Indexed OCR Text

Pages 81-100

٨١
١- (الكَرَاهِيُّ فِي تأخِيرِ الوَصِية) - حديث رقم ٣٦٣٩
حيّ بالصدقة للفقراء، وصلة الرحم، وأنواع البرّ (وَمَالُ وَارِثِكَ مَا أَخَّرْتَ) أي المال
الذي يضاف إلى وارثك هو الذي تركته له بعد مماتك. قال ابن بطّال وغيره: فيه
التحريض على تقديم ما يُمكن تقديمه من المال في وجوه القربة والبرّ؛ لينتفع به في
الآخرة، فإن كلّ شيء يخلفه المورّث يصير ملكًا للوارث، فإن عمل فيه بطاعة الله
اختصّ بثواب ذلك، وكان ذلك الذي تعب في جمعه ومنعه(١)، وإن عمل فيه بمعصية
اللّه، فذاك أبعد لمالكه الأول من الانتفاع به، إن سلم من تبعته. ولا يعارضه قوله والتر:
لسعد بن أبي وقّاص رضي الله تعالى عنه: (( إنك أن تذر ورثتك أغنياء خيرٌ من أن
تذرهم عالةً)) ؛ لأن حديث سعد رضي الله تعالى عنه محمول على من تصدّق بماله
كلّه، أو معظمه في مرضه، وحديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه في حقّ من يتصدّق
في صحّته، وشُخّه. قاله في ((الفتح))(٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع،
والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه هذا أخرجه البخاريّ.
(المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٣٦٣٩/١- وفي (الكبرى)) ٦٤٣٩/١. وأخرجه (خ) في ((الرقاق))
٦٤٤٢ (أحمد) في ((مسند المكثرين)) ٣٦١٩. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنف رحمه اللّه تعالى، وهو بيان كراهة تأخير الوصيّة.
(ومنها): الحثّ على المبادرة في فعل الخير قبل فوات أوانه. (ومنها): أن ما يفعله
الإنسان في حياته من الإنفاق في وجوه الخير هو الذي يناله في الآخرة؛ لأنه من خالص
ملكه. (ومنها): أن ما يجمعه الإنسان من المال، ويتركه للورثة، ليس له به أجرٌ، وإن
أنفقه وارثه في وجوه الخير؛ لأنه ملكه، وليس ملكًا لمكتسبه، ولا ينافي هذا ما في
حديث سعد بن أبي وقّاص رضي اللّه تعالى عنه الآتي، حيث قاله النبيّ صلَّى اللَّه
وسلّم: ((إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تتركهم عالةً، يتكفّفون الناس ... ))؛
لأن سعدًا أراد أن يتصدّق بماله كلّه في مرضه، وكان وارثه بنتًا، ولا طاقة لها على
(١) هكذا عبارة ((الفتح)) وفيها شيء من الغموض، ولعل العبارة: وليس ذلك للذي تعب في جمعه
ومنعه. والله تعالى أعلم.
(٢) ((فتح) ١٣/ ٤١ ((كتاب الرقاق)).

٨٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْوَصَابَا
الكسب، فأمره أن يتصدّق بثلثه، ويكون باقيه لابنته، وحديث الباب إنما خاطب به
أصحابه الذين هم في صحّتهم، فحرّضهم على تقديم مالهم لينفعهم يوم القيامة؛ لأنهم
إن تركوا ذلك، فسوف ينتقل إلى غيرهم، ويُحرمون الأجر الكثير. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٦٤٠- (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْتِى، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ،
عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنْ أَبِيِهِ، عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ، قَالَ: ﴿أَلْهَنْكُمُ التَّكَاثُرُ حَتَّى زُرْتُ الْمَقَابِرَ﴾
[التكاثر: ٢]، قَالَ: يَقُولُ ابْنُ آدَمَ: مَالِي، مَالِي، وَإِنَّمَا مَالُكَ مَا أَكَلْتَ فَأَقْنَيْتَ، أَوْ لَبِسْتَ
فَأَبْلَيْتَ، أَوْ تَصَذَّقْتَ فَأَمْضَيْتَ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١- (عمرو بن علي) الفلّاس الصيرفي، أبو حفص البصريّ، ثقة حافظ [١٠] ٤/٤.
٢- (يحيى) بن سعيد بن فرّوخ القطان البصري الإمام الحجة الثبت [٩] ٤/٤.
٣- (شبعة) بن الحجاج الإمام الحجة المشهور [٧] ٢٤/ ٢٧.
٤- (قتادة) بن دعامة السدوسي البصري، ثقة ثبت، يدلس [٤] ٣٤/٣٠.
٥- ((مُطَرِّفُ) بن عبد اللَّه العامريّ الْحَرَشيّ - بفتحتين- أبي عبد الله البصريّ، ثقة
عابد فاضل، مات سنة (٩٥هـ) [٢] ٦٧/٥٣ .
٦- (أبوه) هو عبد الله بن الشّخَّر -بكسر الشين، وتشديد الخاء المعجمتين- ابن
عوف صحابيّ، من مسلمة الفتح رضي اللّه تعالى عنه٧٢٧/٣٤. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن
تابعيّ، والابن عن أبيه (ومنها): أن صحابيه من المقلّين من الرواية، إذ ليس له في
الكتب الستة إلا نحو تسعة أحاديث. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ مُطَرِّفٍ) بن عبد اللَّه (عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن الشّخِير رضي الله تعالى عنه (عَنِ
النَّبِيِّ نَِّ، قَالَ: ﴿أَلْهَنْكُمُ التَّكَاثُرُ حَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾) وفي رواية المصنّف في ((التفسير))
من ((الكبرى)) من طريق غيلان بن جرير، عن مطرّف، عن أبيه، قال: ((جئت النبيّ ◌َّر،
وهو يقول: ﴿أَلَهَنْكُمُ التَّكَاثُ ﴾ حتى ختمها)).
فقوله: ﴿أَلْهَنَّكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ يعني شغلكم الإكثار من الدنيا، ومن الالتفات إليها عما

