Indexed OCR Text

Pages 41-60

=
٤١
١٧ - (بابُ سُھْمَانِ الخَيْل) - حديث رقم ٣٦٢٠
ثلاثة أسهم، سهمٌ له، وسهمان لفرسه، وللراجل سهم. قال ابن المنذر: هذا مذهب
عمر بن عبد العزيز، والحسن، وابن سيرين، وحبيب بن أبي ثابت، وعوامَ علماء
الإسلام في القديم والحديث، منهم: مالك، ومن تبعه من أهل المدينة، والثوريّ،
ومن وافقه من أهل العراق، والليث بن سعد، ومن تبعه من أهل مصر، والشافعيّ،
وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وأبو یوسف، ومحمد.
وقال أبو حنيفة: للفرس سهم واحد؛ لما روى مُجمّع بن جارية أن رسول اللّه وَيه
قسم خيبر على أهل الحديبية، فأعطى الفارس سهمين، وأعطى الراجل سهمًا. رواه
أبو داود؛ ولأنه حيوانٌ ذو سهم، فلم يزد على سهم، كالآدميّ.
واحتجّ الأولون بما روى ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما أن رسول اللّه وَ لل أسهم
يوم خيبر، للفارس ثلاثة أسهم، سهمان لفرسه، وسهم له. متفقٌ عليه. انتهى(١).
وقال أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: حديث ابن عمر المذكور حجة لمالك،
والجمهور على أنه يُقسم للفرس وراكبه ثلاثة أسهم، وللراجل سهم، لا سيّما على
رواية ((وللرجل))، فإنه يريد به راكب الفرس، وأن الألف واللام فيه للعهد. وقد روي
من طريق صحيح عن ابن عمر أن رسول اللّه وَ لتر أسهم لرجل، وفرسه ثلاثة أسهم،
سهمًا له، ولفرسه سهمين. ذكره أبو داود. وفي البخاريّ عن ابن عمر: ((جعل للفرس
سهمین، ولصاحبه سهمًا)).
ومن جهة المعنى أن مؤن الفارس أكثر، وغَناؤه أعظم، فمن المناسب أن يكون
سهمه أكثر من سهم الراجل.
وشذّ أبو حنيفة، فقال: يقسم للفرس كما يقسم للرجل. ولا أثر يعضده، ولا قياس
يعتمده، ولذلك خالفه في ذلك كبراء أصحابه، كأبي يوسف، ومحمد بن الحسن،
وغيرهما. وقد ذكر أبو بكر بن أبي شيبة من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما:
((أن رسول اللّه وَ لل قسم للفارس سهمين، وللراجل سهمًا)). والصحيح من حديث ابن
عمر رضي الله تعالى عنهما ما خرّجه البخاريّ ومسلم، كما ذكرناه انتهى (٢).
وقال في ((الفتح)): قال محمد بن سحنون: انفرد أبو حنيفة بذلك(٣)، دون فقهاء
الأمصار، ونقل عنه أنه قال: أكره أن أفضّل بهيمة على مسلم، وهي شبهة ضعيفة؛ لأن
1
(١) («المغني)) ١٣ /٨٥.
(٢) ((المفهم)) ٥٥٨/٣-٥٥٩ .
(٣) لكن ذكر في ((الفتح)) بأن هذا القول نقل عن عمر، وعليّ، وأبي موسى ﴾، لكن الثابت عن
عمر وعليّ كالجمهور انتهى ((فتح)) ٦/ ١٦٠ .

٤٢
شرح سنن النسائي - کِتَابُ الْخَيْلِ
السهام كلها في الحقيقة للرجل.
قال الحافظ: قلت: لو لم يثبت الخبر لكانت الشبهة قويّة؛ لأن المراد المفاضلة بين
الرجل والفارس، فلو لا الفرس ما ازداد الفارس سهمين عن الرجل، فمن جعل للفارس
سهمین، فقد سوّى بين الفرس وبين الرجل.
وقد تُعُقّب هذا أيضًا لأن الأصل عدم المساواة بين البهيمة والإنسان، فلما خرج هذا
عن الأصل بالمساواة، فلتكن المفاضلة كذلك. وقد فضّل الحنفيّة الدابّة على الإنسان
في بعض الأحكام، فقالوا: لو قتل كلبَ صيد قيمته أكثر من عشرة آلاف، أداها، فإن
قتل عبدًا مسلمًا، لم يؤد فيه إلا دون عشرة آلاف درهم. والحقّ أن الاعتماد في ذلك
على الخبر انتهى(١).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الذي نقل عن أبي حنيفة أنه قال في تفضيل
الفرس على الراجل: أكره أن أفضّل بهيمة على مسلم، بينما يفضّل الكلب على مسلم،
فيتناقض في ذلك، إنما هو قياس في مقابلة النصّ، وذلك باطلٌ بإجماع أهل الحقّ، ولقد
أحسن من قال، وأجاد في المقال [من الوافر]
إِذَا جَالَتْ خُيُولُ النَّصِّ يَوْمًا تُجَارِي فِي مَيَادِينِ الْكِفَاحِ
غَدَتْ شُبّهُ الْقِيَاسِيْينَ صَرْعَى تَطِيرُ رُؤُوسُهُنَّ مَعَ الرِّيَاحِ
والحاصل أن الحقّ مع الجمهور من أن الفارس له ثلاثة أسهم، سهمان لفرسه،
وسهم له. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنيب)).
(١) ((فتح)) ١٥٩/٦ - ١٦٠.

٤٣
٢٨ - (كِتَابُ الإخباس) - حديث رقم ٣٦٢١
٢٨- (كِتَابُ الإِخْبَاسِ)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((الإخبَاسُ)) -بكسر الهمزة- مصدر أحبسه: إذا
وقفه، ويحتمل أن یکون بفتح الهمزة جمع حُبْس -بضمّ، فسکون- اسم من الإحباس،
كما سيأتي في عبارة ((اللسان)).
قال الفيّوميّ: حَبَستُهُ، من باب ضرب بمعنى وَقَفْتُهُ، فهو حبيسٌ، والجمع حُبُسٌ،
مثلُ بريدٍ وبُرُدٍ، وإسكان الثاني للتخفيف لغةٌ، ويُستعمل الحبيس في كلّ موقوف،
واحدًا كان، أو جماعةً، وحَبّسته بالتثقيل مبالغة، وأحبسته بالألف مثله، فهو محبوسٌ،
ومُحَبَّسٌ، ومُخْبَسٌ. انتهى بزيادة يسيرة.
وقال في ((اللسان)): حَبَسْتُ أَخْبِسُ حَبْسًا -من باب ضرب- وأَحبستُ أُحِسُ
إِخباسًا: أي وقفتُ، والاسم الْحُبْسُ بالضمّ. قال الأزهريّ: الْحُبُسُ - بضمتين- جمع
الحَپیسِ، یقع علی کلّ شيء وقفه صاحبه وقفًا مُحرَّمًا، لا یورث، ولا يُباع، من أرض،
ونخل، وكَرْم، ومُسْتَغَلْ، يُحبَس أصله وقفًا مؤبّدًا، وتُسْبَلُ ثمرته تقرّبًا إلى الله عز
وجل، كما قال النبيّ وَله لعمر ◌َّي في نخل له، أراد أن يتقرّب بصدقته إلى الله عز
وجل، فقال له: ((حَبِّسِ الأصلَ، وسَبِّلِ الثمرة)»: أي اجعله وقفّاحُبُسًا. ومعنى تحبيسه
أن لا يورث، ولا يُباع، ولا يوهب، ولكن يُترك أصله، ويُجعل ثمره في سُبُل الخير.
وأما ما رُوي عن شُرَيح أنه قال: جاء محمّد وَّ بإطلاق الْحُبُس، فإنما أراد بها الْحُبُس
جمع حَبِيسٍ، وهو بضم الباء، وأراد بها ما كان أهل الجاهليّة يَحبِسونه من السوائب،
والبحائر، والحوامي، وما أشبهها، فنزل القرآن بإحلال ما كانوا يُحرّمون منها، وإطلاق
ما حبّسوا بغير أمر اللَّه تعالى منها. انتهى(١).
[تنبيه]: ذكر في ((الكبرى)) هنا ترجمة، ونصها: ((حَبْسُ ما ترك رسول اللَّه وَلِ عند
وفاته)). والله تعالى أعلم بالصواب.
٣٦٢١- (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَخْوَصِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ
عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، قَالَ: ((مَا تَرَكَ رَسُولُ اللّهِ وَِّ دِينَارًا، وَلَا دِرْهَمًا، وَلَا عَبْدَا، وَلَا أَمَةٌ،
إِلَّا بَغْلَتَهُ الشَّهْبَاءَ، الَّتِي كَانَ يَرْكَبُهَا، وَسِلَاحَهُ، وَأَرْضًا جَعَلَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ). وَقَالَ قُتَيْبَةُ
مَرَّةً أُخْرَى: ((صَدَقَةٌ))).
(١) ((لساب العرب)) ٤٥/٦ مادة حبس.

٤٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الإِخباس
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١- (قتيبة بن سعيد) البغلانيّ، ثقة ثبت [١٠] ١/١.
٢- (أبو الأحوص) سلّام بن سُليم الحنفي الكوفيّ، ثقة متقن [٧] ٩٦/٧٩.
٣- (أبو إسحاق) عمرو بن عبد الله الهمدانيّ السبيعيّ الكوفي ثقة عابد اختلط بآخره
[٣] ٣٨/ ٤٢ .
٤- ((عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ) بن أبي ضِرَار الخزاعيّ الْمُصطلِقِيّ، أخي جويرية، أم
المؤمنين رضي اللّه تعالى عنهما، صحابيّ قليل الحديث، بقي إلى ما بعد
الخمسين ٢٥٨٣/٨٣ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من رباعيات المصنف رحمه الله تعالى، وهو (١٨٢) من رباعيات الكتاب.
(ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالکوفیین، غیر شیخه،
فبغلاني. (ومنها): أن صحابيه قليل الرواية، حيث لم يكن له في الكتب الستة إلا حديثان
فقط: حديث الباب عند المصنف، والبخاري، والترمذي في ((الشمائل))، وحديث: ((كان
يقال: أشد الناس عذابًا اثنان: امرأة عصت زوجها، وإمام قوم، وهم له كارهون)) عند
الترمذي. انظر ((تحفة الأشراف)) جـ ٨ ص ١٤١ - ١٤٢. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ) وَثُ ، وقد صرّح أبو إسحاق بالتحديث في الرواية التالية،
فزلت تهمة التدليس.
(قَالَ: ((مَا تَرَكَ رَسُولُ اللّهِ وَِّدِينَارَا، وَلَا دِرْهَمًا، وَلَا عَبْدًا، وَلَا أَمَةٌ) أي في الرقّ،
وفيه دلالةٌ على أن من ذُكر من رقيق النبيّ وَّر في جميع الأخبار كان إما مات، وإما
أعتقه. واستدلّ به على عتق أم الولد، بناء على أن مارية والدة إبراهيم ابن النبيّ وَّه
عاشت بعد النبيّ وَّير، وأما على قول من قال: إنها ماتت في حياته وَّر، فلا حجة فيه.
(إِلَّا بَغْلَتَهُ الشَّهْبَاءَ) يحتمل الاتصال بتأويل ما قبله بنحو ما ترك شيئًا، إلا بغلته، أو
بتقدير: ولا ترك شيئًا إلا بغلته، والانقطاع على ظاهره. و((الشهباء)) هي البيضاء، كما
هو في الرواية التالية (الَّتِي كَانَ يَرْكَبُهَا، وَسِلَاحَهُ، وَأَرْضًا جَعَلَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) ظاهره
أنه صفة ((أرضًا))، وترك حكم غيرها مقايسة، ويحتمل أن يكون مستأنفًا لبيان حكم حال
الجميع ما ترك، أي جعل جميع المذكورات صدقة في سبيل اللّه تعالى.
(وَقَالَ قُتَّيْبَةُ) بن سعيد شيخه (مَرَّةً أُخْرَى) أي في وقت آخر بعد ما حدثهم بهذا اللفظ

٤٥
٢٨- (کِتابُ الإِخباس) - حديث رقم ٣٦٢٣
(صَدَقَةً) يعني أن قتيبة رحمه الله تعالى حدثهم مرّةً بلفظ: ((جعلها في سبيل اللَّه))، ومرّة
أخرى بلفظ: ((جعلها صدقة)). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،
وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته :
حديث عمرو بن الحارث رضي اللَّه تعالى عنه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٣٦٢١/١ و٣٦٢٢ و٣٦٢٣ - وفي ((الكبرى)) ٦٤٢١/١ و٦٤٢٢
و٦٤٢٣. وأخرجه (خ) ((الوصايا)) ٢٧٣٩ و((الجهاد)» ٢٨٧٣ ٢٩١٢ و((فرض الخمس))
٣٠٩٨ و((المغازي)) ٤٤٦١ (أحمد) ((مسند الكوفيين)) ١٧٩٩٠ (الدارمي) ((النكاح))
٢١٩١ . والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو مشروعيّة الوقف، سواء الموقوف
منقولًا، أو غير منقول، وفي غير المنقول خلاف بين العلماء، سيأتي بيانه قريبًا، إن شاء الله
تعالى. (ومنها): جواز اتخاذ البغال، وركوب البغل. (ومنها): جواز إنزاء الحمير على
الخيل، وأما الحديث الذي تقدّم ((إنما يفعل ذلك الذين لا يعلمون))، قال الطحاويّ رحمه
الله تعالى: أخذ به قومٌ، فحرّموا ذلك، ولا حجة فيه؛ لأن معناه الحضّ علی تکثیر الخيل؛
لما فيها من الثواب، وكأن المراد الذين لا يعلمون الثواب المرتّب على ذلك. والله تعالى
أعلم بالصوابِ، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٦٢٢- (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْتِى بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ،
قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو إِسْحَاقَ، قَالَ: سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ الْحَارِثِ، يَقُولُ: مَا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ
وَالِهِ، إِلَّ بَغْلَتَهُ الْبَيْضَاءَ، وَسِلَاحَهُ، وَأَرْضًا تَرَكَهَا صَدَقَةً))).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا
غير مرّة. و((عمرو بن عليّ)): هو الفلّاس. و((يحيى بن سعيد)): هو القطّان. و((سفيان)):
هو الثوريّ. والحديث أخرجه البخاريّ، وسبق البحث عنه في الذي قبله. والله تعالى
أعلم بالصوابِ، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٦٢٣ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ الْحَتَفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ
أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ الْحَارِثِ، يَقُولُ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ﴾
مَا تَرَكَ إِلَّ بَغْلَتَهُ الشَّهْبَاءَ، وَسِلَاحَهُ، وَأَرْضًا تَرَكَهَا صَدَقَةً)).

=
٤٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الإِخَاسِ
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، و((أبو بكر
الحنفيّ)): هو عبد الكبير بن عبد المجيد البصريّ الثقة [٩] . و((يونس بن أبي إسحاق)):
هو أبو إسرائيل السبيعي الكوفيّ، وثقه ابن معين وغيره [٥] .
والحديث أخرجه البخاريّ، وقد سبق البحث عنه قريبًا. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب».
٢-(١) كَيْفَ يُكْتَبُ الْحَبْسُ، وَذِكْرُ
الاخْتِلَافِ عَلَى ابْنِ عَوْنٍ فِي خَبَرِ ابْنِ
عُمَرَ رضي اللَّه تعالى عنهما فِيهِ)
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: وجه الاختلاف على عبد الله بن عون رحمه الله
تعالی أن سفيان الثوريّ، وأبا إسحاق الفزاريّ، رویاه عنه، عن نافع، عن ابن عمر، عن
عمر، فجعلاه من مسند عمر تَّه ، وتابعهما على ذلك سعيد بن سالم المكيّ، عن
عبيد الله بن عمر، عن نافع، كما في الرواية الآتية في الباب التالي-٣٦٣٢/٣ - إن شاء
الله تعالی.
وخالفهم في ذلك يزيد بن زريع، وبشر بن المفضّل، وأزهر السمّان، فرووه عنه،
عن نافع، عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، قال: أصاب عمر، فجعلوه من مسند
ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، وتابعهم على ذلك سفيان بن عيينة، عن عبيد الله بن
عمر، عن نافع، كما في الرواية الآتية في الباب التالي-٣/ ٣٦٣٠ و٣٦٣١- إن شاء الله
تعالی.
والحاصل أن أكثر الرواة على أنه من مسند ابن عمر رضي الله تعالى عنهما.
قال الحافظ رحمه الله تعالى: قوله: ((عن ابن عمر رضي اللَّه تعالى عنهما، قال:
(١) ثبت في النسخ هنا ذكر عنوان، ولفظه: ((الإحباس))، لكن أشار في الهنديّة إلى أنه ساقط في
بعض النسخ، فحذفته تبعًا لتلك النسخة؛ إذ لم أر له كبير مناسبة، وهو أيضًا مكرّر مع الترجمة
السابقة والله تعالى أعلم.

