Indexed OCR Text

Pages 201-220

٢٠١ =
٣- (حُبُّ الرَّجُل بعضَ نِسَائِهِ أَكْثَرَ مِنْ بَعْض)- حديث رقم ٣٤٠١
بمجرّد الوحي إليها بذلك، قال: وقد قال الله تعالى بعد ذكر مريم، والأنبياء بعدها:
﴿أُوْلَكَ الَّذِيْنَ أَنْعَمَ اَللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيْنَ﴾، فدخلت في عمومه. والله أعلم. انتهى(١).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: الذي يظهر لي مما تقدّم من الأدلّة أن القول بنبوّة مریم،
وأم موسى هو الأقرب إلى الصواب؛ وأما غيرهما فليس فيه دليلٌ واضح، فلا ينبغي القول
به. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٣٩٩- (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ،
عَنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِيِّ نَّهِ، قَالَ: ((فَضْلُ
عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ، كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَّى سَائِرِ الطَّعَام)) ).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم
تقدّموا غير مرّة.
و((ابن أبي ذئب)): هو محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث المدنيّ.
و((الحارث بن عبد الرحمن)): هو القرشيّ العامريّ، خال ابن أبي ذئب.
والحديث صحيح، وقد سبق تمام البحث فيه في الذي قبله. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
٣٤٠٠- (أَخبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ الصَّغَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا شَاذَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ
ابْنُ زَيْدٍ، عَنْ هِشَام بْنِ عُزْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ: ((يَا أُمَّ
سَلَمَةَ، لَا تُؤْذِينِي فِي عَائِشَةَ، فَإِنَةً وَاللَّهِ مَا أَتَانِي الْوَحْيُ، فِي لِحَافِ امْرَأَةٍ مِنْكُنَّ إِلَّا هِيَ))).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم
تقدّموا غير مرّة.
و((أبو بكر بن إسحاق)): هو محمد بن إسحاق الصاغانيّ، نزيد بغداد. و((شاذان)):
هو الأسود بن عامر الشاميّ، نزيل بغداد، وشاذان لقبه. وشرح الحديث يأتي في الذي
بعده. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٤٠١- (أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ آدَمَ، عَنْ عَبْدَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ عَوْفِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ
رُمَيْئَةَ، عَنْ أُمُّ سَلَمَةً، أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّنَّهِ، كَلَّمْنَهَا أَنْ تُكَلِّمَ النَّبِيَّ ◌َِّ، أَنَّ النَّاسَ كَانُوا
يَتَحَرَّوْنَ بَهَدَايَاهُمْ يَوْمَ عَائِشَةَ، وَتَقُولُ لَهُ: إِنَّا نُحِبُّ الْخَيْرَ كَمَّا نُحِبُّ عَائِشَةَ، فَكَلَّمَتْهُ، فَلَمْ
يُجِبْهَا، فَلَّمَّ دَارٌ عَلَّيْهَا كَلَّمَتْهُ أَيْضًا، فَلَمْ يُجِبْهَا، وَقُلْنَ: مَا رَدَّ عَلَيْكِ؟، قَالَتْ: لَمْ
يُجِبْنِي، قُلْنَ: لَا تَدَعِيهِ حَتَّى يَرُدَّ عَلَيْكِ، أَوْ تَنْظُرِينَ مَا يَقُولُ؟، فَلَمَّا دَارَ عَلَيْهَا كَلَّمَتْهُ،
فَقَالَ: ((لَا تُؤْذِينِي فِي عَائِشَةَ، فَإِنَّةً لَمْ يَنْزِلْ عَلَيَّ الْوَحْيُ، وَأَنَا فِي لِحَافِ امْرَأَةٍ مِنْكُنَّ، إِلَّا
(١) ((فتح)) ١١٠-١١١. ((كتاب أحاديث الأنبياء)).

٢٠٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ عِشْرَةِ النِّسَاءِ
◌ِي لِحَافٍ عَائِشَةَ)).
قَالَ أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ: هَذَانِ الْحَدِيثَانِ صَحِيحَانٍ، عَنْ عَبْدَةً).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١- (محمد بن آدم) بن سليمان الجهنيّ المصّيصيّ، صدوق [١٠] ١١٥/٩٣.
٢- (عبدة) بن سُليمان الكلابيّ، أبو محمد الكوفيّ، يقال: اسمه عبد الرحمن، ثقة
ثبت، من صغار [٨] ٣٣٩/٧.
٣- (هشام) بن عروة بن الزبير الأسديّ، ثقة فقيه ربما دلّس [٥] ٦١/٤٩.
٤- (عوف بن الحارث) بن الطفيل بن سخبرة- بفتح المهملة، وسكون المعجمة
بعدها موحّدة مفتوحة-الأزديّ، مقبول [٣] ٨٥٥/٥١.
٥- (رُميثة) بنت الحارث بن الطُّفيل بن سَخْبَرَة الأزديّة، أُخت عوف الراوي عنها،
أمّ عبد الله بن محمد بن أبي عَتِيق، رضيع عائشة، مقبولة [٤].
روت عن أم سلمة حديث الباب. وعنها أخوها عوف بن الحارث. ذكرها ابن حبّان
في (الثقات)). تفرّد بها المصنّف، روى لها حديث الباب فقط. والله تعالى أعلم.
٦- (أم سلمة) هند بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عُمَر بن المغيرة بن مخزم
المخزومية، أم المؤمنين رضي اللَّه تعالى عنها١٨٣/١٢٣. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح غير رُمَيثة كما مرّ آنفًا. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غیر شيخه،
فمصِّيصِيّ، وعبدة، فكوفيّ. (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن
بعض. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أُمْ سَلَمَةَ) هند بنت أبي أُميّة، أمّ المؤمنين رضي اللَّه تعالى عنها (أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ
(وَّاء) والمراد من نسائه وَّ هنّ حزب أم سلمة رضي الله تعالى عنهنّ، فقد تقدّم أنهنّ كنّ
حزبين: أحدهما: حزب عائشة، وحفصة، وصفيّة، وسَوْدة. والثاني: حزب أم سلمة،
وزينب بنت جحش الأسديّة، وأم حبيبة الأمويّة، وجويرية بنت الحارث، وميمونة بنت
الحارث رضي الله تعالى عنهنّ، دون زينب بنت خُزيمة أم المساكين، فإنها ماتت قبل
أن يتزوّج النبيّ وَّله أم سلمة، وأسكن أم سلمة بيتها لَمّا دخل بها، فالذين كلّمن أم سلمة
هنّ صواحباتها، لا كلّ أزواجه ◌َّلتر، كما رواه ابن سعد من طريق رُميثة المذكورة، عن