٨٣
١- (الگراهِیُّ فِي تأخير الوصية) - حدیث رقم ٣٦٤٠
هو الأولى بكم، من الاستعداد للآخرة، وهذا الخطاب للجمهور، إذ جنس
الإنسان على ذلك مفطور، كما قال تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَِلَةَ وَذَرُونَ الْآَخِرَةَ﴾
[القيامة: ٢١] وكما قال: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ﴾ الآية [آل
عمران: ١٤](١).
وقوله: ﴿حَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ أي حتى أتاكم الموت، فصرتم في المقابر زُوّارًا،
ترجعون منها كرجوع الزائر إلى منزله من جنّة، أو نار. يقال لمن مات: قد زار قبره.
وقيل: أي ألهاكم التكاثر حتى عددتم الأموات. وقيل: هذا وعيد، أي اشتغلتم بمفاخرة
الدنيا، حتى تزوروا القبور، فتروا ما يحلّ بكم من عذاب الله عزّ وجلّ(٢).
(قَالَ: يَقُولُ ابْنُ آدَمَ) أراد النبيّ ◌َله بهذا تفسير هذه الآية الكريمة، فبيّن أن المراد
بالتكاثر هو التكاثر في الأموال، وللمفسّرين أقوال في معناها، ولكن هذا التفسير هو
الصواب المقدّم على غيره؛ لأن الله تعالى جعل بيان كتابه إليه وَّل، حيث قال: ﴿وَأَنْزَلْنَآ
إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِلَ إِلَيْهِمْ﴾ الآية [النحل: ٤٤].
وفي ((صحيح البخاريّ)) من طريق ابن شهاب، قال: أخبرني أنس بن مالك، أن
رسول اللّه ◌ُ ﴾ قال: «لو أن لابن آدم واديا من ذهب، أحب أن يكون له واديان، ولن
يملأ فاه إلا التراب، ويتوب الله على من تاب)».
قال: وقال لنا أبو الوليد، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابتٍ، عن أنس، عن أُبَيّ،
قال: كنا نَرَى هذا من القرآن، حتى نزلت: ﴿أَلْهَنْكُمُ التََّاثُ﴾ .
قال ابن العربيّ: وهذا نصّ صحيح مَلِيحٌ، غاب عن أهل التفسير، فجهِلُوا،
وجَهَّلُوا، والحمد لله على المعرفة.
(مَالِ، مَالِي) أي يغترّ بنسبة المال إليه، وكونه في يديه، حتّى ربّما يعجب به،
ويفخر به، ولعلّه ممن تعب هو في جمعه، ويصل غيرُه إلى نفعه، ثم أخبر وَّر بالأوجه
التي ينتفع فيها صاحب المال بماله، وافتتح الكلام بـ((إنما)) التي هي للتحقيق، والحصر،
فقال (وَإِنَّمَا مَالُكَ) هذا خطاب لكلّ يصلح له الخطاب (مَا أَكَلْتَ فَأَقْتَيْتَ، أَوْ لَبِسْتَ
فَأَبْلَيْتَ) إنكار منه ◌َّر على ابن آدم بأن ماله هو ما انتفع به في الدنيا بالأكل، أو اللبس،
أو في الآخرة بالتصدّق، وأشار بقوله: ((فأفنيت))، ((فأبليت)» إلى أن ما أكل، أو لبس،
فهو قليل الجدوى، لا يرجع إلى عاقبة. قاله السنديّ (أَوْ تَصَدَّقْتَ فَأَمْضَيْتَ) أي أردت
التصدّق، فأمضيتَ ذلك، أو تصدّقت، فقدّمت لآخرتك. وفي حديث أبي هريرة رضي
(١) ((المفهم)) ١١١/٧ ((كتاب الزهد)).
(٢) ((تفسير القرطبيّ)) ١٦٩/٢٠.

٨٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْوَصَابَا
الله تعالى عنه عند مسلم: أن رسول اللّه وَ الله قال: ((يقول العبد: مالي، مالي، إنما ماله
ثلاث: ما أكل فأفنى، أو لبس فأبلى، أو أعطى فاقتنى (١)، وما سوى ذلك، فهو
ذاهب، وتاركه للناس)). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عبد الله بن الشّخِير رضي اللّه تعالى عنه هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا- أخرجه هنا-١/ ٣٦٤٠ - وفي ((الكبرى)) ٦٤٤٠/١ و((التفسير)) ١١٦٩٦.
وأخرجه (م) في ((الزهد والرقائق)) ٢٩٥٨ (ت) في ((الزهد)) ٢٣٤٢ و((التفسير))
٢٣٥٤ (أحمد) في ((مسند المدنيين)) ١٥٨٧٠ و١٥٨٨٧. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان كراهة تأخير الوصيّة،
ووجه الاستدلال به، أنه لما ذمَ اللَّه تعالى في هذه الآية التفاخر بالأموال حتى يأتيه
الموت، عرفنا أنه لا يجوز تأخير ما يتعلّق بالمال من الحقوق، الواجبة، أو المستحبّة،
بل ينبغي المبادرة إلى إيصالها إلى مستحقها، قبل فوات الأوان. (ومنها): أن السنّة هي
المبيّنة للمراد من مجمل الكتاب، فإذا كان هناك آراء لأهل العلم في معنى آية، ننظر
فيما وردت به السنة القوليّة، أو الفعليّة، فنقدّمه على سائر محتمل الكلام؛ لأن الله
تعالى جعل بيان كتابه إلى رسوله صلّى اللَّه وسلم. (ومنها): أن مال الإنسان الحقيقيّ
هو الذي انتفع به في حياته، إما بما يعود نفعه إليه حالًا، كالأكل، والشرب، واللباس،
أو مآلًا، كالتصدّق به، وصلة الرحم، وسائر وجوه البرّ، وأما ما عدا ذلك، فهو
لورثته، لا يناله منه شيء، بل إنما يلحقه تبعاته، فيحاسب إن كان حلالًا، من أين
اكتسبه، وفيمن أنفقه، ويعاقب إن كان حرامًا، فالواجب على العاقل أن يتنبه لهذه
الدقائق، فإن الندم بعد فوات الأوان هو عين الخسران. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٦٤١- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدْ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ:
سَمِعْتُ أَبَا إِسْحَاقَ، سَمِعَ أَبَا حَبِيبَةَ الطَّائِيٌّ، قَالَ: أَوْضَى رَجُلٌ بِدَتَانِيرَ، فِي سَبِيلِ اللَّهِ،
(١) أي فاقتنى الثواب لنفسه.

١- (الگرامِیُّ فِي تأخير الوصية) - حديث رقم ٣٦٤١
٨٥
فَسُئِلَ أَبُو الدَّرْدَاءِ؟، فَحَدَّثَ عَنِ النَّبِيِّ نَ، قَالَ: ((مَثَلُ الَّذِي يُعْتِقُ، أَوْ يَتَصَدَّقُ عِنْدَ
مَوْتِهِ، مَثَلُ الَّذِي يَهْدِي بَعْدَمَا يَشْبَعُ)).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١- (محمد بن بشّار) أبو بكر بندار البصريّ، ثقة حافظ [١٠] ٢٧/٢٤.
٢- (محمد) بن جعفر غندر، أبو عبد الله البصري، ثقة، صحيح الكتاب [٩] ٢١/
٢٢ .
٣- (شعبة) الإمام المذكور في السند السابق.
٤- (أبو إسحاق) عمرو بن عبد الله السبيعي الكوفي، ثقة عابد اختلط بآخره [٣]
٤٢/٣٨ .
٥- (أبو حبيبة الطائيّ) مقبول [٣].
روى عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه هذا الحديث، وعنه أبو إسحاق السبيعيّ،
ولا يعرف له غير هذا الحديث. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). روى له المصنّف،
وأبو داود، والترمذيّ هذا الحديث فقط .
٦- (أبو الدرداء) عويمر بن زيد بن قيس الأنصاريّ الصحابيّ الشهير، وقيل في
اسمه واسم أبيه غير ذلك، شهد أحدًا، وما بعدها، مات في آخر خلافة عثمان رضي
اللّه تعالى عنهما، وقيل: عاش بعد ذلك، تقدّمت ترجمته في ٤٨/ ٨٤٧ . والله تعالى
أعلم.
شرح الحديث
عن شعبة بن الحجاج، أنه قال (سَمِعْتُ أَبًا إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد اللّه الهمدانيّ
السَّبيعيّ الكوفيّ، وقوله (سَمِعَ) جملة في محلّ نصب على الحال من المفعول، أي
والحال أن أبا إسحاق سمع (أَبًا حَبِيبَةَ الطَّائِيَّ) لا يعرف اسمه، ولا عينه، إذ لم
يرو عنه غير أبي إسحاق (قَالَ: أَوْصَى رَجُلٌ بِدَتَانِيرَ، فِي سَبِيلِ اللَّهِ) يعني أنه
أوصى بها في حال موته، كما يرشد إلى ذلك قوله (فَسُئِلَ أَبُو الدَّرْدَاءِ) رضي الله
تعالى عنه.
ولفظ الترمذيّ، من طريق سفيان الثوريّ، عن أبي إسحق، عن أبي حبيبة الطائي،
قال: أوصى إلي أخي بطائفة من ماله، فلقيت أبا الدرداء، فقلت: إن أخي أوصى إلي
بطائفة من ماله، فأين ترى لي وضعه، في الفقراء، أو المساكين، أو المجاهدين في
سبيل الله، فقال: أما أنا فلو كنت، لم أعدل بالمجاهدين، سمعت رسول اللّه وَليل

