Indexed OCR Text
Pages 221-240
٢٢١ ٤- (بَابُ الْغَيْرَةِ) - حديث رقم ٣٤٠٩ هشام: ((فتواطيت)) بالطاء، من التواطىء، وأصله ((تواطأت)) بالهمزة، فسَهّلت، فصارت ياءَ (أَنَّ أَيْتَنَا) - بفتح الهمزة، وتشديد الياء- هي أيٍّ دخلت عليها تاء التأنيث، وأضيفت إلى ضمير المتكلّم. وفي رواية: ((أيّتناما))، و((ما)) زائدة (دَخَلَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ ◌َّهِ، فَلْتَقُلْ: إِنِّي أَجِدُ مِنْكَ رِبِحَ مَغَافِيرَ، أَكَلْتَ مَغَافِيرَ؟) وفي رواية هشام بتقديم ((أكلت مغافير))، وتأخير ((إني لأجد))، و((أكلت)) استفهام بتقدير أداة الاستفهام. و((المغافير)) -بالغين المعجمة، والفاء، وبإثبات التحتانيّة، بعد الفاء، وكذا هو في جميع نسخ البخاريّ، ووقع في بعض النسخ عند مسلم في بعض المواضع من الحديث بحذفها، قال عياض: والصواب إثباتها؛ لأنها عِوَضٌ من الواو التي في المفرد، وإنما حُذفت في ضرورة الشعر انتهى. ومراده بالمفرد أن المغافير جمع مُغْفُور -بضمّ أوله- ويقال: بثاء مثلثة بدل الفاء، حكاه أبو حنيفة الدِّينوريّ في النبات. قال ابن قتيبة: ليس في الكلام ((مُفْعُولٌ)) -بضمّ أوله- إلا ((مُغَفُورٌ))، و((مُغزولٌ)) -بالغين المعجمة - من أسماء الكَمْأة، و((مُنْخُورٌ)) - بالخاء المعجمة- من أسماء الأنف، و((مُغْلُوقٌ)) -بالغين المعجمة- واحد المَغَاليق، قال: و((المُغْفُور)) صمغٌ حُلْوٌ، له رائحة كريهة. وذكر البخاريّ أن المُغفور شبيهٌ بالصمغ يكون في الرِّمْث -بكسر الراء، وسكون الميم، بعدها مثلّثةٌ- وهو من الشجر التي ترعاها الإبل، وهو من الحَمْض(١)، وفي الصمغ المذكور حلاوةٌ، يقال: أغفر الرِّمثُ: إذا ظهر ذلك فيه. وذكر أبو زيد الأنصاريّ أن الْمُغفورَ يكون أيضًا في الْعُشَر -بضمٌ المهملة، وفتح المعجمة- وفي الثُّمَام، والسَّلَم، والطّلْح، واختلف في ميم مغفور، فقيل: زائدة، وهو قول الفرّاء، وعند الجمهور أنها من أصل الكلمة، ويقال له أيضًا: مِغْفارٌ -بكسر أوّله- ومغفرٌ -بضمّ أوله، وبفتحه، وبكسره- عن الكسائيّ، والفاء مفتوحةٌ في الجميع. وقال عياضٌ: زعم المهلّب أن رائحة المغافير، والْعُرْفُط حسنةً، وهو خلاف ما يقتضيه الحديث، وخلاف ما قاله أهل اللغة انتهى. قال الحافظ: ولعلّ المهلّب قال: ((خبيثة)) -بمعجمة، ثم موحّدة، ثم تحتانيّة، ثم مثلثة-، فتصحّفت، أو استند إلى ما نُقل عن الخليل، وقد نسبه ابن بطّال إلى ((العين)) أن الْعُرْفُط شجر العضاه، والعِضَاه كلّ شجر له شوكٌ، وإذا استيك به كانت له رائحة حسنة، تشبه رائحة طيب النبيذ انتهى. وعلى هذا فيكون ريح عيدان العرفُط طيّبًا، وريح الصمغ الذي يسيل منه غير طيّبة، ولا منافاة في ذلك، ولا تصحيف. وقد حكى القرطبيّ في ((المفهم)) أن (١) ((الحَمْضُ)) -بفتح، فسكون -: من النبت ما كان فيه مُلُوحٌ. قاله في ((المصباح)). ٢٢٢ = شرح سنن النسائي - كِتَابُ عِشْرَةِ النِّسَاءِ رائحة ورق العرفط طيّبة،، فإذا رعته الإبل، خَبُثَت رائحته. وهذا طريق آخر في الجمع حسنٌ جدًّا. انتهى(١). (فَدَخَلَ عَلَى إِحْدَاهُمَا) قال الحافظ: لم أقف على تعيينها، وأظنها حفصة (فَقَالَتْ: ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: ((لا) نافية، ردّ لقولها، أي لم آكل مغافير (بَلْ شَرِبْتُ عَسَلًا) وفي رواية هشام: ((لا ولكنّي كنت أشرب عسلًا)) (عِنْدَ زَيْتَبَ بِنْتِ جَخْشٍ، وَلَنْ أَعُودَ لَهُ)) ) وفي رواية هشام: ((وقد حلفت لا تخبري بذلك أحدًا»، وبهذه الزيادة تظهر مناسبة قوله (فَزَّلَتْ: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ لِمَ تُحُمِعُ مَا أَعَلَّ اَللَّهُ لَكَّ﴾) قال عياضٌ: حُذفت هذه الزيادة من رواية حجاج بن محمد، فصار النظم مشكلًا، فزال الإشكال برواية هشام بن يوسف. واستدلّ القرطبيّ وغيره بقوله: ((حلفت)) على أن الكفّارة التي أُشير إليها في قوله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اَللَّهُ لَكُمْ تِلَّةَ أَيْمَنْكُمْ﴾ هي عن اليمين التي أشار إليها بقوله: ((حلفتُ))، فتكون الكفّارة لأجل اليمين، لا لمجرّد التحريم. قال الحافظ: وهو استدلالٌ قويّ لمن يقول: إن التحريم لغوٌ، لا كفّارة فيه بمجرّده. وحمل بعضهم قوله: ((حلفت)) علی التحریم، ولا يخفى بُعده. والله تعالى أعلم (﴿إِن نَنُوبَآ إِلَى اللَّهِ﴾) أي تلا إلى هذا الموضع (لِعَائِشَةَ وَحَفْصَةَ) أي الخطاب لهما، قال في ((الفتح)): ووقع في رواية غير أبي ذرّ: ((فنزلت: ﴿وَأَيُّهَا النَّبِىُّ لِمَ تُحُرِّمُ مَا أَمَلَّ اَللَّهُ لَكٌ﴾ - إلى قوله: ﴿إِن نَنُوبَآ إِلَى اَللَّهِ﴾، وهذا أوضح من رواية أبي ذرّ انتهى (﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَِّىُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَجِهِ، حَدِيثًا﴾، لِقَوْلِهِ: (بَلْ شَرِبْتُ عَسَلًا) هذا من تمام الحديث، والمراد به أن هذه الآية نزلت لأجل قوله وَلقوله: ((بل شربتُ عسلًا))، والنكتة فيه أن هذه الآية داخلة في الآيات الماضية؛ لأنها قبل قوله: ﴿إِن نَنُوباً إِلَى اللَّهِ﴾ . [تنبيه]: أخرج الشيخان قصّة شرب النبيّ وَّهر العسل بوجه آخر، وهذا لفظ البخاريّ رحمه الله تعالی: حدثنا فروة بن أبي الْمَغْرَاء، حدثنا علي بن مسهر، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: كان رسول اللّه وَ لهله يحب العسل والْحَلْوَا، ، وكان إذا انصرف من العصر، دخل على نسائه، فيدنو من إحداهن، فدخل على حفصة بنت عمر، فاحتبس أكثر ما كان يحتبس، فغِرْت، فسألت عن ذلك، فقيل لي: أهدت لها امرأة من قومها، عُكّةً من عسل، فسقت النبي ◌ِّ منه شربة، فقلت: أَمَا واللَّه، لنحتالنّ له، فقلت لسودة بنت زمعة: إنه سيدنو منكِ، فإذا دنا منك، فقولي: أكلتَ مغافير، فإنه (١) ((فتح) ١٠/ ٤٧٤ (كتاب الطلاق)). - ٢٢٣ ٤ - (بَابُ الْغَيْرَةِ) - حديث رقم ٣٤٠٩ سيقول لكٍ: لا، فقولي له: ما هذه الريح التي أجد منكَ؟، فإنه سيقول لكِ: سقتني حفصة شربة عسل، فقولي له: جَرَسَتْ نحلُهُ العُرْفُطَ (١)، وسأقول ذلك، وقولي: أنت يا صفية ذاك، قالت: تقول سودة: فوالله ما هو، إلا أن قام على الباب، فأردت أن أباديه بما أمرتني به، فَرَقًا منكِ، فلما دنا منها، قالت له سودة: يا رسول اللّه أكلت مغافير، قال: ((لا))، قالت: فما هذه الريح التي أجد منك؟