٢٠٣ =
٣- (حُبُّ الرَّجُل بعْضَ نِسَائِه أكثرَ مِن بعض)- حديث رقم ٣٤٠١
أم سلمة رضي اللّه تعالى عنها، قالت: كلّمني صواحبي، وهنّ ... فذكرتهنّ (كَلَّمْنَهَا
أَنْ تُكَلِّمَ النَّبِيَّ وََّ، أَنَّ النَّاسِ) يحتمل فتح ((أنّ)) على تقدير حرف التعليل، أي إنما
كلموها بما ذُكر؛ لأن الناس كانوا الخ. ويحتمل كسرها على أن تكون الجملة تعليلة
(كَانُوا يَتَحَرَّوْنَ بِهَدَايَاهُمْ يَوْمَ عَائِشَةَ) لما يرون من حبّ النبيّ ◌َّ إياها أكثر من حبّه
غيرها، ففي رواية البخاريّ: ((وكان الناس قد علموا حبّ رسول اللّه وَل عائشة، فإذا
كانت عند أحدهم هديّةٌ يُريد أن يُهديها إلى رسول اللّه ◌َا﴾ آخرها، حتى إذا كان رسول
اللَّه وَلّ في بيت عائشة بعث صاحب الهديّة إلى رسول اللّه وَ لهفي بيت عائشة، فكلّم
حزب أم سلمة، فقلن لها: كلّمي رسول اللّه وَ لهل يُكلّم الناس، فيقول: من أراد أن يُهدي
إلى رسول اللّه وَ ل هديّةً، فليُهدها حيث كان من بيوته ... )).
ولا يخفى أن ما طلبنه مما لا يليق بصاحب المروءة ذكره في مجالس الناس،
فطلبنهنّ منه ◌َ ﴿ أن يذكر للناس مثل هذا إما لعدم تفطّهنّ لما فيهنّ من شدّة الغيرة، أو
هو كناية عن التسوية بينهنّ في المحبّة بألطف وجه؛ لأن منشأ تحرّي الناس زيادة المحبّة
لعائشة، فعند التسوية بينهنّ في المحبّة يرتفع التحرّي من الناس، فكأنه إذا ساوى بينهنّ
في المحبّة فقد أمرهم بعدم التحريّ. والله تعالى أعلم (١) (وَتَقُولُ لَهُ: إِنَّا نُحِبُّ الْخَيْرَ)
والمراد ما يُهدى إليه وَله من أصحابه (كَمَا تُحِبُّ عَائِشَةَ) رضي اللَّه تعالى عنها (فَكَلَّمَتْهُ)
أم سلمة رضي اللّه تعالى عنها (فَلَمْ يُجِبْهَا) بضم أوله، من الإجابة، أي لم يرد ◌َّل عليها
جوابًا، وفي رواية البخاريّ: ((فلم يقل لها شيئًا)). ولعله وَلو ترك الجواب، رجاءً أن
تفهم من إعراضه عن إجابتها، أنه لا يحبّ أن يُكلّم في شأن عائشة رضي اللّه تعالى
عنها (فَلَمَّا دَارَ عَلَيْهَا كَلَّمَتْهُ أَيْضًا، فَلَمْ يُحِبْهَا، وَقُلْنَ: مَا رَدَّ عَلَيْكِ؟) ((ما)» استفهاميةٌ، أي
أيَّ شيء ردّ بَّ على سؤالك؟ (قَالَتْ: لَمْ يُجِبْنِي، قُلْنَ: لَا تَدَعِيهِ) بفتح الدال: أي لا
تتركيه من المراجعة في هذه القضيّة (حَتَّى بَرُدَّ عَلَيْكِ) أي جوابًا مناسبًا لأغراضهنّ،
وذلك أن يوافق على أن يكلّم الناس في شأن الهديّة، فيقول: من كان عنده هديّة يريد أن
يُهُديها إلى النبيّ وََّ، فليُهدها حيث كان من بيوت أزواجه، ولا يخصّ بين عائشة رضي
اللّه تعالى عنهنّ (أَوْ تَنْظُرِينَ مَا يَقُولُ؟) أي من الأعذار التي تمنعه من أن يقول للناس ما
ذُكر (فَلَمَّا دَارَ عَلَيْهَا كَلَّمَّتْهُ، فَقَالَ) وَّرِ (لَا تُؤْذِينِي فِي عَائِشَةَ، فَإِنَةُ) الفاء للتعليل، أي
لأنه (لَمْ يَنْزِلْ عَلَيَّ الْوَحْيُ، وَأَنَا فِي لِحَافِ امْرَأَةٍ مِنْكُنَّ) الجملة في محل نصب على
الحال، و((اللحاف)) بكسر اللام، بعدها حاء مهملة: كلُّ ثوب يُتَغَطّ به، والجمع لُحُف
-
(١) راجع ((شرح السنديّ)).

٢٠٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ عِشْرَةِ النِّسَاءِ
بضمّتين، مثلُ كِتاب وكُتُب. والْمِلْحَفَة بالكسر: هي الْمُلاءَةُ التي تَلْتَحِف بها المرأة.
أفاده الفيّوميّ (إِلَّ فِي لِحَافٍ عَائِشَةَ) زاد في رواية البخاريّ: ((قالت - يعني أم سلمة -:
أتوب إلى الله من أذاك يا رسول اللَّه».
قيل: الحكمة في اختصاص عائشة رضي اللّه تعالى عنها بذلك لمكان أبيها ربطثه ،
حيث كان لا يفارق النبيّ وَّر في أغلب أحواله، فسَرَى سرّه لابنته، مع ما كان لها من
مزيد حبّه وَّر. وقيل: إنها كانت تبالغ في تنظيف ثيابها التي تنام فيها مع النبيّ وَلآ،
والعلم عند الله تعالى. أفاده في ((الفتح))(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أم سلمة رضي الله تعالى عنها هذا متّفقٌ عليه، لكنه من حديث عائشة رضي
الله تعالى عنها، كما تقدّم للمصنّف مختصرًا في الذي قبله، وأما من حديث أم سلمة
فمن أفراد المصنّف، وهو صحيح من حديثهما، كما سيشير إليه المصنف رحمه الله
تعالی، قریبًا .
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٣/ ٣٤٠٠ من حديث عائشة، و٣٤٠١ و٣٤٠٢- من حديث أم سلمة،
وفي ((الكبرى)) ٨٨٩٧/٣ و٨٨٩٨ و٨٨٩٩. وأخرجه (خ) في ((الهبة)) ٢٥٨١
و ((الفضائل)) ٣٧٧٥ (م) في فضائل الصحابة)) ٢٤٤١ (ت) في ((المناقب)) ٣٨٧٩ (أحمد)
في ((باقي مسند الأنصار)) ٢٥٩٧٣. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان جواز حبّ الرجل بعض
نسائه أكثر من بعض. (ومنها): أن فيه منقبةٌ عظيمة لعائشة رضي الله تعالى عنها، حيث
إنها تميّزت عن سائر أمهات المؤمنين بنزول الوحي على رسول اللّه وَلتر، وهو في
لحافها، وكفى بهذا شرفًا وفخرًا لها رضي اللَّه تعالى عنها، وفيه أن محبّته وَّ لها تابعة
لعظم منزلتها عند الله تعالى.
(ومنها): أنه استدلّ به من قال: إن عائشة أفضل من خديجة رضي اللّه تعالى عنهما،
قال الحافظ رحمه الله تعالی: وليس ذلك بلازم؛ لأمرين:
(١) ((فتح)) ٧/ ٤٨١. ((كتاب فضائل أصحاب النبيّ وَّر.

٢٠٥
٣- (حُبُّ الرَّجُل بَعْضَ نِسَائِه أكثرَ مِنْ بَعْض)- حديث رقم ٣٤٠١
[أحدهما]: احتمال أن لا يكون أراد إدخال خديجة في هذا، وأن المراد بقوله:
"منكنّ)) المخاطبة، وهي أم سلمة، ومن أرسلها، أو من كان موجودًا حينئذ من النساء.
[والثاني]: على تقدير إرادة الدخول، فلا يلزم من ثبوت الخصوصيّة بشيءٍ من
الفضائل، ثبوت الفضل المطلق، كحديث: ((أقرؤكم أَبيّ، وأفرضكم زيد)»، ونحو ذلك.
(ومنها): أن فيه بيان ورع أم سلمة رضي اللّه تعالى عنها، وتقواها، حيث قالت:
((أتوب إلى الله من أذاك يا رسول اللَّه))، ولم تتمادى على المخاصمة على مقتضى
غيرتها. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[تنبيه]: قال في ((الفتح)): قال السبكيّ الكبير: الذي ندين الله به أن فاطمة أفضل،
ثم خديجة، ثم عائشة، والخلاف شهير، ولكن الحقّ أحقّ أن يُتّبع. وقال ابن تيميّة:
جهات الفضل بين خديجة وعائشة متقاربة. وكأنّه رأى التوقّف. وقال ابن القيم: إن
أريد بالتفضيل كثرة الثواب عند اللَّه، فذاك أمرٌ لا يُطَلَع عليه، فإن عمل القلوب أفضل
من عمل الجوارح، وإن أريد كثرة العلم، فعائشة، لا مَحَالَةً، وإن أريد شرف(١)،
ففاطمة، لا محالة، وهي فضيلة، لا يُشاركها فيها غير أخواتها، وإن أريد شرف
السيادة، فقد ثبت النصّ لفاطمة وحدها.
قال الحافظ: امتازت فاطمة عن أخواتها بأنهنّ متن في حياته، فكُنّ في صحيفته،
ومات هو في حياتها، فكان في صحيفتها، قال: وكنت أقول ذلك استنباطًا إلى أن
وجدته منصوصًا، قال أبو جعفر الطبريّ في تفسير آل عمران، من التفسير الكبير، من
طريق فاطمة بنت الحسين بن عليّ، أن جدّتها فاطمة قال: دخل رسول اللَّه وَله يومًا،
وأنا عند عائشة، فناجاني، فبكيت، ثم ناجاني، فضحكت، فسألتني عائشة عن ذلك،
فقلت: لقد علمت أأخبرك بسرّ رسول اللّه وَلَ؟ فتركتني، فلما توفّي سألت، فقلت:
ناجاني ... فذكر الحديث في معارضة جبريل له بالقرآن مرّتين، وأنه قال: ((أحسب أني
ميّتْ في عامي هذا، وأنه لم تُرزأ امرأةٌ من نساء العالمين مثل ما رزئت، فلا تكوني دون
امرأة منهنّ صبرًا، فبكيتُ، فقال: ((أنت سيدة نساء أهل الجنّة، إلا مريم))، فضحكت.
قال الحافظ: وأصل الحديث في ((الصحيح)) دون هذه الزيادة.
قال: وأما ما امتازت به عائشة من فضل العلم، فإن لخديجة ما يقابله، وهي أول من
أجاب إلى الإسلام، ودعا إليه، وأعان على ثبوته بالنفس والمال، والتوجّه التامّ، فلها
مثل أجر من جاء بعدها، ولا يقدر قدر ذلك إلا اللَّه. وقيل: انعقد الإجماع على أفضليّة
(١) هكذا نسخة ((الفتح))، والظاهر أنه سقط منه المضاف إليه، وأصله: ((شرف النسب))، والله أعلم.

