Indexed OCR Text
Pages 161-180
٤٦- (بابٌ إِذاَ عَرَّضَ بِامْرَاتِهِ، ... - حديث رقم ٣٥٠٦ ١٦١= الأحكام الشرعيّة من طريق واحد قويّة. (ومنها): أن فيه أن الزوج لا يجوز له الانتفاء من ولده بمجرّد الظنّ، وأن الولد يلحق به، ولو خالف لونه لون أمّه. وقال القرطبيّ، تبعًا لابن رُشيد: لا خلاف في أنه لا يحلّ نفي الولد باختلاف الألوان المتقاربة، كالأُدمة، والسُّمْرة، ولا في البياض، والسواد، إذا كان قد أقرّ بالوطء، ولم تمض مدّة الاستبراء . قال الحافظ: وكأنه أراد في مذهبه، وإلا فالخلاف ثابت عند الشافعيّة بتفصيل، فقالوا: إن لم ينضمّ إليه قرينة زنا لم يجز النفي، فإن اتهمها، فأتت بولد على لون الرجل الذي اتّهمها به جاز النفي على الصحيح. وفي حديث ابن عبّاس رضي اللّه تعالى عنهما المتقدّم في اللعان ما يقوّيه. وعند الحنابلة يجوز النفي مع القرينة مطلقًا. والخلاف إنما هو عند عدمها، وهو عكس ترتيب الخلاف عند الشافعيّة. انتهى (١). (ومنها): أن فيه تقديم حكم الفراش على ما يُشعر به مخالفة الشبه. (ومنها): أن فيه الاحتياط للأنساب، وإبقائها مع الإمكان، والزجر عن تحقيق ظنّ السوء. (ومنها): ما قال الخطّابيّ: أن قوله: ليس منّي ليس قذفًا لأمه بمجرّد ذلك؛ لجواز كونه لغيره بوطء شبهة، أو من زوج متقدّم انتهى. وفيه أن هذا الرجل لم يصدر منه أنه قال: ليس منّي، وإنما عرّض بذلك، كما تقدّم(٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٥٠٦- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَزِيع، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَنِعِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: جَاءَّ رَجُلٌ مِنْ بَنِي فَزَارَةَ، إِلَى الشَِّيِّ وََّ، فَقَالَ: إِنَّ امْرَأَتِي وَلَدَتْ غُلَمَا أَسْوَدَ، وَهُوَ يُرِيدُ الإِنْتِفَاءَ مِنْهُ، فَقَالَ: ((هَلْ لَكَ مِنْ إِلِ؟))، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: ((مَا أَلْوَانّها؟))، قَالَ، حُمْرٌ، قَالَ: ((هَلْ فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ؟))، قَالَ: فِيَّهَا ذَوْدُ وُرْقٍ، قَالَ: ((فَمَا ذَاكَ تُرَى؟))، قَالَ: لَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ نَزَعَهَا عِزْقٌ، قَالَ: فَلَعَلَّ هَذَا أَنْ يَكُونَ نَزَعَهُ عِرْقٌ، قَالَ: فَلَمْ يُرَخِّصْ لَهُ فِي الإِنْتِفَاءِ مِنْهُ). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، و((محمد بن عبد الله بن بَزِيع)) -بفتح الباء الموحّدة، وكسر الزاي المعجمة، آخره عين مهملة- بصريّ، ثقة [١٠] ٥٨٨/٤٣. و((يزيد بن زُريع)) - بتقديم الزاي، مصغّرًا، أبو معاوية البصريّ، ثقة ثبت [٨] ٥/٥. ((ومعمر)) هو: ابن راشد أبو عروة اليمنيّ الثقة الثبت [٧] ١٠/١٠ . (١) ((فتح)) ١٠/ ٥٥٦-٥٥٧ . (٢) ((طرح التثريب)) ١٢١/٧. ١٦٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ وقوله: ((ذود ورق)) -بفتح الذال المعجمة، وسكون الواو، آخره دال مهملة -: قال ابن الأنباريّ: سمعت أبا العبّاس يقول: ما بين الثلاث إلى العشر ذَوْدٌ، وكذا قال الفارابيّ. والذود مؤنّثةٌ؛ لأنهم قالوا: ليس في أقلّ من خمس ذود صدقة، والجمع أذوادٌ، مثلُ ثوب وأثواب. وقال في البارع: الذود لا يكون إلا إناثًا. قاله الفيّوميّ. وقوله: ((وُزْق)) -بضم، فسكون -: جمع أروق، وهو مرفوع صفة لذود. وضُبط في النسخ المطبوعة ضبط قلم بالجرّ، فإن صحّت الرواية به فله وجهً على قلّة، وهو أن يضاف إليه ((ذودٌ))، من إضافة الموصوف إلى الصفة، كمسجد الجامع، كما قال في ((الخلاصة)) : وَلَا يُضَافُ اسْمُ لِمَا بِهِ اتَّخَذْ مَغْثَى وَأَوَّلْ مُوهِمًا إِذَا وَرَدْ والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق شرحه، وبيان مسائله في الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصوابِ، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٥٠٧- (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حَيْوَةَ، حِمْصِيٌّ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: بَيْتَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ وَلَهِ قَامَ رَجُلٌ: فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي وُلِدَ لِي غُلَامٌ أَسْوَدُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((فَنَّى كَانَ ذَلِكَ؟))، قَالَ: مَا أَدْرِي، قَالَ: ((فَهَلْ لَّكَ مِنْ إِيلِ؟))، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: ((فَمَا أَلْوَانًا؟))، قَالَ: حُمْرٌ، قَالَ: ((فَهَلْ فِيهَا جَمَلٌ أَوْرَقُ))، قَالُ: ((فِيهَا إِلٌ وُزْقٌ))، قَالَ: ((فَأَنَّى كَانَ ذَلِكَ؟))، قَالَ: مَا أَدْرِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ نَزَعَهُ عِرْقٌ، قَالَ: ((وَهَذَا لَعَلَّهُ نَزَعَهُ عِرْقٌ))، فَمِنْ أَجْلِهِ قَضَى رَسُولُ اللَّهِ وَِّ هَذَا لَا يَجُوزُ لِرَجُلٍ أَنْ يَنْتَفِيَ مِنْ وَلَدٍ، وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ، إِلَّا أَنْ يَزْعُمَ أَنَّهُ رَأَى فَاحِشَةَ)) ). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، ((أحمد بن محمد بن المغيرة)): هو الأزديّ الحمصيّ، صدوقٌ [١١] ٨٥/٦٥ فإنه من أفراده. و((أبو حيوة)): هو شريح بن يزيد الحضرميّ المؤذّن الحمصيّ، ثقة [٩] ٨٩٦/١٦ . و((شعيب بن أبي حمزة)) دينار الأمويّ مولاهم، أبو بشر الحمصيّ، ثقة ثبتٌ [٧] ٨٥/٦٩ ٠ وقوله: ((فمن أجله)) الظاهر أنه من كلام أبي هريرة ◌َظّه . أي من أجل سؤال هذا الرجل عن قضيّة لا بيّنة فيها، ولا حجة تثبتها، قضى وَ و أنه لا يجوز لشخص أن ينتفي من ولد ولدته امرأته، وهي تحته، إلا إذا أثبت أنه رآها تزنى، فيجوز له عند ذلك أن يلاعنها، ويفارقها، وينتفي من ولدها. ٤٧- (بَابُ التَّغْلِيظِ فِي الانْتِفَاءِ مِنَ الْوَلَدَ) - حديث رقم ٣٥٠٨ ١٦٣= وقوله: ((هذا)) الظاهر أن اسم الإشارة منصوب بنزع الخافض، متعلّقٌ بـ ((قضى))، أي قضى بهذا الحكم، وقوله: ((لا يجوز لرجل الخ)) بيان لمرجع اسم الإشارة. والحديث متفقٌ عليه. كما سبق بيانه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)). ٤٧- (بَابُ التَّغْلِيظِ فِي الانْتِفَاءِ مِنَ الْوَلَدِ) ٣٥٠٨- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، قَالَ: شُعَيْبٌ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ الْهَادِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ أَبِي سَعِيدِ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ وَ يَقُولُ -حِينَ نَزَلَتْ آَيَّةُ الْمُلَاعَنَةِ -: ((أَّمَا امْرَأَةٍ أَدْخَلَتْ عَلَى قَوْم رَجُلًا، لَيْسَ مِنْهُمْ، فَلَيْسَتْ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ، وَلَا يُدْخِلُهَا اللَّهُ جَنَهُ، وَأَيُّمَا رَجُلٍ جَحَدٌ وَلَدَهُ، وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ، احْتَجَبَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْهُ، وَفَضَحَهُ عَلَى رُءُوسٍ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ، يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ). رجال هذا الإسناد: سبعة : ١- (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَم) بن أعين المصريّ، ثقة فقيه [١١]١٦٦/١٢٠. ٢- (شعيب) بن الليث بن سعد الفهميّ مولاهم، أبو عبد الملك المصريّ، ثقة نبيل فقيه، من كبار [١٠] ١٦٦/١٢٠. ٣- (الليث) بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي مولاهم، والد شعیب الراوي عنه، أبو الحارث المصريّ، ثقة ثبت فقيه حجة [٧] ٣٥/٣١ . ٤- (ابن الهاد) هو يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد الليثيّ، أبو عبد اللَّه المدنيّ، ثقة مكثر [٧٣ / ٩٠ . ٥- (عبد الله بن يونس) حجازيّ، مجهول الحال [٦]. روى عن سعيد المقبريّ، ومحمد بن كعب القرظيّ. وعنه يزيد بن عبد الله بن الهاد. ذكره ابن حبّان في ((الثقات)). وذكر عبد الحقّ أنه لا يعرف إلا بهذا الحديث. ١٦٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ وقال ابن القطّان: مجهول الحال. تفرّد به المصنّف، وأبو داود بهذا الحديث فقط. ٦- (سعيد بن أبي سعيد) كيسان المقبريّ، أبو سَعْد المدنيّ، ثقة تغيّر قبل موته بأربع سنين [٣] ٩٥ /١١٧ . ٧- (أبو هريرة) رضي الله تعالى عنه١/١. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي اللَّه تعالى عنه (أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللّهِ وَّهِ، يَقُولُ -حِينَ نَزَّلَتْ آيَّةُ الْمُلَاعَنَةِ) أي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَّمُونَ أَزْوَجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَّمْ شُهَدَآءُ إِلَّ أَنْفُهُمْ﴾ الآية (أَيُّمَا امْرَأَةٍ أَدْخَلَتْ عَلَى قَوْم رَجُلًا، لَيْسَ مِنْهُمْ) أي بالنسب الباطل، وذلك أن تزني، فتلد ولدًا، وتقول: هو لزّوجها (فَلَيْسَتْ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ) أي ليست من دين اللَّه تعالى، أو من رحمته في شيء يُعتدّ به، وهذا تغليظ لفعلها (وَلَا يُدْخِلُهَا اللَّهُ جَنَّتَهُ) أي لا تستحقّ أن يدخلها اللَّه تعالى جنته، وهذا وأمثاله يؤول بتأولين: أحدهما أنه فيمن استحلّت ذلك، فيكون على ظاهره، وأنها لا تدخل الجنة أبدًا؛ لارتدادها باستحلال ما حرّم الله تعالى، مع علمها بتحريمه. والثاني: أن المراد أنها لا تدخل مع الأولين، بل إنما تدخل بعد أن تعذّب. والله تعالى أعلم (وَأَيُّمَا رَجُلٍ جَحَدَ وَلَدَهُ) أي أنكره، ونفاه (وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ) أي ينظر الرجل إلى ولده، وهو كناية عن العلم بأنه ولده، أو المعنى ينظر الولد إلى الرجل، فهو تقبيحٌ لفعله، وإشارة إلى قلّة شفقته، ورحمته، وشدّة قساوة قلبه، وغلظته (احْتَجَبَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْهُ) أي فيكون ممن قال اللَّه تعالى فيهم: ﴿كَلَّ إِنَّهُمْ عَنْ تَّبِهِمْ يَوْمَدٍ لََّحْجُوُونَ﴾، إن كان مستحلًا لذلك، وإلا فيكون احتجابًا مأقْتًا، والحاصل أنه يأتي فيه التأويلان المذكوران آنفًا (وَفَضَحَهُ) - بفتح الضاد المعجمة، والحاء المهملة- يقال: فضَحَه، كمنعه: كَشَفَ مَساویه، فافْتَضَحَ، والاسم الفضيحة، والفُضُوح، والفُضُوحة، بضمهما، والفَضَاحة، بالفتح، والفِضَاح بالكسر. قاله في ((القاموس)) (عَلَى رُءُوسِ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ، يَوْمَ الْقِيَامَةِ) والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه هذا صححه الحاكم في ((المستدرك)) جـ ٢/ ص٢٠٢-٢٠٣ - وقال: على شرط مسلم، قال في ((التلخيص الحبير)): وصححه ٤٨- (بَابُ إِلْحَاقِ الْوَلَدَ بِالفراش، ... - حديث رقم ٣٥٠٩ ١٦٥ === الدار قطنيّ في ((العلل))، مع اعترافه بتفرّد عبد الله بن يونس به، عن سعيد المقبريّ، وأنه لا يعرف إلا بهذا الحديث انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أما تصحيح الحاكم، وقوله على شرط مسلم، فتساهل ظاهر؛ فإن عبد الله بن يونس ليس من رجال مسلم، وأما تصحيح الدار قطنيّ، ففيه نظر لا يخفى؛ لأن عبد الله بن يونس مجهول، كما تقدّم في ترجمته، وقد تفرّد بروايته عن سعيد المقبريّ. وقال في ((التلخيص)): وفي الباب عن ابن عمر، في ((مسند البزار))، وفيه إبراهيم بن سعيد(١) الْخُوزيّ، وهو ضعيف. انتهى. والحاصل أن الظاهر ضعفُ حديثِ الباب. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٣٥٠٨/٤٧ - وفي ((الكبرى)) ٥٦٧٤/٤٦. وأخرجه (د) في ((الطلاق)) ٣٢٦٣ (الدارمي) في ((النكاح)) ٢٢٣٨ . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب». ٤٨- (بَابُ إِلْحَاقِ الْوَلَدِ بِالْفِرَاشِ، إِذَا لَمْ يَنْقِهِ صَاحِبُ الْفِرَاشِ) ٣٥٠٩- (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ، وَأَبِي سَلَمَةً، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النِّيَّ نََّ، قَالَ: ((الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ)) ). رجال هذا الإسناد: ستة، وقد ترجموا قبل باب، وكلهم رجال الصحيح. و(سفيان)): هو ابن عيينة. و((سعيد)): هو ابن المسيّب، و((أبو سلمة)): هو ابن عبد الرحمن بن عوف. والله تعالى أعلم. (١) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هكذا في ((التلخيص)) بلفظ ((ابن سعيد))، ولعله محرّفٌ من ((ابن يزيد)) الخوزيّ المتروك، فليُحرّر. والله تعالى أعلم .. ١٦٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ شرح الحديث (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي اللَّه تعالى عنه (أَنَّ النَِّيِّ نَّهِ، قَالَ: ((الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ) قال في ((النهاية)): أي لمالك الفراش، وهو الزوج، والمولى، والمرأة تسمّى فراشًا؛ لأن الرجل يفترشها انتهى (وَلِلْعَاهِرِ) أي الزاني (الْحَجَرُ) أي الحرمان. وقيل: كنى به عن الرجم، وفيه أنه ليس كلُّ زان يُرجم، وقد يقال في صدق هذا الكلام ثبوت الرجم له أحيانًا. وتمام شرح الحديث يأتي في الحديث الثالث من أحاديث الباب، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان . مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٣٥٠٩/٤٨ و٣٥١٠ - وفي)) الكبرى)) ٥٦٧٦/٤٨ و٥٦٧٧ . وأخرجه (خ) في ((الفرائض)) ٦٧٥٠ و((الحدود)) ٦٨١٨ (م) في ((الرضاع)) ١٤٥٨ (ت) في (الرضاع)) ١١٥٧ (ق) في ((النكاح)) ٢٠٠٦ (أحمد) في ((مسند المكثرين)) ٧٢٢١ و ٧٧٠٥ و٨٧٧٧ و٩٠٤٧ و٩٦٩٢ و٩٧٩٧ و١٠٠١٣ (الدارمي) في ((النكاح)) ٢٢٣٥. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٥١٠- (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ، وَأَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَِّيَّ ◌َِّ، قَالَ: ((الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ)) ). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، و((إسحاق ابن إبرهيم)): هو ابن راهويه. و((عبد الرزاق)): هو ابن همّام الصنعانيّ. و((معمر)): هو ابن راشد الصنعاني. والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق البحث فيه في الحديث الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٥١١- (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُزْوَةَ، عَنْ عَائِشَةً، قَالَتِ: اخْتَصَمَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، وَعَبْدُ بْنُ زَمْعَةً، فِي غُلَامِ، فَقَالَ سَعْدٌ: هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، ابْنُّ أَخِي، عُتْبَةَ بْنِ أَبِيَ وَقَّاصٍ، عَهِدَ إِلَيَّ، أَنَّهُ ابْنُهُ،" انْظُرْ إِلَى شَبَهِهِ، وَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ: أَخِي، وُلِدَ عَلَى فِرَاشٍ أَبِي، مِنْ وَلِيدَتِهِ، فَتَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ إِلَى شَبَهِهِ، ٤٨- (بَأَبُ إِلْحَاقِ الْوَلَدَ بِالفِرَاش، ... - حديث رقم ٣٥١١ ١٦٧ = فَرَأَى شَبَهَا بَيْنَا بِعُثْبَةَ، فَقَالَ: ((هُوَ لَكَ، يَا عَبْدُ، الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ، وَاحْتَجِبِي مِنْهُ، يَا سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ))، فَلَمْ يَرَ سَوْدَةَ قَطُ). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١- (قتيبة) بن سعيد الثقفيّ البغلانيّ، ثقة ثبت [١٠] ١/١ . ٢- (الليث) بن سعد الإمام المصريّ الثقة الثبت الحجة [٧] ٣٥/٣١. ٣- (ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهريّ المدنيّ الإمام الحجة الحافظ [٤] ١/١ . ٤- (عروة) بن الزبير بن العوّام الأسديّ المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت [٣] ٤٤/٤٠. ٥- (عائشة) أم المؤمنين رضي اللّه تعالى عنها٥/ ٥ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، والليث، فمصريان. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه عروة من الفقهاء السبعة، وعائشة رضي الله تعالى عنها من المكثرين السبعة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عُزْوَةَ) وفي رواية شعيب، عن الزهريّ عند البخاريّ في ((العتق)): ((حدّثني عروة))، وكذا وقع في رواية عبد الله بن مسلمة، عن مالك، في ((المغازي))، لكن أخرجه في ((الوصايا)) بلفظ: ((عن عروة). قاله في ((الفتح)) (عَنْ عَائِشَةً) رضي اللَّه تعالى عنها، أنها (قَالَتِ: اخْتَصَمَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ) مالك بن وُهيب بن عبدمناف بن زهرة ابن كلاب الزهريّ، أبو إسحاق، أحد العشرة، وأوّل من رمى بسهم في سبيل الله عز وجل، مناقبه كثيرة، مات تَظّه بالعقيق، سنة (٥٥هـ) على المشهور، وهو آخر من مات من العشرة المبشرين بالجنّة ، تقدّمت ترجمته في ٩٦/ ١٠٢١ (وَعَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ) بغير إضافة ((عبد)). ووقع في ((مختصر ابن الحاجب)) ((عبد الله))، وهو غلطً، نعم عبد الله بن زمعة آخر. وفي بعض الطرق من غير رواية عائشة عند الطحاويّ في هذا الحديث عبد الله بن زمعة. ونبّه على أنه غلطً، وأن عبد الله بن زمعة هو ابن الأسود بن عبد المطلب بن أسد بن عبد العزى. و((زمعة)) : -بفتح الزاي، وسكون الميم، وقد تُحرّك- قال النوويّ: التسكين أشهر. وقال أبو الوليد الوقشيّ: التحريك هو الصواب. قال الحافظ: والجاري على ألسنة المحدّثين التسكين في الاسم، والتحريك في النسبة. وهو ابن قيس بن عبد شمس ١٦٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلاقِ القرشيّ العامريّ، والد سودة، زوج النبيّ وَ ليل رضي اللّه تعالى عنها. وعبد بن زمعة قال ابن عبد البرّ: كان من سادات الصحابة، وأخوه لأمه قَرَظَة بن عبد عمرو بن نوفل بن عبدمناف، أمهما عاتكة بنت الأخيف -بخاء معجمة، بعدها مثناة تحتانية- من بني مُصیص بن عامر بن لؤيّ. وأخرج ابن أبي عاصم بسند حسن إلی یحیی ابن عبد الرحمن بن حاطب، عن عائشة رضي اللَّه تعالى عنها، قالت: تزوّج رسول الله ﴿ له سودة بنت زمعة، فجاء أخوها عبد بن زمعة من الحجّ، فجعل يحثو من التراب على رأسه، فقال بعد أن أسلم: إنّي لسفية يوم أحثو التراب على رأسي أن تزوّج رسول الله وَلخر سودة. قاله في ((الإصابة))(١). (فِي غُلَام) هو الابن الصغير، وجمع القلّة منه غِلْمة بالكسر، وجمع الكثرة غِلمانٌ، ويُطلق الغلام على الرجل، مجازًا باسم ما كان عليه، كما يقال للصغير شيخٌ، مجازًا باسم ما يؤول إليه، وجاء في الشعر غلامةٌ، بالهاء، للجارية، قال أوس بن غلفاء الهُجیميّ، يصف فرسا [من الكامل]: وَمُزْكِضَةٌ صَرِيحِيٍّ أَبُوهَا ◌َانُ لَهَا الْغُلَامَةُ وَالْغُلَامُ قال الأزهريّ: وسمعت العرب تقول للمولود حين يولد ذكرًا: غُلامٌ، وسمعتهم يقولون للكهل: