Indexed OCR Text
Pages 21-40
٢١ ٢٩- (بابُ خیار الأمةِ) - حديث رقم ٣٤٧٤ وقال في ((الفتح)): وحاول بعض الحنفيّة ترجيح رواية من قال: كان حرًّا على رواية من قال: كان عبدًا، فقال: الرقّ تعقبه الحرّيّة بلا عكس، وهو كما قال، لكن محلّ طريق الجمع إذا تساوت الروايات في القوّة، أما مع التفرّد في مقابلة الاجتماع، فتكون الرواية المنفردة شاذّةً، والشاذْ مردود، ولهذا لم يعتبر الجمهور طريق الجمع بين الروايتين، مع قولهم: إنه لا يُصار إلى الترجيح مع إمكان الجمع، والذي يتحصّل من كلام محقّقيهم، وقد أكثر منه الشافعيّ، ومن تبعه أن محلّ الجمع إذا لم يظهر الغلط في إحدى الروايتين، ومنهم من شرط التساوي في القوّة. قال ابن بطّال: أجمع العلماء أن الأمة إذا عَتَقَت تحت عبد فإن لها الخيار، والمعنى فيه ظاهرٌ؛ لأن العبد غير مكافىء للحرّة في أكثر الأحكام، فإذا عَتَقت ثبت لها الخيار من البقاء في عصمته، أو المفارقة؛ لأنها في وقت العقد عليها لم تكن من أهل الاختيار. واحتجّ من قال: إن لها الخيار، ولو كانت تحت حرّ بأنها عند التزويج لم يكن لها رأيٌ؛ لاتفاقهم على أن لمولاها أن يزوّجها بغير رضاها، فإذا عتقت تجدّد لها حالٌ لم يكن لها قبل ذلك. وعارضهم الآخرون بأن ذلك لو كان مؤثّرًا لثبت الخيار للبكر إذا زوّجها أبوها، ثم بلغت رشيدةً، وليس كذلك، فكذلك الأمة تحت الحرّ، فإنه لم يحدُث لها بالعتق حالٌ ترتفع به عن الحرّ، فكانت كالكتابيّة تُسلم تحت المسلم انتهى(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر من الأدلّة أن الأرجح القول الأول، وهو أن خيار الأمة إذا أَعتقت إنما هو إذا كانت تحت عبد، لا تحت حرّ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم هل الخيار فسخٌ، أم طلاقٌ؟ : قال ابن قُدامة رحمه الله تعالى: وفرقة الخيار فسخٌ، لا ينقص بها عدد الطلاق. نصّ عليه أحمد، ولا أعلم فيه خلافًا. قيل لأحمد: لم لا يكون طلاقًا؟ قال: لأن الطلاق ما تَكلّم به الرجل؛ ولأن الفرقة لاختيار المرأة، فكانت فسخًا، كالفسخ لعُنّته، أو عَتَهِهِ انتھی(٢). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: قوله: ولا أعلم فيه خلافًا. فيه نظر، فإن الخلاف ثابت، قال في ((الفتح)): واختلف في التي تختار الفراق، هل يكون ذلك طلاقًا، أو فسخًا؟، فقال مالكٌ، والأوزاعيّ، والليث: تكون طلقة بائنة، وثبت مثله عن الحسن، (١) (فتح) ٥١١/١٠-٥١٢. ((كتاب الطلاق)). (٢) ((المغني)) ٧٠/١٠. ٢٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ وابن سيرين. أخرجه ابن أبي شيبة. وقال الباقون: يكون فسخًا، لا طلاقًا انتهى(١). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الذي يظهر لي أن الأرجح القول بأنه فسخٌ؛ لظهور معنى الفسخ فيه أكثر من ظهور معنى الطلاق، حيث إنه ليس فيه كلام للزوج، وأنه من قبل المرأة، فيترجّح كونه فسخًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في وقت خيار الأمة: قال ابن قدامة رحمه الله تعالى: خيار المعتقة على التراخي، ما لو يوجد أحد أمرين: عتق زوجها، أو وطؤه لها، وممن قال: إنه على التراخي مالكٌ، والأوزاعيّ، وروي ذلك عن عبد الله بن عمر، وأخته حفصة، وبه قال سليمان بن يسار، ونافعٌ، والزهريّ، وقتادة، وحكاه بعض أهل العلم عن الفقهاء السبعة. وقال أبو حنيفة، وسائر العراقيين: لها الخيار في مجلس العلم. وللشافعيّ ثلاثة أقوال: أظهرها كقولنا. والثاني: أنه على الفور، كخيار الشفعة. والثالث أنه إلى ثلاثة أيام . ولنا ما روى الإمام أحمد في ((المسند)) بإسناده عن الحسن بن عمرو بن أميّة، قال: سمعت رجالًا يتحدّثون عن النبيّ وَل﴿ أنه قال: ((إذا أَعتقت الأمة، فهي بالخيار، ما لم يطأها، إن شاءت فارقته، وإن وطئها فلا خيار لها))(٢). ورواه الأثرم أيضًا. وروى أبو داود أن بريرة عتقت، وهي عند مغيث، عبد لآل أحمد، فخيّرها النبيّ وَّر، فقال لها: ((إن قربك فلا خيار لك))(٣). ولأنه قول من سمّينا من الصحابة، ولا مخالف لهم في عصرهم. قال ابن عبد البرّ: لا أعلم لابن عمر، وحفصة مخالفًا من الصحابة. ولأن الحاجة داعية إلى ذلك فثبت، کخيار القصاص، أو خیار لدفع ضررمتحقّق، فأشبه ما قلناه. انتهى(٤). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما ذهب إليه الإمام أحمد، ومن معه من أن تخيير الأمة على التراخي أرجح؛ لإطلاق تخيير الشارع لها، دون أن يقيّده بوقت دون وقت. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٤٧٥- (أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ آدَمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ فِي بَرِيرَةَ ثَلاثُ قَضِيَّاتٍ: أَرَادَ (١) ((فتح) ١٠/ ٥١٢. (٢) راه أحمد برقم ٢٢٦٩٧- وفي سنده ابن لهيعة. (٣) ضعيفٌ، لأن في إسناده محمد بن إسحاق، وهو مدلّس، وقد عنعنه. (٤) ((المغني)) ١٠/ ٧١. ٣٠- (بَأَبُ خِيَارِ الأمَّةِ، تُعْتَقُ، ... - حديث رقم ٣٤٧٦ ٢٣ أَهْلُهَا أَنْ يَبِيعُوهَا، وَيَشْتَرِطُوا الْوَلَاءَ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ وَِّ، فَقَالَ: ((اشْتَرِيَهَا، وَأَعْتِقِيهَا، فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ))، وَأُعْتِقَتْ، فَخَيْرَهَا رَسُولُ اللَّهِ وَِّ، فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا، وَكَانَ يُتَصَدَّقُ عَلَيْهَا، فَتُهْدِي لَنَا مِنْهُ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِّ ◌َِّ، فَقَالَ: ((كُلُوهُ، فَإِنَّهُ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ، وَهُوَ لَنَا هَدِيَّةٌ))). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده هو، وأبي داود، وهو ثقة. و((هشام)) : هو ابن عروة. والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق البحث فيه مستوفى قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)). ٣٠- (بَابُ خِيَارِ الأَمَةِ، تُعْتَقُ، وَزَوْجُهَا حُرِّ) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: يحتمل أن يكون قوله: ((تعتق)) بفتح أوله، مبنيًّا للفاعل، من عَتَقَ يَعتقُ، ثلاثيًا، من باب ضرب، أو بضمّه، مبنيًّا للمفعول، من أُعتق رباعيًّا، كما سبق بيانه قبل باب. والله تعالى أعلم بالصواب. ٣٤٧٦- (أَخْبَرَنَا قُتَنْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتِ: اشْتَرَيْتُ بَرِيرَةَ، فَاشْتَرَطَ أَهْلُهَا وَلَاءَهَا، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَِّّ وَّه فَقَالَ: ((أَعْتِقِيهَا، فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْطَى الْوَرِقَ))، قَالَتْ: فَأَعْتَقْتُهَا، فَدَعَاهَا رَسُولُ اللَّهِ ﴿﴿ِ، فَخَيَّرَهَا مِنْ زَوْجِهَا، قَالَتْ: لَوْ أَعْطَانِي كَذَا وَكَذَا، مَا أَقَمْتُ عِنْدَهُ، فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا، وَكَانَ زَوْجُهَا حُرًّا). