Indexed OCR Text

Pages 101-120

٧١- (تَخْرِيمُ الْمُتْعَةِ) - حديث رقم ٣٣٦٦
١٠١ =
سبيلها)). وهو حديث سبرة المذكور في هذا الباب بعد هذا.
وقال الخطّابيّ: تحريم المتعة كالإجماع إلا عن بعض الشيعة، ولا يصحّ على قاعدتهم
في الرجوع في المختلفات إلى عليّ، وآل بيته، فقد صحّ عن عليّ أنها نسخت.
ونقل البيهقيّ عن جعفر بن محمد أنه سُئل عن المتعة، فقال: ((هي الزنا بعينه))، قال
الخطّابيّ: ويُحكى عن ابن جُريج جوازها اهـ.
وقد نقل أبو عوانة في ((صحيحة)) عن ابن جُريج أنه رجع عنها بعد أن روى بالبصرة
في إباحتها ثمانية عشر حديثًا .
وقال ابن دقيق العيد: ما حكاه بعض الحنفيّة عن مالك من الجواز خطأً، فقد بالغ
المالكيّة في منع النكاح المؤقّت حتى أبطلوا توقيت الحل بسببه، فقالوا: لو علّق على وقت
لا بُدّ من مجيئه وقع الطلاق الآن لأنه توقيت للحلّ، فيكون في معنى نكاح المتعة.
وقال عياض: وأجمعوا على أن شرط البطلان التصريح بالشرط، فلو نوى عند العقد
أن يفارقها بعد مدّة صحّ نكاحه، إلا الأوزاعيّ، فأبطله. واختلفوا هل يُحدّ ناكح
المتعة، أو يُعزّر؟ على قولين، مأخذهما أن الاتفاق بعد الخلاف، هل يرفع الخلاف
المتقدّم.
وقال القرطبيّ: الروايات كلّها متّفقةٌ على أن زمن إباحة المتعة لم يطُل، وأنه حُرِّم،
ثم أجمع السلف والخلف على تحريمها إلا من لا يلتفت إليه من الروافض. وجزم جماعة
من الأئمة بتفرّد ابن عبّاس بإباحتها، فهي من المسألة المشهورة، وهي نُدرة المخالف،
ولكن قال ابن عبد البرّ: أصحاب ابن عبّاس من أهل مكة واليمن على إباحتها، ثم اتّفق
فقهاء الأمصار على تحريمها .
وقال ابن حزم: ثبت على إباحتها بعد رسول اللَّه ◌َ﴾ ابن مسعود، ومعاوية، وأبو
سعيد، وابن عبّاس، وسلمة، ومعبد ابنا أُميّة بن خلف، وجابر، وعمرو بن حريث،
ورواه جابر عن جميع الصحابة مدّة رسول اللَّه وَله، وأبي بكر، وعمر إلى قرب آخر
خلافة عمر، قال: ومن التابعين طاوس، وسعيد بن جبير، وعطاء، وسائر فقهاء مكة.
قال الحافظ: وفي جميع ما أطلقه نظر:
أما ابن مسعود، فمستنده فيه الحديث الماضي في أوائل النكاح(١)، وقد بيّنت فيه ما
(١) هو ما أخرجه البخاريّ في (صحيحه)) من طريق إسماعيل، عن قيس، قال: قال عبدالله: كنا نغزو
مع رسول اللّه وَله وليس لنا شيء، فقلنا: ألا نستخصي؟، فنهانا عن ذلك، ثم رَخْصَ لنا أن
نتكح المرأة بالثوب، ثم قرأ علينا: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم، ولا
تعتدوا، إن الله لا يحب المعتدین﴾.

١٠٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ النَّاحِ
نقله الإسماعيليّ، من الزيادة فيه المصرّحة عنه بالتحريم، وقد أخرجه أبو عوانة من
طريق أبي معاوية، عن إسماعيل بن أبي خالد، وفي آخره: ((ففعلناها، ثم تُرك ذلك)).
وأما معاوية فأخرجه عبد الرزاق من طريق صفوان بن يعلى بن أميّة: ((أخبرني يعلى
أن معاوية استمتع بامرأة بالطائف»، وإسناده صحيح، لكن في رواية أبي الزبير عن جابر
عند عبد الرزاق أيضًا أن ذلك كان قديمًا، ولفظه: ((استمتع معاوية مَقْدَمه الطائف بمولاة
لبني الحضرميّ، يقال لها: معانة، قال جابرٌ: ثم عاشت معانة إلى خلافة معاوية، فكان
یرسل إليها بجائزة كلّ عام)) ، وقد كان معاوية متبعا لعمر، مقتديًا به، فلا يُشكّ أنه عمل
بقوله بعد النهي، ومن ثَمّ قال الطحاويّ: خطب عمر، فنهى عن المتعة، ونقل ذلك عن
النبيّ وَّر، فلم يُنكر عليه ذلك منكر، وفي هذا دليلٌ على متابعتهم له على ما نهى عنه.
وأما أبو سعيد، فأخرج عبد الرزاق، عن ابن جُريج أن عطاءً قال: أخبرني من شئتُ
عن أبي سعيد، قال: لقد كان أحدنا يستمتع بملء القدح سَويقًا. وهذا - مع كونه
ضعيفًا؛ للجهل بأحد رواته- ليس فيه التصريح بأنه كان بعد النبيّ أَالقر.
وأما ابن عبّاس، فتقدّم النقل عنه، والاختلاف هل رجع، أو لا؟.
وأما سلمة، ومعبد، فقصّتهما واحدةٌ، اختُلف فيها، هل وقعت لهذا، أو لهذا،
فروى عبد الرزاق بسند صحيح، عن عمرو بن دينار، عن طاوسٍ، عن ابن عبّاس،
قال: ((لم يَرُعْ عمر إلا أمّ أراكة، قد خرجت حُبلى، فسألها عمر، فقالت: استمتع بي
سلمة بن أميّة)). وأخرج من طريق أبي الزبير، عن طاوس، فسمّاه معبد بن أُميّة.
وأما جابرٌ، فمستنده قوله: ((فعلناها)) ، وقد تقدّم بيانه، ووقع في رواية أبي نضرة،
عن جابر عند مسلم: ((فنهانا عمر، فلم نفعله بعدُ))، فإن كان قوله: ((فعلنا)) يعمّ جميع
الصحابة، فقوله: ((ثم لم نعُد)) يعمّ جميع الصحابة، فيكون إجماعًا، وقد ظهر أن مستنده
الأحاديث الصحيحة التي بيتّاها.
وأما عمرو بن حُريث (١)، وكذا قوله: ((رواه جابرٌ عن جميع الصحابة، فعجيبٌ،
وإنما قال جابر: ((فعلناها))، وذلك لا يقتضي تعميم جميع الصحابة، بل يصدُقُ على
فعل نفسه وحده.
وأما ما ذكره عن التابعين، فهو عند عبد الرزاق، عنهم بأسانيد صحيحة. وقد ثبت
عن جابر عند مسلم: ((فعلناها، مع رسول اللَّهُ بَِّ، ثم نهانا عمر، فلم نَعُد لها»، فهذا
يردّ عدّه جابرًا فيمن ثبت على تحليلها. وقد اعترف ابن حزم مع ذلك بتحريمها؛ لثبوت
(١) هكذا عبارة ((الفتح))، ولعل فيه سقطًا، فليُحرّر.