غُلام، وهو فاشٍ في كلامهم(٢). واسم الغلام المذكور: عبد الرحمن، وذكره ابن عبد البرّ في الصحابة وغيره، وقد أعقب بالمدينة. قاله في ((الفتح)). وقال في ((الإصابة)): وقال ابن عبد البرّ: لم يختلف النسّابون أن اسم ابن الوليدة، صاحب القصّة عبد الرحمن. قال الحافظ: خبط ابن منده، وتبعه أبو نُعيم في نسبه، فجعله من بني أسد بن عبد العزى، وليس كذلك، ووهم ابن قانع، فجعله هو الذي خاصم سعدَ بنَ أبي وقّاص، وكأنه انقلب عليه، فإنه المخاصَمُ فيه، لا المخاصِمُ، والمخاصِمُ عبدٌ بغير إضافة، بلا نزاع انتهى (٣). وقال في ((الفتح)): وقد وقع لابن منده خبطٌ في ترجمة عبد الرحمن بن زمعة، فإنه زعم أن عبد الرحمن، وعبد الله، وعبدًا إخوة ثلاة، أولاد زمعة بن الأسود، وليس كذلك، بل عبدٌ بغير إضافة، وعبد الرحمن أخوان، عامريّان، من قريش، وعبد الله بن (١) راجع ((الإصابة)) ٣٤١/٦-٣٤٢. (٢) راجع ((المصباح المنير)). (٣) ((الإصابة)) ٢١٥/٧. ٤٨- (بابُ إِلْحَاقِ الْوَلَدَ بِالفراش، ... - حديث رقم ٣٥١١ ١٦٩ زمعة قرشيّ أسديّ، من قريش أيضًا انتهى(١). (فَقَالَ سَعْدٌ) ابن أبي وقاص رضي اللَّه تعالى عنه (هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، ابْنُ أَخِي، عُثْبَةَ ابْنِ أَبِي وَقَّاصٍ) ((عتبة)) بدلٌ من ((أخي))، وهو أخو سعد المذكور، مختلفٌ في صحبته، فذكره في الصحابة العسكريّ، وذكر ما نقله الزبير بن بكّار في النسب أنه كان أصاب دمًا بمكّة في قريش، فانتقل إلى المدينة، ولَمّا مات أوصى إلى سعد. وذكره ابن منده في الصحابة، ولم يذكر مستندًا إلا قول سعد: ((عهد إليّ أخي أنه ولده))، واستنكر أبو نعيم ذلك. وذكر أنه الذي شجّ وجه رسول الله ێ بأحد، قال: وما علمت له إسلامًا، بل قد روى عبد الرزاق من طريق عثمان الجزريّ، عن مقسم: ((أن النبيّ وَّر دعا بأن لا يحول على عتبة الحول حتى يموت كافرًا، فمات قبل الحول)). وهذا مرسل. وأخرجه من وجه آخر عن سعيد بن المسيّب بنحوه. وأخرج الحاكم في ((المستدرك)) من طريق صفوان بن سُليم، عن أنس أنه سمع حاطب بن أبي بلتعة، يقول: ((إن عتبة لَمّا فعل بالنبيّ وَّ ما فعل، تبعته، فقتلته)). كذا قال. وجزم ابن التين، والدمياطيّ بأنه مات کافرًا . وأم عتبة هند بنت وهب بن الحارث بن زُهرة، وأم أخيه سعد حمنة بنت سفيان بن أميّة. قاله في (الفتح))(٢) (عَهِدَ إِلَيَّ) أي أوصى إليّ. يقال: عَهِدَ إليه يَعْهَدُ، من باب تَعِبَ: إذا أوصاه. قاله الفيّوميّ (أَنَّهُ ابْنُهُ، انْظُرْ إِلَى شَبَهِهِ) أي إلى مماثلته لعتبة. قال في ((القاموس)): الشِّبْهُ بالكسر، والتحريك، وكأمير: المثل،، جمعه أشباه انتهى. وفي رواية البخاريّ في ((الفرائض)): ((فلما كان عام الفتح أخذه سعد، فقال: ابن أخي. وفي رواية له في ((المغازي)): ((فلما قدم رسول اللَّه ◌َلي- مكة في الفتح)). وفي رواية لأحمد، وهي لمسلم، ولم يسق لفظها: «فلما كان يوم الفتح رأى سعدٌ الغلامَ، فعرفه بالشبه، فاحتضنه، وقال ابن أخي، وربّ الكعبة)) (وَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ: أَخِي، وُلِدَ) بالبناء للمفعول (عَلَى فِرَاشِ أَبِي) زاد في رواية: ((من جاريته)) (مِنْ وَلِيدَتِهِ) الوليدة في الأصل المولودة، وتُطلق على الأمة، قال الحافظ: وهذه الوليدة لم أقف على اسمها، لكن ذكر مصعب الزبيريّ، وابن أخيه الزبير في ((نسب قريش)) أنها كانت أمة يمانية. والوليدة فَعِيلة من الولادة، بمعنى مفعولة. قال الجوهريّ: هي الصبيّة، (١) ((الإصابة)) ٧/ ٥٢١ . (٢) ((فتح) ٥٢٠/١٣-٠٥٢١ ١٧٠ = شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ والأمة، والجمع ولائد. وقيل: إنها اسم لغير أم الولد. (فَتَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ إِلَى شَبَهِهِ، فَرَأَى شَبَهَا بَيْنَا بِعُتْبَةَ) وفي رواية: ((فإذا هو أشبه الناس بعتبة بن أبي وقاص)). قال الخطّبيّ، وتبعه عياضٌ، والقرطبيّ، وغيرهما: كان أهل الجاهلية يقتنون الولائد، ويقرّرون عليهنّ الضرائب، فيكتسبن بالفجور، وكانوا يُلحقون النسب بالزناة، إذا ادّعوا الولد، كما في النكاح، وكانت لزمعة أمةٌ، وكان يُلمّ بها، فظهر بها حملٌ، زعم عتبة بن أبي وقاص أنه منه، وعهد إلى أخيه سعد أن يستلحقه، فخاصم فیه عبد بن زمعة، فقال له سعد: هو ابن أخي، على ما كان عليه الأمر في الجاهليّة، وقال عبد الرحمن: هو أخي، على ما استقرّ عليه الأمر في الإسلام، فأبطل النبيّ وَّ حكم الجاهليّة، وألحقه بزمعة. وأبدل عياضٌ قوله: إذا ادعوا الولد بقوله: إذا اعترفت به الأمّ، وبنى عليهما القرطبيّ، فقال: ولم يكن حصل إلحاقه بعتبة في الجاهليّة، إما لعدم الدعوى، وإما لكون الأمّ لم تعترف به لعتبة. قال الحافظ: وقد مضى في ((النكاح)) (١) من حديث عائشة ما يؤيّد أنهم كانوا يعتبرون استلحاق الأمّ في صورة، وإلحاق القائف في صورة، ولفظها: ((إن النكاح في الجاهليّة كان على أربعة أنحاء ... )) الحديث، وفيه: ((يجتمع الرهط ما دون العشرة، فيدخلون على المرأة كلهم يُصيبها، فإذا حملت، ووضعت، ومضت ليالٍ، أرسلت إليهم، (١) هو ما أخرجه البخاريّ رحمه الله تعالى في ((صحيحه)): ٥١٢٧ - وحدثنا أحمد بن صالح، حدثنا عنبسة، حدثنا يونس، عن ابن شهاب، قال: أخبرني عروة بن الزبير، أن عائشة زوج النبي ◌َّير، أخبرته أن النكاح في الجاهلية، كان على أربعة أنحاء: فنكاح منها نكاح الناس اليوم، يخطب الرجل إلى الرجل وليته، أو ابنته، فيُصدقها، ثم ينكحها. ونكاح آخر، كان الرجل يقول لامرأته: إذا طهرت من طمئها: أرسلي إلى فلان، فاستبضعي منه، ويعتزلها زوجها، ولا يمسها أبدا، حتى يتبين حملها من ذلك الرجل، الذي تستبضع منه، فإذا تبين حملها، أصابها زوجها، إذا أحب، وإنما يفعل ذلك رغبة في نجابة الولد، فكان هذا النكاح، نكاح الاستبضاع. ونكاح آخر، يجتمع الرهط ما دون العشرة، فيدخلون على المرأة، كلهم يصيبها، فإذا حملت، ووضعت، ومَرَّ عليها ليال، بعد أن تضع حملها، أرسلت إليهم، فلم يستطع رجل منهم أن يمتنع، حتى يجتمعوا عندها، تقول لهم: قد عرفتم الذي كان من أمركم، وقد ولدت، فهو ابنك يا فلان، تسمي من أحبت باسمه، فيلحق به ولدها، لا يستطيع أن يمتنع به الرجل. ونكاح رابع، يجتمع الناس الكثير، فيدخلون على المرأة، لا تمتنع ممن جاءها، وهن