Indexed OCR Text

Pages 41-60

٤١
٣١- (بَأَبُ خِيَارِ الأمَّةِ تُعْتَقُ، ... - حديث رقم ٣٤٧٨
يبطل الشرط، ويشترط في الثمن شروط من أوصافه، أو من نجومه، ونحو ذلك، فلا
يبطل.
وقال النوويّ: قال العلماء: الشروط في البيع ونحوه أقسام:
[أحدها]: شرط يقتضيه إطلاق العقد، بأن شرط تسليمه إلى المشتري، أو تبقية
الثمرة على الشجرة إلى أوان الجداد، أو الردّ بالعيب.
[الثاني]: شرطٌ فيه مصلحةٌ، وتدعو إليه الحاجة، كاشتراط الرهن، والضمين،
والخيار، وتأجيل الثمن، ونحو ذلك، وهذان القسمان جائزان، ولا يؤثّران في صحّة
العقد، بلا خلاف.
[الثالث]: اشتراط العتق في العبد المبيع، أو الأمة، وهذا جائزٌ أيضًا عند الجمهور؛
لحديث عائشة، وترغيبا في العتق؛ لقوّته، وسرايته.
[الرابع]: ما سوى ذلك من الشروط، كشرط استثناء منفعة، وشرط أن يبيعه شيئًا
آخر، أو يكريه داره، أو نحو ذلك، فهذا شرط باطلٌ، مبطلٌ للعقد. هكذا قال
الجمهور. وقال أحمد: لا يبطله شرط واحد، وإنما يبطله شرطان. والله أعلم انتهى
كلام النوويّ(١).
وقال القرطبيّ: قوله: ((ليس في كتاب اللَّه))، أي ليس مشروعًا في كتاب اللَّه
تأصيلًا، ولا تفصيلاً. ومعنى هذا أنّ من الأحكام، والشروط ما يؤخذ تفصيلها من
كتاب الله، كالوضوء، وكونه شرطًا في صحّة الصلاة. ومنها ما يوجد فيه أصله،
كالصلاة، والزكاة، فإنهما فيه مجملتان. ومنها ما يوجد أصل أصله، وهو كدلالة
الكتاب على أصليّة السنّة، والإجماع، والقياس، فكلّ ما يُقتبسُ من هذه الأصول تفصيلاً
فهو مأخوذ من کتاب الله تأصيلًا.
وعلى هذا: فمعنى الحديث أن ما كان من الشروط مما لم يدلّ على صحّته دليلٌ
شرعيّ كان باطلًا، أي فاسدًا مردودًا. وهذا كما قال ◌َّر في الحديث الصحيح: ((من
أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه، فهو رد)). متفقٌ عليه.
وفي هذا من الفقه ما يدلّ على أن العقود الشرعيّة إذا قارنها شرطً فاسدٌ بطل ذلك الشرط
خاصّةً، وصحّ العقد. لكن هذا إنما يكون إذا كان ذلك الشرط خارجًا عن أركان العقد،
كاشتراط الولاء في الكتابة، واشتراط السلف في البيع، فلو كان ذلك الشرط مُخلَّا بركن من
أركان العقد، أو مقصودًا، فُسخ العقد والشرط. انتهى كلام القرطبيّ(٢).
(١) (شرح مسلم) ٣٨١/١٠. ((كتاب العتق)).
(٢) ((المفهم)) ٣٢٦/٤-٣٢٧. ((كتاب العتق)).

٤٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ
(يَقُولُونَ: أَعْتِقْ فُلَانًا، وَالْوَلَاءُ لِي، كِتَابُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَحَقُّ) أي بالاتباع من الشروط
المخالفة له. وقال القرطبيّ: أي حكم اللّه، كما قال ◌َّليل في الحديث الآخر -لما قال له
الخصم: اقض بيننا بكتاب اللَّه تعالى- فقال: ((لأقضينّ بينكما بكتاب الله))، ثم قضى
على الزاني البكر بالجلد والتغريب، وعلى الزانية بالرجم، وليس الرجم، والتغريب
موجودين في كتاب الله تعالى، لكن في حكم اللَّه المسمّى بالسنّة، وكذلك اختصاص
الولاء بالمعتِق ليس موجودًا في كتاب الله، لكن في حكم الله به على لسان رسوله ول
مما يُسمّى سنّة انتهى(١).
(وَشَرْطُ اللَّهِ أَوْثَقُ) أي باتباع حدوده التي حدّها، وليس أفعل التفضيل هنا على
حقيقتها، إذ لا مشاركة بين الحقّ والباطل، وقد وردت صيغة ((أفعل)) لغير التفضيل
كثيرًا. ويحتمل أن يُقال: ورد ذلك على ما اعتقدوه من الجواز. قاله في ((الفتح))(٢).
(وَكُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ) أي في حكه سبحانه وتعالى (فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ
مِائَةَ شَرْطٍ)) ) قال النوويّ: معنى قوله: ((ولو مائة شرط)) أي لو شرط مائة مرّة توكيدًا،
فهو باطلٌ. ويؤيّده قوله في الرواية الأخيرة: ((وإن شرط مائة مرّة))، وإنما حمله على
التأكيد؛ لأن العموم في قوله: ((كلّ شرط))، وفي قوله: ((من اشترط شرطًا)) دالٌ على
بطلان جميع الشروط المذكورة، فلا حاجة إلى تقييدها بالمائة، فإنها لو زادت عليها كان
الحكم كذلك لما دلّت عليها الصيغة. نعم طريق أيمن، عن عائشة عند البخاريّ:
(«بلفظ: ((فقال النبيّ وَلجر: الولاء لمن أعتق، وإن اشترطوا مائة شرط))، وإن احتمل
التأكيد، لكنه ظاهر في أن المراد به التعدّد، وذكر المائة على سبيل المبالغة. وقال
القرطبيّ: قوله: ((ولو كان مائة شرط)) خرج مخرج التكثير، يعني أن الشروط الغير
المشروعة باطلة، ولو كثرت، ويُفيد دليل خطابه أن الشروط المشروعة صحيحة، كما
قد نصّ النبيّ وَّه بقوله: ((المؤمنون على شروطهم، إلا شرطًا أحلّ حرامًا، أو حرّم
حلالًا)). أخرجه الترمذيّ من حديث عمرو بن عوف، وقال: حديث حسن انتهى(٣).
(فَخَيْرَهَا رَسُولُ اللَّهِ بِّهِ مِنْ زَوْجِهَا، وَكَانَ عَبْدًا، فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا، قَالَ عُرْوَةُ: فَلَوْ كَانَ
حُرًّا، مَا خَيَّرَهَا رَسُولُ اللَّهِ وَهَ) تقدّم شرح ما يتعلّق بهذا الجزء قبل باب. والحديث متّفقٌ
عليه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٤٧٩- (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا
(١) ((المفهم)) ٣٢٧/٤.
(٢) ((فتح)) ٥٠٣/٥. ((كتاب العتق)).
(٣) ((المفهم)) ٣٢٧/٤.

