Indexed OCR Text
Pages 181-200
١٨١ ٢- (مَيْلُ الرَّجُلِ إِلَی بَعْض نِسَائِهِ دُونَ بَعْض) - حديث رقم ٣٣٩٤ يَقْسِمُ بَيْنَ نِسَائِهِ) بفتح حرف المضارعة، يقال: قسمته قَسْمًا، من باب ضرب: إذا فَرَزْته أجزاءً، فانقسم، والموضعُ مَقْسِمٌ، مثلُ مَسْجِدٍ، والفاعل قاسمٌ، وقسّامٌ مبالغةٌ، والاسم القِسْمُ بالكسرِ، ويُطلق على الحِصّة، والنصيبِ، فيقال: هذا قِسْمِي، والجمع أَقْسَامٌ، مثلُ حِمْل وأحمالٍ، واقتسموا المال بينهم، والاسم القسمة، وأطلقت على النصيب أيضًا، وجمعها قِسَمٌ، مثلُ سِدرةٍ وسِدَرٍ، وتجب القِسْمَةُ بين النساء، وقِسْمةٌ عادلةٌ، أي اقتسامٌ، أو قَسْمٌ. قاله الفيّوميّ. ويُستفاد منه أن القَسْم بالفتح، بلا هاء مصدرٌ، والقسمة بالهاء بكسر القاف اسم مصدر، والقسم بالكسر النصيب والحظ. فتنبّه. (ثُمَّ يَعْدِلُ) بكسر الدال المهملة، من باب ضرب: أي يُسوّي بينهنّ في القسم (ثُمَّ يَقُولُ: ((اللَّهُمَّ هَذَا فِعْلِي فِيمَا أَمْلِكُ) أي فيما يستطيع القيام به، من التسوية في المبيت، والكلام، والطعام، واللباس، ونحوها (فَلَا تَلُمْنِي) بضم اللام، أي لا تعاتبني، ولا تؤاخذني. قال الفيّوميّ: لامهُ لَوْمًا، من باب قال: إذا عَذَلَه، فهو ملوم، والفاعل لائمٌ، والجمع لُوَّمٌ، مثلُ راكع ورُكّع، وألامه بالألف لغةٌ، فهو مُلامٌ، والفاعل مُلِيمٌ، والاسم الْمَلامةُ، والجمع مَلائِمُ، واللائمةُ مثلُ الْمَلَامة، وألام الرجلُ إِلامةً: فعل ما يَستحقّ عليه اللوم. قاله الفيّوميّ (فِيمَا تَمْلِكُ، وَلَا أَمْلِكُ) أي من زيادة المحبّة والميل القلبيّ. قال ابن الهمام: ظاهره أن ما عداه مما هو داخلٌ تحت ملكه، وقدرته يجب التسوية فيه، ومنه عدد الوطآت، والقُبلات، والتسوية فيهما غير لازمة إجماعا انتهى (١). وقال السنديّ رحمه اللّه تعالى: فإن قلت: بمثله لا يؤاخذ، ولا يلام غيره وَآره فضلًا عن أن يلام هو، إذ لا تكليف بمثله، فما معنى هذا الدعاء؟. قلت: لعله مبنيّ على جواز التكليف بمثله، وإن رُفع التكليف تفضّلًا منه تعالى، فينبغي للإنسان أن يتضرّع في حضرته تعالى؛ ليُديم هذا الإحسان، أو المقصود إظهار افتقار العبوديّة، وفي مثله لا التفات إلى مثل هذه الأبحاث. والله تعالى أعلم انتهى (٢). وقوله: ((أرسله حماد بن زيد)) أشار به إلى إعلال رواية حماد بن سلمة هذه بأن حماد بن زيد خالفه في وصلها، فرواها مرسلة، وغرضه بهذا تضعيف هذه الرواية، لكن سيأتي تصحيحه إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: (١) راجع تحفة الأحوذيّ ٤/ ٢٩٤ . (٢) (شرح السنديّ)) ٦٥/٦٤/٧. ١٨٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ عِشْرَةِ النِّسَاءِ حديث عائشة رضي اللّه تعالى عنها هذا صحيح. [فإن قلت]: كيف يصحّ، وقد أشار المصنّف رحمه الله تعالى إلى ضعفه بقوله: ((أرسله حماد بن زيد))، وأراد بذلك إعلاله بالإرسال، يعني أن حماد بن زيد خالف حماد بن سلمة فأرسله، وهو مقدّم عليه في أيّوب، فتكون روايته غير محفوظة، وكذا أعلّه الإمام الترمذيّ رحمه الله تعالى في ((جامعه))، فقال - بعد أن أخرج رواية حماد بن سلمة موصولةً -: ما نصّه: ورواه حماد بن زيد، وغير واحد عن أيوب، عن أبي قلابة، مرسلًا: أن النبيّ وَلّ كان يَقْسم، وهذا أصحّ من حديث حماد بن سلمة انتهى(١). وكذا أعلّه الدار قطنيّ. وأورده ابن أبي حاتم في ((العلل)) ٤٢٥/١- من طريق حماد بن سلمة، ثم قال: فسمعت أبا زرعة يقول: لا أعلم أحدًا تابع حمادًا على هذا . -يعني على وصله -. وأيّده ابن أبي حاتم بقوله: قلت: روى ابن عُليّة، عن أيوب، عن أبي قلابة: كان . رسول اللّهِ وَ ل* يقسم بين نسائه ... الحديث مرسلٌ انتهى. والحاصل أنهم أعلّوه بالإرسال، فيكون المرسل هو المحفوظ. [قلت]: إنما صَحَّ وإن كان الأرجح إرساله لأنّ له شواهدَ يعتضدُ بها، والمرسل إذا اعتضد يُقبَلُ، فمن شواهده حديث عائشة رؤيتها أخرجه أبو داد، فقال في ((سنته)): ٢١٣٥ - حدثنا أحمد بن يونس، حدثنا عبد الرحمن - يعني ابن أبي الزناد- عن هشام ابن عروة، عن أبيه، قال: قالت عائشة: يا ابن أختي، كان رسول اللَّه وَ لَه، لا يُفَضِّلُ بعضنا على بعض في القسم، من مكثه عندنا، وكان قَلَّ يوم، إلا وهو يطوف علينا جميعا، فيدنو من كل امرأة، من غير مَسِيسٍ، حتى يبلغ إلى التي هو يومها، فيبيت عندها، ولقد قالت سودة بنت زمعة- حين أَسِّنَّت، وفَرَقَتْ أن يفارقها رسول اللّه وَلي -: يا رسول الله، يومي لعائشة، فقَبِلَ ذلك رسول اللّه وَ له منها، قالت: نقول: في ذلك، أنزل الله تعالى، وفي أشباهها - أراه قال -: ﴿وَإِنِ أَمْرَأَةُ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا﴾ الآية. وهذا إسناد حسنٌ، وأخرجه الحاكم ١٨٦/٢ - وقال: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبيّ. ومنها: حديث ابن عباس تثبت أن النبي ◌َ﴿ كان معه تسع نسوة، فكان يقسم لثمان، وواحدة لم يكن يقسم لها. متفق عليه، وقد سبق للمصنف في أول ((كتاب النكاح)). فهذان الحديثان يشهدان للجُزْءِ الأول منه(٢). والحاصل أن الحديث وإن رُجْح إرساله، لكنه صحيح بشواهده. فتبصّر. والله تعالى أعلم. (١) ((الجامع)) للإمام الترمذيّ ٢٩٤/٤ بنسخة ((تحفة الأحوذيّ)). (٢) وأما الجزي الأخير فهو باق على إرساله، فتبصّر. ١٨٣ ٢- (مَیِّلُ الرَّجُل إلی بَعْض نِسَائِهِ دُونَ بَعْض) - حديث رقم ٣٣٩٤ (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٣٣٩٤/٢- وفي ((الكبرى)) ٢/ ٨٨٩١. وأخرجه (د) في ((النكاح)) ٢١٣٤ (ت) في ((النكاح)) ١١٤٠ (ق) في ((النكاح)) ١٩٧١ (أحمد) في ((باقي مسند الأنصار)» ٢٤٥٨٧ (الدارمي) ٢٢٠٧ . والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان حكم ميل الرجل إلى بعض زوجاته أكثر من بعض، وذلك أنه لا يجوز، ووجه الدلالة من الحديث، من حيث إنه وَ لّ، كان يَعدل، ويقول: ((اللّهم إن هذا فعلي فيما أملك الخ))، فإنه يدلّ على أن الميل فيما يقدر عليه الإنسان لا يجوز، وإنما يجوز له فيما لا يقدر عليه بأن كان ميلًا قلبيًّا. (ومنها): ما كان عليه النبيّ وَلّر من حسن المعاملة لأزواجه، فلا يفضل بعضهنّ على بعض، فيما يستطيع من ذلك. (ومنها): تواضعه وَّ لربّه، وتضرّعه إليه بالدعاء بعدم المؤاخذه بالميل القلبيّ، وإن كان ذلك مما عفا الله عنه، كما أشار إليه بقوله: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُواْ أَنْ تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَآِ﴾ الآية. (ومنها): أنه استدلّ بهذا الحديث من قال بوجوب القسم على النبيّ وَّرَ، وسنحقّقه في المسألة التالية، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في وجوب القسم بين الزوجات على النبيّ :醬 قال أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: ما حاصله: وهل كان القسم منه وَّ على جهة الوجوب، كما هو على غيره بالاتفاق، أو هو مندوبٌ إلى ذلك، لكنّه أخذ نفسه بذلك، رغبةً في تحصيل الثواب، وتطييبًا لقلوبهنّ، وتحسينًا للعِشْرة على مقتضى خُلُقه الكريم، ولِيُقْتَدَى به في ذلك؟ قولان لأهل العلم، مستند القول بالوجوب التمسّك بعموم القاعدة الكليّة في وجوب العدل بينهنّ، وبقوله: ((اللّهمّ هذه قسمتي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك، ولا أملك)) -يعني الحبّ والبغض. ومُستند نفيه قوله تعالى: ﴿تُرْجِى مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ وَتُقْوِىّ إِلَيْكَ مَن تَشَاءُ وَمَنِ ابْنَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَّ﴾ [الأحزاب: ٥١]. ولم يُختَلف في حقّ غير النبيّ وَلّ ممن له زوجات أن العدل واجبٌ عليه؛ لقوله وَله: ((من كانت له امرأتان، فلم يعدل ... )) الحديث. ولقوله تعالى: ﴿فَلَا تَمِيلُواْ كُلَ اَلْمَيْلِ﴾ الآية [النساء: ١٢٩]. انتهى (١). (١) ((المفهم)) ٢٠٣/٤-٢٠٤. ١٨٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ عِشْرَةِ النِّسَاءِ قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: الذي يظهر لي أن الأرجح قول من قال بعدم وجوب القسم عليه وَّر، لوضوح دلالة الآية المذكورة في ذلك، وإنما كان يَقسم من عنده إيثارًا لمكارم الأخلاق، وحسن العشرة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أُنیب)). ٣- (حُبُّ الرَّجُلِ بَعْضَ نِسَائِهِ أَكْثَرَ مِنْ بَعْضٍ) قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الفرق بين هذه الترجمة والتي قبلها أن تلك لبيان ما لا يجوز من الميل والجور في القسم بأن يعامل إحدى نسائه بما لا يعامل به غيرها من اللباس، والمآكل، والمشارب، وغيرها، وهذه لبيان ما يجوز من الميل القلبيّ الذي لا يستطيع الإنسان أن يفعله بين زوجاته بالسويّة، فإنه مغتفّرٌ، بنص قوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَآِ﴾ الآية. والله تعالى أعلم بالصواب. ٣٣٩٥- (أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمِّي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ ابْنِ هِشَامٍ، أَنَّ عَائِشَةَ، قَالَتْ: أَرْسَلَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ ◌َِّ، فَاطِمَةَ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ وَ، إِلَى رَّسُولِ اللَّهِ وَِّ، فَاسْتَأْذَنَتْ عَلَيْهِ، وَهُوَ مُضْطَجِعْ مَعِي فِي مِرْطِي، فَأَذِنَ لَهَا، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَزْوَاجَكَ أَرْسَلْنَنِي إِلَيْكَ، يَسْأَلْتَكَ الْعَذْلَ فِي ابْنَةٍ أَبِي قُحَافَةً، وَأَنَا سَاكِتَّةٌ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((أَنْ بُنَةُ، أَلَسْتِ ثُحِبِينَ مَنْ أُحِبُّ؟))، قَالَّتْ: بَلَى، قَالَ: ((فَأَحِبِّي هَذِهِ))، فَقَامَتْ فَاطِمَةُ، حِينَ سَمِعَتْ ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ نَّهِ، فَرَجَعَتْ إِلَى أَزْوَاجِ النَّبِيِّ وَّةِ، فَأَخْبَرَتُنَّ بِالَّذِي قَالَتْ، وَالَّذِي قَالَ لَهَا، فَقُلْنَ لَهَا: مَا نَرَاكِ أَغْنَيْتِ عَنَّا مِنْ شَيْءٍ، فَارْجِعِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَِّ، فَقُولِي لَهُ: إِنَّ أَزْوَاجَكَ يَتْشُدْنَكَ الْعَدْلَ، فِي ابْنَةِ أَبِي قُحَافَّةَ، قَالَتْ فَاطِمَةُ: لَا وَاللَّهِ لَا أُكَلِّمُهُ فِيهَا أَبَدًا، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَأَرْسَلَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ وَّهَ زَيْتَبَ بِنْتَ جَحْشٍ، إِلَى رَسُولِ اللَّهِ بِّهَ، وَهِيَ الَّتِي كَانَتْ تُسَامِينِي، مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ◌َ ﴿ فِي الْمَنْزِلَةِ، عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ إِ لهَ، وَلَمْ أَرَ امْرَأَةً قَطَّ، خَيْرًا فِي الدِّينِ مِنْ زَيْتَبَ، وَأَتْقَى لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَأَضْدَقَ حَدِيثًا، وَأَوْصَلَ لِلرَّحِمِ، وَأَعْظَمَ صَدَقَةٌ، وَأَشَدَّ ابْتِذَالًا ٣- (حُبُّ الرَّجُلِ بَعْضَ نِسَائِهِ أَكْثَرَ مِنْ بَعْض) - حديث رقم ٣٣٩٥ ١٨٥ === لِنَفْسِهَا فِي الْعَمَلِ، الَّذِي تَصَدَّقُ بِهِ، وَتَقَرَّبُ بِهِ، مَا عَدَا سَوْرَةً مِنْ حِدَّةٍ، كَانَتْ فِيهَا، تُسْرِعُ مِنْهَا الْفَيْئَةَ، فَاسْتَأْذَنَتْ عَلَى رَسُولِ اللّهِ وَلِهِ، وَرَسُولُ اللَّهِ وَِّ مَعَ عَائِشَةَ فِي مِرْطِهَا، عَلَى الْحَالِ الَّتِي كَانَتْ دَخَلَتْ فَاطِمَةُ عَلَيْهَا، فَأَذِنَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ وَِّ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَزْوَاجَكَ أَرْسَلْنَنِي، يَسْأَلْتَكَ الْعَدْلَ فِي ابْنَةٍ أَبِي قُحَافَةَ، وَوَقَعَتْ بِي، فَاسْتَطَالَتْ، وَأَنَا أَرْقُبُ رَسُولَ اللّهِ وَهِ، وَأَرْقُبُ طَرِقَهُ، هَلْ أَذِنَ لِي فِيهَا، فَلَمْ تَبْرَحْ زَيْتَبُ، حَتَّى عَرَفْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، لَا يَكْرَهُ أَنْ أَنْتَصِرَ، فَلَمَّا وَقَعْتُ بِهَا، لَمْ أَنْشَبْهَا بِشَيْءٍ، حَتَّى أَنْحَيْتُ عَلَيْهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ بِهِ: ((إِنَّا ابْنَةُ أَبِي بَكْرٍ)) ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١- (عبيدالله بن سعد بن إبراهيم بن سعد) أبو الفضل البغداديّ، قاضي أصبهان، ثقة [١١] ١٧ /٤٨٠ . ٢- (عمّه) هو يعقوب بن إبراهيم الزهريّ، أبو يوسف المدنيّ، نزيل بغداد، ثقة فاضل، من صغار [٩] ٣١٤/١٩٦. ٣- (أبوه) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، أبو إسحاق المدنيّ، نزيل بغداد، ثقة حجة [٨] ٣١٤/١٩٦. ٤- (صالح) بن كيسان الغفاريّ أبو محمد المدنيّ، ثقة ثبتٌ فقيه [٤] ٣١٤/١٩٦. ٥- (ابن شهاب) محمد بن مسلم الإمام الحجة الثبت الشهير المدنيّ، رأس [٤] ١/١ . ٦- (محمد بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام) بن المغيرة بن عبد الله بن مخزوم المخزوميّ المدنيّ، أخو أبي بكر، ثقة [٣]. روى عن عائشة. وعنه الزهريّ. قال ابن سعد: كان ثقة، قليل الحديث. وقال النسائيّ: ثقة. وذكره مسلم في الطبقة الأولى من المدنيين. وقال الأزديّ في ((الضعفاء»: محمد بن عبد الرحمن بن الحارث، قال ابن معين: ليس حديثه بشيء(١). علّق عنه البخاريّ، وأخرج له مسلم، والمصنّف وله عندهما حديث الباب فقط. ٧- (عائشة) رضي الله تعالى عنها٥/٥ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من سباعيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال (١) معنى كلام ابن معين هذا: أنه لم يرو حديثًا كثيرًا، لأن ابن معين أكثر ما يطلق هذه العبارة على قلّة المرويّ. فتنبه. ١٨٦ = شرح سنن النسائي - كِتَابُ عِشْرَةِ النِّسَاءِ الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين. (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم، عن بعض: صالح، وابن شهاب، ومحمد بن عبد الرحمن. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزهريّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَام) المخزوميْ (أَنَّ عَائِشَةَ) رضي اللَّه تعالى عنها (قَالَتْ: أَرْسَلَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ نَِّ، فَاطِمَةَ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ وَه إِلَى رَسُولِ اللَّهِ إِ لَه) وسبب الإرسال هو ما أخرجه الشيخان، وغيرهما (١)، واللفظ للبخاريّ، من طريق حماد بن زيد، عن هشام، عن أبيه، قال: كان الناس يَتَحَرَّون بهداياهم يوم عائشة، قالت عائشة: فاجتمع صواحبي إلى أم سلمة، فقلن: يا أم سلمة، والله إن الناس يتحرون بهداياهم يوم عائشة، وإنا نريد الخير، كما تريده عائشة، فمري رسول اللَّه وَلّر، أن يأمر الناس أن يُدُوا إليه، حيث ما كان، أو حيث ما دار، قالت: فذكرت ذلك أم سلمة للنبي وَله، قالت: فأعرض عني، فلما عاد إليّ ذكرت له ذاك، فأعرض عني، فلما كان في الثالثة ذكرت له، فقال: ((يا أم سلمة، لا تؤذيني في عائشة، فإنه والله ما نزل عليَّ الوحيُّ، وأنا في لِحَاف امرأة منكن غيرها)). وأخرج أيضًا من طريق سليمان بن بلال، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها، أن نساء رسول اللَّه وَله، كُنّ حزبين، فحزب فيه عائشة، وحفصة، وصفية، وسودة، والحزب الآخر أم سلمة، وسائر نساء رسول اللّه وَلتر، وكان المسلمون قد علموا حب رسول اللَّه ◌َ لر عائشة، فإذا كانت عند أحدهم هدية، يريد أن يهديها إلى رسول اللَّه وَ ل﴿، أخرها حتى إذا كان رسول اللَّه وَله في بيت عائشة، بعث صاحب الهدية بها إلى رسول اللّه وَ ل# في بيت عائشة، فكلم حزب أم سلمة، فقلن لها: كلمي رسول اللّه وَّر، يكلم الناس، فيقول: من أراد أن يهدي إلى رسول اللّه وَل هدية، فليهده إليه، حيث كان، من بيوت نسائه، فكلمته أم سلمة بما قلن، فلم يقل لها شيئا، فسألنها، فقالت: ما قال لي شيئا، فقلن لها: فکلمیه، قالت فگلَّمَتْهُ حین دار إليها أيضا، فلم يقل لها شيئا، فسألنها، فقالت: ما قال لي شيئا، فقلن لها: كلميه حتى يكلمك، فدار إليها فكلمته، فقال لها: ((لا تؤذيني في عائشة، فإن الوحي لم يأتني، وأنا في ثوب امرأة، إلا عائشة))، قالت: فقالت: أتوب إلى الله من أذاك يا رسول اللَّه، ثم إنهن دعون فاطمة، بنت رسول اللَّه وص له، فأرسلت إلى رسول اللّه وَل، تقول: إن نساءك (١) سيأتي للمصنف بعد خمسة أحاديث، وأخرجه الترمذيّ برقم ٣٨٧٩ . ١٨٧ ٣- (حُبُّ الرَّجُلِ بَعْضَ نِسَائِهِ أَكْثَرَ مِنْ بَعْض) - حديث رقم ٣٣٩٥ ينشدنك الله العدل في بنت أبي بكر ... )) الحديث. (فَاسْتَأْذَنَتْ عَلَيْهِ) أي طلبت الإذن بالدخول عليه ◌َِّ (وَهُوَ مُضْطَجِعْ) اسم فاعل من الاضطجاع، افتعال من الضَّجْع، يقال: ضَجَعتُ ضَجْعًا، من باب نفع، وضُجُوعًا: وَضَعْتُ جنبي بالأرض، وأَضْجَعَتُ بالألف لغةً. قاله الفيّوميّ. والجملة في محلّ نصب على الحال، أي والحال أنه وَّر واضع جنبه على الأرض ((مَعِي فِي مِزْطِي) بكسر الميم، وسكون الراء: كساء من صوفٍ، أو خَزِّ، يُؤتزرُ به، وتَتَلَفِّع المرأة به، والجمع مُرُوط، مثلُ حِمْلٍ وحُمُول. قاله الفيّوميّ. قال أبو العباس القرطبيّ: وفي دخول فاطمة، وزينب على رسول اللّه بَّه وهو مع عائشة في مِرْطها، دليلٌ على جواز مثل ذلك، إذ ليس فيه كشف عورة، ولا ما يُستقبح على من فَعَل ذلك مع خاصّته، وأهله انتهى(١). قال الحافظ وليّ الدين: قد تبيّن برواية مسلم، والنسائيّ من طريق محمد بن عبد الرحمن، عن عائشة أن كلّ منهما لم يدخل إلا بعد استئذان، فلو كره وَّل# دخولهما على تلك الحالة لحجبهما، أو تغير عن حالته التي كان عليها. [فإن قلت]: فقد روى النسائيّ(٢)، وابن ماجه من رواية البَهِيّ، عن عروة، عن عائشة، قالت: ما علمت حتى دخلت عليّ زينب بغير إذن، وهي غضبى، ثم قالت: يا رسول اللَّه أحسبك، إذا قَلَبَتْ بُنَّةُ أبي بكر ذُرَيْعَتَيها، ثم أقبلت عليّ، فأعرضت عنها، حتى قال النبي ◌َّر: ((دونك فانتصري، فأقبلت عليها، حتى رأيتها، وقد يبس ريقها في فيها، ما ترد عليّ شيئا، فرأيت النبي ◌َلقر يتهلل وجهه. [قلت]: الظاهر أن هذه واقعة أخرى. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الحديث المذكور حديث صحيح، وهذا الذي قاله وليّ الدين رحمه الله تعالى، من حمل هذه القصّة على أنها واقعة أخرى حسنٌ جدًّا. والله تعالى أعلم. (فَأَذِنَ لَهَا، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَزْوَاجَكَ أَرْسَلْنَنِي إِلَيْكَ، يَسْأَلْتَكَ الْعَدْلَ فِي ابْنَةٍ أَبِي قُحَافَةَ) قال النوويّ: معناه يسألنك التسوية في محبّة القلب، وكان ◌َّ يُسوّي بينهنّ في الأفعال، والمبيت، ونحوه، وأما محبّة القلب فكان يحبّ عائشة رضي الله تعالى عنها أكثر منهنّ، وأجمع المسلمون على أن محبّتهنّ لا تكليف فيها. ولا يلزمه التسوية فيها؛ لأنه لا قدرة لأحد عليها إلا اللَّه سبحانه وتعالى، وإنما أمر بالعدل في الأفعال. (١) ((المفهم)) ٣٢٤/٦. (٢) أي في ((الكبرى)) ٢٩٠/٥ رقم ٨٩١٤ و٨٩١٥ ٨٩١٦ . ١٨٨ E شرح سنن النسائي - كِتَابُ عِشْرَةِ النِّسَاءِ وقد اختلف أصحابنا، وغيرهم من العلماء في أنه بَّر، هل كان يلزمه القسم بينهنّ في الدوام، والمساواة في ذلك، كما يلزم غيره، أم لا يلزمه، بل يفعل ما يشاء، من إيثار وحرمان؟(١). فالمراد بالحديث طلب المساواة في محبّة القلب، لا العدل في الأفعال، فإنه كان حاصلًا قطعًا، ولهذا كان يُطاف به بَّهُ في مرضه عليهنّ حتى ضَعُف، فاستأذنهنّ في أن يُمَرَّض في بيت عائشة، فأَذِنَّ له انتهى(٢) . وقال أبو العبّاس القرطبيّ: طلب أزواج النبيّ وَِّ منه العدل بينهنّ، وبين عائشة رضي اللّه تعالى عنهنّ ليس على معنى أنه جار عليهنّ، فمنعهنّ حقًّا هو لهنّ؛ لأنه وَِّ منزّة عن ذلك، ولأنه لم يكن العدل بينهنّ واجبًا عليه، لكن صدر ذلك منهنّ بمقتضى الْغَيْرة والحرص على أن يكون لهنّ مثلُ ما كان لعائشة رضي اللَّه تعالى عنها من إهداء الناس له، إذا كان في بيوتهنّ، فكأنهنّ أردن أن يأمر من أراد أن يُهدي له شيئًا ألّا يتحرّى يوم عائشة رضي اللّه تعالى عنها، ولذلك قال: (وکان الناس يتحرّون بهدایاھم یوم عائشة)). ويحتمل أن يقال: إنهنّ طلبن منه أن يُسوّي بينهنّ في الحبّ، ولذلك قال ◌َله لفاطمة رضي الله تعالى عنها: ((ألست تُحبّين من أُحبّ؟)) قالت: بلى، قال: ((فَأَحِبِي هذه))، وكلا الأمرين لا يجب العدل فيه بين النساء، أما