=
٢٠٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ عِشْرَةِ النِّسَاءِ
فاطمة، وبقي الخلاف بين عائشة وخديجة انتهى(١). والله تعالى أعلم.
وقوله (قَالَ أَبو عَبْد الرَّحْمَنِ: هَذَانِ الْحَدِيثَانِ صَحِيحَانٍ، عَنْ عَبْدَةَ) الظاهر أن هذا
محلّه بعد الحديث التالي، كما هو صنيعه في ((الكبرى)) ٢٨٤/٥-، والمعنى أن رواية
عبدة بن سليمان لهذا الحديث بالطريقين المذكورين صحيحة، فيكون هشام بن عروة
رواه عن عوف بن الحارث، عن رُميثة، عن أم سلمة رضي اللّه تعالى عنها. وعن أبيه،
عن عائشة رضي الله تعالى عنها، فكلا الطريقين صحيحان. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٤٠٢- (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا
هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: ((كَانَ النَّاسُ يَتَحَرَّوْنَ بَهِدَايَاهُمْ يَوْمَ عَائِشَةً، يَبْتَغُونَ
بِذَلِكَ مَرْضَاةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ))).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: وقع في بعض النسخ: ((حدثنا هاشم بن عبد اللَّه))،
وهو غلطً فاحش، والصواب ما في بعض النسخ: ((هشام، عن أبيه))، وفي بعضها،
وهو الذي في ((الكبرى)): ((حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه))، فتنبّه. والله تعالى أعلم.
ورجال الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مزة. والحديث صحيح، وقد
سبق تمام البحث فيه في الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٤٠٣- (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ آدَمَ، عَنْ عَبْدَةَ، عَنْ هِشَام، عَنْ صَالِحِ بْنِ رَبِیعَةَ بْنِ هُدَيْرٍ ،
عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: أَوْحَى اللَّهُ إِلَى النَّبِيِّ وَِّ، وَأَنَا مَعُّهُ، فَقُمْتُ، فَأَجَفْتُ الْبَابَ بَيْنِي
وَبَيْنَهُ، فَلَمَّا رُفَّهَ عَنْهُ، قَالَ لِي: ((يَا عَائِشَةُ، إِنَّ جِبْرِيلَ يُقْرِتُكِ السَّلَامَ)) ).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: وقع أيضًا في هذا السند خطأ فاحش، ونصّه: ((عن
هاشم))، والصواب ما في بعض النسخ، و((الكبرى))، ولفظه: ((عن هشام))، وهو هشام
ابن عروة الذي روى عنه عبدة في الأسانيد السابقة. فتبه.
و((صالح بن ربيعة بن هُدير)) التيميّ المدنيّ، مقبول [٤].
روى عن عائشة رضي اللّه تعالى عنها، وعنه هشام بن عروة. ذكره ابن حبان في
(الثقات))، تفرّد به المصنّف، وله عنده هذا الحديث فقط. والله تعالى أعلم.
وقولها: ((فأجفتُ الباب)) من الإجافة، وهو الرّدّ، يقال: أجَفْتُ البابَ: أي رددته،
قال الشاعر [من الطويل]:
(١) «فتح» ٤٧٧/٧-٤٨١.

٢٠٧
٣- (حُبُّ الرَّجُلِ بَعْضَ نِسَائِهِ أَكْثَرَ مِنْ بَعْض) - حديث رقم ٣٤٠٤
فَجِثْنَا مِنَ الْبَابِ الْمُجَافِ تَوَاتُرًا وَإِنْ تَقْعُدَا بِالْخَلْفِ فَالْخَلْفُ أَوْسَعُ
وفي حديث الحجّ أنه دخل البيت، وأجاف البابَ: أي ردّه عليه. وفي الحديث:
((أَجِيفوا أبوابكم)). أفاده في ((اللسان)).
والظاهر أنها أجافت الباب بينها وبينه؛ لئلا تَشغَله عن الوحي الذي نزل عليه. والله
تعالى أعلم.
وقولها: ((فلمّا رُقِّهَ عنه)) بالبناء للمفعول،: أي أُزيح، وأُزيل عنه الضّيقُ والتعَبُ.
قاله في ((النهاية)). يقال: رَفَّهَ نفسَهُ بالتشديد: إذا أراحها. قاله في ((المصباح)). وتمام
شرح الحدیث یأتي قريبًا.
والحدیث ضعیف لأن في سنده صالح بن ربيعة بن هُدیر، فإنه لم يرو عنه غير هشام
ابن عروة، فهو مجهول العين، وهو بهذا السند من أفراد المصنف رحمه اللّه تعالى،
أخرجه هنا-٣٤٠٣/٣- وفي ((الكبرى)) ٨٩٠٠/٣. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٤٠٤- (أَخْبَرَنَا نُوحُ بْنُ حَبِيبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْمَرْ، عَنِ
الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُزْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ نَّهِ، قَالَ لَهَا: ((إِنَّ جِبْرِيلَ يَقْرَأُ عَلَيْكَ
السَّلاَمَ)»، قَالَتْ: وَعَلَيْهِ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، تَرَى مَا لَا نَرَى).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١- (نوح بن حبيب) القُومَسِيّ أبي محمد الْبَذَشِيِّ، ثقة سُنّيَ [١٠] ١٠١٠/٧٩.
والباقون تقدّموا قريبًا، وكذا لطائف الإسناد. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عُزْوَةً) سيأتي قريبًا أن المحفوظ رواية الزهريّ، عن أبي سلمة، عن عائشة، فإن
معمرًا قد خالف جماعة من أصحاب الزهريّ، فتُرجّح روايتهم على روايته (عَنْ عَائِشَةَ) أم
المؤمنين رضي اللَّه تعالى عنها (أَنَّ النَِّيّ ◌َِّ، قَالَ لَهَا: ((إِنَّ جِبْرِيلَ يَقْرَأُ عَلَيْكِ السَّلَامَ)) )
وفي نسخة: ((يُقرئك السلامَ))، فعلى الأول فهو بفتح حرف المضارعة، وعلى الثاني،
فهو بضمّها، يقال: قرأتُ على زيد السلام أقرَؤه قراءةً، وإذا أمرتَ منه قلتَ: اقرَأْ عليه
السلامَ، وتعديته بنفسه على هذا خطأً، فلا يقال: اقرأْهُ السلامَ، ويقال: أقرأته السلام،
أُقْرِتُهُ إقراءً، فتعدّيه بنفسه، ولا تقول: أقرأت عليه السلامَ(١).
(١) راجع ((المصباح المنير)) في مادة ((فرأ)).