١٠٣
٧١- (تَحْرِيمُ الْمُتْعَةِ) - حديث رقم ٣٣٦٧
قوله وَّر: ((إنها حرامٌ إلى يوم القيامة))، قال: فأَمِنّا بهذا القولِ نسخَ التحريم. انتهى كلام
الحافظ رحمه الله تعالى(١).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: كلام الحافظ رحمه الله تعالى هذا تحريرٌ نفيسٌ جدًّا.
وخلاصة القول في مسألة نكاح المتعة أخذًا مما سبق من الأحاديث، وأقوال الأئمة
من السلف، والخلف أنه نكاح باطلٌ، ولا يوجد الآن من يقول بجوازه، ممن ينتسب
إلى أهل السنّة، والجماعة، وإنما يخالف فيها بعض الرافضة، ولا عبرة بخلافهم.
والحاصل أن نكاح المرأة بشرط أن تمكث معه مدّةً معيّنة، لايصحّ، وأما من نكح
امرأة نكاحًا صحيحًا، ونوى أن لا يمكث معها إلا مدّة نواها صحّ نكاحه، على ما عليه
جلّ أهل العلم، خلافًا للأوزاعيّ، كما ذكره ابن قُدامة في ((المغني))(٢)، وهو الذي
اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى- كما في ((مجموع الفتاوى)): قال:
هذا ليس بنكاح متعة، ولا يحرم، وذلك أنه قاصدٌ للنكاح، وراغب فيه، ولكن لا يريد
دوام المرأة معه، وهذا ليس بشرط، فإن دوام المرأة معه ليس بواجب، بل له أن
يطلّقها، فإذا قصد أن يطلّقها بعد مدّة، فقد قصد أمرًا جائزًا، بخلاف نكاح المتعة، فإنه
مثل الإجارة، تنقضي فيه بانقضاء المدّة، ولا ملك له عليها بعد انقضاء الأجل، وأما
هذا فملكه ثابت مطلقٌ انتهى(٣).
والحاصل أن صورة المتعة المحرّمة هو نكاح إلى أجل، ولا ميراث فيه، ولا طلاق،
بل ينقضي بانقضاء الأجل من غير طلاق، ولا عدّةَ، فهذا نكاح متعة، حرّمه رسول الله
وَله، وأجمعوا على تحريمه، إلا الرافضة، وأما إذا نكح امرأةً نكاحًا صحيحًا، ولكن نوى
أن يفارها لمدة معيّنة شهرًا، أو نحو ذلك، فلا يسمّى متعةً، بل هو نكاح صحيح، إلا
عند الأوزاعيّ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
٣٣٦٧ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةٌ عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ،
وَاللَّفْظُ لَهُ، قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ الْقَاسِمِ، عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، وَالْحَسَنِ،
ابْتَيْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِمَا، عَنْ عَلِيّ بْنِ أَبِيَ طَالِبٍ: ((أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلِ، نَّى عَنْ
مُتْعَةِ النِّسَاءِ، يَوْمَ خَيْبَرَ، وَعَنْ لُحُومِ الْحُمْرِ الْإِنْسِيَّةِ))).
قال الجامع عفا الله تعالى عنهَ: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح غير شيخه
الحارث، وهو ثقة حافظ. و((ابن القاسم)): هو عبد الرحمن الْعُتقيّ الفقيه المصريّ،
(١) ((فتح)) ٢١٦/١٠-٢١٨.
(٢) انظر ((المغني)) ٥٧٣/٧ .
(٣) انظر ((مجموع الفتاوى)) ١٤٧/٣٢.

١٠٤
شرح سنن النسائي - کِتَابُ النَّاحِ
صاحب مالك.
وقوله: ((الإنسيّة)) -بكسر الهمزة، فسكون النون -: نسبة إلى الإنس، وهم بنو آدم،
أو -بضمّ، فسكون -: نسبة إلى الأنس، ضدّ الوحشة، أو -بفتحتين -: نسبة إلى الأنْسَة
بمعنى الأُنْس أيضًا، والمراد هي التي تَأْلَفُ البيوت.
قال ابن الأثير: ((الحمر الإنسيّة)): هي التي تألف البيوت، والمشهور فيها كسر
الهمزة، منسوبة إلى الإنس، وهم بنو آدم، الواحد إنسيٍّ. وفي كتابٍ أبي موسى ما يدلّ
على أن الهمزة مضمومة، فإنه قال: هي التي تألف البيوت، والأنسُ ضدّ الوحشة،
والمشهور في ضدّ الوحشة الأَنْسُ بالضمّ، وقد جاء فيه الكسر قليلًا. قال: ورواه
بعضهم بفتح الهمزة والنون، وليس بشيء. قال ابن الأثير: إن أراد أن الفتح غير
معروف في الرواية، فيجوز، وإن أراد أنه ليس بمعروف في اللغة فلا، فإنه مصدرُ أنِستُ
به آنَسُ أَنْسًا، وأَنَسَةً انتهى كلام ابن الأثير(١).
والحديث متفقٌ عليه، وقد تقدّم شرحه، وبيان مسائله في الذي قبله. واللَّه تعالى
أعلم بالصوابِ، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٣٦٨ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالُوا: أَنْبَأَنَا
عَبْدُ الْوَهَّابِ، قَالَ: سَمِعْتُ يَحْتَى بْنَ سَعِيدٍ، يَقُولُ: أَخْبَرَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، أَنَّ ابْنَ
شِهَاب أَخْبَرَهُ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ وَالْحَسَنَ ابْنَيْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ أَخْبَرَاهُ، أَنَّ أَبَاهُمَا مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ
أَخْبَرَهَّمَا، أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ رَضِي اللَّه عَنْهِ، قَالَ: ((نََّى رَسُولُ اللَّهِ وَهِ يَوْمَ خَيْبَرَ،
عَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ» .
قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: ((يَوْمَ حُتَيْنِ))، وَقَالَ: هَكَذَا حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ مِنْ كِتَابِهِ).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وقد تقدّموا
غير مرّة.
و((عمرو بن عليّ): هو الفلاس. و((عبد الوهاب)): هو ابن عبد المجيد الثقفيّ
البصريّ، ثقة تغيّر قبل موته [٨] . و((يحيى بن سعيد)) : هو الأنصاريّ المدنيّ الثقة
الثبت [٥] .
ومن لطائف هذا الإسناد أن مشايخه الثلاثة، قد اتفق الستة بالرواية عنهم بلا واسطة،
كما تقدّم غير مرّة، وفيه رواية الأكابر عن الأصاغر، فإن يحيى بن سعيد من الطبقة
الخامسة، من شيوخ مالك، وهو من السابعة، ففيه رواية تابعيّ، عن تابع التابعين.
وقوله: ((قال ابن المثنّى الخ)) أشار به إلى ما تقدم من أن رواة الزهريّ اتفقوا على
(١) ((النهاية)) ٧٤/١-٧٥ .

٧١- (تَحْرِيمُ الْمُتْعَةِ) - حديث رقم ٣٣٦٩
١٠٥
(يوم خيبر))، وخالفهم في ذلك عبد الوهاب الثقفيّ، فرواه عن يحيى بن سعيد، عن
مالك، عن الزهريّ، فقال: ((يوم حُنين)، وهو خطأ من عبد الوهاب؛ لأن الدارقطنيّ
أخرجه من طريق آخر عن يحيى بن سعيد، فقال: ((خيبر))، كما هو رواية الجمهور،
وهو الصواب.
وقوله: ((هكذا حدّثنا عبد الوهاب من كتابه))، كأنه يشير إلى مخالفته لسائر الحفّاظ
الذين ضبطوا الرواية على أنها (يو خيبر))، لا ((يوم حُنين))، كما ذكرنا بيانه آنفًا.
والحديث متفق عليه، كما سبق الكلام فيه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٣٦٩- (أَخْبَرَنَا قُتَنِبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنِ الرَّبِيجِ بْنِ سَبْرَةَ الْجُهَنِيٌّ، عَنْ أَبِيهِ،
قَالَ: أَذِنَ رَسُولُ اللَّهِ بِهِ بِالْمُتْعَةِ، فَانْطَلَقْتُ أَنَا،َ وَرَجُلٌ، إِلَى امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي عَامِرٍ،
فَعَرَضْنَا عَلَيْهَا أَنْفُسَنَا، فَقَالَتْ: مَا تُعْطِينِي؟، فَقُلْتُ: رِدَائِي، وَقَالَ صَاحِبِي: رِدَائِي،
وَكَانَ رِدَاءُ صَاحِبِي أَجْوَدَ، مِنْ رِدَائِي، وَكُنْتُ أَشَبَّ مِنْهُ، فَإِذَا نَظَرَتْ إِلَى رِدَاءِ صَاحِبِي
أَعْجَبَهَا، وَإِذَا نَظَرَتْ إِلَيَّ أَعْجَبْتُهَا، ثُمَّ قَالَتْ: أَنْتَ وَرِدَاؤُكَّ يَكْفِينِي، فَمَكَثْتُ مَعَهَا ثَلَاثًا،
ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ بِهَ، قَالَ: (مَنْ كَانَ عِنْدَهُ مِنْ هَذِهِ النِّسَاءِ اللَِّي يَتَمَّتَّعُ، فَلْيُخَلُ
سَبِيلَهَا))).
رجال هذا الإسناد: أربعة :
١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفيّ البغلانيّ، ثقة ثبت [١٠] ١/١.
٢- (الليث) بن سعد الإمام الحجة الفقيه المصريّ [٧] ٣٥/٣١.
٣- (الربيع بن سَبْرة) بن مَعْبَد، ويقال: ابن عَوْسَجَة الْجُهَنيّ المدنيّ، ثقة [٣].
وثّقه المصنّف، وابن حبّان، وقال العجليّ: حجازيّ تابعيّ ثقة. روى له الجماعة،
سوى البخاريّ، وله عند المصنّف في هذا الكتاب حديث الباب فقط.
٤- (أبوه) سبرة بن معبد، أو ابن عَوْسَجة، صحابيّ، أول مشاهده الخَنْدَقُ، وكان
ينزل ذا المروة، ومات بها في خلافة معاوية رضي اللّه تعالى عنهما، تقدّم في -١٩/
٣١٣٥ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من رباعيات المصنف رحمه الله تعالى، وهو (١٧١) من رباعيات
الكتاب. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنهم ما بين بَغْلاني، وهو
شيخه، ومصري، وهو الليث، ومدنِييَّنِ، وهما الباقيان. (ومنها): أن فيه رواية الابن
عن أبيه. والله تعالى أعلم.