الهديّة فلا تُطلب من المهدي، فلا يتعيّن لها وقتٌ، وأما الحبّ، فغير داخل تحت قدرة الإنسان، ولا كسبه. انتهى(٣). وقال الحافظ وليّ الدين: مقتضى القصّة التي سُقناها من عند البخاريّ أن الذي طلبنه منه مساواتهنّ لعائشة في الإهداء للنبيّ وَّ في بيوتهنّ، وقد صرّحت له أم سلمة بذلك مرارًا قبل حضور فاطمة، وزينب، ولم يصدُر ذلك منهنّ عن اعتدال، وهذا الكلام فيه تعريض بطلب الهديّة، واستدعائها، وذلك ينافي كماله ويملير أن يقوله على سبيل العموم، أما قوله ذلك لواحد بعينه على سبيل الانبساط إليه، وتكريمه فلا مانع منه، بل آحاد ذوي المودّات يمتنع من مثل ذلك، ولعلّ قوله وَّه في جواب أم سلمة: ((لا تؤذيني في عائشة، فإن الوحي لم يأتني، وأنا في ثوب امرأة إلا عائشة))، إشارة إلى أن تقليب قلوب الناس للإهداء في نوبة عائشة أمرٌ سماويٍّ، لا حيلة لي فيه، ولا صنع بدلیل اختصاصها بنزول الوحي عليّ، وأنا في ثوبها، دون غيرها من أمهات المؤمنين، فلا يمكنني قَطْعُ ذلك، ولا آمْرُ الناس بخلافه انتهى كلام وليّ الدين رحمه الله تعالى(٤). (١) قال الجامع: تقدم قريبًا ترجيح عدم الوجوب، فتنبه. (٢) (شرح مسلم)) ١٦/ ٢٠١ ((كتاب فضائل الصحابة)). (٣) ((المفهم)) ٦/ ٣٢٤ -٣٢٥.)) باب فضائل عائشة)). (٤) ((طرح التثريب في شرح التقريب)) ٧/ ٥١-٥٢. ١٨٩ ٣- (حُبُّ الرَّجُل بعْضَ نِسَائِهِ اكثرَ مِنْ بَعْض)- حديث رقم ٣٣٩٥ (وَأَنَا سَاكِتَةٌ) جملة في محلّ نصب على الحال (فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((أَنْ بُنَيَّةُ) ((أَيْ)) حرف نداء للقريب (أَلَسْتِ ثُبِينَ مَنْ أُحِبُّ؟))، قَالَتْ: بَلَى، قَالَ: ((فَأَحِبِي هَذِهِ) ) يريد عائشة رضي اللّه تعالى عنها (فَقَامَتْ فَاطِمَةُ) رضي اللَّه تعالى عنها (حِينَ سَمِعَتْ ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ وََّ، فَرَجَعَتْ إِلَى أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ◌ََّ، فَأَخْبَرَتُنَّ بِالَّذِي قَالَتْ) أي بما قالته فاطمة للنبيّ وَ﴿ من قولها: إن أزواجكَ أرسلني إليك الخ)) (وَالَّذِي قَالَ لَهَا) أي الجواب الذي ردّه عليها، وهو قوله ◌َّ: ((ألست تُحُبّين الخ)) (فَقُلْنَ لَهَا: مَا نَرَاكِ أَغْنَيْتِ عَنَّا مِنْ شَيْءٍ) أي لم تنفعينا بقضاء حاجتنا (فَارْجِعِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ﴾ أي مرّةً أخرى (فَقُولِي لَهُ: إِنَّ أَزْوَاجَكَ يَنْشُدْنَكَ الْعَذْلَ) - بفتح أوله، وضمّ الشين المعجمة -: أي يسألنك، كما تقدّم قريبًا، يقال: نَشَدتُ فلانًا: إذا قلت له: نشدتك اللّه، أي سألتك الله، كأنك ذكّرته إيّاه. وفي رواية: ((يناشدنك اللَّه العدل)) أي يسألنك بالله العدل (فِي ابْنَةِ أَبِي قُحَافَةَ) أبو قُحافة: هو والد أبي بكر رضي اللَّه تعالى عنهما، وفي نسبتها إلى جدِّها، وإن كان صحيحًا سائغًا، إلا أن فيه نوع غْضِّ منها؛ لنقص رتبته بالنسبة إلى أبيها الصدّيق، لا سيّما إن كان ذلك قبل إسلام أبي قُحافة رضي اللّه تعالى عنهم. قاله وليّ الدين(١) (قَالَتْ فَاطِمَةُ) رضي اللَّه تعالى عنها (لَا وَاللَّهِ لَا أُكَلِّمُهُ فِيهَا أَبَدًا) ((لا)) الثانية مؤكّة للأولى، كُرّرت للفصل بينها وبين الفعل بالقسم (قَالَتْ عَائِشَةُ) رضي اللّه تعالى عنها (فَأَرْسَلَ أَزْوَاجُ النَّبِّ وَِّهَ زَيْتَبَ بِنْتَ جَخْشٍ) رضي اللَّه تعالى عنها (إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ، وَهِيَ الَّتِي كَانَتْ تُسَامِينِي) أي تطاولني، وترافعني، وهو مأخوذٌ من السّمُوّ، وهو العلوّ والرفعة. تعني أنها كانت تتعاطى أن يكون لها من الْحُظوة والمنزلة عند رسول الله وَِّ مثلُ ما كان لعائشة عنده. وقيل: إنه مأخوذٌ من قولهم: سامه حظّه خسفٌ، أي كلّفه ما يَشُقّ عليه، ويُذلّه. وفيه بُعْدٌ من جهة اللسان والمعنى. قاله أبو العباس القرطبيّ(٢) (مِنْ أَزْوَاجِ النِّيِّ نَّهِ فِي الْمَنْزِلَةِ، عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ وَهِ، وَلَمْ أَرَ امْرَأَةً قَطْ، خَيْرًا فِي الدِّينِ مِنْ زَيْتَبَ، وَأَتْقَى لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَأَصْدَقَ حَدِيثًا، وَأَوْصَلَ لِلرَّحِمِ، وَأَعْظَمَ صَدَقَةٌ، وَأَشَدَّ ابْتِذَالًا لِنَفْسِهَا فِي الْعَمَلِ) الابتذال مصدر ابتذل، من البِذْلة، وهي الامتهان بالعمل والخِذمة، (الَّذِي تَصَدَّقُ بِهِ، وَتَقَرَّبُ بِهِ) بحذف إحدى التاءين من الفعلين، أي تتصدّق به على الفقراء والمساكين، وتتقرّب به إلى الله تعالى، فكانت زينب رضي الله تعالى عنها تعمل بيديها عمل النساء، من الغزل، والنسج، وغير ذلك، مما جرت به عادة النساء بعمله، (١) ((طرح)) ٧/ ٥١. (٢) ((المفهم» ٣٢٥/٦. ١٩٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ عِشْرَةِ النُّسَاءِ والكسب به، فتتصدّق بذلك، وتَصِل به ذوي رحمها، وهي التي كانت أطولهنّ يدًا بالعمل والصدقة، وهي التي قال النبيّ وَِّ عنها: ((أسرعكنّ لحاقًا بي أطولكنَّ يدًا))، فقد أخرج الشيخان، والمصنّف(١) واللفظ للبخاريّ، عن عائشة رضي الله عنها، أن بعض أزواج النبي وَّر، قلن للنبي وَلّى: أينا أسرع بك لحوقا؟، قال: ((أطولكن يدا»، فأخذوا قصبة يذرعونها، فكانت سودة أطولهن يدا، فعلمنا بعدُ أنما كانت طول يدها الصدقة، وكانت أسرعنا لحوقا به، وكانت تحب الصدقة. وفيه فضيلة ظاهرةٌ لعائشة وزينب رضي اللّه تعالى عنهما، أما زينب، فلما اتّصفت به من هذه الخصال الحميدة، وأما عائشة، فلأنه لم يمنعها ما كان بينهما من وصفها بما تعرفه منها (مَا عَدَا) هي من صيغ الاستثناء، وهي مع ((ما)) فعل ينصب ما بعده، وبدونها حرف يَخفِضُ ما بعده على المشهور في الحالتين، ومثلها ((خلا))، و((حاشا)) لكنها لا تصحب ((ما))، كما أشار إلى ذلك ابن مالك في ((الخلاصة)) حيث قال: وَاسْتَثْنِ نَاصِبًا بِـ (َلَيْسَ)) و(خَلَا)) وَبِ (عَدَا)) وَ بِ ((يَكُونُ)) بَعْدَ ((لَا)) وَبَعْدَ ((مَا)) انْصِبْ وَانْجِرَارٌ قَدْ يَرِد وَاجْرُزْ بِسَابِقَيْ ((يَكُونُ)) إِنْ تُرِذ كَمَا هُمَا إِنْ نَصَبَا فِعْلَانِ فَحَيْثُ جَرًّا فَهُمَا حَزْفَانٍ وَكَ (خَلَا)) ((حَاشَا)) وَلَا تَصْحَبُ ((مَا)) وَقِيلَ (حَاشَ)) و(حَشَا)) فَاحْفَظْهُمَا (سَوْرَةً) - بفتح السين المهملة، وإسكان الواو، وبعدها راء، ثم هاء -: هو الثَّوَرَان، وعَجَلَة الغضب، ومنه سَوْرة الشراب، وهي قوّته، وحدّته، أي يعتريها ما يعتري الشاربَ من الشراب. وهو منصوب على الاستثناء، كما قدّمناه، ويجوز جرّه على قلّة. وقوله (مِنْ حِدَّةٍ) بيان للسورة، وهو بكسر الحاء، وتشديد الدال المهملتين -: الغضب (كَانَتْ فِيهَا) جملة في محلّ جرّ صفة لـ ((حِدّة)). قال القرطبيّ: ويُروى هذا الحرف: ((ما عدا سَوْرة