، قال: ((سقتني حفصة شربة عسل))، فقالت: جَرَسَتْ نحله العُزفُط، فلما دار إليّ، قلت له: نحو ذلك، فلما دار إلى صفية، قالت له: مثل ذلك، فلما دار إلى حفصة، قالت: يا رسول الله، ألا أسقيك منه، قال: ((لا حاجة لي فيه))، قالت: تقول سودة: والله لقد حرمناه، قلت لها: اسكتي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عائشة رضي اللَّه تعالى عنها هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٣٤٠٩/٤ و(الطلاق)) ٣٤٤٩/١٧ و ((الأيمان والنذور)) ٣٨٢٣/٢٠- وفي ((الكبرى)) ٨٩٠٦/٤ و((الطلاق)) ٥٦١٤/١٨ و((الأيمان والنذور)) ٤٧٣٧/٢٠ و((التفسير)) ١١٦٠٨. وأخرجه (خ) في ((التفسير)) ٤٩١٢ و((الطلاق)) ٥٢٦٨ (م) في (الطلاق)) ١٤٧٤ (د) في ((الأشربة)) ٣٧١٤ (أحمد) في ((باقي مسند الأنصار)) ٢٥٣٢٤. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده(٢): (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه اللَّه تعالى، وهو بيان ما جُبلت عليه النساء من الغيرة، وأن الغيراء تُعذر فيما يقع منها من الاحتيال فيما يدفع عنها ترفع ضرّتها عليها بأي وجه کان، وقد ترجم علیه البخاريّ في «صحيحه)) في ((كتاب الحيل)) ((باب ما يكره من احتيال المرأة من الزوج والضرائر)). (ومنها): أن فيه الأخذ بالحزم في الأمور، وترك ما يشتبه الأمر فيه من المباح، خشية من الوقوع في المحذور. (ومنها): أن فيه ما يشهد بعلوّ مرتبة عائشة عند النبيّ وَ لر حتى كانت ضرّتها تهابها، وتطيعها في كلّ شيء (١) أي رعت نحله العُزفط، وهو الشجر الذي صمغه المغافير. (٢) ليس المراد فوائد خصوص الرواية التي ساقها المصنّف، بل ما يعمّ ما أوردته في الشرح من رواية الشيخين، وغيرهما، فتنبه. = ٢٢٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ عِشْرَةِ النِّسَاءِ تأمرها به، حتى في مثل هذا الأمر مع الزوج الذي هو أرفع الناس قدرًا. (ومنها): أن فيه إشارة إلى ورع سودة رضي اللّه تعالى عنها، لما ظهر منها من التندّم على ما فعلت؛ لأنها وافقت أوّلًا على دفع ترفّع حفصة عليهنّ بمزيد الجلوس عندها بسبب العسل، ورأت أن التوصّل إلى بلوغ المراد من ذلك لحسم مادّة شرب العسل الذي هو سبب الإقامة، لكن أنكرت بعد ذلك أنه يترتّب عليه منع النبيّ وَّر من أمر كان يشتهيه، وهو شرب العسل، مع ما تقدّم من اعتراف عائشة الآمرة لها بذلك في صدر الحديث، فأخذت سودة تتعجّب مما وقع منهنّ في ذلك، ولم تجسر على التصريح بالإنكار، ولا راجعت عائشة بعد ذلك لما قالت لها: ((اسكتي))، بل أطاعتها، وسكتت؛ لما تقدّم من اعتذارها في أنها كانت تهابها، وإنما كانت تهابها؛ لما تعلم من مزيد حبّ النبيّ وَّ لها أكثر منهنّ، فخشيت إذا خالفتها أن تُغضبها، وإذا أغضبتها لا تأمن أن تغير عليها خاطر النبيّ وَّر، ولا تحتمل ذلك، فهذا معنى خوفها منها. (ومنها): أن عماد القسم الليلُ، وأن النهار يجوز الاجتماع فيه بالجميع، لكن بشرط أن لا تقع منه المجامعة إلا مع التي هو في نوبتها. (ومنها): أن فيه استعمال الكنايات فيما يُستحيا من ذكره، لقولها في الحديث: ((فيدنو منهنّ))، والمراد فيقبّل، ونحو ذلك، ويحقّق ذلك قول عائشة لسودة: ((وإذا دخل عليك، فإنه سيدنو منك، فقولي له: إني أجد كذا))، وهذا إنما يتحقّق بقرب الفم من الأنف، ولا سيّما إذا لم تكن الرائحة طافحة(١)، بل المقام يقتضي أن الرائحة لم تكن طافحة؛ لأنها لو كانت طافحة لكانت بحيث يدركها النبيّ وَّر، ولأنكر عليها عدم وجودها منه، فلما أقرّ على ذلك دلّ على ما قرّرناه أنها لو قدّر وجودها لكانت خفيّة، وإذا كانت خفيّة لم تدرك بمجرّد المجالسة، والمحادثة من غير قرب الفم من الأنف. قاله في ((الفتح))(٢). (ومنها): جواز فعل ما حَلَفَ عليه الإنسان أن لا يفعله، وتجب عليه الكفّارة فيه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): اختلفت الروايات في المرأة التي شرب النبيّ وَلّ عندها العسل، والذي في ((الصحيحين)) حديث عائشة رضي اللّه تعالى عنها، أورداه من طريقين: («أحدهما)»: طريق عُبيد بن عُمير، عنها، وهو الذي أخرجه النسائيّ هنا، وفيه أن شرب العسل عند زينب بنت جحش. و((الثاني)»: طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، وفيه أن شرب العسل كان عند حفصة بنت عمر. وأخرج ابن مردويه من طريق (١) أي ساطعة قويّة، يقال: فطحت الريح القطنةً: سطعت بها. ((ق)). (٢) (فتح)) ٤٧٨/١٠. ((كتاب الطلاق)). ٢٢٥ ٤- (بابُ الغيرة) - حديث رقم ٣٤٠٩ ابن أبي مليكة، عن ابن عبّاس أن شرب العسل كان عند سودة، وأن عائشة وحفصة هما اللتان تواطأتا على وفق ما في رواية عُبيد بن عمير، وإن اختلفا في صاحبة العسل. قال الحافظ: وطريق الجمع بين هذا الاختلاف الحمل على التعدّد، فلا يمتنع تعدّد السبب للأمر الواحد، فإن جُنح إلى الترجيح، فرواية عبيد بن عمير أثبت؛ لموافقة ابن عبّاس لها على أن المتظاهرتين حفصة وعائشة، وجزم بذلك عمر بن الخطّاب ◌َاليه ، فلو كانت حفصة صاحبة العسل لم تُقرن في التظاهر بعائشة، لكن يمكن تعدّد القصّة في شرب العسل، وتحريمه، واختصاص النزول بالقصّة التي فيها أن عائشة وحفصة هما المتظاهرتان، ويمكن أن تكون القصّة التي وقع فيها شرب العسل عند حفصة كانت سابقةً، ويؤيّد هذا الحمل أنه لم يقع في طريق هشام بن عروة التي فيها أن شرب العسل كان عند حفصة تعرّض للآية، ولا لذكر سبب النزول، والراجح أيضًا أن صاحبة العسل زينب، لا سودة؛ لأن طريق عبيد بن عمير أثبت من طريق ابن أبي مليكة بكثير، ولا جائز أن تتحد بطريق هشام بن عروة؛ لأن فيها أن سودة كانت ممن وافق عائشة على قولها: ((أجد منك ريح مغافير))، ويرجّحه أيضًا ما تقدّم عن عائشة ((أن نساء النبيّ وَل كنّ حزبين: أنا وسودة، وحفصة، وصفيّة، في حزب، وزينب بنت جحش، وأم سلمة، والباقيات في حزب))، فهذا يرجّح أن زينب هي صاحبة العسل، ولهذا غارت عائشة منها؛ لكونها من غير حزبها. والله أعلم. وهذا أولى من جزم الداوديّ بأن تسمية التي شرب عندها العسل حفصة غلطّ، وإنما هي صفيّة بنت حييّ، أو زينب بنت جحش. وممن جنح إلى الترجيح عياضٌ، ومنه تلقّف القرطبيّ، وكذا نقله النوويّ عن عياض، وأقرّه، فقال عياض: رواية عبيد بن عمير أولى؛ لموافقتها ظاهر كتاب اللَّه؛ لأن فيه: ﴿وَإِن تَظَهَرَا عَلَيْهِ﴾، فهما ثنتان، لا أكثر، ولحديث ابن عباس عن عمر، قال: فكأن الأسماء انقلبت على راوي الرواية الأخرى. وتعقّب الكرمانيّ مقالة عياض، فأجاد، فقال: متى جوّزنا هذا ارتفع الوثوق بأكثر الروايات. وقال القرطبيّ: الرواية التي فيها أن المتظاهرتين عائشة، وسودة، وصفيّة، ليست بصحيحة؛ لأنها مخالفة للتلاوة؛ لمجيئها بلفظ خطاب الاثنين، ولو كانت كذلك لجاءت بخطاب جماعة المؤنّث، ثم نقل عن الأصيليّ وغيره أن رواية عبيد ابن عمير أصحّ وأولى، وما المانع أن تكون قصّة حفصة سابقة، فلما قيل له: ما قيل: ترك الشرب من غير تصريح بتحريم، ولم ينزل في ذلك شيء، ثم لما شرب في بيت زينب، تظاهرت