١٠٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ النَّكَاحِ
شرح الحديث
(عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ سَبْرَةَ) بفتح السين المهملة، وسكون الباء الموحدة (الْجُهَنِيَّ) بضم
الجيم، وفتح الهاء: نسبة إلى جهينة، أبي قبيلة من قُضاعة، واسمه زید بن لیث بن سود
ابن أسلم بن الحاف بن قُضاعة، نزلوا الكوفة والبصرة(١) (عَنْ أَبِيهِ) سَبْرَةَ رَِّهِ (قَالَ)
وفي بعض النسخ: ((أنه قال)) (أُذِنَ) بكسر الذال المعجمة، من باب عَلِمَ (رَسُولُ اللَّهِ وَّلـ
بِالْمُتْعَةِ) بالاستمتاع بالنساء إلى أجل مسمّى، بدفع مقدار من المال.
وفي رواية لمسلم من طريق عُمارة بن غزيّة، عن الربيع بن سَبْرة: ((أن أباه غزا مع
رسول اللّه وَ لهر فتحَ مكّة، قال: فأقمنا بها خمس عشرة - ثلاثين بين ليلة ويوم -...
(فَانْطَلَقْتُ أَنَا، وَرَجُلٌ) وفي رواية مسلم المذكورة: ((فخرجت أنا ورجلٌ من قومي،
ولي عليه فضلٌ في الجمال، وهو قريبٌ من الدَّمَامة، مع كلّ واحد منّا بُرْدٌ، فبُردي
خَلَقٌّ، وأما بُرْد ابن عمّي، فَبُرْدٌ جديدٌ غَضِّ ... )) (إِلَى امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي عَامِرٍ) الظاهر أنه
أراد عامر بن لؤيّ بن غالب بن فهر، وقد ذكر في ((لبّ اللباب)) بهذا الاسم عدّة قبائل،
فراجعه (٢) (فَعَرَضْنَا عَلَيْهَا أَنْفُسَنَا) أي تقدّم كلِّ منا إليها بطلب الاستمتاع بها. وفي رواية
مسلم المذكورة: ((حتى إذا كنّا بأسفل مكّة، أو بأعلاها، فتلقّتنا فتاةٌ، مثلُ الْبَكْرة
الْعَنْطَتَطَةِ(٣)، فقلنا: هل لك أن يستمتع منك أحدنا؟ ... )) (فَقَالَتْ: مَا تُعْطِينِي؟) ((ما))
استفهاميّة: أي أيّ شيءٍ تدفع إليّ أجرة لاستمتاعك بي؟. وفي رواية مسلم: ((قال: وما
ذا تبذُلان؟، فنشر كلّ واحد منا بُرْده ... (فَقُلْتُ: رِدَائِي) منصوب بفعل محذوف مع
المفعول الثاني؛ لدلالة السؤال عليه، أي أُعطيك ردائي (وَقَالَ صَاحِبِي: رِدَائِي، وَكَانَ
رِدَاءُ صَاحِبِي أَجْوَدَ مِنْ رِدَائِي، وَكُنْتُ أَشَبَّ مِنْهُ) وفي رواية مسلم: ((ولي عليه فضلٌ في
الجمال، وهو قريبٌ من الدّمامة)) وهو بفتح الدال المهملة: وهي القبح في الصورة (فَإِذَا
نَظَرَتْ إِلَى رِدَاءٍ صَاحِبِي أَعْجَبَهَا) أي لكونه جديدًا (وَإِذَا نَظَرَتْ إِلَيَّ أَعْجَبْتُهَا) أي لكونه
أجمل. وفي رواية مسلم: ((فجعلت تنظر إلى الرجلين، ويراها صاحبي تنظر إلى عِطْفها،
فقال: إن بُرد هذا خَلَقٌ، وبردي جديدٌ غَضٍّ ... ))، وفي رواية: ((قال: إن بُرد هذا
(١) راجع ((اللباب)) ٣١٧/١-٣١٨ و((الأنساب)) ١٣٤/٢-١٣٥. و((معجم البلدان)) ١٩٤/٢-١٩٥.
(٢) ((اللبّ)) ج١٠٢/٢.
(٣) ((البَكْرة)) بفتح، فسكون: الفَتِيّةُ من الإبل: أي شابّة قويّة. و((العنطنطة)) بعين مهملة مفتوحة،
وبنونين، الأولى مفتوحةٌ، وبطاءين مهملتين -: هي الطويلة العنق في اعتدال، وحسن قوام،
وقيل: هي الطويلة فقط، والأول أشهر. وفي رواية: ((كأنها بَكْرَة عَيْطَاء)) بفتح، فسكون، وهو
بمعنی الأول.

٧١- (تَخرِیمُ المُتعةِ) - حديث رقم ٣٣٦٩
١٠٧ =
خَلَقْ مَحْ))(١) (ثُمَّ قَالَتْ: أَنْتَ، وَرِدَاؤُك، يَكْفِيني) هكذا معظم نسخ ((المجتبى))،
و((الكبرى))، وهو أيضًا في ((صحيح مسلم)) بلفظ ((يكفيني)) بالياء التحتيّة: وهو صحيح،
ووجهه: أن يكون ((أنت)) مبتدءًا، حذف خبره، لدلالة ما بعده عليه، أي أنت تكفيني،
و((رداؤك)) مبتدأً خبره جملة (يكفيني))، وكتب في النسخة ((الهنديّة ((تكفيني)) بالياء والتاء،
وكتب فوقه كلمة ((معًا)) إشارة إلى أنه صحيح باللفظين، فأما نسخة الياء التحتانيّة، فكما
سبق، وأما نسخة التاء الفوقانيّة فتكون الجملة خبرًا لـ ((أنت))، و((رداؤه)) مبتدأ خبره
محذوف، أي ((يكفيني))، والجملة معترضة، بين المبتدأ والخبر.
وقال السنديّ في ((شرحه)): قوله: ((أنت ورداك)) أي مع رداك، أو ورداك مبتدأ،
خبره محذوف، مثل ((كما ترى))، أو ((رديء))، والجملة حال، أي أنت تكفيني،
والحال أن رداك كما ترى، أو التقدير: ((ورداك يكفيني)). انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هكذا نسخته ((ورداك)) بالقصر، ثم مقتضى قوله:
((أي مع رداك)) أنه بالنصب على المفعوليّة معه، وهذا إن صحّت الرواية به فذاك، وإلا
فالرفع متعيّنٌ. والله تعالى أعلم.
وفي رواية لمسلم: ((فتقول: بُرد هذا لا بأس به، ثلاث مرار، أو مرّتين))، وفي
رواية: ((فآمرت نفسها ساعةً، ثم اختارتني على صاحبي ... )) (فَمَكَثْتُ مَعَهَا ثَلَاثًا) أي
ثلاث ليال (ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَِّ، قَالَ: ((مَنْ كَانَ عِنْدَهُ مِنْ هَذِهِ النِّسَاءِ اللَّتِي يَتَمَتَّعُ) وفي
بعض النسخ: ((يستمتع)). وفي رواية مسلم: ((التي يتمتّع)) بالإفراد، قال النوويّ في
شرحه: هكذا هو في جميع النسخ ((التي يتمتع))، أي يتمتع بها، فحُذف ((بها)) لدلالة
الكلام عليه، أو أوقع ((يتمتّع)) موقع ((يُباشر))، أي يباشرها، وحُذف المفعول انتهى(٣)
(فَلْيُخَلُ سَبِيلَهَا)) ) أي يتركها، ويفارقها؛ لكونها مُحرّمة، وفي رواية لمسلم من طريق
عبد العزيز بن عمر، حدثني الربيع بن سبرة الجهني، أن أباه حدثه، أنه كان مع رسول
اللَّهِ وَله، فقال: ((يا أيها الناس، إني قد كنت أذنت لكم، في الاستمتاع من النساء، وإن
اللَّه قد حرم ذلك، إلى يوم القيامة، فمن كان عنده منهن شيء، فليُخَلِّ سبيله، ولا
تأخذوا مما آتيتموهن شيئا». والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان.
(١) بفتح الميم، وتشديد الحاء المهملة: أي بالٍ.
(٢) (شرح السندي)) ٦/ ١٢٧.
(٣) (شرح مسلم)) ٩/ ١٨٧.