٤٧
٢- کیفَ یکْتَبُ الحَبْسُ، وَذِكْرُ ... - حديث رقم ٣٦٢٤
=.
أصاب عمر تَّ)» كذا لأكثر الرواة عن نافع، ثم عن ابن عون جعلوه من مسند ابن
عمر، لكن أخرجه مسلم، والنسائيّ من رواية سفيان الثوريّ، والنسائيُّ من رواية أبي
إسحاق الفزاريّ، كلاهما عن عبد الله بن عون- والنسائيّ من رواية سعيد بن سالم، عن
عبيد الله بن عمر- عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر، جعله من مسند عمر رَويّ،
(١)
.
والمشهور الأول.
انتھی'
[تنبيه]: زعم أبو عمر ابن عبد البرّ أن ابن عون تفرّد برواية هذا الحديث، عن نافع،
وليس كما قال، فقد أخرجه النسائيّ في الباب التالي من رواية عبيد الله بن عمر الأكبر
المصغّر، عن نافع، وأخرجه البخاريّ في ((صحيحه)) من رواية صخر بن جويرية، عن
نافع، وأخرجه البخاريّ مختصرًا، وأحمد، والطحاويّ مطوّلًا من رواية أيوب، عن
نافع، وأخرجه الطحاويّ أيضًا من رواية يحيى بن سعيد الأنصاريّ، عن نافع، وأخرجه
أحمد، والدارقطنيّ من رواية عبد الله بن عمر الأصغر المكبّر، عن نافع. أفاده في
((الفتح))(٢). والله تعالى أعلم بالصواب.
٣٦٢٤- (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو دَاوُدَ الْحَفَرِيُّ(٣) عُمَرُ بْنُ سَعْدٍ،
عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَّرَ، عَنْ عُمَرَ، قَالَ: أَصَبْتُ
أَرْضًا، مِنْ أَرْضِ خَيْبَرَ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ فَهِ، فَقُلْتُ: أَصَبْتُ أَرْضًا، لَمْ أُصِبْ مَالًا
أَحَبَّ إِلَيَّ، وَلَا أَنْفَسَ عِنْدِي مِنْهَا، قَالَ: ((إِنْ شِئْتَ تَصَدَّقْتَ بِهَا))، فَتَصَدَّقَ بِهَا، عَلَى أَنْ
لَا تُبَاعَ، وَلَا تُوهَبَ، فِي الْقُقَرَاءِ، وَذِي الْقُرْبَى، وَالرَّقَابِ، وَالضَّيْفِ، وَابْنِ السَّبِيلِ، لَا
جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهَا، أَنْ يَأْكُلَ بِالْمَعْرُوفِ، غَيْرَ مُتَمَوْلٍ مَالًا، وَيُطْعِمَ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١- (إسحاق بن إبراهيم) ابن راهويه الحنظليّ المروزيّ، ثقة ثبت [١٠] ٢/٢ .
٢- (أبو داود الْحَفَريّ عمر بن سعد) الكوفيّ، ثقة عابد [٩] ٥٢٣/١٥.
٣- (سفيان الثوريّ) ابن سعيد الكوفيّ ثقة ثبت حجة [٧] ٣٧/٣٣.
٤- (ابن عون) عبد الله بن عون بن أرطبان، أبو عون البصريّ، ثقة ثبت فاضل، من
أقران أيوب في العلم والعمل، والسنّ [٥(٤)] ٣٣/٢٩.
(١) ٥٨/٦. ((كتاب الوصاايا)).
(٢) ((فتح)) ٥٨. ((كتاب الوصايا)).
(٣) ((الحفريّ)) -بفتح الحاء المهملة، والفاء -: نسبة إلى الحفر موضع بالكوفة.
(٤) جعله في ((التقريب)) من السادسة، والظاهر أنه من الخامسة؛ لأنه رأى أنسًا رَيْ، ويؤيّده قوله في
((التقريب)): من أقران أيوب في السن. فتأمّل.

٤٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الإِخبَاسِ
٥- (نافع) مولى ابن عمر المدنيّ، ثقة ثبت فقيه [٣]١٢/١٢.
٦- (ابن عمر) عبد اللَّه رضي الله تعالى عنهما ١٢/١٢ .
٧- (عمر) بن الخطّاب رضي اللّه تعالى عنه ٧٥/٦٠. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من سباعيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال
الصحيح. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وصحابي، عن صحابيّ، والابن عن
أبيه. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عُمَرَ) رضي اللَّه تعالى عنه، أنه (قَالَ: أَصَبْتُ أَرْضًا مِنْ أَرْضِ خَيْبَرَ) واسمها
تَمْغ(١)، كما في رواية سعيد بن سالم الآتية في الباب التالي، وفي رواية أيوب عن
نافع، عند أحمد: ((أن عمر أصاب أرضًا من يهود بني حارثة، يقال لها: ثمخ)). وروى
عمر بن شبّة بإسناد صحيح، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم : ((أن عمر رأى
في المنام ثلاث ليال أن يتصدّق بثمغ)). وفي الرواية الآتية في الباب التالي، من طريق
سفيان، عن عبيد الله بن عمر: ((جاء عمر، فقال: يا رسول الله، إني أصبت مالًا، لم
أُصب مالاً مثله قط، كان لي مائة رأس، فاشتريت بها مائة سهم من خيبر من أهلها)»،
فيحتمل أن تكون ثمغ من جملة أراضي خيبر، وأن مقدارها كان مقدار مائة سهم من
السهام التي قسمها النبيّ وَّله بين من شهد خيبر، وهذه المائة السهم غير المائة السهم
التي كانت لعمر بن الخطّاب ◌َّه بخيبر التي حصّلها من جزئه من الغنيمة وغيره،
وسيأتي بيان ذلك في صفة كتاب عمر رَيه، قريبًا إن شاء الله تعالى. وذكر عمر بن
شبّة بإسناد ضعيف عن محمد بن كعب أن قصّة عمر هذه كانت في سنة سبع من
الهجرة. قاله في ((الفتح)).
(فَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ بَّهِ، فَقُلْتُ: أَصَبْتُ أَرْضًا، لَمْ أُصِبْ مَالًا أَحَبَّ إِلَيَّ، وَلَا أَنْفَسَ
عِنْدِي مِنْهَا) أي أجود، وأكرم، والنفيس الجيّد، والكريم، يقال: نفُس الشيء -بفتح
النون، وضمّ الفاء- نفاسةً: كَرُم، فهو نفيس، وأنفس إنفاسًا مثله، فهو مُنْفِسٌ، نَفِستُ
به، مثلُ ضَنِنْتُ به؛ لنفاسته وزنًا ومعنّى. قاله الفيّوميّ. وقال الداوديّ: سمّي نفيسًا لأنه
يأخذ بالنفس. وفي رواية صخر بن جورية، عند البخاريّ: ((إني استفدت مالًا، وهو
(١) و((ثمغ)) -بفتح المثلثة، وسكون الميم، آخره غين معجمة -: مال كان لعمر رتنيّ، فوقفه. أفاده
في ((اللسان))، و((القاموس)).

