Indexed OCR Text
Pages 381-400
٥٩- (تَأْوِيلُ قَوْلِ اللهِ عز وجل :... - حديث رقم ٣٣٣٤ ٣٨١ و١١٠٩٧. وأخرجه (م) في ((الرضاع)) ١٤٥٦ (د) في ((النكاح)) ٢١٥٥ (ت) في (النكاح)) ١١٣٢ و((التفسير)) ٣٠١٦و ٣٠١٧ (أحمد) في ((مسند المكثرين)) ١١٣٨٨ (الدارمي) في ((الطلاق)) ٢٢٩٥ . والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان سبب نزول هذه الآية، وبيان المعنى المراد منها. (ومنها): أن فيه دلالةً على وجوب توقّف الإنسان، وبحثه، وسؤاله عما لا يتحقّق وجهه، ولا حکمه، وهو دأب من يخاف الله سبحانه وتعالى، ولا يُختَلَف في أن ما لا يتبيّن حكمه لا يجوز الإقدام عليه. قاله القرطبيّ(١). (ومنها): أن فيه جواز وطء المسبّات، إذا اسْتُبْرِثْنَ. (ومنها): أن نكاح المشركين ينفسخ إذا سُبيت زوجاتهم؛ لدخولها في ملك سابيها. (ومنها): أن فيه دلالةً للمذهب المختار، وهو مذهب جماهير العلماء أن العرب يجري عليهم الرقّ كما يجري على العجم، وأنهم إذا كانوا مشركين، وسُبُوا، جاز استرقاقهم؛ لأن الصحابة سبوا هوازن، وهم عبدة الأوثان، وقد استرقّوهم، ووطئوا سباياهم، . وبهذا قال مالك، والشافعيّ في قوله الصحيح الجديد، وجمهور العلماء. وقال أبو حنيفة، والشافعيّ في قوله القديم: لا يَجري عليهم الرّقّ؛ لشرفهم(٢). (ومنها): أن فيه دلالةٌ أيضًا لمذهب من أجاز وطء المشركات بملك اليمين، وإن لم تكن من أهل الكتاب. (ومنها): أن المراد بعدّة المسبيّات تحقّق براءة رحمهنّ، وذلك بوضع حملها، إن كانت حاملًا، وبحيضة إن كانت غير حامل. (ومنها): أنه لا يجوز وطء حامل مسبيّة حتى تضع، فقد أخرج مسلم في ((صحيحه)) من طريق عبد الرحمن بن جبير، عن أبيه(٣)، عن أبي الدرداء، عن النبي وَّ، أنه أَتَّى بامرأة مُجِحِّ(٤) على باب فُسطاط، فقال: ((لعله يُريد أن يُلِمَّ(٥) بها؟))، فقالوا: نعم، فقال رسول اللّه وَله: ((لقد هممت أن ألعنه، لعنا يدخل معه قبره، کیف یُوَرِثُهُ، وهو لا يحل له؟، کیف یستخدمه، وهو لا يحل له؟)). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم وطء المسبيّة المشركة بملك اليمين: (١) (المفهم)) ٤/ ١٩٣. (٢) راجع ((شرح مسلم للنوويّ)) ٢٥٣/١٠-٢٥٤. (٣) هو جُبير بن نُفَير بن مالك الحضرمي الحمصي من كبار التابعين، مات سنة ٨٠هـ. (٤) بضم الميم، وكسر الجيم، وتشديد الحاء المهملة، بصيغة اسم الفاعل: هي الحامل القريبة الولادة . (٥) أي يطأها. ٣٨٢ شرح سنن النسائي - کِتَابُ النَّاحِ قال النوويّ رحمه الله تعالى: واعلم أن مذهب الشافعيّ، ومن قال بقوله من العلماء أن المسبيّة من عَبَدة الأوثان، وغيرهم من الكفّار الذين لا كتاب لهم، لا يحلّ وطؤها بملك اليمين، حتى تُسلم، فما دامت على دينها، فهي محرّمة، وهؤلاء المسبّات كُنّ من مشركي العرب عبدة الأوثان، فيؤوّل هذا الحديث، وشبهه على أنهنّ أسلمن، وهذا التأويل لا بدّ منه. والله أعلم انتهى(١). وقال الشوكانيّ رحمه