١٠٨
شرح سنن النسائي - کِتَابُ النَّاحِ
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث سَبْرَة بن مَعبد الْجُهنيّ رضي اللَّه تعالى عنه هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٣٣٦٩/٧١ - وفي ((الكبرى)) ٥٥٥٠/٨١. وأخرجه (م) في ((النكاح))
١٤٠٦ (د) في (النكاح)) ٢٠٧٢ و٢٠٧٣ (ق) في ((النكاح)) ١٩٦٢ (أحمد) في ((مسند
المكيين)) ١٤٩١٣ و١٤٩٢١ (الدارمي) في ((النكاح)) ٢١٩٥ و٢١٩٦ . والله تعالى
أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده :
(منها): ما ترجم له المصنف رحمه اللّه تعالى، وهو بيان تحريم المتعة تحريمًا مؤبّدًا
بعد أن كانت مباحة.
[فإن قلت]: ثبت في ((صحيح مسلم)) رحمه الله تعالى قول جابر رَظاه: ((استمتعنا
على عهد رسول اللَّه ◌َّر، وأبي بكر، وعمر))، وفي رواية: ((كنا نستمتع بالقُبْضة من
التمر والدقيق الأيّام على عهد رسول اللَّه وَلغيره، وأبي بكر، حتى نهى عنه عمر))، فكيف
يُجمع بينه وبين رواية سبرة ◌َّه هذه، حيث قال وَ ﴿ يوم الفتح: ((وإن الله حرّم ذلك
إلى يوم القيامة)) ؟.
[قلت]: يُجمَعُ بينهما بأن حديث جابر تَّه محمول على أن الذي استمتع في عهد
أبي بكر، وعمر لم يبلغه النسخ، أفاده النوويّ رحمه اللّه تعالى(١). والله تعالى أعلم.
(ومنها): أن فيه التصريح بأن المتعة أَبيحت يوم فتح مكّة، ثم نسخت فيه. (ومنها):
أن في رواية عبد العزيز المتقدّمة: ((إني كنت قد أذنت لكم في الاستمتاع الخ)» التصريح
بالناسخ والمنسوخ في حديث واحد، من كلام رسول الله پلے، كحديث: ((كنت نهيتكم
عن زيارة القبور، فزروها))، كما تقدّم في ((كتاب الجنائز)). (ومنها): أن المهر الذي
كان أعطاها يستقرّ لها، ولا يحلّ أخذ شيء منه، وإن فارقها قبل الأجل المسمّى، كما
أنه يستقرّ في النكاح المعروف المهر المسمّى بالوطء، ولا يسقط منه شيء بالفرقة بعده.
قاله النوويّ رحمه الله تعالى(٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه إنيب)).
(١) ((شرح مسلم)) ١٨٦/٩.
(٢) (شرح مسلم)) ١٨٩/٩.

١٠٩ _
٧٢- (إِعْلَانُ النَّكَاح بِالصَّوْتِ، ... - حديث رقم ٣٣١٢٠
٧٢- (إِعْلَانُ النّكَاحِ بِالضَّؤْتِ،
وَضَرْبِ الذُّفْ)
٣٣٧٠ - (أَخْبَرَنَا مُجَاهِدُ بْنُ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَّهِمْ، عَنْ أَبِي بَلْجٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ
بْنِ حَاطِبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِنَّهِ: ((فَضْلُ مَا بَيْنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، الدُّفُّ وَالصَّوْتُ،
في النكاحِ)) ).
رجال هذا الإسناد: أربعة :
١- (مجاهد بن موسى) الْخُوَارَزْميّ الْخُتَّلِيّ (١)، أبو عليّ، نزيل بغداد، ثقة [١٠]
١٠٢/٨٥ ٠
٢- (هُشيم) بن بشير بن القاسم السلميّ، أبو معاوية بن أبي خازم -بمعجمتين-
الواسطيّ، ثقة ثبت، كثير التدليس والإرسال الخفيّ [٧] ١٠٩/٨٨.
٣- (أبو بَلْج) -بفتح أوّله، وسكون اللام بعدها جيم - الفَزاريّ الكوفيّ الواسطيّ
الكبير(٢)، اسمه يحيى بن سُليم بن بَلْج، ويقال: ابن أبي سُليم، أو ابن أبي الأسود،
صدوق، ربّما أخطأ [٥] .
قال ابن معين، وابن سعد، والنسائيّ، والدار قطنيّ ثقة. وقال البخاريّ: فيه نظر.
وقال أبو حاتم: صالح الحديث، لا بأس به. وقال ابن سعد: قال يزيد بن هارون: قد
رأيت أبا بَلْج، وكان جارًا لنا، وكان يتّخذ الْحَمَامَ يستأنس بهنّ، وكان يذكر الله تعالى
وقال يعقوب بن سفيان: كوفيّ
كثيرًا. وذكره ابن حبّان في ((الثقات))، وقال: يُخطىء.
لا بأس به. وقال إبراهيم بن يعقوب الْجُوزَجَانيّ، وأبو الفتح الأزديّ: كان ثقة. ونقل
ابن عبد البرّ، وابن الجوزيّ أن ابن معين ضعّفه. وقال أحمد: روى حديثًا منكرًا. وقال
الفسويّ في ((تاريخه)): حدّثنا بُندار، عن أبي داود، عن شعبة، عن أبي بَلْج، عن عَمرو
ابن ميمون، عن عبد الله بن عمرو، قال: «ليأتيّنّ على جهنّم زمانٌ تَخْفق أبوابها، ليس
فيها أحد)). قال ثابت البنانيّ: سألت الحسن عن هذا، فأنكره. روى له الأربعة، وله
عند المصنّف في هذا الكتاب حديث الباب فقط.
-
(١) بضمّ المعجمة، وتشديد المثنّاة المفتوحة.
(٢) أما الصغير، فهو جارية بن بَلْج التميميّ الواسطيّ من [٥] أيضًا، وليس له رواية في الكتب الستّة،
وإنما يُذكر في كتب الرجال للتمييز.