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح. و((جرير)): هو ابن عبد الحميد. و((منصور)): هو ابن المعتمر. و((إبراهيم)) : هو ابن يزيد النخعي. و((الأسود)) : هو ابن يزيد النخعي. والحديث متّفقٌ عليه، وتقدّم البحث فيه في الباب الماضي. ٢٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ وقوله: ((وكان زوجها حرًّا)) هو محلّ الترجمة، لكن الأرجح رواية أنه كان عبدًا. قال في ((التلخيص الحبير)): حديث: ((أن بريرة أَعتقت، فخيّرها النبيّ وَّله فاختارت نفسها، ولو كان حرًّا لم يُخيّرها)). رواه النسائيّ، وابن حبّان، والطحاويّ، وابن حزم من حديث عائشة رضي اللّه تعالى عنها بهذا. قال الطحاويّ: يحتمل أن يكون من كلام عروة. قال الحافظ: وقع التصريح بذلك في النسائي. وقال ابن حزم: يحتمل أن يكون من كلام عائشة، أو من دونها، والتخيير ثابتٌ في ((الصحيحين)) من حديث عائشة أيضًا من طرق، وفي ((الطبقات)) لابن سعد، عن عبد الوهاب بن عطاء، عن داود بن أبي هند، عن عامر الشعبيّ: أن النبيّ وَّه قال لبريرة لَمّا عَتَقَت: ((وقد عتق بضعك معك، فاختاري)). وهذا مرسل، ووصله الدارقطنيّ من طريق أبان بن صالح، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة رضي اللّه تعالى عنها. ورُوي كون زوجها عبدًا من حديث عائشة، وابن عمر، وابن عبّاس رضي الله تعالى عنهم : أما رواية عائشة، فرواها مسلم من حديث عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عنها، وعنده، وعند النسائيّ من طريق يزيد بن رُومان، عن عروة، عنها: ((كان زوج بريرة عبدًا)). وقد اختلف فيه على عائشة، فروى الأسود بن يزيد، عنها أنه كان حرًّا. قال إبراهيم بن أبي طالب: خالف الأسود الناس. وقال البخاريّ: هو من قول الحكم، وقول ابن عباس: إنه كان عبدًا أصحّ. وقال البيهقيّ: روينا عن القاسم، وعروة، ومجاهد، وعمرة، كلهم عن عائشة أنه كان عبدًا. وروى شعبة، عن عبد الرحمن بن القاسم أنه قال: ما أدري أحرّ، أم عبدٌ. ورواه البيهقيّ عن سماك، عن عبد الرحمن بن القاسم، فقال: كان عبدًا، وكذا رواه أسامة بن زيد، عن القاسم، عن عائشة: أن النبيّ وَ لّ قال لها: ((إن شئت أن تثوي تحت العبد)). قال المنذريّ: رُوي عن الأسود أنه قال: كان عبدًا، فاختلف فيه عليه، مع أن بعضهم يقول: قوله: كان حرًّا من قول إبراهيم. وقيل: من قول الحكم. وأما رواية ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما، فرواها الدارقطنيّ، والبيهقيّ، من حديث نافع، عن ابن عمر، قال: كان زوج بريرة عبدًا. وفي إسناده ابن أبي ليلى. وقد رواه البيهقيّ من رواية نافع، عن صفيّة بنت أبي عُبيد، وإسناده أصحّ، وهو في النسائيّ أيضًا(١). (١) أي في ((الكبرى)) ٣٦٦/٣ رقم ٥٦٤٦ . = = ٣٠- (بَأَبُ خِيَارِ الأمَةِ، تُعْتَقُ، ... - حديث رقم ٣٤٧٦ ٢٥ وأما رواية ابن عبّاس رضي اللّه تعالى عنهما، فرواها البخاريّ من رواية القاسم بن محمد، عنه: ((أن زوج بريرة كان عبدًا، يقال له: مُغيث، كأني أنظر إليه يطوف خلفها يبكي ... )) الحديث. ورواه أحمد، وأبو داود، والترمذيّ، والطبرانيّ، وفي رواية للترمذيّ: ((أن زوج بريرة كان عبدًا أسود لبني المغيرة يوم أعتقت)). انتهى ما في (التلخيص)) ببعض تصرّف(١). وقال في ((الفتح)) بعد أن ذكر أن البخاريّ أورده في ((الفرائض)) عن حفص بن عمر، عن شعبة، وزاد في آخره: قال الحكم: وكان زوجها حرًّا)»، ثم أورده بعده من طريق منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، ثم قال: قال الأسود: وكان زوجها حرًّا. قال البخاريّ: قول الأسود منقطع، وقول ابن عباس: ((رأيته عبدًا)) أصحّ، وقال في الذي قبله في قول الحكم نحو ذلك. ثم قال: فظهر أن هذه الزيادة مدرجة. قال: وقد قال الدارقطنيّ في ((العلل)): لم يُختلف على عروة، عن عائشة أنه كان عبدًا، وكذا قال جعفر بن محمد بن عليّ، عن أبيه، عن عائشة، وأبو الأسود، وأسامة بن زيد، عن القاسم. قال الحافظ: وقع لبعض الرواة فيه غلطٌ، فأخرج قاسم بن أصبغ في ((مصنّقه))، وابن حزم من طريقه، قال: أنبأنا أحمد بن يزيد المعلّم، حدّثنا موسى بن معاوية، عن جرير، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة: ((كان زوج بريرة حرًّا)). وهذا وهم من موسى، أو من أحمد، فإن الحفّاظ من أصحاب هشام، ومن أصحاب جرير، قالوا: ((كان عبدًا))، منهم إسحاق بن راهويه، وحديثه عند النسائيّ، وعثمان بن أبي شيبة، وحديثه عند أبي داود، وعليّ بن حُجْر، وحديثه عند الترمذيّ، وأصله عند مسلم، وأحال به على رواية أبي أسامة، عن هشام، وفيه: أنه كان عبدًا. قال الدارقطنيّ: وكذا قال أبو معاوية، عن هشام بن عروة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه. قال الحافظ: وراوه شعبة، عن عبد الرحمن، فقال: كان حرًّا، ثم رجع عبد الرحمن، فقال: ما أدري. قال الدارقطنيّ: وقال عمران بن حُدير، عن عكرمة، عن عائشة، كان حرًّا، وهو وَهَمْ. قال الحافظ: وهِمَ في شيئين: في قوله: ((حرّا))، وفي قوله: ((عائشة))، وإنما هو من رواية عكرمة، عن ابن عبّاس، ولم يُختلف على ابن عبّاس في أنه كان عبدًا. وكذا جزم به الترمذيّ عن ابن عمر، وحديثه عند الشافعيّ، والدارقطنيّ، وغيرهما. وكذا أخرجه النسائيّ -أي في ((الكبرى)) - من حديث صفيّة بنت أبي عُبيد، قالت: كان زوج بريرة (١) ((التلخيص الحبير)) ٣٦٣/٣-٣٦٥ . تحقيق أبي عاصم حسن عباس قطب. = ٢٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ عبدًا، وسنده صحيح. وقال النوويّ: يؤيّد قول من قال: إنه كان عبدًا قولُ عائشة: ((كان عبدًا، ولو كان حرًّا لم يُخيّرها))، فأخبرت وهي صاحبة القصّة بأنه كان عبدًا، ثم علّلت بقولها: ((ولو كان حرًّا لم يُخيّرها))، ومثلُ هذا لا يكاد أحدٌ يقوله إلا توقيفًا. وتُعُقّب بأن هذه الزيادة في رواية جرير، عن هشام بن عروة في آخر الحديث، وهي مدرجة من قول عروة، بُيِّنَ ذلك في رواية مالك، وأبي داود، والنسائيّ. نعم وقع في رواية أسامة بن زيد، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة، قالت: ((كانت بريرة مكاتبة لأناس من الأنصار، وكانت تحت عبد ... )) الحديث، أخرجه أحمد، وابن ماجه، والبيهقيّ. وأسامة فيه مقال. وأما دعوى أن ذلك لا يُقال: إلا بتوقيف، فمردودة، فإن للاجتهاد فيه مجالًا . قال الدارقطنيّ: وقال إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة: كان حرًّا. قال الحافظ: وأصرح ما رأيته في ذلك رواية أبي معاوية: حدّثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، قالت: كان زوج بريرة حرًّا، فلما أُعتقت خُيّرت ... )) الحديث. أخرجه أحمد عنه. وأخرج ابن أبي شيبة، عن إدريس، عن