Indexed OCR Text
Pages 361-380
٢٢- (بَابُ مَنْ طَلَّقَّ فِي نَفْسِهِ) - حديث رقم ٣٤٦٠ ٣٦١ = أشعرها قلبه، وحرص عليها)»، وحيث ذكر الهمّ بالسيئة لم يقيّد بشيء، بل قال فيه: ((ومن همّ بسيّئة لم تُكتب عليه))، والمقام مقام الفضل، فلا يليق التحجير فيه. وذهب كثير من العلماء إلى المؤاخذة بالعزم المصمّم، وسأل ابن المبارك سفيان الثوريّ: أيؤاخذ العبد بما يهمّ به؟ قال: إذا جزم بذلك. واستدلّ كثير منهم بقوله تعالى: ﴿وَلَكِن يُؤَاخِذُكُمْ بِّ كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾، وحملوا حديث أبي هريرة المذكور في الباب على الخطرات، كما تقدّم. ثم افترق هؤلاء، فقالت طائفةٌ: يُعاقب عليه صاحبه في الدنيا خاصّةً، بنحو الهمّ والغّ. وقالت طائفة: بل يُعاقب عليه يوم القيامة، لكن بالعتاب، لا بالعذاب. وهذا قول ابن جُريج، والربيع بن أنس، وطائفة، ونُسب ذلك إلى ابن عبّاس أيضًا. واستدلّوا بحديث النجوى(١)، واستثنى جماعة ممن ذهب إلى عدم مؤاخذة من وقع منه الهمّ بالمعصية ما يقع في الحرم المكيّ، ولو لم يُصمّم؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ ◌ِإِلْحَادٍ يُظْلٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ذكره السدّيّ في ((تفسيره)) عن مرّة، عن ابن مسعود رَبّ. وأخرجه أحمد من طريقه، مرفوعًا. ومنهم من رجّحه موقوفًا. ويؤيّد ذلك أن الحرم يجب اعتقاد تعظيمه، فمن همّ بالمعصية فيه، خالف الواجب بانتهاك حرمته. وتُعُقّب هذا البحثُ بأن تعظيم اللَّه آكد من تعظيم الحرم، ومع ذلك فمن همّ بمعصيته لا يؤاخذه، فکیف یؤاخذه بما دونه؟. ويمكن أن يُجاب عن هذا بأن انتهاك حرمة الحرم بالمعصية تستلزم انتهاك حرمة اللَّه؛ لأن تعظيم الحرم من تعظيم الله، فصارت المعصية في الحرم أشدّ من المعصية في غيره، وإن اشترك الجميع في ترك تعظيم الله تعالى. نعم من همّ بالمعصية، قاصدًا الاستخفاف بالحرم عصى، ومن همّ بمعصية الله، قاصدًا الاستخفاف باللّه كفر، وإنما المعفوّ عنه من همّ بمعصية، ذاهلاً عن قصد الاستخفاف. قال الحافظ رحمه اللّه تعالى: وهذا تفصيلٌ جيدٌ جدًّا، ينبغي أن يُستحضر عند شرح حديث: ((لا يزني الزاني، وهو مؤمن ... )). = ومن أنفق نفقة في سبيل الله، كانت له بسبع مائة ضعف)). وعمّ الركين اسمه يُسير بن عميلة، وهو ثقة. (١) هو ما أخرجه البخاريّ رحمه الله تعالى في ((كتاب الأدب)) من ((صحيحه))، ولفظه: ٦٠٧٠- حدثنا مسدد حدثنا أبو عوانة، عن قتادة، عن صفوان بن محرز، أن رجلا سأل ابن عمر، كيف سمعت رسول اللَّه ◌َله، يقول في النجوى؟ قال: ((يدنو أحدكم من ربه، حتى يضع كنفه عليه، فيقول: عملتَ كذا وكذا؟، فيقول: نعم، ويقول: عملت كذا وكذا؟، فيقول: نعم، فَيُقَرِّره، ثم يقول: إني سترت عليك في الدنيا، فأنا أغفرها لك اليوم)). ٣٦٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ وقال السبكيّ الكبير رحمه الله تعالى: الهاجس لا يؤاخذ به إجماعًا، والخاطر، وهو جريان ذلك الهاجس، وحديث النفس لا يؤاخذ بهما؛ للحديث المشار إليه، والهمّ، وهو قصد فعل المعصية مع التردّد لا يؤاخذ به؛ لحديث الباب، والعزم، وهو قوّة ذلك القصد، أو الجزم به، ورفع التردّد، قال المحقّقون: يؤاخذ به، وقال بعضهم: لا، واحتجّ بقول أهل اللغة: همّ بالشيء: عزم عليه، وهذا لا يكفي، قال: ومن أدلّة الأول حديث: ((إذا التقى المسلمان بسيفيهما ... )) وفيه: ((إنه كان حريصًا على قتل صاحبه))، فعّل بالحرص. واحتجّ بعضهم بأعمال القلوب، ولا حجة معه؛ لأنها على قسمين: [أحدهما]: لا يتعلّق بفعل خارجيّ، وليس البحث فيه. [والثاني]: يتعلّق بالمقتتلين، عزم كلّ منهما على قتل صاحبه، واقترن بعزمه فعل بعض ما عزم عليه، وهو شهر السلاح، وإشارته به إلى الآخر، فهذا الفعل يؤاخذ به، سواء حصل القتل، أم لا انتهى. قال الحافظ: ولا يلزم من قوله: ((فالقاتل والمقتول في النار)) أن يكونا في درجة واحدة من العذاب بالاتفاق. (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا التفصيل الذي ذكره السبكيّ رحمه الله تعالى هو خلاصة ما تقدّم من أقوال المحقّقين، وهو تفصيلٌ حسنٌ جدًّا، وبه تجتمع الأدلّة المختلفة في هذا الباب. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٤٦١- (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ إِذْرِيسَ، عَنْ مِسْعَرٍ، عَنْ قَتَادَةً، عَنْ زُرَارَةَ بْنٍ أَوْفَى، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بِّهِ: ((إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، تَجَاوَزَ لِأَمَّتِي، مَا وَسْوَسَتْ بِهِ، وَحَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا، مَا لَمْ تَعْمَلْ، أَوْ تَتَكَلَّمْ(٢) بِهِ))). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، و((عبيد الله ابن سعيد)»: هو المذكور قبل باب، و((ابن إدريس)): هو عبد الله الأوديّ الكوفيّ. و((مِسْعَر)): هو ابن كدام الهلاليّ الكوفيّ. و((زُرارة بن أوفى)): هو العامريّ الْحَرَشيّ، أبو حاجب البصريّ، الثقة العابد، قاضي البصرة، مات وهو ساجد، سنة (٩٣) [٣] ٩١٧/٢٧ . وقوله: ((عن أبي هريرة)) قال الحافظ: لم أقف على التصريح بسماع زُرارة لهذا الحديث من أبي هريرة، لكنه لم يوصف بالتدليس، فيُحمل على السماع. وذكر الإسماعيليّ أن الفرات بن خالد أدخل بين زُرارة، وبين أبي هريرة في هذا الإسناد رجلاً (١) (فتح)) ١٢٤/١٣-١٢٧. (٢) وفي نسخة: ((أو تكلّم)). ٢٣- (الطَّلَاقُ بالإشارة المفهومةِ) - حديث رقم ٣٤٦٣ ٣٦٣ = من بني عامر، وهو خطأ، فإن زاررة من بني عامر، فكأنه كان فيه ((عن زرارة، رجلٍ من بني عامر، فظتّه آخر أُبهم، وليس كذلك انتهى(١). والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق شرحه، وبيان ما يتعلّق به من المسائل في الحديث الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل . ٣٤٦٢- (أَخْبَرَنِي مُوسَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ الْجُعْفِيُّ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ شَيْبَانَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَِّيِّ نَّهِ، قَالَ: ((إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي، عَمَّا حَدَّثَثَ بِهِ أَنْفُسَهَا، مَا لَمْ تَكَلَّمْ، أَوْ تَعْمَلْ بِهِ)) ). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، ((موسى بن عبد الرحمن)) الكنديّ المسروقيّ، أبي عيسى الكوفيّ، فقد تفرّد به هو والترمذيّ، وابن ماجه، وهو ثقة، من كبار [١١] ٩١/٧٤. و((حسين الجعفيّ)): هو ابن عليّ المقرىء الكوفيّ العابد. و((زائدة)): هو ابن قُدامة. و((شيبان)): هو ابن عبد الرحمن النحويّ. والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق تمام البحث فيه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه إنیب)). ٢٣- (الطَّلَاقُ بِالإِشَارَةِ الْمَفْهُومَةِ) ٣٤٦٣- (أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعِ، قَالَ: حَدَّثَنَا بَهُزْ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسِ، قَالَ: كَانَ لِرَسُولِ اللّهِ وَِّهِ جَارٌ فَارِسِيٍّ، طَيِّبُ الْمَرَقَةِ، فَتَى رَسُولَ اللَّهِ وَلِهِ ذَاتَ يَوْمٍ، وَعِنْدَهُ عَائِشَةُ، فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ بِيَدِهِ أَنْ تَعَالَ، وَأَوْمَأَ رَسُولُ اللَّهِ وَ﴿ إِلَى عَائِشَةَ، أَيْ وَهَذِهِ، فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ الْآخَرُ هَكَذَا بِيَدِهِ، أَنْ لَا، مَرَّتَيْنٍ، أَوْ ثَلَاثًا). رجال هذا الإسناد : خمسة : ١- (أبو بكر بن نافع) هو محمد بن أحمد بن نافع العبديّ البصريّ، ثقة، من صغار [١٠] ٢٧ /٨١٣ . (١) ((فتح)) ٤٠٤/١٣ (كتاب الأيمان والنذور)). ٣٦٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ ٢- (بهز) بن أسد الْعَمّيّ، أبو الأسود البصريّ، ثقة ثبت [٩] ٢٨/٢٤. ٣- (حمّاد بن سلمة) بن دينار، أبو سلمة البصريّ، ثقة عابد، أثبت الناس في ثابت، وتغيّر حفظه بآخره، من كبار [٨] ٢٨٨/١٨١. ٤- (ثابت) بن أسلم الْبُنَانيّ، أبو محمد البصريّ، ثقة عابد [٤] ٥٣/٤٥. ٥- (أنس) بن مالك الصحابيّ الخادم الشهير رضي الله تعالى عنه ٦/٦. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين. (ومنها): أن فيه حماد بن سلمة أثبت الناس في ثابت، وثابت ألزم الناس لأنس رَ لزمه أربعين سنة. (ومنها): أن أنسًا وَّيه من المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا، وهو آخر الصحابة موتًا بالبصرة، مات سنة (٩٢) أو (٣٩)، وهو من المعمرين، فقد جَاوَزَ عُمْرُهُ مائة سنة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَنَسٍ) رضي اللَّه تعالى عنه، أنه (قَالَ: كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ إِِّهِ جَارٌ فَارِسِيٍّ) أي منسوب إلى فارس البلد المعروف. قال ابن منظور: وفارس: بلد ذو جِيل، والنسب إليه فارسيّ، والجمع فُرْس، قال ابن مُقْبِل: طَاقَتْ بِهِ الْفُرْسُ حَتَّى بَدَّ نَاهِضُهَا (١) (طَيْبُ الْمَرَقَةِ) من إضافة الصفة المشبهة إلى مرفوعها. قال ابن منظور: الْمَرَقُ: الذي يُؤْتَدَم به: معروفٌ، واحدته مَرَقَةٌ، والمرَقَّةُ أخصُّ منه. وقال السنديّ: قوله: (طيّب المرقة)) أي أصلَحَهَا، وطَبَخَها جيّدًا، أو هو صيغة الصفة انتهى. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ما قاله السندي يقتضي أن ((طَيِّبَ)) فعل ماضٍ، فاعله ضمير الفارسيّ، و((المرقةً)) مفعوله، وهذا إن صحّت الرواية به، وإلا فما قدّمته أقرب، وأشبه. وفي رواية مسلم من طريق يزيد بن هارون، عن حماد بن سلمة: ((أن جارًا لرسول اللّه ◌َ﴾﴿ فارسيًّا، كان طَيِّبَ المرق، فصنع لرسول اللّه وَّر، ثم جاء يدعوه ... )) (فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ بِّهَ ذَاتَ يَوْمٍ) يومًا من الأيّام، فـ ((ذات)) مقحمة (وَعِنْدَهُ عَائِشَةُ) جملةٌ في محلّ نصب على الحال (فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ بِيَدِهِ) أي أشار ذلك الفارسيّ (أَنْ تَعَالَ) ((أن)) (١) ((لسان العرب)) ٦/ ١٦٣. = ٢٣- (الطَّلاَقُ بِالإِشَارَةِ المَفْهُومةِ) - حديث رقم ٣٤٦٣ ٣٦٥ مصدريّة، أي بأن تعال، وقال السنديّ: ((أن)) تفسيريّة، يريد أن يدعوه إلى المرقة (وَأَوْمَاً رَسُولُ اللَّهِ ◌ِ﴿ إِلَى عَائِشَةَ، أَيْ وَهَذِهِ) أي ادعني وهذه، وإلا لا أقبل دعوتك، ولعلّ الوقت ما كان يُساعد الانفراد بذلك، فكره انفراده عنها بذلك، فعلّق قبول الدّعوة بالاجتماع، فإن رضيَ الداعي بذلك دعاهما، وإلا تركهما، ومقصود المصنف رحمه الله تعالى أن الإشارة المفهومة تُستعمل في المقاصد، والطلاقُ من جملتها، فيصحّ استعمالها فيه. قاله السنديّ(١). (فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ الْآخَرُ) يعني الفارسيّ (هَكَذَا بِيَدِهِ، أَنْ لَا) ((أن)) مخفّفةٌ من الثيقلة، ومدخول ((لا)) أي أنها لا تأتي معك (مَرَّتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثًا) أي قال هذا القول مرّتين، أو ثلاث مرّات. وفي رواية مسلم المذكورة: ((فقال: وهذه، لعائشة، فقال: لا، فقال رسول اللَّه وَ له: ((لا))، فعاد يدعوه، فقال رسول اللَّه وَله: ((وهذه))، قال: لا، قال رسول اللَّه وَل: ((لا))، ثم عاد يدعوه، فقال رسول اللَّه وَله : ((وهذه))، قال: نعم في الثالثة، فقاما يتدافعان، حتى أتيا منزله)). قال النوويّ رحمه الله تعالى: قوله: ((فقاما يتدافعان)) معناه: يمشي كلّ واحد منهما في إثر صاحبه. قالوا: ولعلّ الفارسيّ إنما لم يدع عائشة رضي اللَّه تعالى عنها أوّلًا لكون الطعام كان قليلاً، فأراد توفيره على رسول اللَّه وَلّر. انتهى كلام النوويّ(٢). وقال أبو العبّاس القرطبيّ رحمه اللّه تعالى: وامتناع الفارسيّ من الإذن لعائشة رضي اللّه تعالى عنها أولى ما قيل فيه: أنه إنما كان صنع من الطعام ما يكفي النبيّ ◌ُلّر وحده؛ للذي رأى عليه من الجوع، فكأنه رأى أن مشاركة النبيّ وَّر في ذلك يُجحف بالنبيّ وَله. وامتناع النبيّ وَّر من إجابة الفارسيّ عند امتناعه من إذن عائشة إنما كان -والله أعلم- لأن عائشة كان بها من الجوع مثل الذي كان بالنبيّ وَّر، فكره النبيّ وَلّل أن يستأثر عليها بالأكل دونها، وهذا تقتضيه مكارم الأخلاق، وخصوصًا مع أهل بيت الرجل، ولذلك قال بعض الشعراء(٣): وَشِبْعُ الْفَتَى لُؤْمٌ إِذَا جَاعَ صَاحِبُهْ وقد نبّه مالكٌ رحمه الله تعالى على هذا المعنى حين سُئل عن الرجل يدعو الرجل يُكرمه؟ قال: إذا أراد فليبعث بذلك إليه يأكله مع أهله انتهى كلام القرطبيّ(٤). والله (١) ((شرح السندي» ١٥٨/٦. (٢) (شرح مسلم)) ٢١٠/١٣. (٣) هو بشر بن المغيرة بن المهلّب بن أبيٍ صُفْرة، وهو عجز بيتٍ من الطويل، وصدره: وَكُلَّهُمُ قَدْ نَالَ شِبْعًا لِيَطْنِهِ (٤) ((المفهم)) ٣٠٤/٥. ((كتاب الأطعمة)). ٣٦٦ = شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أنس رضي اللّه تعالى عنه هذا أخرجه مسلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٣٤٦٣/٢٣ - وفي ((الكبرى)) ٥٦٢٩/٢٤. وأخرجه (م) في ((الأشربة)) ٢٠٢٢٧ (أحمد) في ((باقي مسند المكثرين)) ١٣٤٥٧ (الدارمي) في ((الأطعمة)) ٢٠٦٧. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان وقوع الطلاق بالإشارة المفهومة، ووجه الاستدلال بالحديث أن الإشارة المفهومة تستعمل في المقاصد؛ لأن الفارسيّ دعا النبيّ وَّيهر للطعام بالإشارة، ففهمها وَله، وبنى على ذلك، أن طلب منه الإذن لعائشة رضي اللّه تعالى عنها، وراجعه في ذلك حتى أذن لها، فمضيا إلى بيته بناء على ذلك، فدلّ على أن الإشارة تقوم مقام العبارة إذا كانت مفهومة. (ومنها): جواز أكل المرق، والطيّبات، قال اللَّه تعالى: ﴿قُلّ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَِّ اَلَِّىّ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ، وَأَلَطَّيِّبَتِ مِنَ الرِّزْقِّ﴾ الآية. (ومنها): أن في امتناع النبيّ وَّر من إجابة دعوة الفارسيّ، إلا أن يأذن لعائشة دليلٌ على أنه لا تجب إجابة الدعوة في مثل ذلك؛ فيكون من مسقطات وجوب إجابة الدعوة. قال النووي رحمه الله تعالى: ما معناه: هذا محمول على أنه كان هناك عذرٌ يمنع وجوب إجابة الدعوة، فكان النبيّ ◌َّټ مخيّرًا بین إجابته، وتركها، فاختار أحد الجائزين، وهو تركها، إلا أن يأذن لعائشة رضي اللَّه تعالى عنها؛ لما كان بها من الجوع، أو نحوه، فكره وَ ل﴿ل الاختصاص بالطعام دونها، وهذا من جميل المعاشرة، وحقوق المصاحبة، وآداب المجالسة، فلما أذن لها اختار النبيّ وَلير الجائز الآخر؛ لتجدّد المصلحة، وهو حصول ما كان يريده، من إكرام جليسه، وإيفاء حقّ معاشره، ومواساته فيما يحصل. انتهى كلام النوويّ(١). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: عندي في قوله: ((على أنه كان هناك عذر يمنع الخ)) نظر، إذ الظاهر من سياق الحديث أن المانع من الإجابة هو عدم سماح الفارسيّ لعائشة رضي اللّه تعالى عنها في مصاحبته ويهر في أكل الطعام، لا أمر آخر، فيُستفاد منه أن (١) (شرح مسلم)) ٢٠٨/١٣-٢٠٩. ٣٦٧ ٢٣- (الطَّلَاقُ بِالإشارةِ المُفْهُومةِ) - حديث رقم ٣٤٦٣ المدعوّ إذا كانت زوجته، أو من عليه نفقته محتاجين إلى الطعام، فله أن يمتنع من الإجابة، إلا أن يؤذن لهم، فيكون هذا عذرًا من الأعذار التي تسقط وجوب إجابة الدعوة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في مذاهب العلماء في الإشارة بالطلاق: قال العلامة ابن قدامة رحمه الله تعالى: من لا يقدر على الكلام، كالأخرس إذا طلّق بالإشارة، طُلّقت زوجته، وبهذا قال مالكٌ، والشافعيّ، وأصحاب الرأي، ولا نعلم عن غيرهم خلافهم؛ وذلك لأنه لا طريق له إلى الطلاق إلا بالإشارة، فقامت إشارته مقام الكلام من غيره فيه، كالنكاح. فأما القادر، فلا يصحّ طلاقه بالإشارة، كما لا يصحّ (١) نکاحه بها انتھی(١). وقال الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى في ((صحيحه)): ((باب الإشارة في الطلاق، والأمور))، ثم أرود عدة أحاديث معلّقةً، وموصولةً، استدلالًا على ما ترجم به. فقال ابن بطّال: ذهب الجمهور إلى أن الإشارة إذا كانت مفهمةً تتنزّل منزلة النطق، وخالف الحنفيّة في بعض ذلك، ولعلّ البخاريّ رد عليهم بهذه الأحاديث التي جعل فيها النبيّ وَيقر الإشارة قائمة مقام النطق، وإذا جازت الإشارة في أحكام مختلفة في الديانة، فهي لمن لا يمكنه النطق أجوز. وقال ابن المنير: أراد البخاريّ أن الإشارة بالطلاق وغيره من الأخرس وغيره التي يُفهم منها الأصل، والعدد نافذٌ كاللفظ انتهى. وقال الحافظ: وقد اختلف العلماء في الإشارة المفهمة، فأما في حقوق الله، فقالوا: يكفي ولو من القادر على النطق، وأما في حقوق الآدميين، كالعقود، والإقرار، والوصيّة، ونحو ذلك، فاختلف العلماء فيمن اعتُقل لسانه، ثالثها عن أبي حنيفة: إن كان مأيوسًا من نطقه، وعن بعض الحنابلة: إن اتّصل بالموت، ورجّحه الطحاويّ. وعن الأوزاعيّ: إن سبقه كلام. ونُقل عن مكحول: إن قال: فلان حرّ، ثم أُصمت، فقيل له: وفلان؟ فأومأ صحّ. وأما القادر على النطق، فلا تقوم إشارته مقام نطقه عند الأكثرين، واختُلف هل يقوم مقام النيّة، كما لو طلق امرأته، فقيل له: كم طلّقتَ؟ فأشار بإصبعه. انتهى (٢) قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: عندي أن القول بوقوع الطلاق بالإشارة المفهمة مطلقًا، سواء كان من الأخرس، أو من القادر على النطق، هو الأصحّ، كما هو مذهب الإمام البخاريّ، والمصنّف، وبعض أهل العلم؛ لوضوح أدلّته، فقد ساق الإمام (١) ((المغني)) ٥٠٢/١٠ . (٢) ((فتح) ٥٤٩/١٠. ((كتاب الطلاق)). ٣٦٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ البخاريّ رحمه الله تعالى أحاديث كثيرةً اعتبر الشارع فيها الإشارة كالنطق، ودلالتها على ما قلنا واضحة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه إنیب)). ٢٤- (بَابُ الْكَلَامِ إِذَا قُصِدَ بِهِ فِيمَا يَحْتَمِلُ مَعْنَاهُ) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((باب)) مضاف إلى ((الكلام))، ويحتمل أن يكون منوّنًا، و((الكلام)) مرفوعٌ بالابتداء، وخبره جملة الشرط، وجوابه. وفي نسخة: ((لما يحتمل)) باللام بدل ((في)). وفي ((الكبرى)): ((لما يحتمله))، والظاهر أن الجارّ هنا زائد، و((ما)) في محلّ رفع نائب فاعل ((قُصد))، وجواب ((إذا)) محذوف؛ لدلالة المقام عليه، أي فهو على نيّة المتكلّم. وغرض المصنّف رحمه الله تعالى أن كنايات الطلاق يقع بها الطلاق، إذا نواه المتكلّم، وذلك كقوله: ((الحقي بأهلك))، كما سبق الكلام عليه، و((خليّة))، و((بريّة))، و ((بتّةٌ))، و((بتلةٌ))، ونحوها، ومحلّ الاستدلال من الحديث قوله بَّه: ((ولكلّ امرىء ما نوى))؛ لأنه عامّ يدخل فيه الطلاق، فإذا تكلّم بلفظ محتمل للطلاق، وأراده به وقع. وبمعنى ترجمة المصنّف ترجمة الإمام البخاريّ رحمهما الله تعالى في ((صحيحه))، حيث قال: ((بابٌ إذا قال: فارقتُك، أو سرّحتك، أو الخليّة، أو البريّة، أو عُني به الطلاق، فهو على نيّته، وقول الله عز وجل: ﴿وَسَرِجُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾، وقال: ﴿وَأُسَيِّعْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾، وقال تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيٌ بِإِحْسَانٍ﴾، وقال: ﴿أَ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾، وقالت عائشة رضي اللّه تعالى عنها: قد علم النبيّ وَّ أنَّ أبويّ لم يكونا يأمراني بفراقه)). قال في ((الفتح)) : هكذا بت المصنّف الحكم في هذه المسألة، فاقتضى أن لا صريح عنده إلا لفظ الطلاق، أو ما تصرّف منه، وهو قول الشافعيّ في القديم، ونصّ في الجديد على أن الصريح لفظ الطلاق، والفراق، والسراح؛ لورود ذلك في القرآن بمعنى الطلاق. وحجة القديم أنه ورد في القرآن لفظ الفراق والسراح لغير الطلاق، بخلاف ٢٤ - (بِأَبُ الكَلَامِ إِذاَ قُصِدَ بِهِ فِيمَا ... - حديث رقم ٣٤٦٤ ٣٦٩ الطلاق، فإنه لم يرد إلا للطلاق. وقد رجّح جماعة القديم، كالطبريّ في ((العدّة))، والمحامليّ، وغيرهما، وهو قول الحنفيّة، واختاره القاضي عبد الوهاب من المالكية، وحكى الدارميّ عن ابن خير أن من لم يعرف إلا الطلاق، فهو صريحٌ في حقّه فقط، وهو تفصيلٌ قويّ، ونحوه للرويانيّ، فإنه قال: لو قال عربيّ: فارقتك، ولم يعرف أنها صريحة لا يكون صريحًا في حقّه. واتفقوا على أن لفظ الطلاق، وما تصرّف منه صريح، لكن أخرج أبو عبيد في ((غريب الحديث)) من طريق عبد الله بن شهاب الخولانيّ، عن عمر ◌َّه، أنه رُفع إليه رجلٌ قالت له امرأته: شبّهني، فقال: كأنّك ظبيةٌ، قالت: لا، قال: كأنك حمامةٌ، قالت: لا أرضى حتى تقول: أنت خليّةٌ طالقٌ، فقالها، فقال له عمر: خذ بيدها، فهي امرأتك. قال أبو عبيد: قوله: ((خليّةٌ طالقٌ))، أي ناقةٌ كانت معقولةً، ثم أطلقت من عقالها، وخُلَي عنها، فتُسمّى خليّةً؛ لأنها خُلّيت عن العقال، وطالقٌ لأنها طلّقت منه، فأراد الرجل أنها تشبه الناقة، ولم يقصد الطلاق بمعنى الفراق أصلاً، فأسقط عنه عمرُ الطلاقَ. قال أبو عُبيد: وهذا أصلٌ لكلّ من تكلّم بشيء من ألفاظ الطلاق، ولم يرد الفراق، بل أراد غيره، فالقول قوله فيه فيما بينه وبين الله تعالی انتهى. وإلى هذا ذهب الجمهور، لكن المشکل من قصّة عمر کونه رُفع إلیه، وهو حاكم، فإن كان أجراه مجرى الفتيا، ولم يكن هناك حكم، فيوافق، وإلا فهو من النوادر. وقد نقل الخطّابيّ الإجماع على خلافه، لكن أثبت غيره الخلاف، وعزاه لداود، وفي البويطيّ ما يقتضيه. وحكاه الرويانيّ، ولكن أوله الجمهور، وشرطوا قصد لفظ الطلاق لمعنى الطلاق ليخرج العجميّ مثلًا، إذا لقّن كلمة الطلاق، فقالها، وهو لا يعرف معناها، أو العربيّ بالعكس، وشرطوا مع النطق بلفظ الطلاق تعمّد ذلك؛ احترازًا عما سبق به اللسان، والاختيار؛ ليخرج المكره، لكن إن أكره فقالها مع القصد إلى الطلاق وقع في الأصحّ انتهى ما في ((الفتح))(١). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ما ذهب إليه الجمهور من أن من تكلم بألفاظ الطلاق، من غير إرادة الفراق، بل لمعنى آخر لا يلزمه الطلاق هو الحقّ، كما في قصّة عمر رَّه؛ لحديث النية المذكور في الباب. والله تعالى أعلم بالصواب. ٣٤٦٤- (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةٌ عَلَيْهِ، وَأَنَّا أَسْمَعُ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي (١) ((فتح)) ١٠/ ٤٦٤-٤٦٥. ((كتاب الطلاق)). ٣٧٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ مَالِكٌ، عَنْ يَخْتِى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنٍ وَقَّاصٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، رَضِي اللَّهُ عَنْه، وَفِي حَدِيثِ الْحَارِثِ، أَنَّهُ سَمِعَ عُمَّرَ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ: (إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّئَةِ، وَإِنَّمَا لِمْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا، أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ» ). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذا الحديث متفقٌ عليه، وقد تقدّم للمصنّف رحمه الله تعالى سندًا ومتنا في ((الطهارة)) - ٦٠/ ٧٥ - ((باب النّة في الوضوء)) وتقدم شرحه هناك مستوفّى، وذكرت فيه ثمانيةً وأربعين مسألةً، وأذكر هنا ما ترجم له المصنّف، وهو بیان کنایات الطلاق، فأقول: (مسألة): في اختلاف أهل العلم في حكم كنايات الطلاق: قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: إذا قال لها: أنت خليّةٌ، أو أنت بريّةٌ، أو أنت بائنٌ، أو حبلُكِ على غاربكِ، أو الحقي بأهلكِ، فهو عندي ثلاثٌ، ولكنّي أكره أن أُفتي به، سواء دخل بها، أو لم يدخل. قال ابن قدامة: أكثر الروايات عن أبي عبد الله كراهية الفُتْيا في هذه الكنايات، مع ميله إلى أنها ثلاث. وحكى أبو موسى في ((الإرشاد)) عنه روايتين: إحداهما أنها ثلاث. والثانية: يُرجع إلى ما نواه، اختارها أبو الخطّاب، وهو مذهب الشافعيّ، قال: يُرجع إلى ما نواه، فإن لم ينو شيئًا وقعت واحدةً، ونحوه قول النخعيّ، إلا أنه قال: تقع طلقةٌ بائنةٌ؛ لأن لفظه يقتضي البينونة، ولا يقتضي عددًا. وروى حنبلٌ عن أحمد ما يدلّ على هذا. وقال الثوريّ، وأصحاب الرأي: إن نوى ثلاثًا، فثلاثٌ، وإن نوى اثنتين، أو واحدة وقعت واحدةً، ولا يقع اثنتان. ثم قال ابن قدامة: ووجه أنها ثلاثٌ أنه قول أصحاب رسول اللّه وَّل، فروي عن عليّ، وابن عمر، وزيد بن ثابت أنها ثلاث. قال أحمد في الخليّة، والبريّة، والبثّة: قول عليّ، وابن عمر قول صحيح ثلاثًا. وقال عليّ، والحسن، والزهريّ في البائن: إنها ثلاث. وروى النجّاد بإسناده، عن نافع: أن رجلًا جاء إلى عاصم، وابن الزبير، فقال: إن ◌ِئري هذا طلّق امرأته البتّة قبل أن يدخل بها، فهل تجدان رخصةً؟ فقالا: لا، ولكنّا تركنا ابن عبّاس، وأبا هريرة عند عائشة، فسلهم، ثم ارجع إلينا، فأخبرنا، فسألهم، فقال أبو هريرة: لا تحلّ له حتى تنكح زوجا غيره. وقال ابن عبّاس: هي ثلاث. وذكر عن عائشة متابعتهما. وروى النجّاد بإسناده أن عمر تَظّه جعل البتّة واحدة، ثم جعلها بعدُ ثلاث تطليقات. وهذه أقوال علماء الصحابة، ولم يُعرف لهم ٢٥- (بَابُ الإِبَانَةِ، وَالإِفْصَاح ... - حديث رقم ٣٤٦٥ ٣٧١ مخالفٌ في عصرهم، فكان إجماعًا. انتهى كلام ابن قدامة باختصار(١). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: عندي أن ما ذهب إليه الشافعيّ رحمه الله تعالى من أنه يُرجع إلى نيّته هو الأرجح؛ كما هو ظاهر مذهب المصنّف رحمه اللّه تعالى؛ لحديث الباب. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [تنبيه]: قال ابن قدامة رحمه اللّه تعالى: الطلاق الواقع بالكنايات رجعيّ، ما لم يقع الثلاث في ظاهر المذهب، وهو قول الشافعيّ. وقال أبو حنيفة: كلها بوائن، إلا اعتدّي، واستبرئي رحمك، وأنت واحدةٌ؛ لأنها تقتضي البينونة، فتقع البينونة، كقوله: أنت طالق ثلاثًا. ولنا أنه طلاقٌ صادف مدخولًا بها، من غير عِوَضٍ، ولا استيفاء عدد، فوجب أن يكون رجعيًّا، كصريح الطلاق، وما سلّموه من الكنايات، وقولهم: إنها تقتضي البينونة، قلنا: فينبغي أن تبين بثلاث؛ لأن المدخول بها لا تبين إلا بثلاث، أو عوض انتهى(٢). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: القول بأنّ الطلاق الواقع بألفاظ الكنايات رجعي هو الأرجح عندي؛ لوضوح متمسكه كما أوضحه ابن قدامة ◌َخّْتُهُ في كلامه السابق. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه إنيب)). ٢٥ - (بَابُ الإِبَانَةِ، وَالإِقْصَاحِ بِالْكَلِمَةِ الْمَلْفُوظِ بِهَا، إِذَا قُصِدَ بِهَا لِمَا لَا يَحْتَمِلُ مَعْنَاهَا، لَمْ تُوجِبْ شَيْئًا، وَلَمْ تُثْبِتْ حُكْمًا) قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قوله: ((باب)) مضاف إلى ما بعده، أو منوّنٌ، وما بعده مبتدأ، خبره جملة الشرط والجواب. واللام في قوله: ((لما لا يحتمل الخ)) زائدة، و((ما)) نائب فاعل ((قُصد)). و((يُثبت)) بضمّ أوله، وكسر ثالثه، من الإثبات. وغرض المصنّف رحمه الله تعالى أنّ الألفاظ التي لا تحتمل الطلاق، كقوله: اقعدي، (١) («المغني)) ٣٦٣/١٠-٣٦٥. (٢) ((المغني)) ٣٧٠/١٠. ٣٧٢ = شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ وقومي، وكلي، واشربي، ونحو ذلك، لا يقع بها الطلاق، وإن نواه المتكلّم؛ لحديث الباب، وسيأتي وجه الاستدلال به، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب. ٣٤٦٥- (أَخْبَرَنَا عِمْرَانُ بْنُ بَكَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَيَّاشٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي شُعَيْبٌ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الزَّنَادِ، مِمَّا حَدَّثَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجُ، مِمَّا ذَكَرَ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ، قَالَ: قَالَ: ((انْظُرُوا كَيْفَ يَصْرِفُ اللَّهُ عَنِّي شَتْمَ قُرَيْشٍ، وَلَعْتَهُمْ، إِنَّهِمْ يَشْتِمُونَ مُذَمِّمًا، وَيَلْعَنُونَ مُذَمَّمًا، وَأَنَا مُحَمَّدٌ)) ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١- (عمران بن بكّار) بن راشد الكلاعيّ الْبَرّاد الحمصيّ المؤذّن، ثقة [١١] ١٧/ ١٥٤١ من أفراد المصنّف. ٢- (عليّ بن عيّاش) الأَلَّهَانيّ الحمصيّ، ثقة ثبت [٩] ١٨٢/١٢٣. ٣- (شعيب) بن أبي حمزة دينار الأمويّ مولاهم، أبو بِشْر الحمصيّ، ثقة عابد، قال ابن معين: أثبت الناس في الزهريّ [٧] ٦٩ /٨٥. ٤- (أبو الزناد) عبد الله بن ذكوان القرشيّ، أبو عبد الرحمن المدنيّ، ثقة فقيه [٥] ٧/ ٧ . ٥- (عبد الرحمن) بن هُرْمُز الأعرج، مولى ربيعة بن الحارث، أبو داود المدنيّ، ثقة ثبت فقيه [٣] ٧/ ٧ . ٦- (أبو هريرة) رضي اللّه تعالى عنه١/١ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، كما مرّ آنفًا. (ومنها): أن النصف الأول منه حمصیّون، والباقون مدنيّون. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ: أبو الزناد، عن الأعرج، (ومنها): أن عبد الله بن ذكوان ممن اشتهر بلقب بصورة الكنية، فإن أبا الزناد لقبه، وكنيته أبو عبد الرحمن، كما سبق آنفًا، وفيه أبو هريرة تَّه أحفظ من روى الحديث في دهره. والله تعالى أعلم. شرح الحديث عن شعيب بن أبي حمزة، أنه (قال: حَدَّثَنِي أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان (مِمَّا حَدَّثَهُ) أي من جملة الحديث الذي حدّثه به (عَبْدُ الرَّحْمَنِ) بن هُزْمُزَ (الْأَعْرَجُ، مِمَّا ذَكَرَ) بالبناء للفاعل، أي من الحديث الذي ذكر عبد الرحمن (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، يُحَدِّثُ) به (عَنْ ٢٥- (بَأَبُ الإِبَنَةِ، وَالإِفْصَاح ... - حديث رقم ٣٤٦٥ ٣٧٣ رَسُولِ اللَّهِ لِ، قَالَ) أي أبو هريرة رَّهِ (قَالَ) أي رسول اللَّهُ وَِّ (انْظُرُوا كَيْفَ يَضْرِفُ اللَّهُ عَنِي) وفي رواية البخاريّ من طريق سفيان بن عيينة، عن أبي الزناد: ((ألا تعجبون، كيف يصرف اللَّه عنّي ... وفي رواية البخاريّ في ((التاريخ)) من طريق عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه: ((يا عباد الله انظروا ... )). وله من طريق محمد بن عجلان، عن أبيه، عن أبي هريرة بلفظ: ((أَلَمْ تروا كيف ... )) والباقي سواء (شَتْمَ قُرَيْشٍ، وَلَغْتَهُمْ) المراد به كُفَّارهم، حيث يصفونه بذلك، فكانت العوراء، زوجة أبي لهب لعنهم الله تعالى جميعًا تقول: مُذَمَّمًا قَلَيْنَا وَدِينَهُ أَبَيْنَا وَأَمْرَهُ عَصَيْئًا قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قلت أنا ردًا على كلامها البذيّ الوقح: مُحَمَّدًا أَحْبَبْنَا وَدِينَهُ أَعْلَيْنَا وَأَمْرَهُ أَمْضَيْئًا (إِنَّهُمْ يَشْتِمُونَ مُذَمَّمًا) بدل محمد (وَيَلْعَنُونَ مُذَمَّمًا) قال في ((الفتح)): كان الكفّار من قريش من شدّة كراهتهم في النبيّ وَّهِ، لا يسمّونه باسمه الدّالّ على المدح، فَيَعدِلون إلى ضدّه، فيقولون: مُذَمَّم، وإذا ذكرهوه بسوء قالوا: فعل اللَّه بمذمّم، ومذمّم ليسٍ هو اسمه، ولا يُعرف به، فكان الذي يقع منهم في ذلك مصروفًا إلى غيره انتهى(١) (وَأَنَا مُحَمَّد) وَ﴿ أي أنا محمد اسمًا ووصفًا، فلا يمكن اسم المذَمَّم لي، ولا إطلاقه عليّ، وإرادتي به بوجه من الوجوه، فلا يعود الشتم واللعن إليّ أصلًا، بل رجع إليهم؛ لأنهم يصدُقُ عليهم مسمّى هذا الاسم وصفًا. وظهر بهذا أن اللفظ إذا قُصد به معنىّ، لا يحتمله، لا يَثبت له الحكم المسوق له الكلام، وهذا هو غرض المصنّف بترجمته، واستدلاله عليها بهذا الحديث واضح، لا لبس فيه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه هذا أخرجه البخاريّ. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٣٤٦٥/٢٥ - وفي ((الكبرى)) ٥٦٣١/٢٦. وأخرجه (خ) في ((المناقب)) ٣٥٣٣ (أحمد) في ((باقي مسند المكثرين)) ٧٢٨٧ و٨٦٠٧. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (١) ((فتح)) ٧/ ٢٥٠ (كتاب المناقب)). ٣٧٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ (منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان حكم من تكلّم بكلام منافٍ لمعنى الطلاق، وقصد به الطلاق لا يقع، كمن قال لامرأته: كلي، وقصد به طلاقها لا تطلق؛ لأن الأكل لا يصلح أن يُفسّر به الطلاق بوجه من الوجوه، كما أن مذمّمًا لا يُمكن أن يفسّر بمحمد وَ له بوجه من الوجوه. وسيأتي مزيد بسط في ذلك في المسألة التالية، إن شاء اللّه تعالى. (ومنها): ما قاله ابن التين رحمه اللّه تعالى: استدلّ به من أسقط حدّ القذف بالتعريض، وهم الأكثرون؛ خلافًا لمالك. وأجاب بأنه لم يقع في الحديث أنه لا شيء عليهم في ذلك، بل الواقع أنهم عوقبوا على ذلك بالقتل وغيره انتهى. قال في ((الفتح)): والتحقيق أنه لا حجة في ذلك إثباتًا، ولا نفيًا انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): قال العلامة ابن قدامة رحمه اللّه تعالى: فأما ما لا يُشبه الطلاق، ولا يدلّ على الفراق، كقوله: اقعدي، وقومي، وكلي، واشربي، واقرُبي، وأطعميني، واسقيني، وبارك اللَّه عليك، وغفر الله لك، وما أحسنك، وأشباه ذلك، فليس بكناية، ولا تطلّق به، وإن نوى؛ لأن اللفظ لا يحتمل الطلاق، فلو وقع الطلاق به، لوقع بمجرّد النيّة، وقد ذكرنا أنه لا يقع بها، وبهذا قال أبو حنيفة، واختلف أصحاب الشافعيّ في قوله: كلي، واشربي، فقال بعضهم كقولنا، وقال بعضهم: هو كناية؛ لأنه يحتمل: كلي ألم الطلاق، واشربي كأس الفراق، فوقع به. انتهى كلام ابن قدامة باختصار(١). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: القول بعدم وقوع الطلاق بمثل هذه الكنايات هو الحقّ، كما استنبطه المصنف رحمه الله تعالى من حديث الباب. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أُنيب)). ٢٦- (بَابُ التَّوْقِيتِ فِي الْخِيَارِ) قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: الظاهر أن المصنّف رحمه الله تعالى أراد أن الخيار لا توقيت فيه، فإذا خيّرها تختار متى شاءت، فلا يتقيّد بالمجلس، وبهذا قال الحسن البصريّ، والزهريّ، وغيرهما، واختاره ابن المنذر؛ لقول النبيّ وَّ لعائشة رضي اللّه (١) ((المغني) ١٠/ ٣٧٠ ((كتاب الطلاق)). ٣٧٥ = ٢٦- (بَابُ التَّوْقِيتِ فِي الْخِيَارِ) - حديث رقم ٣٤٦٦ تعالى عنها: ((فلا عليك أن لا تعجلي حتى تستأمري أبويك»، فإنه مدّ لها الخيار إلى وقت استئذانها أبويها، ولم يقيّده بالمجلس، وسيأتي تحقيق اختلاف العلماء في ذلك في المسألة الثالثة، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب. ٣٤٦٦- (أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، وَمُوسَى بْنُ عُلَيٍّ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَّمَّةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ عَائِشَةَ، زَوْجَ النَّبِيِّ ◌ََّ، قَالَتْ: لَمَّا أُمِرَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ، بِتَخْبِيرِ أَزْوَاجِهِ، بَدَأَ بِي، فَقَالَ: إِنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْرًا، فَلَا عَلَيْكِ، أَنْ لَا تُعَجِّلِي، حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَئِكِ، قَالَتْ: قَدْ عَلِمَ أَنَّ أَبُوَّيَّ، لَمْ يَكُونَا لِيَأْمُرَانِي بِفِرَاقِهِ، قَالَتْ: ثُمَّ تَلَاهَذِهِ الْآيَةَ: ﴿يَيُّهَا النَِّىُّ قُل لِأَزْوَجِكَ إِن كُنَّ تُرِذْنَ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا﴾، إِلَى قَوْلِهِ: ﴿َجَمِيلًا﴾، فَقُلْتُ: أَفِي هَذَا أَسْتَأْمِرُ أَبَوَيَّ، فَإِنِّي أُرِيدُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، وَرَسُولَهُ، وَالدَّارَ الْآخِرَةَ، قَالَتْ عَائِشَةُ: ثُمَّ فَعَلَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ ◌ِ، مِثْلَ مَا فَعَلْتُ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ، حِينَ قَالَ لَهُنَّ رَسُولُ اللَّهِ وَ، وَاخْتَرْنَهُ طَلَاقًا، مِنْ أَجْلٍ أَثُنَّ اخْتَزْنَهُ). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وهو مسلسل بالمصريين إلى ابن شهاب، ومنه مدنيون، و((عُليّ)) والد موسى -بضم العين المهملة، بصيغة التصغير- وكان يَغضب منه، وبفتحها مكبّرًا. وقولها: ((بدأ بي)): قال النوويّ: إنما بدأ بها لفضيلتها. وقال وليّ الدين: وإن صحّ أنها السبب في نزول الآية، فلعلّ البداءة بها لذلك انتهى(١). وقولها: ((أن أبوَيَّ)» هكذا في النسخة الهنديّة، وهو الموافق للقواعد؛ لأن المثنى يُجرّ، ويُنصب، بالياء، فإذا أضيف إلى ياء المتكلّم تدغم ياؤه في ياء المتكلّم، ووقع في النسخ المطبوعة بلفظ ((أن أبواي)» بالألف، ويحتمل أن يكون له وجه صحيح، وهو أن يُخرّج على لغة من يُلزم المثنى الألف في الأحوال كلها. [فائدة]: ذكر ابن مالك رحمه الله تعالى قاعدة ما يُضاف إلى ياء المتكلم في ((الخلاصة))، فقال: لَمْ يَكُ مُغْثَلًا کَرَام وَقَذَی آخِرَ مَا أُضِيفَ لِلْيَا اكْسِزْ إِذَا جَميعُهَا الْيَا بَعْدُ فَتْحُهَا اخْتُذِي أَوْ يَكُ كَابْئَيْنٍ وَزَيْدِينَ فَذِي مَا قَبْلَ وَاوِ ضُمَّ فَاكْسِرْهُ يُنْ وَتُذْغَمُ الْيَا فِيهِ وَالْوَاوُ وَإِنْ عَنْ هُذَيْلِ انْقِلَابُهَا بَاءٌ حَسَنْ وَأَلِفَا سَلْمْ وَفِي الْمَقْصُورِ (١) ((طرح التثريب)) ١٠٣/٧. ٣٧٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ وقولها: ((من أجل أنّهنّ اخترنه)) قال السنديّ رحمه الله تعالى: يشير بذلك إلى أنهنّ لو لم يكنّ اخترنه كان ما قال طلاقًا، وهو خلاف ما يفيده ظاهر الآية، فإنه يُفيد أن الاختيار للدنيا ليس طلاقًا، وإنما إذا اخترن الدنيا، ينبغي له وَل ◌ّ أن يُطلّقهنّ، ولهذا قال أهل التحقيق: إن هذا الاختيار خارج عن محلّ النزاع، فلا يتمّ به الاستدلال على مسائل الاختيار، فليُتأمّل انتهى. وسيأتي تحقيق أقوال أهل العلم في المسألة قريبًا، إن شاء الله تعالی. قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذا الحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم في ((كتاب النكاح)) -٣٢٠٢/٢ - باب «ما افترض الله عز وجل على رسوله بَّلير، وحرّمه على خلقه؛ ليزيده إن شاء الله قربةً إليه))، وقد استوفيت شرحه وبيان المسائل المتعلّقة به هناك، وبقي هنا البحث المتعلّق بالتخيير، وفيه مسائل: (المسألة الأولى): ذهب جمهور أهل العلم من الصحابة، والتابعين، وفقهاء الأمصار على أن من خيّر امرأته، فاختارته، لا يقع عليه بذلك طلاق، واختلفوا فيما إذا اختارت نفسها، هل يقع طلقة واحدة رجعيّةً، أو بائنًا، أو يقع ثلاثًا؟. وحكى الترمذيّ عن عليّ رَّهِ: إن اختارت نفسها فواحدةٌ بائنةٌ، وإن اختارت زوجها فواحدةٌ رجعيّةٌ. وعن زيد ابن ثابت رَّ : إن اختارت نفسها فثلاثٌ، وإن اختارت زوجها فواحدة بائنة. وعن عمر، وابن مسعود رضي اللّه تعالى عنهما: إن اختارت نفسها فواحدةٌ بائنةٌ، وعنهما رجعيّةٌ، وإن اختارت زوجها فلا شيء. ويؤيّد قول الجمهور من حيث المعنى: أن التخيير ترديدٌ بين شيئين، فلو كان اختيارها لزوجها طلاقًا لاتّحدا، فدلّ على أن اختيارها لنفسها بمعنى الفراق، واختيارها لزوجها بمعنى البقاء في العصمة. وقد أخرج ابن أبي شيبة من طريق زاذان، قال: كنّا جلوسًا عند عليّ رَّهِ ، فسُئل عن الخيار؟ فقال: سألني عنه عمر؟ فقلت: إن اختارت نفسها فواحدةٌ بائنٌ، وإن اختارت زوجها فواحدةٌ رجعيّةٌ. قال: ليس كما قلت، إن اختارت زوجها فلا شيء، قال: فلم أجد بُدًّا من متابعته، فلما وليت رجعت إلى ما كنت أعرف. قال عليّ: وأرسل عمر إلى زيد بن ثابت، فقال ... فذكر مثل ما حكاه عنه الترمذيّ. وأخرج ابن أبي شيبة من طرق عن عليّ رَزّه نظير ما حكاه عنه زاذان من اختياره . وأخذ مالك بقول زيد بن ثابت، واحتجّ بعض أتباعه لكونها إذا اختارت نفسها تقع ثلاثًا بأن معنى الخيار بتّ أحد الأمرين، إما الأخذ، وإما الترك، فلو قلنا: إذا اختارت نفسها يكون طلقةً رجعيّة لم يعمل بمقتضى اللفظ؛ لأنها تكون بعدُ في أسر الزوج، ٢٦- (بَأَبُ التَّوْقِيتِ فِي الْخِيَارِ) - حديث رقم ٣٤٦٦ ٣٧٧= وتكون كمن خُيِّرَ فاختار غيرهما. وأخذ أبو حنيفة بقول عمر، وابن مسعود فيما إذا اختارت نفسها، فواحدةٌ بائنةٌ، ولا يرد عليه الإيراد السابق. وقال الشافعيّ: التخيير كناية، فإذا خيّر الزوج امرأته، وأراد بذلك تخييرها بين أن تطلّق منه، وبين أن تستمرّ في عصمته، فاختارت نفسها، وأرادت بذلك الطلاق طلّقت، فلو قالت: لم أرد باختيار نفسي الطلاق صُدّقت. قال الحافظ: ويؤخذ من هذا أنه لو وقع التصريح في التخيير بالتطليق أن الطلاق يقع جزمًا، نبّه على ذلك شيخنا الحافظ أبو الفضل العراقيّ في ((شرح الترمذيّ)). ونبّه صاحب ((الهداية)) من الحنفيّة على اشتراط ذكر النفس في التخيير، فلو قال مثلًا: اختاري، فقالت: اخترتُ لم يكن تخييرًا بين الطلاق وعدمه، وهو ظاهر، لكن محلّه الإطلاق، فلو قصد ذلك بهذا اللفظ ساغ. وقال صاحب ((الهداية)) أيضًا: إن قال: اختاري ينوي به الطلاق، فلها أن تطلّق نفسها، ويقع بائنًا، فلو لم ينو فهو باطلٌ. وكذا لو قال: اختاري، فقالت: اخترتُ، فلو نوى، فقالت: اخترت نفسي وقعت طلقةٌ رجعيّة. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: عندي الأرجح ما قاله عمر، وابن مسعود رضي الله تعالى عنهما، وهو أنها إن اختارت زوجها، فلا شيء، وإن اختارت نفسها فهي طلقة واحدة؛ لحديث عائشة رؤيتها المذكور في الباب وسيأتي وجه الاستدلال في المسالة التالية. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثانية): قال الخطّابيّ: يؤخذ من قول عائشة رضي اللّه تعالى عنها: ((فاخترناه، فلم يكن ذلك طلاقًا)) أنها لو اختارت نفسها لكان ذلك طلاقًا. ووافقه القرطبيّ في ((المفهم))، فقال: في الحديث أن المخيّرة إذا اختارت نفسها أن نفس ذلك الاختيار يكون طلاقًا من غير احتياج إلى نطق بلفظ يدلّ على الطلاق، قال: وهو مقتبسٌ من مفهوم قول عائشة المذكور. قال الحافظ: لكن ظاهر الآية أن ذلك بمجرّده لا يكون طلاقًا، بل لا بدّ من إنشاء الزوج الطلاق؛ لأن فيها: ﴿فَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِحْكُنَّ﴾ الآية، أي بعد الاختيار، ودلالة المنطوق مقدّمةٌ على دلالة المفهوم. انتهى (١). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: عندي أنه لا تخالف بين الدلالتين؛ إذ التسريح المراد به أن يخلي سبيلها، ولا يتعرض لها بعد اختيار نفسها؛ لكونه طلاقًا، لا أنه يحتاج إلى أن يطلقها، فلا يخالف مفهومُ حديث عائشة منطوق الآية. فَتَأَمَّلْ. والله تعالى أعلم (١) ((فتح) ١٠٤٦٢ -٤٦٤. ((كتاب الطلاق)). ٣٧٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثالثة): اختلفوا في التخيير، هل هو بمعنى التمليك، أو بمعنى التوكيل؟ وللشافعيّ فيه قولان: المصحّح عند أصحابه أنه تمليكٌ، وهو قول المالكيّة بشرط مبادرتها له حتى لو أخّرت بقدر ما ينقطع القبول عن الإيجاب في العقد، ثم طلّقت لم يقع. وفي وجه لا يضرّ التأخير ما داما في المجلس، وبه جزم ابن القاصّ، وهو الذي رجّحه المالكية، والحنفيّة، وهو قول الثوريّ، والليث، والأوزاعيّ. وقال ابن المنذر: الراجح أنه لا يتقيّد، ولا يشترط فيه الفور، بل متى طلّقت نفذ، وهو قول الحسن، والزهريّ، وبه قال أبو عبيد، ومحمد بن نصر، من الشافعيّة، والطحاويّ من الحنفيّة. وتمسّكوا بحديث الباب، حيث وقع فيه: ((إني ذاكرٌ لك أمرًا، فلا تعجلي حتى تستأمري أبويك ... )) الحديث، فإنه ظاهرٌ في أنه فسّح لها إذ أخبرها أن لا تختار شيئًا حتى تستأذن أبويها، ثم تفعل ما يشيران به عليها، وذلك يقتضي عدم اشتراط الفور في جواب التخيير . قال الحافظ: ويمكن أن يقال: يشترط الفور، أو ما داما في المجلس عند الإطلاق، فأما لو صرّح الزوج بالفسحة في تأخيره بسبب يقتضي ذلك، فيتراخى، وهذا الذي وقع في قصّة عائشة رضي اللّه تعالى عنها، ولا يلزم من ذلك أن يكون كلّ خيار كذلك. انتهى(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي ذكره الحافظ من الإمكان فيه نظر لا يخفى، بل الظاهر ما قاله الحسن، والزهريّ، وأبو عبيد، والطحاويّ، واختاره ابن المنذر رحمهم الله تعالى، من عدم التقييد في التخيير، كما هو ظاهر حديث الباب، فليُتأمّل. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٤٦٧- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿وَإِن كُتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ وَّهِ، بَدَأَ بِي، فَقَالَ: ((يَا عَائِشَةُ، إِنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْرًا، فَلَا عَلَيْكِ أَنْ لَا تُعَجِّلِي، حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبُوَئِكِ))، قَالَتْ: قَدْ عَلِمَ وَاللَّهِ، أَنَّ أَبُوَيَّ لَمْ يَكُونَا، لِيَأْمُرَانِي ◌ِفِرَاتِهِ، فَقَرَأَ عَلَيَّ: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ قُل لِأَزْوَِكَ إِن كُتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾، فَقُلْتُ: أَفِي هَذَا أَسْتَأْمِرُ أَبَوَيَّ؟ فَإِنِّي أُرِيدُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ. قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: هَذَا خَطَأْ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى بِالصَّوَابِ. وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير ((محمد بن (١) (فتح) ٤٦٣/١٠-٤٦٤. ((كتاب الطلاق)). ٢٧ - (بأَبّ فِي الْمُخيرة، خُثَارُ زَوْجَها) - حديث رقم ٣٤٦٨ ٣٧٩ ثور)) الصنعانيّ، فإنه من أفراده هو، وأبي داود، وهو ثقة عابد [٩] ٢٠٤٥/١٠٢ . وقوله: ((قال أبو عبد الرحمن الخ)» غرضه بهذا أن رواية معمر هذه عن الزهريّ، عن عروة، عن عائشة غير محفوظة، وإنما المحفوظ ما رواه غيره عن الزهريّ، عن أبي سلمة، عنها، كما هي الرواية السابقة. وعبارة «الكبرى» : وحديث يونس، وموسى بن عُليّ الذي قبله أولى بالصواب. وهذا الكلام نقله الحافظ المزّيّ في ((تحفة الأشراف)) -٨٧/١٢- قال: وقال النسائيّ: هذا خطأ، لا نعلم أحدًا من الرواة تابع معمرًا على هذه الرواية، فقد رواه موسى بن أعين، عن معمر، عن الزهريّ، عن أبي سلمة، عن عائشة، ومحمد بن ثور ثقةٌ انتھی . قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذا الذي قاله المصنف رحمه الله تعالى، من تفرّد معمر، فيه نظر، فقد تابعه عليه جعفر بن بُرقان، كما قال الحافظ في ((الفتح))، وعبارته : وتابع معمرًا على عروة جعفر بن برقان، ولعلّ الحديث كان عند الزهريّ عنهما جميعًا، فحدّث به تارة عن هذا، وتارةً عن هذا، وإلى هذا مال الترمذيّ انتهى (١). والحاصل أن الذي يظهر أن الطريقين محفوظتان، فيكون الحديث صحيحًا بالطريقين. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)). ٢٧ - (بَابٌ فِي الْمُخَيِّرَةِ، تُخْتَارُ زَوْجَھَا) قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: غرض المصنّف رحمه اللّه تعالى بهذا أن المرأة التي خيّرها زوجها بين البقاء معه، وبين مفارقته، إذا اختارت زوجها، لا يقع عليها شيء من الطلاق؛ لحديث الباب. قال الحافظ وليّ الدين رحمه الله تعالى: فيه أن من خيّر زوجته، فاختارته لم یکن ذلك طلاقًا، ولم تقع به فُرقةٌ، وقد صرّحت بذلك عائشة رضي الله تعالى عنها بقولها: (١) ((فتح)) ٤٧٨/٩ (كتاب التفسير)). = ٣٨٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ ((خيّرنا رسول اللَّه وَ له، فلم يعدّه طلاقًا)). وفي لفظ: ((فلم يكن طلاقًا)). وفي لفظ: ((فلم يعُدّه علينا شيئًا)). وفي لفظ: ((أفكان طلاقًا؟))، وكلّ هذه الألفاظ في الصحيح، من رواية مسروق عنها. وبه قال جمهور العلماء، من الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم، وهو مذهب الأئمّة الأربعة. وممن قال به عمر، وابن مسعود، وأبو الدرداء، وابن عبّاس، وغيرهم. ووراء ذلك قولان شاذّان: [أحدهما]: أنه يقع بذلك طلقةٌ رجعيّة، وهو محكيّ عن عليّ تَّه. [والثاني]: أنه تقع به طلقة بائنة. وهو محکيّ عن زيد بن ثابت انتهى كلام وليّ الدين باختصار(١). وقد تقدّم في الباب الماضي تمام البحث في هذه المسألة. والله تعالى أعلم بالصواب. ٣٤٦٨- (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْتِى -هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ - عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: ((خَيَّرَنَا رَسُولُ اللَّهِ بَِّ، فَاخْتَرْنَاهُ، فَهَلْ كَانَ طَلَاقًا))). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و((عمرو بن عليّ)): هو الفلّاس. و((يحيى بن سعيد)): هو القطّان. و((إسماعيل)): هو ابن أبي خالد. و((عامر)) : هو ابن شراحيل الشعبيّ. والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق تمام البحث فيه في الباب الماضي. والله تعالى أعلم بالصوابِ، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٤٦٩- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَاصِم، قَالَ: قَالَ الشَّعْبِيُّ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: ((قَدْ خَيَّرَ رَسُولُ اللَّهِ وَهـ نِسَاءَةٌ، فَلَمْ يَكُنْ طَلَاقًا)) ). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، و((خالد)): هو ابن الحارث. و((عاصم)): هو ابن سليمان الأحول. والسند مسلسلٌ بالبصريين إلى عاصم. والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق القول فيه قريبا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٤٧٠- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ صُدْرَانَ، عَنْ خَالِدِ بْنِ الْحَارِثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَشْعَثُ -وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ- عَنْ عَاصِم، عَنِ الشَّغْبِيِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، (١) ((طرح التثريب)) ١٠٣/٧-١٠٤.