٤٣
٣١- (بَأَبُ خِيَارِ الأمَّةِ تُعْتَقُ، ... - حديث رقم ٣٤٨١
وُهَيْبٌ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ، عَنْ عُزْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، رَضِي اللَّه
عَنْهَا، قَالَتْ: كَانَ زَوْجُ بَرِيرَةً عَبْدًا).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح. و((وُهيب))
: هو ابن خالد. و((عُبيدالله بن عمر)): هو العمريّ المدنيّ الفقيه. و((يزيد بن رُومان)):
هو المدنيّ مولى آل الزبير ثقة [٥] ١٧/ ١٥٣٧.
والحديث أخرجه مسلم، وتقدّم تمام البحث فيه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٤٨٠- (أَخْبَرَنَا الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيًّا بْنِ دِينَارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ
سِمَاكِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنَ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّا اشْتَرَتْ بَرِيرَةَ، مِنْ أُنَاسِ
مِنَ الْأَنْصَارِ، فَاشْتَرَطُوا الْوَلَّاءَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ: ((الْوَلَاءُ لِمَنْ وَلِيَ النَّعْمَةَ))، وَخَيَّرَهَا
رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ، وَكَانَ زَوْجُهَا عَبْدًا، وَأَهْدَتْ لِعَائِشَةَ لَحْمًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِّ: ((لَوْ
وَضَعْتُمْ لَنَا مِنْ هَذَا اللَّحْم))، قَالَتْ عَائِشَةُ: تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ، فَقَالَ: ((هُوَ عَلَيْهَا
صَدَقَةٌ، وَهُوَ لَنَا هَدِيَّةٌ) ).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلّهم رجال الصحيح. و((حُسين))
: هو ابن عليّ الْجُعفيّ. و((زائدة)): هو ابن قُدامة. و((سماك)): هو ابن حرب.
[تنبيه]: وقع في نسخ ((المجتبى)) التي بين يديّ إسقاط قوله: ((عن أبيه))، والصواب
إثباته؛ لأن عبد الرحمن لا يروي عن عائشة، وإنما يروي عن أبيه، عنها، وقد وقع على
الصواب في ((الكبرى)) ٣٦٦/٣ - رقم -٥٦٤٧ - وكذا في ((تحفة الأشراف)) ٢٦٨/١٢-
٢٦٩ . فتنبّه، والله تعالى أعلم.
وقوله: ((لمن ولي النعمة)) أي لمن ولي نعمة الإعتاق. والحديث صحيح. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٤٨١- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَخِيَى بْنُ أَبِي بُكَيْرِ
الْكِزْمَانِيُّ(١)، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ عَائِشَةَ،
قَالَ: وَكَانَ وَصِيَّ أَبِيهِ، قَالَ: وَفَرِقْتُ أَنْ أَقُولَ: سَمِعْتَهُ مِنْ أَبِيَّكَ، قَالَثَ عَائِشَةُ: سَأَلْتُ
رَسُولَ اللَّهِ وَلِ، عَنْ بَرِيرَةَ، وَأَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِيَهَا، وَاشْتُرِطَ الْوَلَاءُ لِأَهْلِهَا، فَقَالَ: ((اشْتَرِيَهَا،
فَإِنَّ الْوَلَاءَ لِمَنْ أَعْتَقَ))، قَالَ: وَخَيْرَتْ، وَكَانَ زَوْجُهَا عَبْدًا، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: مَا أَدْرِي(٢)،
(١) ((الكِزْمَانِيّ)) بكسر الكاف، وسكون الراء: نسبة إلى كِرْمَان ولاية كبيرة، تشتمل على عدّة بلدان.
أفاده في ((لب اللباب)) جـ٢ ص ٢٠٦.
(٢) وفي ((الكبرى)): ((ما أدري، ما أدري)) بالتكرار.

٤٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ
وَأَتِيَّ رَسُولُ اللَّهِ بِ لّهِ بِلَخْم، فَقَالُوا: هَذَا مِمَّا تُصُدْقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ، قَالَ: ((هُوَ لَهَا صَدَقَةٌ، وَلَّنَا
هَدِيَّةٌ)) ).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه -وهو
المعروف أبوه بابن عليّة- فإنه من أفراده، وهو ثقة حافظ. و((يحيى بن أبي بكير)): اسم
أبيه نَسْر -بفتح النون، وسكون السين المهملة- وهو كوفيّ الأصل، نزيل بغداد، من
رجال الجماعة.
وقوله: ((قال: وكان وصيّ أبيه)) الظاهر أن فاعل ((قال)) ضمير شعبة، أي قال شعبة:
كان عبد الرحمن بن القاسم وصيّ أبيه، أي أوصى إليه أبوه بالقيام بشأن أولاده، وتدبير
أحوالهم؛ حيث كان أكبر أولاده، فيكون قوله: ((عن عائشة)) معترضًا.
وقوله: ((وفرِقتُ)) بتاء المتكلّم هو من تتمّة كلام شعبة، وهو بكسر الراء، يقال: فرِق
من الشيء، من باب تَعِبَ: إذا خاف منه.
وقوله: ((هل سمعتَهُ)) بفتح التاء؛ لأنها تاء خطاب، فما وقع في النسخ المطبوعة من
ضبطها بالضمّ ضبطَ قلم غلطً فليُتنبّه. ومعناه: أن شعبة خاف أن يسأل عبد الرحمن بن
القاسم أن يسأله هل سمع هذا الحديث من أبيه، أم لا؟.
وقولها: (وأردتُ أن أشتريها)) جملة في حلّ نصب على الحال من فاعل ((سألتُ)).
وقولها: ((واشترط الولاء لأهلها)) ببناء الفعل للمفعول جملة في محلّ نصب على الحال
من فاعل ((أشتريها)).
وقوله: ((قال: وخُيّرت، وكان زوجها عبدًا)) ببناء ((خُيّرت)) للمفعول، والقائل هو
عبد الرحمن: يعني أن عبد الرحمن بن القاسم، قال: وخُيّرت بريرة حينما أُعتقت،
وكان زوجها وقت التخيير عبدًا.
وقوله: ((ثم قال بعد ذلك: ما أدري)) أي قال عبد الرحمن بعد أن حدّث أن زوجها
كان عبدًا، لا أعلم أكان زوجها عبدًا، أم حرًّا، ومعنى ذلك أنه شكّ في كونه عبدًا بعد
ما حدّث بالجزم أنه عبدٌ، والمعتبر في هذا جزمه السابق؛ لأن الشكّ الطارىء لا يرفعه،
ولا سيّما وقد وافقه عليه عروة، وهو أتقن من روى عن عائشة رضي اللّه تعالى عنها.
[تنبيه]: وقع في رواية المصنّف هنا من طريق يحيى بن أبي بُكير، عن شعبة: ((وكان
زوجها عبدًا».
والذي في ((صحيح البخاريّ)) عن محمد بن بشّار، عن غندر، عن شعبة: قال
عبد الرحمن: زوجها حرِّ، أو عبد، قال شعبة: سألت عبد الرحمن عن زوجها؟ قال:
لا أدري، أحرّ، أم عبد انتهى.

٤٥
٣٢- (بابُ الإِيلَاءِ) - حديث رقم ٣٤٨٢
والذي في ((صحيح مسلم)) عن محمد بن المثنّى، عن محمد بن جعفر، عن شعبة في
هذا الحديث: ((فقال عبد الرحمن: وكان زوجها حرًّا، قال شعبة: ثم سألته عن زوجها؟
فقال: لا أدري) انتهى.
والظاهر أن عبد الرحمن كان متردّدًا، فمرّة يقول حرّ، ومرّة يقول: عبدٌ، ومرّة
يقول: لا أدري، وقد تقدّم أن المحفوظ أنه كان عبدًا، فتبصّر. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)) .
٣٢- (بَابُ الإِيلَاءِ)
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((الإيلاء)): في اللغة هو الحلف، يقال: آلى يولي
إيلاء: أي حلف، ويقال: تألّى تألّيًا، وائتلاء، وهو في الشرع: الحلف على الامتناع
من وطء الزوجة بيمين يلزم بها حكمٌ أكثر من أربعة أشهر بمدّة مؤثّرة. قاله القرطبيّ(١).
وقال ابن قدامة: الإيلاء في اللغة: الحَلِفِ، يقال: آلى يولي إيلاءً، وأَلِيّةً، وجمع
الأَلِيّة ألايا، بالتخفيف، مثلُ عطيّة وعَطَايا، قال الشاعر [من الطويل]:
قَلِيلُ الأَلَايَا حَافِظْ لِيَمِينِهِ إِذَا صَدَرَتْ مِنْهُ الأَلِيْةُ بَرَّتِ
فجمع بين المفرد والجمع. ويقال: تَأَلَّى يَتَأَلَّى. فأما الإيلاء في الشرع، فهو الحلف
على ترك وطء المرأة. والأصل فيه قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِسَآئِهِمْ تَرَبُّسُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾
[البقرة: ٢٢٦] وكان أبيّ بن كعب، وابن عبّاس ﴾ يقرآن: ((يُقْسِمُونَ)) انتهى ببعض
اختصار (٢).
وأخرج الطبريّ عن أبيّ بن كعب ◌َمثّه أنه قرأ ((الذين يولون من نسائهم)) قال الفرّاء:
التقدير على نسائهم، و((من)) بمعنى ((على)). وقال غيره: بل فيه حذفٌ، تقديره:
يُقسمون على الامتناع من نسائهم. قاله في ((الفتح)) (٣).
(١) ((المفهم)) ٢٥٩/٤. ((كتاب الطلاق)).
(٢) ((المغني) ٥/١١ ((كتاب الإيلاء)».
(٣) ((فتح)) ١٠/ ٥٣٤.