عائشة، وحفصة على ذلك القول، فحرم حينئذ العسل، فنزلت الآية، قال: وأما ذكر سودة مع الجزم بالتثنية فيمن تظاهر منهنّ، فباعتبار أنها كانت كالتابعة ٢٢٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ عِشْرَةِ النِّسَاءِ لعائشة، ولهذا وهبت يومها لها، فإن كان ذلك قبل الهبة، فلا اعتراض بدخوله عليها، وإن كان بعدها فلا يمتنع هبتها يومها لعائشة أن يتردّد إلى سودة. قال الحافظ: لا حاجة إلى الاعتذار عن ذلك، فإن ذكر سودة إنما جاء في قصّة شرب العسل عند حفصة، ولا تثنية فيه، ولا نزول الآية، على ما تقدّم من الجمع الذي ذكره، وأما قصّة العسل عند زينب بنت جحش، فقد صرّح فيه بأن عائشة قالت: ((توطأت أنا وحفصة))، فهو مطابقٌ لما جزم به عمر رَّ من أن المتظاهرتين عائشة وحفصةُ، وموافقٌ لظاهر الآية . والله أعلم. قال: ووجدت لقصّة شرب العسل عند حفصة شاهدًا في ((تفسير ابن مردويه)) من طريق يزيد بن رُومان، عن ابن عباس، ورواته لا بأس بهم، ووقع في ((تفسير السدّيّ)) أن شرب العسل كان عند أم سلمة، أخرجه الطبريّ، وغيره، وهو مرجوح، لإرساله، وشذوذه. انتهى كلام الحافظ رحمه اللَّه تعالى(١). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا تحريرٌ حسنٌ جدًا، وحاصله أن طريق الجمع بحمل الروايات على تعدد الواقعة، أولى، فإن سُلك مسلك الترجيح، فرواية عبيد بن عمير التي ساقها المصنّف، وفيها أن شرب العسل كان عند زينب بنت جحش، وأن المتظاهرتين هما عائشة وحفصة، أرجح؛ لموافقة حديث ابن عباس، عن عمر لله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. ٣٤١٠- (أَخْبَرَنِي (٢) إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُونُسَ بْنِ مُحَمَّدٍ، حَرَمِيٌّ، هُوَ لَقَبُهُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَِّ، كَانَتْ لَهُ أَمَّةٌ يَطَؤُهَا، فَلَمْ تَزَلْ بِهِ عَائِشَةُ وَحَفْصَةُ، حَتَّى حَرَّمَهَا عَلَى نَفْسِهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَيُّهَا النَِّىُّ لِمَ نُحُرِّمُ مَا أَعَلَّ اللَّهُ لَكِّ﴾، إِلَى آخِرِ الْآيَةِ [التحريم: ١]). رجال هذا الإسناد: ستة: ١- (إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُونُسَ بْنِ مُحَمَّدٍ) البغدادي، نزيل طرسوس، صدوق [١١] ٥٤٪ ١٧٥٣، من أفراد المصنف. [تنبيه]: قوله: ((حَرَميّ هو لقبه)) سقط من بعض النسخ، ومعناه أن لقب إبراهيم بن يونس حَرَميّ - بمهملتين مفتوحتين- بلفظ النسبة إلى الحَرَم. والله تعالى أعلم. ٢- (أبوه) يونس بن محمد بن مسلم البغداديّ، أبو محمد المؤدب، ثقة ثبت، من (١) ((فتح)) ١٠/ ٤٧٢-٤٧٣. ((كتاب الطلاق)). (٢) وفي نسخة: ((أخبرنا)). - ٢٢٧ ٤- (بابُ الْغَيْرَةِ) - حديث رقم ٣٤١٠ صغار [٩] ١٥/ ١٦٣٢. ٣- (حماد بن سلمة) بن دينار، أبو سلمة البصريّ، ثقة عابد، أثبت الناس في ثابت، وتغير حفظه بآخره، من كبار [٨] ٢٨٨/١٨١ . ٤- (ثابت) بن أسلم البناني، أبو محمد البصري، ثقة عابد [٤] ٥٣/٤٥ . ٥- (أنس) بن مالك رضي الله تعالى عنه ٦/ ٦ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه اللّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير شيخه، وأبيه، فبغداديان. (ومنها): أن فيه من هو أثبت الناس في شيخه، وهو حماد في ثابت، وأطول الناس ملازمة لشيخه، وهو ثابت، فإنه لزم أنسًا أربعين سنة، وفيه أنس تظ من المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا، وهو آخر من مات من الصحابة رضي الله تعالى عنهم بالبصرة، مات سنة (٢) أو (٩٣)، وقد جاوز مائة سنة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَنَسٍ) بن مالك رضي اللَّه تعالى عنه (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بِهِ، كَانَتْ لَهُ أَمَةٌ يَطَؤُّهَا) هي مارية القبطيّة رضي اللّه تعالى عنها، أم ولد رسول اللّه وَله إبراهيم تظلّه، ذكر ابن سعد من طريق عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة، قال: بعث المُقَوقِس صاحب الإسكندريّة إلى رسول اللَّه وَلقره في سنة سبع من الهجرة بمارية، وأختها سيرين، وألف مثقال ذهبًا، وعشرين ثوبًا ليّنَا، وبغلته الدُّلْدُل، وحماره عُفير، ويقال: يعفور، ومع ذلك خصيّ يقال له: مأبور، شيخ كبير، كان أخا مارية، وبعث بذلك كلّه مع حاطب بن أبي بلتعة، فعرض حاطب بن أبي بلتعة على مارية الإسلام، ورغّبها فيه، فأسلمت، وأسلمت أختها، وأقام الخصيّ على دينه، حتى أسلم بالمدينة بعدُ في عهد رسول الله وَالر، وكانت مارية بيضاء جميلةٌ، فأنزلها رسول اللَّه وَله في العالية في المال الذي صار يقال له: مَشْربة أم إبراهيم، وكان يختلف إليها هناك، وكان يطؤها بملك اليمين، وضرب عليها مع ذلك الحجاب، فحملت منه، ووضعت هنالك في ذي الحجة سنة ثمان. ومن طريق عمرة، عن عائشة، قالت: ما عزّت عليّ امرأةٌ إلا دون ما عزّت عليّ مارية، وذلك أنها كانت جميلةٌ جَعْدَةً، فأُعجب بها رسول اللَّه ◌َلِّ، وكان أنزلها أول ما قُدم بها في بيت لحارثة بن النعمان، فكانت جارتنا، فكان عامّة الليل والنهار عندها، حتى فزعنا لها، فجزعت، فحوّلها إلى العالية، وكان يختلف إليها هناك، فكان ذلك ٢٢٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ عِشْرَةِ النِّسَاءِ أشدّ علينا. وقال الواقديّ: حدثني موسى بن محمد بن إبراهيم، عن أبيه، قال: كان أبو بكر يُنفق على مارية حتى مات، ثم عمر، حتى توفّيت في خلافته. قال الواقديّ: ماتت في المحرّم سنة ست عشرة، فكان عمر يحشر الناس لشهودها، وصلّى عليها، ودفنها بالبقيع. وقال ابن منده: ماتت مارية رضي اللّه تعالى عنها بعد النبيّ وَّ بخمس سنين. قاله في ((الإصابة))(١). (فَلَمْ تَزَلْ بِهِ عَائِشَةُ وَحَفْصَةُ) رضي اللَّه تعالى عنهما (حَتَّى حَرَّمَهَا عَلَى نَفْسِهِ) يعني أنهما لغيرتهما على مارية حيث أحبّها النبيّ وَلّر حاولتا على أن يحرّمها على نفسه، ففعل ذلك (فَأَنْزَّلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿بَيُّهَا النَّبِىُّ لِمَ تُحُرِّمُ مَآ أَعَلَّ اَللَّهُ لَكِّ﴾، إِلَى آخِرِ الْآيَةِ) هذا صريح في أن سبب نزول هذه الآية قصّة الجارية، وما تقدّم يدلّ على أن سببه شرب العسل، وسيأتي قريبًا وجه الجمع بينهما، إن شاء اللّه تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أنس رضي الله تعالى عنه هذا صحيح، وهو من أفراد المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا-٣٤١٠/٤- وفي ((الكبرى)) ٨٩٠٧/٤ وفي ((التفسير)) ١١٦٠٧. والله تعالى أعلم. (المسألة الثانية): اختلف في الذي حرّمه النبيّ وَلّ على نفسه، وعوتب عليه: ففي