اللّه تعالى: ما حاصله: ظاهر الحديث أنه لا يشترط في جواز وطء المسبيّة الإسلام، ولو كان شرطًا لبيّنه وَ له، ولم يُبيّنه، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، وذلك وقتها، ولا سيّما وفي المسلمين في يوم حنين وغيره من هو حديث عهد بالإسلام، يخفى عليهم مثل هذا الحكم، وتجويز حصول الإسلام من جميع السبايا، وهي في غاية الكثرة بعيدٌ جدًّا، فإن إسلام مثل عدد المسبيّات في أوطاس دفعةً واحدةً، من غير إكراه لا يقول بأنه يصحّ تجويزه عاقلٌ. ومن أعظم المؤيّدات لبقاء المسبّات على دينهنّ ما ثبت من ردّه وَ ﴿ لهنّ بعد أن جاء إليه جماعة من هوازن، وسألوه أن يردّ إليهم ما أخذ عليهم من الغنيمة، فردّ إليهم السبي فقط. وقد ذهب إلى جواز وطء المسبّات الكافرات بعد الاستبراء المشروع جماعة: منهم طاوس، وهو الظاهر؛ لما سلف انتهى كلام الشوكانيّ رحمه اللَّه تعالى(٢). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد تبيّن بما ذكره الشوكانيّ أن الأرجح قول من قال بجواز وطء المسبيات الكافرات غير الكتابيات بعد الاستبراء؛ لقوة دليله، وأن التأويل الذي ذكره النوويّ فيه بُعدٌ، وتكلّف، فتبصّر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): اختلف العلماء أيضًا في الأمة إذا بيعت، وهي مزوّجةٌ مسلمًا، هل ينفسخ النكاح، وتحلّ لمشتريها، أم لا؟، فقال ابن عبّاس: ينفسخ لعموم قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]. وقال سائر العلماء: لا ينفسخ، وخصّوا الآية بالمملوكة بالسبي. قال المازريّ: هذا الخلاف مبنيّ على أن العموم إذا خرج على سبب، هل يقصر على سببه، أم لا؟، فمن قال: يُقْصَرُ على سببه لم يكن فيه حجة للمملوكة بالشراء؛ لأن التقدير إلا ما ملكت أيمانكم بالسبي، ومن قال: لا يقصر، بل يُحمل على عمومه قال: ينفسخ نكاح المملوكة بالشراء، لكن ثبت في حديث شراء عائشة بريرة أن النبيّ وَّ خيّر بريرة في زوجها، فدلْ (١) ((شرح مسلم)) ٢٧٨/١٠. (٢) ((نيل الأوطار)) ٣٢٦/٦-٣٢٧. ٣٨٣ ٦٠ - (بَابُ الشِّغَارِ) - حديث رقم ٣٣٣٥ على أنه لا ينفسخ بالشراء، لكن هذا تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد، وفي جوازه خلاف. قاله النوويّ(١) . قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: الحقّ جواز تخصيص عموم الكتاب بخبر الواحد، وهو الأصحّ عند الأصوليين، وهو قول الجمهور، وعليه الأئمة الأربعة، فيما حكاه ابن الحاجب، قال السيوطيّ في ((الكواكب الساطع)): وَجَازَ أَنْ يُخَصَّ فِي الصَّوَابِ سُئَّتُهُ بِهَا وَبِالْكِتَابِ وَهُوَّ بِهِ وَخَبَرٍ الثَّوَاتُرٍ وَخَبَرٍ الْوَاحِدِ عِنْدَ الأَكْثَرِ (٢) والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه إنیب)) . ٦٠- (بَابُ الشِّغَارِ) قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: ((الشغار)) - بمعجمتين، الأولى منهما مكسورة- قال الفيّوميّ: شَغَرَ البلدُ شُغُورًا، من باب قعد: إذا خلا عن حافظٍ يمنعه، وشَغَرَ الكلبُ شَغْرًا، من باب نَفَعَ: رفع إحدى رجليه ليبول، وشَغَرَت المرأة: رفعت رجلَها للنكاح، وشغَرتُها: فعلتُ بها ذلك، يتعدّى، ولا يتعدّى، وقد يتعدّى بالهمز، فيقال: أشغرتها، وشاغَرَ الرجلُ الرجلَ شِغَارًا، من باب قاتل: زوّج كلِّ واحد صاحبه حَرِيمتَهُ على أن بُضْعَ كلِّ واحدة صداقُ الأخرى، ولا مهر سوى ذلك، وكان سائغًا في الجاهلية، قيل: مأخوذٌ من شَغَرَ البلدُ، وقيل: من شَغَر برجله: إذا رفعها، والشَّغَار، وزانُ سَلَامٍ: الفارغ انتهى (٣). والله تعالى أعلم بالصواب. ٣٣٣٥ - (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْتِى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلَّهِ: ((نَهَى عَنِ الشّغَارِ)) ). (١) ((شرح مسلم) ٢٧٨/١٠. (٢) راجع ((الجليس الصالح النافع بتوضيح معاني الكوكب الساطع)) شرحي للنظم المذكور ص ١٩٤- ١٩٦ . (٣) ((المصباح المنير» في مادة شغر. ٣٨٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ النّكَاحِ قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا غير مرّة. و((عُبيد الله بن سعيد)): هو أبو قُدامة السرخسيّ، الثقة الثبت. و((يحيى)): هو ابن سعيد القطّان البصريّ، الثقة الثبت الإمام. و((عُبيد الله)): هو ابن عمر العمريّ المدنيّ الثقة الثبت. و((نافع)): هو مولى ابن عمر المدنيّ الفقيه الثقة الثبت. وقوله: ((نَهَى عَنِ الشِّغَارِ))، وفي رواية ابن وهب، عن مالك: ((نهى عن نكاح الشغار))، ذكره ابن عبد البرّ، وهو مراد من حذفه. كما قاله في ((الفتح)) (١). ومعناه: أن يُزوّج الرجل الرجلَ موليّته على أن يزوّجه الآخر موليّته، ولا صداق بينهما. قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذا الحديث متفقٌ عليه، وسيأتي تمام شرحه، وبيان المسائل المتعلّة به في الباب التالي، إن شاء اللَّه تعالى، وإنما أخّرتها تبعًا للمصنّف، حيث خصّص الباب الآتي لتفسير الشغار، فيكون إستيفاء البحث هناك أليق. والله تعالى أعلم بالصوابِ، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٣٣٦- (أَخْبَرَنَا(٢) حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَِّ، قَالَّ: ((لَا جَلَبَ، وَلَا جَنَبٌ، وَلَا شِغَارَ فِي الإِسْلَامِ، وَمَنِ انْتَهَبَ غُهْبَةً، فَلَيْسَ مِنَّا)) ). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١- (حُميد بن مسعدة) بن المبارك الساميّ الباهليّ البصريّ، صدوق [١٠] ٥/٥. ٢- (بشر) بن المفضّل بن لاحق، أبو إسماعيل البصريّ، ثقة ثبت عابد [٨] ٨٢/٦٦. ٣- (حُميد) بن أبي حميد الطويل، أبو عبيدة البصريّ، ثقة يدلّس [٥] ١٠٨/٨٧. ٤- (الحسن) بن أبي الحسن يسار البصريّ، ثقة فقيه فاضل، يرسل كثيرًا [٣] ٣٢/ ٣٦ . ٥- (عمران بن حُصين) بن عبيد بن خَلَف الخزاعيّ، أبو نُجيد الصحابي ابن الصحابيّ رضي الله تعالى عنهما، أسلم عام خيبر، وكان فاضلًا، وقضى بالكوفة، ومات ◌َّه سنة (٥٢) بالبصرة، وتقدّم في ٣٢١/٢٠١. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه اللَّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم (١) ((فتح)) ١٠/ ٢٠٣. (٢) وفي نسخة: ((حدثنا)). ٣٨٥ ٦٠- (بَأَبُ الشِّغَارِ) - حديث رقم ٣٣٣٦ رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ) رضي اللَّه تعالى عنهما (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَِ، قَالَ: ((لَا جَلَبَ) -بفتحتين- والفعل من بابي ضرب، وقتل. قال الفيّوميّ: جَلَبتُ الشيءَ جَلْبًا، من بابي ضرب، وقتل، والْجَلَبُ -بفتحتين - فَعَلٌ بمعنى مفعول، وهو ما تجلُبُه من بلد إلى بلد، وجَلَبَ على فرسه جَلْبًا، من باب قتل: بمعنى استحثّه للعدو بوَكْزٍ، أو صِيَاح، أو نحوه، وأجلب عليه بالألف لغة انتهى. وقال ابن الأثير: الجَلَب يكون في شيئين: أحدهما في الزكاة، وهو أن يَقْدَم الْمُصَدِّقُ على أهل الزكاة، فينزلَ موضِعًا، ثم يرسل مَنْ يجلُب إليه الأموال من أماكنها؛ ليأخذ صدقتها، فنهي عن ذلك، وأمر أن تؤخذ صدقاتهم على مياههم، وأماكنها. والثاني: في السباق، وهو أن يَتْبَعَ الرجلُ فرسَهُ، فیزجره، ويَجلُب علیه، ويَصِيحِ، حثًّا له على الجري، فنهي عن ذلك(١). وقال الفيّومي: فُسْر الجَلَب بأن ربّ الماشية لا يُكلَّفُ جَلَبَها إلى البلد ليأخذ الساعي منها الزكاة، بل تُؤخذ زكاتها عند المياه انتهى. (وَلَا جَنَبَ) -بفتحتين- والفعل من باب قعد، وقتل، يقال: جَنَبتُ الرجل الشرّ جُنُوبًا، من باب قَعَد: أبعدتُهُ عنه، وجنّبتُهُ بالتثقيل مبالغة. والجنيبة: الفرس تُقاد، ولا تُكب، فَعِيلةٌ بمعنى مفعولة، يقال: جَنَبْتُهُ أَجْنُبُهُ، من باب قتل: إذا قُدته إلى جنبك. قاله الفيوميّ. وقال ابن الأثير: الْجَنَب - بالتحريك- في السباق أن يَجْنُبَ فرسًا إلى فرسه الذي يسابق عليه، فإذا فَتَرَ المركوبُ تحوّل إلى المجنوب. وهو في الزكاة أن ينزل العامل بأقصى مواضع أصحاب الصدقة، ثم يأمر بالأموال أن تُجْتَب إليه، أي تُحضَرَ، فَتُهُوا عن ذلك. وقيل: أن يَجْنُبَ ربّ المال بماله، أي يُبعِده عن موضعه، حتّى يحتاج العامل إلى الإبعاد في اتباعه، وطلبه انتهى(٢). وقال الفيّوميّ: وقوله: لا جَنَبَ أي إذا كانت الماشية في الأفنية، فتُتْركُ فيها، ولا تُخْرَجُ إلى المرعى ليَخرُج الساعي لأخذ الزكاة؛ لما فيه من المشقّة، فأَمَرَ بالرفق من (١) ((النهاية)) ٢٨٠/١ . (٢) ((النهاية)) ٣٠٣/١. ٣٨٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ النّكَاحِ الجانبين. وقيل: معنى ((ولا جَنَبَ)) أي لا يَجْنُبُ أحدٌ فَرَسًا إلى جانبه في السباق، فإذا قَرُب من الغاية انتقل إليها، فيَسْبِقُ صاحبه. وقيل: غير ذلك انتهى. (وَلَّا شِغَارَ) بكسر الشين المعجمة، سيأتي تفسيره في الباب التالي، إن شاء الله تعالى. وتعبيره