٤٩
٢- کَیْفَ يَكْتَبُ الْحَبْسُ، وَذِكْرُ ... - حديث رقم ٣٦٢٤
عندي نفيسٌ، فأردت أن أتصدّق به)). وفي رواية سفيان الآتية: ((وإني أردت أن أتقرّب
بها إلى الله عز وجل))، وقد تقدم قريبًا في مسند أبي بكر بن حزم أنه رأى في المنام الأمر
بذلك. ووقع في رواية للدارقطنيّ، إسنادها ضعيفٌ: ((أن عمر قال: يا رسول الله، إني
نذرت أن أتصدّق بمالي)). وهذا -كما قال الحافظ- لم يثبت، وإنما كان صدقة تطوّع،
كما سيأتي توضيحه من حكاية كتابة الوقف قريبًا، إن شاء الله تعالى.
زاد في الرواية التالية: ((فكيف تأمرني به؟)). وفي رواية: ((فما تأمرني فيها؟)). وفي
رواية: ((فأتى النبيّ وَلقول يستأمره في ذلك)).
(قَالَ) وَهِ (إِنْ شِئْتَ) الأجر، والمثوبة عند الله سبحانه وتعالى (تَصَدَّقْتَ بِهَا) وفي
رواية الآتية: ((إن شئت حبست أصلها، وتصدّقت بها))، وفي رواية: «احبس أصلها،
وسبّل ثمرتها)) (فَتَصَدَّقَ بِهَا، عَلَى أَنْ لَا تُبَاعَ، وَلَا تُوهَبَ) زاد في الرواية الآتية: (ولا
تورث))، وزاد في رواية مسلم: ((ولا تُبتاع))، وزاد الدارقطنيّ من طريق عبيد الله بن
عمر، عن نافع، : ((حَبِيسٌ ما دامت السماوات والأرض)).
قال في ((الفتح)): كذا لأكثر الرواة عن نافع، ولم يختلفوا فيه عن ابن عون، إلا ما
وقع عند الطحاويّ، من طريق سعيد بن سفيان الجحدريّ، عن ابن عون، فذكره بلفظ
صخر بن جويرية الآتي، والجحدريّ إنما رواه عن صخر، لا عن ابن عون. قال
السبكيّ: اغتبطتُ بما وقع في رواية يحيى بن سعيد، عن نافع، عند البيهقيّ: «تصدّقْ
بثمره، وحبسن أصله، لا يباع، ولا يورث)). وهذا ظاهره أن الشرط من كلام النبيّ
وَالر، بخلاف بقية الروايات، فإن الشرط فيها ظاهره أنه من كلام عمر تزليه . ووقع في
رواية صخر بن جويرية المذكورة، بلفظ: ((فقال النبيّ وَله: تصدّق بأصله، لا يُباع، ولا
يوهب، ولا يورث، ولكن يُنفق بثمره))، وهي أتمّ الروايات، وأصرحها في المقصود،
فعزوجها إلى البخاريّ أولى. وقد علّقه البخاريّ في المزارعة بلفظ: ((قال النبيّ وَّ
لعمر: تَصَدَّق بأصله، لا يباع، ولا يوهب، ولكن ليُنفق ثمره، فتَصَدَّق به))، فهذا
صريح في كونه مرفوعًا، وعلى تقدير كون الشرط من قول عمر، لكنه ما فعله إلا لما
فهمه من النبيّ وَّل، حيث قال له: ((احبس أصلها، وسَبِّلْ ثمرتها)).
وقوله: تصدّقْ)) بصيغة أمر، وقوله: ((فتصدّق)) بصيغة الفعل الماضي انتهى.
(فِي الْفُقَرَاءِ، وَذِي الْقُرْبَى، وَالرِّقَابِ، وَالضَّيْفِ، وَابْنِ السَّبِيلِ) زاد في رواية يزيد بن
زريع الآتية: ((وفي سبيل اللّه))، وفي رواية أزهر السمان: ((وفي المساكين)). وجميع
هؤلاء الأصناف إلا الضيف، هم المذكورون في آية الزكاة، وقد تقدّم بيانهم في ((كتاب
الزكاة)). وأما ((القربى)) فقال القرطبيّ: فظاهره أنه أراد به قرابته. ويحتمل أن يريد به

٥٠
شرح سنن النسائي - کِتَابُ الإِخَاسِ
قرابة النبيّ ◌َ طاهر، المذكورين في الخمس والفيء، وفيه بُعد؛ لأنه أطلق على ذلك الحبس
صدقة، وهم قد حُرموا الصدقة، إلا إن تنزّلنا على أن الذي حُرموه هي الصدقة الواجبة
فقط، والرافع لهذا الاحتمال الوقوف على ما صنع في صدقة عمر رَّه ، فينبغي أن
يُبحث عن ذلك، والأولى حمله على قرابة عمر ظي الخاصّة به. والله أعلم انتهى (١).
وأما ((الضيف)) فمعروف، وهو من يَنزل بقوم يُريد القِرَى منهم (لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ
وَلِيَّهَا، أَنْ يَأْكُلَ بِالْمَعْرُوفِ) قال القرطبيّ: هذا رفعٌ للحرج عن الوالي عليها، والعامل
في تلك الصدقة في الأكل منها، على ما جرت به عادة العمال في الحيطان من أكلهم
من ثمرها حالة عملهم فيها، فإن المنع من ذلك نادرٌ، وامتناع العامل من ذلك أندر،
حتى لو اشترط ربّ الحائط على العامل فيه أن لا يأكل لا استُقبح ذلك عادةً وشرعًا،
وعلى ذلك فيكون المراد بالمعروف القدر الذي يدفع الحاجة، ويردّ الشهوة، غير أكل
بسرف، ولا نهمة، ولا متّخذًا خيانةً، ولا خُبْنة(٢).
وقيل: مراد عمر رَّ بذلك أن يأكل العامل منها بقدر عمله، وفيه بُعْدٌ؛ لأنه لا
يصحّ ذلك حتى يُتأول ((يأكل)) بمعنى ((يأخذ))؛ لأن العامل إنما يأخذ أجرته، فيتصرّف
فيها بما شاء من بيع، أو أكل، أو غير ذلك، و((أكل)) بمعنى ((أخذ)) على خلاف الأصل؛
ولأن مساق اللفظ لا يُشعر بقصدٍ إلى أن تلك الإباحة إنما هي بحسب العمل، وبقدره،
فتأمله، لا سيّما وقد أردف عليه ((ويطعم صديقًا، غير متأثّل مالًا)). يعني صديقًا للوالي
عليها، وللعامل فيها. ويحتمل صديقًا للمحبّس، وفيه بُعْدُ انتهى(٣).
(غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ مَالًا) أي غير متّخذ إياه مالًا لنفسه، بل يأكله، ويُطعمه بالمعروف. وفي
الرواية: ((غير متموّل فيه))، أي غير متّجر فيه. قال في ((الفتح)): والمعنى غير متّخذ منها
مالًا، أي ملكًا، والمراد أنه لا يتملّك شيئًا من رقابها.
قال: وزاد الأنصاريّ، وسليم قال: فحدّثت به ابن سيرين، فقال: ((غير متأثّل
مالًا))، والقائل ((فحدّثت به)) هو ابن عون راويه عن نافع، بيّن ذلك الدار قطنيّ من طريق
أبي أسامة، عن ابن عون، قال: ذكرت حديث نافع لابن سيرين، فذكره. زاد سليم:
قال ابن عون: وأنبأني من قرأ هذا الكتاب أن فيه ((غير متأثّل مالًا)). وفي رواية الترمذيّ
من طريق ابن عليّة، عن ابن عون: ((حدّثني رجلٌ أنه قرأها في قطعة أديم أحمر))، قال
ابن عليّة: وأنا قرأتها عند ابن عُبيدالله بن عمر كذلك. وقد أخرج أبو داود صفة كتاب
(١) ((المفهم)) ٦٠٢/٤ .
(٢) هي ما يحمله الإنسان في حضنه، أو تحت إبطه.
(٣) ((المفهم)) ٦٠٢/٤ -٦٠٣.