٨٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْوَصَابًا
يقول: ((مثل الذي يُعتق عند الموت، كمثل الذي يُهدي إذا شبع)). قال أبو عيسى: هذا
حديث حسن صحيح.
(فَحَدَّثَ عَنِ النَّبِّ وَِّ، قَالَ) بَرِ (مَثَلُ الَّذِي يُعْتِقُ) بضم أوله، من الإعتاق، أي
يحرّر عبده (أَوْ يَتَصَدَّقُ) بماله على الفقراء والمساكين (عِنْدَ مَوْتِهِ، مَثَلُ الَّذِي ◌ُّدِي) بضم
أوله، من الإهداء، لا من الهدي (بَعْدَمَا يَشْبَعُ) يعني أنه مثل الذي يُعطي بعد ما قضى
حاجته، وهو قليل الجدوى، ولا يعتاده إلا دنيء الهمّة. وإنما مثّل بذلك؛ لأن الثاني
أشهر، وإلا فالعكس أولى؛ فإن الذي شبع ربّما يتوقّع حاجته إلى ذلك الشيء، بخلاف
الذي يُعتق، أو يتصدّق عند موته، إلا أن يقال: قد لا يصير عند موته، فيحتاج إلى ذلك
الشيء، فلذلك يُعدّ إعتاقه، وتصدّقه فضيلة ما، لكن هذا إذا لم يكن بطريق الوصيّة.
قاله السنديّ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان،
وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي الدرداء رضي اللَّه تعالى عنه هذا حسنٌ(١).
[تنبيه]: هذا الحديث اختلف العلماء في درجته، فقال الترمذيّ: حديث حسنٌ
صحيح، وصححه ابن حبّان، وقال الحافظ في ((الفتح)): إسناده حسنٌ، وضعفه الشيخ
الألبانيّ؛ لجهالة أبي حبيبة الطائيّ.
والذي عندي أن الحديث حسنٌ، وأما تصحيحه، أو تحسين إسناده ففيه بعد؛
لأن أبا حبيبة الطائيّ مجهول، لم يرو عنه غير أبي إسحاق السبيعيّ، وقال عنه في
التقريب: مقبول، يعني أنه يحتاج إلى متابع. وأما تضعيف الحديث مطلقًا فبعيد
أيضًا؛ لأنه تشهد له أحاديث الباب، كحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه
المتقدّم، وفيه: ((لا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم، قلت: لفلان كذا، وقد كان
لفلان)».
والحاصل أن الحديث حسنّ بما ذُكر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع،
والمآب.
(١) وقد صححه الترمذيّ، وابن حبّان، وحسن الحافظ في ((الفتح)) ٢٦/٦ - إسناده، وكلّ محلّ نظر؛
إذ أبو حبيبة الطائيّ مجهول، فكيف يصحّح، أو يحسّن؟، وإنما التحسين لشواهده، فتأمل.

١- (الگراهِيُّ فِي تأخیر الوصِێ) - حدیث رقم ٣٦٤٢
٨٧
(المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا- ٣٦٤١/١ - وفي ((الكبرى)) ٦٤٤١/١. وأخرجه (د) في ((العتق))
٣٩٦٨ (ت) في ((الوصايا)) ٢١٢٣ (أحمد) في ((مسند الأنصار)) ٢١٢١١ و٢١٢١٢
و ٢٦٩٨٥ (الدارمي) في ((الوصايا)) ٣٢٢٦. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه اللَّه تعالى، وهو كراهية تأخير الوصيّة.
(ومنها): الحثّ على الصدقة وأفعال البرّ في حال حاجة الإنسان إلى ماله، وهو حال
الصحّة، وذمّ تأخيرها إلى حال استغنائه عنها بالمرض والموت. (ومنها): ضرب المثل
لأجل توضيح المسألة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو
حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٦٤٢- (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْفُضَيْلُ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ
ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، لَهُ شَيْءٌ يُوصَى فِيهِ، أَنَّ يَبِيتَ
لَيْلَتَيْنِ، إِلَّا وَوَصِيْتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ)).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١- (قتيبة بن سعيد) الثقفي البغلانيّ، ثقة ثبت [١٠] ١/١ .
٢- (الفضيل) بن عياض بن مسعود اليربوعيّ، أبو عليّ الزاهد الثقة العابد المشهور
المكي، خراساني الأصل [٨] ٣٨٨/٢١.
٣- (عبيد الله) بن عمر العمريّ المدنيّ الفقيه الحجة الثبت [٥] ١٥/١٥.
٤- (نافع) مولى ابن عمر المدنيّ الثقة الثبت الفقيه [٣] ١٢/١٢.
٥- (ابن عمر) عبد اللَّه رضي اللّه تعالى عنهما ١٢/١٢. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من عبيد الله، وشيخه بغلاني،
والفضيل مكي. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. (ومنها): أن فيه ابن عمر رضي
الله تعالى عنهما من المكثرين السبعة، والعبادلة الأربعة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ) رضي اللّه تعالى عنهما، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ: ((مَا

٨٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْوَصَايَا
حَقُّ امْرِئٍ) أي ما اللائق به. قال الحافظ وليّ الدين: التعبير بامرىء خرج مخرج
الغالب، فلا فرق في صحّة الوصيّة بين الرجل والمرأة، وسواء كانت متزوجة، أو غير
متزوّجة، أذن لها زوجها، أو لم يأذن لها، ولو كانت بكرًا، ولم يأذن أبوها لا يختلف
الحكم بذلك، فإنه تحصيل قربة أخرويّة عند انقضاء العمر في قدر ما ذون فيه شرعًا.
والله أعلم انتهى(١).
(مُسْلِم) قال في ((الفتح)): كذا في أكثر الروايات، وسقط لفظ ((مسلم)) من رواية
أحمد، عَن إسحاق بن عيسى، عن مالك. والوصف بالمسلم خرج مخرج الغالب، فلا
مفهوم له، أو ذُكر للتهييج؛ لتقع المبادرة لامتثاله؛ لما يشعر به من نفي الإسلام عن
تارك ذلك، ووصية الكافر جائزة في الجملة. وحکی ابن المنذر فيه الإجماع، وقد بحث
فيه السبكيّ من جهة أن الوصيّة شُرعت زيادةً في العمل الصالح، والكافر لا عمل له بعد
الموت. وأجاب بأنهم نظروا إلى أن الوصيّة كالإعتاق، وهو يصحّ من الذّمّيّ،
والحربيّ. انتهى (٢).
(لَهُ شَيْءٌ يُوصَى فِيهِ) صفة ((شيءٍ)): أي يصلح أن يوصي فيه، ويلزمه أن يوصي فيه.
قال ابن عبد البرّ: لم يختلف الرواة عن مالك(٣) في هذا اللفظ، ورواه أيوب، عن نافع
بلفظ: ((له شيء يريد أن يوصي فيه)). ورواه عبيد الله بن عمر، عن نافع مثل أيوب (٤)،
أخرجهما مسلم. ورواه أحمد، عن سفيان، عن أيوب، بلفظ: ((حقٌّ على كلّ مسلم أن
لا يبيت ليلتين، وله ما يوصي فيه ... )) الحديث. ورواه الشافعيّ، عن سفيان بلفظ:
((ما حقّ امرىء، يؤمن بالوصيّة ... )) الحديث. قال ابن عبد البرّ: فسّره ابن عُيينة: أي
يؤمن بأنها حقّ انتهى. وأخرجه أبو عوانة من طريق هشام بن الغاز، عن نافع، بلفظ:
((لا ينبغي لمسلم أن يبيت ليلتين ... )) الحديث. وذكره ابن عبد البرّ، عن سليمان بن
موسى، عن نافع مثله. وأخرجه الطبرانيّ من طريق الحسن، عن ابن عمر مثله.
وأخرجه الإسماعيليّ من طريق رَوْح بن عُبادة، عن مالك، وابن عون جميعًا عن نافع،
بلفظ: ((ما حقّ امرىء مسلم له مالٌ، يريد أن يوصي فيه)). وذكره ابن عبد البرّ من طريق
ابن عون بلفظ: ((لا يحلّ لامرىء مسلم، له مالٌ»، وأخرجه الطحاويّ أيضًا، وقد
(١) (طرح التثريب)) ٦/ ١٩٢.
(٢) ((فتح) ٥/٦. (كتاب الوصايا)).
(٣) رواية مالك هي الآتية بعد هذا للمصنّف، إن شاء الله تعالى.
(٤) رواية عبيدالله هنا كرواية مالك، فتنبه.