الأسود، عن عائشة، قالت: كان زوج بريرة حرًّا، ومنٍ وجه آخر عن النخعيّ، عن الأسود، أن عائشة حدّثته ((أن زوج بريرة كان حرًّا حين أعتقت)). فدلّت الروايات المفصّلة التي قدّمتها آنفًا على أنه مدرجٌ من قول الأسود، أو من دونه، فيكون من أمثلة ما أُدرج في أول الخبر، وهو نادرٌ، فإن الأكثر أن يكون في آخره، ودونه أن يقع في وسطه، وعلى تقدير أن يكون موصولًا، فترجّح رواية من قال: كان عبدًا بالكثرة، وأيضًا آل المرء أعرف بحديثه، فإن القاسم ابن أخي عائشة، وعروة ابن أختها، وتابعهما غيرهما، فروايتهما أولى من رواية الأسود، فإنهما أقعد بعائشة، وأعلم بحديثها. ويترجّح أيضًا بأن عائشة كانت تذهب إلى أن الأمة إذا عتقت تحت الحرّ، لا خيار لها، وهذا بخلاف ما روى العراقيّون عنها، فكان يلزم على أصل مذهبهم أن يأخذوا بقولها، ويدعوا ما روي عنها، لا سيّما، وقد اختلف عنها فيه. وادّعى بعضهم أنه يمكن الجمع بين الروايتين بحمل قول من قال: كان عبدًا على اعتبار ما كان عليه، ثم أعتق، فلذلك قال من قال: كان حرًّا. ويردّ هذا الجمع ما تقدّم من قول عروة: كان عبدًا، ولو كان حرًّا لم تُخُيَّر. وأخرجه الترمذيّ بلفظ: ((أن زوج بريرة كان عبدًا أسود يوم أعتقت))، فهذا يعارض الرواية المتقدّمة عن الأسود، ويعارض الاحتمال المذكور احتمال أن يكون من قال: كان حرًّا، أراد ما آل إليه أمره، وإذا ٢٧ ٣١- (بَأَبُ خِيَارِ الأمَّةِ تُعْتَقُ، ... - حديث رقم ٣٤٧٨ تعارضا إسنادًا، واحتمالًا احتيج إلى الترجيح، ورواية الأكثر يرجّح بها، وكذلك الأحفظ، وكذلك الألزم، وكلّ ذلك موجودٌ في جانب من قال: ((كان عبد!)). انتھی(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: فتبيّن بما تقدّم أن الرواية الراجحة هي رواية ((كان زوج بريرة عبدًا». والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٤٧٧- (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْحَكَم، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّا أَرَادَتْ أَنْ تَشْتَرِيَ بَرِيرَةَ، فَاشْتَرَطُوا وَلَاءَهَا، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِلنَّبِّ ◌َِّهِ، فَقَالَ: ((اشْتَرِيَهَا، وَأَعْتِقِيهَا، فَإِنَّ الْوَلَاءَ لِمَنْ أَعْتَقَ))، وَأَتِيَ بِلَخْمِ، فَقِيلَ: إِنَّ هَذَا مِمَّا تُصُدِّقَ بِهِ عَلَّى بَرِيرَةَ، فَقَالَ: ((هُوَ لَهَا صَدَقَّةٌ، وَلَنَا هَدِيَّةٌ))، وَخَيَّرَّهَا رَسُولُ اللَّهِ بِهِ، وَكَانَ زَوْجُهَا حُرًّا). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح أيضًا. و((عمرو عليّ)): هو الفلاس. و((عبد الرحمن)): هو ابن مهديّ. و((الحكم)): هو ابن عُتيبة. وقوله: ((وأُتي بلحم)) ببناء الفعل للمفعول. ومثله ((تُصُدّق به)). وقوله: ((وكان زوجها حرًّا»، الراجح أنه كان عبدًا، كما سبق قريبًا. والحديث متّفقٌ عليه، وسبق الكلام عليه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)» . ٣١- (بَابُ خِيَارِ الأَمَةِ تُعْتَقُ، وَزَوْجُهَا مَمْلُوكٌ) قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الظاهر أن المصنّف رحمه الله تعالى يرى ترجيح رواية أن زوج بريرة كان عبدًا، حيث أخّر هذا الباب؛ لأن صنيعه غالبًا أنه يأتي بالأخبار المعلّلة أوّلًا، ثم يأتي بالأخبار الصحيحة بعدها، كما هو صنیع الترمذيّ غالبًا، وقد بین (١) (فتح)) ٥١٥/١٠-٥١٦. ((كتاب الطلاق)). ٢٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ ذلك الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى في ((شرح علل الترمذيّ))، ونصّ عبارته رحمه الله تعالى فيه : ((وقد اعتُرِض على الترمذيّ رحمه اللّه تعالى بأنه في غالب الأبواب يبدأ بالأحاديث الغريبة الإسناد غالبًا. وليس ذلك بعيب، فإنه رحمه الله تعالى يُبيّن ما فيها من العلل، ثم يبيّن الصحيح في الإسناد، وكأنّ قصده رحمه اللّه تعالى ذكر العلل، ولهذا تجد النسائيّ إذا استوعب طرق الحديث بدأ بما هو غلطٌ، ثم يذكر بعد ذلك الصواب المخالف له)) انتهى كلام ابن رجب رحمه الله تعالى(١). والحاصل أن المصنّف رحمه الله تعالى أورد في الباب السابق حديث عائشة رضي اللَّه تعالى عنها من رواية الأسود عنها، وفيه: ((وكان زوجها حرًّا))، ثم أورد حديثها في هذا الباب من رواية عروة، عنها، وفيه: ((وكان زوجها عبدًا»، ومن طريق سماك، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن عائشة، وفيه: ((وكان زوجها عبدًا))، ومن طريق شعبة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عنها، وفيه: ((وكان زوجها عبدًا))، ثمّ قال بعد ذلك: ما أدري الخ. ففي هذه الروايات ما يرجّح أن رواية الأسود ((وكان زوجها حرًّا)) مرجوحةٌ. وقد رجّح الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى في ((صحيحه)) أيضًا رواية كونه عبدًا، حيث قال: ((باب خيار الأمة تحت العبد))، ثم أخرج بسنده من طريق قتادة، عن عكرمة عن ابن عبّاس رضي اللّه تعالى عنهما، قال: رأيته عبدًا - يعني زوج بريرة، ومن طريق أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: ذاك مُغيث عبد بني فلان -يعني زوج بَريرة- كأني أنظر إليه يتبعها في سكك المدينة، يبكي عليها. قال في ((الفتح)) : وهذا مصير من البخاريّ إلى ترجيح قول من قال: إن زوج بريرة كان عبدًا، وقد ترجم في أوائل ((النكاح)) بحديث عائشة في قصّة بريرة ((باب الحرّة تحت العبد)) وهو جزمٌ منه أيضًا بأنه كان عبدًا. قال: واعترض عليه هناك ابن المنير بأنه ليس في حديث الباب أن زوجها كان عبدًا، وإثبات الخيار لها لا يدلّ؛ لأن المخالف يدّعي أن لا فرق في ذلك بين الحرّ والعبد. والجواب أن البخاريّ جرى على عادته من الإشارة إلى ما في بعض طرق الحديث الذي يورده، ولا شكّ أن قصّة بريرة لم تتعدّد، وقد رجح عنده أن زوجها كان عبدًا، فلذلك جزم به انتهى (٢). (١) ((شرح علل الترمذي)) ص٢٣٦ بتحقيق صبحي السامرائيّ. (٢) ((فتح)) ٥١٠/١٠-٥١١. ((كتاب الطلاق)). ٣١- (بَأَبُ خِيَارِ الأمَّةِ تُعْتَقُ، ... - حديث رقم ٣٤٧٨ ٢٩ قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: الحاصل أن رواية ((وكان زوجها عبدًا)) هي الراجحة، كما سيأتي قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب. ٣٤٧٨- (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا جَرِيرٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَاتَبَتْ بَرِيرَةُ عَلَى نَفْسِهَا، بِتِسْعِ أَوَاقٍ، فِي كُلُّ سَنَةٍ بِأُوقِئَةٍ، فَأَتَتْ عَائِشَةَ تَسْتَعِينُهَا، فَقَالَتْ: لَا،َ إِلَّا أَنْ يَشَاءُوا أَنْ أَعُدَّهَا لَهُمْ عَدَّةٌ وَاحِدَةً، وَيَكُونُ الْوَلَاءُ لِي، فَذَهَبَتْ بَرِيرَةُ، فَكَلَّمَتْ فِي ذَلِكَ أَهْلَهَا، فَأَبَوْا عَلَيْهَا، إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْوَلَاءُ لَهُمْ، فَجَاءَتْ إِلَى عَائِشَةَ، وَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ عِنْدَ ذَلِكَ، فَقَالَتْ لَّهَا: مَا قَالَ أَهْلُهَا، فَقَالَتْ: لَا، هَا اللَّهِ إِذَا، إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْوَلَاءُ لِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ: ((مَا هَذَا؟))، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ بَرِيرَةَ أَتَتْنِي، تَسْتَعِينُ بِي عَلَى كِتَابَتِهَا، فَقُلْتُ: لَا، إِلَّا أَنْ يَشَاءُوا أَنْ أَعُدَّهَا لَهُمْ عَدَّةً وَاحِدَةً، وَيَكُونُ الْوَلَاءُ لِي، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِأَهْلِهَا، فَأَبَوْا عَلَيْهَا، إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْوَلَاءُ لَهُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ بَّهِ: ((ابْتَاعِيهَا، وَاشْتَرِطِي لَهُمُ الْوَلَاءَ، فَإِنَّ الْوَلَاءَ لِمَنْ أَعْتَقَ))، ثُمَّ قَامَ، فَخَطَبَ النَّاسَ، فَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَّيْهِ، ثُمَّ قَالَ: ((مَا بَالُ أَقْوَامِ، يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا، لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، يَقُولُونَ: أَعْتِقْ فُلَانًا، وَالْوَلَاءُ لِي،َ كِتَابُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَحَقُّ، وَشَرْطُ اللَّهِ أَوْثَقُ، وَكُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ، فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ))، فَخَيَّرَهَا رَسُولُ اللَّهِ وَلِ مِنْ زَوْجِهَا، وَكَانَ عَبْدًا، فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا، قَالَ عُرْوَةُ: فَلَوْ كَانَ حُرًّا، مَا خَيَّرَهَا رَسُولُ اللَّهِ وَلِ). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١- (إسحاق بن إبراهيم) ابن راهويه المترجم قريبًا. ٢- (جرير) بن عبد الحميد بن قُرط الضبيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، نزيل الريّ، وقاضيها، ثقة، صحيح الكتاب، قيل: كان في آخر عمره تِهِم من حفظه [٨] ٢/٢. ٣- (هشام بن عروة) بن الزبير الأسديّ، أبو المنذر المدنيّ، ثقة فقيه، ربما دلّس [٥] ٦١/٤٩ . ٤- (أبوه) عروة بن الزبير بن العوام الأسديّ، أبو عبد الله المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت [٣] ٤٠ /٤٤ . ٥- (عائشة) أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها٥/٥ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه اللّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فمروزيّ، وجرير، فرازيّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، والابن عن أبيه. والله تعالى أعلم. ٣٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ شرح الحديث (عَنْ عَائِشَةَ) رضي اللَّه تعالى عنها، أنها (قَالَتْ: كَاتَبَتْ بَرِيرَةُ عَلَى نَفْسِهَا) أي عقدت الكتابة بينها وبين مواليها على عتق نفسها، إذا أدّت البدل (بِتِسْع أَوَاقٍ) هذه الرواية وهي رواية هشام عن أبيه هي المشهورة في قدر بدل الكتابة، وقد وقعت في رواية للبخاريّ علّقها من طريق الليث، عن يونس، عن ابن شهاب، عن عروة، مخالفة لهذه الرواية، ولفظها: ((إن بريرة دخلت عليها تستعينها في كتابتها، وعليها خمس أواق، نُجّمت عليها في خمس سنين ... ))، وقد جزم الإسماعيليّ بأن هذه الرواية غلطً. قال الحافظ: ويمكن الجمع بأن التسع أصل، والخمس كانت بقيت عليها. وبهذا جزم القرطبيّ، والمحبّ الطبريّ، لكن يعكُرُ عليه قوله في رواية قُتيبة: ((ولم تكن أدّت من كتابتها شيئًا)). ويجاب بأنها كانت حصلت الأربع أواقٍ قبل أن تستعين عائشة، ثم جاءتها، وقد بقي عليها خمس. وقال القرطبيّ: يُجاب بأن الخمس هي التي كانت استحقّت عليها بحلول نجومها من جملة التسع الأواقي المذكورة في حديث هشام. ويؤيّده قوله في رواية عمرة عن عائشة عند البخاريّ في ((أبواب المساجد)): ((فقال أهلها: إن شئت أعطيت ما يبقى)). وذكر الإسماعيليّ أنه رأى في الأصل المسموع على الفربريّ في هذه الطريق أنها كاتبت على خمس أوساق، وقال: إن كان مضبوطًا، فهو يدفع سائر الأخبار. قال الحافظ: لم يقع في شيء من النسخ المعتمدة التي وقفنا عليها إلا الأواقي، وكذا في نسخة النسفيّ عن البخاريّ، وكان يمكن على تقدير صحّته أن يُجمع بأن قيمة الأوساق الخمسة تسع أواقٍ، لكن يعكر عليه قوله: ((في خمس سنين))، فيتعيّن المصير إلى الجمع الأول. انتهى(١). (فِي كُلِّ سَنَّةٍ بِأَوقِيَّةٍ) هكذا النسخ بالباء، والظاهر أن الباء زائدة، ويؤيّده أن في هامش ((الكبرى)) ما يشير إلى أن في بعض النسخ إسقاطَ الباء، فيكون ((أوقية)) مبتدأ مؤخّرًا، خبره ((في كلّ سنة))، ويحتمل أن يتعلّق الجارّان بفعل مقدّر دلّ عليه السابق: أي كاتبتهم في كلّ سنة بأقية. و((الأوقيّة)): أربعون درهما (فَأَتَتْ عَائِشَةَ تَسْتَعِينُها) أي تطلب عونها في بدل الكتابة (فَقَالَتْ) عائشة رضي اللَّه تعالى عنها (لَا) أي لا أفعل ذلك، وهو العون الذي طلبته (إِلَّ أَنْ يَشَاءُوا) أي أهل بريرة (أَنْ أَعُدَّهَا لَهُمْ عَدَّةٌ وَاحِدَةً) فيه أن العدّ في الدراهم الصحاح المعلومة الوزن يكفي عن الوزن، وأن المعاملة في ذلك الوقت كانت بالأواقي، وهي أربعون درهما، كما سبق آنفًا. وزعم المحبّ الطبريّ أن أهل المدينة (١) ((فتح)) ٤٩٧/٥. ((كتاب المكاتب)). رقم ٢٥٦٠. ٣١- (بَأَبُ خِيَارِ الأَمَةِ تُعْتَقُ، ... - حديث رقم ٣٤٧٨ ٣١ كانوا يتعاملون بالعدّ إلى مقدم رسول اللَّه وَله المدينة، ثم أُمروا بالوزن. وفيه نظر؛ لأن قصّة بريرة متأخرة عن مقدمه ول# بنحو ثمان سنين، لكن يحتمل قول عائشة: ((أعدّها لهم عدّة واحدة)) : أي أدفعها لهم، وليس مرادها حقيقة العدّ، ويؤيّده قولها في طريق عمرة: ((أن أصُبّ لهم ثمنكِ صبّةً واحدةً)). قاله في ((الفتح)) (وَيَكُونُ الْوَلَاءُ لِي) وفي رواية للبخاريّ: ((فإن أحبّوا أن أقضي عنك كتابتك، ويكون ولاؤك لي فعلتُ)). قال في ((الفتح)): وظاهره أن عائشة طلبت أن يكون الولاء لها إذا بذلت جميع مال الكتابة، ولم يقع ذلك، إذ لو وقع ذلك لكان اللوم على عائشة بطلبها ولاء من أعتقها غيرها، وقد رواه أبو أسامة، عن هشام بلفظ يزيل الإشكال، فقال بعد قوله: ((أن أعدّها لهم عدّة واحدة، وأُعتقك، ويكون ولاؤك لي فعلت))، وكذلك رواه وهيب، عن هشام، فعرف بذلك أنها أرادت أن تشتريها شراء صحيحًا، ثم تُعتقها، إذ العتق فرع ثبوت الملك. ويؤيّده قوله في بقيّة حديث الزهريّ: (ابتاعي، فأعتقي))، وهو يفسّر قوله في رواية مالك، عن هشام: ((خذيها))، ويوضّح ذلك