

٢٠٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ النُّخل
حدثنا وكيع، عن إسماعيل، عن الشعبي، وزكريا، عن الشعبي، عن عبد الله بن
عتبة، وفطرٍ(١)، عن أبي الضحى، عن النعمان بن بشير، أن بشيرا أتى النبي وَّر، أراد
أن ينحل النعمان نُخْلًا، قال: فقال النبي وَّه: ((هل لك من ولد سواه؟))، قال: نعم،
قال: ((فكلهم أعطيت ما أعطيته؟))، قال: لا، قال فطر: فقال له النبي وَلّ: هكذا، أي
سَوِّ بينهم. وقال زكريا، وإسماعيل: ((لا أشهد على جور)).
فدلّ أن الرجل المبهم في رواية المصنّف هو بشير بن سعد تَشْه .
وقوله: ((أشهد على جور)) هكذا نسخ ((المجتبى))، وهو على تقدير أداة الاستفهام،
أي أأشهد على جور؟، والاستفهام للإنكار، ولفظ ((الكبرى)): ((لا أشهد على جور)»،
وهو واضح.
والحديث صحيح. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو
حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٧١٢- (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ يَخْتِى، عَنْ فِطْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُسْلِمُ بْنُ
صُبَيْحٍ، قَالَ سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ، يَقُولُ: ذَهَبَ بِي أَبِي، إِلَى النَّبِيِّ وََّ، يُشْهِدُهُ عَلَى
شَيْءٍ أَغْطَانِهِ، فَقَالَ: ((أَلَكَ وَلَدٌ (٢) غَيْرُهُ؟))، قَالَ: نَعَمْ، وَصَفَّ بِيَدِهِ بِكَفْهِ أَمَعَ كَذَا،
((أَلَا سَوَيِتَ بَيْنَهُمْ))).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال الإسناد كلهم رجال الصحيح. و((عبيد الله بن
سعيد)): هو أبو قُدامة السرخسيّ. و((يحيى)): هو ابن سعيد القطّان. و((فطر)): هو ابن
خليفة المخزوميّ مولاهم، أبو بكر الحنّاط الكوفي، صدوق، رمي بالتشيع [٥] ٥٪
٨٨٢. ((ومسلم بن صُبيح)) بضم الصاد المهملة: هو أبو الضُّحى الكوفيّ العطّار،
مشهور بكنيته، ثقة فاضل [٤] ٩٦/ ١٢٣.
وقوله: ((وصف بيده بكفّه أجمع كذا)) قال السنديّ رحمه اللّه تعالى: لعله كناية عن
إشارة النفي، أو التسوية انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: لفظ أحمد في ((مسنده)): فقال له النبيّ وَّ هكذا،
أي سَوْ بينهم))، فيستفاد منه أن الذي صفْ بكفّه هو النبيّ وَّه والإشارة إلى التسوية،
أي أشار إلى التسوية بكفّه، وقال بلسانه: ((ألا سوّيت بيهم؟)).
وقوله ((ألا سويت الخ)) ((ألا فيه)) أداة تحضيض. والحديث صحيح، وسبق تمام البحث
فيه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
(١) قوله: ((وفطر)) بالجرّ عطفًا على إسماعيل، فوكيع يروي عنهما.
(٢) وفي نسخة: ((لك ولد)).

١- (ذِكْرُ اخْتِلاَفِ أَلْفَاَظِ النَقِلِينَ ... - حديث رقم ٣٧١٤
٢٠٥ ===
٣٧١٣- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم، قَالَ: أَنْبَنَا حِبَّانُ، قَالَ: أَنْبَأَنَا(١) عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ
فِطْرٍ، عَنْ مُسْلِمٍ بْنِ صُبَيْحٍ، قَالَ: سَمِّعْتُ الثَّعْمَانَ، يَقُولُ - وَهُوَ يَخْطُبُ -: انْطَلَقَ بِي أَبِي
إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَ، يُشْهِدُهُ عَلَى عَطِيَّةٍ أَعْطَانِيهَا، فَقَالَ: ((هَلْ لَكَ بَنُونَ سِوَاهُ؟»، قَالَ:
نَعَمْ، قَالَ: ((سَوْ بَيْتَهُمْ)).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((محمد بن حاتم)) هو: ابن نعيم المروزي.
و((حبّان)): بكسر المهملة ابن موسى المروزيّ. و((عبد الله)): هو ابن المبارك.
والحديث صحيح، سبق الكلام فيه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع،
والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٧١٤- (أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ
ابْنُ زَيْدٍ، عَنْ حَاجِبٍ بْنِ الْمُفَضَّلِ بْنِ الْمُهَلَّبِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ الثَّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ،
يَخْطُبُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ (٤): ((اعْدِّلُوا بَيْنَ أَبْنَائِكُمُ، اعْدِلُوا بَيْنَ أَبْنَائِكُمْ))).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((يعقوب بن سفيان)) بن جُوان الفارسيّ، أبو يوسف
ابن أبي معاوية الْفَسَويّ، ثقة حافظ [١١].
قال النسائيّ، ومسلمة بن قاسم: لا بأس به. وذكره ابن حبّان في ((الثقات))، وقال:
كان ممن جمع، وصنّف، مع الورَع، والنُّسُك، والصلابة في السنّة. وقال الحاكم: كان
إمام أهل الحديث بفارس، قرأت بخطّ أبي عمرو المستملي: حدّثنا أبو يوسف يعقوب
ابن سفيان في مجلس محمد بن يحيى سنة إحدى وأربعين، قال الحاكم: فأما سماعه،
ورحلته، وأفراد حديثه فأكثر من أن يمكن ذكرها.
وقال محمد بن يزيد العطّار: سمعت يعقوب بن سفيان يقول: كنت في رحلتي،
فقلت نفقتي، فكنت أدمن الكتابة ليلًا، وأقرأ نهارًا، فلما كان ذات ليلة، كنت جالسًا
أنسخ في السراج، وكان شتاء، فنزل الماء في عيني، فلم أبصر شيئًا، فبكيت على
نفسي؛ لانقطاعي عن بلدي، وعلى ما فاتني من العلم، فغلبتني عيناي، فنمتُ، فرأيت
النبيّ گلژ في النوم، فناداني: یا يعقوب، لم بكيت؟ فقلت: يا رسول الله ذهب بصري،
فتحسّرتُ على ما فاتني، فقال لي: ادنُ منّي، فدنوت منه، فأمرّ يده على عيني، كأنه
يقرأ عليهما، ثم استيقظت، فأبصرت، فأخذت نُسَخي، وقعدت أكتب.
وقال أبو زرعة الدمشقيّ: قدم علينا رجلان من نُبَلاء الناس: أحدهما، وأرحلهما
يعقوب بن سفيان، يَعجز أهل العراق أن يروا مثله رجلًا، وكان يحيى في ((التاريخ))
ينتخب منه، وكان نبيلاً، جليل القدر، فبينا أنا قاعد في المسجد، إذ جاءني رجلٌ من
(١) وفي نسخة: ((حدّثنا))، وفي أخرى: ((أخبرنا)).
(٢) وفي نسخة: ((قال: سمعت رسول اللّه ◌َلل يقول ... )).