٢٠٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ عِشْرَةِ النِّسَاءِ
والحاصل أنه إذا عدّيته بـ ((على))، فتحت حرف المضارعة منه، وإذا عدّيته بنفسه
ضممته، فلا يُجمع بين الضمّ وحرف الجرّ، فتنبه.
(قَالَتْ) عائشة رضي اللَّه تعالى عنها (وَعَلَيْهِ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ) كذا في هذه
الرواية بزيادة: ((ورحمة الله وبركاته))، وكذا هو عند البخاريّ، من طريق يونس، عن
الزهريّ، وفي أكثر الروايات زيادة: ((ورحمة اللَّه)) فقط، قال وليّ الدين: والأخذ
بالزيادة واجب، وهذا غاية السلام، وقد جاء في حديث: ((انتهاء السلام إلى البركة)).
انتھی(١).
قال القرطبيّ: هذا حجة لمن اختار أن يكون ردّ السلام هكذا، وإليه ذهب ابن عمر
رضي الله تعالى عنها (تَرَى مَا لَا نَرَى) أي إنك يا رسول اللَّه ترى جبريلِ الصَّلُ،
وتسمع كلامه، ونحن لا نراه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عائشة رضي اللَّه تعالى عنها هذا متفقٌ عليه بالسند التالي، من رواية أبي
سلمة، عنها، وأما من رواية عروة عنها، فغير محفوظ، كما سيأتي توضيحه قريبًا، إن
شاء الله تعالى.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٣٤٠٤/٣ و٣٤٠٥- وفي ((الكبرى)) ٨٩٠١/٣ و٨٩٠٢ و((المناقب))
٨٣٨٣/٧٨. وأخرجه (خ) في ((بدء الخلق)) ٣٢١٧ و((المناقب)) ٣٧٦٨ و((الأدب))
٦٢٠١ و((الاستئذان)) ٦٢٤٩ و٦٢٥٣ (م) في ((فضائل الصحابة)) ٢٤٤٧ (د) في في
((الأدب)) ٥٢٣٢ (ت) في ((المناقب)) ٣٨٨١ (ق) في ((الأدب)) ٣٦٩٦ (أحمد) في ((باقي
مسند الأنصار)» ٢٣٧٦٠ و٢٣٩٤١ و٢٤٠٥٣ و٢٤٦٤٧ و٢٥٣٥٢ (الدارمي) في
((الاستئذان)) ٢٦٣٨ . والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو حب الرجل بعض نسائه أكثر
من بعض، ووجه الاستدلال منه أنه وَّليه إنما كان حبه لعائشة رضي اللّه تعالى عنها؛
لأجل فضيلتها، ومناقبها الكثيرة، ومنها سلام جبريل عليه السلام عليها، فإن هذا منقبة
(١) ((طرح التثريب)) ١٠٨/٨.

٢٠٩=
٣- (حُبُّ الرّجل بعْضَ نِسَائِهِ أَكْثَرَ مِنْ بَعْض)- حدیث رقم ٣٤٠٤
عظيمة لها، تسحقّ أن يحبّها أكثر من غيرها. قال الحافظ وليّ الدين: لكن منقبة خديجة
رضي اللّه تعالى عنها في ذلك أعظم، وهي سلام اللَّه تعالى عليها، والمشهور تفضيل
خديجة على عائشة رضي اللّه تعالى عنهما، وهو الصحيح انتهى (١).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: أشار بسلام اللَّه تعالى إلى ما أخرجه الشيخان،
واللفظ للبخاريّ من طريق أبي زرعة، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: ((أتی جبريل
النبي وَّر، فقال: يا رسول الله، هذه خديجة، قد أتت معها إناء، فيه إدام، أو طعام،
أو شراب، فإذا هي أتتك، فاقرأ عليها السلام من ربها، ومني، وبشرها ببيت في الجنة،
من قصب، لا صخب فيه، ولا نصب)). قال السهيليّ: استدلّ بهذه القصّة أبو بكر بن
أبي داود على أن خديجة أفضل من عائشة؛ لأن عائشة سلّم عليها جبريل من قبل نفسه،
وخديجة أبلغها السلام من ربها. قال الحافظ: ومن صريح ما جاء في تفضيل خديجة ما
أخرجه أبو داود، والنسائيّ، وصححه الحاكم من حديث ابن عبّاس رضي اللّه تعالى
عنهما، رفعه: ((أفضل نساء أهل الجنّة خديجة بنت خُويلد، وفاطمة بنت محمد (وَلّ)).
قال السبكي الكبير كما تقدّم: لعائشة من الفضائل ما لا يحصى، ولكن الذي نختاره،
وندين الله به أن فاطمة أفضل، ثم خديجة، ثم عائشة. انتهى (٢).
وقد استنبط بعضهم من هذا الحدیث فضل خديجة
(ومنها): استحباب بعث السلام، قال وليّ الدين: قال أصحابنا - يعني الشافعيّة -:
ويجب على الرسول تبليغه، فإنه أمانة، ويجب أداء الأمانة. وينبغي أن يقال: إنما يجب
عليه ذلك إذا التزم، وقال للمرسل: إني تحمّلت ذلك، وسأبلغه له، فإن لم يلتزم ذلك
لم يجب عليه تبليغه، كمن أودع وديعةً، فلم يقبلها. انتهى.
(ومنها): بعث الأجنبيّ السلام إلى الأجنبيّة الصالحة، إذا لم يخف ترتّب مفسدة،
وبوّب عليه البخاريّ في ((صحيحه)): ((باب تسليم الرجال على النساء)). وأخرج
الترمذيّ، وحسّنه من حديث أسماء بنت يزيد، قال: ((مرّ علينا النبيّ وَّر في نسوة،
فسلم علینا))، وله شاهد من حديث جابر عند أحمد. وثبت في ((صحيح مسلم)) حديث
أمّ هانىء: ((أتيت النبيّ وَّز، وهو يغتسل، فسلمت عليه)). وأما ما أخرجه أبو نعيم في
((عمل اليوم والليلة)) من حديث واثلة، مرفوعًا: ((يسلّم الرجال على النساء، ولا يسلّم
النساء على الرجال))، فسنده واهٍ (٣).
(١) ((طرح التثريب)) ١٠٧/٨-١٠٨.
(٢) (فتح)) ٥١٩/٧ .
(٣) راجع (الفتح)) ١٩٨/١٢-١٩٩. ((كتاب الاستئذان)).

٢١٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ عِشْرَةِ النِّسَاءِ
(ومنها): أن الذي يبلغه سلام غيره عليه يرده، قال وليّ الدين: قال أصحابنا: وهذا
الردّ واجب على الفور، وكذا لو بلغه سلام في ورقة من غائب لزمه أن يرد عليه السلام
باللفظ على الفور إذا قرأه انتهى.
(ومنها): أنه ذكر النوويّ رحمه الله تعالى أنه يستحبّ أن يرد على المبلّغ أيضًا،
فيقول: وعليه، وعليك السلام، ورحمة الله. وبركاته، قال وليّ الدين: ويشهد لما
ذكره ما رواه النسائيّ، وصاحبه ابن السنّيّ، كلاهما في ((عمل اليوم والليلة)) أن رجلًا من
بني تميم أبلغ النبيّ وَّر عن أبيه السلام، فقال: ((وعليك، وعلى أبيك السلام)). لكن ما
ذكره النووي فيه تقديم الردّ على الغائب، والذي في هذا الحديث تقديم الردّ على
الحاضر. ولم يقع في حديث عائشة رضي اللّه تعالى عنها الرد على النبيّ وَّ الذي هو
مبلّغ السلام عن جبريل نَّالَّله، وذلك يدلّ على أنه غير واجب. وقد يقال: الواقع في
حديث عائشة إبلاغ السلام عن حاضر، إلا أنه غائبٌ عن العين، ولهذا قالت عائشة
رضي اللّه تعالى عنها: ((ترى ما نرى))، بخلاف قضيّة التميميّ، فإنه إبلاغ سلام عن
غائب. وقد يقال: لا أثر لذلك في ردّ السلام على المبلغ، وتركه انتهى (١).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: قوله: ((من بني تميم)) الذي في ((عمل اليوم والليلة))
للمصنف برقم ٣٧٣- بتحقيق الدكتور فاروق حمادة ((رجل من بني نمير، عن أبيه، عن
جدّه)). والحديث ضعيف لجهالة الرجل المذكور. والله تعالى أعلم.
(ومنها): استحباب أن يأتي في الرّدّ بالواو، فيقول في جواب الحاضر: ((وعليكم
السلام))، وفي جواب الغائب: ((وعليه السلام))، كما وقع في هذا الحديث.
(ومنها): استحباب الزيادة في ردّ السلام. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٤٠٥- (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ نَافِعِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا شُعَيْبٌ،
عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَّمَّةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ: ((يَا
عَائِشَةُ، هَذَا جِبْرِيلُ، وَهُوَ يَقْرَأُ عَلَيْكِ السَّلَامَ ... ))، مِثْلَهُ، سَوَاءٌ.
قَالَ أَبو عَبْد الرَّحْمَنِ: هَذَا الصَّوَابُ، وَالَّذِي قَبْلَهُ خَطَأْ).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه
من أفراده، وهو ثقة حافظ.
و((الحكم بن نافع)): هو أبو اليمان الحمصيّ. و((شُعيب)): هو ابن أبي حمزة الحمصيّ.
وقوله: ((يا عائشة))، وفي نسخة: ((يا عائش)) بحذف الهاء، على الترخيم، كما قال
(١) ((طرح التثريب)) ١٠٨/٨.