حَدِّ)) -بفتح الحاء، من غير تاء تانيث: أي سرعة غضب. انتهى. قال النووي: ومعنى الكلام أنها كانت كاملة الأوصاف، إلا أن فيها شدّة خُلُق، وسُزْعة غضب، تسرع منها. قال القرطبيّ: ولأجل هذه الحدّة وقعت بعائشة، واستطالت عليها، أي أكثرت عليها من القول والعتب، وعائشة رضي اللَّه تعالى عنها ساكتةٌ تنتظر الإذن من رسول اللّه وَلخر في الانتصار، فلما علمت أنه لا يكره ذلك من قرائن أحواله انتصرت لنفسها، فجاوبتها، وردّت عليها قولها حتى أفحمتها، وكانت زينب لما بدأتها بالعتب واللوم، (١) تقدّم للمصنّف في ((الزكاة)) رقم ٢٥٤١ . ١٩١ ٣- (حُبُّ الرجل بعْضَ نِسَائِه أکثر مِنْ بَعْض)- حديث رقم ٣٣٩٥ كأنها ظالمةٌ، فجاز لعائشة أن تنتصر؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَمَنِ أَنَصَرَ بَعْدَ نُظُلْمِهِ، فَأُوْلَكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤١] انتهى. (تُسْرِعُ مِنْهَا الْفَيْئَةَ) - بفتح الفاء، وسكون الياء، بعدها همزة -: المرة من الفيء، وهو الرجوع. تعني أن زينب، وإن كان فيها سُرْعة غضب، إلا أنها تسرع الرجوع من ذلك، ولا تصرّ عليه. قال النوويّ: وقد صحّف صاحب ((التحرير)) في هذا الحديث تصحيفًا قبيحًا جدًّا، فقال: ((ما عدا سودة)) وجعلها سودة بنت زمعة. وهذا من الغلط الفاحش، نبّهت عليه؛ لئلّا يُغترّ به انتهى(١). (فَاسْتَأْذَنَتْ عَلَى رَسُولِ اللّهِ وَّهِ، وَرَسُولُ اللَّهِ وَّهِ مَعَ عَائِشَةَ فِي مِرْطِهَا) تقدّم ضبطه قريبًا (عَلَى الْحَالِ الَّتِي كَانَتْ دَخَلَتْ فَاطِمَةُ عَلَيْهَا، فَأَذِنَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ وَِّ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَزْوَاجَكَ أَرْسَلْتَنِ، يَسْأَلْتَكَ الْعَذْلَ فِي ابْنَةٍ أَبِي قُحَافَةَ، وَوَقَعَتْ بِي) أي سَبَّتني على عادة الضرّات، قال القرطبيّ: هو مأخوذ من الوقيعة التي هي معركة الحرب. وقيل: هو مأخوذٌ من الوقع، وهو ألم الرّجل من المشي، ومنه قولهم: كلّ الحذا يَحتذي الحافيِ الْوَقِعُ -بكسر القاف انتهى (فَاسْتَطَالَتْ) أي أكثرت عليّ من · القول، والْعَثْب (وَأَنَا أَرْقُبُ) - بضمّ القاف- من باب نصرٍ: أي أنتظر، وأراعي (رَسُولَ اللَّهِ وَِّ، وَأَرْقُبُ طَرْفَهُ) -بسكون الراء -: أي عينه (هَلْ أَذِنَ لِي فِيهَا) أي في الانتصار منها (فَلَمْ تَبْرَح زَئبُ) -بفتح الراء- من باب تَعِبٍ: أي لم تزل من مكانها، ولم ترجع إلى بيتها (حَتَّى عَرَفْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ، لَا يَكْرَهُ أَنْ أَنْتَصِرَ) أي من قرائن أحواله ◌َ. قال النوويّ رحمه الله تعالى: اعلم أنه ليس فيه دليلٌ على أنّ النبيّ وَّ أذن لعائشة، ولا أشار بعينه، وغيرها، بل لا يحلّ اعتقاد ذلك، فإنه وَله يحرُمُ عليه خائنة الأعين، وإنما فيه أنها انتصرت لنفسها، فلم يَنهها انتهى (٢). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذا الذي قاله النوويّ من أنه لا يحلّ اعتقاد ذلك يعكر عليه ما تقدّم من رواية المصنّف في ((الكبرى))، وابن ماجه في ((سننه)) بإسناد صحيح، من أنه وَّله قال لعائشة رضي اللّه تعالى عنها: ((دونك، فانتصري))، فالذي يظهر أن هذا ليس من خائنة الأعين، بل هو من نصر المظلوم، فلا يحرم عليه وَير، فتبصّر. والله تعالى أعلم. (١) (شرح مسلم) ١٦/ ٢٠٢. (٢) ((شرح مسلم)) ١٦/ ٢٠٣ ((كتاب فضائل الصحابة)). ١٩٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ عِشْرَةِ النِّسَاءِ (فَلَّمَّا وَقَعْتُ بِهَا) أي سببتها؛ جزاء لسبّها (لَمْ أَنْشَبْهَا بِشَيْءٍ) وفي رواية مسلم: (لم أنشبها)) : أي لم أمهلها، ولم أتلبث حتى أوقعت بها، وأصله من نَشِبَ بالشيء، أو في الشيء: إذا تعلّق به، واحتبس فيه، أو بسببه (حَتَّى أَنْحَيْتُ عَلَيْهَا) بالنون، والحاء المهملة، بعدها مثناةً تحتيّةٌ: أي قصدتها، واعتمدتها بالمعارضة، والمشهور بالثاء المثلّثة، والخاء المعجمة، والنون: أي قمعتها، وقهرتها، أو بالغت في جوابها، وأفحمتها . وقال القرطبيّ: كذا الرواية بالنون، والحاء المهملة، والياء المثناة من تحتها، ومعناه: إني أصبت منها بالذمّ ما يؤلمها، فكأنها أصابت منها مَّقْتَلًا. وفي ((الصحاح)) : أنحيت على خَلْقه بالسكين: أي عَرَضت، وحينئذ يرجع معنى هذه الرواية لمعنى الرواية الأخرى التي هي ((أثخنتها)) أي أثقلتها بجراح الكَلِم، وهو مأخوذ من قوله تعالى: ﴿خَّ إِذَا أَنْتَتُوهُمْ فَشُدُواْ الْوَاقَ﴾ الآية [سورة محمد بَّر: ٤]، أي أثقلتموهم بالجراح، أو أكثرتم فيهم القتل انتهى(١). (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَّهِ: ((إِنَّهَا ابْنَةُ أَبِي بَكْرٍ)) ) أي إنها شريفة عاقلةٌ، عارفةٌ كأبيها، ففيه إشارة إلى كمال فهمها، ومتانة عقلها، حيث صبرت إلى أن أثبتت أن التعدّي من جانب الخصم، ثم أجابت بجواب إلزام. وكأنه و ﴿ أشار إلى أن أبا بكر كان عالمًا بمناقب مُضَر، ومثالبها، فلا يُستغرب من بنته أن تتلقى ذلك منه، كما قال الشاعر: بِأَبِهِ اقْتَدَى عَدِيٍّ فِي الْكَرَمْ وَمَنْ يُشَابِهِ أَبَهُ فَمَا ظَلَمْ وقال القرطبيّ: قوله: ((إنها ابنة أبي بكر)) تنبية على أصلها الكريم الذي نشأت عنه، واكتسبت الجزالة والبلاغة، والفضيلة منه، وطيبُ الفروع بطيب عروقها، وغذاؤها من عروقها، كما قال [من الكامل]: طِيبُ الْفُرُوعِ مِنَ الأُصُولِ وَلَمْ يُرَى فَرْعٌ يَطِيبُ وَأَضْلُهُ الزَّقُومُ ففيه مدح عائشة، وأبيها رضي اللّه تعالى عنهما انتهى(٢). مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عائشة رضي الله تعالى عنها هذا متّفقٌ عليه. (١) ((المفهم» ٣٢٦/٦-٣٢٧. (٢) ((المفهم)) ٣٢٧/٦. ١٩٣= ٣- (حُبُّ الرجل بعْضَ نِسَائِهِ أکثرَ مِنْ بَعْض)- حديث رقم ٣٣٩٥ (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٣٣٩٥/٣ و٣٣٩٦ و٣٣٩٧ - وفي ((الكبرى)) ٨٨٩٢/٣ و٨٨٩٣ و٨٨٩٤. وأخرجه (خ) ففي ((الهبة)) ٢٥٨١ (م) في ((فضائل الصحابة)) ٢٤٤٢ (أحمد) في ((باقي مسند الأنصار)) ٢٤٠٥٤ و٢٤٦٤٨. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان جواز حبّ الرجل بعض زوجاته أكثر من بعض، لكن بشرط أن لا يميل بسببه عن العدل في القسم إلى الجور. (ومنها): تنافس الضرائر، وتغايرهنّ على الرجل، وأن الرجل يسعه السكوت إذا تقاولن، ولا يميل مع بعض على بعض. (ومنها): أن فيه منقبة ظاهرة لعائشة، وأنه لا حرج على المرء في إيثار بعض نسائه بالتُّحَف، وإنما اللازم العدل في المبيت، والنفقة، ونحو ذلك من الأمور اللازمة. كذا قرّره ابن بطّال عن المهلّب. وتعقّبه ابن المنيّر بأن النبيّ وَّر لم يفعل ذلك، وإنما فعله الذين أهدوا له، وهم باختيارهم في ذلك، وإنما لم يمنعهم النبيّ وَالر؛ لأنه ليس من كمال الأخلاق أن يتعرّض الرجل إلى الناس بمثل ذلك؛ لما فيه من التعرّض لطلب الهديّة، وأيضًا فالذي يُهدي لأجل عائشة كأنه مَلَّك الهديّة بشرط، والتمليك يتبع فيه تحجير المالك، مع أن الذي يظهر أنه وَ ل كان يُشَرّكهنّ في ذلك، وإنما وقعت المنافسة لكون العطيّة تصل إليهنّ من بيت عائشة رضي الله تعالى عنهنّ. (ومنها): قصد الناس بالهدايا أوقات المسرّة، ومواضعها؛ ليزيد ذلك في سُرور المُهْدَى إليه. (ومنها): جواز التشكّي، والتوسّل في ذلك. (ومنها): ما كان عليه أزواج النبيّ وَّ من مهابته، والحياء منه، حتى راسلنه بأعزّ الناس عنده فاطمة رضي اللّه تعالى عنها. (ومنها): سرعة فهمهنّ، ورجوعهنّ إلى الحق، والتوقّف عنه. (ومنها): إدلال زينب بنت جحش على النبيّ وَلتر؛ لكونها كانت بنت عمّته، كانت أمها أمَيمة - بالتصغير - بنت عبد المطّلب. (ومنها): أنه يجوز للمرأة أن تتصدّق مما تكسبه في بيت زوجها، من غير أمره. (ومنها): ما قاله الداوديّ: وفيه عذر النبيّ وَّ لزينب. قال ابن التين: ولا أدري من أين أخذه؟. قال الحافظ: كأنه أخذه من مخاطبتها النبيّ وَّ لطلب العدل مع علمها بأنه أعدل الناس، لكن غلبت عليها الغيرة، فلم يؤاخذها النبيّ وَلّ بإطلاق ذلك. وإنما خصّ زينب بالذكر لأن فاطمة رضي اللّه تعالى عنها كانت حاملة رسالة خاصّة، بخلاف زينب، فإنها شريكتهنّ في ذلك، بل رأسهنّ؛ لأنها هي التي تولّت إرسال فاطمة أوّلًا، ثم سارت بنفسها(١). (ومنها): أنه استدلّ به على أن القسم كان واجبا علیه، كذا قیل، ولكن (١) راجع ((الفتح)) ٥٢٠/٥-٥٢٣. ((كتاب الهبة)). ١٩٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ عِشْرَةِ النِّسَاءِ تقدّم أن الأصحّ أنه ليس واجبًا عليه، بل يقسم من عند نفسه كرمًا وفضلاً. والله تعالى أعلم بالصوابِ، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٣٩٦- (أَخْبَرَنِي عِمْرَانُ بْنُ بَكَّارِ الْحِمْصِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، قَالَ: أَنْبَأَنًا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، أَنَّ عَائِشَةَ، قَالَثَ ... فَذَكَرَتْ نَحْوَهُ، وَقَّالَتْ: أَرْسَلَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ ◌َ زَيْتَبَ، فَاسْتَأْذَنَتْ، فَأَذِنَ لَهَا، فَدَخَلَتْ، فَقَالَتْ: نَحْوَهُ. خَالَفَهُمَا مَعْمَرٌ، رَوَاهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُزْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ) قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: ((عمران بن بكّار)): هو الكّلاعيّ الْبَرّاد الحمصيّ المؤذّن، ثقة [١١] ١٥٤١/١٧. و((أبو اليمان)): هو الحكم بن نافع البهرانيّ الحمصيّ، ثقة ثبت [١٠] ١٤/ ٢١٣٢. و((شُعيب)): هو ابن أبي حمزة الحمصيّ ثقة ثبت عابدٌ [٧] ٨٥/٦٩. وقوله: (خَالَفَهُمَا) الضمير لصالح بن كيسان، وشعيب بن أبي حمزة (مَغْمَرٌ) بن راشد البصريّ، نزيل اليمن، ثقة ثبت من كبار [٧] ١٠/ ١٠ (رَوَاهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُزْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ) يعني أن معمر بن راشد خالف صالحًا، وشعيبًا في روايته لهذا الحدیث، حیث رویاه عن الزهريّ، عن محمد بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، عن عائشة رضي اللّه تعالى عنها، ورواه هو عنه، عن عروة، عن عائشة رضي اللّه تعالى عنها، ثم أورد المصنّف رحمه اللّه تعالى رواية معمر التي خالفهما فيها، فقال: ٣٣٩٧- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعِ النَّيْسَابُورِيُّ، الثَّقَةُ الْمَأْمُونُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُزْوَةً، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتِ: اجْتَمَعْنَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ نَِّ، فَأَرْسَلْنَ فَاطِمَةَ إِلَى النَّبِيِّ وَّهِ، فَقُلْنَ لَهَا: إِنَّ نِسَاءَكَ - وَذَكَرَ كَلِمَةً - مَعْنَاهَا: يَنْشُدْنَكَ الْعَذْلَ، فِي ابْنَةٍ أَبِي قُحَافَةَ، قَالَتْ: فَدَخَلَتْ عَلَى النَّبِيِّ وَِّ، وَهُوَ مَعَ عَائِشَةَ، فِي مِرْطِهَا، فَقَالَتْ لَهُ: إِنَّ نِسَاءَكَ أَرْسَلْتَنِي، وَهُنَّ يَنْشُذْنَكَ الْعَدْلَّ فِي ابْنَةٍ أَبِي قُحَافَةَ، فَقَالَ لَهَا النَّبِيِّ ◌َلِهِ: ((أَشْحُبِينِي؟»، قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: ((فَأَحِبِيهَا))، قَالَتْ: فَرَجَعَتْ إِلَّيْهِنَّ، فَأَخْبَرَتُنَّ مَا قَالَ، فَقُلْنَ لَهَا: إِنَّكِ لَمْ تَصْنَعِي شَيْئًا، فَارْجِعِي إِلَيْهِ، فَقَالَتْ: وَاللَّهِ لَا أَرْجِعُ إِلَيْهِ فِيهَا أَبَدًا، وَكَانَتِ ابْنَةَ رَسُولِ اللَّهِ إِلَه حَقًّا، فَأَرْسَلْنَ زَيْتَبَ بِنْتَ جَحْشٍ، قَالَتْ عَائِشَةُ: وَهِيَ الَّتِي كَانَتْ تُسَامِينِي مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيّ وَّهِ، فَقَالَتْ: أَزْوَاجُكَّ أَرْسَلْنَنِيَ، وَهُنَّ يَنْشُدْنَكَ الْعَذْلِّ، فِي ابْنَةٍ أَبِي ◌ُحَافَةَ، ثُمَّ أَقْبَلَتَ عَلَّيَّ تَشْتِمُنِي، فَجَعَلْتُ أُرَاقِبُ النَّبِيِّ وَِّ، وَأَنْظُرُ طَرْفَهُ، هَلْ يَأْذَنْ لِي مِنْ أَنْ أَنْتَصِرَ مِنْهَا، قَالَتْ: فَشَتَمَثْنِي، حَتَّى ظَتَنْتُ أَنَّهُ لَا يَكْرَهُ، أَنْ أَنْتَصِرَ مِنْهَا، فَاسْتَقْبَلْتُهَا، فَلَمْ أَلْبَثْ أَنْ أَفْحَمْتُهَا، فَقَالَ لَهَا النَِّيُّ ◌َّهِ: ((إِنَّا ابْنَةُ أَبِي بَكْرٍ))، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَلَمْ أَرَ امْرَأَةَ خَيْرًا، وَلَا أَكْثَرَ صَدَقَةٌ، وَلَا أَوْصَلَ لِلرَّحِمِ، وَأَبْذَلَ لِنَفْسِهَا فِي كُلِّ شَيْءٍ، يُتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، مِنْ زَيْتَبَ، مَا عَدَا ١٩٥ ٣- (حُبُّ الرّجل بعضَ نِسَائِهِ أَكْثَرَ مِنْ بَعْض)- حديث رقم ٣٣٩٧ سَوْرَةً مِنْ حِدَّةٍ، كَانَتْ فِيهَا، تُوشِكُ مِنْهَا الْفَيْئَةَ. قَالَ أَبو عَبْد الرَّحْمَنِ: هَذَا خَطَأْ، وَالصَّوَابُ الَّذِي قَبْلَهُ). وقال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح و((عبد الرزاق)): هو ابن همّام الصنعانيّ الثقة الحجة [٩]. وقولها: ((اجتمعن أزواج النبيّ (َليت)) كذا في رواية المصنّف، وأحمد بإثبات النون، وهي لغة لبعض العرب، وتمسمّى لغة («أكلوني البراغيث))، ولغة جمهور العرب عدم إلحاقها مع الفاعل الظاهر، كما أشار ابن مالك في ((الخلاصة)) إلى هذا بقوله: وَجَرَّدِ الْفِعْلَ إِذَا مَا أُسْنِدَا لاثْنَيْنِ أَوْ جُع ◌َـ ((فَازَ الشُّهَدَ)) وَقَدْ يُقَالُ ((سَعِدَ)) وَ(سَعِدُوا)) وَالْفِعْلُ لِلظَّاهِرِ بَعْدُ مُسْتَدُ قال الحافظ وليّ الدين: قد تبيّن بالرواية التي سقناها من عند البخاريّ أن المراد من أمهات المؤمنين