٢- کَیْفَ يُكْتَبُ الْحَبْسُ، وَذِكْرُ ... - حديث رقم ٣٦٢٤
٥١
وقف عمر ◌َّه من طريق يحيى بن سعيد الأنصاريّ، قال: ((نسخها لي عبد الله بن
عبد الحميد بن عبد الله بن عمر))، فذكره، وفيه: ((غير متأثّل)).
والمتأثّل -بمثناة، ثم مثلثة مشدّدة، بينهما همزة: هو المتّخذ، والتأثّل اتخاذ أصل
المال حتى كأنه عنده قديم، وأثلة كلّ شيء أصله، قال امرؤس القيس [من الطويل]:
وَلَكِنَّمَا أَسْعَى لِمَجْدٍ مُؤَثّلٍ وَقَدْ يُذْرِكُ الْمَجْدَ الْمُؤَثَّلَ أَمْثَالِي
واشتراط نفي التأثّل يُقوّي ما ذهب إليه من قال: المراد من قوله: ((يأكل بالمعروف)»
حقيقة الأكل، لا الأخذ من مال الوقف بقدر العمالة. قاله القرطبيّ.
وزاد أحمد من طريق حمّاد بن زيد، عن أيوب، فذكر الحديث، قال حماد: وزعم
عمرو بن دينار أن عبد الله بن عمر، كان يُهدي إلى عبد الله بن صفوان من صدقة عمر
رَي. وكذا رواه عمر بن شبّة من طريق حماد بن زيد، عن عمر (١). وزاد عمر بن
شبّة، عن يزيد بن هارون، عن ابن عون في آخر هذا الحديث: ((وأوصى بها عمر إلى
حفصة، أم المؤمنين، ثم إلى الأكابر من آل عمر))، ونحوه في رواية عبيد الله بن عمر
عند الدارقطنيّ. وفي رواية أيوب، عن نافع عند أحمد: ((يليه ذوو الرأي من آل عمر))،
فكأنه كان أوّلًا شرط أن النظر فيه لذوي الرأي من أهله، ثم عيّن عند وصيته لحفصة،
وقد بيّن ذلك عمر بن شبّة، عن أبي غسّان المدنيّ، قال: هذه نسخة صدقة عمر،
أخذتها من كتابه الذي عند آل عمر، فنسختها حرفًا حرفًا: ((هذا ما كتب عبد الله عمر
أمير المؤمنين في ثمغ، أنه إلى حفصة، ما عاشت، تُنفق ثمره حيث أراها اللّه، فإن
تُوفّيت، فإلى ذوي الرأي من أهلها)».
فذكر الشرط كله نحو الذي تقدّم في الحديث المرفوع، ثم قال: ((والمائة وسق الذي
أطعمني النبيّ وَ لّر، فإنها مع ثَمْغ على سَنَنه الذي أمرت به، وإن شاء وليّ ثمن أن يشتري
من ثمره رقيقًا يعملون فيه فعل، وكتب مُعيقيب، وشهد عبد الله بن الأرقم)). وكذا
أخرج أبو داود في روايته نحو هذا، وذكرا جميعًا كتابًا آخر نحو هذا الكتاب، وفيه من
الزيادة: ((وصرمة بن الأكوع، والعبد الذي فيه صدقة كذلك)).
وهذا يقتضي أن عمر إنما کتب کتاب وقفه في خلافته؛ لأن مُعیقیبًا کان کاتبه في زمن
خلافته، وقد وصفه فيه بأنه أمير المؤمنين، فيحتمل أن يكون وقفه في زمن النبيّ وَل
باللفظ، وتولّى هو النظر عليه إلى أن حضرته الوصيّة، فكتب حينئذ الكتاب. ويحتمل
أن يكون أخر وقفيّته، ولم يقع منه قبل ذلك إلا استشارته في کیفیته.
(١) هكذا نسخة ((الفتح)) عمر بضم العين، ولعله عمرو، وهو ابن دينار. والله تعالى أعلم.

٥٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الإخبَاسِ
وقد روى الطحاويّ، وابن عبد البرّ من طريق مالك، عن ابن شهاب، قال: ((وقال
عمر: لولا أني ذكرت صدقتي لرسول اللّه وَل ﴿ لرددتها))، فهذا يُشعر بالاحتمال الثاني،
وأنه لم يُنجز الوقف إلا عند وصيته.
واستدلّ الطحاويّ بقول عمر ◌َّ هذا لأبي حنيفة، وزفر في أن إيقاف الأرض لا
يمنع من الرجوع فيها، وأن الذي منع عمر رَّه من الرجوع كونه ذكره للنبيّ وَّه
فكره أن يفارقه على أمر، ثم يُخالفه إلى غيره.
ولا حجة فیما ذُكر لوجهين:
[أحدهما]: أنه منقطع؛ لأن ابن شهاب لم يدرك عمر رهـ
.
[ثانیھما]: أنه یحتمل ما تقدّم، ویحتمل أن یکون عمر کان یری بصحة الوقف ولزومه،
إلا إن شرط الواقف الرجوع، فله أن يرجع. وقد روى الطحاويّ عن عليّ رَّه مثل ذلك،
فلا حجة فيه لمن قال بأن الوقف غير لازم، مع إمكان هذا الاحتمال، وإن ثبت هذا
الاحتمال کان حجة لمن قال بصخة تعليق الوقف، وهو عند المالكية، وبه قال ابن سُریچ،
وقال: تعود منافعه بعد المذة المعيّنة إليه، ثم إلى ورثته، فلو كان التعليق مآلًا صحّ اتفاقًا،
كما لو قال: وقفته على زيد سنة، ثم على الفقراء. قاله في ((الفتح))(١).
(وَيُطْعِمّ) وفي الرواية التالية: ((ويُطعم صديقًا))، وفي رواية: ((أو يطعم صديقه)).
يعني أنه يجوز لوالي الوقف أن يُطعم صديقه، كما يأكل هو بنفسه بالمعروف. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته :
حديث عمر رضي الله تعالى عنه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٣٦٢٤ و٣٦٢٥ و٣٦٢٦ و٣٦٢٧ و٣٦٢٨ و٣٦٣٠/٣ و٣٦٣١
و٣٦٣٢- وفي ((الكبرى)) ٦٤٢٤/٢ و٦٤٢٥ و٦٤٢٦ و٦٤٢٧ و٦٤٢٨ و٦٤٣٠/٣
و٦٤٣١ و٦٤٣٢. وأخرجه (خ) في ((الشروط)) ٢٧٣٧ و((الوصايا)) ٢٧٦٤ و٢٧٧٢
و٢٧٧٣ و٢٧٧٨ (م) في ((الوصيّة)) ١٦٣٣ (د) في ((الوصايا)) ٢٨٧٨ (ت) ((الأحكام))
١٣٧٥ (ق) ((الأحكام)) ٢٣٩٦ و٢٣٩٧ (أحمد) ((مسند المكثرين)) ٤٥٩٤ و٥١٥٧ .
والله تعالى أعلم.
(١) (فتح)) ٦/ ٦٠-٦١. ((كتاب الوصايا».

=
٢- کَیَفَ يُكْتَبُ الْحَبْسُ، وَذِكْرُ ... - حديث رقم ٣٦٢٤
٥٣
(المسألة الثالثة): في فوائده(١):
(منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان كيفية كتابة الوقف، وقد
ساق أبو داود رحمه الله تعالى نص كتابة وقف عمر ◌َني في ((سننه))، فقال:
حدثنا سليمان بن داود المهري، حدثنا ابن وهب، أخبرني الليث، عن يحيى بن
سعيد، عن صدقة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال: نسخها لي عبد الحميد بن عبد
اللَّه بن عبد الله بن عمر بن الخطاب:
(بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما كتب عبد اللَّه، عمر، في ثَمْغ، فقصّ من خبره
نحو حديث نافع، قال: ((غير متأثل مالا، فما عفا عنه من ثمره، فهو للسائل
والمحروم))، قال: وساق القصة، قال: وإن شاء ولي ثمغ، اشترى من ثمره رقيقا
لعمله، وكتب معيقيب، وشهد عبد الله بن الأرقم، بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما
أوصى به عبد الله عمر، أمير المؤمنين، إن حَدَثَ به حدث، أن ثمغا، وصِرْمَة ابن
الأكوع، والعبد الذي فيه، والمائة سهم التي بخيبر، ورقيقه الذي فيه، والمائة التي
أطعمه محمد بَّر بالوادي، تليه حفصة، ما عاشت، ثم يليه ذو الرأي من أهلها، أن لا
يباع، ولا يشترى، ينفقه حيث رأى، من السائل، والمحروم، وذوي القربى، ولا حرج
على من وليه إن أكل، أو آكل، أو اشترى رقيقا منه)).
(ومنها): جواز ذكر الولد أباه باسمه المجرّد من غير كنية، ولا لقب. (ومنها):
استحباب استثارة أهل العلم والدين والفضل في طرق الخير، سواء كانت دينيّةً، أو
دنيويّة، وأن المشير يُشير بأحسن ما يظهر له في جميع الأمور. (ومنها): أن فيه فضيلة
ظاهرة لعمر رَزُّه، حيث رغب في العمل بقوله تعالى: ﴿لَنْ نَنَالُواْ الْبَرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَا
تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]. (ومنها): أن فيه فضل الصدقة الجارية. (ومنها): صحة
شروط الواقف، واتباعه فيها، وأنه لا يشترط تعيين المصرف لفظًا. (ومنها): أن الوقف
لا يكون إلا فيما له أصل يدوم الانتفاع به، فلا يصح وقف ما لا يدوم الانتفاع به،
كالطعام. هكذا قيل، وهو محلّ نظر. (ومنها): أنه لا يكفي في الوقف لفظ الصدقة،
سواء قال: تصدّقت به بكذا، أو جعلته صدقةً حتى يُضيف إليها شيئًا آخر؛ لتردد الصدقة
بين أن تكون تمليك الرقبة، أو وقف المنفعة، فإذا أضاف إليها ما يميّز أحد المحتملين
صحّ، بخلاف ما لو قال: وقفتُ، أو حبستُ، فإنه صريحٌ في ذلك، على الراجح،
وقيل: الصريح الوقف خاصّة. وفيه نظرً؛ لثبوت التحبيس في قصّة عمر تَّه هذه،
(١) المراد بيان فوائد حديث قصّة وقف عمر تنميه ، لا بقيد ما ساقه المصنف، بل بجميع الروايات
المختلفة التي أشرنا إليها أثناء الشرح، فتنبه.