=
١١٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ النّكَاحِ
٤- (محمد بن حاطب) بن الحارث بن مَعْمر بن حَبِيب بن وَهْب بن حُذَافة بن جُمع
الْجُمَحيّ، أبو القاسم، ويقال: أبو إبراهيم، ويقال: أبو وهب الكوفيّ، أمه أم جميل
بنت الْمُجَلّل العامريّة .
روى عن النبيّ ◌َّر، وعن أمه، وعليّ بن أبي طالب. وروى عنه: أولاده: إبراهيم،
والحارث، وعمر، وابن ابنه عثمان بن إبراهيم، وسعد بن إبراهيم، وعبد الرحمن بن
عوف، وأبو بَلْج يحيى بن سُلَيم، وسماك بن حَرْب، وغيرهم.
وُلِد بأرض الحبشة، وكانت أمه قد هاجرت إليها مع زوجها حاطب بن الحارث.
وقال مصعب بن عبد الله الزُّبيريّ: كانت أسماء بنت عُمَّيس قد أرضعت محمد بن
حاطب مع ابنها عبد الله بن جعفر. وقال ابن سعد: حَفِظَ عن رسول اللّه وَلِّ أنه رَقَّاه
حین احترقت یده.
وقال الهيثم: توفي في ولاية بشر بن مروان على الكوفة. وقال غيره: مات سنة أربع
وسبعين بمكة. وقيل: بالكوفة. وقال أبو نُعيم: مات سنة ست وثمانين. ويقال: إنه
أوّل من سُمّي محمدًا في الإسلام من قُريش. روى له المصنّف، والترمذيّ، وابن
ماجه، وله عند المصنّف في هذا الكتاب حديث الباب فقط.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من رباعيات المصنف رحمه الله تعالى، وهو (١٧٢) من رباعيات
الكتاب. (ومنها): أن رجاله كلهم ثقات. (ومنها): أنهم ما بين كوفيَّيْنِ، وواسطي،
وبغدادي. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَاطِبٍ) بن الحارث الصحابيّ ابن الصحابيّ رضي اللّه تعالى عنهما،
أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَله: ((فَضْلُ مَا بَيْنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَام) ((فصل)) - بفتح الفاء،
وسكون الصاد المهملة، مصدر فَصَلَ، يقال: فَصَلَ الحدُّ بين الأرضین فَضْلًا، من باب
ضَرَبَ: إذا فرّق بينهما، وهو هنا بمعنى الفاصل، فهو من إطلاق المصدر، وإرادة اسم
الفاعل، يعني أنّ الشيء الفارق بين النكاح الحلال، والسفاح الحرام هو (الدُّفُّ) أي
ضرب الدفّ، وهو -بضمّ الدال المهملة، وفتحها، وتشديد الفاء -: هو الذي يُلْعب
به، وجمعه دُفُوف -بضمتين-، فقوله: ((فصلُ)) مبتدأ، و((الدّفّ)) خبره، على حذف
مضاف، أي ضربُ الدّفّ. (وَالصَّوْتُ) بالرفع عطفًا على ((الدّفّ)) أي رفع الصوت إعلانًا
للنكاح.

١١١
٧٢- (إِعْلَاَنُ النُّكَاح بِالصَّوْتِ، ... - حديث رقم ٣٣٧٠
وقال القاري في ((المرقاة)): ((الصوت)): أي الذكر، والتشهير، و((الدّفّ)): أي
ضربه، فإنه يتمّ به الإعلان. قال ابن الملك: ليس المراد أن لا فرق بين الحلال والحرام
في النكاح إلا هذا الأمر، فإن الفرق يحصلُ بحضور الشهود عند العقد، بل المراد
الترغيب إلى إعلان أمر النكاح، بحيث لا يَخفَى على الأباعد، فالسنّة إعلان النكاح
بضرب الدّفّ، وأصوات الحاضرين بالتهنئة، أو النغمة في إنشاد الشعر المباح. وفي
((شرح السنّة)): معناه: إعلان النكاح، واضطراب الصوت به، والذكر في الناس، كما
يقال: فلان ذهب صوته في الناس. وبعض الناس يذهب به إلى السماع، وهذا خطأ -
يعني السماع المتعارف بين الناس الآن- انتهى كلام القاري(١).
وقال البيهقيّ في ((سننه)): ذهب بعض الناس إلى أن المراد السماع، وهو خطأً،
وإنما معناه عندنا إعلان النكاح، واضطراب الصوت به، والذكر في الناس (٢).
وقال بعض أهل التحقيق: ما ذكره البيهقيّ محتملٌ، وليس الحديث نصًّا فيه، فالأول
محتملٌ أيضًا، فالجزم بكونه خطأ لا دليل عليه، عند الإنصاف. والله تعالى أعلم انتهى.
قال السنديّ: يمكن أن يكون مراده أن الاستدلال به على السماع خطأ، وهذا ظاهرٌ؛
لأن الاحتمال يُفسد الاستدلال، لكن قد يقال: ضمُّ الصوت إلى الدفّ شاهد صدقٍ
على أن المراد هو السماع، إذ ليس المتبادر عند الضمّ غيرُهُ مثلَ تبادره، فصحَ
الاستدلال؛ إذ ظهور الاحتمال يكفي في الاستدلال، ثم قد جاء في الباب ما يغني،
ويَكفي في إفادة أن المراد هو السماع، فإنكاره يُشبه ترك الإنصاف. والله تعالى أعلم
انتهى كلام السنديّ(٣).
وقال العلامة المباركفوريّ: الظاهر عندي -والله تعالى أعلم - أن المراد بالصوت
ههنا الغناء المباح، فإن الغناء المباح بالدّفّ جائزٌ في العُرْس، يدلّ عليه حديث الرَّبيّع
بنت مُعوِّذ رضي الله تعالى عنها، وهو ما أخرجه البخاريّ في ((صحيحه)) من طريق خالد
ابن ذكوان، قال: قالت الرُّبَيِّعُ بنت مُعَوِّذ بن عَفْرَاء، جاء النبي ◌َِّ، فدخل حين بُنِي
عليَّ، فجلس على فراشي، كمجلسك مني، فَجَعَلَتْ جُويريات لنا يضربن بالدفّ،
ويَندُبن من قُتل من آبائي يوم بدر، إذ قالت إحداهن: وفينا نبي يَعلَم ما في غد، فقال:
((دَعِي هذه، وقولي بالذي كنت تقولين)). انتهى كلام المباركفوريّ بتصرّف (٤).
(١) راجع ((تحفة الأحوذيّ)) ٢٠٩/٤.
(٢) انظر (السنن الكبرى)) للبيهقيّ ٢٩٠/٧.
(٣) (شرح السنديّ)) ١٢٧/٦-١٢٨.
(٤) ((تحفة الأحوذيّ)) ٢٠٩/٤.

١١٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ النَّاحِ
قال الجامع عفا الله تعالى: هذا الذي قاله المباركفوري رحمه الله تعالى من حمل
الصوت على الغناء المباح هو الحقّ، وسيأتي تمام البحث فيه في - ٣٣٨٤/٨٠ - باب
((اللَّهو والغناء عند العرس))، إن شاء اللّه تعالى.
وقوله (فِي النّكَاحِ) متعلّق بحال محذوف من ((الدّفّ، والصوت)) ، أي حال كونهما
واقعين في حال النكاح. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
حسبنا، ونعم الوكيل.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث محمد بن حاطب هذا حسنٌ، من أجل الكلام في أبي بَلْج، فهو وإن وثّقه
الجمهور، فقد تكلّم فيه بعضھم، کما تقدّم في ترجمته، فیکون حديثه حسنًا، كما قال
الترمذيّ في ((جامعه))(١). والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٧٢/ ٣٣٧٠ و٣٣٧١ - وفي («الكبرى» ٥٥٦٢/٨٦. وأخرجه (ت) في
((النكاح)) ١٠٨٨ (ق) في ((النكاح)) ١٨٩٦. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو استحباب إعلان النكاح
بالصوت، وضرب الدّفّ فيه. (ومنها): عناية الشارع بالبعد عن مواضع التهم، حيث
أمر بإعلان النكاح؛ لئلا يقع الشخص في تهمة؛ لأن كلّ من رآه يدخل على امرأة غير
ذات محرم له من غير أن يُعلن نكاحها، يسيء الظنّ فيه، وفيه إيقاع المسلمين في حرج
عظيم، فإذا أعلن بالنكاح زال هذا الظنّ. (ومنها): إباحة ضرب الدّفّ، ورفع الصوت
بالغناء المباح في العرس.
قال العلّامة الشوكانيّ رحمه اللّه تعالى: وفي ذلك دليلٌ على أنه يجوز في النكاح
ضرب الأدفاف، ورفع الأصوات بشيء من الكلام، ونحوه، نحو ((أَتَيْنَاكُمْ أَتَيْنَاكُمْ)) ،
ونحوه، لا بالأغاني المُهَيِّجة للشرور المشتملة على وصف الجمال، والفجور، ومعاقرة
الخمور، فإن ذلك يحرم في النكاح، كما يحرم في غيره، وكذا سائر الملاهي المحرّمة
انتهى (٢). وسيأتي تمام البحث في هذا في -٣٣٨٤/٨٠ - إن شاء الله تعالى. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
(١) راجع ((الجامع)) ٢٠٨/٤-٢٠٩ بنسخة ((تحفة الأحوذيّ)).
(٢) ((نيل الأوطار)) ١٩٨/٦.