حديث عائشة رضي اللَّه تعالى عنها الماضي أَنَّ سببه شربه العسل عند زينب بنت جحش، وفي آخره: ((ولن أعود له، وقد حلفت)). وفي حديث أنس رضي الله تعالى عنه هذا أن سببه الجارية، وفي رواية سعيد بن منصور بإسناد صحيح إلى مسروق، قال: ((حلف رسول اللَّه وَله لحفصة، لا يقرب أمته، وقال: هي حرامٌ، فنزلت الكفّارة ليمينه، وأُمر أن لا يحرّم ما أحلّ اللَّه)). وأخرج الضياء في ((المختارة)) من مسند الهيثم بن كليب، ثم من طريق جرير بن حازم، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر، قال: قال رسول اللَّه وَ له لحفصة: ((لا تخبري أحدًا أن أمّ إبراهيم عليّ حرام))، قال: فلم يقربها حتى أخبرت عائشة، فأنزل الله: ﴿قَدْ فَرَضَ اَللَّهُ لَكُنْ تِلَّةَ أَيْمَنْكُمْ﴾. وأخرج الطبرانيّ في ((عشرة النساء))، وابن مردويه من طريق أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: ((دخل رسول اللَّه وَل بمارية بيت (١) راجع ((الإصابة)) ١٢٥/١٣-١٢٦. ٢٢٩ ٤- (بَابُ الْغَيْرَةِ) - حديث رقم ٣٤١٠ حفصة، فجاءت، فوجدتها معه، فقالت: يا رسول اللَّه، في بيتي تفعل هذا معي، دون نسائك ... ))، فذكر نحوه. قال الحافظ: وهذه الطرق يقوّي بعضها بعضًا، فيحتمل أن تكون الآية نزلت في السببين معًا انتهى(١). وقال في موضع آخر بعد ذکر الاختلاف المذکور: ووقع في رواية یزید رومان، عن عائشة عند ابن مردويه ما يجمع القولين، وفيه: ((أن حفصة أهديت لها عُكّة فيها عسلٌ، وكان رسول اللَّه وَليل إذا دخل عليها حبسته حتى تُلعقه، أو تسقيه منها، فقالت عائشة لجارية عندها حبشيّة، يقال لها: خضراء: إذا دخل على حفصة، فانظري ما يصنع؟، فأخبرتها الجارية بشأن العسل، فأرسلت إلى صواحبها، فقالت: إذا دخل عليكنّ، فقلن: إنا نجد منك ريح مغافير، فقال: هو عسلٌ، والله لا أطعمه أبدًا، فلما كان يوم حفصة استأذنته أن تأتي أباها، فأذن لها، فذهبت، فأرسل إلى جاريته مارية، فأدخلها بيت حفصة، قالت حفصة: فرجعت، فوجدت الباب مغلقًا، فخرج، ووجهه يقطر، وحفصة تبكي، فعاتبته، فقال: أُشهدك أنها حرام، انظري لا تخبري بهذا امرأةً، وهي عندكِ أمانة، فلما خرج قرعت حفصة الجدار الذي بينها وبين عائشة، فقالت: ألا أبشرك إن رسول اللَّه وَ له قد حرم أمته، فنزلت)). وعند ابن سعد من طريق شعبة، مولى ابن عبّاس، عنه، ((خرجت حفصة من بيتها يوم عائشة، فدخل رسول اللَّه بجاريته القبطيّة بيت حفصة، فجاءت، فرقبته حتى خرجت الجارية، فقالت له: أما إني قد رأيتُ ما صنعتَ، قال: ((فاكتمي عليّ، وهي حرام، فانطلقت حفصة إلى عائشة، فأخبرتها، فقالت له عائشة: أما يومي، فتعرس فيه بالقبطيّة، ويسلم لنسائك سائر أيّامهنّ، فنزلت الآية)). وجاء في ذلك ذكر قول ثالث، أخرجه ابن مردويه، من طريق الضحاك، عن ابن عبّاس، قال: ((دخلت حفصة على النبيّ وَّر بيتها، فوجدت معه مارية، فقال: لا تُبري عائشة، حتى أبشرك ببشارة، إن أباك يلي هذا الأمر بعد أبي بكر إذا أنا مت، فذهبت إلى عائشة، فأخبرتها، فقالت له عائشة ذلك، والتمست منه أن يحرّم مارية، فحرّمها، ثم جاء إلى حفصة، فقال: أمرتك ألا تُخبري عائشة، فأخبرتها، فعاتبها على ذلك، ولم يعاتبها على أمر الخلافة، فلهذا قال اللّه تعالى: ﴿عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَغَضَ عَنْ بَعْضٍ﴾، وأخرج الطبرانيّ في ((الأوسط))، وفي ((عشرة النساء)) عن أبي هريرة ◌َّه نحوه بتمامه، وفي (٢) کلّ منهما ضعف انتھی . (١) ((فتح)) ٩/ ٦٥٥ ((كتاب التفسير)). (٢) (فتح)) ٣٦٢/١٠. (كتاب النكاح)). ٢٣٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ عِشْرَةِ النِّسَاءِ قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: تلخّص مما ذُكر أن الآية نزلت في القضيتين: قضيّة شرب العسل، وقضيّة الجارية، فإنه لا مانع من تعدّد سبب النزول، كما هو معروف في موضعه من كتب التفسير. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٤١١- (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَحْيِى -هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ- عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، أَنَّ عَائِشَةَ، قَالَتِ: الْتَمَسْتُ رَسُولَ اللَّهِ إِلَتِه فَأَدْخَلْتُ يَدِي فِي شَعْرِهِ، فَقَالَ: ((قَدْ جَاءَكِ شَيْطَانُكِ؟))، فَقُلْتُ: أَمَا لَكَ شَيْطَانٌ؟، فَقَالَ: (بَلَى، وَلَكِنَّ اللَّهَ أَعَانَتِي عَلَيْهِ، فَأَسْلَمَ)) ). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١- (قتيبة) بن سعيد الثقفيّ، ثقة ثبت [١٠] ١/١. ٢- (الليث) بن سعد الإمام المصريّ، ثقة ثبت [٧] ٣٥/٣١. ٣- (يحيى بن سعيد الأنصاري) أبو سعيد القاضي المدني، ثقة ثبت [٥] ٢٣/٢٢. ٤- ((عُبَادَةُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ) الأنصاريّ، أبو الصامت المدنيّ، ويقال له: عبد الله أيضًا، ثقةٌ [٤]. رَوَى عن أبيه، وجده، وأبي اليسر كعب بن عمرو، وعائشة، وجابر بن عبد الله، وأبي سعيد الخدري، والرُّبَيِّع بنت مُعَوِّذ، وغيرهم. وروی عنه عبيد الله بن عمر، وابن عجلان، وابن إسحاق، ویزید بن الهاد، ویحیی ابن سعيد الأنصاري، وأبو حَزْرَةَ يعقوب بن مجاهد، والوليد بن كثير، وسيار أبو الحكم، وعلي بن زيد بن جُذعان، وغيرهم. قال أبو زرعة، والنسائي: ثقة. وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: كنيته أبو الوليد. روى له البخاري، ومسلم، وأبو داود، والمصنّف، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث، هذا الحديث، و٣٥٢٥ حديث ((لا عدّة عليك إلا أن تكوني حديث عهد به ... )) الحديث، وفي ((كتاب البيعة)) ٤١٥١ حديث عبادة بن الصامت رَ: ((بايعنا رسول اللّه بَله على السمع والطاعة ... )) الحديث، كرّره خمس مرّات. ٥- (عائشة) رضي اللّه تعالى عنها٥/٥. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه فبَغْلَانيّ، والليث فمصريّ، (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. والله تعالى أعلم. ٢٣١ = ٤- (بَابُ الْغَيْرَةِ) - حديث رقم ٣٤١١ شرح الحديث (عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ) الأنصاريّ (أَنَّ عَائِشَةَ) رضي اللّه تعالى عنها (قَالَتِ: الْتَّمَسْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَ﴿) أي طلبته، وفي رواية مسلم من طريق يزيد بن عبد الله بن قسيط، أنّ عروة حدّثه، أن عائشة زوج النبي وَ له حدثته، أن رسول الله وَّة، خرج من عندها ليلا، قالت فغِرْتُ عليه، فجاء، فرأى ما أصنع، فقال: ((ما لك يا عائشة؟، أغرت؟)) فقلت: وما لي، لا يغارُ مثلي على مثلك؟ ... )) (فأُدخلتُ يَدِي فِي شَغْرِهِ) أي لتتجسّس، هل جامع بعض نسائه، فاغتسل، أم لا؟ (فَقَالَ) ◌َّ (قَدْ جَاءَكِ شَيْطَاتُكِ؟) بتقدير أداة الاستفهام، أي أقد جاءك شيطانك، فأوقع عليك أني ذهبت إلى بعض أزواجي، فأنت لذلك متحيّرةٌ، مفتشةٌ عنّي؟ (فَقُلْتُ: أَمَا لَكَ شَيْطَانٌ؟) وفي رواية مسلم المذكورة: ((قالت يا رسول الله، أو معي شيطان؟، قال: ((نعم))، قلت: ومع كل إنسان؟، قال: (نعم))، قلت: ومعك يا رسول اللّه قال: ((نعم))، ولكن ربي أعانني علیه: حتی أسلم)). (فَقَالَ) بَرِ (بَلَى) أي لي شيطان (وَلَكِنَّ اللَّهَ أَعَانَنِي عَلَيْهِ، فَأَسْلَمَ) قال أبو البقاء في ((إعرابه)): يُروى بالفتح، لأنه فعل ماض، قال: فأسلمَ شيطاني، أي انقاد لأمر الله تعالى، وبالرفع: أي فأنا أسلمُ منه، وهو فعلٌ مستقبلٌ يحكى به الحال. قاله السيوطيّ(١). وقال السنديّ: ((فأسلمَ)) على صيغة الماضي، فصار مسلمًا، فلا يدلّني على سوء لذلك، وإسلام الشيطان غير عزيز، فلا يُنكر، على أنه من باب خرق العادة، فلا يرد. أو على صيغة المضارع، من سَلِمَ - بكسر اللام -: أي فأنا سالمٌ من شرّه. انتهى (٢). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الرفع أولى، لما في «مسند أحمد» بإسناد صحيح، من طريق سالم بن أبي الجعد، عن أبيه، عن عبد اللّه، قال: قال رسول اللّه وَله: ((ما منكم من أحد، إلا وقد وُكْل به قرينه من الجن، وقرينه من الملائكة))، قالوا: وإياك يا رسول اللّه؟، قال: ((وإياي، ولكن اللَّه أعانني عليه، فلا يأمرني إلا بحق)). فهذه الرواية تبيّن أن قوله: ((أسلم)) من السلامة، لا من الإسلام، فتعيّن حمله على حديث ابن مسعود هذا، والمعنى أن الله سبحانه وتعالى أعان نبيّه پژ على كيد شيطانه، فلا يستطيعه، أن يأمره إلا بخير، بخلاف غيره من الناس، فإنهم لا يَسْلَمون من شره. (١) ((زهر الربى)) ٧٢/٧. (٢) (شرح السنديّ)) ٧٢/٧ -٧٤. ٢٣٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ عِشْرَةِ النِّسَاءِ والله تعالى أعلم. وأخرج أحمد أيضًا من طريق قابوس، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: قال رسول اللّه وَ لخير: ((ليس منكم من أحد، إلا وقد وكل به قرينه من الشياطين، قالوا: وأنت يا رسول الله؟، قال: ((نعم، ولكن اللَّه أعانني عليه، فأسلمُ)). وأخرج أيضًا من طريق مجالد بن سعيد، عن الشعبي، عن جابر بن عبد الله، قال: قال لنا رسول اللّه وَلّ: ((لا تلجوا على الْمُغِيبات، فإن الشيطان يجري من أحدكم، مجرى الدم))، قلنا: ومنك يا رسول اللّه؟، قال: ((ومني، ولكن اللَّه أعانني عليه، فأسلمُ)). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان . مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عائشة رضي اللّه تعالى عنها هذا أخرجه مسلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٣٤١١/٤ - وفي ((الكبرى)) ٨٩٠٨/٤. وأخرجه (م) في ((صفة القيامة، والجنّة والنار)) ٢٨١٥ (أحمد) في ((باقي مسند الأنصار)) ٢٤٣٢٤. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان غيرة النساء، وأنها لا تضرّ بها، إلا إذا تعدّت الحدود بسببها. (ومنها): أن الغيرة سببها إغراء الشيطان، وتسلّطه على المرأة، وحمله لها على أن تتخيّل غير الواقع واقعًا، فتعادي بسببه زوجها، أو ضرّتها. (ومنها): كرامة النبيّ وَّله على ربّه، وعنايته به، حيث سلّمه من أذى الشيطان، فلا يأمره إلا بخير. (ومنها): شدّة تسلّط الشياطين على عموم بني آدم، طالحيهم، وصالحيهم، فلا ينجو عنهم إلا من توكّل على اللَّه تعالى، فيحفظه من كيدهم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانُ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [النحل: ٩٩]. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٤١٢- (أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَسَنِ الْمِقْسَمِيُّ، عَنْ حَجَّاجِ، عَنِ ابْنِ جُرَیْجِ، عَنْ عَطَاءٍ، أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: فَقَدْتُ رَسُوَّلَ اللَّهِ إِ لَّهِ ذَاتٌ لَيْلَةٍ ، فَظَنْتُ أَنَّهُ ذَهَبَ إِلَى بَعْضِ نِسَائِهِ، فَتَجَسَّسْتُهُ، فَإِذَا هُوَ رَاكِعٌ، أَوْ سَاجِدٌ، يَقُولُ: ٢٣٣ ٤- (بابُ الْغَيْرَةِ) - حديث رقم ٣٤١٣ ((سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ))، فَقُلْتُ: بِأَبِي وَأُمّي (١)، إِنَّكَ لَفِي شَأْنٍ، وَإِنِّي لَفِي شَأْنٍ آخَرَ). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: تقدّم هذا الحديث سندًا، ومتنًا في ((كتاب الصلاة)) ١١٣١/١٦٢ -. و((حجاج)): هو ابن محمد الأعور. و(عطاء)): هو ابن أبي رباح. وقولها: ((فتجسّسته)) : قال ابن الأثير: التجسّس بالجيم التفتيش عن بواطن الأمور، وأكثر ما يقال في الشرّ، والجاسوس صاحب سرّ الشرّ، والناموس صاحب سرّ الخير. وقيل: التجسّس بالجيم أن يطلبه لغيره، وبالحاء أن يطلبه لنفسه. وقيل: بالجيم البحث عن العورات، وبالحاء الاستماع. وقيل: معناهما واحِدٌ في تطلّب معرفة الأخبار انتهى (٢). وقولها: ((بأبي وأمي)) متعلّق بمحذوف، أي أَفْدِيك بأبي وأمي، أو أنت مَقْدِيٍّ بأبي وأمّي. وقولها: ((إنك لفي شأن الخ)) تعني أنها كانت اتهمته بأنه ذهب إلى بعض أزواجه، فإذا هو یتهجّد، ویناجي ربّه سبحانه وتعالى. والحديث أخرجه مسلم، ودلالته على الترجمة واضجة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٤١٣- (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ جُرَيْج، قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، أَنَّ عَائِشَةَ، قَالَتِ: اقْتَقَدْتُ رَسُولَ اللَّهِ ◌ِهِ، ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَظَتَنْتُ أَنَّهُ ذَهَبَ إِلَى بَعْضِ نِسَائِهِ، فَتَجَسَّسْتُ، ثُمَّ رَجَعْتُ، فَإِذَا هُوَ رَاكِعٌ، أَوْ سَاجِدٌ، يَقُولُ: ((سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ))، فَقُلْتُ: بِأَبِي وَأَمِّي(٣)، إِنَّكَ لَفِي شَأْنٍ، وَإِنِّي لَفِي آخَرَ (٤)). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((إسحاق بن منصور)): هو الكوسج. و((ابن أبي مليكة)): هو عبد الله بن عُبيدالله بن عبد الله ابن أبي مليكة زُهير بن عبد الله بن جدعان المكيّ الثقة الثبت. وقولها: ((افتقدت)) مبالغة في فقدت، يقال: فقدته فَقْدًا، من باب ضرب، وفِقْدانًا: عَدِمته، فهو مفقود، وفَقِيدٌ، وافتقدته مثله، وتفقّدته: طلبته عند غيبته. قاله الفيّوميّ. (١) وفي نسخة: ((بأبي أنت وأمّي)). (٢) (النهاية)) ١/ ٢٧٢. (٣) وفي نسخة: ((بأبي أنت وأمّي)). (٤) وفي نسخة: ((لفي شأن آخر)). ٢٣٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ عِشْرَةِ النِّسَاءِ والحديث أخرجه مسلم، كما سبق الكلام عليه في الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٤١٤- (أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِ ابْنُ جُرَیْجِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرٍ، أَنَّهُ سَمِعَ مُحَمَّدَ بْنَ قَيْسٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ، تَقُولُ: أَلَا أَحَدِّثُكُمْ عَنِ النَِّّ ◌َّهِ وَعَنِّي، قُلْنَا: بَلَى، قَالَتْ: لَمَّا كَانَتْ لَيْلَتِي، انْقَلَبَ، فَوَضَعَ نَعْلَيْهِ عِنْدَ رِجْلَيْهِ، وَوَضَعَ رِدَاءَهُ، وَبَسَطَ إِزَارَهُ عَلَى فِرَاشِهِ، وَلَمْ يَلْبَثْ إِلَّا رَيْئَمَا ظَنَّ أَنِّي قَدْ وَقَدْتُ، ثُمَّ انْتَعَلَ رُوَيِدًا، وَأَخَذَ رِدَاءَهُ رُوَيْدًا، ثُمَّ فَتَحَ الْبَابَ رُوَيْدًا، وَخَرَجَ(١) وَأَجَافَهُ رُوَيِّدًا، وَجَعَلْتُ دِرْعِي فِي رَأْسِي، فَاخْتَمَرْتُ، وَتَقَنَّعْتُ إِزَارِي، وَانْطَلَقْتُ فِي إِثْرِهِ، حَتَّى جَاءَ الْبَقِيعَ، فَرَفَعَ يَدَيْهِ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، وَأَطَالَ الْقِيَامَ، ثُمَّ انْحَرَفَ، وَانْحَرَفْتُ، فَأَسْرَعَ فَأَسْرَغْتُ، فَهَرْوَلَ فَهَرْوَلْتُ، فَأَخْضَرَ فَأَخْضَرْتُ، وَسَبَقْتُهُ، فَدَخَلْتُ، وَلَيْسَ إِلَّا أَنِ اضْطَجَعْتُ، فَدَخَلَ، فَقَالَ: ((مَا لَكِ، يَا عَائِشُ رَابِيَةً؟))، قَالَ سُلَيْمَانُ: حَسِبْتُهُ قَالَ: (حَشْيَا))، قَالَ: لَتُخْبِرِنِّي(٢)، أَوْ لَيُخْبِرَنِي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، فَأَخْبَرْتُهُ الْخَبَرَ، قَالَ: ((أَنْتِ السَّوَادُ الَّذِي رَأَيْتُ(٣) أَمَامِي؟))، قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَتْ: فَلَهَدَنِي لَهْدَةً فِي صَدْرِي، أَوْجَعَثْنِي، قَالَ: ((أَظَنَنْتِ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْكِ وَرَسُولُهُ))، قَالَتْ: مَهْمَا يَكْتُمُ النَّاسُ، فَقَدْ عَلِمَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: ((فَإِنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامِ أَتَانِ، حِيْنَ رَأَيْتِ، وَلَمْ يَكُنْ يَدْخُلُ عَلَيْكِ، وَقَدْ وَضَعْتِ ثِيَابَكِ، فَتَادَانِي، فَأَخْفَى مِنْكِ، فَأَجَبْتُ، وَأَخِفَيْتُهُ مِنْكِ، وَظَنَنْتُ أَنَّكِ قَدْ رَقَدْتِ، فَكَرِهْتُ أَنْ أُوقِظَكِ، وَخَشِيتُ أَنْ تَسْتَوْحِشِي، فَأَمَرَنِي أَنْ آتِيَ أَهْلَ الْبَقِيعِ، فَأَسْتَغْفِرَ لَهُمْ)) . خَالَفَهُ حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، فَقَالَ: عَنِ أَبْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذا الحديث أخرجه مسلم، وقد تقدّم للمصنّف رحمه الله تعالى في ((كتاب الجنائز)) ٢٠٣٧/١٠٣- ((الاستغفار للمؤمنين)) رواه عن يوسف بن سعيد السند التالي. و((سليمان بن داود)) شيخه هنا هو الْمَهْريّ، أبو الربيع المصريّ، ابن أخي رشدین بن سعد. و((عبد الله بن كثير)) بن المطّلب بن أبي وَدَاعة الحارث بن صُبيرة بن سُعيد بن سعد ابن سَهْم بن عمرو بن هُصَيص بن كعب بن لؤيّ بن غالب السَّهْمِيّ، مقبول [٦]. ذكره ابن حبّان في ((الثقات))، وقال: مات بعد سنة عشرين ومائة. تفرّد به مسلم، (١) وفي نسخة: ((فخرج)). (٢) وفي نسخة: ((لتخبرين)). (٣) وفي نسخة: ((رأيته)). ٢٣٥ = ٤- (بابُ الْغَيْرَةِ) - حديث رقم ٣٤١٤ والمصنّف، له عندهما حديث الباب فقط . و ((محمد بن قيس)) بن المطلب بن عبد مناف المطّلبيّ، يقال: له رؤية، ثقة [٢] ٢٠٣٧/١٠٣ . وقوله: ((لما كانت ليلتي الخ)) أي لما جاءت ليلة من الليالي التي يكون وَل فيها عندي، فـ ((كان)) تامّة. وقولها: ((انقلب)) أي رجع إلى بيته من صلاة العشاء. وقولها: ((ريثما ظنّ)) بفتح الراء، وسكون الياء، بعدها مثلثة: أي قدر ما ظنّ. وقولها: ((رُويدًا)) أي مترفّقًا متمهّلًا لئلا يوقظها. وقولها: ((وأجافه رويدًا)) أي أغلق الباب بلطف ورفق. وقولها: ((تقنعتُ إزاري)) كذا في الأصول من غير باء الجرّ، وكأنه بمعنى «لبستُ إزاري)) فلذا عدّاه بنفسه. وقولها: ((فهرول)) أي أسرع في مشيه. وقولها: ((فأحضر)) بالحاء المهملة، والضاد المعجمة: أي زاد في الإسراع. وقولها: ((وليس إلا أن اضطجعت)) أي ليس شيء بعد دخولي البيتَ إلا الاضطجاعَ، فالمؤول بالمصدر خبر ((ليس))، واسمها محذوف، كما قدّرناه، أو المؤول اسمها، وخبرها محذوف، أي واقعًا منّي. وقوله: ((يا عائشُ)) بالضمّ، أو بالفتح على الترخيم، وفي نسخة: ((يا عائشة)). وقوله: ((حيشا)) بفتح الحاء المهملة، وسكون الياء مقصورًا: أي مرتفعة النفْس، متواترته، وهو منصوب على الحال. وقوله: ((رابية)) أي مرتفعة البطن. وقوله: ((لتخبرنّي الخ)) بفتح اللام، وتشديد النون مضارع للواحدة المخاطبة من الإخبار بالكسر، فتكسر الراء هنا، وتفتح في الثاني. وقوله: ((السواد)) أي الشخص. وقولها: ((فلهدني لهدة)) بالهاء، والدال الهملة: أي دفعني، وضربني بجُمْع كفّه. وفي نسخة: ((فلهزني لَهْزةً)) بالزاي بدل الدال، وهما بمعنى واحد. وأما ما وقع في بعضها ((لهذني)) بالذال المعجمة فتصحيف. فتنبه. وقوله: ((أن يحيف اللّه الخ)) من حاف يَحيف حيفًا، من باب باع: إذا جار وظلم، أي يظلمك الرسول والقر بدخوله في نوبتك على غيرك من زوجاته، وذكر الله تعالى للتعظيم، والدلالة على أن الرسول وَالتي لا يمكن أن يفعل شيئًا من مثل هذا إلا بإذن منه تعالى، ولو كان منه جوْرٌ لکان بإذن الله تعالى له فيه، وهذا غير ممكن. واستدلّ به من قال: إن القسم كان واجبًا علیه، إذ لا یکون تركه جورًا إلا إذا كان واجبًا عليه، فتركه، وقد تقدّم تمام البحث في ذلك، وأن الأرجح عدم الوجوب، فلا تغفل. والله تعالى أعلم. وقوله: (خَالَفَهُ) الضمير لابن وهب (حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، فَقَالَ: عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ) يعني أن حجاج بن محمد الأعور خالف ابن وهب ٢٣٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ عِشْرَةِ النِّسَاءِ في سند هذا الحديث، في شيخ ابن جريج، والظاهر أن المصنّف يرجّح رواية حجاج على رواية ابن وهب؛ لأن حجاجًا أثبت في ابن جريج من ابن وهب، وغيره، وقد نقل هذا عن النسائيّ الحافظُ أبو الحجاج المزيّ في ((تحفة الأشراف)) ٣٠٠/١٢ - فقال: قال النسائيّ: وحجّاج في ابن جُريج أثبت عندنا من ابن وهب انتهى. والحافظ في ترجمة عبد الله بن كثير من ((تهذيب التهذيب)) ٤٠٧/٢. وقال الحافظ أيضًا في ((النكت الظراف)» ٢٩٩/١٢ -: وأخرجه أبو عوانة في ((صحيحه)) عن يوسف كما قال النسائيّ، وقال بعده: قال أحمد بن حنبل: ابن وهب، عن ابن جريج فيه شيء. انتهى. والحديث أخرجه مسلم في ((صحيحه))، عن هارون بن سعيد الأيليّ، عن ابن وهب، عن ابن جريج، عن عبد الله بن كثير بن المطّلب، عن محمد بن مخرمة به. قال مسلم: أخبرني من سمع الحجاج الأعور -واللفظ له- قال: نا ابن جريج، قال: أخبرني عبد الله -رجل من قريش- عن محمد بن قيس بن مخرمة بن المطلب به. والحاصل أن متن الحديث صحيح، لا تضرّه المخالفة المذكورة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. ثم أورد المصنف رحمه الله تعالى رواية حجاج بن محمد، فقال: ٣٤١٥- (حَدَّثَنَا (١) يُوسُفُ بْنُ سَعِيدٍ بْنِ مُسْلِمِ الْمِصْيصِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجْ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي مُلَيْكَّةَ(٢)،" أَنَّهُ سَمِعَ مُحَمَّدَ بْنَ قَيْسٍ بْنِ مَخْرَمَةَ، يَقُولُ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ تُحدِّثُ، قَالَتْ: أَلَا أُحَدْتُكُمْ عَنِّي، وَعَنِ النَِّيّ ◌َلِّرَ؟، قُلْنَا: بَلَى، قَالَتْ: لَمَّا كَانَتْ لَيْلَتِي الَّتِي هُوَ عِنْدِي - تَعْنِي النَّبِيَّ وَِّهِ انْقَلَبَ، فَوَضَعَ نَعْلَيْهِ عِنْدَ رِجْلَيْهِ، وَوَضَعَ رِدَاءَهُ، وَبَسَطَ طَرَفَ إِزَارِهِ عَلَى فِرَاشِهِ، فَلَّمْ يَلْبَثْ، إِلَّا رَيْئَمَا ظَنَّ أَنِّي قَدْ رَقَدْتُ، ثُمَّ انْتَعَلَ رُوَيِدًا، وَأَخَذَ رِدَاءَهُ رُوَيْدًا، ثُمَّ فَتَحَ الْبَابَ رُوَيْدًا، وَخَرَجَ وَأَجَافَهُ رُوَيْدًا، وَجَعَلْتُ دِرْعِي فِي رَأْسِي، وَاخْتَمَرْتُ، وَتَقَنَّعْتُ إِزَارِي، فَانْطَلَقْتُ فِي إِثْرِهِ، حَتَّى جَاءَ الْبَقِيعَ، فَرَفَعَ يَدَيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَأَطَالَ الْقِيَامَ، ثُمَّ انْحَرَفَ، فَانْحَرَفْتُ، فَأَسْرَعَ، فَأَسْرَعْتُ، فَهَرْوَلَ(٣)، فَهَرْوَلْتُ، فَأَخْضَرَ، فَأَحْضَرْتُ، وَسَبَقْتُهُ(٤)، فَدَخَلْتُ، فَلَيْسَ إِلَّا أَنِ(٥) اضْطَجَعْتُ، فَدَخَلَ، فَقَالَ: ((مَا لَكِ يَا عَائِشَةُ حَشْيَا رَابِيَةً؟، قَالَتْ: لَا، قَالَ: ((لَتُخْبِرِنِّي أَوْ لَيُخْبِرَنِّي (١) وفي نسخة: ((أخبرنا))، وفي أخرى: ((أخبرني)). (٢) وفي نسخة: ((أن عبدالله بن أبي مليكة أخبرني)). (٣) وفي نسخة: ((وأسرعت، وهرول» بالواو. (٤) وفي نسخة: ((فسبقته)). (٥) وفي نسخة: ((إلا أنه)). ٢٣٧ ٤- (بَابُ الْغَيْرة) - حديث رقم ٣٤١٦ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ))(١)، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، فَأَخْبَرْتُهُ الْخَبَرَ، قَالَ: ((فَأَنْتِ السَّوَادُ الَّذِي رَأَيْتُهُ أَمَامِي))؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَتْ: فَلَهَدَنِي فِي صَدْرِي، لَهْدَةٌ(٢) أَوْجَعَتْنِي، ثُمّ قَالَ: ((أَظَتَنْتِ (٣) أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْكِ وَرَسُولُهُ؟))، قَالَّتْ: مَهْمَا يَكْتُمُ النَّاسُ، فَقَدْ عَلِمَهُ اللَّهُ، قَالَ: ((نَعَمْ، قَالَ: فَإِنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامِ أَتَانِي، حِينَ رَأَيْتِ، وَلَمْ يَكُنْ يَدْخُلُ عَلَيْكِ، وَقَدْ وَضَعْتِ ثِيَابَكِ، فَنَادَانِي فَأَخْفَى مِنْكِ، فَأَجَبْتُهُ، فَأَخْفَيْتُ مِنْكِ، فَظَنَنْتُ أَنْ قَدْ رَقَدْتٍ، وَخَشِيتُ أَنْ تَسْتَوْحِشِي، فَأَمَرَنِي أَنْ آتِيَ أَهْلَ الْبَقِيعِ، فَأَسْتَغْفِرَ لَهُمْ)) ). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذا الحديث صحيح، وقد تقدم تمام البحث فيه في الحديث الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. ثم أشار إلى طريق آخر للحديث، فقال: (رَوَاهُ عَاصِمٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ، عَنْ عَائِشَةَ، عَلَى غَيْرِ هَذَا اللَّفْظِ). يعني أن حديث عائشة رضي اللّه تعالى عنها هذا رواه عاصم بن عبيدالله على غير اللفظ المذكور، كما بَيِّن ذلك بقوله: ٣٤١٦- (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا شَرِيكُ، عَنْ عَاصِم، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَثَ: فَقَدْتُهُ مِنَ اللَّيِلِ ... وَسَاقَ الْخِّدِيثَ). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: ((شريك)): هو ابن عبد الله النخعيّ. و((عاصم)) بن عُبيدالله بن عاصم بن عمر بن الخطّاب العدويّ المدنيّ، ضعيف [٤]. قال عفّان: سمعت شعبة يقول: كان عاصم لو قيل له: مَنْ بنى مسجد البصرة؟ لقال: فلان، عن فلان، عن النبيّ وَليّ أنه بناه. وقال أحمد: كان ابن عيينة يقول: كان الأشياخ يتقون حديث عاصم. وقال ابن المدينيّ: سمعت عبد الرحمن ينكر حديثه أشدّ الإنكار. وقال ابن معين: ضعيفٌ. وقال ابن سعد: کان کثیر الحدیث، ولا يُحتجّ به. وقال يعقوب بن شيبة: قد حمل الناس عنه، وفي أحاديثه ضعف، وله أحاديث مناكير. وقال ابن نمير: عبد الله بن عَقِيل يُختلف عليه في الأسانيد، وعاصم منكر الحديث في الأصل، وهو مضطرب الحديث. وقال أبو حاتم: منكر الحديث، مضطرب الحديث. ليس له حديث يُعتمد عليه، وما أقربه من ابن عَقِيل. وقال البخاريّ: منكر الحديث. وقال ابن خراش، وغير واحد: ضعيف. وقال ابن خُزيمة: لستُ أحتجّ به لسوء حفظه. وقال الدار قطنيّ: مدينيّ يُترك، وهو مُغَفِّلٌ. وقال العجليّ: لا بأس به. وقال ابن (١) وفي نسخة: أو ليخبرني اللَّه اللطيف الخبير)). (٢) وفي نسخة: ((فلهزني في صدري لهزة)). (٣) وفي نسخة: ((قال لي: ظننت)). ٢٣٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ عديّ: قد روى عنه ثقات الناس، واحتملوه، وهو مع ضعفه يُكتب حديثه. وقال البزار: في حديثه لين. وقال ابن حبّان: كان سيّء الحفظ، كثير الوهم، فاحشَ الغلط، فتُرك من أجل كثرة خطئه. وقال الساجيّ: مضطرب الحديث. مات في أول خلافة بني العبّاس، سنة (١٣٢). روى له البخاريّ في ((خلق أفعال العباد)»، وأبو داود، والمصنّف، وابن ماجه، وله عند المصنّف حديث الباب فقط. و((عبد الله بن عامر بن ربيعة)) العدويّ، حليف بني عديّ العَنَزِيُّ، أبو محمد المدنيّ، وُلد في عهد النبيّ وَّهِ، ولأبيه صحبةٌ مشهورةٌ، وقال أبو زرعة: مدنيّ أدرك النبيّ وَّه، وهو ثقة. وقال أبو حاتم: رأى النبيّ وَلّ لما دخل على أمه، وهو صغير. وقال العجليّ: مدنيٍّ تابعيٍّ ثقة، من كبار التابعين. وقال الواقديّ: ثقة، قليل الحديث. مات سنة بضع وثمانين، وقيل: سنة (٨٥) وقيل: سنة (٩٠). روى له الجماعة، وله عند المصنّف هذا الحديث، وحديث -٤٠٤٦/٥ باب ((ذكر ما يحلّ به دم المسلم)). وقوله: ((وساق الحديث)): الضمير لعاصم، يعني أنه ساق الحديث بتمامه، وقد ساقه أحمد في ((مسنده)) رقم - ٢٣٩٠٤ - وابن ماجه في ((سننه)) رقم - ١٥٤٦ - واللفظ لأحمد، من طريق شريك، عن عاصم بن عبيد اللّه، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن عائشة، قالت: فقدته من الليل، فإذا هو بالبقيع، فقال: ((سلام عليكم، دار قوم مؤمنين، وأنتم لنا فرط، وإنا بكم لاحقون، اللَّهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم»، تعني النبي صلى الله عليه وسلم. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رواية عاصم هذه ضعيفة؛ لضعف عاصم بن عبيدالله ابن عاصم بن عمر بن الخطاب، فقد اتفق الجمهور على ضعفه، ولا سيما وقد خالف الحفّاظ، وشريك أيضًا - وهو النخعيّ- متكلّم فيه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه إنيب)). ٢٧- (كِتَابُ الطَّلَاقِ) قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((الطّلاقُ)) اسم مصدر لطَلّق)) - بتشديد اللام -. قال في ((الفتح)): ((الطّلاق)) في اللغة حلّ الوثاق، مشتقّ من الإطلاق، وهو الإرسال والترك، وفلان طَلْقُ اليد: أي كثير البذل. وفي الشرع: حلُّ عُقْدة التزويج فقط، وهو موافقٌ لبعض ٢٣٩ ٢٧- (كِتَبُ الطَّلَاقِ) أفراد مدلوله اللغويّ. قال إمام الحرمين: هو لفظً جاهليّ، ورد الشرع بتقريره. وطلقت المرأة - بفتح الطاء، وضمّ اللام، وبفتحها أيضًا، وهو أفصح، وطُلْقَتْ أيضًا بضمّ أوله، وكسر اللام الثقيلة، فإن خفّفت فهو خاصّ بالولادة، والمضارعُ فيهما بضمّ اللام، والمصدر في الولادة طَلْقًا، ساكنة اللام، فهي طالقٌ فيهما. انتهى (١). وقال الفيّوميّ: طلق الرجل امرأته تطليقًا، فهو مُطَلْقٌ، فإن كثر تطليقه للنساء، قيل: مِطْلِيقٌ، ومِطْلَاقْ - بكسر الميم، وسكون الطاء المهملة - وطَلَّقَتْ هي تَطْلُقُ، من باب قَتَلَ، وفي لغة من باب قَرُبَ، فهي طالقٌ بغير هاء. قال الأزهريّ: وكلّهم يقولون: طالقٌ بغير هاءٍ، قال: وأما قول الأعشى [من الطويل]: أَيَا جَارَتًا بِينِي فَإِنَّكِ طَالِقَهْ كَذَاكِ أُمُورُ النَّاسِ غَادٍ وَطَارِقَةْ فقال الليث: أراد طالقةٌ غدًا، وإنما اجترأ عليه لأنه يقال: طَلَّقَتْ، فَحَمَلَ النعتَ على الفعل. وقال ابن فارس أيضًا: امرأةٌ طالقٌ، طَلَّقَها زوجها، وطالقةٌ غدًا، فصرّح بالفرق؛ لأن الصفة غير واقعة. وقال ابن الأنباريّ: إذا كان النعت منفردًا به الأنثى دون الذّكر لم تدخله الهاء، نحو ((طالق))، و((طامث))، و((حائض))؛ لأنه لا يَحتاج إلى فارقٍ؛ لاختصاص الأنثى به. وقال الجوهريّ: يقال: طالقٌ، وطالقةٌ، وأنشد بيت الأعشى. وأجيب عنه بجوابين: أحدهما ما تقدّم. والثاني: أن الهاء لضرورة التصريع، على أنه معارَضٌ بما رواه ابن الأنباريّ، عن الأصمعيّ، قال: أنشد أعرابيٍّ من شِقِّ اليمامة البيتَ: ((فَإِنَّكِ طَالِقٌ))، من غير تصريع، فتسقط الحجّةُ به. قال البصريّون: إنما حُذفت العلامة لأنه أُريد النسب، والمعنى: امرأةٌ ذَات طلاق، وذات حيض، أي هي موصوفةٌ بذلك حقيقةً، ولم يُجروه على الفعل. ويُحكَى عن سيبويه أن هذه نعوتٌ مذكّرةٌ وُصِف بهنّ الإناثُ، كما يُوصف المذكّرُ بالصفة المؤنثةِ، نحو عَلّامةٍ، ونَسّابةٍ، وهو سماعيّ. انتهى كلام الفيّوميّ ببعض تصرّف(٢). وقال ابن منظور: طلاقُ المرأة: بينونتُها عن زوجها، وامرأةٌ طالقٌ من نسوةٍ طُلَّقٍ، وطالقةٌ من نسوة طَوَالِقٍ، وطَلْقَ الرجلُ امرأتَهُ، وطَلَقَتْ هي - بالفتح - تَطْلُقُ طَلَاقًا، وطَلُقَتْ - بالضم - والضمّ أكثر عند ثعلب، وأنكره الأخفش، طلاقًا، وأطلقها بَعْلُها، وطَلّقَها، ورجلٌ مِطلاقٌّ ومِطليقٌ وطِلِيقٌ -بكسر أول الكلّ- وطُلَقَةٌ، كَهُمَزَةٍ: كثير التطليق للنساء انتهى ببعض تصرّف(٣). وقال الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى: الطلاق مشروع، والأصل في مشروعيته الكتاب، والسنّة، والإجماع، أما الكتاب فقول اللَّه تعالى: ﴿اُلْطَّلَقُ مَرَّتَانٍ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَشْرِيٌ (١) (فتح)) ٤٣٥/١٠. (٢) راجع ((المصباح المنير" ٣٧٦/٢. مادة طلق. (٣) راجع ((لسان العرب)) ٢٢٦/١٠ مادة طلق. ٢٤٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ بِإِحْسَانٍ﴾ الآية [البقرة: ٢٢٩]. وقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِنَّ﴾ الآية [الطلاق: ١]. وأما السنّة فما روى ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه طلّق امرأته، وهي حائضٌ، فسأل عمرُ رسولَ اللَّه وَالله عن ذلك؟ ... الحديث الآتي في الباب التالي. قال: في آي وأخبارٍ سوى هذين كثير. وأجمع الناس على جواز الطلاق، والعبرة دالّة على جوازه؛ فإنه ربّما فَسَدت الحال بين الزوجين، فيصير بقاء النكاح مَفسدةً مَخْضَةً، وضررًا مجرّدًا بإلزام الزوج النفقةَ والسكنى، وحبس المرأة، مع سوء العشرة، والخصومة الدائمة من غير فائدة، فاقتضى ذلك شرع ما يُزيلُ النكاح؛ لتزول المفسدةُ الحاصلة منه. انتهى كلام ابن قدامة رحمه اللَّه تعالى(١). [تنبيه]: قال في ((الفتح)): ثم الطلاق قد يكون حرامًا، أو مكروهًا، أو واجبًا، أو مندوبًا، أو جائزًا، أما الأول ففيما إذا كان بدعيًّا، وله صورٌ. وأما الثاني: ففيما إذا وقع بغير سبب مع استقامة الحال. وأما الثالث: ففي صور، منها الشقاق، إذا رأى الحكمان. وأما الرابع: ففيما إذا كانت غير عفيفة. وأما الخامس، فنفاه النوويّ، وصوّرهغيره بما كان لا يريدها، ولا تطيب نفسه أن يتحمّل مؤنتها من غير حصول الاستمتاع، فقد صرّح الإمام أن الطلاق في هذه الصورة لا يكره. انتهى(٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ١- (بَابُ وَقْتِ الطَّلَاقِ لِلْعِدَّةِ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ عز وجل أَنْ تُطَلَّقَ(٣) لَهَا (٤) النِّسَاءُ) ٣٤١٧ - (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدِ السَّرْخَسِيُّ (٥)، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ، وَهِيَ حَائِضٌ، فَاسْتَفْتَى عُمَرُ رَسُولَ اللّهِ وَلَ، فَقَالَ: إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ، وَهِيَ خَائِضٌ، فَقَالَ: ((مُزْ عَبْدَ اللَّهِ، فَلْيُرَاجِعْهَا، ثُمَّ يَدَفْهَا، حَتَّى تَطْهُرَ مِنْ حَيْضَتِهَا هَذِهِ، ثُمَّ تَحِيضَ (١) ((المغني)) ٣٢٣/١٠. (٢) ((فتح)) ٤٣٥/١٠. (٣) وفي نسخة: ((أن يُطلَّق)) بالياء. (٤) وفي نسخة: ((بها)). (٥) (السَّرَخْسِيّ) بفتحتين، وسكون المعجمة، ومهملة: نسبة إلى سَرَخْس، مدينة بخُرَاسان. قاله في ((لبّ اللباب)) ١٥/٢.