أيضًا قوله في طريق أيمن: ((دخلت عليّ بريرة، وهي مكاتبة، فقالت: اشتريني، وأعتقيني، قالت: نعم))، وقوله في حديث عمر: ((أرادت عائشة أن تشتري جارية، فتُعتقها)). وبهذا يتّجه الإنكار على موالي بريرة، إذ وافقوا عائشة على بيعها، ثمّ أرادوا أن يشترطوا أن يكون الولاء لهم. ويؤيّده قوله في رواية أيمن: ((قالت: لا تبيعوني حتى تشترطوا ولائي)). وفي رواية الأسود، عن عائشة: ((اشتريت بريرةَ لأعتقها، فاشترط أهلها ولاءها)). انتهى(١). (فَذَهَبَتْ بَرِيرَةُ، فَكَلَّمَتْ فِي ذَلِكَ) أي فيما قالته عائشة رضي اللّه تعالى عنها (أَهْلَهَا)، المراد بالأهل هنا السادة، والأهل في الأصل الآل، وفي الشرع من تلزمه نفقته على الأصح عند الشافعيّة. قاله في ((الفتح))(٢) (فَأَبَوْا عَلَيْهَا، إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْوَلَاءُ لَهُمْ، فَجَاءَتْ إِلَى عَائِشَةَ، وَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ بِ لِهِ عِنْدَ ذَلِكَ) أي عند مجيئها إلى عائشة، راجعةً من أهلها بعد رفضهم ما قالته عائشة (فَقَالَتْ لَهَا) أي قالت بريرة لعائشة رضي الله تعالى عنهما (مَا قَالَ أَهْلُهَا) من اشتراط ولائها لهم (فَقَالَتْ: لَا) أي لا أشتري، ولا أعُدّ الدراهم (هَا اللَّهِ) كلمة ((ها)) بدل من واو القسم، وما بعدها مجرور، يقال: ((ها اللَّهِ) موضع ((والله)) بقطع الهمزة، مع إثبات ألفها، وحذفه (إِذًا) أي إذا شرطوا الولاء لأنفسهم. [فائدة]: قال السيوطيّ رحمه اللّه تعالى في ((شرحه)): قد تكلّم الناس قديمًا وحديثًا (١) (فتح)) ٤٩٩/٨. (كتاب المكاتب)). (٢) ٤٩٩/٨. ((كتاب المكاتب. ٣٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ على هذه اللفظة، وقالوا: إنّ المحدّثين يروونها هكذا، وأنه خطأ، والصواب: لا ها اللَّه ذا، بإسقاط الألف من ((ذا))، وقد ألّفتُ في ذلك تأليفًا حسنا، وأودعته برُمّته في کتاب «إعراب الحدیث)) انتهى(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: دعوى الغلط والتصحيف على المحدّثين، مع كثرة وقوعه في الأحاديث، اتباعًا لقول بعض النحاة غير صحيح، بل التركيب هذا فصيح، وتوجيهه واضح، كما قال بعض المحقّقين. وأحسن من لَخْص أقوال العلماء في ذلك، واستوفى البحث حقّه، بإيجاز هو الحافظ ابن حجر رحمه اللّه تعالى في ((شرح البخاري)) في شرحه حديثَ أبي قتادة روزالي (٢)، فقال - عند شرح قوله: ((فقال أبو بكر الصدّيق: لا ها الله، إذا لا يعمد إلى أسد من أُسُد الله، يقاتل عن اللَّه ورسوله، فيُعطيك سلبه)) -: ما نصّه: هكذا ضبطناه في الأصول المعتمدة من ((الصحيحين))، وغيرهما بهذه الأحرف: ((لا ها اللَّه إذًا))، فأما ((لا ها الله))، فقال الجوهريّ: ها للتنبيه، وقد يُقسم بها، يقال: لا ها الله، ما فعلت كذا. قال ابن مالك: فيه شاهدٌ على جواز الاستغناء عن واو القسم بحرف التنبيه، قال: ولا یکون ذلك إلا مع «الله»، أي لم يُسمع «لا ها الرحمن))، کما سُمع ((لا والرحمن))، قال: وفي النطق بها أربعة أوجه: [أحدها]: ها اللّه باللام بعد الهاء بغير إظهار شيء من الألفين. [ثانيها]: مثله، لكن بإظهار ألف واحدة بغير همز، كقولهم: («التقت حلقتا البطان». (١) ((زهر الربى)) ٦/ ١٦٤-١٦٥. والكتاب الذي أشار إليه هو كتابه ((عقود الزبرجد على مسند الإمام أحمد» ، راجعه ج٢ ص ١٨٥ . (٢) هو ما أخرجه البخاريّ في ((صحيحه))، ونصّه في ((كتاب الغازي)): ٤٣٢٢ - حدثنا عبدالله بن يوسف، أخبرنا مالك، عن يحيى بن سعيد، عن عمر بن كثير بن أفلح، عن أبي محمد، مولى أبي قتادة، عن أبي قتادة، قال: خرجنا مع النبي ◌َّ عام حنين، فلما التقينا كانت للمسلمين جولة، فرأيت رجلا من المشركين، قد علا رجلا من المسلمين، فضربته من ورائه، على حَبْلِ عاتقه بالسيف، فقطعت الدرع، وأقبل علي، فضمني ضمة، وجدت منها ريح الموت، ثم أدركه الموت، فأرسلني، فلحقت عمر بن الخطاب، فقلت: ما بال الناس؟، قال: أمر الله عز وجل، ثم رجعوا، وجلس النبي ◌َّ، فقال: ((من قتل قتيلا، له عليه بينة، فله سلبه))، فقلت: من يشهد لي، ثم جلست، قال: ثم قال النبي وَ لر مثله، فقمت، فقلت: من يشهد لي، ثم جلست، قال: ثم قال النبي ◌ِّر مثله، فقمت، فقال: ((ما لك يا أبا قتادة؟)) ، فأخبرته، فقال رجلٍ: صدق، وسلبهٍ عندي، فَأَرْضِهِ مني، فقال أبو بكر: لاها اللَّه، إذا لا يعمد إلى أسد من أسد الله، يقاتل عن الله ورسوله وه، فيعطيك سلبه، فقال النبي مثير: ((صدق، فأعطه))، فأعطانيه، فابتعت به مخرفا في بني سَلِمَةً، فإنه لأول مال تأثلته في الإسلام. ٣٣ ٣١- (بَأَبُ خِيَارِ الأمَّةِ تُعْتَقُ، ... - حديث رقم ٣٤٧٨ [ثالثها]: ثبوت الألفين بهمزة قطع. [رابعها]: بحذف الألف، وثبوت همزة القطع انتهى كلامه. والمشهور في الرواية من هذه الأوجه الثالث، ثمّ الأول. وقال أبو حاتم السجستانيّ: العرب تقول: ((لا هأ اللَّه ذا)) بالهمز، والقياس ترك الهمزة. وحكى ابن التين عن الداوديّ أنه روى برفع ((اللَّه))، قال: والمعنى يأبى الله. وقال غيره: إن ثبت الرواية بالرفع فتكون ((ها)) للتنبيه، و((اللَّه)) مبتدأ، و((لا يعمد)» خبره انتهى. ولا يخفى تكلّفه. وقد نقل الأئمّة الاتفاق على الجرّ، فلا يلتفت إلى غيره. وأما ((إذا)) فثبتت في جميع الروايات المعتمدة، والأصول المحقّقة من (الصحيحين))، وغيرهما بكسر الألف، ثمّ ذال معجمة منوّنة. وقال الخطّابيّ: هكذا يروونه، وإنما هو في كلامهم -أي العرب- لا ها الله ذا، والهاء فيه بمنزلة الواو، والمعنى: لا والله يكون ذا. ونقل عياض في ((المشارق)) عن إسماعيل القاضي أن المازنيّ قال: قول الرواة: ((لا ها اللَّه إذًا)) خطأ، والصواب: لا ها اللَّه ذا، أي يميني وقسمي. وقال أبو زيد: ليس في كلامهم لا ها اللَّه إذًا، وإنما هو لا ها اللَّه ذا، و((ذا)) صلة في الكلام، والمعنى لا والله، هذا ما أقسم به، ومنه أخذ الجوهريّ، قال: قولهم: لا ها اللَّه ذا، معناه لا والله هذا، ففرقوا بين حرف التنبيه والصلة، والتقدير لا والله ما فعلت ذا. وتوارد كثير ممن تكلّم على هذا الحديث أن الذي وقع في الخبر بلفظ ((إذا)) خطأٌ، وإنما هو ((ذا)) تبعًا لأهل العربيّة، ومن زعم أنه ورد في شيء من الريات بخلاف ذلك، فلم يصب، بل يكون ذلك من إصلاح بعض من قّد أهل العربية في ذلك. وقد اختلف في كتابة ((إذًا)» هذه، هل تُكتب بألف، أو بنون. وهذا الخلاف مبنيّ على أنها اسم، أو حرف، فمن قال: هي اسم، قال: الأصل فيمن قيل له: سأجيء إليك، فأجاب إذا أكرمك، أي إذا جئتني أكرمك، ثم حذف ((جئتني))، وعوّض عنها التنوين، وأُضمرت ((أن))، فعلى هذا يكتب بالنون. ومن قال: هي حرف -وهم الجمهور - اختلفوا، فمنهم من قال: هي بسيطةٌ، وهو الراجح، ومنهم من قال: مركّبةٌ من ((ذا))، و((إن))، فعلى الأول تكتب بألف، وهو الراجح، وبه وقع