البغايا، كُنَّ ينصبن على أبوابهن رايات، تكون علما، فمن أرادهن دخل عليهن، فإذا حملت إحداهن، ووضعت حملها، ◌ُمعوا لها، ودعوا لهم القافة، ثم ألحقوا ولدها بالذي يرون، فالتاط به، ودُعي ابنه، لا يمتنع من ذلك، فلما بُعِثَ محمد ◌َّ بالحق، هدم نكاح الجاهلية كله، إلا نكاح الناس اليوم. ٤٨- (بَابُ إِلْحَاقِ الْوَلَدَ بِالفراش، ... - حديث رقم ٣٥١١ ١٧١ = فاجتمعوا عندها، فقالت: قد ولدت فهو ابنك يا فلان، فيُلحق به ولدها، ولا يستطيع أن يمتنع ... ))، إلى أن قالت: ((ونكاح البغايا، كنّ يَنصبن على أبوابهنّ رايات، فمن أرادهنّ، دخل عليهنّ، فإذا حملت إحداهن، فوضعت، جُمعوا لها، ودعوا القافة، ثم ألحقوا ولدها بالذي يرى القائف، لا يمتنع من ذلك انتهى. واللائق بقصّة أمة زمعة الأخير، فلعلّ جمع القافة لهذا الولد تعذّر بوجه من الوجوه، أو أنها لم تكن بصفة البغايا، بل أصابها عتبة سرًّا من زنا، وهما كافران، فحملت، وولدت ولدًا يُشبهه، فغلب على ظنّه أنه منه، فبغته الموت قبل استلحاقه، فأوصى أخاه أن يسلتحقه، فعمد سعد بعد ذلك، تمسّكًا بالبراءة الأصلية. قال القرطبيّ: وكان عبد بن زمعة سمع أن الشرع ورد بأن الولد للفراش، وإلا فلم يكن عادتهم الإلحاق به. كذا قال، قال الحافظ: ولا أدري من أين له هذا الجزم بالنفي، وكأنه بناه على ما قاله الخطّابيّ: من أن أمة زمعة كانت من البغايا اللاتي عليهن من الضرائب، فكان الإلحاق مختصًّا باستلحاقها على ما ذكر، أو بإلحاق القائف على ما في حديث عائشة، لكن لم يذكر الخطّابيّ مستندًا لذلك، والذي يظهر من سياق القصّة ما قدّمته أنها كانت أمةً، مستفرشةً لزمعة، فاتّفق أن عتبة زنى بها، كما تقدّم، وكانت طريقة الجاهليّة في مثل ذلك أن السيّد إن استلحقه لحقه، وإن نفاه انتفى عنه، وإذا ادعاه غيره كان مردّ ذلك إلى السيّد، أو القافة. وقد وقع في حديث ابن الزبير الذي أسوقه بعد هذا ما يؤيّد ما قلته. وأما قوله: إن عبد بن زمعة سمع أن الشرع الخ، ففيه نظر؛ لأنه يبعد أن يسمع ذلك عبد بن زمعة، وهو بمكة لم يُسلم بعدُ، ولا يسمعه سعد بن أبي وقّاص، وهو من السابقين الأولين الملازمين لرسول اللَّه ◌َ لخير من حين إسلامه إلى حين فتح مكة نحو العشرين سنة، حتى ولو قلنا: إن الشرع لم يرد بذلك، إلا في زمن الفتح، فبلوغه لعبد قبل سعد بعيدٌ أيضًا. والذي يظهر لي أن شرعيّة ذلك إنما عُرفت من قوله ◌َ ﴿ في هذه القصّة: ((الولد للفراش))، وإلا فما كان سعد لو سبق علمه بذلك ليَدَعَه، بل الذي يظهر أن كُلَّا من سعد، وعتبة بنى على البراءة الأصليّة، وأن مثل هذا الولد يقبل النزاع. وقد أخرج أبو داود تلو حديث الباب بسند حسن إلى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، قال: قام رجلٌ، فقال: يا رسول اللّه، إن فلانًا عاهرت بأمه في الجاهلية، فقال رسول اللَّه بَله: ((لا دعوة في الإسلام، ذهب أمر الجاهلية، الولد للفراش، وللعاهر الحجر)). وقد وقع في بعض طرقه أن ذلك وقع زمن الفتح، وهو يؤيّد ما قلته. ١٧٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ انتهى كلام الحافظ (١). (فَقَالَ) فَِِّ (هُوَ لَكَ، يَا عَبْدُ) وفي لفظ للبخاريّ: ((هو لك يا عبد بن زمعة)) يجوز في ((عبد)) الضمّ، على أنه منادى مفرد علم، والفتح؛ اتباعًا لما بعده، وأما ((ابن)) فهو واجب النصب على الحالين؛ لكونه مضافًا، وقد أشار ابن مالك رحمه اللّه تعالى إلى هذا في «خلاصته))، حیث قال: وَنَحْوَ زَيْدٍ ضُمَّ وَافْتَحَنَّ مِنْ نَحْوٍ أَزَيْدُ ابْنَ سَعِيدٍ لَا تَنْ وَالضَّمُّ إِنْ لَمْ يَلِ الابْنُ عَلَمَا أَوْ يَلِ الابْنَ عَلَمْ قَدْ حُتِمَا قال في ((الفتح)): ووقع في رواية للنسائيّ(٢): ((وهو لك عبد بن زمعة)) بحذف حرف النداء، وقرأه بعض المخالفين بالتنوين، وهو مردود، فقد وقع في رواية يونس المعلّقة في ((المغازي)): ((هو لك، هو أخوك يا عبد))، ووقع لمسدّد، عن ابن عيينة، عند أبي داود: «هو أخوك یا عبد)). (الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ) أي لصاحب الفراش، وهو الزوج، أو السيّد (وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ) أي للزاني الخيبة، والحرمان، والعهر -بفتحتين -: الزنا. وقيل: يختصّ بالليل. ومعنى الخيبة هنا حرمان الولد الذي يدّعيه، وجرت عادة العرب أن تقول لمن خاب: له الحجر، وبفيه الحجر والتراب، ونحو ذلك. وقيل: المراد بالحجر هنا أنه يُرجم. قال النوويّ: وهو ضعيف؛ لأن الرجم مختصّ بالمحصن، ولأنه لا يلزم من رجمه نفي الولد، والخبر إنما سيق لنفي الولد. وقال السبكيّ: والأول أشبه بمساق الحديث؛ لتعمّ الخيبة كلّ زان، ودليل الرجم مأخوذ من موضع آخر، فلا حاجة للتخصيص من غير دلیل. قال الحافظ: ويؤيّد الأول أيضًا ما أخرجه أبو أحمد الحاكم من حديث زيد بن أرقم رَّه، رفعه: ((الولد للفراش، وفي فم العاهر الحجر)». وفي حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما عند ابن حبّان: ((الولد للفراش، وبفي العاهر الأثلب)) - بفتح الهمزة، وكسرها، وإسكان المثلّثة، بعدها باءٌ موحّدة، بينهما لام، ويُفتح أوله، وثالثه، ويُكسران- قيل: هو الحجر. وقيل: دقاقه. وقيل: التراب. (وَاحْتَجِبِي مِنْهُ، يَا سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ)) ) زاد في حديث ابن الزبير الآتي: ((فليس لك بأخ))، وسيأتي الكلام عليها قريبًا (فَلَمْ يَرَ سَوْدَةً قَطَّ) وفي لفظ: ((فلم تره سودة قط)). (١) ((فتح)) ٥٢١/١٣-٥٢٣. ((كتاب الفرائض)). (٢) لم أره بهذا اللفظ عند النسائيّ، لا في ((المجتبى))، ولا في ((الكبرى)). والله تعالى أعلم. ٤٨- (بأبُ إِلْحَاقِ الْوُلدَ بالفراش، ... - حديث رقم ٣٥١١ ١٧٣ = يعني في المدّة التي بين هذا القول، وبين موت أحدهما. وفي رواية معمر: قالت عائشة: ((فوالله ما رآها حتى ماتت)). وللبخاريّ في رواية الكشميهني: ((فلم تره سودة بعدُ)). قال الحافظ رحمه الله تعالى: وهذه إذا ضُمّت إلى رواية مالك ومعمر استُفيد منها أنها امتثلت الأمر، وبالغت في الاحتجاب منه، حتى إنها لم تره فضلاً عن أن يراها؛ لأنه ليس في الأمر المذكور دلالة على منعها من رؤيته. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عائشة رضي الله تعالى عنها هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٣٥١١/٤٨ و٣٥١٤/٤٩ - وفي («الكبرى» ٦٥٧٨/٤٨ و٤٩/ ٥٦٨١. وأخرجه (خ) في ((البيوع)) ٢٠٥٣ و٢٢١٨ و((الخصومات)) ٢٤٢١ (و((العتق)) ٢٥٣٣ و((الوصايا)) ٢٧٤٥ و((المغازي)) ٤٣٠٣ و((الفرائض)) ٦٧٤٩ و((الحدود)) ٦٨١٧ و((الأحكام)) ٧١٨٢ (م) في ((الرضاع)) ١٤٥٧ (د) في ((الطلاق)) ٢٢٧٣ (ق) في ((النكاح)) ٢٠٠٤ (أحمد) في ((باقي مسند الأنصار)) ٢٣٥٦ و٢٤٤٥ و٢٥٣٦٦ و٢٥٤٧٠ و٢٥٥٦٢ (الموطأ) في ((الأقضية)) ١٤٤٩ (الدارمي) في ((النكاح)) ٢٢٣٦ و٢٢٣٧ . والله تعالى أعلم. [تنبيه]: حديث: ((الولد للفراش)) قال ابن عبد البرّ هو من أصحّ ما يروى عن النبيّ وَّلإر جاء عن بضعة وعشرين نفسًا من الصحابة، فذكره البخاريّ في هذا الباب عن أبي هريرة، وعائشة. وأخرجه النسائيّ من حديث أبي هريرة، وعائشة، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن مسعود. وقال الترمذيّ -عقب حديث أبي هريرة -: وفي الباب عن عمر، وعثمان، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله عمرو، وأبي أمامة، وعمرو بن خارجة، والبراء، وزيد بن أرقم. وزاد الحافظ العراقيّ عليه: معاوية، وابن عمر. وزاد أبو القاسم بن منده في ((تذكرته)) معاذ بن جبل، وعبادة بن الصامت، وأنس بن مالك، وعليّ بن أبي طالب، والحسين ابن عليّ، وعبد الله بن حُذافة، وسعد بن أبي وقاص، وسودة بنت زمعة. قال الحافظ: ووقع لي من حديث ابن عباس، وأبي مسعود البدريّ، وواثلة بن الأسقع، وزينب بنت جحش. وقد رقّمت عليها علامات من أخرجها من الأئمّة، فـ ((طب)) علامة الطبرانيّ في ((الكبير))، و((طس)) علامته في (الأوسط))، و((بز)) علامة . ١٧٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ البزار، و((ص)) علامة أبي يعلى الموصليّ، و((تم)) علامة تمام في ((فوائده))(١). وجميع هؤلاء وقع عندهم: ((الولد للفراش، وللعاهر الحجر))، ومنهم من اقتصر على الجملة الأولى. وفي حديث عثمان قصّة، وكذا عليّ. وفي حديث معاوية قصّة أخرى له مع نصر بن حجّاج، وعبد الرحمن بن خالد بن الوليد، فقال له نصر: فأين قضاؤك في زياد؟، فقال: قضاء رسول اللَّه وَ ل خير من قضاء معاوية. وفي حديث أبي أمامة، وابن مسعود، وعبادة أحكام أخرى. وفي حديث عبد الله بن حُذافة قصّة له في سؤاله عن اسم أبيه. وفي حديث ابن الزبير قصّة نحو قصّة عائشة باختصار، وقد أشرت إليه. وفي حديث سودة نحوه، ولم تُسَمَّ في رواية أحمد، بل قال: ((عن بنت زمعة)). وفي حديث زينب قصّة، ولم يُسَمَّ أبوها، بل فيه: ((عن زينب الأسديّة)). وجاء من مرسل عُبيد بن عمير، وهو أحد كبار التابعين، أخرجه ابن عبد البرّ بسند صحيح إليه(٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان أن الولد يُلحق بالفراش، إذا لم ينفه صاحب الفراش. (ومنها): أن الوصيّ يجوز له أن يستلحق ولد موصيه، إذا أوصى إليه بأن يستلحقه، ويكون كالوكيل عنه في ذلك. (ومنها): أن الأمة تصير فراشًا بالوطء، إذا اعترف السيّد بذلك، أو ثبت ذلك بأيّ طريق كان. (ومنها): أنه استُدلّ به على أن القائف إنما يُعتمد في الشبه إذا لم يُعارضه ما هو أقوى منه؛ لأن الشارع لم يلتفت هنا إلى الشبه، والتفت إليه في قصّة زيد بن حارثة رضي اللّه تعالى عنهما، وكذا لم يحكم بالشبه في قصّة الملاعنة؛ لأنه عارضه حكم أقوى منه، وهو مشروعيّة اللعان. (ومنها): أن عموم قوله وَله: ((الولد للفراش)) مخصوص بمشروعية اللعان، وخالف فيه الشعبيّ، وبعض المالكيّة، وهو شاذٌّ. ونقل عن الشافعيّ رحمه اللّه تعالى أنه قال: لقوله: ((الولد للفراش)) معنيان: أحدهما: هو له ما لم ينفه، فإذا نفاه بما شُرع له، كاللعان انتفى عنه. والثاني: إذا تنازع ربّ الفراش، والعاهر، فالولد لربّ الفراش. قال الحافظ: والثاني منطبقٌ على خصوص الواقعة، والأول أعمّ. انتهى (٣). (ومنها): أنه يدلّ على أن حكم الحاكم لا يُحلّ الأمر في الباطن، كما لو حكم بشهادة، فظهر أنها (١) لم توجد هذه العلامات في نسخ ((الفتح)) المطبوعة، ولعل الطابع أسقطها، غفلة، أو لأمر آخر، والله تعالى أعلم. (٢) (فتح) ٥٢٨/١٣. (٣) ((فتح)) ١٣/ ٥٢٤. ((كتاب الفرائض)). ٤٨- (بابُ إِلْحَاقِ الْوَلَدِ بِالفراش، ... - حديث رقم ٣٥١١ ١٧٥ زورٌ؛ لأنه وَله حكم بأنه أخو عبد، وأمر سودة بالاحتجاب عنه بسبب الشبه بعتبة، فلو كان الحكم يُحلّ الأمر في الباطن، لما أمرها بالاحتجاب. (ومنها): أنه يدلّ على صحة ملك الكافر الوثنيّ الأمة الكافرة، وأن حكمها بعد أن تلد من سيّدها حكم القنّ؛ لأن عَبْدًا، وسعدًا أطلقا عليها أمةً، ووليدةً، ولم يُنكر ذلك النبيّ وَله. وأجيب بأن عتق أم الولد بموت السيّد ثبت بأدلة أخرى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في استلحاق غير الأب: ذهب الشافعيّ وجماعة رحمه اللّه تعالى إلى أن الاستلحاق لا يختصّ بالأب، بل للأخ أن يستلحق، لكن بشرط أن يكون حائزًا للإرث، أو يوافقه باقي الورثة، وإمكان كونه من المذكور، وأن يوافق على ذلك، إن كان بالغًا عاقلًا، وأن لا يكون معروف الأب. وتُعُقّب بأن زمعة كان له ورثة غير عبد. وأجيب بأنه لم يخلُف وارثًا غيره، إلا سودة، فإن كان زمعة مات كافرًا، فلم يرثه إلا عبدٌ وحده. وعلى تقدير أن يكون أسلم، وورثته سودة، فيحتمل أن تكون وكّلت أخاها في ذلك، أو ادّعت أيضًا. وذهب مالك، وطائفة رحمه اللَّه تعالى إلى أنّ الاستلحاق خاصّ بالأب. وأجابوا عن هذا الحديث بأن الإلحاق لم ينحصر في استلحاق عبد؛ لاحتمال أن يكون النبيّ وَلت اطلع على ذلك بوجه من الوجوه، كاعتراف زمعة بالوطء، ولأنه إنما حكم بالفراش؛ لأنه قال -بعد قوله: ((هو لك)) -: ((الولد للفراش))؛ لأنه لما أبطل الشرع إلحاق هذا الولد بالزاني لم يبق صاحبَ الفراش. وجرى المزنيّ على القول بأن الإلحاق يختصّ بالأب، فقال: أجمعوا على أنه لا يُقبل إقرار أحد على غيره، والذي عندي في قصّة عبد بن زمعة أنه وَي أجاب عن المسألة، فأعلمهم أن الحكم كذا بشرط أن يدّعي صاحب الفراش، لاأنه قَبِلَ دعوى سعد عن أخيه عتبة، ولا دعوى عبد بن زمعة عن زمعة، بل عرّفهم أن الحكم في مثلها يكون كذلك، قال: ولذلك قال: «احتجبي منه یا سودة)). وتُعُقّب بأن قوله لعبد بن زمعة: ((هو أخوك) يدفع هذا التأويل(١). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: الذي يظهر لي أن ما ذهب إليه الشافعيّة وجماعة، من أن الاستلحاق يجوز للأخ هو الراجح؛ عملًا بظاهر حديث الباب. والله تعالى أعلم (١) ((فتح) ١٣/ ٥٢٣. ((كتاب الفرائض)). حديث رقم ٦٧٤٩. ١٧٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): استدلّ بهذا الحديث على أن الأمة تصير فراشًا بالوطء، فإذا اعترف السيّد بوطء أمته، أو ثبت ذلك بأيّ طريق كان، ثم أتت بولد لمدّة الإمكان بعد الوطء لحقه من غير استلحاق، كما في الزوجة، لكن الزوجة تصير فراشًا بمجرّد العقد، فلا يُشترط في الاستلحاق إلا الإمكان ؛ لأنها تراد للوطء، فجعل العقد عليها كالوطء، بخلاف الأمة، فإنها تراد لمنافع أخرى، فاشتُرط في حقّها الوطء، ومن ثَمّ يجوز الجمع بين الأختين بالملك، دون الوطء، وهذا قول الجمهور. وعن الحنفيّة لا تصير الأمة فراشًا إلا إذا ولدت من السيّد ولدًا، ولحق به، فمهما ولدت بعد ذلك لحقه إلا أن ينفيه. وعن الحنابلة: من اعترف بالوطء، فأتت منه لمدّة الإمكان لحقه، وإن ولدت منه أوّلًا، فاستلحقه لم يلحقه ما بعده إلا بإقرار مستأنف على الراجح عندهم. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ترجيح المذهب الأول - كما قال الحافظ- ظاهرٌ؛ لأنه لم يُنقل أنه كان لزمعة من هذه الأمة ولد آخر، والكلّ متفقون على أنها لا تصير فراشًا إلا بالوطء. قال النوويّ: وطء زمعة أمته المذكورة عُلم، إما ببيّنة، وإما باطلاع النبيّ مَّ على ذلك. قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: وحديث ابن الزبير الآتي للمصنف بعد هذا، بلفظ (كانت لزمعة جارية يطؤها)) يشعر بأن ذلك كان مشهورًا عندهم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): استُدلّ بالحديث على أن السبب لا يخرج، ولو قلنا: إن العبرة بعموم اللفظ. ونقل الغزاليّ تبعًا لشيخه، والآمديّ، ومن تبعه عن الشافعيّ قولًا بخصوص السبب؛ تمسّكًا بما نُقل عن الشافعيّ أنه ناظر بعض الحنفيّة، لما قال: إن أبا حنيفة خصّ الفراش بالزوجة، وأخرج الأمة من عموم ((الولد للفراش))، فرد عليه الشافعيّ بأن هذا ورد على سبب خاصّ. ورد الفخر الرازيّ على من قال بأن مراد الشافعيّ أن خصوص السبب لا يخرج، والخبر إنما ورد في حقّ الأمة، فلا يجوز إخراجه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السابعة): اتفق أهل العلم على أن قوله بَّير: ((الولد للفراش)) يعمّ الزوجة أيضًا؛ أخذًا بعموم اللفظ، كما تقدّم، لكن بشرط الإمكان، فلو نكح مشرقيّ مغربيّةً، ولم يُفارق واحد منهما وطنه، ثم أتت بولد لستة أشهر، أو أكثر، لم يلحقه؛ لعدم إمكان كونه منه، وكذا لو اجتمعا، لكن أتت به لأقلّ من ستة أشهر من حين إمكان اجتماعهما لم يلحقه أيضًا. هذا مذهب مالك، والشافعيّ، وأحمد، والعلماء كافّة، إلا ٤٨- (بَابُ إِلْحَاقِ الْوُلَدَ بالفراش، ... - حديث رقم ٣٥١١ ١٧٧ === أبا حنيفة، فلم يشترط الإمكان، بل اكتفى بمجرّد العقد، حتى لو طلّق عقب العقد من غير إمكان وطء، فولدت لستة أشهر من العقد لحقه الولد. قال النوويّ: وهذا ضعيفٌ، ظاهر الفساد، ولا حجة له في إطلاق الحديث؛ لأنه خرج على الغالب، وهو حصول الإمكان عند العقد(١). وقال أبو العبّاس القرطبيّ: الفراش هنا كناية عن الموطوءة؛ لأن الواطىء يستفرشها، أي يُصيّرها كالفراش، ويعني به أن الولد لاحقٌ بالواطىء. قال الإمام: وأصحاب أبي حنيفة يحملونه على أن المراد به صاحب الفراش، ولذلك لم يشترطوا إمكان الوطء في الحرّة، واحتجوا بقول جرير [من الكامل]: بَاتَتْ تُعَانِقُهُ وَبَاتَ فِرَاشُهَا خَلَقَ الْعَبَاءَةِ فِي الدِّمَاءِ قَتِيلَا يعني زوجها، والأول أولى؛ لما ذكرناه من الاشتقاق، ولأن ما قدّره من حذف المضاف ليس في الكلام ما يدلّ عليه، ولا ما يُحوج إليه انتهى(٢). قال الحافظ: وفهم بعض الشّاح -يريد به ولي الدين العراقيّ- عن القرطبيّ خلاف مراده، فقال: كلامه يقتضي حصول مقصود الجمهور بمجرّد كون الفراش هو الموطوءة، وليس هو المراد، فعلم أنه لا بدّ من تقدير محذوف؛ لأنه قال: إن الفراش هو المطوءة، والمراد به أن الولد لا يلحق بالواطىء، قال المعترض: وهذا لا يستقيم إلا مع تقدير المحذوف. قلت: وقد بيّنت وجه استقامته بحمد الله. ويؤيد ذلك أيضًا أن ابن الأعرابيّ اللغويّ نقل أن الفراش عند العرب يعبّر به عن الزوج، وعن المرأة، والأكثر إطلاقه على المرأة، ومما ورد في التعبير عن الرجل قول جرير، فيمن تزوّجت بعد قتل زوجها، أو سيّدها [من الكامل]: بَاتَتْ تُعَانِقُهُ وَبَاتَ فِرَاشُهَا خَلَقَ الْعَبَاءَةِ بِالْبَلَاءِ ثَقِيلًا وقد يُعبّر به عن حالة الافتراش، ويمكن حمل الخبر عليها، فلا يتعيّن الحذف. نعم لا يمكن حمل الخبر على كلّ واطىء، بل المراد من له الاختصاص بالوطء، كالزوج، والسيّد، ومن ثمّ قال ابن دقيق العيد: معنى ((الولد للفراش)) تابع للفراش، أو محكوم به للفراش، أو ما يقارب هذا. وقد شنّع بعضهم على الحنفيّة بأن من لازم مذهبهم إخراج السبب مع المبالغة في العمل بالعموم في الأحوال. وأجاب بعضهم بأنه خصّص الظاهر القويّ بالقياس، وقد (١) ((طرح التثريب)) (٢) ((المفهم)) ١٩٦/٤. == ١٧٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ عُرف من قاعدته تقديم القياس في مواضع على خبر الواحد، وهذا منها انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما ذهب إليه الجمهور من أنه لا بدّ لثبوت النسب من الإمكان زمانًا ومكانًا هو الصواب عندي؛ لوضوح متمسّكه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثامنة): قال المازريّ رحمه الله تعالى: يتعلّق بهذا الحديث استلحاق الأخ لأخيه، وهو صحیح عند الشافعيّ، إذا لم یکن له وارث سواه، وقد تعلّق أصحابه بهذا الحديث لأنه لم يرد أن زمعة ادعاه ولدًا، ولا اعترف بوطء أمه، فكان المعوّل في هذه القصّة على استلحاق عبد بن زمعة، قال: وعندنا -يعني المالكيّة- لا يصحّ استلحاق الأخ، ولا حجة في هذا الحديث؛ لأنه يمكن أن يكون ثبت عند النبيّ وَالقر أن زمعة كان يطأ أمته، فألحق الولد به؛ لأن من ثبت وطؤه لا يحتاج إلى الاعتراف بالوطء، وإنما يصعب هذا على العراقيين، ويعسر عليهم الانفصال عما قاله الشافعيّ؛ لما قرّرناه أنه لم يكن لزمعة ولدٌ من الأمة المذكورة سابقٌ، ومجرّد الوطء لا عبرة به عندهم، فيلزمهم تسليم ما قال الشافعيّ، قال: ولَمّا ضاق عليهم