٢٠٦ =
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الُخلِ
أهل خراسان، فقال لي: أنت أبو زرعة؟ قلت: نعم، فجعل يسألني عن هذه الدقائق،
فقلت: من أين جمعت هذه؟ قال: هذه كتبناها عن يعقوب بن سفيان، عنك. وقال
أبو بكر الإسماعيليّ: حدّثنا محمد بن داود بن دينار، حدثنا يعقوب بن سفيان العبد
الصالح. وقال أبو الشيخ: حُكي عن أبي محمد بن أبي حاتم، قال: قال لي أبي: ما
فاتك من المشايخ، فاجعل بينك وبينهم يعقوب بن سفيان، فإنك لا تجد مثله. وقال
أبو عبد الرحمن النَّهاوَنْديّ: سمعت يعقوب بن سفيان يقول: كتبت عن ألف شيخ
وكَسْرٍ، كلهم ثقات. وقال أبو إسحاق بن حمزة، عن أبيه، قال: قال لي يعقوب بن
سفيان: قمت في الرحلة ثلاثين سنة. وذكر عبد الله بن جعفر درستويه النحويّ، وهو
راويته: إنه أخبره أنه رحل سنة تسع عشرة إلى دمشق، وحمص، وفلسطين. وقال ابن
يوسف: قَدِم مصر مرّتين، الثانية سنة تسع وعشرين، وكُتب عنه بها. وقال محمد بن
إسحاق بن ميمون الْفَسَويّ، عن عبدان بن محمد المروزيّ: رأيت يعقوب بن سفيان
في النوم، فقلت: ما فعل الله بك؟ قال غفر لي، وأمرني أُحدّث في السماء، كما كنت
أُحدث في الأرض. قال ابن أبي حاتم، وغير واحد: مات سنة (٢٧٧)، وأرخه ابن
حبّان في ((الثقات)) سنة ثمانين، أو إحدى وثمانين. روى عنه المصنّف، والترمذيّ، وله
عند المصنّف في هذا الكتاب حديث الباب فقط.
و((سليمان بن حرب)): هو الأزديّ البصريّ القاضي بمكة الثقة الإمام الحافظ [٩]
٢٨٨/١٨١ .
و ((حماد بن زيد)): هو أبو إسماعيل البصريّ الثقة الثبت الفقيه، من كبار [٨] ٣/٣.
و ((حاجب بن المُفَضَّل بن المهلَّب)) بن أبي صُفْرة، ثقة، قديم من أصحاب عمر بن
عبد العزيز [٦] .
روى عن أبيه. وعنه حمّاد بن زيد. قال سليمان بن حرب: كان عامل عمر بن
عبد العزيز على عُمَانَ. وقال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ثقة. وذكره ابن حبّان
في ((الثقات)). روى له المصنّف، وأبو داود، وله عندهما حديث الباب فقط.
[تنبيه]: وقع هنا في نسخ ((المجتبى))، و((الكبرى)) ((جابر بن المفضّل)) -بالجيم- بدل
((حاجب))، وهو تصحيفٌ فاحش، والصواب ((حاجب)) -بالحاء المهملة، بعدها ألف،
ثم جيم، وآخره باء موحّدة، وهو الذي في النسخة الهنديّة، ولا يوجد في الرواة أصلًا
من اسمه ((جابر بن المفضّل)). فتنبه.
و(«أبوه)) المفضّل بن المهَلّب بن أبي صُفرة الأزديّ، أبو غسّان البصريّ، صدوقٌ،
من مشاهير الأمراء [٤] .

٣١- (كِتَابُ الْهِبةِ)
٢٠٧ ==
روى عن النعمان بن بشير، وعنه ابنه حاجب، وثابت البنانيّ، وجرير بن حازم.
ذكره ابن حبّان في ((الثقات)). قُتل سنة (١٠٢). تفرّد به المصنّف، وأبو داود بحديث
الباب فقط .
والحديث صحيح، وقد سبق القول فيه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع،
والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلتُ، وإليه
أنیب)) .
٣١- (كِتَابُ الْهِبَةِ)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((الْهِبَةُ)) -بكسر الهاء، وتخفيف الباء الموحدة -:
مصدرٌ، يقال: وهبت لزيد مالًا أَهَبُهُ له هِبَةَ: أعطيته بلا عِوَض، يتعدّى إلى الأول
باللام، وفي التنزيل العزيز: ﴿يَهَبُ لِمَنْ كَشَاءُ إِنَئًا وَبَهَبُ لِمَن يَشَآءُ الذُّكُرَ﴾
[الشورى: ٤٩]، وَوَهَبًا -بفتح الهاء، وسكونها- ومَوْهِبًا، ومَوْهِبَةً -بكسرهما -. قال
ابن الْقُرطيّة، والسَّرَقُسْطِيُّ، والْمُطَرِّزِيُّ، وجماعةٌ: ولا يتعدّى إلى الأول بنفسه، فلا
يقال: وهبتُكَ مالًا، والفُقهاء يقولونه، وقد يُجعل له وجهٌ، وهو أن يُضَمَّن وَهَبَ معنى
جَعَلَ(١)، فيتعدّى بنفسه إلى مفعولين، ومن كلامهم: وهبَني اللَّه فِدَاءَكَ(٢): أي
جعلني، لکن لم يُسمع في کلام فَصِیح. وزيد موهوب له، والمال موهوب، واتّهبتُ
الهبةَ: قَبِلتها، واستوهبتها: سألتها، وتواهبوا: وهب بعضهم بعضًا. قاله الفيّوميّ.
وقال في ((الفتح)): والهبة: تطلق بالمعنى الأعمّ على أنواع الإبراء، وهو هبة الدين
ممن هو عليه، والصدقة، وهي هبة ما يتمخّض به طلب ثواب الآخرة، والهديّة، وهي
ما يُكرم به الموهوب له. ومن خصها بالحياة أخرج الوصيّة، وهي تكون أيضًا بالأنواع
الثلاثة. وتُطلق الهبة بالمعنى الأخصّ على ما لا يُقصد له بدل، وعليه ينطبق قولُ من
(١) اعترضه بعضهم بأن ((جعل)) الناصبة مفعولين لا يمكن تضمين معناها وهب، لأنه يشترط أن يكون
مفعولاها مبتدأ وخبرًا في الأصل، والمال لا يُخبر به عن زيد، ولو قال: بتضمين وهب معنى
أعطى لكان أقرب إلى الصواب. اهـ من هامش ((المصباح المنير».
(٢) وهب هنا بمعنى صيّر، ولا يصح أن يقال: وهبت زيدًا مالًا بمعنى صيّرت زيدًا مالًا.

شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْهِبَةِ
٢٠٨
=
عرّفَ الهبةَ بأنها تمليكٌ بلا عِوَض. انتهى(١). والله تعالى أعلم بالصواب.
١- (هِبَةُ الْمُشَّاعِ)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ظاهر ترجمة المصنف رحمه الله تعالى أنه یری جواز
هبة المشاع، وهو الحقّ، وفيه اختلاف بين العلماء سيأتي تحقيقه في المسألة الرابعة، إن
شاء الله تعالى.
و((الْمُشَاعُ)) : -بضم الميم -: الشيء الذي ليس بمقسوم، ويقال: فيه أيضًا: شائعٌ،
وشَاعِ، قال في ((اللسان)): ويقال: نَصِيبُ فلان شائع في جميع هذه الدار، ومُشاعٌ فيها:
أي ليس بمقسوم، ولا مَعزول. قال الأزهريّ: إذا كان في جميع الدار، فاتّصل كلّ جزء
منه بكلّ جزء منها، قال: وأصل هذا من الناقة، إذا قطّعَت بولها، قيل: أوزَغَت به
إيزاغًا، وإذا أرسلته إرسالًا متصلًا، قيل: أشاعت. وسَهْمٌ شائعٌ: أي غير مقسوم،
وشاعْ أيضًا، كما يقال: سائرُ اليوم، وسارُهُ. قال ابن بَرِيّ: شاهده قول ربيعة بن
مَقْرُوم:
لَهُ وَهَجْ مِنَ الثّقْرِيبِ شَاعُ
أي شائعٌ، ومثله:
خَفَضُوا أَسِنَّتَهُمْ فَكُلِّ نَاعُ
أي نائعٌ، وما في هذه الدار سهمٌ شائعٌ، وشَاعٍ، مقلوب عنه، أي مُشتهرٌ منتشرٌ.
انتهى(٢). والله تعالى أعلم بالصواب.
٣٧١٥- (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ يَزِيدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، قَالَ: حَذَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ
سَلَمَةَ، عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدْهِ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ
رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ، إِذْ أَتَتْهُ وَقْدُ هَوَازِنَ، فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّا أَصْلٌّ، وَعَشِيرَةٌ، وَقَدْ نَزَّلَ بِنَا
مِنَ الْبَلَاءِ مَا لَا يَخْفَى عَلَيْكَ، فَامْنُنْ عَلَيْنَا، مَنَّ اللَّهُ عَلَيْكَ، فَقَالَ: ((اخْتَارُوا مِنْ أَمْوَالِكُمْ،
أَوْ مِنْ نِسَائِكُمْ وَأَبْنَائِكُمْ))، فَقَالُوا: قَدْ خَيْرْتَنَا بَيْنَ أَحْسَابِتَا، وَأَمْوَالِنَا، بَلْ نَخْتَارُ نِسَاءَنَا،
وَأَبْنَاءَنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ بَّهِ: ((أَمَّا مَا كَانَ لِي، وَلِبَنِي عَبْدِ الْمُطْلِبِ، فَهُوَ لَكُمْ، فَإِذَا
صَلَّيْتُ الظُّهْرَ، فَقُومُوا، فَقُولُوا: إِنَّا نَسْتَعِينُ بِرَسُولِ اللَّهِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ)) - أَوِ الْمُسْلِمِينَ-
(١) ((فتح)) ٥٠٩/٥ (كتاب الهبة)).
(٢) ((لسان العرب)) ٨ص١٩١.

٢٠٩
١- (هبةُ الْمُشَاع) - حديث رقم ٣٧١٥
فِي نِسَائِنَا، وَأَبْنَائِنَا))، فَلَمَّا صَلَّوًا الظُهْرَ قَامُوا، فَقَالُوا ذَلِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: ((فَمَّا
كَانَ لِي، وَلِيَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَهُوَ لَكُمْ))، فَقَالَ الْمُهَاجِرُونَ: وَمَا كَانَ لَنَا، فَهُوَ لِرَسُولٍ
اللَّهِ وَِّ، وَقَالَتِ الْأَنْصَارُ: مَا كَانَ لَنَا، فَهُوَ لِرَسُولِ اللَّهِ وَِّ، فَقَالَ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ: أَمَّا
أَنَا، وَبَنُو تَمِيم فَلَا، وَقَالَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ: أَمَّا أَنَا وَبَنُو فَزَارَةَ فَلَا، وَقَالَ الْعَبَّاسُ بْنُ
مِزْدَاسٍ: أَمَّا أَنَا وَبَنُو سُلَيْم فَلَا، فَقَامَتْ بَتُو سَّلَيْمِ، فَقَالُوا: كَذَبْتَ، مَا كَانَ لَنَا فَهُوَ لِرَسُولٍ
اللَّهِ وَلِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((يَا أَّهَا النَّاسُ، رُدُّوا عَلَيْهِمْ نِسَاءَهُمْ وَأَبْتَاءَهُمْ، فَمَنْ
تَمَسَّكَ مِنْ هَذَا الْفَيْءِ بِشَيْءٍ، فَلَهُ سِتُّ فَرَائِضَ، مِنْ أَوَّلِ شَيْءٍ يُفِيتُهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْنَا»،
وَرَكِبَ رَاحِلَتَهُ، وَرَكِبَ النَّاسُ، اقْسِمْ عَلَيْنَا فَيْئَنَا، فَأَلْجَثُوهُ إِلَّى شَجَرَةٍ، فَخَطِفَتْ رِدَاءَهُ،
فَقَالَ: ((يَا أَّهَا النَّاسُ، رُدُّوا عَلَيَّ رِدَائِي، فَوَاللَّهِ لَوْ أَنَّ لَّكُمْ شَجَرَ تِهَامَةَ نَعَمَا، قَسَمْتُهُ
عَلَيْكُمْ، ثُمَّ لَمْ تَلْقَوْنِي بَخِيلًا، وَلَّا جَبَانًا، وَلَا كَذُوبًا))، ثُمَّ أَتَى بَعِيرًا، فَأَخَذَ مِنْ سَنَامِهِ
وَبَرَةً، بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ، ثُمَّ يَقُولُ: ((هَا إِنّهُ لَيْسَ لِي مِنَ الْفَيْءِ شَيْءٌ، وَلَا هَذِهِ، إِلَّا خُمُسٌ،
وَالْخُمُسُ مَرْدُودٌ فِيَكُمْ))، فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ بِكُبَّةٍ مِنْ شَعْرٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخَذْتُ هَذِهِ
لِأُصْلِحَ بِهَا بَرْدَعَةَ بَعِيرٍ لِي، فَقَالَ: ((أَمَّا مَا كَانَ لِي، وَلِبَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَهُوَ لَكَ))، فَقَالَ:
أَوَبَلَغَتْ هَذِهِ؟، فَلَا أَرَبَ لِي فِيهَا، فَنَذَهَا، وَقَالَ: ((يَا أَيََّا النَّاسُ، أَدُوا الْخِيَاطَ،
وَالْمِخْيَطَ، فَإِنَّ الْغُلُولَ يَكُونُ عَلَى أَهْلِهِ، عَارًا وَشَتَارًا، يَوْمَ الْقِيَّامَةِ))).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١- (عمرو بن يزيد) أبو بُرَيد - بموحدة، وراء مصغّرًا- الْجَرْميْ، صدوقٌ [١١]
١٣٠/١٠٠ . من أفراد المصنّف.
[تنبيه]: وقع في ((النسخ المطبوعة من ((المجتبى))، و((الكبرى)) ((عمرو بن زيد))، وهو
غلطّ، والصواب كما في ((الهنديّة)): عمرو بن يزيد)) بالياء التحتيّة. فتنبه. والله تعالى أعلم.
٢- (ابن أبي عدي) محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ، أبو عمرو البصريّ، ثقة [٩]
١٧٥/١٢٢ .
٣- (حماد بن سلمة) بن دينار، أبو سلمة البصري، ثقة عابد [٨] ٢٨٨/١٨١.
٤- (محمد بن إسحاق) بن يسار، أو بكر المطلبيّ مولاهم المدنيّ، نزيل العراق،
إمام المغازي، صدوقٌ، يدلّس، ورمي بالتشيّع، والقدر، من صغار [٥] ٤٨٠/٥.
٥- (عمرو بن شعيب) المدني، أو الطائفي، صدوق [٥] ١٤٠/١٠٥.
٦- (أبوه) شعيب بن محمد بن عبد الله، صدوق [٣] ١٤٠/١٠٥.
٧- (جذّه) عبد الله بن عمرو بن العاص رضي اللّه تعالى عنهما ١١١/٨٩. والله
تعالى أعلم.