من عدا حفصة، وصفيّة، وسودة انتهى(١). وقولها: ((وكانت ابنة رسول اللَّه وَل﴾ حقًّا)) أي إنها كانت مخلّقة بأخلاقه وَالۋ الكريمة، وخصاله الحميدة، وآدابه السنّة على أتمّ وجه، وآكده، فلذلك ما راجعته في القضيّة، بل رجعت إليهنّ، وأعلمتهنّ أنها غير موافقة لهنّ فيما طلبنه، وحلفت على أن لا تراجعه في ذلك أبدًا. وقولها: ((ينشدنك العدل)) بفتح أوله، وضمّ الشين المعجمة: أي يسألنك، كما في الرواية المتقدّمة، يقال: نشدت فلانا، من باب نصر: إذا قلت له: نشدتك اللّه، أي سألتك الله، کأنك ذكرته إياه. وقولها: ((تشتمني)) بكسر التاء، من باب ضرب. وقولها: ((طرفه)) بفتح الطاء المهملة، وسكون الراء: أي بصره. وقولها: ((أن أفحمتها)) بالفاء، والحاء المهملة: أي أسكتُّها، يقال: أفحمه: إذا أسكته في خصومة، أو غيرها(٢). وقولها: ((وأبذل لنفسها في كلّ شيء، يتقرّب به إلى اللَّه عز وجل)) هو بالذال المعجمة، ثم إنه يحتمل أن يكون من البذل، وهو العطاء، وأن يكون من البِذْلة، وهو الامتهان بالعمل والخدمة(٣). وقوله: ((توشك منها الفيئة)) بضم أوله، وبكسر الشين المعجمة- و((الفيأة)) بالنصب (١) ((طرح التثريب)) ٥١/٧. (٢) ((طرح التثريب)) ٧/ ٥٣. (٣) ((طرح التثريب)) ٧/ ٥٤. ١٩٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ عِشْرَةِ النِّسَاءِ على المفعوليّة: أي تُسرع الرجوع من تلك السَّوْرة. ومعنى الكلام أنها وصفتها بأنها كاملة الأوصاف، إلا أن فيها شدّة خلق، وسُرعة غضب، ترجع عنها سريعًا، ولا تُصرّ عليها، فهي سريعة الغضب، سريعة الرضا، فتلك بتلك. وقوله: ((هذا خطأ الخ)) يعني أن رواية معمر عن الزهريّ، عن عروة، عن عائشة، خطأً، والصواب رواية صالح، وشُعيب، عن الزهريّ، عن محمد بن عبد الرحمن، عن عائشة رضي الله تعالى عنها. وإنما رجّح المصنّف رحمه الله تعالى روايتهما على روايته، لاتفاقهما، وقد وافقهما يونس بن يزيد عند مسلم، فاتفاق الثلاثة يدلّ على وهَم معمر. وما قاله المصنّف رحمه الله تعالى هنا قاله غيره من الحفّاظ أيضًا، فقال في ((الفتح)): قال الذهليّ، والدارقطنيّ، وغيرهما: المحفوظ من حديث الزهريّ: ((عن محمد بن عبد الرحمن، عن عائشة)). انتهى(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٣٩٨- (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ - يَعْنِي ابْنَ الْمُفَضَّلِ- قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مُرَّةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ نََّ، قَالَ: ((فَضْلُ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ، كَفَضْلِ الثَِّيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ)) ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١- (إسماعيل بن مسعود) الجحدريّ، أبو مسعود الصريّ، ثقة [١٠] ٤٧/٤٢. ٢- (بشر بن المفضل) بن لاحق، أبو إسماعيل البصريّ، ثقة ثبت عابد [٨] ٨٢/٦٦. ٣- (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة الثبت البصريّ [٧] ٢٤/ ٤٧ . ٤- (عمرو بن مرّة) بن عبد الله بن طارق الجملي المرادي، أبو عبد اللَّه الكوفي الأعمى، ثقة عابد رمي بالإجاء [٥] ٢٦٥/١٧١. ٥- (مرّة) بن شَرَاحیل الْهَمْدانيّ، أبو إسماعيل الكوفيّ، وهو الذي يقال له: مُرّة الطيب، ثقة عابد [٢] ١/ ٤٥١. [تنبيه]: جميع نسخ ((المجتبى)) التي بين يديّ وقع فيها سقط في هذا السند، ففيها: ((عن عمرو بن مرّة، عن أبي موسى))، وهو خطأ فاحش، فالصواب ما في ((الكبرى)): ((عن عمرو بن مرّة، عن مُرّة))، وهو الذي في ((تحفة الأشراف)): ٤٣١/٦، فتنبّه. والله (١) (فتح)) ٢٢٤/٥ ((كتاب الهبة)). ١٩٧ ٣- (حُبُّ الرَّجُل بعضَ نِسَائِهِ أُكْثَرَ مِنْ بَعْض)- حديث رقم ٣٣٩٨ تعالى أعلم. [تنبيه آخر]: مرّة هذا ليس هو والد عمرو بن مرّة الراوي عنه، فإن والد عمرو هو مرّة بن عبد الله بن طارق الْجَمَليّ الكوفي، وليست له رواية في الكتب الستّة، وقد ترجمه البخاريّ في ((التاريخ الكبير)) ٦/٨، وابن أبي حاتم في ((الجرح والتعديل)) ٣٦٦/٨، وأما مرّة هذا، فإنه من رجال الكتب الستة. وإنما نبّهتُ عليه لأني رأيت العلامة أحمد شاكر رحمه الله تعالى قد أخطأ في تعليقه على ((ألفية السيوطي) في المصطلح، تبعًا لشارحها الترميسيّ، فقال: ((عن عمرو بن مرّة، عن أبيه مرّة))، وكذا قال في كتابه الآخر ((الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث))، فتنبه. والله تعالى أعلم. ٦- ((أبو مُوسَى) عبد الله بن قيس بن سُليم بن حضّار الأشعريّ الصحابيّ الشهير رضي الله تعالى عنه٣/٣ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح غير شيخه فإنه من أفراده. (ومنها): أن نصفه الأول مسلسل بالبصريين، ونصفه الثاني بالكوفيين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي مُوسَى) الأشعريّ رضي اللَّه تعالى عنه (عَنِ النَّبِّوَّ، قَالَ: ((فَضْلُ عَائِشَةً عَلَى النِّسَاءِ، كَفَضْلِ الثَّرِيدِ) -يفتح الثاء المثلّثة، وكسر الراء -: فَعِيل بمعنى مفعول، ويقال أيضًا: مَثْرُودَ، يقال: ثَرَدتُ الخُبْزَ ثَرْدًا، من باب قَتَلَ، وهو أن تَفْتَّه، ثمّ تَبُلَّهُ بمَرَقٍ، والاسمُ الثُّرْدَةُ - بالضمّ -. أفاده الفيوميّ. وفي ((الفتح)): ((الثريد)): معروفٌ، وهو أن يُثرد الخبز بمرق اللحم، وقد يكون معه اللحم، ومن أمثالهم: ((الثريد أحد اللحمين))، وربّما كان أنفع، وأقوى من نفس اللحم النضيج إذا ثُرّد بمرقته انتهى(١). وقال في موضع آخر: قوله: ((كفضل الثريد)) زاد معمر من وجه آخر: «مُرَنَّدٍ باللحم)»، وهو اسم الثريد الكامل، وعليه قول الشاعر [من الوافر]: إِذَا مَا الْخُبْزُ تَأْدِمُهُ(٢) بِلَخِم فَذَاكَ وَأَمَانَةَ اللَّهِ الثَّرِيدُ(٣) (١) (فتح) ٦٩١/١٠. ((كتاب الأطعمة)). (٢) من باب ضرب، أي تخلطه. (٣) ((فتح)) ٧/ ٤٨٠ ((كتاب فضائل أصحاب النبيّ وَّلـ ١٩٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ عِشْرَةِ النِّسَاءِ (عَلَى سَائِرِ الطَّعَام) أي كما أنه أفضل طعام العرب؛ لأنه مع اللحم جامعٌ بين اللذّة، والقوّة، وسهولة التناول، وقلّة المؤنة في الْمَضْغ، كذلك إنها جامعة لحسن الخلق، وحلاوة المنطق، وحسن المعاشرة، ونحو ذلك. وقال ابن الأثير: قيل: لم يُرد عين الثريد، وإنما أراد الطعام المتّخذ من اللحم والثريد معًا؛ لأن الثريد لا يكون إلا من لحم غالبًا، والعرب قلّما تجد طَبيخًا، ولا سيّما بلحم. ويقال: ((الثريد أحد اللحمين))، بل اللذّة والقوّة إذا كان اللحم نضيجًا في المرق أكثر مما يكون في نفس اللحم انتهى(١). وقال أبو العبّاس القرطبيّ: وإنما كان الثريد أفضل الأطعمة؛ ليسارة مؤنته، وسُهولة إساغته، وعظيم بركته، ولأنه كان أجلّ أطعمتهم، وألذّها بالنسبة إليهم، ولعوائدهم، وأما غيرهم فقد يكون غير الثريد عنده أطيب وأفضل، وذلك بحسب العوائد في الأطعمة. انتهى (٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي موسى الأشعريّ رضي اللّه تعالى عنه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٣٣٩٨/٣ - وفي ((الكبرى)) ٨٨٩٥/٣. وأخرجه (خ) في ((أحاديث الأنبياء)) ٣٤١١ (م) في ((فضائل الصحابة)) ٢٤٣١ (ت) في ((الأطعمة)) ١٨٣٤ (ق) في ((الأطعمة)) ٣٢٨٠ (أحمد) في ((مسند الكوفيين)) ١٩٠٢٩ و١٩١٦٩. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): حديث أبي موسى الأشعريّ رضي اللّه تعالى عنه هذا اختصره المصنّف، وقد ساقه الشيخان بتمامه، ولفظ البخاريّ رحمه الله تعالى: حدثنا يحيى بن جعفر، حدثنا وكيع، عن شعبة، عن عمرو بن مرة، عن مرة الهمداني، عن أبي موسى رضي الله عنه، قال: قال رسول اللّه وَله: ((كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا آسية، امرأة فرعون، ومريم بنت عمران، وإن فضل عائشة على النساء، كفضل الثريد على سائر الطعام)). قال أبو العباس القرطبيّ رحمه اللّه تعالى: الكمال هو التناهي والتمام، ويقال في (١) ((النهاية)) ٢٠٩/١ . (٢) (المفهم)) ٦/ ٣٣٢. ١٩٩ ٣- (حُبُّ الرّجل بعضَ نِسَائِه أكثرَ مِنْ بَعْض)- حديث رقم ٣٣٩٨ ماضيه: كَمَلَ - بفتح الميم، وضمّها- ويكمُلُ في مضارعه - بالضمّ_(١) وكمال كلّ شيء بحسبه، والكمال المطلق إنما هو للَّه تعالى خاصّةً، ولا شكّ أن أكمل نوع الإنسان الأنبياء، ثم تليهم الأولياء، ويعني بهم الصّدّيقين، والشهداء، والصالحين. وإذا تقرّر هذا فقد قيل: إن الکمال المذکور في الحدیث -یعني به النبوّة، فيلزم أن تكون مریم، وآسية نبيّين، وقد قيل بذلك. والصحيح أن مريم نبيّةٌ؛ لأن اللّه تعالى أوحى إليها بواسطة الملك، كما أوحى إلى سائر النبيين. وأما آسية، فلم يرد ما يدلّ على نبوّتها دلالةٌ واضحةً، بل على صدّيقيّتها، وفضيلتها، فلو صحّت لها نبوّتها لما كان في الحديث إشكال، فإنه يكون معناه: أن الأنبياء في الرجال كثير، وليس في النساء نبيٌّ إلا هاتين المرأتين، ومن عداهما من فُضَلاء النساء صدّيقات، لا نبيّات، وحينئذ يصحّ أن تكونا أفضل نساء العالمين. والأولى أن يقال: إن الكمال المذكور في الحديث ليس مقصورًا على كمال الأنبياء، بل يندرج معه كمال الأولياء، فيكون معنى الحديث: إن نوعي الكمال وُجد في الرجال كثيرًا، ولم يوجد في النساء المتقدّمات على زمانه ◌َل ر أكمل من هاتين المرأتين، ولم يتعرّض النبيّ وَّ في هذا الحديث لأحد من نساء زمانه، إلا لعائشة خاصّةً، فإنه فضّلها على سائر النساء، ويُستثنى منهنّ الأربع المذكورات في الأحاديث المتقدّمة، وهنّ: مريم بنت عمران، وخديجة، وفاطمة، وآسية، فإنهنّ أفضل من عائشة بدليل الأحاديث المتقدّمة في باب خديجة، وبهذا يصحّ الجمع، ويرتفع التعارض، إن شاء الله تعالى انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله تعالى(٢). وقال في ((الفتح)): قوله: ((ولم يكمل من النساء إلا آسية الخ)) استُدلّ بهذا الحصر على أنهما نبيّتان؛ لأن أكمل نوع الإنسان الأنبياء، ثم الأولياء، والصدّيقون، والشهداء، فلو كانتا غير نبيّين للزم ألا يكون في النساء وليّةٌ، ولا صدّيقة، ولا شهيدةٌ، والواقع أن هذه الصفات في كثير منهنّ موجودة، فكأنه قال: ولن يُنبأ من النساء إلا فلانة، وفلانة، ولو قال: لم تثبت صفة الصدّيقيّة، أو الولاية، أو الشهادة إلا لفلانة، وفلانة لم يصحّ؛ لوجود ذلك في غير هنّ، إلا أن يكون المراد في الحديث كمال غير الأنبياء، فلا يتمّ الدليل على ذلك لأجل ذلك. والله أعلم. وعلى هذا فالمراد مَنْ تقدّم زمانه وَّ، ولم يتعرّض لأحد من نساء زمانه إلا لعائشة، وليس فيه تصريح بأفضليّة عائشة رضي الله تعالى عنها على غيرها؛ لأن فضل الثريد على غيره من الطعام إنما هو لما فيه من تيسير (١) وذكر في ((المصباح)) أنه من باب قَرُبَ، وضَرَبَ، وتَعِبَ، لكن باب تعب أردؤها. انتهى. (٢) (المفهم)) ٣٣١/٦-٣٣٢. ٢٠٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ عِشْرَةِ النِّسَاءِ المؤنة، وسهولة الإساغة، وكان أجلّ أطعمتهم يومئذ، وكلُّ هذه الخصال لا تستلزم ثبوت الأفضلية له من كلّ جهة، فقد يكون مفضولًا بالنسبة لغيره من جهات أخرى. وقد ورد في هذا الحديث من الزيادة بعد قوله: ((ومريم ابنة عمران)): ((وخديجة بنت خُويلد، وفاطمة بنت محمد وَّ)). أخرجه الطبرانيّ عن يوسف بن يعقوب القاضي، عن عمرو بن مرزوق، عن شعبة بالسند المذكور هنا. وأخرجه أبو نعيم في ((الحلية)) في ترجمة عمرو بن مُرّة أحد رواته عند الطبرانيّ بهذا الإسناد. وأخرجه الثعلبيّ في ((تفسيره)) من طريق عمرو بن مرزوق به. وقد ورد من طريق صحيح ما يقتضي أفضليّة خديجة، وفاطمة على غيرهما، وذلك في حديث عليّ تَظميمه بلفظ: ((وخير نسائها خديجة))، وجاء في طريق أخرى ما يقتضي أفضليّة خديجة وفاطمة، وذلك فيما أخرجه ابن حبّان، وأحمد، وأبو يعلى، والطبرانيّ، وأبو داود في ((كتاب الزهد))، والحاكم، كلهم من طريق موسى بن عقبة، عن كُريب، عن ابن عبّاس رضي اللّه تعالى عنهما، قال: قال رسول اللّه وقالفيه: ((أفضل نساء أهل الجنّة خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد ◌َێله ومريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون))، وله شاهد من حديث أبي هريرة تَمّه في ((الأوسط)) للطبرانيّ، ولأحمد في حديث أبي سعيد، رفعه: ((فاطمة سيّدة نساء أهل الجنّة، إلا ما كان من مريم بنت عمران))، وإسناده حسن، وإن ثبت ففيه حجة لمن قال: إن آسية امرأة فرعون ليست نبيّة. قال: وقال القرطبيّ: الصحيح أن مريم نبيّةٌ؛ لأن اللّه تعالى أوحى إليها بواسطة الملك، وأما آسية فلم يرد ما يدلّ على نبوّتها. وقال الكرمانيّ: لا يلزم من لفظة الكمال ثبوت نبوّتها؛ لأنه يُطلق لتمام الشيء، وتناهيه في بابه، فالمراد بلوغها النهاية في جميع الفضائل التي للنساء، قال: وقد نقل الإجماع على عدم نبوّة النساء. كذا قال، وقد نقل عن الأشعريّ أن من النساء من نُّبِىء، وهنّ ستّ: حوّاء، وسارة، وأم موسى، وهاجر، وآسية، ومريم، والضابط عنده أن من جاءه الملك عن اللَّه بحكم من أمر، أو نهي، أو بإعلام مما سيأتي فهو نبيّ، وقد ثبت مجيء الملك لهؤلاء بأمور شتّى من ذلك، من عند الله عز وجل، ووقع التصريح بالإيحاء لبعضهنّ في القرآن. وذكر ابن حزم في ((الملل والنحل)) أن هذه المسألة لم يحدث التنازع فيها إلا في عصره بقرطبة، وحكى عنهم أقوالًا ثالثها الوقف، قال: وحجة المانعين قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا﴾ الآية. قال: وهذا لا حجة فيه، فإن أحدًا لم يدّع فيهنّ الرسالة، وإنما الكلام في النبوّة فقط، قال: وأصرح ما ورد في ذلك قصّة مریم، وفي قصّة أمّ موسى ما يدلّ على ثبوت ذلك لها، من مبادرتها بإلقاء ولدها في البحر