٣- (حُبُّ الرَّجُل بعضَ نِسَائِه أكثرَ مِنْ بَعْض)- حدیث رقم ٣٤٠٥
٢١١ =
في ((الخلاصة)):
تَرْخِيمًا اخذِفْ آخِرَ الْمُنَادَى كَيَ ((يَا سُعَا)) فِيمَنْ دَعَا ((سُعَادَا))
وقوله: ((مثله)) يحتمل الرفع خبر لمحذوف، أي متن الحديث مثل المتن الماضي.
ويحتمل نصبه، على الحال، أي حال كونه الحديث الماضي. وقوله: ((سواء» مؤكّد لـ
«مثله))، وإعرابه كإعرابه.
وقوله: ((هذا الصواب، والذي قبله خطا)) يعني أن كون الحديث من رواية أبي سلمة،
عن عائشة رضي اللّه تعالى عنها هو الصواب، وأما كونه من رواية عروة، عنها فخطاً،
وقد بيّن وجه الخطإ المصنّف في ((عمل اليوم والليلة))، فقال بعد أن ساق بسند معمر،
عن الزهريّ، عن عروة المتقدّم: ما نصّه: خالفه ابن المبارك، ثم ساقه من طريق ابن
المبارك، عن الزهريّ، عن أبي سلمة ... ، ثم قال: وهذا الصواب؛ لمتابعة شعيب،
وابن مسافر إياه على ذلك انتهى.
وقال الحافظ وليّ الدين رحمه الله تعالى: ما نصّه: رواه النسائيّ عن نوح بن
حبيب، عن عبد الرزّاق، عن معمر، عن الزهريّ، عن عروة، عن عائشة، وقال: هذا
خطأ، وأشار بذلك إلى أنه خطأ من جهة الإسناد لذكر عروة فيه، وإنما المعروف من
حديث الزهريّ روايته له عن أبي سلمة، عن عائشة، اتفق الشيخان، والنسائيّ على
إخراجه كذلك، من طريق شعيب بن أبي حمزة، وأخرجه البخاريّ، والترمذيّ،
والنسائيّ من طريق معمر، وأخرجه البخاريّ من طريق يونس بن يزيد، وأخرجه النسائيّ
من طريق عبد الرحمن بن خالد بن مسافر، كلهم عن الزهريّ، عن أبي سلمة، عن
عائشة، وهو معروف من حديث أبي سلمة من غير طريق الزهريّ، رواه الأئمة الستّة،
خلا النسائيّ، من طريق الشعبيّ، عن أبي سلمة، عن عائشة رضي اللّه تعالى عنها انتهى
كلام وليّ الدين رحمه اللّه تعالى(١).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الحاصل أن المحفوظ في هذا الحديث كونه عن أبي
سلمة، عن عائشة، لاتفاق هؤلاء الحفّاظ: شعيب بن أبي حمزة، ويونس بن يزيد الأيليّ،
وعبد الرحمن بن خالد بن مسافر على ذلك، مع أنه روي عن الشعبيّ، عن أبي سلمة، فعُلم
أن رواية معمر غير محفوظة، على أنه اختُلف عليه فيه، فقد رواه عبد الله بن المبارك عنه،
كرواية الجماعة (٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(١) ((طرح التثريبب)) ١٠٧/٨.
(٢) أخرجه البخاري في ((كتاب الاستئذان)) من ((صحيحه)) برقم (٦٢٤٩).

٢١٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ عِشْرَةِ النِّسَاءِ
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
إنیب)» .
٤ - (بَابُ (١) الْغَيْرَةِ)
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: ((الغَيْرَةُ)) بفتح الغين المعجمة، وسكون الياء التحتيّة،
بعدها راءٌ: مصدر غار الرجل على امرأته، والمرأة على زوجها يَغار، من باب تَعِبَ غَيْرًا،
وغَيْرَةٌ بالفتح، وغَارًا. قال ابن السكّيت: ولا يقال: غِيرًا وغيرةً بالكسر. فالرجل غيورٌ،
والمرأة غيورٌ أيضًا، وغيرَى، وجمع غَيُور غُيُرٌ، مثلُ رسول ورُسُلٍ، وجمع غَيْرَان، وغَيْرَى
غيارى، بالضمّ والفتح. قاله الفيوميّ.
وقال القاضي عياض، وغيره: هي مشتقّةٌ من تغيّر القلب، وهيجان الغضب بسبب
المشاركة فيما به الاختصاص، وأشدّ ما يكون ذلك بين الزوجين انتهى (٢). والله تعالى
أعلم بالصواب.
٣٤٠٦- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ، قَالَ:
حَدَّثَنَا أَنَسٌ(٣)، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ نَّهِ عِنْدَ إِحْدَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، فَأَرْسَلَتْ أُخْرَى،
بِقَصْعَةٍ فِيهَا طَعَامٌ، فَضَرَبَتْ بَدَ الرَّسُولِ، فَسَقَطَتِ الْقَصْعَةُ، فَانْكَسَرَتْ، فَأَخَذَ النَِّيِّ نَهـ
الْكِسْرَتَيْنِ، فَضَمَّ إِحْدَاهُمَا إِلَى الْأُخْرَى، فَجَعَلَ يَجْمَعُ فِيهَا الطَّعَامَ، وَيَقُولُ: ((غَارَتْ
أُمْكُمْ، كُلُوا))، فَأَكَلُوا، فَأَمْسَكَ، حَتَّى جَاءَتْ بِقَصْعَتِهَا الَّتِي فِي بَيْتِهَا، فَدَفَعَ الْقَضْعَةَ
الصَّحِيحَةَ إِلَى الرَّسُولِ، وَتَرَكَ الْمَكْسُورَةَ فِي بَيْتِ الَّتِي كَسَرَتَّا).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١- (محمد بن المثنى) أبو موسى الْعَنَزي البصريّ، ثقة ثبت [١٠] ٨٠/٦٤ .
٢- (خالد) بن الحارث الْهُجَيميّ، أبو عثمان البصريّ، ثقة ثبت [٨] ٤٧/٤٢.
٣- (حميد) بن حميد الطويل، أبو عبيدة البصريّ، ثقة يدلس [٥] ١٠٨/٨٧.
٤- (أنس) بن مالك رضي الله تعالى عنه ٦/٦. والله تعالى أعلم.
(١) سقط من بعض النسخ لفظ ((باب)).
(٢) راجع ((الفتح)) ٤٠١/١٠ ((كتاب النكاح)).
(٣) وفي نسخة: ((قال: قال أنسٌ)).

٢١٣
٤- (بَابُ الْغَيْرَةِ) - حديث رقم ٣٤٠٦
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من رباعيات المصنف رحمه الله تعالى وهو (١٧٨) من رباعيات
الكتاب. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): مسلسل بالبصريين.
(ومنها): شيخه هو أحد مشايخ الأئمة الستّة من دون واسطة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
عن أنس رضي الله تعالى عنه أنه (قال: كَانَ النَِّّنَّهِعِنْدَ إِحْدَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ) وفي
رواية الترمذيّ، من طريق سفيان الثوريّ، عن حميد، عن أنس: ((أهدت بعض أزواج النبيّ
وَال وطعامًا في قصعة، فضربت عائشة القصعة بيدها ... )) الحديث، وأخرجه أحمد عن ابن
أبي عديّ، ويزيد بن هارون، عن حميد به، وقال: أظنّها عائشة. قال الطيبيّ: إنما أُبهمت
عائشة تفخيمًا لشأنها، وأنه مما لا يخفى، ولا يلتبس أنها هي؛ لأن الهدايا إنما كانت تُهُدى
إلى النبيّ وَّ في بيتها انتهى (١) (فَأَرْسَلَتْ أُخْرَى) أي أرسلت امرأة أخرى، من أمهات
المؤمنين رضي اللَّه تعالى عنهنّ، زاد في رواية البخاريّ: ((مع خادم))، قال في ((الفتح)): لم
أقف على اسم الخادم، وأما المرسلة فهي زينب بنت جحش، ذكره ابن حزم في ((المحلّى))
من طريق الليث بن سعد، عن جرير بن حازم، عن حميد: سمعت أنس بن مالك أن زينب
بنت جحش، أهدت إلى النبيّ بِّه، وهو في بيت عائشة، ويومها جَفْنَةً من حَيْسٍ)).
واستفدنا منه معرفة الطعام المذكور. ووقع قريبٌ من ذلك لعائشة مع أمّ سلمة رضي الله
تعالى عنهما، كما سيأتي للمصنّف في الرواية التالية من طريق حماد بن سلمة، عن ثابت،
عن أبي المتوكّل ... وأخرجه الدار قطنيّ من طريق عمران بن خالد، عن ثابت، عن أنس
رَالله، قال: ((كان النبيّ ◌َ له في بيت عائشة معه بعض أصحابه، ينتظرون طعامًا، فسبقتها -
قال عمران: أكثر ظنّي أنها حفصة- بصفحة، فيها ثريدٌ، فوضعتها، فخرجت عائشة - وذلك
قبل أن يحتجبن- فضربتها بها، فانكسرت ... )) الحديث.
قال الحافظ: ولم يصب عمران في ظنّه أنها حفصة، بل هي أم سلمة، كما تقدّم. نعم
وقعت القصّة لحفصة أيضًا، وذلك فيما رواه ابن أبي شيبة، وابن ماجه من طريق رجل من
بني سواءة، غير مسمّى، عن عائشة، قالت: ((كان رسول اللَّهُ وَّل مع أصحابه: فصنعتُ له
طعامًا، وصنعت له حفصة طعامًا، فسبقتني، فقلت للجارية: انطلقي، فأكفئي قصعتها،
فأكفأتها، فانكسرت، وانتشر الطعام، فجمعه على النطع، فأكلوا، ثم بعث بقصعتي إلى
حفصة، فقال: ((خذوا ظرفًا مكان ظرفكم)). وبقيّة رجاله ثقات، وهي قصّة أخرى، بلا
(١) راجع ((الفتح)) ٤٢٠/٥. ((كتاب المظالم)).