٧٣- (کَیَفَ يُدْعَى لِلرَّجُل إِذاً تَزَوَّجَ) - حديث رقم ٣٣٧٢
١١٣ ===
٣٣٧١ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي
بَلْج، قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ حَاطِبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((إِنَّ فَضْلَ مَا بَيْنَ
الْخَلَالِ وَالْحَرَامِ الصَّوْتُ)) ).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((محمد بن عبد الأعلى)): هو الصنعانيّ البصريّ
الثقة [١٠]. و((خالد)): هو ابن الحارث الْهُجَيميّ البصريّ الثقة الثبت [٨].
والحديث سبق شرحه، وبيان مسائله في الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
إنیب)) .
٧٣ - (كَيْفَ يُدْعَى لِلرَّجُلِ إِذَا تَزَوَّجَ)
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد ترجم الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى في
(صحيحه)) بنحو هذه الترجمة، فإنه قال: ((بابٌ كيف يُدعى للمتزوّج)).
قال في ((الفتح)): قال ابن بطّال: إنما أراد بهذا -والله أعلم - ردّ قول العامّة عند
العروس بالرفاء والبنين، فكأنه أشار إلى تضعيفه، ونحو ذلك، كحديث معاذ بن جبل
أنه شَهِدَ إملاك رجلٍ من الأنصار، فخطب رسول اللّه وَلّ، وأنكح الأنصاريّ، وقال:
((على الإلفة والخير، والبركة، والطير الميمون، والسعة في الرزق ... )) الحديث،
أخرجه الطبرانيّ في ((الكبير)) بسند ضعيف، وأخرجه في ((الأوسط)) بسند أضعف منه،
وأخرجه أبو عمرو البَرْقانيّ في ((كتاب معاشرة الأهلين)) من حديث أنس، وزاد فيه:
((والرفاء والبنين))، وفي سنده أبانُ العبديّ، وهو ضعيف.
وأقوى من ذلك ما أخرجه أصحاب السنن، وصححه الترمذيّ، وابن حبّان،
والحاكم، من طريق سُهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: ((كان رسول
اللَّهِ وَلَه إذا رفّأ إنسانًا، قال: بارك الله لك، وبارك عليك، وجمع بينكما في خير)).
وقوله: ((رَفََّ)) بفتح الراء، وتشديد الفاء، مهموز: معناه دعا له في موضع قولهم:
بالرفاء والبنين، وكانت كلمة تقولها أهل الجاهلية، فورد النهي عنها، كما روى بقيّ بن
مَخْلَد، من طريق غالب، عن الحسن، عن رجل من بني تميم، قال: ((كنّا نقول في
الجاهليّة: بالرفاء والبنين، فلما جاء الإسلام علّمنا نبيّنا وَّر، قال: قولوا: ((بارك الله

===
١١٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ النكاح
لكم، وبارك فيكم، وبارك عليكم».
قال: ودلّ حديث أبي هريرة ◌َّه على أن اللفظ كان مشهورًا عندهم غالبًا حتى
سُمّي كلّ دعاء للمتزوّج ترفئة.
قال: ودلّ صنيع المصنّف على أن الدعاء للمتزوّج بالبركة هو المشروع، ولا شكّ أنها
لفظةً جامعةٌ، يدخل فيها كلّ مقصود من ولد وغيره، ويؤيد ذلك ما تقدّم من حديث جابر
رَبوفيه أن النبيِّنَّوَ لَمّا قال له: ((تزوّجت بكرًا، أو ثًَّا؟)): قال: ((بارك الله لك))،
والأحاديث في ذلك معروفة انتهى ما في ((الفتح)) باختصار(١). والله تعالى أعلم بالصواب.
٣٣٧٢ - (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَىِ، قَالَا: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ
أَشْعَثَ(٢)، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: تَزَوَّجَ عَقِيلُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، امْرَأَةً مِنْ بَنِي جُشَمَ، فَقِيلَ لَهُ:
بِالرِّفَاءِ وَالْبَنِينَ، قَالَ: قُولُوا كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ: (بَارَكَ اللَّهُ فِيَكُمْ، وَبَارَكَ لَكُمْ)) ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١- (عمرو بن عليّ) الفلّاس الصيرفيّ البصريّ، ثقة ثبت [١٠] ٤/٤.
٢- (محمد بن عبد الأعلى) الصنعانيّ البصريّ، ثقة [١٠] ٥/٥.
٣- (خالد) بن الحارث الْهُجيميّ البصريّ ثقة ثبت [٨] ٤٧/٤٢.
٤ - (أشعث) بن عبد الملك الحُمْرانيّ، أبو هانىء البصريّ الثقة الفقيه [٦]١٢٩ / ١٩١.
٥- (الحسن) بن أبي الحسن يسار البصريّ الإمام الحجة المشهور [٣].
٦- (عَقيل - بفتح المهملة، وكسر القاف- ابن أبي طالب) بن عبد المطلب بن هاشم
الهاشميّ، أبو يزيد، وقيل: أبو عيسى. أسلم قبل الحُديبية، وشَهِد غزوة مُؤْتة، وكان
أسنّ من جعفر بعشر سنين، وكان جعفر أسنّ من عليّ بعشر سنين، وكان عَقيل من
أنسب قريش، وأعلمهم بأيامها. روى عن النبيّ وَّر. وعنه ابنه محمد، وحفيده عبد الله
ابن محمد، وعطاء، وغيرهم. قال ابن سعد: قالوا: مات في خلافة معاوية بعد ما
عَمِي. وفي ((تاريخ البخاريّ الأصغر)) بسند صحيح: أنه مات في أول خلافة يزيد بن
معاوية قبل وقعة الْحَرَّة. وقال ابن سعد: خرج عَقيلٌ مهاجرًا في أول سنة ثمان، فشهد
مؤتة، ثم رجع، فعَرَض له مرضٌ، فلم يُسمَع له بخبر، لا في فتح مكة، ولا حنين،
ولا الطائف، وله عقب اهـ.
قال الحافظ: وفيما قاله نظرٌ، فقد روى الزبير بن بكّار من طريق الحسين بن عليّ،
(١) ((فتح)) ٢٧٧/١٠-٢٧٨.
(٢) وفي بعض النسخ: ((الأشعث)).

٧٣- (کَیَفَ يُدْعَى لِلرَّجُل إِذاَ تَزَوَّج) - حديث رقم ٣٣٧٢
١١٥ ==
قال: كان ممن ثبت مع النبيّ وَّهِ يوم حُنين: العبّاس، وعليّ، وعَقيل، وسَمَّى جماعةٌ.
انتهى. أخرج له المصنّف، وابن ماجه، وله عند المصنّف في هذا الكتاب حدیث الباب
فقط، وعند ابن ماجه له حديث الباب، وآخر في الوضوء. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح، غير الصحابيّ، فأخرج له المصنف، وابن ماجه فقط. (ومنها): أنه
مسلسل بالبصريين. (ومنها): أن صحابيّه من المقلين من الرواية، فليس له إلا حديثان
فقط، أحدهما: حديث الباب عند المصنف، وابن ماجه، والآخر: حديث: ((یجزىء
من الوضوء مد، ومن الغسل صاع)) عند ابن ماجه. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ الْحَسَنِ) البصريّ رحمه الله تعالى، أنه (قَالَ: تَزَوَّجَ عَقِيلُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ) رضي
اللَّه تعالَى عنه (امْرَأَةً مِنْ بَنِي جُشَمَ) هكذا في بعض نُسخ ((المجتبى)) بالجيم المضمومة،
وفتح الشين المعجمة، وهو الذي في ((مسند أحمد))، و((سنن ابن ماجه)).
وأما ما وقع في ((الكبرى))، ومعظم نُسخ ((المجتبى)) من قوله: ((جثم)) - بجيم، فثاء
مثلثة- فالظاهر أنه تصحيف، والصواب، الأول، فإني لم أجد من ذكر قبيلة اسمها
◌ُثم)) بالثاء المثلثة، بل الذي ذُكر في ((القاموس))، و((شرحه التاج))، و((اللباب)) ،
و(لبّ اللباب)) إنما هو (جُشَم)) بالشين المعجمة. والله تعالى أعلم.
و((جُشم)) غير منصرف؛ للعلميّة، والعدل عن جاشم، أي عظيم (١). وهو اسم لعدّة
قبائل، من الأنصار وغيرهم، كما بُيِّن ذلك في كتب الأنساب(٢).
(فَقِيلَ لَهُ) وفي رواية أحمد: ((فدخل عليه القوم، فقالوا (( (بِالرِّفَاءِ وَالْبَنِينَ) بكسر
الراء، وتخفيف الفاء، والمدّ، بوزن كتاب، من رفأتُ الثوبَ: إذا أصلحته. قال
الفيّوميّ: رَفَوتُ الثوبَ رَفْوًا، من باب قتل، ورفيته رَفْيًا، من باب رَمَى لغةُ بني كعب،
وفي لغةٍ: رفأته أَرْفَؤُهُ، مهموزٌ -بفتحتين -: إذا أصلحتَهُ، ومنه يقال: بالرفاء والبنين،
مثلُ كتاب: أي بالإصلاح. وبين القوم رِفَاءٌ: أي التحام، واتفاقٌ انتهى.
وقال الخطّابيّ: كان من عادتهم أن يقولوا: بالرفاء والبنين، والرِّفَاء من الرَّفْو، يجيء
بمعنيين: أحدهما التسكين، يقال: رَفَوتُ الرجل: إن سكّنت ما به من الرَّوعِ. والثاني:
(١) انظر حاشية الخضريّ على شرح ابن عقيل على ((الخلاصة)) ١٦٧/٢.
(٢) راجع ((الأنساب)) ٦١/٢-٦٢ و((اللباب)) ٢٧٩/١ -١٨٠ والبّ اللباب)) ٢٠٥/٢.