٨٩
١- (الگراهِیُّ فِي تأخير الوصية) - حدیث رقم ٣٦٤٢
=
=
أخرجه النسائيّ من هذا الوجه، ولم يَسُق لفظه(١). قال أبو عمر: لم يُتابع ابن عون على
هذه اللفظة. قال الحافظ: إن عنى عن نافع بلفظها، فمسلّمٌ، ولكن المعنى يمكن أن
يكون متّحدًا، كما سيأتي. وإن عنى عن ابن عمر، فمردود؛ لما سيأتي قريبًا ذكر من
رواه عن ابن عمر أيضًا بهذا اللفظ. قال ابن عبد البرّ: قوله: ((له مالٌ)) أولى عندي من
قول من روى ((له شيء))؛ لأن الشيء يُطلق على القليل والكثير، بخلاف المال. قال
الحافظ: كذا قال، وهي دعوى لا دليل عليها، وعلى تسليمها، فرواية ((شيء)» أشمل؛
لأنها تعمّ ما يُتموّل، وما لا يُتموّل، كالمختصّات. والله أعلم.
وقال أبو العبّاس القرطبيّ: قوله: ((له شيء يوصي فيه)) عامّ في الأموال، والبنين
الصغار، والحقوق التي له، وعليه كلها، من ديون، وكفّارات، وزكوات فرّط فيها، فإذا
وصّى بذلك أخرجت الديون من رأس المال، والكفّارات، والزكوات من ثلثه، على
تفصيل يُعرف في الفقه. انتهى(٢).
(أَنْ يَبِيتَ) في تأويل المصدر خبر ((ما حقُّ)). ومتعلّق ((يبيت)) محذوف، تقديره:
آمنًا، أو ذاكرًا. وقدّره ابن التين: موعوكًا، والأول أولى؛ لأن استحباب الوصيّة لا
يختصّ بالمريض، نعم قال العلماء: لا يُندب أن يكتب جميع الأشياء المحقّرة، ولا ما
جرت العادة بالخروج منه، والوفاء له عن قرب. والله تعالى أعلم.
((لَيْلَتَيْنِ) كذا لأكثر الرواة، ولأبي عوانة، والبيهقيّ من طريق حمّاد بن زيد، عن
أيوب: ((يبيت ليلةً أو ليلتين))، ولمسلم، والنسائيّ(٣) من طريق الزهريّ، عن سالم، عن
أبیه: ((یبیت ثلاث ليال)).
وكأنّ ذكر الليلتين، والثلاث لرفع الحرج لتزاحم أشغال المرء التي يحتاج إلى
ذكرها، ففسح له هذا القدر؛ ليتذكّر ما يحتاج إليه، واختلاف الروايات فيه دال على أنه
للتقريب، لا للتحدي، والمعنى: لا يمضي عليه زمان، وإن كان قليلاً، إلا ووصيته
مكتوبة. وفيه إشارة إلى اغتفار الزمن اليسير، وكأن الثلاث غاية للتأخير، ولذلك قال
ابن عمر في رواية سالم عند مسلم: ((لم أَبِثْ ليلةً منذ سمعت رسول اللّه وَالل يقول
ذلك، إلا ووصيتي عندي)). وسيأتي بنحوه للمصنف برقم ٣٦٤٥.
قال الطيبيّ: في تخصيص الليلتين والثلاث بالذكر تسامح في إرادة المبالغة، أي لا ينبغي
(١) هي الرواية الثالثة لهذا الحديث.
(٢) ((المفهم)» ٤/ ٤٤١ .
(٣) هي الرواية الرابعة، والخامسة لهذا الحديث.

٩٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْوَصَايَا
أن يبيت زمانًا ما، وقد سامحناه في الليلتين والثلاث، فلا ينبغي له أن يتجاوز ذلك.
وقال القرطبيّ: المقصود بذكر الليلتين، أو الثلاث التقريب، وتقليل مدّة ترك
كَتْب الوصيّة، ولذلك لما سمعه ابن عمر لم يبت ليلة إلا بعد أن كتب وصيّة،
والحزم المبادرة إلى كتبها أوّلَ أوقات الإمكان؛ لإمكان بغتة الموت التي لا يأمنها
العاقل ساعة. ويحتمل أن يكون إنما خصّ الليلتين بالذكر فسحة لمن يحتاج إلى أن
ينظر فيما له، وما عليه، فيتحقّق بذلك، ويُرَوَّى فيها ما يوصى به، ولمن يوصي إلى
غير ذلك. انتهى(١).
(إِلَّ وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ) جملة حالية مستثناة من أعمّ الأحوال، أي ليس حقّه البيتوتة
في حال من الأحوال، إلا في حال كون الوصيّة مكتوبة عنده. والكتابة أعمّ من أن تكون
بخطّه، أو بخطّ غيره. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث ابن عمر رضي اللَّه تعالى عنهما هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٣٦٤٢/١ و٣٦٤٣ و٣٦٤٤ و٣٦٤٥ و٣٦٤٦ - وفي ((الكبرى)) ١/
٦٤٤٢ و٦٤٤٣ و٦٤٤٤ و٦٤٤٥ و٦٤٤٦. وأخرجه (خ) في ((الوصايا)) ٢٧٣٨ (م) في
((الوصيّة)) ١٦٢٧ (د) في ((الوصايا)) ٢٨٦٢ (ت) في ((الجنائز)) ٩٧٤ و((الوصايا)) ٢١٢٨
(ق) في ((الوصايا)) ٢٦٩٩ (أحمد) في ((مسند المكثرين)) ٤٤٥٥ و٤٥٦٤ و٤٨٨٤
و٥٠٩٧ و٥١٧٥ (الموطأ) في ((الأقضية)) ١٤٩٢ و((الوصايا)) ٣١٧٥ (الدارمي) في
((الوصايا)) ٣٠٤٦ . والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنف رحمه اللّه تعالى، وهو بيان كراهة تأخير الوصيّة.
(ومنها): الحضّ على الوصيّة، ومطلقها يتناول الصحيح، لكن السلف خصّوها
بالمريض، وإنما لم يقيّد به في الخبر؛ لاطراد العادة به. (ومنها): أنه يُستفاد منه أن
الأشياء المهمّة ينبغي أن تضبط بالكتابة؛ لأنها أثبت من الضبط بالحفظ؛ لأنه يخون
غالبًا. (ومنها): أنه استُدلّ بقوله: ((مكتوبةٌ عنده)) على جواز الاعتماد على الكتابة
(١) ((المفهم)) ٥٤١/٤-٥٤٢.