٢١٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْهِبَةِ
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سباعيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
ثقات. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، ورواية الراوي عن أبيه، عن جدّه. والله
تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ) شُعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو (عَنْ جَدِهِ)
عبد الله بن عمرو بن العاص رضي اللَّه تعالى عنهما، أنه (قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللّهِ
وَ﴿)، إِذْ أَتَتْهُ وَفْدُ هَوَازِنَ) الوفد - بفتح، فسكون- قال ابن الأثير: الوفد: هم القوم
الذين يجتمعون، ويَرِدون البلادَ، واحدهم وافدٌ، وكذلك الذين يقصدون الأمراء
لزيارة، واسترفاد، وانتجاع، وغير ذلك، تقول: وَفَدَ يَفِدُ، من باب وَعَدَ، فهو وافدٌ،
وأو فدته فوفد، وأوفد على الشيء، فهو مُوفدٌ: إذا أشرف انتهى(١). و((هَوَازن)) -بفتح
الهاء، وتخفيف الواو -: اسم قبيلة مشهورة، وكانوا في حُنين، وهو واد وراء عرفة،
دون الطائف. وقيل: بينه وبين مكة ليال. وغزوة هوازن تسمّى غزوة حنين، وكانت
الغنائم فيها من السبي والأموال أكثر من أن تُحصى.
وفي حديث مروان بن الحكم، والمسور بن مخرّمة عند البخاري: أن رسول اللَّه وَله
قام حين جاءه وفد هوازن مسلمين. وقد ساق القصّة موسى بن عقبة مطوّلةً، ولفظه:
((ثم انصرف رسول اللّه وَ لقر من الطائف في شوّال إلى الجغرانة، وبها السبي - يعني سبي
هوازن، وقدمت عليه وفد هوازن مسلمين، فيهم تسعة نفر من أشرافهم، فأسلموا،
وبايعوا، ثم كلّموه، فقالوا: يا رسول اللّه، إن فيمن أصبتم الأمهات، والأخوات،
والعمّات، والخالات، وهنّ مَخَازي الأقوام، فقال: سأطلب لكم، وقد وقعت
المقاسم، فأيّ الأمرين أحب إليكم، السبيُ، أم المال؟، قالوا: خيّرتنا يا رسول الله بين
الحسب والمال، فالحسب أحبّ إلينا، ولا نتكلّم في شاة، ولا بعير، فقال: أما الذي
لبني هاشم، فهو لكم، وسوف أكلّم لكم المسلمين، فكلّموهم، وأظهروا إسلامكم،
فلما صلّى رسول اللّه ◌َ ل ل الهاجرة، قاموا، فتكلّم خطباؤهم، فأبلغوا، ورغبوا إلى
المسلمين في ردّ سبيهم، ثم قام رسول اللَّه بَّر حين فرغوا، فشفع لهم، وحضّ
المسلمين عليه، وقال: قد رددت الذي لبني هاشم عليهم)).
فاستُفيد من هذه القصّة عدد الوفد، وغير ذلك مما لا يخفى. وممن سُمّي من وفد
(١) ((النهاية)) ٢٠٩/٥.

٢١١
١- (هبةُ المُشَاع) - حديث رقم ٣٧١٥
هوازن زُهيربن صُرد، وأبو مروان، ويقال: أبو ثَزْوان، أوله مثلثةٌ بدل الميم، ويقال
بموحّدة، وقاف، وهو عمّ النبيّ وَّر من الرضاعة. ذكره ابن سعد. قاله في ((الفتح)).
(فَقَالُوا) ذكر ابن إسحاق تعيين الذي خطب لهم في ذلك، ولفظه: ((وقام خطيبهم
زُهير بن صُرَد، فقال: يا رسول الله، إن اللواتي في الحظائر من السبايا خالاتك،
وعمّاتك، وحواضنك اللاتي كنّ يكفلنك، وأنت خير مكفول، ثم أنشده الأبيات
المشهورة، أولها :
فَإِنَّكَ الْمَرْءُ تَرْجُوهُ وَتَدَّخِرُ
امْنُنْ عَلَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ فِي ◌َرَمِ
يقول فيها :
امْتُنْ عَلَى نِسْوَةٍ قَدْ كُنْتَ تَرْضَعُهَا إِذْ قُوكَ تَمْلَؤُهُ مِنْ مَحْضِهَا الدَّرَرُ(١)
(يَا مُحَمَّدُ، إِنَّا أَضْلٌ) أي أصل من أصول العرب (وَعَشِيرَةٌ) بفتح، فكسر - القبيلة،
ولا واحد لها من لفظها، والجمع عَشِيرات، وعشائر، أي نحن أي قبيلة من قبائل
العرب، ذات سيادة، وشرف (وَقَدْ نَزَلَ بِنَا مِنَ الْبَلَاءِ مَا لَا يَخْفَى عَلَيْكَ) أي بسبب
امتناعهم عن الإسلام، ومحاربتهم المسلمين (فَامْتُنْ عَلَيْتَا) - بضمّ النون الأولى، يقال:
منّ عليه بالعتق وغيره مَنَّا، من باب قتل، وامتنّ عليه به أيضًا: أنعم عليه به، والاسم
الْمِنَّةُ بالكسر، والجمعُ مِنَنٌ، مثلُ سدرة وسِدَر. قاله الفيّومي (مَنَّ اللَّهُ عَلَيْكَ) الظاهر
أنها جملة دعائيّة، ويحتمل أن يكون مصدرًا منصوبًا على أنه مفعول مطلقٌ نوعيّ، وهو
مضافٌ إلى اسم الجلالة، أي كمِنَ اللَّه تعالى عليك، فهو قريب من قوله تعالى:
﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكٌ﴾ الآية [القصص: ٧٧] (فَقَالَ) بَرِ (اخْتَارُوا مِنْ
أَمْوَالِكُمْ) قال السنديّ: لعله زاد ((من)) للدلالة على أنه يرد عليهم من أموالهم، أو
نسائهم ما يتيسّر ردّه، إذ العادة أنه لا يتيسّر رذ الكلّ انتهى (أَوْ مِنْ نِسَائِكُمْ) وفي نسخة
حذف ((من)) (وَأَبْتَائِكُمْ، فَقَالُوا: قَدْ خَيْرْتَنَا بَيْنَ أَحْسَابِنَا) جمع حَسَبٍ - بفتحتين -: هو ما
١
يُعدّ من المآثر، وهو مصدرُ حَسُبَ، وزان شَرُف شَرَفًا، وكَرُمَ كَرَمًا. قال ابن السّكّيت:
الحَسَبُ، والكرَمُ يكونان في الإنسان، وإن لم يكن لآبائه شَرَفٌ، ورجلٌ حَسِيبٌ كريمٌ
بنفسه، قال: وأما المجد، والشرّفُ، فلا يوصف بهما الشخص، إلا إذا كان فيه، وفي
آبائه. ذكره الفيوميّ (وَأَمْوَالِنَا، بَلْ نَخْتَارُ نِسَاءَنَا، وَأَبْنَاءَنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ: ((أَمَّا مَا كَانَ
لِي، وَلِبَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَهُوَ لَكُمْ) هذا محلّ الترجمة، حيث يدلّ على جواز هبة المشاع،
وذلك أن الذي وهبه لهم النبيّ وَّ مما يخصّه، وبني عبد المطلب شيء مشاع.
(١) ((فتح) ٣٥١/٨ ((كتاب المغازي)).