١١٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ النّاحِ
أن يكون بمعنى الموافقة، والالتئام، ومنه رَفَوتُ الثوب. والباء متعلّقة بمحذوف، دلّ
عليه المعنى: أي أَعْرَسْتَ. ذكره الزمخشريّ.
وقال في ((اللسان)): رَفَوْتُهُ: سَكَّثْتُهُ من الرُّغْب، قال أبو خِرَاشِ الْهُذَلِيُّ [من
الطويل]:
رَفَوْنِي وَقَالُوا يَا خُوَيْلِدُ لَا تُرَغْ فَقُلْتُ وَأَتْكَرْتُ الْوُجُوهَ هُمُ هُمُ
يقول: سكّنُوني، اعتبر بمشاهدة الوجوه، وجعلها دليلا على ما في النفوس، یرید
رَفَؤُوني، فألقى الهمزةَ. ورَفَوْتُ الثوبَ أَرْفُوهُ رَفْوًا لغةٌ فِي رَفَأْتِه، ◌ُهُمَزُ، ولا يُهْمَز،
والْهَمْزُ أعلى. وقال أبو زيد: الرِّفَاء: الموافقةُ، وهي الْمُرَافاة بلا همز، وأنشد [من
الوافر]:
وَلَمَّا أَنْ رَأَيْتُ أَبَا رُوَيْم يُرَافِينِي وَيَكْرَهُ أَنْ يُلَامَا
والرِّفَاءُ: الالتحام والاتّفاق. ويقال: رَفَّيْتُهُ تَرْفِيَةً: إذا قلتَ للمتزوِّج: بالرِّفاء والبنين.
قال ابن السّكيت: وإن شئتَ: كان معناه بالسكون والطُّمأنينة، من قولهم: رَفَوتُ
الرجل : إذا سگنته انتهى.
(قَالَ: قُولُوا كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ﴿) وفي رواية أحمد: ((فقال: لا تفعلوا ذلك،
قالوا: فما نقول، يا أبا يزيد؟ قال: قولوا: بارك الله لكم، وبارك عليكم، إنا كذلك كنا
نؤمر)). وفي رواية له: ((لا تقولوا ذلك، فإن النبيّ وَله قد نهانا عن ذلك، قولوا: بارك
الله فیك، وبارك لك فیھا».
قال في ((الفتح)): واختلف في علّة النهي عن ذلك، فقيل: لأنه لا حمد فيه، ولا
ثناء، ولا ذكر لله. وقيل: لما فيه من الإشارة إلى بغض البنات؛ لتخصيص البنين
بالذكر، وأما الرفاء، فمعناه الالتئام، من رفأت الثوب، ورفوته رَفْوًا، ورِفَاءٌ، وهو دعاء
للزوج بالالتئام، والائتلاف، فلا كراهية فيه.
وقال ابن المنير: الذي يظهر أنه وَ ليكره اللفظ؛ لما فيه من موافقة الجاهليّة؛ لأنهم
كانوا يقولونه تفاؤلاً، لا دُعاءً، فيظهر أنه لو قيل للمتزوّج بصورة الدعاء لم يكره، كأن
يقول: اللَّهم ألّف بينهما، وارزقهما بنين صالحين، مثلًا، أو ألّفَ اللَّه بينكما، ورزقكما
ولدًا ذكرًا، ونحو ذلك.
وأما ما أخرجه ابن أبي شيبة من طريق عمر بن قيس، قال: ((شهدت شُريحًا، وأتاه
رجلٌ من أهل الشام، فقال: إني تزوّجت امرأةً، فقال: بالرفاء والبنين ... )) الحديث،
وأخرجه عبد الرزاق من طريق عديّ بن أرطاة، قال: ((حدّثتُ شُرِيحًا أني تزوّجت
امرأةً، فقال: بالرفاء والبنين))، فهو محمولٌ على أن شُريحًا لم يبلغه النهي عن ذلك

٧٣- (کَیْفَ يُدْعَى لِلرَّجُل إذاَ تَزَوَّجَ) - حديث رقم ٣٣٧٢
١١٧=
انتهى ما في ((الفتح))(١).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: في قول ابن المنير: فيظهر أنه لو قيل للمتزوّج الخ
نظر لا يخفى؛ إذ فيه عدول عن الدعاء المأثور إلى غيره، وقد قال الله تعالى: ﴿لَّقَّدْ
كَانَ لَّكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَّةٌ﴾ الآية، وقال: ﴿وَمَآ ءَانَنَّكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ الآية،
فما ثبت الأمر به عن النبيّ وَّر، وهو: ((بارك اللّه لك، وبارك عليك، وجمع بينكما في
خير))، ونحو ذلك من الألفاظ الواردة في السنة أولى بالاتباع، فإنه أجمع لكلّ ما يطلبه
الإنسان، من الخيرات، فإن البركة تعمّ كلّ خير في الدنيا والآخرة، فلا داعي للعدول
عن السنّة، فلا تكن أسير التقليد، فإنه ملجأ البليد، ومَسْرَح العنيد. والله تعالى أعلم.
((بَارَكَ اللَّهُ فِيَكُمْ، وَبَارَكَ لَكُمْ)) ) ولفظ أحمد، وأبي داود: ((بارك اللَّه لك، وبارك
عليك، وجمع بينكما في خير)). ولفظ ابن ماجه: ((اللَّهم بارك لهم، وبارك عليهم)). وفي
لفظ له: ((بارك الله لكم، وبارك عليكم، وجمع بينكما في خير)). والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث :
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عقيل بن أبي طالب رضي اللّه تعالى عنه هذا صحيحٌ.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٣٣٧٢/٧٣- وفي ((عمل اليوم والليلة)) ٢٦٢، وفي ((الكبرى)) ٨٥٪
٥٥٦١. وأخرجه (ق) في ((النكاح)) ١٩٠٦ (أحمد) في ((مسند أهل البيت)) ١٧٤٠
و((مسند المكيين)) ١٥٣١٣ (الدارمي) في ((النكاح)) ٢١٧٣. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان كيفيّة الدعاء للمتزوّج،
وهو الدعاء بالبركة. (ومنها): البعد عن عادات الجاهلية، وتقاليدهم، والتقيّد بالسنّة
قولًا وفعلًا؛ لأن الهدى، والرشاد، والفلاح مرتبطة بها، قال الله تعالى: ﴿وَأَتَّبِعُوهُ
لَعَلَكُمْ تَهْتَدُونَ﴾، وقال: ﴿وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُواْ﴾، وقال: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ
اللَّهِ أُسْوَّةُ حَسَنَّهُ لِّمَن كَانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ .
(ومنها): مشروعيّة تهنئة المتزوّج، والدعاء له بالبركة والخبر. (ومنها): إظهار
المسلم الفرح والسرور إذا حصل خيرٌ لأخيه المسلم، فإن ذلك من الإيمان، للحديث
(١) ((فتح)) ٢٧٨/١٠.