٥٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الإِخباس
نعم لو قال: تصدّقتُ بكذا على كذا، وذكر جهة عامّة صحّ. وتمسّك من أجاز الاكتفاء
بقوله: تصدّقتُ بكذا بما وقع في حديث الباب من قوله: ((فتصدّق بها عمر)). ولا حجة
في ذلك؛ لما تقدّم من أنه أضاف إليها: ((لا تباع، ولا توهب)). ويحتمل أيضًا أن يكون
قوله: ((فتصدّق بها عمر)) راجعًا إلى الثمرة على حذف مضاف، أي فتصدّق بثمرتها،
فليس فيه متعلَّقٌ لمن أثبت الوقف بلفظ الصدقة، مجرّدًا، وبهذا الاحتمال الثاني جزم
القرطبيّ. (ومنها): جواز الوقف على الأغنياء؛ لأن ذوي القربى، والضيف، لم يُقيّدا
بالحاجة، وهو الأصحّ عند الشافعيّة. (ومنها): أن للواقف أن يشترط لنفسه جزءًا من
ربع الموقوف؛ لأن عمر رَظيم شرط لمن ولي وقفه أن يأكل منه بالمعروف، ولم يستثن
إن كان هو الناظر، أو غيره، فدلّ على صحّة الشرط، وإذا جاز في المبهم الذي تعيّنه
العادة، كان فيما يعيّنه هو أجوز.
(ومنها): جواز إسناد الوصيّة، والنظر على الوقف للمرأة، وتقديمها على من هو من
أقرانها من الرجال. (ومنها): جواز إسناد النظر إلى من لم يُسمّ، إذا وُصف بصفة معيّنة
تُميّزه. (ومنها): أن الواقف يلي النظر على وقفه إذا لم يُسنده لغيره، قال الشافعيّ رحمه
الله تعالى: لم يزل العدد الكثير من الصحابة، فمن بعدهم يَلُون أوقافهم، نقل ذلك
الألوف عن الألوف، لا يختلفون فيه.
(ومنها): أنه استُدلّ به على جواز الوقف على الوارث في مرض الموت، فإن زاد
على الثلث رُدّ، وإن خرج منه لزم، وهو إحدى الروايتين عن أحمد؛ لأن عمر ◌َّه
جعل النظر بعده لحفصة، وهي ممن يرثه، وجعل لمن ولي وقفه أن يأكل منه.
وتُعُقّب بأن وقف عمر تَّه صدر منه في حياة النبيّ ◌ََّ، والذي أوصى به إنما هو
شرط النظر.
(ومنها): أنه استُدلّ به على أن الواقف إذا شرط للناظر شيئًا أخذه، وإن لم يشترطه له
لم يجز، إلا إن دخل في صفة أهل الوقف، كالفقراء والمساكين، فإن كان على معيّنين،
ورضوا بذلك جاز. (ومنها): أنه استدل به على أن تعليق الوقف لا يصحّ؛ لأن قوله:
((حبّس الأصل)) يناقض تأقيته. وعن مالك، وابن سُريج يصحّ. (ومنها): أنه استُدلّ
بقوله: ((لا تباع)) على أن الوقف لا يُناقل به. وعن أبي يوسف إن شرط الواقف أنه إذا
تعطّلت منافعه بيع، وصُرف ثمنه في غيره، ويوقف فيما سمي في الأول، وكذا إن شرط
البيع إذا رأى الحظّ في نقله إلى موضع آخر. (ومنها): أنه استدلّ به على جواز وقف
المشاع؛ لأن المائة سهم التي كانت لعمر بخيبر لم تكن منقسمة. وفيه أنه لا سراية في
الأرض الموقوفة، بخلاف العتق، ولم يُنقل أن الوقف سرى من حصّة عمر إلى غيرها

٢- کیف یکْتَبُ الحَبْسُ، وَذِكْرُ ... - حديث رقم ٣٦٢٤
من باقي الأرض. وحكى بعض المتأخّرين، عن بعض الشافعيّة أنه حكم فيه بالسراية،
وهو شاذّ منكر. (ومنها): أنه استدلّ به على أن خيبر فُتحت عنوة (١). وقد أشبعنا الكلام
على هذا البحث في غير هذا الموضع.
(ومنها): أنه يستنبط منه صحّة الوقف على النفس، وهو قول ابن أبي ليلى، وأبي
يوسف، وأحمد في الأرجح عنه. وقال به من المالكيّة ابن شعبان، وجمهورهم على
المنع، إلا إذا استثنى لنفسه شيئًا يسيرًا، بحيث لا يتّهم أنه قصد حرمان ورثته. ومن
الشافعيّة ابن سُريج، وطائفةٌ، وصنّف فيه محمد بن عبد الله الأنصاريّ، شيخ البخاريّ
جزءًا ضخمًا، واستدلّ له بقصّة عمر هذه، وبقصّة راكب البدنة، وبحديث أنسّ ◌َظيم
في أنه وَالهر أعتق صفيّة، وجعل عتقها صداقها، ووجه الاستدلال به أنه أخرجها عن
ملكه بالعتق، وردّها إليه بالشرط، وقد تقدّم البحث فيه في ((كتاب النكاح))
مستوفّى. وبقصّة عثمان رَّ الآتية بعد باب، إن شاء الله تعالى.
واحتجّ المانعون بقوله في حديث عمر هذا: ((سبّل الثمرة)»، وتسبيل الثمرة تمليكه
للغير، والإنسان لا يتمكّن من تمليك نفسه لنفسه. وتُعُقّب بأن امتناع ذلك غير
مستحيل، ومنعه تمليكه لنفسه إنما هو لعدم الفائدة، والفائدة في الوقف حاصلة؛ لأن
استحقاقه إياه ملكًا غير استحقاقه إياه وقفًا، ولا سيّما إذا ذكر له مالًا آخر، فإنه حكم
آخر، يستفاد من ذلك الوقف.
واحتجّوا أيضًا بأن الذي يدلّ عليه حديث الباب أن عمر اشترط لناظر وقفه أن يأكل
منه بقدر عُمالته، ولذلك منعه أن يتخذ لنفسه منه مالًا، فلو كان يؤخذ منه صحة الوقف
على النفس لم يمنعه من الاتخاذ، وكأنه اشترط لنفسه أمرًا لو سكت عنه لكان يستحقّه
لقيامه، وهذا على أرجح قولي العلماء أن الواقف إذا لم يشترط للناظر قدر عمله جاز له
بقدر عمله، ولو اشترط الواقف لنفسه النظر، واشترط أجرة، ففي صحة هذا الشرط عند
الشافعيّة خلاف، كالهاشميّ إذا عمل في الزكاة، هل يأخذ من سهم العاملين؟ والراجح
الجواز، ويؤيّده حديث عثمان رَّ الآتي بعد باب، إن شاء الله تعالى. والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم الوقف:
قال في ((الفتح)): حديث عمر رَّه هذا أصل في مشروعيّة الوقف، قال أحمد:
حدّثنا حماد - وهو ابن خالد- حدّثنا عبد الله -وهو العمريّ-، عن نافع، عن ابن عمر،
(١) راجع ((الفتح)) ٦/ ٦٢-٦٣. ((كتاب الوصايا)).