٤٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد اعترض بعضهم على الاستدلال بحديث ((آلى من
نسائه شهرًا)) على الإيلاء المعروف عند الفقهاء؛ إذ ليس فيه أنه حلف على ترك
جماعهنّ، اللَّهم إلا أن يكون على رأي من لا يشترط في الإيلاء ذكر الجماع.
قال في ((الفتح)): ذَكَّرَ البخاريّ حديث أنس رَّه ((آلى رسول اللَّه وَله من
نسائه ... )) الحديث -يعني الحديث الثاني من حديثي الباب هنا- وإدخاله في هذا الباب
على طريقة من لا يشترط في الإيلاء ذكر الجماع.
قال: وأنكر شيخنا(١) في ((التدريب)) إدخال هذا الحديث في هذا الباب، فقال:
الإيلاء المعقود له الباب حرام، يأثم به من علم بحاله، فلا تجوز نسبته إلى النبيّ وَل
انتهى. وهو مبنيّ على اشتراط ترك الجماع فيه، وقد كنت أطلقت في أوائل ((الصلاة))،
و((المظالم)) أن المراد بقول أنس ◌َّم: ((آلى)) أي حلف، وليس المراد به الإيلاء
المعروف في كتب الفقهاء، ثم ظهر لي أن فيه الخلاف قديمًا، فليُقيّد ذلك بأنه على رأي
معظم الفقهاء، فإنه لم يُنقل عن أحد من فقهاء الأمصار أن الإيلاء ينقعد بغير ذكر ترك
الجماع إلا عن حمّاد بن أبي سلیمان، شیخ أبي حنيفة، وإن کان ذلك قد ورد عن بعض
من تقدّمه، كما تقدّم. وفي كونه حرامًا أيضًا خلافٌ.
وقد جزم ابن بطّال، وجماعة بأنه وله امتنع من جماع نسائه في ذلك الشهر. ولم أقف
على نقل صريح في ذلك، فإنه لا يلزم من ترك دخوله عليهنّ أن لا تدخل إحداهنّ عليه
في المكان الذي اعتزل فيه، إلا إِنْ كان المذكور من المسجد، فيتمّ استلزام عدم
الدخول عليهنّ مع استمرار الإقامة في المسجد العزم على ترك الوطء؛ لامتناع الوطء
في المسجد. انتهى (٢). والله تعالى أعلم بالصواب.
٣٤٨٢- (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَكَمِ الْبَصْرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةً،
قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو يَعْفُورِ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، قَالَ: تَذَّاكَرْنَا الشَّهْرَ عِنْدَهُ، فَقَالَ بَعْضُنَا:
ثَلَاثِينَ، وَقَالَ بَعْضُنَا: تِسْعًا وَعِشْرِينَ، فَقَالَ أَبُو الضُّحَى: حَدَّثَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ، قَالَ: أَصْبَحْنَا
يَوْمًّا، وَنِسَاءُ النَّبِيِّ نَّهِ يَيْكِينَ عِنْدَ كُلِّ امْرَأَةٍ مِنْهُنَّ أَهْلُهَا، فَدَخَلْتُ الْمَسْجِدَ، فَإِذَا هُوَ مَلْآنُ
مِنَ النَّاسِ، قَالَ: فَجَاءَ عُمَرُ رَضِي اللَّه عَنْهِ، فَصَعِدَ إِلَى النَِّيِّ ◌َّهِ، وَهُوَ فِي عُلِّيَّةٍ لَهُ، فَسَلَّمَ
عَلَيْهِ، فَلَّمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ، ثُمَّ سَلَّمَ، فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ، ثُمَّ سَلَّمَ، فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ، فَرَجَعَ، فَتَادَى
بِلَالًا، فَدَخَلَ عَلَى النَّبِيِّ ◌ِهِ، فَقَالَ: أَطَلَّقْتَ نِسَاءَكَ؟ فَقَالُ: لَا، وَلَكِنِّي أَلَيْتُ مِنْهُنَّ شَهْرًا،
فَمَكَثَ تِسْعًا وَعِشْرِينَ، ثُمَّ نَزَّلَ، فَدَخَلَ عَلَى نِسَائِهِ).
(١) يعني به البلقينيّ.
(٢) ((فتح)) ٥٣٤/١٠-٥٣٥.

٤٧
٣٢- (بابُ الإِيلَاءِ) - حديث رقم ٣٤٨٢
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١- (أحمد بن عبد الله بن الحكم بن أبي فروة البصريّ) أبو الحسين الهاشميّ،
المعروف بابن الكرديّ، ثقة [١٠] ٥٨٣/٣٩ .
٢- (مروان بن معاوية) أبو عبد الله الفزاريّ الكوفيّ، نزيل مكّة، ثم الدمشقيّ، ثقة
حافظ، وكان يدلّس أسماء الشيوخ [٨] ٨٥٠/٥٠.
٣- (أبو يعفور)) (١) - بفتح التحتانيّة، وسكون المهملة، وضمّ الفاء، وسكون الواو،
وآخره راء -: هو عبد الرحمن بن عُبيد بن نِسْطاس الكوفيّ، ثقة [٥] ١٦٣٩/١٧.
٤- (أبو الضُّحَى) مسلم بن صُبيح - بالتصغير - الهمدانيّ الكوفيّ العَطّار، مشهور
بكنيته، ثقة فاضلٌ [٤] ١٢٣/٩٦.
٥- (ابن عباس) عبد اللَّه البحر رضي الله تعالى عنهما٣١/٢٧ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه اللّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه، فبصريّ، والصحابيّ،
فمدني، ثم بصريّ، ثم مكيّ، ثم طائفيّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ: أبو
يعفور، عن أبي الضحى. (ومنها): أن فيه ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما أحد
العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (١٦٩٦) حديثًا والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي الضُّحَى) مسلم بن صُبَيْحِ (قَالَ) أبو يعفور، فالضمير لأبي يعفور، لا لأبي
الضحى، فجملة ((قال: تذاكرنا الخ)) تفصيل لمعنى قوله: ((حدّثنا أبو يعفور، عن أبي
الضحى))، فليُتنبه. والله تعالى أعلم.
(تَذَاكَزْنَا الشَّهْرَ) أي مدّة الشهر العربيّ، هل هو ثلاثون ليلةً، أم تسع وعشرون ليلةٌ
(عِنْدَهُ) أي عند أبي الضحى (فَقَالَ بَعْضُنَا: ثَلَاثِينَ) بالنصب خبر لـ ((يكون)) محذوفًا، أي
يكون ثلاثين ليلةً (وَقَالَ بَعْضُنَا: تِسْعًا وَعِشْرِينَ) أي يكون تسعًا وعشرين ليلة (فَقَالَ أَبُو
الضُّحَى: حَدَّثَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ) رضي اللَّه تعالى عنهما (قَالَ) تفصيل لمجمل «حدّثنا))
(أَصْبَحْنَا يَوْمًا، وَنِسَاءُ النَّبِيِّ وَِّ، يَبْكِينَ) الواو للحال، والجملة في محلّ نصب على
الحال من فاعل ((أصبحنا)) (عِنْدَ كُلِّ امْرَأَةٍ مِنْهُنَّ أَهْلُهَا) جملة في محل نصب على الحال
(١) هو الأصغر، وأما أبو يعفور الأكبر، فاسمه واقد، وقيل: وقدان، ثقة [٤] مات سنة ١٢٢٠. من
رجال الجماعة أيضًا.

٤٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ
من فاعل ((يبكين)) (فَدَخَلْتُ الْمَسْجِدَ) أي النبويّ، فـ((ال)) فيه للعهد الذهنيّ، أو الحضوري،
إن كان تحديث ابن عبّاس رضي اللَّه تعالى عنهما وقع في المسجد نفسه (فَإِذَا هُوَ مَلْآنُ) غير
منصرف للوصفية وزيادة الألف والنون (مِنَ النَّاسِ) هذا ظاهر في حضور ابن عبّاس رضي
الله تعالى عنهما هذه القصّة، وحديثه الطويل الذي سنذكره، يشعر بأنه ما عرف القصّة إلا
من عمر تَّه ، لكن يحتمل أن يكون عرفها مجملة، ففضلها عمر تظ له لَمّا سأله عن
المتظاهرتين. قاله في ((الفتح))(١) (قَالَ) ابن عبّاس رضي اللَّه تعالى عنهما (فَجَاءَ عُمَرُ) بن
الخطّاب (رَضِي اللَّه عَنْه، فَصَعِدَ) بكسر العين المهملة، قال في ((القاموس)): صَعِدَ في
السُّلّم، كَسَمِعَ، صُعُودًا، وصَعَّدَ في الجبل، وعليه تصعيدًا: رَقِيَ، ولم يُسمَعِ صَعِد فيه
انتهى (إِلَى النَّبِيِّ ◌َِّ، وَهُوَ فِي عُلِّيَّةٍ لَهُ) بكسر العين المهملة، وضمّها لغةٌ، واللام مشدّدةٌ:
هي المكان العالي، وهي الغُرفة، والأصل عِلَيْوَة، فقُلبت الواو ياء، وأدغمت فيها الياء،
للقاعدة المشهورة أنه إذا اجتمعت الواو والياء في كلمة، وسبقت إحداهما بالسكون
الأصليّ، وجب قُلب الواو ياء، وإدغامها في الياء، كما قال في ((الخلاصة)):
إِنْ بِسْكُنِ السَّابِقُ مِنْ وَارِ وَيَا وَاتَّصَلَا وَمِنْ عُرُوضِ عَرِيَا
فَيَاءَ الْوَاوَ اقْلِيَنَّ مُذْغِمَا وَشَذَّ مُغْطَى غَيْرَ مَا قَدْ رُسِمَا
والجمع الْعَلَالِيّ(٢).
وزاد في رواية الإسماعليّ، من طريق عبد الرحيم بن سُليمان، عن أبي يعفور: ((في
غُرفة ليس عنده فيها إلا بلال)).
(فَسَلَّمَ عَلَيْهِ) أي على النبيّ ◌َِّ (فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ) لعله لم يُسمع تسليمه، أو ردّ عليه،
لكن عمر رَّه لم يسمع الجواب (ثُمَّ سَلَّمَ، فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ، ثُمَّ سَلَّمَ، فَلَمْ يُحِبْهُ أَحَدٌ،
فَرَجَعَ، ) أي انصرف إلى بيته، أو محلّ حاجته (فَتَادَى بِلَالًا) هكذا في رواية المصنّف
هنا، وفي ((الكبرى)) بنصب بلال، والظاهر أن الصواب فيه الرفع؛ لأنه الفاعل،
والمفعول محذوف ضمير عمر رضيه، يدلّ على ذلك ما في ((الفتح))، ونصّه: عند قول
البخاريّ: ((فناداه، فدخل على النبيّ وَّر)): كذا في جميع الأصول التي وقفت عليها من
البخاريّ بحذف فاعل ((فناداه))، فإن الضمير لعمر، وهو الذي دخل، وقد وقع مبيّنًا في
رواية أبي نُعيم، ولفظه بعد قوله: ((فسلّم)): ((فلم يجبه أحدٌ، فانصرف، فناداه بلالٌ،
فدخل))، ومثله للنسائيّ، لكن قال: ((فنادى بلالٌ)) بحذف المفعول، وهو الضمير في
(١) (فتح)) ٣٧٨/١٠ (كتاب النكاح)) رقم ٥٢٠٣.
(٢) راجع ((المصباح المنير)) .