=
٩١
١- (الکرامیةُ فِي تأخير الوصية) - حديث رقم ٣٦٤٢
والخطّ، ولو لم يقترن ذلك بالشهادة. وخصّ أحمد، ومحمد بن نصر من الشافعيّة ذلك
بالوصيّة؛ لثبوت الخبر فيها دون غيرها من الأحكام. وأجاب الجمهوربأن الكتابة ذُكرت
لما فيها من ضبط المشهود به، قالوا: ومعنى ((وصيّته مكتوبة عنده)) أي بشرطها. وقال
المحبّ الطبريّ: إضمار الإشهاد فيه بُعْدٌ. وأجيب بأنهم استدلّوا على اشتراط الإشهاد
بأمر خارج، كقوله تعالى: ﴿شَهْدَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَّكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ أَثْنَانِ﴾
الآية [المائدة: ١٠٦]، فإنه يدلّ على اعتبار الإشهاد في الوصيّة.
وقال القرطبيّ: ذكر الكتابة مبالغةٌ في زيادة التوثّق، وإلا فالوصيّة المشهود بها متّفقٌ
عليها، ولو لم تكن مكتوبة. والله تعالى أعلم.
(ومنها): أنه استُدل بقوله أيضًا: ((وصيّته مكتوبة عنده)) على أن الوصيّة تنفذ، وإن
كانت عند صاحبها، ولم يجعلها عند غيره، وكذلك إن جعلها عند غيره، وارتجعها.
(ومنها): أن فيه منقبةً لابن عمر رضي اللَّه تعالى عنهما؛ لمبادرته لامتثال قول
الشارع، ومواظبته عليه. (ومنها): أن فيه الندب إلى التأهّب للموت، والاحتراز قبل
الفوت؛ لأن الإنسان لا يدري متی یفجؤه الموت؛ لأنه ما من سن یفرض إلا وقد مات
فيه جمعٌ جمّ، وكلّ واحد بعينه جائزٌ أن يموت في الحال، فينبغي أن يكون متأهّبًا لذلك،
فيكتب وصيّته، ويجمع فيها ما يحصل له به الأجر، ويُحبط عنه الوزر، من حقوق الله
تعالى، وحقوق عباده. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم الوصيّة:
قال العلامة ابن قدامة رحمه اللّه تعالى: لا تجب الوصيّة إلا على من عليه دينٌ، أو
عنده وديعةٌ، أو عليه واجبٌ يوصي بالخروج منه؛ فإن الله تعالى فرض أداء الأمانات،
وطريقه في هذا الباب الوصيّة، فتكون مفروضة عليه، فأما الوصيّة بجزء من ماله،
فليست بواجبة على أحد، في قول الجمهور، وبذلك قال الشعبيّ، والنخعيّ،
والثوريّ، ومالكٌ، والشافعيّ، وأصحاب الرأي، وغيرهم. وقال ابن عبد البرّ: أجمعوا
على أن الوصيّة غير واجبة، إلا على من عليه حقوق بغير بيّنة، وأمانة بغير إشهاد، إلا
طائفة شذّت، فأوجبتها. روي عن الزهريّ أنه قال: جعل الله الوصيّة حقًّا مما قلّ، أو
كثُر. وقيل لأبي مِجْلَز: على كلّ ميت وصيّةٌ؟ قال: إن ترك خيرًا. وقال أبوبكر
عبد العزيز: هي واجبةٌ للأقربين الذين لا يرثون. وهو قول داود. وحُكي ذلك عن
مسروق، وطاوس، وإياس، وقتادة، وابن جرير. واحتجوا بالآية، وخبر ابن عمر،
وقالوا: نُسخت الوصيّة للوالدين والأقربين الوارثين، وبقيت فيمن لا يرث من الأقربين.
واحتجّ الأولون بأن أكثر أصحاب رسول اللّه وَ له لم يُنقل عنهم وصيّةٌ، ولم يُنقل لذلك

٩٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْوَصَايَا
نكير، ولو كانت واجبةً لم يُخلّوا بذلك، ولنُقِل عنهم نقلًا ظاهرًا. انتهى المقصود من
كلام ابن قدامة رحمه اللَّه تعالى(١).
وقال في ((الفتح)): واستدلّ بحديث ابن عمر رضي اللَّه تعالى عنهما المذكور في
الباب مع ظاهر آية: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا أَلْوَصِيَّةُ﴾ الآية
[البقرة: ١٨] على وجوب الوصيّة، وبه قال الزهريّ، وأبو مِجْلَز، وعطاء، وطلحة بن
مصرّف في آخرين، وحكاه البيهقيّ عن الشافعيّ في القديم، وبه قال إسحاق، وداود،
واختاره أبو عوانة الإسفراينيّ، وابن جرير، وآخرون. ونسب ابن عبد البرّ القول بعدم
الوجوب إلى الإجماع، سوى من شذّ. كذا قال.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: ((كذا قال)) إشارة من صاحب ((الفتح)) إلى
الاعتراض على ابن عبد البرّ في دعواه الإجماع، وهو حقيقٌ بالاعتراض عليه، كيف
يدّعي الإجماع، وقد سبق قول كثير من أهل العلم به، إن هذا لهو العجب. والله تعالى
أعلم.
قال: واستُدلّ لعدم الوجوب من حيث المعنى؛ لأنه لو لم يوص لقُسم جميع ماله بين
ورثته بالإجماع، فلو كانت الوصيّة واجبة لأخرج من ماله سهم ينوب عن الوصيّة.
وأجابوا عن الآية بأنها منسوخة، كما قال ابن عبّاس رضي اللّه تعالى عنهما: ((كان
المال للولد، وكانت الوصيّة للوالدين، فنسخ الله من ذلك ما أحب، فجعل لكلّ واحد
من الأبوين السدس، وجعل للمرأة الثمن والربع، وللزوج الشطر والربع)) رواه
البخاريّ.
وأجاب من قال بالوجوب بأن الذي نسخ الوصيّة للوالدين والأقارب الذين يرثون،
وأما الذي لا يرث، فليس في الآية، ولا في تفسير ابن عبّاس ما يقتضي النسخ في حقّه.
وأجاب من قال بعدم الوجوب عن قوله في الحديث: ((ما حقّ امرىء)) بأن المراد
الحزم والاحتياط؛ لأنه قد يفجؤه الموت، وهو على غير وصيّة، ولا ينبغي للمؤمن أن
يغفل عن ذكر الموت والاستعداد له، وهذا عن الشافعيّ. وقال غيره: الحقّ لغةً الشيء
الثابت، ويُطلق شرعًا على ما ثبت به الحكم، والحكم الثابت أعمّ من أن يكون واجبًا،
أو مندوبًا، وقد يُطلق على المباح أيضًا، لكن بقّة. قاله القرطبيّ. قال: فإن اقترن به
((على))، أو نحوها، كان ظاهرًا في الوجوب، وإلا فهو على الاحتمال. وعلى هذا
التقدير فلا حجة في هذا الحديث لمن قال بالوجوب، بل اقترن هذا الحقّ بما يدلّ على
(١) ((المغني)) ٣٩٠/٨-٣٩١. ((كتاب الوصيّة.