١١٨
=
شرح سنن النسائي - كِتَابُ النَّاحِ
المتّفق عليه، من حديث أنس تَّ ، مرفوعًا: ((لا يؤمن أحدكم حتى يحبّ لأخيه ما
يُحبّ لنفسه)). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه إنيب)).
٧٤- (دُعَاءُ مَنْ لَمْ يَشْهَدِ التَّزْوِيجَ)
٣٣٧٣- (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ رَسُولَ
اللّهِ وَِّ، رَأَى عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَثَرَ صُفْرَةٍ، فَقَالَ: ((مَا هَذَا؟))، قَالَ: تَزَّوَّجْتُ امْرَأَةً،
عَلَى وَزْنِ نَوَاةٍ، مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ: ((بَارَكَ اللَّهُ لَكَ، أَوْلِمْ، وَلَوْ بِشَاةٍ)) ).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلّهم رجال الصحيح، وكلْهم
تقدّموا غير مرّة.
والسند من رباعيات المصنف رحمه الله تعالى، وهو (١٧٣) من رباعيات الكتاب.
وقوله: ((أثر صُفرة)) أي أثر طيب النساء، قيل: إنه تعلّق به من طيب العروس، ولم
يقصده. وقيل: بل يجوز للعروس أن يستعمله، وهو الذي يميل إليه المصنف رحمه
اللَّه تعالى، كما تدلّ عليه الترجمة التالية، وسيأتي تمام البحث في ذلك في الباب التالي،
إن شاء الله تعالى.
وقوله: ((وزن نواة)): قال في ((النهاية)): النواة اسم لخمسة دراهم كما قيل للأربعين
أوقيّةٌ، وللعشرين نشٍّ. وقيل: أراد قدر نواة من ذهب، كان قيمتُها خمسةَ دراهم، ولم
يكن ثَمّ ذهب، وأنكره أبو عبيد. قال الأزهريّ: لفظ الحديث يدلّ على أنه تزوّج المرأة
على ذهب قيمته خمسة دراهم، ألا تراه قال: ((نواة من ذهب)) ولست أدري لم أنكره أبو
عبيد؟، والنواة في الأصل عَجَمَةُ (١) التّمرة انتهى (٢). وقد تقدّم تمام البحث في ذلك في
((باب التزويج على نواة من ذهب)).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم تمام شرحه، وبيان مسائله في -٣٣٥٢/٦٧
و٣٣٥٣- واستدلّ به المصنف رحمه الله تعالى هنا على مشروعيّة دعاء من لم يحضر
وقت النكاح، وهو استدلال واضح، فقد دعا النبي وَالر لعبد الرحمن بن عوف ◌َّه
(١) ((العَجَمَة)) -بفتحتين- واحدة الْعَجَم، كقصبة وقَصَبَ: النوى، والعنب، والنَّبْق، وغير ذلك. أفاده
في ((المصباح)) .
(٢) ((النهاية)) ١٣١/٥-١٣٢.

٧٥- (الرُّخْصَةُ فِي الصُّفْرَةِ عِنْدَ التَّزويج) - حديث رقم ٣٣٧٤
١١٩ =
بالبركة دون أن يشهد الزواج. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
إنیب)» .
٧٥- (الرُّخْصَةُ فِي الصُّفْرَةِ عِنْدَ
التَّزْوِيج)
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: ((الصُّفْرة)) -بضمّ الصاد المهملة، وسكون الفاء -:
لونٌ دون الحمرة، ويطلق على الأسود أيضًا. والمراد به هنا صفرة الْخَلُوق، و «الْخَلُوق»
-بفتح الخاء المعجمة، وضمّ اللام، آخره قاف، وِزان رَسُولٍ -: ما يُتخلّقُ به من
الطيب، قال بعض الفقهاء: وهو مائعٌ فيه صُفْرَةٌ، والْخِلاقُ، مثلُ كتاب بمعناه. قاله
الفيّوميّ. وقال في ((الفتح)): طيبٌ يُصنَع من زعفران وغيره(١).
ثم إن المصنّف رحمه الله تعالى استَدَلّ بحديث الباب على جواز استعمال الصُّفرة
عند الزواج، وهذا أحد الأجوبة في الجمع بين حديث الباب، وحديث النهي عن
التزعفر للرجال الآتي في ((كتاب الزينة)) في باب ((التزعفر)) برقم ٥٢٥٧/٧٣ , ٥٢٥٨-
إن شاء الله تعالى، ولكن الأقرب من هذا أن يقال: إن الصفرة التي بعبد الرحمن إنما
هي من جهة زوجته، لا بقصد منه، فلا تنافي بينه وبين حديث النهي عن التزعفر
للرجال، فهذا هو الأرجح عندي، على ما سيأتي قريبًا.
قال في ((الفتح)): واستدل بحديث الباب على جواز التزعفر للعروس، وخُصّ به
عموم النهي عن التزعفر للرجال، كما سيأتي بيانه في ((كتاب اللباس)).
وتُعقّب باحتمال أن تكون تلك الصفرة، كانت في ثيابه، دون جسده. وهذا الجواب
للمالكيّة على طريقتهم في جوازه في الثوب، دون البدن، وقد نَقَلَ ذلك مالكٌ عن
علماء المدينة، وفيه حديث أبي موسى: ((لا يقبل اللَّه صلاة رجل في جسده شيء من
خَلُوق)) ، أخرجه أبو داود. فإن مفهومه أن ما عدا الجسد لا يتناوله الوعيد.
ومنع من ذلك أبو حنيفة، والشافعيّ، ومن تبعهما في الثوب أيضًا، وتمسّكوا
بالأحاديث في ذلك، وهي صحيحة، وفيها ما هو صريحٌ في المدّعَى، كما سيأتي بيانه،
(١) ٢٩٢/١٠ .

١٢٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ النّكَاحِ
وعلى هذا فأجيب عن قصّة عبد الرحمن بأجوبة:
[أحدها]: أن ذلك كان قبل النهي، وهذا يحتاج إلى تاريخ، ويؤيّده أن سياق قصّة
عبد الرحمن يُشعر بأنها كانت في أوائل الهجرة، وأكثر من روى النهي ممن تأخّرت
هجرته .
[ثانيها]: أن أثر الصفرة التي كانت على عبد الرحمن تعلّقت به من جهة زوجته،
فكان ذلك غير مقصود له. ورجّحه النوويّ، وعزاه للمحقّقين، وجعله البيضاويّ
أصلًا، ردّ إليه أحد الاحتمالين أبداهما في قوله: ((مهيم))، فقال: معناه: ما السبب في
الذي أراه عليك؟ فلذلك أجاب بأنه تزوّج، قال: ويحتمل أن يكون استفهام إنكار؛ لما
تقدّم من النهي عن التضمّخ بالخلوق، فأجاب بقوله: ((تزوّجت)) ، أي فتعلّق بي منها،
ولم أقصد إليه.
[ثالثها]: أنه كان قد احتاج إلى التطيّب للدخول على أهله، فلم يجد من طيب
الرجال حينئذ شيئًا، فتطيّب من طيب المرأة، وصادف أنه كان فيه صُفْرة، فاستباح
القليل منه عند عدم غيره؛ جمعًا بين الدليلين، وقد ورد الأمر في التطيّب للجمعة، ولو
من طيب المرأة، فبقي أثر ذلك عليه.
[رابعها]: أنه كان يسيرًا، ولم يبق إلا أثره، فلذلك لم يُنكره.
[خامسها] : - وبه جزم الباجيّ- أن الذي يكره من ذلك ما كان من زعفران وغيره من
أنواع الطيب، وأما ما كان ليس بطيب، فهو جائز.
[سادسها]: أن النهي عن التزعفر للرجال ليس على التحريم بدلالة تقريره
لعبد الرحمن بن عوف في هذا الحديث.
[سابعها]: أن الْعَرُوس يُستثنى من ذلك، ولا سيّما إذا كان شابًّا، ذكر ذلك أبو عُبيد
قال: وكانوا يُرخّصون للشاب في ذلك أيام عُزْسه، قال: وقيل: كان في أوّل الإسلام
من تزوّج لبس ثوبًا مصبوغا علامةً لزواجه ليُعان على وليمة عرسه، قال: وهذا غير
معروف .
قال الحافظ: وفي استفهام النبيّ ◌َلي له عن ذلك دلالة على أنه لا يختصّ بالتزويج،
لكن وقع في بعض طرقه عند أبي عوانة من طريق شعبة، عن حميد بلفظ: ((فأتيت النبيّ
وَلَّ، فرأى عليّ بَشَاشة العُرْس، فقال: أتزوّجتَ؟ قلت: تزوّجت امرأة من الأنصار))،
فقد يتمسّك بهذا السياق للمدعي، ولكن القصّة واحدة، وفي أکثر الروايات أنه قال له:
((مهيم؟، أو ما هذا؟))، فهو المعتمد.
وبَشَاشة العُرْس أثره، وحسُنه، أو فرحه وسروره، يقال: بَشَّ فلان بفلان، أي أقبل