=
٤٩
٣٢- (بابُ الإِیلاءِ) - حديث رقم ٣٤٨٢
رواية غيره. وعند الإسماعيليّ: ((فسلّم، فلم يُجبه أحدٌ، فانحطّ، فدعاه بلالٌ، فسلّم،
ثم دخل)).
فظهر بما نقله صاحب ((الفتح)) من رواية النسائيّ أن نسخه مختلفة، والصواب ((فنادى
بلالٌ)) بالرفع، والمفعول محذف، أي نادى بلالٌ عمر رضي اللَّه تعالى عنهما.
ويحتمل تصحيح ما وقع في نسختنا بأن يكون عمر نادى بلالًا لَمّا عرف أنه عند النبيّ
وَلقر؛ ليستأذن له في الدخول، لكن الأول أقرب. والله تعالى أعلم.
ووقع في رواية مسلم عن ابن عباس، عن عمر ﴾ أن اسم الغلام الذي استأذن له
رَبَاح، فيمكن أن يكون المراد بالحصر في رواية الإسماعيليّ المتقدّمة، حيث قال:
(ليس عنده فيها إلا بلال)) حصر من في داخل الغرفة، فيكون رباح قاعدًا على أُسْكُفّة
الباب، وعند الإذن ناداه بلال، فأسمعه رباح، فبهذا يجتمع الخبران. كما أفاده في
((الفتح)).
(فَدَخَلَ عَلَى النَّبِيِّ وَِّ، فَقَالَ) عمر رَيْ (أَطَلَّقْتَ نِسَاءَكَ؟ فَقَالَ) وَِّ (لَا، وَلَكِنِّي
آلَيْتُ مِنْهُنَّ شَهْرًا) أي حلفت، أو أقسمت أن لا أدخل عليهنّ مدّة شهر، وليس المراد به
الإيلاء الذي في عرف الفقهاء اتفاقًا. قاله في ((الفتح)) (١) . وقد تقدّم الاختلاف في سبب
إيلائه، هل هو شربه العسل عند زينب بنت جحش رضي اللّه تعالى عنها، أو تحريمه
جاريته ما رية رضي اللّه تعالى عنها، وقدّمنا أن الصحيح أن الأمرين جميعًا هما السبب
في ذلك (فَمَكَثَ تِسْعًا وَعِشْرِينَ) أي من الليالي (ثُمَّ نَزَلَ) أي من تلك العلّيّة (فَدَخَلَ عَلَى
نِسَائِهِ).
[تنبيه]: قصّة إيلائه والر قد ساقه الشخان في ((صحيحيهما))، مطوّلًا، أحببت إيراده
هنا؛ لأنه من رواية ابن عبّاس رضي اللَّه تعالى عنهما راوي حديث الباب، ولفظ
البخاريّ في ((كتاب النكاح)) :
حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهري، قال: أخبرني عبيدالله بن عبد الله
ابن أبي ثور، عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، قال: لم أزل حريصا على أن
أسأل عمر بن الخطاب، عن المرأتين من أزواج النبي وَليز، اللتين قال اللّه تعالى: ﴿إِن
نَنُوبَآ إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ حتى حج، وحججت معه، وعَدَل، وعدلت معه بإداوة،
فتبرز، ثم جاء، فسكبت على يديه منها، فتوضأ، فقلت له: يا أمير المؤمنين: من
المرأتان، من أزواج النبي وَلَّ، اللتان قال الله تعالى: ﴿إِن نَنُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ
(١) ٣٦٣/١٠ (كتاب النكاح)).

شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ
قُلُوبُكُمَا﴾، قال: واعجبا لك يا ابن عباس، هما عائشة وحفصة، ثم استقبل عمر
الحديث يسوقه، قال: كنت أنا، وجار لي من الأنصار، في بني أمية بن زيد، وهم من
عوالي المدينة، وكنا نتناوب النزول على النبي وَلقوله فينزل يوما، وأنزل يوما، فإذا نزلت
جئته بما حدث من خبر ذلك اليوم، من الوحي، أو غيره، وإذا نزل، فعل مثل ذلك،
وكنا معشر قريش، نغلب النساء، فلما قدمنا على الأنصار، إذا قوم تغلبهم نساؤهم،
فطفق نساؤنا، يأخذن من أدب نساء الأنصار، فصخبْتُ عَلَى امرأتي، فراجعتني،
فأنكرت أن تراجعني، قالت: ولِمَ تنكر أن أراجعك، فوالله إن أزواج النبي ◌َّ،
لیراجعنه، وإن إحداهن لتهجره الیوم، حتى الليل، فأفزعني ذلك، وقلت لها: قد خاب
من فعل ذلك منهن، ثم جمعت عليّ ثيابي، فنزلت، فدخلت على حفصة، فقلت لها:
أي حفصة، أتغاضب إحداكن النبي بَله، اليوم حتى الليل، قالت: نعم، فقلت: قد
خِبتٍ، وخسرت، أفتأمنين أن يغضب اللّه لغضب رسوله وَلقوله فتهلكي، لا تستكثري
النبي ◌َّ، ولا تراجعيه في شيء، ولا تهجريه، وسليني ما بدا لك، ولا يغرنّكِ، أن
كانت جارتك أوضأ منك، وأحب إلى النبي وَل ـ -يريد عائشة- قال عمر: وكنا قد تحدثنا
أن غسّان تُنعِل الخيل لغزونا، فنزل صاحبي الأنصاري، يوم نوبته، فرجع إلينا عشاء،
فضرب بابي ضربا شديدا، وقال: أَثَمَّ هو؟ ففزعت، فخرجت إليه، فقال: قد حدث
اليوم أمر عظيم، قلت: ما هو؟ أجاء غسان؟ قال: لا، بل أعظم من ذلك وأهول، طَلَّق
النبي ◌َّ نساءه. وقال عبيد بن حنين: سمع ابن عباس، عن عمر، فقال: اعتزل النبي
وَالر أزواجه، فقلت: خابت حفصة وخسرت، قد كنت أظن هذا، يوشك أن يكون،
فجمعت علي ثيابي، فصليت صلاة الفجر مع النبي وَّر، فدخل النبي وَّزه مشربة له،
فاعتزل فيها، ودخلت على حفصة، فإذا هي تبكي، فقلت: ما يبكيك؟ ألم أكن حذرتك
هذا؟ أطلقكنّ النبي ◌َّر، قالت: لا أدري، ها هو ذا، معتزل في المشربة، فخرجت،
فجئت إلى المنبر، فإذا حوله رهط، يبكي بعضهم، فجلست معهم قليلا، ثم غلبني ما
أجد، فجئت المشربة، التي فيها النبي ◌َّر، فقلت لغلام له أسود: استأذن لعمر، فدخل
الغلام، فكلم النبي ◌َّر، ثم رجع، فقال: كلمت النبي ◌َّر، وذكرتك له، فصمت،
فانصرفت حتى جلست مع الرهط الذين عند المنبر، ثم غلبني ما أجد، فجئت، فقلت
للغلام: استأذن لعمر، فدخل: ثم رجع، فقال: قد ذكرتك له، فصمت، فرجعت،
فجلست مع الرهط الذين عند المنبر، ثم غلبني ما أجد، فجئت الغلام، فقلت: استأذن
لعمر، فدخل، ثم رجع إليّ، فقال: قد ذكرتك له، فصمت، فلما ولّيت منصرفا، قال:
إذا الغلام يدعوني، فقال: قد أذن لك النبي وَله، فدخلت على رسول اللّه وَلّر، فإذا هو