٢١٢
=
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْهِبَةِ
وقال السنديّ: كأنه أخذ منه هبة المشاع، لكن الظاهر أن الموهوب ههنا، وإن كان
مشاعًا نظرًا إلى ظاهر الكلام بين الواهب وغيره، لكن بالتحقيق نصيب كلّ ممتاز عن
نصيب غيره، فلا شيوع، ثم لا شيوع بالنظر إلى الموهوب له، بل الكلّ هبةٌ لهم على
التوزيع، بأن يكون لكلّ زوجته وأولاده، إلا أن يُعتبر صورة الشيوع في الطرفين، أو
أحدهما، فليُتأمّل انتھی.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: كونه مشاعًا ظاهر، فالأولى في التوجيه ما قدّمته.
والله تعالى أعلم بالصواب.
(فَإِذَا صَلَّيْتُ) وفي نسخة: ((صليتم)) (الظُّهْرَ، فَقُومُوا، فَقُولُوا: إِنَّا نَسْتَعِينُ بِرَسُولِ اللَّهِ
عَلَى الْمُؤْمِنِينَ)) - أَوِ الْمُسْلِمِينَ) ((أو)) فيه للشكّ من الراوي (فِي نِسَائِنَا، وَأَبْنَائِنَا) وفي
نسخة: ((وأموالنا)) (فَلَمَّا صَلَّوًا الظُّهْرَ قَامُوا، فَقَالُوا ذَلِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((فَمَا كَانَ
لِي، وَلِيَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبٍ، فَهُوَ لَكُمْ))، فَقَالَ الْمُهَاجِرُونَ: وَمَا كَانَ لَنَا، فَهُوَ لِرَسُولِ اللَّهِ
وَ﴿) إنما قالوا ذلك إرضاء له وَلّر، والمراد أنه يردّه عليهم (وَقَالَتِ الْأَنْصَارُ: مَا كَانَ لَنَا،
فَهُوَ لِرَسُولِ اللَّهِ وَّهِ، فَقَالَ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ: أَمَّا أَنَا، وَبَثُو تَمِيمٍ فَلَا أي فلا نردّ ما أخذنا
من الغنيمة (وَقَالَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنِ: أَمَّا أَنَّاً وَبَتُو فَزَارَةَ فَلَا، وَقَالَ الْعَبَّسُ بْنُ مِرْدَاسٍ: أَمَّا
أَنَا وَبَتُو سُلَيْم فَلَا، فَقَامَتْ بَنُو سُلُيْمِ، فَقَالُوا: كَذَبْتَ) ردّ عليه، وإنكار لما قاله معرضًا
عن شفاعة رَسّول اللَّه ◌ِِّ (مَا كَانَ لَنَّا فَهُوَ لِرَسُولِ اللَّهِ وَه فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ: ((يَا أَيَا
النَّاسُ، رُدُوا عَلَيْهِمْ نِسَاءَهُمْ وَأَبْتَاءَهُمْ، فَمَنْ تَمَسَّكَ مِنْ هَذَا الْفَيْءِ بِشَيْءٍ) أي من أراد أن
لا يردّ إلا بعوض، فليرذه، وعلينا أن نعوّضه، ثم بين مقدار ما يعوّضه بقوله(فَلَهُ سِتُ
فَرَائِضَ) جمع فريضة، وهي البعير المأخوذ في الزكاة، ثم أتُّسِع فيه حتى سُمّي البعير في
غير الزكاة. كذا في ((النهاية)) (مِنْ أَوَّلِ شَيْءٍ يُفِيئُهُ) بضم أوله، من أفاء (اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ
عَلَيْنَا) وفي نسخة: ((عليه)): قال الخطّابيّ: يريد الخمس الذي جعله الله له من الفيء،
وكان الخمس من الفيء لرسول اللّه ◌ِ لهِ خاصّةً، يُنفق منه على أهله، ويجعل الباقي في
مصالح الدين، وسدّ حاجة المسلمين، وذلك معنى قوله: ((إلا الخمس، والخمس
مردود علیکم» انتھی.
(وَرَكِبَ) وَرِ (رَاحِلَتَهُ، وَرَكِبَ النَّاسُ) وفي نسخة: ((وركبه الناس)): أي أحاطوا به
راكبين (اقْسِمْ عَلَيْنَا فَيْئَتَا) أي قائلين ذلك، طالبين منه قسم المال (فَأَلْجَثُوهُ إِلَى شَجَرَةٍ)
أي اضطرّوه، يقال: ألجأته إلى كذا، ولَجَّأْته بالهمز والتضعيف: اضطررته، وأكرهته
(فَخَطِفَتْ رِدَاءَهُ) بكسر الطاء المهملة، من باب تَعِب، وخَطَّف، من باب ضرب لغةٌ
فيه: أي استلبت الشجرة بسرعة رداء النبيّ وَّ (فَقَّالَ) وَ (يَا أَنَّا النَّاسُ، رُدُّوا عَلَيَّ

٢١٣ =
١ - (هِبَةُ الْمُشَاع) - حديث رقم ٣٧١٥
رِدَائِي، فَوَاللَّهِ لَوْ أَنَّ لَكُمْ شَجَرَ تِيَامَةَ) أي مثل شجر تهامة .
قال الفيّوميّ: تَهِمَ اللبنُ واللحمُ تَّمًا، من باب تَعِبَ: تغيّر، وأنتن. وتِهِمَ الحرّ:
اشتدَّ مع رُكُود الريح، ويقال: إن تَّامة -أي بكسر التاء، وتخفيف الهاء- مشتقة من
الأول؛ لأنها انخفضت عن نجد، فتغيّرت ريحها. ويقال: من المعنى الثاني؛ لشدّة
حزّها. وهي أرضّ أوّلها ذات عرق من قبل نجد إلى مكة، وما وراءها بمرحلتين، أو
أكثر، ثم تتّصل بالْغَوْر، وتأخذ إلى البحر. ويقال: إن تهامة تتصل بأرض اليمن، وإن
مكة من تهامة اليمن. والنسبة إليها تَّاميّ، وتَّام أيضًا بالفتح، وهو من تغييرات النسب
انتهى. (نَعَمًا) - بفتحتين -: المال الراعي، وهوَ جمعٌ لا واحد له من لفظه، وأكثر ما يقع
على الإبل. قال أبو عبيد: النعَم: الجِمَالُ فقط، ويؤنَّث، ويُذكْر، وجمعه نُعمان -بضم،
فسكون- مثلُ حَمَل وحُمْلان، وأنعامٌ أيضًا. وقيل: النعم الإبل خاصّةً، والأنعام ذوات
الخفّ، والظُّلْف، وهي الإبل، والبقر، والغنم. وقيل: تُطلق الأنعام على هذه الثلاثة،
فإذا انفردت الإبل، فهي نعمٌ، وإذا انفردت البقر، والغنم لم تُسَمَّ نَعَمًا. قاله الفيوميّ
(قَسَمْتُهُ عَلَيْكُمْ، ثُمَّ لَمْ تَلْقَوْنِي بَخِيلًا) أي ثم لا أتغيّر عن خُلُقي بكثرة الإعطاء، أو هو
للتراخي في الإخبار (وَلَا جَبَانًا) بفتح الجيم، وتخفيف الباء الموحدة: أي ضعيف
القلب، يقال: جَبْن جُبْتًا، وزان قَرُبِ قُرْبًا، وجَبَائَةً بالفتح، وفي لغة من باب قتل (وَلَا
كَذُوبًا) بفتح الكاف (ثُمَّ أَتَى بَعِيرًا، فَأَخَذَ مِنْ سَنَامِهِ) بفتح السين المهملة: ما ارتفع من
ظهر الجمل (وَبَرَةً) بفتحتين: أي شعرة (بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ) بكسر الهمزة، وفتح الباء الموحّدة
أفصح لغاتها؛ إذ فيها عشر لغات، تثليث الهمزة، مع ثليث الباء، فهذه تسع، والعاشرة
أُضْبُوع، بالضمّ وزان عُصْفُور، والمشهور منها كسر الهمزة، وفتح الباء، وهي التي
ارتضاها الفُصَحاء. قاله الفيّومِيْ (ثُمَّ يَقُولُ: ((هَا) هي حرف تنبيه (إِنَّ لَيْسَ لِي مِنَ الْفَيْءِ
شَيْءٍ، وَلَا هَذِهِ) مشيرًا إلى الوبرة. ولفظ أبي داود: ((فأخذ وبرة من سنامه، ثم قال: أيها
الناس، إنه ليس لي من هذا الفيء شيءٍ، ولا هذا، ورفع إصبعيه)) (إِلَّا خُمُسٌ) ضُبط
بالرفع والنصب، فالرفع على البدل، والنصب على الاستثناء. قاله في ((عون
المعبود))(١) (وَالْخُمُسُ مَرْدُودٌ فِيكُمْ)) أي مصروف في مصالحكم، من السلاح،
والخيل، وغيرهما (فَقَّامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ بِكُبَّةٍ) بضم، فتشديد الموحّدة: شعرٌ ملفوفٌ بعضه
على بعض (مِنْ شَعْرٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخَذْتُ هَذِهِ لِأُصْلِحَ بِهَا بَرْدَعَةً بَعِيرٍ لي) وفي
نسخة: ((برذعة))، و((البردعة)) -بفتح الباء الموحدة، وسكون الراء، وفتح الدال
(١) ((عون المعبود)) ٣٦٠/٧.