=
٩٣
١- (الکرامیةُ فِي تأخير الوصية) - حديث رقم ٣٦٤٢
الندب، وهو تفويض الوصيّة إلى إرادة الموصي، حيث قال: ((له شيء يريد أن يوصي
فيه))، فلو كانت الوصيّة واجبة، لما علّقها بإرادته.
وأما الجواب عن الرواية التي بلفظ ((لا يحلّ)) فلاحتمال أن يكون راويها ذكرها،
وأراد بنفي الحلّ ثبوت الجواز بالمعنى الأعمّ الذي يدخل تحته الواجب، والمندوب،
والمباح .
واختلف القائلون بوجوب الوصيّة، فأكثرهم ذهب إلى وجوبها في الجملة، وعن
طاوس، وقتادة، والحسن، وجابر بن زيد في آخرين: تجب للقرابة الذين لا يرثون
خاصّة. أخرجه ابن جرير وغيره عنهم، قالوا: فإن أوصى لغير قرابته لم تنفذ، ويردّ
الثلث كلّه إلى قرابته، وهذا قول طاوس، وقال الحسن، وجابر بن زيد: ثلثا الثلث.
وقال قتادة: ثلث الثلث. وأقوى ما يردّ على هؤلاء ما احتجّ به الشافعيّ من حديث
عمران بن حصين رضي اللّه تعالى عنهما في قصّة الذي أعتق عند موته ستة أعبد له، لم
يكن له مالٌ غيرهم، فدعاهم النبيّ وَّرَ، فجزأهم ستّة أجزاء، فأعتق اثنين، وأرقّ أربعة.
قال: فجعل عتقه في المرض وصيّةً، ولا يقال: لعلّهم كانوا أقارب المعتق؛ لأنا نقول:
لم تكن عادة العرب أن تملك من بينها وبينه قرابة، وإنما تملك من لا قرابة له، أو كان
من العجم، فلو كانت الوصيّة تبطل لغير القرابة لبطلت في هؤلاء. وهذا استدلالٌ قويّ.
والله أعلم.
ونقل ابن المنذر عن أبي ثور أن المراد بوجوب الوصيّة في الآية والحديث، يختصّ
بمن عليه حقّ شرعيّ، يخشَی أن یضیع على صاحبه إن لم یوص به، كودیعة، ودین
لله، أو لآدميّ، قال: ويدلّ على ذلك تقييده بقوله: ((له شيء يريد أن يوصي فيه))؛ لأنه
فيه إشارة إلى قدرته على تنجيزه، ولو كان مؤجّلًا، فإن أراد ذلك ساغ له، وإن أراد أن
يوصي به ساغ له.
وحاصله يرجع إلى قول الجمهور: إن الوصيّة غير واجبة لعينها، وإن الواجب لعينه
الخروج من الحقوق الواجبة للغير، سواء كانت بتنجيز، أو وصيّة، ومحلّ وجوب
الوصيّة إنما هو فيما إذا كان عاجزًا عن تنجيز ما عليه، وكان لم يعلم بذلك غيره، ممن
يثبت الحقّ بشهادته، فأما إذا كان قادرًا، أو علم بها غيره، فلا وجوب.
وعُرف من مجموع ما ذكرنا أن الوصيّة قد تكون واجبةً، وقد تكون مندوبةً فیمن رجا
منها كثرة الأجر، ومكروهةً في عكسه، ومباحة فيمن استوى الأمران فيه، ومحرّمة فيما
إذا كان فيها إضرارٌ، كما ثبت عن ابن عبّاس رضي اللَّه تعالى عنهما: ((الإضرار في
الوصيّة من الكبائر)). رواه سعيد بن منصور موقوفًا بإسناد صحيح. ورواه النسائيّ،

٩٤
شرح سنن النسائي - کِتَابُ الْوَصَابَا
ورجاله ثقات.
واحتجّ ابن بطّال تبعًا لغيره بأن ابن عمر لم يوص، فلو كانت الوصيّة واجبةً لما
تركها، وهو راوي الحديث. وتُعُقّب بأن ذلك إن ثبت عن ابن عمر، فالعبرة بما روى،
لا بما رأى، على أن الثابت عنه في ((صحيح مسلم))، كما تقدّم أنه قال: ((لم أبت ليلةً
إلا ووصيّتي مكتوبةٌ عندي)). والذي احتج بأنه لم يوص اعتمد على ما رواه حماد بن
زيد، عن أيوب، عن نافع، قال: «قيل لابن عمر في مرض موته: ألا توصي؟ قال: أما
مالي، فالله يعلم ما كنت أصنع فيه، وأما رِبَاعي، فلا أحبّ أن يُشارك ولدي فيها أحد)).
أخرجه ابن المنذر وغيره بإسناد صحيح.
ويُجمع بينه وبين ما رواه مسلم بالحمل على أنه كان يكتب وصيته، ويتعاهدها، ثم
صار يُنجز ما كان يوصي به معلّقًا، وإليه الإشارة بقوله: فالله يعلم ما كنت أصنع في
مالي. ولعلّ الحامل له على ذلك حديثه الذي أخرجه البخاريّ من طريق الأعمش،
قال: حدثني مجاهد، عن عبد الله بن عمر تؤثبتا، قال: أخذ رسول اللَّه وَل بمنكبي،
فقال: ((كن في الدنيا كأنك غريب، أو عابر سبيل))، وكان ابن عمر يقول: إذا أمسيت
فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت، فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن
حياتك لموتك.
فصار يُنجز ما يريد التصدّق به، فلم يَحتج إلى تعليق. وقد علّق البخاريّ في
((الوصايا))، قال: ((وجعل ابن عمر نصبيه من دار عمر سُكنى لذوي الحاجات من آل
عبد الله)). وقد وصله ابن سعد بمعناه، وفيه: ((أنه تصدّق بداره محبوسة، لا تباع، ولا
توهب)). فبهذا يحصل التوفيق. أفاده في ((الفتح))(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذكر أن الأرجح هو ما ذهب إليه الجمهور
من أن الوصيّة قد تكون واجبة، كالوصيّة بحقوق الله تعالى الواجبة، وحقوق الآدمیین،
وقد تكون غير واجبة، فالأدلة التي تقتضي الوجوب تحمل على ما إذا كان عليه حقّ
واجب، وبهذا تجتمع الأدلة الواردة في هذا الباب. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع، والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في قدر المال الذي تشرع فيه الوصيّة :
قال الحافظ وليّ الدين رحمه اللّه تعالى: اختلف السلف في مقدار المال الذي
تستحب فيه الوصيّة، أو تجب عند من أوجبها، فروي عن عليّ رضي اللَّه تعالى عنه أنه
(١) ((فتح) ٧/٦-٨. ((كتاب الوصايا)).

١- (الكَرَاهِيةُ فِي تأخير الوَصِية) - حديث رقم ٣٦٤٣
=
٩٥
قال: ستمائة درهم، أو سبعمائة درهم ليس بمال، فيه وصيّة، وروي عنه أنه قال: ألف
درهم مالٌ، فيه وصيّة. وقال ابن عباس: لا وصيّة في ثمانمائة درهم. وقالت عائشة في
امرأة لها أربعة من الولد، ولها ثلاثة آلاف درهم: لا وصيّة في مالها. وقال إبراهيم
النخعيّ: ألف درهم إلى خمسمائة درهم. وقال قتادة في قوله تعالى: ﴿إِن تَّرَكَ خَيْرًا﴾
الخير ألف، فما فوقها. وعن عليّ: من ترك مالًا يسيرًا، فليدعه لورثته، فهو أفضل.
وعن عائشة فيمن ترك ثمانمائة لم يترك خيرًا، فلا يوصي، أو نحو هذا من القول.
وحكى ابن حزم عن عائشة أنها قالت فيمن ترك أربعمائة دينار: ما في هذا فضل عن
ولده. وقال أبو الفرج السرخسيّ من الشافعيّة: إن من قلّ ماله، وكثر عياله يستحبّ أن
لا يفوّته عليهم بالوصيّة. والصحيح المعروف عند الشافعيّة استحباب الوصيّة لمن له
مالٌ مطلقًا انتهى كلام وليّ الدين رحمه اللّه تعالى(١).
وقال العلامة ابن قدامة بعد أن حكى نحو الخلاف المذكور: ما نصّه: والذي يَقْوَى
عندي أنه متى كان المتروك لا يفضل عن غنى الورثة، فلا تستحبّ الوصيّة؛ لأن النبيّ
وَر عّل المنع من الوصيّة بقوله: ((أن تترك ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة))؛
ولأن إعطاء القريب المحتاج خير من إعطاء الأجنبيّ، فمتى لم يبلغ الميراث غناهم،
كان تركه لهم كعطيتهم إياه، فيكون ذلك أفضل من الوصيّة لغيرهم، فعند هذا يختلف
الحال باختلاف الورثة في كثرتهم وقلّتهم، وغناهم، وحاجتهم، فلا يتقيّد بقدر من
المال. والله أعلم انتهى كلام ابن قُدمة رحمه اللّه تعالى(٢).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذا الذي قاله ابن قدامة رحمه الله تعالى تفصيلٌ
حسن جدًّا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم
الو کیل.
٣٦٤٣- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ الْقَاسِمِ، عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِعِ،
عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ﴿ قَالَ: ((مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، لَهُ شَيْءٌ يُوصَى فِهِ، يَبِيْتُ
لَيْلَتَيْنِ، إِلَّا وَوَصِيَتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ)).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا
غير مرّة. و((محمد بن سلمة)): هو المراديّ الجمليّ، أبو الحارث المصريّ الثقة. و((ابن
القاسم)): هو عبد الرحمن الْعُتقيّ المصريّ.
وقوله: ((يبيت ليلتين)): أصله أن يبيت فيؤول بالمصدر، أي ما حقّه بيتوتة ليلتين، إلا
(١) ((طرح التثريب)) ١٨٨/٦-١٨٩.
(٢) ((المغني)) ٣٩٢/٨-٣٩٣.