٥١
٣٢- (بابُ الإِيلَاءِ) - حديث رقم ٣٤٨٢
مضطجع، على رِمَال حَصِير، ليس بينه وبينه فراش، قد أثّر الرمال بجنبه، متكئا على
وسادة من أَدَم، حشوها لِيفٌ، فسلمت عليه، ثم قلت: وأنا قائم، يا رسول الله،
أطلقت نساءكَ؟ فرفع إلي بصره، فقال: لا، فقلت: الله أكبر، ثم قلت: وأنا قائم،
أستأنس، يا رسول اللَّه، لو رأيتني، وكنا معشر قريش، نغلب النساء، فلما قدمنا
المدينة، إذا قوم تغلبهم نساؤهم، فتبسم النبي وَّر، ثم قلت: يا رسول الله لو رأيتَنِي،
ودخلت على حفصة، فقلت لها: لا يَغُرّنكِ، أن كانت جارتك أوضأ منك، وأحب إلى
النبي ◌َ﴾ -يريد عائشة- فتبسم النبي ◌َّل تبسمة أخرى، فجلست حين رأيته تبسم،
فرفعت بصري في بيته، فوالله ما رأيت في بيته شيئا، يَرُدّ البصر غير أَهَبَةٍ ثلاثة، فقلت:
يا رسول الله، ادع الله، فليوسع على أمتك، فإن فارس والروم، قد وُسْعَ علیھم،
وأُعُطوا الدنيا، وهم لا يعبدون اللَّه، فجلس النبي وَّه، وكان متكئا، فقال: ((أوفي هذا
أنت يا ابن الخطاب، إن أولئك قوم، عُجِّلُوا طيباتهم في الحياة الدنيا))، فقلت: يا رسول
اللَّه، استغفر لي، فاعتزل النبي وَالر نساءه، من أجل ذلك الحديث، حين أفشته حفصة
إلى عائشة، تسعا وعشرين ليلة، وكان قال: ما أنا بداخل عليهن شهرا، من شدة
مَوْجِدَته عليهن، حين عاتبه اللَّه، فلما مضت تسع وعشرون ليلة، دخل على عائشة،
فبدأ بها، فقالت له عائشة: يا رسول اللَّه، إنك كنت قد أقسمت أن لا تدخل علينا
شهرا، وإنما أصبحت من تسع وعشرين ليلة، أَعُدّها عَدًّا، فقال: ((الشهر تسع وعشرون
ليلة))، فكان ذلك الشهر تسعا وعشرين ليلة، قالت عائشة: ثم أنزل الله تعالى آية
التخيير، فبدأ بي، أول امرأة من نسائه، فاخترته، ثم خير نساءه كلهن، فقلن مثل ما
قالت عائشة. انتهى(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث ابن عبّاس رضي اللَّه تعالى عنهما متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٣٤٨٢/٣٢ - وفي ((الكبرى)) ٥٦٤٩/٣٣. وأخرجه (خ) في ((النكاح))
٥٢٠٣ (م) في (الطلاق)) ١٤٧٩. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(١) ((صحيح البخاري) بنسخة ((الفتح)) ٣٤٧/١٠-٣٤٩ رقم ٥١٩١. (كتاب النكاح)).

== ٥٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه اللّه تعالى، وهو بيان مشروعية الإيلاء.
(ومنها): ما كان عليه النبيّ وَله من الصبر على زوجاته، والإغضاء عن أخطائهنّ،
والصفح عما يقع منهنّ من الزلل. (ومنها): ما كان عليه الصحابة * من محبّة
الاطلاع على أحوال النبيّ وَه، جلّت، أو قلّت، وشدّة اهتمامهم بما يهتمّ له، حيث
اجتمعوا في المسجد لَمّا سمعوا اعتزاله ربَّ عن أهله.
(ومنها): جواز اتخاذ الحاكم عند الخلوة بوابًا یمنع من يدخل عليه دون استئذان، فقد
اتخذ النبيّ وَ لَّ غلامًا يجلس على باب علّيّته. فيحمل قول أنس تَظّمه في قصّة تلك
المرأة التي كانت جالسة عند القبر تبكي، فوعظها وَله، فقالت له: إليك عنّي، فإنك لم
تُصَب بمصيبتي، فلما أخبرت أنه النبيّ وَّر، ندمت، فجاءت إليه لتعتذر، فلم تجد عنده
بوّابين الخ على الأوقات التي يجلس فيها للناس. وقال المهلّب رحمه الله تعالى: فيه
أن للإمام أن يحتجب عن بطانته، وخاصّته عند أمر يطرقه من جهة أهله، حتى يذهب
غيظه، ويخرُج إلى الناس، وهو منبسطً إليهم، فإن الكبير إذا احتجب لم يَحسُن
الدخول إليه بغير إذن، ولو كان الذي يريد أن يدخل جليل القدر، عظيم المنزلة عنده.
(ومنها): الرفق بالأصهار، والحياء منهم إذا وقع للرجل من أهله ما يقتضي معاتبتهم.
(ومنها): بيان أبي الضّحَى للذين اختلفوا عنده في مدّة الشهر، هل ثلاثون يومًا، أو
تسعة وعشرون بما سمعه عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما من هذه القصّة، وذلك
أنه ويؤ لما قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: يا رسول الله، إنك كنت قد أقسمت أن
لا تدخل علينا شهرًا، وإنما أصبحت من تسع وعشرين ليلةً، أعدّها عدًّا، قال: ((الشهر
تسعٌ وعشرون ليلة)). يعني أن بعض الشهور يكون تسعًا وعشرين، وبعضها ثلاثين يومًا،
فحصل بذلك جواب كلا الفريقين المختلفين.
(ومنها): جواز تكرير السلام، والاستئذان لمن لم يؤذن له، إذا رجا حصول الإذن،
وأنه لا يجاوز به ثلاثًا، وقد أخرج الشيخان من حديث أبي موسى الأشعريّ ◌َظريه ،
مرفوعًا: ((إذا استأذن أحدكم ثلاثًا، فلم يؤذن له، فليرجع)). (ومنها): جواز سكنى
الغرفة، ذات الدرج، واتخاذ الخزانة لأثاث البيت والأمتعة. (ومنها): تذكير الحالف
بيمينه، إذا وقع منه ما ظاهره نسيانها، لا سيّما ممن له تعلّقٌ بذلك؛ لأن عائشة رضي
اللَّه تعالى عنها خشيت أن يكون النبيّ ◌َّل﴿ نسي مقدار ما حلف عليه، وهو شهر،
والشهر ثلاثون يومًا، أو تسعة وعشرون يومًا، فلما نزل في تسعة وعشرين ظنّت أنه ذَهِلَ
عن القدر، أو أنّ الشهر لم يُهُلّ، فأعلمها أن الشهر استهلّ، فإن الذي كان الحلف وقع
فيه جاء تسعًا وعشرين يومًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