الأمر، قالوا: الرواية في هذا الحديث: ((هو لك عبد بن زمعة))، وحُذف حرف النداء بين عبد وابن زمعة، والأصل يا ابن زمعة، قالوا: والمراد أن الولد لا يلحق بزمعة، بل هو عبد لولده؛ لأنه وارثه، وأمر سودة بالاحتجاب منه؛ لأنها لم ترث زمعة؛ لأنه مات كافرًا، وهي مسلمةٌ، قال: وهذه الرواية التي ذكروها غير صحيحة، ولو وردت لرددناها إلى الرواية المشهورة، وقلنا : بل المحذوف حرف النداء بين ((لك))، و((عبد))، كقوله تعالى، حكاية عن صاحب يوسف فعّ الَُّ، حيث قال: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضِ عَنْ هَذَا﴾ انتهى. وسلك الطحاويّ فيه مسلكًا آخر، فقال: معنى قوله: ((هو لك)) أي يدك عليه، لا أنك تملكه، ولكن تمنع غيرك منه إلى أن يتبيّن أمره، كما قال لصاحب اللقطة: ((هي لك»، وقال له: ((إذا جاء صاحبها فأدّها إليه))، قال: ولما كانت سودة شريكة لعبد في ذلك، لكن لم يعلم منها تصديق ذلك، ولا الدعوى به، ألزم عبدًا بما أقرّ به على نفسه، ولم يجعل ذلك عليها، فأمرها بالاحتجاب. وكلامه هذا كلّه متعقّبٌ بالرواية الثانية المصرّح فيها بقوله وَلّر: ((أخوك))، فإنها رفعت الإشكال، وكأنه لم يقف عليها، ولا على حديث ابن الزبير وسودة الدّالّ على أن سودة وافقت أخاها عبدًا في الدعوى بذلك. قاله في ((الفتح)). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة التاسعة): أنه قد استدلّت الحنفيّة بهذا الحديث على أنه والخير لم يلحقه ٤٨- (بَابُ إِلْحَاقِ الْوَلَدَ بِالفِرَاش، ... - حديث رقم ٣٥١١ ١٧٩ بزمعة؛ لأنه لو ألحقه به لكان أخا سودة، والأخ لا يؤمر بالاحتجاب منه. وأجاب الجهمور بأن الأمر بذلك كان للاحتياط؛ لأنه وإن حكم بأنه أخوها؛ لقوله في الطرق الصحيحة: ((هو أخوك يا عبد))، وإذا ثبت أنه أخوعبد لأبيه، فهو أخو سودة لأبيها، لكن لما رأى الشبه بيّنًا بعتبة أمرها بالاحتجاب منه احتياطًا. وأشار الخطّابيّ إلى أن في ذلك مزيّة لأمهات المؤمنين؛ لأن لهنّ في ذلك ما ليس لغيرهنّ، قال: والشبه يُعتبر في بعض المواطن، لكن لا يُقضى به، إذا وُجد ما هو أقوى منه، وهو كما يُحكم في الحادثة بالقياس، ثم يوجد فيها نصّ، فيُترك القياس. قال: وقد جاء في بعض طرق هذا الحديث، وليس بثابت: ((احتجبي منه، يا سودة، فإنه ليس لك بأخ))، وتبعه النوويّ، فقال: هذه الزيادة باطلة مردودة. وتُعُقّب بأنها وقعت في حديث عبد الله بن الزبير، عند النسائيّ(١)، بسند حسن، ولفظه: ((كانت لزمعة جارية يطؤها ... )) الحديث، ورجال سنده رجال الصحيح، إلا شيخ مجاهد، وهو يوسف مولى آل الزبير . وقد طعن البيهقيّ في سنده، فقال: فيه جرير، وقد نسب في آخر عمره إلى سوء الحفظ، وفيه يوسف، وهو غير معروف، وعلى تقدير ثبوته، فلا يعارض حديث عائشة المتفق علی صخته. وتُعُقّب بأن جریرًا هذا لم يُنسب إلى سوء حفظ، وكأنه اشتبه علیه بجرير بن حازم، وبأن يوسف معروف في موالي آل الزبير، وبأن الجمع بينهما ممكن، فلا ترجيح. وعلى هذا فيتعيّن تأويله، وإذا ثبتت هذه الزيادة تعيّن تأويل نفي الأخوة عن سودة على نحو ما تقدّم من أمرها بالاحتجاب منه. ونقل ابن العربيّ في ((القوانين)) عن الشافعيّ نحو ما تقدّم، وزاد: ولو كان أخاها بنسب محقّق لما منعها، كما أمر عائشة أن لا تحتجب من عمها من الرضاعة. وقال البيهقيّ: معنى قوله: ((ليس لك بأخ)) بالنسبة للميراث من زمعة؛ لأن زمعة مات كافرًا، وخلف عبد بن زمعة، والولد المذكور، وسودة، فلا حقّ لسودة في إرثه، بل حازه عبد قبل الاستلحاق، فإذا استلحق الابن المذكور شاركه في الإرث، دون سودة، فلهذا قال لعبد: ((هو أخوك))، وقال لسودة: ((ليس لك بأخ)). وقال القرطبيّ - بعد أن قرّر أنّ أمر سودة بالاحتجاب للاحتياط، وتوقّي الشبهات -: ويحتمل أن يكون ذلك لتغليظ أمر الحجاب في حقّ أمهات المؤمنين، كما قال: (١) هو الحديث التالي لهذا الحديث في الباب رقم ٣٥١٢ . ١٨٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ ((أفعمياوان أنتما))، فنهاهما عن رؤية الأعمى، مع قوله لفاطمة بنت قيس: ((اعتدّي عند ابن أم مكتوم، فإنه أعمى))، فغلّظ الحجاب في حقّهنّ، دون غيرهنّ. وقد قال بعض أهل العلم إنه كان يحرم عليهنّ بعد الحجاب إبراز أشخاصهنّ، ولو كنّ مستترات، إلا لضرورة، بخلاف غيرهنّ، فلا يُشترط. وأيضًا فإن للزوج أن يمنع زوجته من الاجتماع بمحارمها، فلعلّ المراد بالاحتجاب عدم الاجتماع في الخلوة. وقال ابن حزم: لا يجب على المرأة أن يراها أخوها، بل الواجب عليها صلة رحمها، ورَدّ على من زعم أن معنى قوله: «هو لك)» أي عبدٌ بأنه لو قضى بأنه عبد لما أمر سودة بالاحتجاب منه؛ إما لأن لها فيه حصّةً، وإما لأن من في الرقّ لا يُحتجب منه على القول بذلك. أفاده في ((الفتح))(١) . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي الراجح أن نهيه وَلّل سودة رضي الله تعالى عنها، وقوله: ((فإنه ليس لك بأخ)) إن صح محمول على الاحتياط، فإنه وإن ثبت نسبه لأجل الفراش، إلا أن شبهه بعتبة يورث الشبهة، فيُحتاط من أجله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة العاشرة): استدلّ بالحديث بعض المالكيّة على مشروعيّة الحكم بين حكمين، وهو أن يأخذ الفرع شبهًا من أكثر من أصل، فيُعطَى أحكامًا بعدد ذلك، وذلك أن الفراش يقتضي إلحاقه بزمعة في النسب، والشبه يقتضي إلحاقه بعتبة، فأعطي الفرع حكمًا بين حكمين، فروعي الفراش في النسب، والشبه البيّن في الاحتجاب، قال: وإلحاقه بهما، ولو كان من وجه أولى من إلغاء أحدهما من كلّ وجه. قال ابن دقيق العيد: ويُعتَرض على هذا بأن صورة المسألة ما إذا دار الفرع بين أصلين شرعيين، وهنا الإلحاق شرعيّ للتصريح بقوله: ((الولد للفراش))، فبقي الأمر بالاحتجاب مشكلًا؛ لأنه يناقض الإلحاق، فتعيّن أنه للاحتياط، لا لوجوب حكم شرعيّ، وليس فيه إلا ترك مباح، مع ثبوت المحرميّة انتهى. وهو اعتراض وجيه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الحادية عشرة): أنه استدلّ بهذا الحديث على أن لوطء الزنا حكم وطء الحلال في حرمة المصاهرة، وهو قول الجمهور، ووجه الدلالة أمر سودة بالاحتجاب بعد الحكم بأنه أخوها لأجل الشبه بالزاني. وقال مالك في المشهور عنه، والشافعيّ: لا أثر لوطء الزنا، بل للزاني أن يتزوّج أم (١) ((فتح)) ٥٢٦/١٣-٥٢٧.