٩٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْوَصَایَا
بهذه الصفة، ويدلّ لك تصريحه بذلك في الرواية السابقة، وحذف ((أن)) ورفع الفعل
قياس على الصحيح؛ لوقوعه في القرآن، كقوله تعالى: ﴿وَمِنْ ءَايَتِهِ. يُرِيكُمُ الْبَرَّقَ﴾
الآية [الروم: ٢٤] .
والحديث متفقٌ عليه، وقد سبق تمام البحث فيه في الذي قبله. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٦٤٤- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم بْنِ تُعَيْم، قَالَ: حَدْثَنَا حِبَّانُ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ،
عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَوْلَهُ).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: ((محمد بن حاتم بن نُعيم)): هو المروزيّ الثقة.
و((حِبّان)) -بكسر المهملة- ابن موسى، أبو محمد المروزيّ الثقة. و((عبد الله)): هو ابن
المبارك. و((ابن عون)): هو عبد الله بن عون بن أرطبان.
وقوله: ((قوله)) أي موقوفًا عليه، ولا يضرّ وقفه؛ لأن الأكثرين على رفعه. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٦٤٥- (أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَّى، قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ،
عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: فَإِنَّ سَالِمًا أَخْبَرَنِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيِّ نَِّ قَالَ: (مَا
حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، تَمُرُّ عَلَيْهِ ثَلَاثُ لَيَالٍ، إِلَّ وَعِنْدَهُ وَصِيَتُهُ))، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: مَا
مَرَّتْ عَلَيَّ مُنْذُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ بِهِ، قَالَ ذَلِكَ، إِلَّ وَعِنْدِي وَصِيَّتِي).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وقد تقدّموا
غير مرّة. ((يونس بن عبد الأعلى)): هو الصدَفيّ المصريّ. و((يونس)) الثاني: هو ابن
يزيد الأيليّ.
وقوله: ((ما مرّت عليّ الخ)) هكذا نسخ ((المجتبى))، فيوهم أن فاعل ((مرّت)) ضمير
(ثلاث ليال))، وليس كذلك؛ بل الصواب أنه سقط من النسخ لفظة («ليلةٌ))، وهو
الفاعل، وقد وقع في ((الكبرى)) على الصواب، ولفظه: ((ما مرّت عليّ ليلة الخ))، وهو
الذي في ((صحيح مسلم)). فتنبه.
والحديث متفق عليه، وقد سبق تمام البحث فيه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٦٤٦- (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ يَحْتِى بْنِ الْوَزِيرِ بْنِ سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ وَهْبٍ،
قَالَ: أَخْبَرَنِ يُونُسُ، وَعَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ
أَبِيهِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ بِهِ، قَالَ: ((مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، لَهُ شَيْءٌ، يَّوَصَى فِيهِ، فَيَبِيتُ
ثَلاثَ لَيَالٍ، إِلَّ وَوَصِيَتُهُ عِنْدَهُ مَكْتُوبَةٌ)).

٢- (هَلْ أَوْصَى النَّبيُّ ◌َ﴾؟) - حديث رقم ٣٦٤٧
=
٩٧
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((أحمد بن يحيى بن الوزير بن سليمان)): هو
التُّجِيبيّ، أبو عبد الله المصريّ الثقة [١١] ٢٦٩٠/٤٢.
وقوله: ((فيبيت الخ)) الظاهر أن الفاء زائدة، كما تقدّم تقريره.
والحديث متّفق عليه، كما سبق تمام البحث فيه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع، والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلتُ، وإليه
أنیب».
٢- (هَلْ أَوْصَى النَّبِيُّ بَّهِ؟)
٣٦٤٧- (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا
مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا طَلْحَةُ، قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ أَبِي أَوْفَى، أَوْصَى رَسُولُ اللَّهِ
وَ﴾؟، قَالَ: لَا، قُلْتُ: كَيْفَ كُتِبَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ الْوَصِيَّةُ؟، قَالَ: أَوْصَى بِكِتَابِ اللَّهِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١- (إسماعيل بن مسعود) الْجَخدريّ، أبو مسعود البصريّ، ثقة [١٠] ٤٧/٤٢.
٢- (خالد بن الحارث) الْهُجَيميّ، أبو عثمان البصريّ، ثقة ثبت [٨] ٤٧/٤٢.
٣- (مالك بن مِغْول) -بكسر، فسكون- أبو عبد اللَّه الكوفيّ، ثقة ثبت، من كبار
[٧] ١٢٧/٩٨ .
٤- (طلحة) بن مصرّف بن عمرو بن كعب اليماميّ الكوفيّ الثقة القارىء الفاضل [٥]
٣٠٦/١٩١.
٥- (ابن أبي أوفى) هو عبد الله بن أبي أوفى علقمة بن خالد بن الحارث الأسلميّ
الصحابيّ، شهد الحديبية، وعُمّر بعد النبيّ وَل از دهرًا، ومات سنة (٨٧)، وهو آخر من
مات من الصحابة رضي الله تعالى عنهم بالكوفة. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير
شيخه، وخالد، فبصريان. والله تعالى أعلم.