=٥٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الإِخَاسِ
قال: ((أول صدقة -أي موقوفة- كانت في الإسلام صدقة عمر)). وروى عمر بن شبة،
عن عمرو بن سعد بن معاذ، قال: ((سألنا عن أول حبس في الإسلام، فقال
المهاجرون: صدقة عمر، وقال الأنصار: صدقة رسول اللَّه وَيت))، وفي إسناده
الواقديّ. وفي ((مغازي الواقديّ)) أن أول صدقة موقوفة، كانت في الإسلام أراضي
مُخيريق -بالمعجمة، مصغّرًا- التي أوصى بها للنبيّ وَّرَ، فوقفها النبيّ ◌َّ.
قال الترمذيّ: لا نعلم بين الصحابة، والمتقدّمين، من أهل العلم، خلافًا في جواز
وقف الأرضين. وجاء عن شُريح أنه أنكر الحبس، ومنهم من تأوّله. وقال أبو حنيفة:
لا يلزم، وخالفه جميع أصحابه، إلا زفر بن الهذيل، فحكى الطحاويّ، عن عيسى بن
أبان، قال: كان أبو يوسف يُجيز بيع الوقف، فبلغه حديث عمر هذا، فقال: من سمع
هذا من ابن عون؟، فحدّثه به ابن عُليّة، فقال: هذا لا يسع أحدًا خلافه، ولو بلغ أبا
حنيفة لقال به، فرجع عن بيع الوقف حتى صار كأنه لا خلاف فيه بين أحد انتهى. ومع
حكاية الطحاويّ هذا، فقد انتصر كعادته، فقال: قوله في قصّة عمر: ((حبس الأصل،
وسبّل الثمرة)) لا يستلزم التأبيد، بل يحتمل أن يكون أراد مدّة اختياره لذلك انتهى. ولا
يخفى ضعف هذا التأويل، ولا يُفهم من قوله: ((وقفت، وحبست)) إلا التأبيد، حتى
يصرّح بالشرط عند من يذهب إليه، وكأنه لم يقف على الرواية التي فيها: ((حبيسٌ ما
دامت السماوات والأرض».
قال القرطبيّ: ردّ الوقف مخالف للإجماع، فلا يُلتفت إليه، وأحسن ما يُعتذر به عمن
ردّه ما قاله أبو يوسف، فإنه أعلم بأبي حنيفة من غيره.
وأشار الشافعيّ إلى أن الوقف من خصائص أهل الإسلام، أي وقف الأراضي
والعقار، قال: ولا نعرف أن ذلك وقع في الجاهلية، وحقيقة الوقف شرعًا ورود صيغة
تقطع تصرّف الواقف في رقبة الموقوف الذي يدوم الانتفاع به، وتثبت صرف منفعته في
جهة خير. قاله في ((الفتح))(١).
وقال أبو العباس القرطبيّ رحمه اللّه تعالى في ((المفهم)): ما حاصله: حديث عمر
، دليلٌ للجمهور على جواز الحُبْس، وصحته، وردِّ على من شَذَّ، وَمَنَعَهُ، وهذا
خلافٌ لا يُلتفت إليه، فإن قائله خَرَقَ إجماع المسلمين في المساجد، والسقايات، إذ لا
خلاف في ذلك. وهو أيضًا حجة للجمهور على قولهم: إن الْحُبْس لا زم، وإن لم
يقترن به حكم حاكم، وخالف في ذلك أبو حنيفة، وزُفر، فقالا: لا يلزم، وهو عطيّةٌ
(١) ((فتح)) ٦/ ٦١-٦٢. ((كتاب الوصايا)).

٥٧
٢- کَیْفَ یُكْتَبُ الحَبْسُ، وَذِكْرُ ... - حديث رقم ٣٦٢٤
پرجع فيها صاحبها، وتورث عنه، إلا أن یحکم به حاكم، أو يكون مسجدًا، أو سقاية،
أو يوصي به، فيكون من ثلثه، ووجه الحجة عليه من هذا الحديث أن عمر رَّه لَمّا
فَهِم عن النبيّ ◌َّ﴿ إشارته بالتحبيس بادر إلى ذلك بحضرة النبيّ وَّر، وقال: إنه لا يباع،
ولا يوهب، ولا يورث، ثم إنه أمضى ذلك من غير أن يحكم به النبيّ وَّر، إذ لم يصدر
من النبيّ وَالتّر أكثر من الإشارة. وأيضًا فإن الصحابة ، قد أجمعت على ذلك من غير
خلاف بينهم فيه، فقد حبس الأئمة الأربعة، وطلحة، وزيد بن ثابت، والزبير، وابن
عمر، وخالد بن الوليد، وأبو رافع، وعائشة، وغيرهم *** ، واستمرّت أحباسهم
معمولًا بها على وجه الدهر، من غير أن يقف شيء من ذلك على حكم حاكم، ولم
يُحك أن شيئًا من تلك الأحباس رجعت إلى المحبِّسٍ، ولا إلى ورثته.
ومن جهة المعنى، فإنها عطيّةٌ على وجه القربة، فتلزم، كالهبة للمساكين، ولذي
الرحم، وكالصدقة، ولأنه قد أجمع على تحبيس المساجد من غير حكم، ولا فرق بين
تحبيسها، وتحبيس العقار، لا سيّما على الفقراء والمساكين.
وإذا ثبت هذا، فالْحُبْس لازم في كلّ شيء، تمكن العطية فيه. واختلف عن مالك
في تحبيس الحيوان، كالإبل، والخيل، على قولين: المنع، وبه قال أبو حنيفة،
وأبو يوسف. والصحّة، وبه قال الشافعيّ، وهو الصحيح؛ لأنه عطيّةٌ على وجه القربة،
يتكرّر أجرها، كالعقار وغيره؛ ولأن المسلمين على شروطهم، وقد شرط صاحب
الفرس في صدقته أنها لا تباع، ولا توهب، ولا تورث، فينفذ شرطه.
قال: فإذا فهمت هذا، فاعلم أن الألفاظ الواقعة في هذا الباب إما أن يقترن معها ما
يدلّ على التأبيد، أو لا .
فالأول: نحو قوله: لا يباع، ولا يوهب، ولا يورث، أو أبدًا، أو دائمًا، أو على
مجهولين، أو على العقب، فهذا النوع لا يبالى بأي لفظ نُسق معه؛ لأنه يفيد ذلك
المعنى، كقوله: وقفٌ، أو حبسٌ، أو صدقةٌ، أو عطيّةٌ.
والثاني: وهو إذا تجرّد عما يدلّ على ذلك، فلفظ الوقف صريح الباب، فيقتضي
التأبيد، والتحريم، ولم يختلف المذهب في ذلك. وفي الحبس روايتان: إحداهما أنه
كالوقف. والثانية: أنه يرجع إلى المحبّس بعد موت المحبَّس عليه، والظاهر الأول؛
لأنه يُستعمل في ذلك شرعًا، وعرفًا. وأما الصدقة، فالظاهر منها أنها تمليك الرقبة.
وفي رواية أنها كالوقف، وفيها بعد، إلا عند القرينة. واختلف فيما لو جمع بينهما،
فقال: حُبْسٌ صدقةٌ، والظاهر أن حكمه حكم الْحُبُس، وصدقة تأكيدٌ. انتهى كلام

=
٥٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الإِخَاسِ
القرطبيّ(١) رحمه الله تعالى، وهو بحث نفيس. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٦٢٥- (أَخْبَرَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ
الْفَزَارِيِّ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ عُمَّرَ، رَضِي اللَّه عَنْهِ، عَنِ النَِّيّ
وَ ل﴿، نَخوَهُ).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا.
و((هارون بن عبد الله)): هو أبو موسى الحمّال البغداديّ البزاز الثقة [١٠] ٦٢/٫٥٠.
و((معاوية بن عمرو)): هو أبو عمرو الأزديّ الْمَغْنيّ البغداديّ الثقة، من صغار [٩]
٨٦٣/٥٨ .
و((أبو إسحاق الفزاريّ)): هو إبرهيم بن محمد بن الحارث الكوفيّ الحافظ الثقة الثبت
[٨] ٥٨ / ٨٦٣ .
[تنبيه]: وقع في النسخ المطبوعة من ((المجتبى)) غلط، ونصه: ((عن أبي إسحاق
الفزاري، عن أيوب بن عون))، والصواب ما في النسخة الهندية، وهو إسقاط ((عن
أيوب))، فأبو إسحاق الفزاريّ يرويه عن ابن عون، وهذا هو الذي في ((تحفة الأشراف))
٨/ ٦٩ .
ووقع في ((الكبرى)) أيضًا غلط آخر، ونصّه: ((عن أبي إسحاق الفزاري، عن أبي
عون))، والصواب ((عن ابن عون))، ومن الغريب أن المحقّق ألحق به آخذا من
(المجتبى)) لفظ ((أيوب))، فصار هكذا ((عن أيوب بن أبي عون))، وهو غلط على غلط.
فتنبّه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٦٢٦- (أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، قَالَ: حَدْثَنَا يَزِيدُ - وَهُوَ ابْنُ زُرَنِع- قَالَ: حَدَّثَنَا
ابْنُ عَوْنٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: أَصَابَ عُمَّرُ أَرْضًا بِخَيْبَرَ، فَأَتَى النَِّيَّ ◌َِّ،
فَقَالَ: أَصَبْتُ أَرْضَاً، لَمْ أُصِبْ مَالًا قَطُ أَنْفَسَ عِنْدِي، فَكَيْفَ تَأْمُرُ بِهِ، قَالَ: إِنْ شِئْتَ
حَبَّسْتَ أَضْلَهَا، وَتَصَدَّقْتَ بِهَا، فَتَصَدَّقَ بِهَا، عَلَى أَنْ لَا تُبَاعَ، وَلَا تُوهَبَ، وَلَا تُورَثَ،
فِي الْفُقَرَاءِ، وَالْقُرْبَى، وَالرُّقَابِ، وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَالضَّيْفِ، وَابْنِ السَّبِيلِ، لَا جُنَاحَ عَلَى
مَنْ وَلِيَّهَا، أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا بِالْمَعْرُوفِ، وَيُطْعِمَ صَدِيقًا(٢)، غَيْرَ مُتَمَوْلٍ فِيهِ).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا
غير مرّة .
(١) ((المفهم)) ٦٠٠/٤-٦٠٢. ((كتاب الصدقة والهبة والْحُبْس)).
(٢) وفي نسخة: ((صديقك)).