٢١٤
=
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْهِبَةِ
المهملة، أو الذال المعجمة، لغتان، وفي ((القاموس)): إهمال الدال أكثر، وجمعه
برادِع: هي الْحِلْس، وهي بالكسر: كساء يُلقَى تحت الرحل على ظهر البعير. قال
الفيّوميّ: هذا هو الأصلِ، وفي عرف زماننا هي للحمار ما يُركّب عليه بمنزلة السّرج
للفرس انتهى. (فَقَالَ: ((أَمَّا مَا كَانَ لِي) أي من الكُبّة (وَلِبَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبٍ فَهُوَ لَكَ) أي
أما ما كان نصيبي ونصيبهم، فأحللناه لك، وأما ما بقي من أنصباء الغانمين، فاستحلاله
ينبغي أن يكون منهم (فَقَالَ) أي الرجل (أَوَبَلَغَتْ هَذِهِ؟) أي هل بلغت هذه الكبّة هذه
المرتبة من العزّة. وفي نسخة: ((إذ بلغت))، وفي رواية أبي داود: ((أما إذا بلغت ما
أرى ... )) (فَلَا أَرَبَ) بفتحتين: أي لا حاجة (لِي فِيهَا، فَنَذَهَا) أي طرحها، وردّها في
جملة الغنيمة (وَقَّالَ) وَ ◌ّه وفي نسخة: ((فقال)) (يَا أَيَّهَا النَّاسُ، أَدُّوا الْخِيَاطَ) وفي نسخة:
((رُدُّوا الخَيْطِ)) (وَالْمِخْيَطَ) والخِيَاطُ، والْمِخْيَطُ بالكسر: الإبرة، فيُحمل أحدهما على
الكبيرة، فیندفع التكرار.
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هكذا قال السنديّ، والأولى من هذا ما قاله في
((اللسان)): أراد بالخياط هنا الخيط، وبالمخيط ما يُخاط به.
والحاصل أن الخياط بالكسر يُطلق على الإِبْرَةِ، كما في قوله تعالى: ﴿حَّ يَلِجَ الْجَمَلُ
فِي سَمِّ الْخِيَالِ﴾ [الأعراف: ٤٠] أي في ثقب الإبرة. ويطلق أيضًا على الخيط، وهو
المراد هنا؛ دفعًا للتكرار. والله تعالى أعلم.
(فَإِنَّ الْغُلُولَ) -بضم الغين المعجمة -: الخيانة في المغنم، يقال: غَلّ غُلُولًا، من باب
قعد، وأغلّ بالألف: خان في المغنم وغيره. وقال ابن السكّيت: لم نسمع في المغنم إلا
غَلّ ثُلاثيًّا، وهو متعدّ في الأصل، لكن أَميت مفعوله، فلم يُنطق به. قاله الفيّومي (يَكُونُ
عَلَى أَهْلِهِ، عَارًا وَشَتَارَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ) قال في ((القاموس)): العارُ: كلُّ شيء لزم به عيب.
قال: والشّنار - بالفتح، وتخفيف النون -: أقبح العيب، والعارُ. انتهى. وفي ((اللسان)):
يقال: عارٌ وشَنَارٌ، وقلما يُفردونه من عار، قال أبو ذُؤيب [من الطويل]:
فَإِنِّي خَلِيقٌ أَنْ أُوَدْعَ عَهْدَهَا بِخَيْرٍ وَلَمْ يُرْفَعْ لَدَيْنَا شَنَارُهَا
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه
التكلان .
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عبد الله بن عمرو بن العاص تفت هذا صحيح.
(المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:

٢١٥ =
١- (هِبُّ المُشَاع) - حدیث رقم ٣٧١٥
أخرجه هنا-٣٧١٥/١ وفي ((كتاب قسم الفيء)) ٤١٦٦/١- وفي ((الكبرى)) ١/
٦٥١٥ وأخرجه (د) في ((الجهاد)) ٢٦٩٤ . والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان مشروعيّة هبة المشاع،
وفيه اختلاف بين العلماء، سنحقّقه في المسألة التالية، إن شاء الله تعالى. (ومنها): حِلْ
الغنائم، وهو من خصوصيّات هذه الأمة؛ لحديث جابر بن عبد اللَّه تَ يتا، قال: قال
رسول اللّه وَله: («أعطيت خمسا، لم يُعطهن أحد من الأنبياء قبلي، نُصِرت بالرعب
مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، وأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة
فليصل، وأَحلت لي الغنائم، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس
كافة، وأعطيت الشفاعة)). متفق عليه، وتقدّم للمصنّف برقم - ٤٣٢- (ومنها): أن
للإمام أن يشفع لبعض الرعية إلى بعضهم. (ومنها): ما كان عليه النبيّ وَّل، من حسن
الخلق، وتحمّل الأذى من السفهاء، وعدم مؤاخذتهم بما يصدر منهم مما يُخلّ بواجب
احترامه، فكان تمسكه بما أمره تعالى به في قوله عز وجل: ﴿خُذِ اٌلْعَفْوَ وَأَمُنْ بِالْعُرْفِ
وَأَعْرِضِ عَنِ الْجَهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] أتمّ تمسّك ◌َّل.
(ومنها): أنه يجوز للإمام أن يمن على الأسارى إذا رأى ذلك مصلحة، قال الإمام
الترمذيّ رحمه الله تعالى: والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبيّ وَّل
وغيرهم أن للإمام أن يمنّ على من شاء من الأسارى، ويقتل من شاء منهم، ويفدي من
شاء. واختار بعض أهل العلم القتل على الفداء. وقال الأوزاعيّ: بلغني أن هذه الآية
منسوخة يعني قوله: ﴿فَإِمَّا مَنَّأَ بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءُ﴾ [سورة محمد بَّ: ٤] نسخها قوله:
﴿ وَأَقْتُلُوهُمْ حَيْثُ تَفِفْئُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩١]، وقال إسحاق بن منصور: قلت لأحمد: إذا
أسر الأسير يقتل، أو يفادى أحبّ إليك؟، قال: إن قدر أن يفادى، فليس به بأس، وإن
قتل، فما أعلم به بأسّا. قال إسحاق بن إبراهيم: الإثخان أحبّ إليّ إلا أن يكون
معروفًا، فأطمع به الكثير انتهى.
وقال الخطابيّ: ما حاصله: إن الإمام مخيّر في الأسارى البالغين، إن شاء من
عليهم، وأطلقهم من غير فداء، وإن شاء فاداهم بمال معلوم، وإن شاء قتلهم، وأيّ
ذلك كان أصلح، ومن أمر الدين، وإعزاز الإسلام أوقع. وإلى هذا ذهب الشافعيّ،
وأحمد، وهو قول الأوزاعيّ، وسفيان الثوريّ. وقال أصحاب الرأي: إن شاء قتلهم،
وإن شاء فاداهم، وإن شاء استرقّهم، ولا يمنّ عليهم، فيُطلقهم بغير عوض. وزعم
بعضهم أن المنّ كان خاصًا للنبيّ وَّر، دون غيره، قال: والتخصيص في أحكام الشريعة