٥٣
٣٢- (بابُ الإِيلَاءِ) - حديث رقم ٣٤٨٢
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في الإيلاء:
قال العلامة ابن قُدامة عند قول الخِرَقيّ رحمهما الله تعالى: ((والمولي الذي يَحلف
بالله عز وجل أن لا يطأ زوجته أكثر من أربعة أشهر)): ما حاصله: وجملته أن شروط
الإيلاء أربعة :
[أحدها]: أن يحلف بالله تعالى، أو بصفة من صفاته، ولا خلاف بين أهل العلم في
أن الحالف بذلك إيلاء. فأما إن حلف على ترك الوطء بغير هذا، مثل أن حلف بطلاق،
أو عَتَاق، أو صدقة المال، أو الحجّ، أو الظهار، ففيه روايتان: إحداهما: لا يكون
موليًا، وهو قول الشافعيّ القديم. والرواية الثانية: هو مولٍ. وروي عن ابن عبّاس أنه
قال: كلّ يمين منعت جماعها، فهي إيلاء. وبذلك قال الشعبيّ، والنخعيّ، ومالك،
وأهل الحجاز، والثوريّ، وأبو حنيفة، وأهل العراق، والشافعيّ، وأبو ثور، وأبو
عبيد، وغيرهم؛ لأنها يمينٌ منعت جماعها، فكانت إيلاءً، كالحلف بالله تعالى، ولأن
تعليق الطلاق، والعَتَاق على وطئها حلِفٌ بدليل أنه لو قال: متى حلفت بطلاقك، فأنت
طالقٌ، ثم قال: إن وطئتك فأنت طالقٌ طلقت في الحال. وقال أبو بكر: كلّ يمين من
حرام، أو غيرها يجب بها كفّارة يكون الحالف بها موليًا، وأما الطلاق، والعتاق فليس
الحلف به إيلاء؛ لأنه يتعلّق به حق آدميّ، وما أوجب كفّارةً تعلّق بها حقّ اللَّه تعالى.
والرواية الأولى هي المشهورة؛ لأن الإيلاء المطلق إنما هو القسَمُ، ولهذا قرأ أُبيّ،
وابن عبّاس : ((يُقسِمون)) مكان: ((﴿يؤلون﴾، وروي عن ابن عباس في تفسير
﴿يؤلون﴾ قال: يحلفون بالله. هكذا ذكره الإمام أحمد. والتعليق بشرط ليس بقسم،
ولهذا لا يؤتى فيه بحرف القسم، ولا يُجاب بجوابه، ولا يذكره أهل العربيّة في باب
القسم، فلا يكون إيلاء، وإنما يُسمّى حلفًا تجوزًا؛ لمشاركته القسم في المعنى المشهور
في القسم، وهو الحثّ على الفعل، أو المنع عنه، أو توكيد الخبر، والكلام عند
الإطلاق لحقيقته. ويدلّ على هذا قول اللَّه تعالى: ﴿فَإِن فَآءُو فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾
[البقرة: ٢٢٦] وإنما يدخل الغفران في اليمين بالله. وأيضًا قول النبيّ وَلير: ((من حلف
بغير الله فقد أشرك)). رواه أحمد، والترمذيّ، وقوله: ((إن اللَّه ينهاكم أن تحلفوا
بآبائكم)). متّفقٌ عليه.
قال: الشرط الثاني: أن يحلف على ترك الوطء أكثر من أربعة أشهر. وهذا قول ابن
عبّاس، وطاوس، وسعيد بن جبير، ومالك، والأوزاعيّ، والشافعيّ، وأبي ثور، وأبي
عبيد. وقال عطاءً، والثوريّ، وأصحاب الرأي: إذا حلف على أربعة أشهر، فما زاد
كان موليًا. وحكى ذلك القاضي، وأبو الحسين رواية عن أحمد؛ لأنه ممتنع من الوطء

٥٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ
باليمين أربعة أشهر، فكان موليًا، كما لو حلف على ما زاد. وقال النخعيّ، وقتادة،
وحمّاد بن زيد، وابن أبي ليلى، وإسحاق: من حلف على ترك الوطء في قليل من
الأوقات، أو كثير، تركها أربعة أشهر، فهو مولٍ؛ لقول الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن
نِسَآَبِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾، وهذا مولٍ، فإن الإيلاء الحلف، وهذا حالف.
قال: ولنا أنه لم يمنع نفسه من الوطء باليمين أكثر من أربعة أشهر، فلم يكن موليًا،
كما لو حلف على ترك قُبلتها، والآية حجة لنا؛ لأنه جعل له تربّص أربعة أشهر، فإذا
حلف على أربعة أشهر، أو ما دونها، فلا معنى للتربّص؛ لأن مدّة الإيلاء تنقضي قبل
ذلك، أو مع انقضائه، وتقدير التربّص بأربعة أشهر يقتضي كونه في مدّة تناولها الإيلاء،
ولأن المطالبة إنما تكون بعد أربعة أشهر، فإذا انقضت المدّة بأربعة، فما دون لم تصح
المطالبة من غير إيلاء. وأبو حنيفة، ومن وافقه بنوا ذلك على قولهم في الْفَيْئة أنها تكون
في مدّة الأربعة الأشهر، وظاهر الآية خلافه؛ فإن اللَّه تعالى قال: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَآيِهِمْ
تَرَبُُّ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِن قَاءُو﴾ الآية، فعقّب الفيئة عقب التربّص بفاء التعقيب، فيدلّ على
تأخّرها عنه.
قال: الشرط الثالث: أن يحلف على ترك الوطء في الفرج، ولو قال: والله لا
وطئتك في الدبر لم يكن موليًا؛ لأنه لم يترك الوطء الواجب عليه، ولا تتضرّر المرأة
بتركه، وإنما هو وطء محرّمٌ، وقد أكّد منع نفسه منه بيمينه. وإن قال: والله لا وطئتك
دون الفرج، لم يكن موليّا؛ لأنه لم يحلف على الوطء الذي يُطالب به في الفيئة، ولا
ضرر على المرأة في تركه.
قال: الشرط الرابع: أن يكون المحلوف عليها امرأته؛ لقول الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ
مِن ◌ِسَآئِهِمْ تَرَبُُّ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾، ولأن غير الزوجة لا حقّ لها في وطئه، فلا يكون مولیًا
عنها، كالأجنبيّة، فإن حلف على ترك وطء أمته لم يكن موليًا؛ لما ذكرنا. وإن حلف
على ترك وطء أجنبيّة، ثم نكحها، لم يكن موليّا؛ لذلك. وبه قال الشافعيّ، وإسحاق،
وأبو ثور، وابن المنذر. وقال مالكٌ يصير موليًا إذا بقي من مدّة يمينه أكثر من أربعة
أشهر؛ لأنه ممتنع من وطء امرأته بحكم يمينه مدّة الإيلاء، فكان موليًا، كما لو حلف
في الزوجيّة. وحكي عن أصحاب الرأي أنه إن مرّت به امرأةٌ، فحلف أن لا يقربها، ثم
تزوّجها، لم يكن موليًا، وإن قال: إن تزوّجت فلانة، فو الله لا قربتها، صار موليًا؛
لأنه أضاف اليمين إلى حال الزوجيّة، فأشبه ما لو حلف بعد تزوّجها. قال: ولنا قول
اللَّه تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِسَآئِهِمْ﴾ وهذه ليست من نسائه. انتهى كلام ابن قدامة

--
٥٥
٣٢- (بابُ الإِیلاءِ) - حديث رقم ٣٤٨٢
باختصار(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: خلاصة القول في المسألة أن الراجح في الإيلاء، هو
أن يحلف بالله تعالى، أو بصفة من صفاته على ترك وطء زوجته في الفرج أكثر من
أربعة أشهر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم فيما إذا مضت أربعة أشهر، ولم يَفِىء
إلى امرأته :
قال العلامة ابن قدامة رحمه اللّه تعالى: المولي يتربّص أربعة أشهر، كما أمر الله
تعالى، ولا يُطالب بالوطء فيهنّ، فإذا مضت أربعة أشهر، ورافعته امرأته إلى الحاكم
وَقَفَّه، وأمره بالفيئة، فإن أبى أمره بالطلاق، ولا تطلق زوجته بنفس مضيّ المدة. قال
أحمد في الإيلاء: يوقف عن الأكابر من أصحاب النبيّ بَّر عن عمر شيء يدلّ على
ذلك، وعن عثمان، وعليّ، وجعل يثبت حديث عليّ. وبه قال ابن عمر، وعائشة.
وروي ذلك عن أبي الدرداء. وقال سليمان بن يسار: كان تسعة عشر رجلًا من أصحاب
محمد وَالر يوقفون في الإيلاء. وقال سهيل بن أبي صالح: سألت اثني عشر من
أصحاب النبيّ وَلّر، فكلّهم يقول: ليس عليه شيء، حتى يمضي أربعة أشهر، فيوقف،
فإن فاء، وإلا طلّق. وبهذا قال سعيد بن المسيّب، وعروة، ومجاهدٌ، وطاوسٌ،
ومالكٌ، والشافعيّ، وإسحاق، وأبو عبيد، وأبو ثور، وابن المنذر.
وقال ابن مسعود، وابن عبّاس، وعكرمة، وجابر بن زيد، وعطاء، والحسن،
ومسروقٌ، وقبيصة، والنخعيّ، والأوزاعيّ، وابن أبي ليلى، وأصحاب الرأي: إذا
مضت أربعة أشهر، فهي تطليقة بائنة. وروي ذلك عن عثمان، وعليّ، وزيد، وابن
عمر. وروي عن أبي بكر بن عبد الرحمن، ومكحول، والزهريّ: تطليقةٌ رجعيّة.
ويُحكى عن ابن مسعود أنه كان يقرأ: ﴿فَإِن فَآءُ﴾ فيهن ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾، ولأن
هذه مدّةً ضُربت لاستدعاء الفعل منه، فكان ذلك في المدّة كمدّة العنّة.
قال: ولنا قول الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَآئِهِمْ تَرَبُُّ أَرْبَعَةٍ أَشْهُرٍ فَإِن فَآءُو فَإِنَّ اللَّهَ
غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾، وظاهر ذلك أن الفيئة بعد أربعة أشهر؛ لذكره الفيئة بعدها بالفاء المقتضية
للتعقيب، ثم قال: ﴿وَإِنْ عَزَمُواْ الطَّلَقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعُ عَلِيمٌ﴾، ولو وقع بمضيّ المدة لم يحتج
إلى عزم عليه، وقوله: ﴿سَمِيعُ عَلِيمٌ﴾ يقتضي أن الطلاق مسموع، ولا يكون المسموع
إلا كلامًا انتهى كلام ابن قدامة باختصار(٢).
(١) («المغني)) ٥/١١-٢٣. ((كتاب الإيلاء)).
(٢) ((المغني: ٣٠/١١ظ-٣٢. ((كتاب الإيلاء)).