٩٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْوَصَايَا
شرح الحديث
عن طلحة بن مصرّف رحمه الله تعالى، أنه (قال: سَأَلْتُ) عبد اللَّه (ابْنَ أَبِي أَوْفَى)
رضي اللّه تعالى عنه (أَوْصَى رَسُولُ اللَّهِ بِلِهِ؟) بتقدير همزة الاستفهام، أي أ أوصى
رسول اللَّه ◌َله بشيء؟ (قَالَ) ابن أبي أوفى رضي اللّه تعالى عنه (لَا) هكذا أطلق
الجواب، وكأنه فهم أن السؤال وقع عن وصيّة خاصّة، فلذلك ساغ نفيها، لا أنه أراد
نفي الوصيّة مطلقًا؛ لأنه أثبت بعد ذلك أنه أوصى بكتاب الله. قاله في ((الفتح))(١).
(قُلْتُ: كَيْفَ كُتِبَ) بالبناء للمفعول، أي كيف أوجب اللَّه تعالى (عَلَى الْمُسْلِمِينَ
الْوَصِيَّةُ؟) بالرفع على أنه نائب فاعل ((كُتِبَ)) ولفظ البخاريّ: ((كيف كُتب على الناس
الوصيّة؟، أو أمروا بالوصيّة؟)). وهو شكّ من الراوي، هل قال: ((كيف كُتب على
الناس الوصيّة؟))، أو قال: كيف أَمروا بها؟. زاد البخاري في ((فضائل القرآن)) من
((صحيحه)): ((ولم يوص). قال في ((الفتح)): وبذلك يتمّ الاعتراض، أي كيف يؤمر
المسلمون بشيء، ولا يفعله النبيّ صلّى الله وسلّم؟.
قال النوويّ: لعلّ ابن أبي أوفى أراد لم يوص بثلث ماله؛ لأنه لم يترك بعده مالاً ،
وأما الأرض، فقد سبّلها في حياته، وأما السلاح، والبغلة، ونحو ذلك، فقد أخبر بأنها
لا تورث عنه، بل جميع ما يخلفه صدقة، فلم يبق بعد ذلك ما يوصي به من الجهة
المالية. وأما الوصايا بغير ذلك، فلم يرد ابن أبي أوفى رضي اللّه تعالى عنه نفيها.
ويحتمل أن يكون المنفيّ وصيته إلى عليّ بالخلافة، كما وقع التصريح به في حديث
عائشة رضي اللّه تعالى عنها الآتي، ويؤيّده ما وقع في رواية الدارميّ، وابن ماجه، وأبي
عوانة في آخر هذا الحديث: قال طلحة: فقال هُزَيل بن شُرَخبيل: أبو بكر كان يتأمّر
على وصيّ رسول اللّه وَ له، وذ أبو بكر أنه كان وجد عهدًا من رسول اللَّه وَّر، فخزم
أنفه بخزام. وهُزيل هذا بالزاي مصغّرًا أحد كبار التابعين، ومن ثقات أهل الكوفة. فدل
هذا على أنه كان في الحديث قرينة تُشعر بتخصيص السؤال بالوصيّة بالخلافة، ونحو
ذلك، لا مطلق الوصيّة .
وأخرج ابن حبّان الحديث من طريق ابن عيينة، عن مالك بن مغول، بلفظ يزيل
الإشكال، فقال: ((سُئل ابن أبي أوفى، هل أوصى رسول اللّه ◌َلتَرَ؟ قال: ما ترك شيئًا
يوصي فيه، قيل: فكيف أمر الناس بالوصيّة، ولم يوص؟ قال: أوصى بكتاب اللَّه)).
وقال القرطبيّ: استبعاد طلحة واضحٌ؛ لأنه أطلق، فلو أراد شيئًا بعينه لخصّه به،
(١) ((فتح) ٩/٦. (كتاب الوصايا)).

٩٩
٢- (هَلْ أَوْصَى النَّبِيُّ ◌َله؟) - حديث رقم ٣٦٤٧
فاعترضه بأن الله كتب على المسلمين الوصيّة، وأُمروا بها، فكيف لم يفعلها النبيّ وَّ؟
فأجابه بما يدل على أنه أطلق في موضع التقييد، قال: وهذا يُشعر بأن ابن أبي أوفى،
وطلحة بن مصرّف كانا يعتقدان أن الوصيّة واجبة. كذا قال. قاله في ((الفتح)).
(قَالَ: أَوْصَى بِكِتَابِ اللَّهِ) أي بالتمسّك به، والعمل بمقتضاه، ولعلّه أشار لقوله وَلات . :
((تركتُ فيكم ما إن تمسّكتم به لم تضلّوا، كتاب اللَّه)). وأما ما صحّ في مسلم وغيره أنه
وَلخر ((أوصى عند موته بثلاث: لا يَبقينّ بجزيرة العرب دينان»، وفي لفظ: ((أخرجوا
اليهود من جزيرة العرب))، وقوله: ((أجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجیزهم به))، ولم يذكر
الراوي الثالثة، وكذا ما ثبت في النسائيّ أنه وَلقر: ((كان آخر ما تكلّم به الصلاة، وما
ملكت أيمانكم))، وغير ذلك من الأحاديث التي يمكن حصرها بالتتبّع، فالظاهر أن ابن
أبي أوفى لم يُرد نفيه، ولعلّه اقتصر على الوصيّة بكتاب الله لكونه أعظم، وأهمّ، ولأن
فيه تبيان كلّ شيء، إما بطريق النصّ، وإما بطريق الاستنباط، فإذا اتّبع الناس ما في
كتاب الله، عملوا بكلّ ما أمرهم النبيّ بَّر به؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَاَ ءَانَكُمُ الرَّسُولُ
فَخُذُوهُ﴾ الآية [الحشر: ٧]، أو يكون لم يَخْضُر شيئًا من الوصايا المذكورة، أو لم
يستحضرها حال قوله.
والأولى أنه إنما أراد بالنفي الوصيّة بالخلافة، أو بالمال، وساغ إطلاق النفي، أما في
الأول، فبقرينة الحال، وأما في الثاني، فلأنه المتبادر عرفًا. وقد صحَّ عن ابن عبّاس
رضي اللَّه تعالى عنهما ((أنه بَّ لم يوص)). أخرجه ابن أبي شيبة من طريق أرقم بن
شُرَحبيل عنه، مع أن ابن عبّاس هو الذي روى حديث أنه بَّر أوصى بثلاث، والجمع
بينهما على ما تقدّم.
وقال الكرمانيّ: قوله: ((أوصى بكتاب الله)) الباء زائدة، أي أمر بذلك، وأطلق
الوصيّة على سبيل المشاكلة، فلا منافاة بين النفي والإثبات.
قال الحافظ: ولا يخفى بُعدُ ما قال، وتكلّفه، ثم قال الكرمانيّ: أو المنفيّة الوصيّة
بالمال، أو الإمامة، والمثبت الوصيّة بكتاب الله، أي بما في كتاب اللَّه أن يعمل به
انتهى. قال الحافظ: وهذا الأخير هو المعتمد. انتهى (١). والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
(١) ((فتح)) ٩/٦-١١. ((كتاب الوصايا)).

١٠٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْوَصَابًا
حديث عبد الله بن أبي أوفى رضي الله تعالى عنه هذا متفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٣٦٤٧/٢ - وفي ((الكبرى)) ٦٤٤٧/٢. وأخرجه (خ) في ((الوصايا»
٢٧٤٠ و((المغازي)) ٤٤٦٠ و((فضائل القرآن)) ٥٠٢٢ (م) في ((الوصايا)) ١٦٣٤ (ت) في
((الوصايا)) ٢١١٩ (ق) في ((الوصايا)) ٢٦٩٦ (أحمد) في ((مسند الكوفيين)) ١٨٦٤٤
و١٨٦٥٦ و١٨٩١٨ (الدارمي) في ((الوصايا)» ٣١٨٠. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان جواب من سأل ب((هل
أوصى النبيّ وَليه؟)). (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ وَل من الإعراض عن الدنيا،
بحيث إنه لم يترك شيئًا يوصي به، بل خرج فارغ القلب واليد منها. (ومنها): شدّة
عنايته وَ له بالتمسّك بكتاب الله تعالى، بحيث إنه كان من أواخر ما أوصى به أمته.
(ومنها): ما كان عليه السلف رضي الله تعالى عنهم من البحث عن سنته وَطّر، ولو في
حال موته، حتى يستثوا بها، ويحكّموها في جميع أحوالهم، محياهم، ومماتهم. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٦٤٨- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيِى بْنُ آدَمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُفَضَّلٌ،
عَنِ الْأَعْمَشِ، وَأَنْبَأْنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَّاءِ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةً، عَنِ
الْأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَّتْ: ((مَا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ إَِ
دِينَارَا، وَلَا دِرْهَمًا، وَلَا شَاةٌ، وَلَا بَعِيرًا، وَلَا أَوْصَى بِشَيْءٍ)).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه أحمد
ابن حرب، فإنه من أفراده، وهو ثقة.
و((مفضّل)): هو ابن مهَلْهَل السعديّ الكوفيّ الثقة الثبت النبيل العابد. و(«أبو معاوية)):
هو محمد بن خازم الضرير. و((شقيق)): هو ابن سلمة، أبو وائل.
وقولها: ((ولا أوصى بشيء)) أي مما يتعلّق بالمال، أو بأمر الخلافة.
وشرح الحديث تقدّم مستوفّى في شرح حديث عمرو بن الحارث رضي الله تعالى
عنه في أول ((كتاب الإحباس)) ٣٦٢١/١ . فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عائشة رضي اللَّه تعالى عنها هذا أخرجه مسلم.