٢١٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ عِشْرَةِ النِّسَاءِ
ريب؛ لأن في هذه القصّة أن الجارية هي التي كسرت الصحفة، وفي الذي تقدّم أن عائشة
نفسها هي التي كسرتها. وروى أبو داود، والنسائيّ، من طريق جَسْرَة -بفتح الجيم،
وسكون المهملة- عن عائشة، قالت: ((ما رأيت صانعةً طعامًا مثل صفيّة، أهدت إلى النبيّ
رَّ﴿ إناءً، فيه طعام، فما ملكتُ نفسي أن كسرته، فقلت: يا رسول الله، ما كفّارته؟ قال:
((إناء كإناء، وطعامٌ كطعام)). وإسناده حسن. ولأحمد، وأبي داود، عنها: ((فلما رأيت
الجارية أخذتني رعدة))، فهذه قصّةٌ أخرى أيضًا.
وتحرّر من ذلك أن المراد بمن أبهم في حديث الباب هي زينب لمجيء الحديث من
مخرجه، وهو حميد، عن أنس، وما عدا ذلك، فقصص أخرى، لا يليق بمن يُحقّق أن
يقول في مثل هذا: قيل: المرسلة فلانة، وقيل: فلانة الخ، من غير تحرير انتهى كلام
الحافظ، وهو كلام نفيسٌ. والله تعالى أعلم.
(بِقَصْعَةٍ) بفتح القاف: إناء من خشب. وعند البخاريّ في ((النكاح)) في رواية ابن
علية ((بصحفة))، وهي قصعة مبسوطة، وتكون من غير الخشب (فِيهَا طَعَامٌ) تقدّم قريبًا،
أنه كان حيسًا (فَضَرَبَتْ يَدَ الرَّسُولِ، فَسَقَطَتِ الْقَصْعَةُ، فَانْكَسَرَتْ) زاد أحمد:
((نصفين))، وفي رواية أم سلمة الآتية بعد هذا: «فجاءت عائشة، ومعها فهرٌ، ففلقت به
الصحفة))، وفي رواية ابن عليّة: ((فضربت التي في بيتها يد الخادم، فسقطت الصحفة،
فانفلقت)). والفَلْق بالسكون الشّقّ. ودلّت الرواية الأخرى على أنها انشقّت، ثم انفصلت
(فَأَخَذَ النَّبِيُّ ◌َِّ الْكِسْرَتَيْنِ) وفي نسخة: ((الكَسْرَين)) (فَضَمَّ إِحْدَاهُمَا إِلَى الْأُخْرَى،
فَجَعَلَ يَجْمَعُ فِيهَا الطَّعَامَ، وَيَقُولُ) بَرِ الغَارَتْ أَمُّكُمْ) أي إنما حملها على هذا الاعتداء
غيرتها على ضرّتها. قال الطيبيّ: وإنما وُصفت المرسلة بأنها أم المؤمنين إيذانًا بسبب
الغيرة التي صدرت من عائشة، وإشارة إلى غيرة الأخرى، حيث أهدت إلى بيت
ضرّتها. وقوله: غارت أمكم)) اعتذارٌ منه وَلّ؛ لئلا يُحمل صنيعُها على ما يُذمّ، بل
يُجْرَى على عادة الضرائر من الغيرة، فإنها مركّبةٌ في النفس بحيث لا يقدر على دفعها.
قاله في ((الفتح)). وقال في موضع آخر: الخطاب في قوله: ((أمكم)) لمن حضر، والمراد
بالأمّ هي التي كسرت الصحفةَ، وهي من أمهات المؤمنين، كما تقدّم بيانه. وأغرب
الداوديّ، فقال: المراد بقوله: ((أمّكم)) سارة، وكأنّ معنى الكلام عنده، لا تتعجّبوا مما
وقع من هذه من الغيرة، فقد غارت قبل ذلك أمّكم حتى أخرج إبراهيمُ ولده إسماعيل،
وهو طفل مع أمه إلى واد غير ذي زرع، وهذا، وإن كان له بعض توجيه، لكن المراد
خلافه، وأن المراد كاسرة الصحفة، وعلى هذا حمله جميع مَنْ شرح هذا الحديث،
وقالوا: فيه إشارة إلى عدم مؤاخذة الغيراء بما يصدر منها لأنها في تلك الحالة يكون

٤- (بابُ الغيرة) - حدیث رقم ٣٤٠٦
٢١٥ =
عقلها محجوبًا بشدّة الغضب الذي أثارته الغيرة.
وقد أخرج أبو يعلى بسند لا بأس به، عن عائشة، مرفوعًا: ((أن الغيراء لا تُبصر
أسفل الوادي من أعلاه)). قاله في قصّة. وعن ابن مسعود رفعه: ((إن اللَّه كتب الغيرة
على نساء، فمن صبر منهنّ، كان لها أجر شهيد)). أخرجه البزّار، وأشار إلى صحّته،
ورجاله ثقات، لكن اختلف في عبيد بن الصبّاح منهم. وفي إطلاق الداوديّ على سارة
أنها أم المخاطبين نظر أيضًا، فإنهم إن كانوا من بني إسماعيل، فأمّهم هاجر، لا سارة،
ويبعد أن يكونوا من بني إسرائيل حتى يصحّ أن أمهم سارة انتهى(١).
(كُلُوا))، فَأَكَلُوا، فَأَمْسَكَ) أي أمسك ◌َِّ القَصْعَةَ المكسورة (حَتَّى جَاءَتْ) الكاسرة
(بِقَصْعَتِهَا الَّتِي فِي بَيْتِهَا، فَدَفَعَ الْقَضْعَةَ الصَّحِيحَةَ إِلَى الرَّسُولِ) أي إلى رسول المرأة التي
أرسلت بالطعام (وَتَرَكَ الْمَكْسُورَةَ فِي بَيْتِ الَّتِي كَسَرَتَها) زاد في رواية الثوريّ: ((إناءٌ
كإناء، وطعامٌ كطعام)). وقال ابن العربيّ: وكأنه إنما لم يؤذّب الكاسرة، ولو بالكلام لما
وقع منها من التعدّي؛ لما فهم من أن التي أهدت أرادت بذلك أذى التي هو في بيتها،
والمظاهرة عليها، فاقتصر على تغريمها للقصعة. قال: وإنما لم يُغرّمها الطعام؛ لأنه
كان مُهْدَى، فإتلافهم له قبولٌ، أو في حكم القبول. قال الحافظ: وغفل رحمه الله
تعالى عما ورد في الطريق الأخرى. انتهى(٢).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: يعني قوله وَله: ((إناء كإناء، وطعامٌ كطعام))
المذكور، فإنه صريح في كونه ﴿ غزّمها الإناء، والطعام. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أنس رضي اللَّه تعالى عنه هذا أخرجه البخاريّ.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٣٤٠٦/٤ - وفي ((الكبرى)) ٨٩٠٣/٤. وأخرجه (خ) في ((المظالم
والغصب)) ٢٤٨١ و((النكاح)) ٥٢٢٥ (د) في ((البيوع)) ٣٥٦٧ (ق) في ((الأحكام)) ٢٣٣٤
(أحمد) في ((باقي مسند المكثرين)) ١١٦١٦ و١٣٣٦١ (الدارمي) في ((البيوع)) ٢٥٩٨.
والله تعالى أعلم.
(١) ((فتح) ٤٠٧/١٠. (كتاب النكاح)).
(٢) (فتح)) ٤٢٢/٥. (كتاب المظالم)).
:

٢١٦
=
=
شرح سنن النسائي - كِتَابُ عِشْرَةِ النِّسَاءِ
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان حكم الغيرة، وأنها لا
ينقص من دين المرأة شيئًا، حيث عذر النبيّ وَ لّ عائشة رضي الله تعالى عنها بسببها،
وإنما ألزمها ضمان ما جنته. (ومنها): سعة أخلاق النبيّ وَّه، وإنصافه، وتحمّله ما
يحدث من أزواجه بسبب الغيرة. (ومنها): مشروعية الضمان بالمثل في كسر القصعة،
ونحوها، وسيأتي ما قاله أهل العلم في ذلك، في المسألة التالية، إن شاء الله تعالى.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): قال ابن بطّال: احتجّ الشافعيّ، والكوفيّون فيمن استهلك
عروضًا، أو حيوانًا، فعليه مثل ما استهلك، قالوا: ولا يُقضى بالقيمة إلا عند عدم
المثل. وذهب مالكٌ إلى القيمة مطلقًا، وعنه في رواية كالأوّل، وعنه ما صنعه الآدميّ
فالمثل، وأما الحيوان فالقيمة، وعنه ما كان مكيلًا، أو موزونًا فالقيمة، وإلا فالمثل،
وهو المشهور عندهم. قال الحافظ: وأما ما أطلقه عن الشافعيّ ففيه نظرٌ، وإنما يُحكم
في الشيء بمثله إذا كان متشابه الأجزاء، وأما القصعة فهي من المقوّمات لاختلاف
أجزائها. والجواب ما حكاه البيهقيّ بأن القصعتين كانتا للنبيّ وَّ في بيتي زوجتيه،
فعاقب الكاسرة بجعل القصعة المكسورة في بيتها، وجعل الصحفة الصحيحة في بيت
صاحبتها، ولم يكن هناك تضمين. ويحتمل على تقدير أن تكون القصعتان لهما أنه رأى
ذلك سدادًا بينهما، فرضيتا بذلك. ويحتمل أن يكون ذلك في الزمان الذي كانت العقوبة
فيه بالمال، فعاقب الكاسرة بإعطاء قصعتها للأخرى.
قال الحافظ: ويُبعد هذا التصريح بقوله: ((إناءٌ كإناء)). وأما التوجيه الأول فيعكُرُ عليه
قوله في الرواية التي ذكرها ابن أبي حاتم: ((من كسر شيئًا، فهو له، وعليه مثله))، زاد في
رواية الدار قطنيّ: ((فصارت قضيّة))، وذلك يقتضي أن يكون حكمًا عامًا لكلّ من وقع له
مثلُ ذلك، ويبقى دعوى من اعتذر عن القول به بأنها واقعة عينٍ، لا عموم فيها.
لكن محلّ ذلك ما إذا أفسد المكسور، فأما إذا كان الكسر خفيفًا، يمكن إصلاحه،
فعلى الجاني أرشه. قال: وأما مسألة الطعام، فهي محتملةٌ لأن يكون ذلك من باب
المعونة، والإصلاح، دون بتّ الحكم بوجوب المثل فيه؛ لأنه ليس له مثلٌ معلوم،
وفي طرق الحديث ما يدلّ على ذلك، وأن الطعامين كانا مختلفين. والله أعلم
3
انتھی("
(١) ((فتح)) ٤٢١/٥-٤٢٢.

٢١٧
٤- (بَابُ الْغَيْرة) - حديث رقم ٣٤٠٧
=
=
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الذي يظهر لي أن قول من قال بتضمين الحيوان،
والعروض بالمثل هو الأولى؛ لظاهر حديث الباب، وأما دعوى أنها واقعة عين، فمما
لا دليل عليه، وليس هذا مما يُستغرب، فقد ثبت الضمان بالمثل في الشرع في كثير من
الإتلافات، كجزاء الصيد، وغيره. فتفطّن. والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: احتجّ الحنفيّة بهذا الحديث لقولهم: إذا تغيّرت العين المغصوبة بفعل
الغاصب، حتى زال اسمها، وعظم منافعها، زال ملك المغصوب عنها، وملكها
الغاصب، وضَمِنَها. وفي الاستدلال بهذا الحديث نظرٌ لا يخفى. قاله في ((الفتح))(١).
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
٣٤٠٧- (أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَسَدُ بْنُ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ
بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الْمُتَوَكْلِ، عَنْ أُمْ سَلَمَةَ، أَنَّا، يَعْنِي أَتَتْ بِطَعَامِ، فِي
صَخْفَةٍ لَهَا، إِلَى رَسُولِ اللَّهِ لِلّهِ وَأَصْحَابِهِ، فَجَاءَتْ عَائِشَةُ، مُتَّزِرَةً بِكِسَاءٍ، وَمَعَهَاً فِهْرٌ،
فَقَلَقَتْ بِهِ الصَّحْفَةَ، فَجَمَعَ النَّبِيُّ وَّهَ بَيْنَ فِلْقَتَي الصَّخْفَةِ، وَيَقُولُ: ((كُلُوا، غَارَتْ
أُمْكُمْ))، مَرَّتَيْنٍ، ثُمَّ أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَحْفَةَ عَائِشَةَ، فَبَعَثَ بِهَا إِلَى أُمّ سَلَمَةَ، وَأَغْطَى
صَحْفَةَ أُمْ سَلَمَّةَ عَائِشَةَ).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: ((الربيع بن سليمان)): هو الجيزيّ الأعرج. ويحتمل
أن یکون الربيع بن سليمان المراديّ المؤذِّن، فكلاهما يروي عنه المصنّف، ویرویان عن
أسد بن موسى، وكلاهما مصريّان ثقتان. و((أسد بن موسى)): هو الأمويّ المعروف بـ
((أسد السنّة))، وثّقه المصنّف، وغيره. و((ثابت)): هو البنانيّ البصريّ. و((أبو
المتوكّل)): هو عليّ بن داود، ويقال: دُؤاد الناجيّ البصريّ. والله تعالى أعلم.
وقوله: ((أنها يعني أتت بطعام)) أتي بـ ((يعني)) إشارةً إلى أنه شكّ في هذه اللفظة، هل
هي أتت، أو جاءت، أو نحو ذلك، ولم يظهر لي من أتي بالعناية. والله تعالى أعلم.
وقوله: ((بصحفة)) -بفتح الصاد، وسكون الحاء المهملتين -: إناءٌ كالقَضعة، والجمع
صِحَافٌ، مثلُ كَلْبة وكِلابٍ، وقال الزمخشريّ: الصَّخفة قَصْعَةٌ مستطيلة. أفاده
الفيّوميّ.
وقولها: ((ومعها فِهْرٌ) في ((القاموس)»: الْفِهْرُ - بالكسر -: الحجرُ قدر ما يُدقّ به
الجوز، أو ما يملأ الكفّ، ويؤنّث، والجمع أفهار، ونُهُور انتهى.
وقولها: ((ففلقت)) بفتح الفاء، واللام، من باب ضرب: أي شَقَّت. وقولها: ((بين
(١) ((فتح)) ٤٢٢/٥ ((كتاب المظالم)).