= ٥٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ
وقال في ((الفتح)) بعد ذكر كلام سليمان بن يسار: ((أدركنا الناس يقفون في الإيلاء إذا
مضت أربعة أشهر)): ما نصّه: وهو قول مالك، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وسائر
أصحاب الحديث، إلا أن للمالكيّة والشافعيّة بعد ذلك تفاريع يطول ذكرها، منها: أن
الجمهور ذهبوا إلى أن الطلاق يكون فيه رجعيًّا، لكن قال مالك: لا تصحّ زجعته إلا إن
جامع في العدّة. وقال الشافعيّ: ظاهر كتاب الله تعالى على أن له أربعة أشهر، ومن
كانت له أربعة أشهر أجلًا، فلا سبيل عليه فيها حتى تنقضي، فإذا انقضت فعليه أحد
أمرين: إما أن يفيء، وإما أن يطلّق، فلهذا قلنا: لا يلزمه الطلاق بمجرّد مضيّ المدّة
حتى يُحدث رجوعًا، أو طلاقًا، ثم رجّح قول الوقف بأن أكثر الصحابة قال به،
والترجيح قد يقع بالأكثر، مع موافقة ظاهر القرآن. ونقل ابن المنذر عن بعض الأئمّة
قال: لم يجد في شيء من الأدلّة أن العزيمة على الطلاق تكون طلاقًا، ولو جاز لكان
العزم على الفيء يكون فيئًا، ولا قائل به، وكذلك ليس في شيء من اللغة أن اليمين التي
لا ينوي بها الطلاق تقتضي طلاقًا. وقال غيره: العطف على الأربعة أشهر بالفاء يدلّ
على أن التخيير بعد مضيّ المدّة، والذي يتبادر من لفظ التربّص أن المراد به المدّة
المضروبة ليقع التخيير بعدها. وقال غيره: جعل الله الفيء، والطلاق معلّقين بفعل
المولي بعد المدّة، وهو من قوله تعالى: ﴿فَإِن فَآءُ﴾، ﴿وَإِنْ عَزَمُواْ﴾، فلا يتّجه قول من
قال: إن الطلاق يقع بمجرّد مضيّ المدّة. والله أعلم انتهى(١).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: قد اتّضح بما ذُكر من الأدلّة أن الراجح أنه إذا مضت
المدّة يوقف المولي، فإما أن يفيء إلى امرأته، وإما أن يطلّق، وأن القول بوقوع الطلاق
بنفس مضيّ المدّة قول مرجوح؛ لمخالفته ظاهر كتاب الله تعالى، وقول جمهور الصحابة
.. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): في أقوال أهل العلم في معنى الفيئة:
قال الإمام ابن المنذر رحمه اللّه تعالى: أجمع كلّ من يُحفظ عنه من أهل العلم على
أن الفيء الجماع، كذلك قال ابن عبّاس. وروي ذلك عن عليّ، وابن مسعود. وبه قال
مسروق، وعطاء، والشعبيّ، والنخعيّ، وسعيد بن جبير، والثوريّ، والأوزاعيّ، وأبو
عبيدة، وأصحاب الرأي، إذا لم يكن عن عذر.
وأصل الفيء الرجوع، ولذلك يُسمّى الظلّ بعد الزوال فيئًا؛ لأنه رجع من المغرب
إلى المشرق، فسمّي الجماع من المولي فيئةً؛ لأنه رجوع إلى فعل ما تركه. وأدنى
(١) ((فتح)) ١٠/ ٥٣٧-٥٣٨. ((كتاب الطلاق)).

٥٧
٣٢- (بأبُ الإِيلَاءِ) - حديث رقم ٣٤٨٢
الوطء الذي يحصل به الفيئة أن تغيب الحشفة في الفرج. قاله ابن قدامة رحمه الله
تعالى(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السابعة): في اختلاف أهل العلم في وجوب الكفّارة في الإيلاء:
قال ابن قدامة رحمه الله تعالى: وإذا فاء لزمته الكفّارة في قول أكثر أهل العلم. روي
ذلك عن زيد، وابن عباس ». وبه قال ابن سيرين، والنخعيّ، والثوريّ، وقتادة،
ومالكٌ، وأهل المدينة، وأبو عبيد، وأصحاب الرأي، وابن المنذر، وهو ظاهر مذهب
الشافعيّ، وله قول آخر: لا كفّارة عليه، وهو قول الحسن، وقال النخعيّ: كانوا يقولون
ذلك؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَإِن فَآءُو فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. قال قتادة: هذا خالف
الناس -يعني الحسن -.
قال: ولنا قول الله تعالى: ﴿وَلَكِن يُؤَالِذُكُمْ بِمَا عَقَّدُمُ الْأَيْمَنِّ فَكَفَّارَتُّهُ إِلْعَامُ عَشَرَةِ
مَسَكِينَ﴾ الآية إلى قوله: ﴿ذَلِكَ كَفََّرَةُ أَيْمَنْكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ الآية [المائدة: ٨٩]، وقال
سبحانه وتعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اَللَّهُ لَكُنْ تَجِلَّةَ أَيْمَلِكُمْ﴾ الآية [التحريم: ٢]، وقال النبيّ ◌َّ:
((إذا حلفت على يمين، فرأيت غيرها خيرًا منها، فاءت الذي هو خيرٌ، وكفّر عن
يمينك))، متّفقٌ عليه. ولأنه حالف حانثٌ في يمينه، فلزمته الكفّارة كما لو حلف على
ترك فريضة، ثم فعلها، والمغفرة لا تنافي الكفّارة؛ فالله تعالى قد غفر لرسوله وَلّ ما
تقدّم من ذنبه، وما تأخّر، وقد كان يقول: ((إني والله لا أحلف على يمين، فأرى غيرها
خيرًا منها، إلا أتيت الذي هو خيرٌ، وتحلّلتها)). متّفقٌ عليه انتهى كلام ابن قدامة رحمه
اللَّه تعالى(٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قول جمهور أهل العلم في وجوب الكفّارة على
المولي إذا رجع هو الحقّ؛ لظهور أدلتّه كما سبق آنفًا. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٤٨٣- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ، عَنْ
أَنَسٍ، قَالَ: أَلَى النَِّيُّ ◌َِّ، مِنْ نِسَائِهِ شَهْرًا، فِي مَشْرَبَةٍ لَهُ، فَمَكَثَ تِسْعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً،
ثُمَّ نَزَلَ، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيْسَ آَلَيْتَ عَلَى شَهْرٍ، قَالَ: ((الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ)) ).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((خالد)): هو ابن الحارث الْهُجيميّ البصريّ.
و((حميد)): هو ابن أبي حميد الطويل البصريّ. والسند مسلسل بالبصريين، وفيه محمد
ابن المثنّى أحد التسعة الذين اتفق أصحاب الأصول الستة بالرواية عنهم بلا واسطة، وقد
(١) ((المغني)) ٣٨/١١.
(٢) ((المغني)) ٣٨/١١-٣٩. ((كتاب الإيلاء)).