٢- کَیَفَ يُكْتَبُ الْحَبْسُ، وَذِكْرُ ... - حديث رقم ٣٦٢٧
٥٩
[تنبيه]: وقع في نسخ ((المجتبى)) غلطً في هذا السند، حيث زاد ((عن عمر))، فجعله
من مسند عمر رَّه ، كسابقه، والصواب أنه من مسند ابن عمر، كما هو في
((الكبرى))، ومن الغريب أن المحقّق زاد فيه آخذًا من ((المجتبى)) لفظ ((عن عمر))، فغيّر
الصواب إلى الخطإ، إن هذا لهو العجب العجاب من بعض محققي عصرنا.
وهذا الذي ذكرت أنه الصواب هو الذي في ((تحفة الأشراف))، حيث أورد هذا
الحديث في مسند ابن عمر رضي اللَّه تعالى عنهما، فراجعه -١٠٩/٦- ١١٠.
وقوله: ((أصبت أرضًا الخ)) قال القرطبيّ رحمه اللّه تعالى: يعني أنه صارت له هذه
الأرض بالقسمة، فإن النبيّ ◌َ﴿ قسم أرض خيبر التي افتُتحت عنوةٌ، كما قرّرنا في
(الجهاد)). والمال النفيس: المغتَبَطُ به لجودته، ويُسمّى هذا المال ثَمْغ. ولما كان هذا
المال أطيب أموال عمر رَّه ، وأحبّها إليه أراد أن يتصدّق به؛ لينال البرّ الذي ذكره الله
تعالى في قوله: ﴿لَنْ تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّ تُنفِقُواْ مِنَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]. وهذا كما قال
الأنصاريّ(١) صاحب بيرحاء، فأرشده النبيّ ◌َله إلى الأصلح في الصدقة، وهو
التحبيس، من حيث إن صدقته جاريةٌ، وأجره دائمٌ في الحياة، وبعد الموت، كما قال
وَاليه: ((إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو
ولد صالح يدعو له)). رواه مسلم. انتهى (٢).
وقوله: ((فكيف تأمر به؟)) قال القرطبيّ: استشارةٌ من عمر تَّ ، مع حسن أدب،
ولذلك أجابه بالټ بقوله: ((إن شئت حبست أصلها، وتصدّقت بها)»، أي بثمرها، كماقال
في الرواية الأخرى. وليس هذا أمرًا من النبيّ وَّ له، ولا حكما عليه بالتحبيس، وإنما
هي إشارة إلى الأصلح والأولى. انتهى(٣).
والحديث متفق عليه، وقد سبق تمام البحث فيه قريبًا، ولله الحمد والمنة. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٦٢٧- (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، قَالَ: وَأَنْبَأَنًا
حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ،
قَالَ: أَصَابَ عُمَرُ أَرْضًا بِخَيْبَرَ، فَأَتَى النَّبِيِّ وَِّ، فَاسْتَأْمَرَهُ(٤) فِيهَا، فَقَالَ: إِنِّيَ أَصَبْتُ
أَرْضًا كَثِيرًا، لَمْ أُصِبْ مَالًا قَطُ أَنْفَسَ عِنْدِي مِنْهُ، فَمَا تَأْمُرُ فِيهَا؟، قَالَ: ((إِنْ شِئْتَ
(١) هو أبو طلحة الأنصاريّ الآتية قصّته بعد جديثين، إن شاء الله تعالى.
(٢) ((المفهم)) ٥٩٩/٤.
(٣) ((المفهم)) ٤ /٥٩٩.
(٤) في نسخة: ((فيستأمره)).

٦٠
شرح سنن النسائي - کِتَابُ الإِخَاسِ
حَبَّسْتَ أَضْلَهَا، وَتَصَدَّقْتَ بِهَا))، فَتَصَدَّقَ بِهَا، عَلَى أَنَّهُ لَا تُبَاعُ، وَلَا تُوهَبُ، فَتَصَدَّقَ بِهَا،
فِي الْفُقَرَاءِ، وَالْقُرْبَى، وَفِي الرِّقَابِ، وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَابْنِ السَّبِيلِ، وَالضَّيْفِ، لَا جُنَاحَ
- يَعْنِي عَلَى مَنْ وَلِيَهَا- أَنْ يَأْكُلَ، أَوْ يُطْعِمَ صَدِيقًا، غَيْرَ مُتَمَّوْلٍ، وَاللَّفْظُ لِإِسْمَاعِيلَ).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه
إسماعيل، وهو ثقة. و((بشر)): هو ابن المفضّل.
وقوله: ((أرضًا كثيرًا)) هكذا في ((المجتبى))، وليس في ((الكبرى)) لفظ ((كثيرًا))، وإنما
لم يقل ((كثيرة)) مع أن الأرض مؤنثة؛ لكون تأنيثها مجازيًّا، ومجازيّ التأنيث، وإن كان
الأولى إلحاق التاء بفعله، ووصفه، إلا أنه يجوز تجريده عنها قليلاً عند بعض النحاة،
والجمهور خصّوه بالشعر، كما أشار إليه ابن مالك في («خلاصته)):
وَالْحَذْفُ قَدْ يَأْتِي بِلَا فَضْلِ وَمَعْ ضَمِيرٍ ذِي الْمَجَازِ فِي شِعْرٍ وَقَعْ
وقوله: ((على أنه لا تباع الخ)) ذكر اسم ((إن)) على أنه ضمير الشأن. وفي نسخة ((أن
لا تباعَ)) وعليه فـ((أن)) مصدريّة. والحديث متفق عليه، وقد سبق تمام البحث فيه قريبًا.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٦٢٨- (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَزْهَرُ السَّمَّانُ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ
نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ عُمَرَ، أَصَابَ أَرْضًا بِخَيْبَرَ، فَأَتَى النَّبِيِّ وَِّ، يَسْتَأْمِرُهُ فِي ذَلِكَ،
فَقَالَ: ((إِنْ شِئْتَ حَبَّسْتَ أَصْلَهَا، وَتَصَدَّقْتَ بِهَا))، فَحَبَّسَ أَصْلَهَا، أَنْ لَا تُبَاعَ، وَلَا
تُوهَبَ، وَلَا تُورَثَ، فَتَصَدَّقَ بِهَا عَلَى الْفُقَرَاءِ، وَالَّقُرْبِى، وَالرِّقَابِ، وَفِي الْمَسَاكِينِ، وَابْنِ
السَّبِيلِ، وَالضَّيْفِ، لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهَا، أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا بِالْمَغَرُوفِ، أَوْ يُطْعِمَ صَدِيقَهُ،
غَیْرَ مُتَمَوِّلٍ فِیهِ).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((إسحاق بن إبراهيم)): هو ابن راهويه. و((أزهر
السّمّان)): هو ابن سعد، أبو بكر الباهليّ البصريّ، ثقة [٩] ٣٣/٢٩.
والحديث متفق عليه، وقد سبق البحث عنه مستوفّى قريبًا، والحمد لله، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٦٢٩- (أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعِ، قَالَ: حَدَّثَنَا بُهْزٌّ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا
ثَابِتْ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هُّذِهِ الْآيَةُ: ﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَا تُبُّونَ﴾ [آل
عمران: ٩٢]، قَالَ أَبُو طَلْحَةَ: إِنَّ رَبَّنَا لَيَسْأَلُنَا عَنْ أَمْوَالِنَا، فَأَشْهِدُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنِّي قَدْ
جَعَلْتُ أَرْضِي لِلّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ: ((اجْعَلْهَا فِي قَرَابَتِكَ، فِي حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ،
وَأَبِيِّ بْنِ كَعْبٍ))).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: كان الأولى للمصنف رحمه الله تعالى أن يذكر هذا