٢١٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ عِشْرَةِ النِّسَاءِ
فِلقتي الصحفة)) بكسر الفاء، وسكون اللام تثنية فِلْقةٍ: وهي القِطْعة، وزنًا ومعنّى. وقد
تقدّم تمام الشرح، وبيان فوائده في الذي قبله.
والحديث صحيح، تفرد به المصنف، فأخرجه هنا- ٤/ ٣٤٠٧- وفي ((الكبرى)) ٤/
٨٩٠٤ . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم
الو کیل.
٣٤٠٨- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ فُلَيْتٍ، عَنْ
جَسْرَةَ بِنْتِ دَجَاجَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ صَانِعَةً طَعَامِ، مِثْلَ صَفِيَّةَ، أَهْدَتْ إِلَى
النَّبِيِّ نَ ◌ّهِ إِنَاءَ فِيهِ طَعَامٌ، فَمَا مَلَكْتُ نَفْسِي، أَنْ كَسَرْتُهُ، فَسَأَلْتُ النَِّيَّ ◌َِّ، عَنْ
كَفَّارَتِهِ؟، فَقَالَ: ((إِنَاءٌ كَإِنَاءٍ، وَطَعَامٌ كَطَعَامِ)) ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١- (محمد بن المثنى) العنزي البصري، ثقة حافظ [١٠] ٨٠/٦٤ .
٢- (عبد الرحمن) بن مهديّ البصريّ الإمام الحجة الثبت [٩] ٤٩/٤٢.
٣- (سفيان) بن الثوريّ الإمام الحجة الثبت [٧] ٣٧/٣٣.
٤- (قُلَيَتْ)- بضمّ الفاء، آخره تاء مثناة فوقيّةٌ، مصغّرًا: هو أفلت بن خليفة
العامريّ، ويقال: الذّهليّ، ويقال: الْهُذليّ، أبو حَسَّان الكوفيّ، صدوق [٥].
روى عن جَسْرة بنت دجاجة، ودُهيمة بنت حسّان. وعنه الثوريّ، وأبو بكر بن
عيّاش، وعبد الواحد بن زياد. قال أحمد: ما أرى به بأسًا. وقال أبو حاتم: شيخٌ.
وقال الدارقطنيّ: صالح. وذكره ابن حبان في ((الثقات)). وصحح ابن خُزيمة حديثه عن
جَسْرة: ((لا أحلّ المسجد لجنب، ولا حائض)). وحسّنه ابن القطّان. وقال الخطّابيّ في
(شرح السنن)): ضعّفوا هذا الحديث، وقالوا: راويه مجهول. وقال ابن حزم: أفلت
غير مشهور، ولا معروف بالثقة، وحديثه باطلٌ. وقال البغويّ في ((شرح السنّة)):
ضَعْف أحمد هذا الحديث؛ لأن راويه أفلت، وهو مجهول. تفرّد به أبو داود،
والمصنّف، وله عنده هذا الحديث، وحديث عائشة -٥٥٢٠/٥٦- في ((كتاب
الاستعاذة)): ((اللّهم رب جبريل، وميكائيل، وإسرافيل ... )).
٥- (جَسْرَة) بنت دجاجة العامريّة الكوفيّة، وثّقها العجليّ، وابن حبّان، ويقال: إن
لها إدراكًا [٣] ١٠١٠/٧٩.
٦- (عائشة) رضي اللّه تعالى عنها٥/٥. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه اللّه تعالى. (ومنها): أنه مسلسل

٢١٩
٤ - (بَابُ الْغَيْرة) - حديث رقم ٣٤٠٩
بالكوفيين، غير شيخه، وشيخ شيخه، فبصريان، وعائشة رضي الله تعالى عنها،
فمدنية. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّة، وفيه عائشة رضي اللّه تعالى عنها من
المكثرين السبعة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَائِشَةً) رضي اللَّه تعالى عنها، أنها (قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ صَانِعَةَ طَعَامِ، مِثْلَ صَفِيَّةَ)
بنت حييّ أم المؤمنين رضي اللَّه تعالى عنها (أَهْدَتْ إِلَى النَّبِيِّ نَّهِ إِنَاءَ فِيهِ طَعَامٌ، فَمَا
مَلَكْتُ نَفْسِي أَنْ كَسَرْتُهُ) ((أن)) مصدريّة، والفعل في تأويل المصدر مجرور بـ (من))
محذوفةً قياسًا، أي لم أملك نفسي، ولم أَضْبِطها من كسر ذلك الإناء، من شدّة الغيرة
(فَسَأَلْتُ النَّبِيِّ ◌َِّ، عَنْ كَفَّارَتِهِ؟) أي فندمت على ما فعلت، فسألته مَّلِ عما يزيل ذلك
الذنب (فَقَّالَ) وَ (إِنَاءٌ كَإِنَاءٍ، وَطَعَامٌ كَطَعَام) يعني أن الذي يُكفّر مثل هذا الذنب هو
ضمان مثله، فيُضمن الإناء بإناء مثله، ويُضَمنُ الطعام بطعام مثله، ففيه إثبات ضمان
الأشياء القيمية بمثلها، إذا كان لها مثل، وهو الأصحّ، كما بينته قريبًا. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عائشة رضي اللَّه تعالى عنها هذا حديثٌ حسنٌ، وفُليتٌ، قد روى عنه
الثوريّ، وأبو بكر بن عيّاش، وعبد الواحد بن زياد، وقد قوّاه من قدّمنا ذكرهم قريبًا،
وجَسْرة، روى عنها فُليتٌ، وقُدامة بن عبد اللَّه العامريّ، ومَخدوج الذُّهليّ، وعمر بن
عُمير بن مَخدوج، ووثقها العجليّ، وابن حبّان، وذكرها أبو نُعيم في ((الصحابة)). وقال
البخاريّ: عند جسرة عجائب، فقال أبو الحسن ابن القطّان: هذا القول لا يكفي لمن
يُسقط ما روت، كأنه يعرّض بابن حزم؛ لأنه زعم أن حديثها باطلٌ.
والحاصل أن هذا الحديث لا ينقص عن درجة الحسن، كما تقدم في كلام الحافظ
رحمه الله تعالى، فتبصر. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٣٤٠٨/٤ - وفي ((الكبرى)) ٨٩٠٥/٤. وأخرجه (د) في ((البيوع))
٣٥٦٨ (أحمد) في ((باقي مسند الأنصار)) ٢٤٦٢٨ و٢٥٨٣٤. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٤٠٩- (أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ الزَّغْفَرَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجْ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ،

٢٢٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ عِشْرَةِ النِّسَاءِ
عَنْ عَطَاءِ، أَنَّهُ سَمِعَ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ، تَزْعُمُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ،
كَانَ يَمْكُثُ عِنْدَ زَيْتَبَ بِنْتِ جَحْشَ، فَيَشْرَبُ عِنْدَهَا عَسَلًا، فَتَوَاصَيْتُ أَنَا وَحَفْصَةُ، أَنَّ
أَيْتَنَا دَخَلَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ وَِّ، فَلْتَقُلْ: إِنِّي أَجِدُ مِنْكَ رِيحَ مَغَافِيرَ، أَكَلْتَ مَغَافِيرَ؟، فَدَخَلَ
عَلَى إِحْدَاهُمَا، فَقَالَتْ: ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: ((لَا بَلْ شَرِبْتُ عَسَلًا، عِنْدَ زَيْئَبَ بِنْتِ جَخْشٍ،
وَلَنْ أَعُودَ لَهُ)، فَزَلَتْ: ﴿يَأَيُّهَا النَِّىُّ لِمَ تُمُ مَآ أَلَّ اللَّهُ لَكَّ﴾، ﴿إِن نَنُوبَآ إِلَى اللَّهِ﴾، لِعَائِشَةً
وَحَفْصَةَ، ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَِّىُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَِهِ حَدِينًا﴾، لِقَوْلِهِ: (بَلْ شَرِبْتُ عَسَلًا))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١- (الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ الزَّغْفَرَانِيُّ) أبو علي البغداديّ، صاحب الشافعي، وقد شاركه
في الطبقة الثانية من شيوخه، ثقة [١٠] ٤٢٧/٢١.
٢- (حجّاج) بن محمد الأعور المصّيصيّ، ترمذي الأصل، نزيل بغداد، ثم
المصّيصة، ثقة ثبت، لكنه اختلط في آخره لما قدم بغداد [٩] ٣٢/٢٨.
٣- (ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأمويّ مولاهم المكيّ، ثقة
فقيه فاضل، لكنه يدلس ويرسل [٦] ٢٨/ ٣٢ .
٤- (عطاء) بن أبي رباح أسلم القرشي مولاهم، أبو محمد المكي، ثقة فقيه فاضل،
كثير الإرسال [٣] ١٥٤/١١٢.
٥- (عُبيد بن عُمير) بن قتادة الليثيّ، أبو عاصم المكّيّ، كان قاص أهل مكّة، أجمعوا
على توثيقه [٢] ٤١٦/١٢ .
٦- (عائشة) رضي الله تعالى عنها٥/٥. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمكيين، غير شيخه، فبغداديّ، وحجاج،
فمصّيصيّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَطَاءِ، أَنَّهُ سَمِعَ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ) الليثيّ التابعيّ الكبير (يَقُولُ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ) أم
المؤمنين رضي الله تعالى عنها (تَزْعُمَّ) أي تقول، وأهل الحجاز يُطلقون الزعم على
مطلق القول. قاله في ((الفتح)) (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ، كَانَ يَمْكُثُ عِنْدَ زَیْنَبَ بِنْتِ جَخْشِ)
الأسديّة، أم المؤمنين، وبنت عمة رسول اللَّه وَلّ أُميمة بنت عبد المطّلب (فَيَشْرَبُ
عِنْدَهَا عَسَلًا، فَتَوَاصَيْتُ أَنَا وَحَفْصَةُ) كذا هنا بالصاد المهملة، من التواصي، وفي رواية