٥٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ
تقدّموا غير مرّة. والرواة كلهم من رجال الصحيح.
[تنبيه]: هذا الإسناد من رباعيّات المصنّف رحمه اللّه تعالى، وهو أعلى الأسانيد
له، وهو (١٧٩) من رباعيات الكتاب.
وقوله: في ((مشرُبة)) -بفتح الميم، وسكون الشين المعجمة، وضمّ الراء، وفتحها،
جمعها مشارب، ومشربات: الغُرفة، وهي العلّيّة المذكورة في الحديث الماضي.
وقوله: ((فقيل له)): القائل هي عائشة رضي الله تعالى عنها، وثبت في حديث عمر
بن الخطّاب رضي الله تعالى عنه، أنه الذي قال له ذلك، ولا تنافي بين الروايتين، إذ
یمکن الجمع بأن عمر ذكره بذلك عند نزوله من الغرفة، وعائشة ذكرته به حین دخل
عليها البيت، فتواردا على ذلك.
وقوله: ((أليس آليت الخ)) اسم ليس ضمير الشأن، أي أليس الشأن والأمر أنك آليت
على شهر. والله تعالى أعلم. وتمام شرح الحديث يُعلم مما قبله، وأما البحث عن
الشهر هل هو ثلاثون، أو تسع وعشرون، فقد مضى مستوفّى في ((كتاب الصيام»، في
باب ((كم الشهر))، فراجعه تستفد.
والحديث أخرجه المصنّف هنا-٣٤٨٣/٣٢ - وفي ((الكبرى)) ٣٣/ ٥٦٥٠ . وأخرجه
(خ) في ((الصوم)) ١٩١١ و(المظالم والغصب)) ٢٤٦٩ و((النكاح)) ٥٢٠١ و((الطلاق))
٥٢٨٩ وفي ((الأيمان والنذور)) ٦٦٨٤، (ت) في ((الصوم)) ٦٩٠. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)).
٣٣- (بَابُ الظَّهَارِ)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((الظهار)) - بكسر الظاء المعجمة -: مصدر ظاهر يُظاهر
مُظاهرةً، وظِهارًا، مشتق من الظهر، وإنما خصّوا الظهر بذلك من بين سائر الأعضاء؛
لأن كلّ مركوب يُسمّى ظهرًا؛ لحصول الركوب على ظهره في الأغلب، فشبّهوا الزوجة
بذلك. وهو محرّم؛ لقول الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ . ومعناه
أن الزوجة ليست كالأمّ في التحريم. قال اللّه تعالى: ﴿مَّا هُنَ أُمَّهَتِهِمْ﴾، وقال تعالى:

٣٣- (بابُ الظّهَارِ) - حديث رقم ٣٤٨٤
٥٩
﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَجَكُمُ اَِّى تُظَِهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَتِكُمْ﴾ قاله في ((المغني)) (١) .
وقال في ((الفتح)): الظهارِ قول الرجل لامرأته: أنت عليّ كظهر أمّي. وإنما خصّ
الظهر بذلك دون سائر الأعضاء؛ لأنه محلّ الركوب غالبًا، ولذلك سمّي المركوب
ظهرًا، فشُبّهت الزوجة بذلك لأنها مركوب الرجل، فلو أضاف لغير الظهر - كالبطن
مثلًا- كان ظهارًا على الأظهر عند الشافعيّة. واختلف فيما إذا لم يعين الأمّ كأن قال:
كظهر أختي مثلًا، فعن الشافعيّ في القديم لا يكون ظهارًا، بل يختصّ بالأمّ، كما ورد
في القرآن، وكذا في حديث خولة التي ظاهر منها أوس. وقال في الجديد: يكون
ظهارًا، وهو قول الجمهور، لكن اختلفوا فيمن لم تحرم على التأبيد، فقال الشافعيّ: لا
يكون ظهارًا، وعن مالك هو ظهارٌ، وعن أحمد روايتان كالمذهبين. فلو قال: كظهر
أبي مثلًا، فليس بظهار عند الجمهور، وعن أحمد رواية أنه ظهارٌ، وطرده في كلّ من
يحرُم عليه وطؤه حتى في البهيمة. ويقع الظهار بكلّ لفظ يدلّ على تحريم الزوجة، لكن
بشرط اقترانه بالنيّة. وتجب الكفّارة على قائله، كما قال الله تعالى، لكن بشرط العود
عند الجمهور. وعند الثوريّ، وروي عن مجاهد: تجب الكفّارة بمجرّد الظهار
انتهى (٢). والله تعالى أعلم بالصواب.
٣٤٨٤- (أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ
الْحَكَم بْنِ أَبَانَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيِّ ◌َِّهِ قَدْ ظَاهَرَ مِنٍ
امْرَأَتِهِ، فَوَقَعَ عَلَيْهَا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي ظَاهَرْتُ مِنِ امْرَأَتِي، فَوَقَعْتُ قَبْلَ أَنْ
أُكَفْرَ، قَالَ: ((وَمَا حَمَلَكَ عَلَى ذَلِكَ، يَرْحَمُكَ اللَّهُ؟))، قَالَ: رَأَيْتُ خَلْخَالَهَا فِي ضَوْءِ
الْقَمَرِ، فَقَالَ: ((لَا تَقْرَبَهَا حَتَّى تَفْعَلَ مَا أَمَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ) ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (الحسين بن حُريث) الخزاعيّ مولاهم، أبو عمّار المروزيّ، ثقة [١٠] ٤٤/ ٥٢.
٢- (الفضل بن موسى) السِّينَانيّ، أبو عبد الله المروزيّ، ثقة ثبت، ربما أغرب، من
كبار [٩] ١٠٠/٨٣.
٣- (معمر) بن راشد الأزديّ مولاهم، أبو عروة البصريّ، ثم اليمنيّ، ثقة ثبت [٧]
١٠ / ١٠ .
٤- (الحكم بن أبان) أبو عيسى العدنيّ، صدوق له أوهام [٦] ١١/ ٢٦٣٩.
(١) راجع ((المغني)) ٥٤/١١ ((كتاب الظهار)).
(٢) ((فتح)) ١٠ / ٥٤٢. ((كتاب الطلاق))

٦٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ
٥- (عكرمة) البربريّ، مولى ابن عباس، أبو عبد الله المدنيّ، ثقة ثبت [٣]٣٢٥/٢.
٦- (ابن عباس) عبد الله البحر رضي الله تعالى عنهما٢٧/ ٣١ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح، غير الحكم بن أبان، فإنه من رجال الأربعة، وأخرج له البخاريّ في
((جزء القراءة)). (ومنها): أن فيه مروزيين: الحسين، والفضل، ويمنيين: معمر،
والحكم، ومدنيين: عكرمة، وابن عبّاس. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي اللَّه تعالى عنهما (أَنَّ رَجُلًا) يحتمل أن يكون سَلَمَة بن صَخْر
الزَّرَقِي رَِّ كمَا ستأتي قصته (أَتَى النَّبِيِّ نَّهِ، قَدْ ظَاهَرَ مِنِ امْرَأَتِهِ) جملة حالية من من
فاعل ((أتى)) (فَوَقَعَ عَلَيْهَا) أي جامعها (فَقَالَ) وفي رواية أبي داودٍ: ((فأتي النبيّ ◌َّ،
فأخبره ... )) (يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي ظَاهَرْتُ مِنِ امْرَأَتِي، فَوَقَعْتُ قَبْلَ أَنْ أُكَفِّرَ) من التكفير،
أي قبل أن أعطي الكفّارة التي أوجبها اللَّه تعالى عليّ (قَالَ) وَّهِ (وَمَا حَمَلَكَ عَلَى ذَلِكَ)
(ما)) استفهاميّة: أي أيّ شيء حملك على أن تواقع امرأتك التي حرّم الله عليك العودة
إليها قبل أن تكفّر عن ظهارك؟ (يَرْحَمُكَ اللَّهُ؟)) ) فيه إظهار الشفقة والرأفة بالتائب، فإنه
وَّيه لم يعنقه، ولم يوبّخه، بل دعا له بالرحمة؛ لأنه جاء تائبًا إلى الله تعالى، نادمًا على
ما فعل، إذ الندم من الذنب يمحو الذنب، كما ثبت فيما أخرجه البيهقي، وحسّنه
بعضهم، من حديث ابن مسعود رَّه، مرفوعًا ((التائب من الذنب كمن لا ذنب له))(١)
(قَالَ) الرجل (رَأَيْتُ خَلْخَالَهَا) بفتح الخاءين المعجمين، وإسكان اللام الأولى، قال في
(القاموس)»: الْخَلْخَلُ، ويُضمّ، وكَبَلْبَالٍ: حَلْيّ معروف. انتهى. وفي ((اللسان)):
والْخَلْخَلُ، والْخُلْخُلُ من الْحُلْي: معروف، قال الشاعر:
بَرَّاقَةُ الْجِيدِ صَمُوتُ الْخَلْخَلِ
وهو لغةٌ في الْخَلَخال، أو مقصور منه انتهى.
(فِي ضَوْءِ الْقَمَرِ) وفي رواية المعتمر، عن الحكم بن أبان الآتية: ((قال: يا نبيّ اللَّه
رأيت بياض ساقيها في ضوء القمر)) (فَقَالَ) وَِّ (لَا تَقْرَبَها) بفتح الراء، وضمّها، من بابي
تَعِبَ، وقتل، أي لا تجامعها مرّة أخرى (حَتَّى تَفْعَلَ مَا أَمَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ) وفي رواية
(١) راجع ((صحيح الجامع الصغير)) للشيخ الألباني ٥٧٨/١ رقم ٣٠٠٨.