رسم المصاحف. وعلى الثاني تكتب بنون. واختلف في معناها، قال سيبويه: معناها الجواب والجزاء، وتبعه جماعةٌ، فقالوا: هي حرف جواب يقتضي التعليل. وأفاد أبو عليّ الفارسيّ أنها قد تتمخض للجواب، وأكثر ما تجيء جوابًا لـ ((لو((، و((إن))، ظاهرًا، أو مقدّرًا، فعلى هذا لو ثبتت الرواية بلفظ ((إِذًا)) لاختلّ نظم الكلام؛ لأنه يصير هكذا: لا، واللّه، إذًا لا يعمِد إلى أسد الخ، وكان حقّ السياق أن يقول: إذًا يعمد، أي لو أجابك إلى ما طلبتَ لعمد إلى أسد الخ. وقد ثبتت ٣٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ الرواية بلفظ: ((لا يعمد الخ))، فمن ثمّ ادّعى من اذعى أنها تغيير، ولكن قال ابن مالك: وقع في الرواية ((إذًا)) بألف وتنوين، وليس ببعيد. وقال أبو البقاء: هو بعيد، ولكن يمكن أن يوجّه بأن التقدير: لا والله لا يعطي إذًا، يعني، ويمكن لا يعمد الخ تأكيدًا للنفي المذكور، وموضّحًا للسبب فيه. وقال الطيبيّ: ثبت في الرواية ((لا ها اللَّه إذًا))، فحمله بعض النحويين على أنه من تغيير بعض الرواة؛ لأن العرب لا تستعمل لا ها الله بدون ((ذا))، وإن سلّم استعماله بدون ((ذا))، فليس هذا موضع ((إذا))؛ لأنها حرف جزاء، والكلام هنا على نقيضه، فإن مقتضى الجزاء أن لا يذكر ((لا)) في قوله: ((لا يعمد))، بل كان يقول: إذًا يعمد إلى أسد الخ ليصحّ جوابًا لطلب السلب، قال: والحديث صحيح، والمعنى صحيح، وهو كقوله لمن قال لك افعل كذا، فقلت له: والله إذًا لا أفعل، فالتقدير إذًا، والله لا يعمد إلى أسد الخ، قال: ويحتمل أن تكون ((إذًا)) زائدة، كما قال أبو البقاء: إنها زائدة في قوله الحماسيّ: إِذَا لَقَامَ بِتَصْرِي مَعْشَرٌ خُشُنٌ في جواب قوله: لَوْ كُنْتُ مِنْ مَازِنٍ لَمْ تُسْتَبَخْ إِيلِي قال: والعجب ممن يعتني بشرح الحديث، ويقدّم نقل بعض الأدباء على أئمّة الحديث، وجهابذته، ويُنسبون إليهم الخطأ والتصحيف، ولا أقول: إن جهابذة المحدّثين أعدل، وأتقن في النقل، إذ يقتضي المشاركة بينهم، بل أقول: لا يجوز العدول عنهم في النقل إلى غيرهم. وقد سبقه إلى تقرير ما وقع في الرواية، وردّ ما خالفها الإمام أبو العبّاس القرطبيّ في ((المفهم))، فنقل ما تقدّم عن أئمّة العربيّة، ثم قال: وقع في رواية العُذْريّ، والهوزنيّ في مسلم: ((لا ها اللَّه ذا)) بغير ألف ولا تنوين، وهو الذي جزم به من ذكرناه، قال: والذي يظهر لي أن الرواية المشهورة صوابٌ، وليست بخطأ، وذلك أن هذا الكلام وقع على جواب إحدى الكلمتين للأخرى، والهاء هي التي عوض بها عن واو القسم، وذلك لأن العرب تقول في القسم: ((آاللَّه لأفعلنّ)) بمدّ الهمزة، وبقصرها، فكأنهم عوضوا عن الهمزة («ها»، فقالوا: ((ها اللَّه))؛ لتقارب مخرجيهما، وكذلك قالوا بالمدّ والقصر، وتحقيقه أن الذي مدّ مع الهاء كأنه نطق بهمزتين، أَبدل من إحداهما ألفًا؛ استثقالا لاجتماعهما، كما تقول: آالله، والذي قصر كأنه نطق بهمزة واحدة، كما تقول: اللَّه. وأما ((إذا))، فهي بلا شكّ حرف جواب وتعليل، وهي مثل التي وقعت في قوله وَّ، وقد سئل عن بيع الرطب بالتمر، فقال: ((أينقص الرُّطَب إذا جفّ؟))، قالوا: نعم، قال: ٣٥ ٣١- (بَبُ خِيَارِ الأمَّةِ تُعْتَقُ، ... - حديث رقم ٣٤٧٨ ((فلا إذن))، فلو قال: فلا واللَّه إذًا، لكان مساويًا لما وقع هنا، وهو قوله: ((لا ها اللّه إذًا)) من كلّ وجه، لكنه لم يحتج هناك إلى القسم، فتركه. قال: فقد وضح تقرير الكلام، ومناسبته، واستقامته معنىً، ووضعًا، من غير حاجة إلى تكلّف بعيد، يخرج عن البلاغة، ولا سيّما من ارتكب أبعد، وأفسد، فجعل ((ها)) للتنبيه، و((ذا)) للإشارة، وفصل بينهما بالمقسم به. قال: وليس هذا قياسًا، فيطّرد، ولا فصيحًا، فيحمل عليه الكلام النبويّ، ولا مرويًّا برواية ثابتة. قال: وما وُجد للعذريّ، وغيره، فإصلاح من اغترّ بما حكي عن أهل العربيّة، والحقّ أحقّ أن يتّبع. وقال بعض من أدركناه، وهو أبو جعفر الغرناطيّ، نزيل حَلَب في حاشية نسخته من البخاريّ: استرسل جماعة من القدماء في هذا الإشكال إلى أن جعلوا المخلص منه أن اتهموا الأثبات بالتصحيف، فقالوا: والصواب: ((لا ها اللَّه ذا)) باسم الإشارة، قال: ويا عجبًا من قوم يقبلون التشكيك على الروايات الثابتة، ويطلبون لها تأويلاً. وجوابهم أن ((ها اللَّه)) لا يستلزم اسم الإشارة، كما قال ابن مالك، وأما جعل ((لا يعمِد)» جواب ((فَأَرْضِهِ))، فهو سبب الغلط، وليس بصحيح ممن زعمه، وإنما هو جواب شرط مقدّر، يدلّ عليه ((صدق، فأرضه))، فكأن أبا بكر قال: إذا صدق في أنه صاحب السلب إذًا لا يعمد إلى السلب، فيُعطيك حقّه، فالجزاء على هذا صحيحٌ؛ لأن صدقه سببُ أن لا يفعل ذلك. قال: وهذا واضحٌ، لا تكلّف فيه انتهى. قال الحافظ: وهو توجيه حسنٌ، والذي قبله أقعد. ويؤيّد ما رجّحه من الاعتماد على ما ثبتت به الرواية كثرة وقوع هذه الجملة من الأحادیث : (منها): ما وقع في حديث عائشة رضي اللَّه تعالى عنها في قصة بريرة لَمّا ذكرت أن أهلها يشترطون الولاء قالت: فانتهرتها، فقلت: ((لا ها اللَّه إذًا)). (ومنها): ما وقع في قصّة جُليبيب -بالجيم، والموحدتين، مصغّرًا -: ((أن النبيّ وَل خطب عليه امرأة من الأنصار إلى أبيها، فقال: حتّى أستأمر أمّها، قال: نعم إذًا، قال: فذهب إلى امرأته، فذكر لها، فقالت: لا ها اللَّه إذًا، وقد منعناها فلانًا)) الحديث، صحّحه ابن حبّان من حديث أنس. (ومنها): ما أخرجه أحمد في ((الزهد)) قال: ((قال مالك بن دينار للحسن، يا أبا سعيد لو لبست مثل عباءتي هذه، قال: لا ها اللَّه إذًا ألبس مثل عباءتك هذه))، وفي (تهذيب الكمال)) في ترجمة ابن أبي عتيق: ((أنه دخل على عائشة في مرضها، فقال: كيف أصبحت جعلني الله فداك؟ قالت: أصبحت ذاهبة، قال: فلا إذًا، وكان فيه دُعابة)). ووقع في كثير من الأحاديث في سياق الإثبات بقسم، وبغير قسم، فمن ذلك ٣٦ = شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلاقِ في قصّة جُلّيبيب. (ومنها): حديث عائشة في قصّة صفيّة لَمّا قال ◌َله: ((أحابستنا هي؟ وقال: إنها طافت بعد ما أفاضت، فقال: فلتنفر إذًا)). (ومنها): حديث عمرو بن العاص وغيره في سؤاله عن أحبّ الناس ((فقال: عائشة، فقال: لم أعن النساء؟، قال: فأبوها إذًا)). (ومنها): حديث ابن عبّاس في قصّة الأعرابيّ الذي أصابته الحمّى، فقال: ((بل حمّى تفور، على شيخ كبير، تُزيره القبور، قال: فنعم إذًا)). (ومنها): ما أخرجه الفاكهيّ من طريق سفيان قال: ((لقيت ليطة بن الفرزدق، فقلت: أسمعت هذا الحديث من أبيك؟ قال: أي ها اللَّه إذًا، سمعت أبي يقوله))، فذكر القصّة. (ومنها): ما أخرجه عبد الرزّاق، عن ابن جُريج، قال: ((قلت لعطاء: أرأيت لو أني فرغت من صلاتي، فلم أرض كمالها، أفلا أعود لها؟ قال: بلى ها اللَّه إذًا)). قال الحافظ: والذي يظهر من تقدير الكلام بعد أن تقرّر أن ((إذًا)) حرف جواب وجزاء أنه كأنه قال: إذًا والله أقول لك: نعم، وكذا في النفي كأنه أجابه بقوله: إذًا والله لا نعطيك، إذًا واللَّه لا أشترط، إذًا والله لا ألبس، وأخر حرف الجواب في الأمثلة كلّها. وقد قال ابن جريج في قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ اُلْمُلْكِ فَإِذَا لَّا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًّا﴾: فلا يؤتون الناس إذًا، وجعل ذلك جوابًا عن عدم النصيب بها، مع أن الفعل مستقبل. وذكر أبو موسى المدينيّ في ((المغيث)) له في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا لَا يَلْبَثُونَ خِلَفَكَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ إذا قيل: هو اسم بمعنى الحروف الناصبة، وقيل: أصله إذًا الذي هو من ظروف الزمان، وإنما نوّن للفرق، ومعناه حينئذ: أي إن أخرجوك من مكّة، فحينئذ لا يلبثون خلفك إلا قليلًا. وإذا تقرّر ذلك أمكن حمل ما ورد من هذه الأحاديث عليه، فيكون التقدير: لا والله حينئذ، ثم أراد بيان السبب في ذلك، فقال: لا يعمد الخ. والله أعلم. قال الحافظ رحمه الله تعالى: وإنما أطلت في هذا الموضع لأنني منذ طلبت الحديث، ووقفت على كلام الخطّابيّ وقعت عندي نفرةٌ للإقدام على تخطئة الروايات الثابتة، خصوصًا ما في ((الصحيحين))، فما زلت أتطلّب الْمَخْلَصَ من ذلك إلى أن ظفرت بما ذكرته، فرأيت إثباته كلّه هنا. انتهى كلام الحافظ رحمه اللّه تعالى(١)، وهو بحث نفيس جدًّا. والله تعالى أعلم بالصواب. (إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْوَلَاءُ لِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِّ: ((مَا هَذَا؟))) وفي رواية: ((فسمع بذلك رسول اللّه وَلهر، فسألني، فأخبرته)). وفي رواية مالك، عن هشام: ((فجاءت من عندهم، ورسول اللَّه وَّل جالسٌ، فقال: إني عرضتُ عليهم، فأبوا، فسمع النبيّ وَّ)). (١) ((فتح)) ٣٥٦/٨-٣٥٩ ((كتاب المغازي)). ٣١- (بَأَبُ خِيَارِ الأمَّةِ تُعْتْقُ، ... - حديث رقم ٣٤٧٨ ٣٧ === وفي رواية: ((فسمع بذلك النبيّ وَّر، أو بلغه))، زاد في رواية: ((فقال: ما شأن بريرة؟)). وفي رواية عند مسلم، وابن خزيمة: ((فجاءتني بريرة، والنبيّ وَّ جالسٌ، فقالت لي فيما بيني وبينها: ما أراد أهلها، فقلت: لا ها اللَّه إذًا، ورفعت صوتي، وانتهرتها، فسمع ذلك النبيّ وَّر، فسألني، فأخبرته))، لفظ ابن خزيمة. قاله في ((الفتح)) (فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ بَرِيرَةَ أَتَتْنِي، تَسْتِعِينُ بِي عَلَى كِتَابَتِهَا، فَقُلْتُ: لَا، إِلَّا أَنْ يَشَاءُوا أَنْ أَعُدَّهَا لَهُمْ عَدَّةً وَاحِدَةٌ، وَيَكُونُ الْوَلَاءُ لِي، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِأَهْلِهَا، فَأَبَوْا عَلَيْهَا، إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْوَلَّاءُ لَهُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ بِ لّهِ: ((ابْتَاعِيهَا) وفي رواية: ((خذيها، فأعتقيها)). وفي رواية: ((ابتاعي، فأعتقي))، وفي حديث ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما: ((لا يمنعك ذلك)) (وَاشْتَرِطِي لَهُمُ الْوَلَاءَ) قال ابن عبد البرّ، وغيره: كذا رواه أصحاب هشام، عن عروة، وأصحاب مالك، عن هشام، واستُشكل صدور الإذن منه وَّر في البيع على شرط فاسدٍ، واختلف العلماء في ذلك: فمنهم من أنكر الشرط في الحديث، فروى الخطّابيّ في ((المعالم)) بسنده إلى يحيى بن أكثم أنه أنكر ذلك. وعن الشافعيّ في ((الأمّ)) الإشارة إلى تضعيف رواية هشام المصرّحة بالاشتراط؛ لكونه انفرد بها، دون أصحاب أبيه، وروايات غيره قابلة للتأويل. وأشار غيره إلى أنه رَوَى بالمعنى الذي وقع له، وليس كما ظنّ. وأثبت آخرون، وقالوا: هشام ثقةٌ حافظً، والحديث متّفقٌ على صحّته، فلا وجه لردّه. ثمّ اختلفوا في توجيهها: فزعم الطحاويّ أن المزنيّ حدّث به عن الشافعيّ بلفظ ((وأشرطي)) بهمزة قطع، بغير تاء مثناة، ثمّ وجّهه بأنّ معناه: أظهري لهم حكم الولاء، والإشراط الإظهار، قال أوس بن حجر: فَأَشْرَطَ فِيهَا نَفْسَهُ وَهُوَ مُعْصِمٌ(١) أي أظهر نفسه انتهى. وأنكر غيره الرواية. والذي في ((مختصر المزنيّ))، و((الأمّ))، وغيرهما عن الشافعيّ كرواية الجمهور: ((واشترطي)) بصيغة أمر المؤنّث من الشرط، ثمّ حكى الطحاويّ أيضًا تأويل الرواية التي بلفظ ((اشترطيٍ))، وأن اللام في قوله: ((اشترطي لهم» بمعنى ((على))، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَسَأْمُ فَلَهَا﴾، وهذا المشهور عن المزنيّ، وجزم به الخطابيّ، وهو صحيحٌ عن الشافعيّ، أسنده البيهقيّ في ((المعرفة)) من طريق أبي حاتم الرازيّ، عن حرملة، عنه. وحكى الخطابيّ، عن ابن خزيمة أن قول يحيى بن أكثم غلط، والتأويل المنقول عن المزنيّ لا يصحّ. وقال النوويّ: تأويل اللام بمعنى ((على)) هنا ضعيف؛ لأنه وَلّر أنكر الاشتراط، ولو (١) صدر بيت من ((الطويل))، وعجزه: وَأَلْقَى بِأَسْبَابٍ لَهُ وَتَوَكَّلَا راجع ((لسان العرب في مادة ((شرط)). = ٣٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ كانت بمعنى ((على)) لم يُنكره. فإن قيل: ما أنكر إلا إرادة الاشتراط في أوّل الأمر. فالجواب أن سياق الحديث يأبى ذلك. وضعفه أيضًا ابن دقيق العيد، وقال: اللام لا تدلّ بوضعها على الاختصاص النافع، بل على مطلق الاختصاص، فلا بُدّ في حملها على ذلك من قرينة. وقال آخرون: الأمر في قوله: ((واشترطي))، للإباحة، وهو على وجه التنبيه على أن ذلك لا ينفعهم، فوجوده وعدمه سواء، وكأنه يقول: اشترطي، أو لا تشترطي، فذلك لا يُفيدهم. ويقوّي هذا التأويل قوله في رواية أيمن عند البخاريّ: ((اشتريها، ودعيهم يشترطون ما شاؤوا)). وقيل: كان النبيُّ وَلَّ أَعلمَ الناسَ بأن اشتراط البائع الولاء باطلٌ، واشتهر ذلك بحيث لا يخفى على أهل بريرة، فلما أرادوا أن يشترطوا ما تقدّم لهم العلمُ ببطلانه أطلق الأمر، مُريدًا به التهديد على مآل الحال، كقوله تعالى: ﴿وَقُّلِ أَعْمَلُواْ فَسَيَرَ اللَّهُ عَلَكُمْ﴾، وكقول موسى: ﴿أَلْقُواْ مَآ أَنْتُم مُّلْقُونَ﴾، أي فليس ذلك بنافعكم، وكأنّه يقول: اشترطي لهم، فسيعلمون أن ذلك لا ينفعهم. ويؤيّده قوله حين خطبهم: ((ما بال أقوام یشترطون شروطاُ الخ)، فوبخھم بهذا القول، مشيرًا إلى أنه قد تقدّم منه بيان حكم اللَّه بإبطاله، إذ لو لم يتقدّم بيان ذلك، لبدأ ببيان الحكم في الخطبة، لا بتوبيخ الفاعل؛ لأنه كان يكون باقيًا على البراءة الأصليّة. وقيل: الأمر فيه بمعنى الوعيد الذي ظاهره الأمر، وباطنه النهي، كقوله تعالى: ﴿أَعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ﴾، وقال الشافعيّ في ((الأمّ)): لما كان من اشترط خلاف ما قضى اللَّه ورسوله عاصيًا، وكانت في المعاصي حدودٌ، وآدابٌ، وكان من أدب العاصين أن يُعطل عليهم شروطهم ليرتدعوا عن ذلك، ويرتدع به غيرهم، كان ذلك من أيسر الأدب. وقال غيره: معنى ((اشترطي)): اتركي مخالفتهم فيما اشترطوه، ولا تُظهري نزاعهم فيما دعوا إليه، مراعاة لتنجيز العتق؛ لتشوّف الشارع إليه، وقد يعبّر عن الترك بالفعل، كقوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَآرِّينَ بِهِ، مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ أي نتركهم يفعلون ذلك، وليس المراد بالإذن إباحة الإضرار بالسحر. قال ابن دقيق العيد: وهذا وإن كان محتملًا، إلا أنه خارجٌ عن الحقيقة من غير دلالة على المجاز من حيث السياق. وقال النوويّ: أقوى الأجوبة أن هذا الحكم خاصّ بعائشة في هذه القضيّة، وأن سببه المبالغة في الرجوع عن هذا الشرط؛ لمخالفته حكم الشارع، وهو كفسخ الحجّ إلى العمرة، كان خاصًّا بتلك الحجّة، مبالغةً في إزالة ما كانوا عليه من منع العمرة في أشهر الحجّ. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الذي قوّاه النوويّ ضعيفٌ عندي؛ إذ خطبته وَّلـ المذكورة في الحديث تردّ هذه الدعوى، حيث عممت بإبطال كلّ شروطٍ منافية لحكم ٣٩ ٣١- (بَأَبُ خِيَارِ الأمَّةِ تُعْتَقُ، ... - حديث رقم ٣٤٧٨ الشارع. وقد تعقّبه ابن دقيق العيد بأن التخصيص لا يثبت إلا بدليل، ولأن الشافعيّ نصّ على خلاف هذه المقالة. ثمّ إن ما ذكره في فسخ الحجّ ضعيفٌ أيضًا، إذ الحقّ أن فسخ الحجّ إلى العمرة ليس خاصًّا بتلك الحجّة، بل عامّ إلى يوم القيامة، وقد تقدّم تحقيق هذه المسألة بأدلّتها في (كتاب الحجّ))، فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم. قال: ويُستفاد منه ارتكاب أخفّ المفسدتين، إذا استلزم إزالة أشدّهما. وتُعُقّب بأنه استدلالٌ بمختلف فيه على مختلف فيه. وقال ابن الجوزيّ: ليس في الحديث أن اشتراط الولاء والعتق كان مقارنًا للعقد، فيُحمل على أنه كان سابقًا للعقد، فيكون الأمر بقوله: ((اشترطي)) مجرّد الوعد، ولا يجب الوفاء به. وتُعُقّب باستبعاد أنه ◌ِّ يأمر شخصًا أن يعد مع علمه بأنه لا يفي بذلك الوعد. وأغرب ابن حزم، فقال: كان الحكم ثابتًا بجواز اشتراط الولاء لغير المعتق، فوقع الأمر باشتراطه في الوقت الذي كان جائزًا فيه، ثم نُسخ ذلك الحكم بخطبته ◌َێ ، وبقوله: ((إنما الولاء لمن أعتق))، ولا يخفى بعد ما قال، وسياق طرق الحديث يدفع في وجه هذا الجواب. والله المستعان. وقال الخطّابيّ: وجه هذا الحديث أن الولاء لَمّا كان كلُخمة النسب، والإنسان إذا وُلد له ولدٌ ثبت له نسبه، ولا ينتقل نسبه عنه، ولو نُسب إلى غيره، فكذلك إذا أعتَقَ عبدًا ثبت له ولاؤه، ولو أراد نقل ولائه عنه، أو أذن في نقله عنه لم ينتقل، فلم يعبأ باشتراطهم الولاء، وقيل: ((اشترطي))، و((دعيهم يتشترطون ما شاؤوا))، ونحو ذلك؛ لأن ذلك غير قادح في العقد، بل هو بمنزلة اللغو من الكلام، وأَخّر إعلامهم بذلك؛ ليكون ردّه، وإبطالَّه قولًا شهيرًا، يُخطب به على المنبر ظاهرًا، إذ هو أبلغ في النكير، وأوكد في التعبير انتهى. وهو يؤول إلى أن الأمر فيه بمعنى الإباحة، كما تقدّم. قاله في (١) ((الفتح))(١). (فَإِنَّ الْوَلَاءَ لِمَنْ أَعْتَقَ)) ) وفي رواية: ((إنما الولاء لمن أعتق)). ويستفاد منها أن كلمة ((إنما)) للحصر، وهو إثبات الحكم للمذكور، ونفيه عما عداه، ولولا ذلك لما لزم من إثبات الولاء للمعتق نفيه عن غيره. واستُدلّ بمفهومه على أنه لا ولاء لمن أسلم على يديه رجل، أو وقع بينه وبينه محالفةٌ؛ خلافًا للحنفية. ولا للملتقط، خلافًا لإسحاق. ويستفاد من منطوقه إثبات الولاء لمن أعتق سائبة، خلافًا لمن قال: يصير ولاؤه (١) ٥٠٢/٥-٥٠٣. ((كتاب المكاتب)). ٤٠ === شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ للمسلمين، ويدخل فيمن أعتق عتقُ المسلم للمسلم، وللكافر، وبالعكس ثبوت الولاء للمعتق. قاله في ((الفتح))(١). وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: قوله: ((إنما الولاء لمن أعتق)) هذا حصرٌ للولاء على من باشر العتق بنفسه، من كان من رجلٍ، أو امرأة، من يصحّ منه العتق، ويستقلّ بتنفيذه، وقوّة هذا الكلام قوّة النفي والإيجاب، فكأنه قال: لا ولاء إلا لمن أعتق، وإياه عنى النبيّ وَ له بقوله: ((شرط اللّه أوثق)) في أصحّ الأقوال، وأحسنها. وقال الداوديّ: هو قوله تعالى: ﴿فَإِخْوَتُكُمْ فِ الدِّينِ وَمَوَِّيَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥]، وقال: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِىّ أَنْعَمَ اَللّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٣٧]، وقال: ﴿وَلَا تَأْكُلُواْ أَمْوَلَكُمْ بَيْنَكُمْ بِلْبَطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨]، وقال: ﴿وَمَآ ءَانَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧]. وهو حجة على أبي حنيفة، وأصحابه القائلين بأن من أسلم على يديه رجلٌ، فولاؤه له، وبه قال الليث، وربيعة. وعلى إسحاق في حكمه بثبوت الولاء بالالتقاط. وعلى أبي حنيفة في حكمه بثبوت الولاء بالموالاة. ولمن قال: إن من أعتق عبده عن غيره، أو عن المسلمين إن ولاءه له، أعني للمعتق. وإليه ذهب ابن نافع فيمن أعتق عن المسلمين. ويلزمه فيمن أعتق عن غيره مطلقًا. وخالفه في ذلك مالك، والجمهور، متمسّكين بأن مقصود الحديث بيان حكم من أعتق عن نفسه، بدليل اتفاق المسلمين على أن الوكيل على العتق مُعتقٌ، ومع ذلك فالولاء للمعتق عنه إجماعًا، فكذلك حكم من أعتق عن الغير. وتُقدّره الشافعيّة أنه ملكه ثمّ ناب عنه في العتق. وأما المالكية، فإنهم قالوا: لا يحتاج إلى تقدير ذلك؛ لأنه يصحّ العتق عن الميت، وهو لا يملك. وفيه نظر، فإنه إن لم يقدّر الملك لزم منه هبة الولاء، وقد نهى النبيّ وَّر عن بيع الولاء، وعن هبته. وإن قدّر الملك لم يصحّ العتق عن الميت؛ لأنه لا يملك. انتهى المقصود من كلام القرطبيّ(٢). (ثُمَّ قَامَ) وَّرَ (فَخَطَبَ النَّاسَ، فَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: ((مَا بَالُ أَقْوَامِ) وفي رواية: ((أما بعد، فمال أقوام ... )) أي ما حالهم؟ (يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا، لَيْسَتْ فِيّ كِتَابٍ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ) المراد بما ليس في كتاب اللَّه: ما خالف كتاب اللَّه. وقال ابن بطّالَ: المراد بكتاب الله هنا حكمه، من كتابه عز وجل، أو سنّة رسوله وَّة، أو إجماع الأمّة. وقال ابن خزيمة: ليس في كتاب الله: أي ليس في حكم اللَّه جوازه، أو وجوبه، لا أن كلّ من شرط شرطًا لم ينطق به الكتاب يبطل؛ لأنه قد يشترط في البيع الكفيل، فلا (١) (فتح)) ٥٠٣/٥. ((كتاب العتق)). (٢) ((المفهم)) ٣٢٨٣٢٩/٤. ((كتاب العتق)).