٢١٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْهِبَةِ
لا يكون إلا بدليل، والنبيّ وَ ل# إذا حكم بحكم في زمانه، كان ذلك سنّة، وشريعة في
سائر الأزمان، وقد قال سبحانه وتعالى: ﴿فَإِذَا لَقِيْتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَضَرْبَ الرِّقَابٍ خَّىَ إِذَا
أَنْخَتُهُوهُمْ فَشُدُواْ الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنَّأَ بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءُ﴾ الآية [محمد رَّ: ٤]، وهذا خطاب لجماعة
الأمّة كلّهم، ليس فيه تخصيص للنبيّ وَّه، وإنما كان فعله امتثالاً للآية.
وأما الذين اعتلوا به من تقوية الكفر، فإن الإمام إذا رأى أن يعطى كافرًا عطيّة،
يستمليه بها إلى الإسلام، كان ذلك جائزًا، وإن كان في ذلك تقوية لهم، فكذلك هذا،
وقد أعطى النبيّ وَل﴿ رجلاً من الكفّار غنمًا بين جبلين. انتهى(١).
(ومنها): أنه استدلّ بعضهم بقوله بَّه: ((والخمس مردود عليكم)) على أن سهم النبيّ
وَ لّ ساقطٌ بعد موته، ومردود على شركائه المذكورين معه في الآية، وكذلك سهم ذوي
القربى. وإلى هذا ذهب أصحاب الرأي. وقال بعضهم: هو للخليفة بعده، يَصرفه فيما
كان النبيّ وَّ يصرفه فيه أيام حياته. وقال الشافعيّ: هو موضوع في كلّ أمر حُصِّنَ به
الإسلام وأهله، من سدّ ثغر، وإعداد كُراع، وسُلاح، وما دعا إلى مصلحة فيه. قاله
الخطّابِّ .
(ومنها): أن قوله: ((أدوا الخياط والمخياط)) دليل على أن قليل ما يُغنم وكثيره
مقسوم بين من شهد الوقعة، ليس لأحدأن يستبدّ بشيء منه، وإن قلّ، إلا الطعام الذي
قد وردت فيه الرخصة، وهذا قول الشافعيّ رحمه الله تعالى، وقال مالك رحمه الله
تعالى: إذا كان شيئًا خفيفًا، فلا أرى به بأسًا أن يرتفق به آخذُهُ دون أصحابه. قاله
الخطّابيّ رحمه اللّه تعالى(٢). (ومنها): شدّة أمر الغلول، وإن كان في الشيء التافه.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم هبة المشاع:
قال العلامة ابن قُدَامة رحمه الله تعالى: تصح هبة المشاع، وبه قال مالكٌ،
والشافعيّ، وأحمد، قال الشافعيّ: وسواء في ذلك ما أمكن قسمته، أو لم يمكن. وقال
أصحاب الرأي: لا تصحّ هبة المشاع الذي يمكن قسمته؛ لأن القبض شرط في الهبة،
ووجوب القسمة يمنع صحّة القبض وتمامه، فإن كان مما لا يمكن قسمته، صحّت
هبته؛ لعدم ذلك فيه، وإن وهب اثنان شيئًا مما ينقسم لم يجز عند أبي حنيفة، وجاز
عند صاحبيه، وإن وهب اثنان اثنين شيئًا مما ينقسم، لم يصح في قياس قولهم؛ لأن كلّ
واحد من المتَّهبين قد وُهب له جزء مشاع.
(١) ((معالم السنن)) ٢٥/٤.
(٢) ((معالم السنن) ٢٨/٤ .

٢- (رُجُوعُ الْوَّالِدِ فِيمَا يُعْطِي وَلَدَهُ،
. - حديث رقم ٣٧١٦
=
- ٢١٧
واحتجّ الأولون بحديث الباب، فإن قوله وَ له: ((ما كان لي، ولبني عبد المطلب،
فهو لكم)) هبة مُشاع، وكذلك قوله وَله: للرجل الذي جاء بكبة شعر: ((ما كان لي ولبني
عبد المطلب فهو لك)) أيضًا يدلّ على جواز هبة المشاع. وبما أخرجه أحمد في
(«مسنده) ٤١٨/٣، والنسائيّ برقم ٢٨١٨ - واللفظ له بإسناد صحيح، عن عمير بن سلمة
الضمري، أنه أخبره عن البَهْزي، أن رسول اللَّه ◌َلقره خرج يريد مكة، وهو محرم،
حتى إذا كانوا بالرَّوحاء إذا حمار وحش عَقِير، فذُكر ذلك لرسول اللّه وَّه فقال:
((دَعُوه، فإنه يوشك أن يأتي صاحبه))، فجاء البَهْزي، وهو صاحبه، إلى رسول اللَّهُ وَّتِ،
فقال: ((يا رسول الله، صلى الله عليك وسلم، شأنَكُم بهذا الحمار، فأمر رسول الله
وَلّ أبا بكر، فقسمه بين الرِّفاق ... الحديث.
ولأنه يجوز بيعه، فجازت هبته كالذي لا ينقسم؛ ولأنه مشاعٌ، فأشبه ما لا ينقسم.
وقولهم: إن وجوب القسمة يمنع صحّة القبض: لا يصحّ، فإنه لم يمنع صحته في
البيع، فكذا هنا. انتهى كلام ابن قدامة بتصرّف(١).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن الراجح هو المذهب الأول، وهو
جواز هبة المشاع؛ لقوّة دليله، والمانعون لم يأتوا بحجة مقنعة. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلتُ، وإليه
أنیب».
٢- (رُجُوعُ الْوَالِدِ فِيمَا يُعْطِي وَلَدَهُ،
وَذِكْرِ اخْتِلَافِ النَّاقِلِينَ لِلْخَبَرِ فِي
ذَلِك)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: وجه الاختلاف الذي أشار إليه أن عامرًا الأحول رواه
عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه. وخالفه حسين المعلّم فرواه عن عمرو بن
. 4
شعيب، عن طاوس، عن ابن عمر، وابن عبّاس
(١) ((المغني)) ٢٤٧-٢٤٨.

٢١٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْهِبَةِ
ورواه وُهيب بن خالد، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عبّاس ◌َيتا، موصولًا،
وخالفه الحسن بن مسلم، فرواه عن طاوس، مرسلًا. ولكن هذه الاختلافات لا تضرّ
بصحّة الحديث، ولذا اتفق الشيخان على إخراجه في ((صحيحيهما))، والله تعالى أعلم
بالصواب.
٣٧١٦- (أَخْبَرَنَا أَخْمَدُ بْنُ حَفْصٍ، قَالَ: حَدْثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ، عَنْ
سَعِيدٍ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ عَامِرِ الْأَخْوَلِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ جَدْهِ،
قَالَ: قَالَّ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ: ((لَا يَرْجِعُ أَحَدٌ فِي هِبَتِهِ، إِلَّا وَالِدٌ مِنْ وَلَدِهِ، وَالْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ،
كَالْعَائِدٍ فِي قَيْئِهِ)).
رجال هذا الإسناد: ثمانية :
١- (أحمد بن حفص) أبو عليّ بن أبي عمرو السلميّ النيسابوريّ، صدوق [١١] ٧/
٤٠٩ .
٢- (أبوه) حفص بن عبد الله بن راشد السلميّ، أبو عمرو النيسابوريّ قاضيها،
صدوق [٩] ٤٠٩/٧ .
٣- (إبراهيم) بن طهمان الخراسانيّ، ثم المكيّ، ثقة، يُغْرب [٧] ٤٠٩/٧.
٤- (سعيد بن أبي عروبة) مِهْران اليشكريّ مولاهم، أبو النضر البصريّ، ثقة حافظ،
اختلط أخيرًا [٦] ٣٨/٣٤ .
٥- (عامر الأحول) ابن عبد الواحد البصريّ، صدوقٌ يُخطىء [٦] ٦٣٠/٤ .
والباقون تقدّموا في السند الماضي. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من ثمانيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم ثقات.
(ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، ورواية الراوي عن أبيه، عن جدّه. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ) شعيب بن محمد (عَنْ جَدِّهِ) عبد الله بن عمرو بن
العاص وَّا، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: (لَا يَرْجِعُ أَحَدٌ فِي هِبَتِهِ) قال السنديّ: أي
لا ينبغي له الرجوع، وهذا لا ينفي صحة الرجوع، إذا رجع صار الموهوب ملكًا له،
وإن كان الفعل غير لا ثق انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الذي قاله السنديّ غير صحيح، بل الحديث
ظاهر في تحريم الرجوع في الهبة، فلا يؤوّل بما يصرفه عن ظاهره؛ لمخالفته للمذهب

٢- (رُجُوعُ الوَالِدِ فِيمَا يُعْطِي وَلَدَهُ، ... - حديث رقم ٣٧١٦
٢١٩ ===
الحنفيّ. فتبضر. والله تعالى أعلم.
(إِلَّ وَالِدٌ مِنْ وَلَدِهِ) أي فإنه يجوز له أن يرجع، وهذا نص صريح في الرد على
القائلين بعدم جواز رجوع الوالد فيما وهبه لولده، فقول السنديّ: من لا يرى له الرجوع
يحمله على أنه يجوز للوالد أن يأخذه عنه، ويصرفه في نفقته، عند الحاجة، كسائر
أمواله اهـ غير صحيح، أيضًا، فإنه نصر لمذهب الحنفية، وتأويل للحديث الصحيح
بتأويل غير مقبول. والله تعالى أعلم.
(وَالْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ) أي العائد في هبته إلى الموهوب، وهو كقوله تعالى: ﴿أَوْ لَتَعُودُنَّ
فِي مِلَتِنَا﴾ [الأعراف: ٨٨] (كَالْعَائِدِ فِي قَيْئِهِ) أي كالكلب الذي يأكل حتى يشبع، ثم
یقيء، فيعود لأکل قیئه.
قال السنديّ: قيل: هو تحريم للرجوع. وقيل: تقبيح، وتشنيع له؛ لأنه شبّه بكلب
يعود في قيئه، وعود الكلب في قيئه لا يوصف بحرمة. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: بل الأرجح أنه للتحريم، كما سيأتي تحقيقه، في
المسألة الرابعة، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع،
والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عبد الله بن عمرو رؤيت هذا صحيح، وهو من أفراد المصنّف رحمه الله
تعالى، لم يُخرجه من أصحاب الأصول غيره، أخرجه هنا-٣٧١٦/٢ - وفي «الكبرى»
٦٥١٦/٢. وأخرجه (أحمد) في ((مسند المكثرين)) ٦٦٦٦. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في فوئده:
(منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو جواز رجوع الوالد فيما يُعطي
لولده، وفيه اختلاف بين العلماء، سنحقّقه في المسألة التالية، إن شاء الله تعالى.
(ومنها): تحريم الرجوع في الهبة، وفيه أيضًا اختلاف بين العلماء، سيأتي تحقيقه أيضًا.
(ومنها): جواز التمثيل بالشيء المستقبح؛ مبالغة في التنفير عن المنهيّ عنه. والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في حكم رجوع الوالد فيما أعطى ولده:
ذهب مالك، والأوزاعيّ، والشافعيّ، وإسحاق، وأبي ثور، وهو ظاهر مذهب
أحمد إلى أن للوالد الرجوع فيما وهب لولده.
وذهب أصحاب الرأي، والثوريّ، وهي رواية عن أحمد إلى أنه ليس له الرجوع

===
٢٢٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْهِبَةِ
فيها؛ لقول النبيّ وَلهر: ((العائد في هبته، كالعائد في قيئه))، متّفقٌ عليه. وعن عمر بن
الخطّاب وَّم قال: ((من وهب هبةً، يرى أنه أراد بها صلة رحم، أو على وجه صدقة،
فإنه لا يرجع فيها، ومن وهب هبة أراد بها الثواب، فهو على هبته، يرجع فيها إذا لم
يُرْضَ منها. رواه مالك في ((الموطّا)). ولأنها هبةٌ يحصل بها الأجر من الله تعالى، فلم
يجز الرجوع فيها، كصدقة التطوّع.
واحتجّ الأولون بحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، ◌َّه المذكور في
الباب، فإنه صريح في عدم الجواز، وبقول النبيّ وَّ لبشير بن سعد رَم: ((فاردده))،
وفي رواية: ((فارجعه))، فأمره بالرجوع في هبته، وأقلّ أحوال الأمر الجواز، وقد امتثل
بشير بن سعد ذلك، فرجع في هبته لولده، ألا ترى أن النعمان قال في الحديث: فرجع
أبي، فردّ تلك الصدقة (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما ذهب إليه الأولون هو الحقّ، وحاصله جواز
رجوع الوالد فيما وهب لولده؛ لصحة حديث الباب، وهو صريح في جواز ذلك
للوالد، ففي لفظ: ((لا يرجع))، وفي لفظ: ((لا يحلّ لرجل الخ))، فتأويل مثل هذا النصّ
الصريح في التحريم بأنه للكراهة، مما لا يُلتفت إليه، فتبضر، ولا تتحيّر. والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم الرجوع في الهبة:
ذهب الشافعيّ، وأبو ثور، وأحمد إلى أنه لا يحلّ الرجوع لمن وهب شيئًا، إلا
الوالد، كما تقدّم في المسألة السابقة، واحتجوا بحديث الباب.
وذهب النخعيّ، والثوريّ، وإسحاق، وأصحاب الرأي إلى أن من وهب لغير ذي
رحم له الرجوع ما لم يُثَب عليها، وروي ذلك عن عمر بن الخطّاب وَّه، واحتجوا
بقوله وَر: ((الرجل أحقّ بهبته ما لم يُثب منها)). رواه ابن ماجه(٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الأرجح عندي ما ذهب إليه الأولون؛ لصحة حديث
الباب الظاهر في تحريم الرجوع في الهبة، إلا للوالد، وأما حديث ابن ماجه، فضعيفٌ؛
لأن في سنده إبراهيم بن إسماعيل بن مجمّع، وهو ضعيف، بل قال بعضهم: متروك
الحديث، فلا يصلح لمعارضة حديث الباب الصحيح، فتبصّر، ولا تتحيّر. والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٧١٧- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ حُسَيْنٍ، عَنْ
(١) راجع («المغني، ٢٧٧/٨ -٢٧٨.
(٢) راجع ((المغني)) لابن قدامة ٢٧٧/٨-٢٧٨.