بـ ((لا)) النافية للجنس، يدلّ على أن النهي في قوله: ((نهى عن الشغار)) محمول على عدم المشروعيّة أصلًا. قال السنديّ: وعليه اتفاق الفقهاء انتهى (١). وقوله (فِي الْإِسْلَامِ) الظاهر أنه قيد لكلِّ من الْجَلَب، والْجَنَبِ، والشغار. ويحتمل أن يكون قيدًا للأخير (٢). والله تعالى أعلم. (وَمَّنِ انْتَهَبَ) أي سَلَبَ، واختلس، وأخذ قهرًا (غُهْيَةً) بالفتح مصدر تَّب، وبالضمّ اسم منه، يقال: نَّبَهُ نَهْبًا، كجَعَل، وَسَمِعَ، وكَتَبَ: أخذه، كانتهبه، والاسم النُّهْبةُ، والتُّهْبَى، والتُّهَيْبَى، بضمّهنّ، والنُّهَيْبَى، كسُمَّيْهَى. قاله في ((القاموس)). وقال الفيوميّ: والنُّهْبةُ مثالُ غُرْفَة، والنُّهبى بزيادة ألف التأنيث: اسم للمنهوب انتهى. فعلى هذا يُعرب مفعولًا به لـ ((انتهب))، وعلى الأوّل يكون مفعولًا مطلقًا، والمفعول به مقدّرٌ: أي مالًا. والله تعالى أعلم. (فَلَيْسَ مِنَّ) أي ليس من المطيعين لأمرنا، أو ليس من جماعتنا، وعلى طريقتنا، وسنتنا، وظاهر الحديث أنه ليس من المؤمنين أصلًا، فإن كان مُسْتَحِلًا، فلا إشكال، لأن استحلال ما حرّمه الله تعالى مع العلم به، يكون ارتدادًا عن الإسلام، وإلا فلا بدّ من تأويله بنحو ما ذكرناه؛ لإجماع أهل السنّة على أن مرتكب الذنوب غير الشرك تحت المشيئة، فليُتنبّه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عمران بن حُصين رضي اللَّه تعالى عنهما هذا صحيح. [فإن قلت]: کیف یصحّ، والجمهور علی أن الحسن لم يسمع من عمران بن حصین رضي اللَّه تعالى عنهما(٣)، وأيضًا هو مدلْسٌ؟. [قلت]: لم ينفرد به الحسن، بل تابعه فيه محمد بن سيرين، فقد أخرجه أحمد في («مسنده))، فقال: (١) ((شرح السنديّ)) ١١١/٦. (٢) راجع ((تحفة الأحوذيّ)) ٤/ ٢٧٠. (٣) راجع ترجمته في ((تهذيب التهذيب)) ٣٨٨/١-٣٩١. ٦٠ - (بَأَبُ الشّغَارِ) - حديث رقم ٣٣٣٧ ٣٨٧ ===== حدثنا إبراهيم بن خالد، حدثنا رَبَاح، عن معمر، عن ابن سيرين، عن عمران بن حصين، أن رسول اللَّه وَ له، قال: ((لا شغار في الإسلام)). ومحمد بن سيرين، وإن قال الدارقطنيّ: لم يسمع من عمران(١)، إلا أنه لم يوصف بالتدليس، وأيضًا، فإن للحديث شواهدَ من حديث أنس رَّ ، كما في الحديث التالي وإن كان فيه ضعف، على ما سيأتي، ومن حديث ابن عمر رضي اللَّه تعالى عنهما عند أحمد، قال : حدثنا قُراد أبو نوح، أخبرنا عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال النبي وَ له: ((لا جلب، ولا جنب، ولا شغار في الإسلام)). وهذا إسناد صحيح، ورجاله كلهم رجال الصحيح. والحاصل أن حديث عمران رضي اللّه تعالى عنه هذا صحيح. والله تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٣٣٣٦/٦٠ و((الخيل)) ٣٥٩١/١٥ و٣٥٩٢/١٦- وفي «الكبرى» ٥٧/ ٥٤٩٥ و((الخيل)) ٤٤٣١/١٥ و٤٤٣٢/١٦. وأخرجه (د) في ((الجهاد)) ٢٥٨١ (ت) في ((النكاح)) ١١٢٣ (ق) في ((الفتن)) ٣٩٣٧ (أحمد) في ((مسند البصريين)) ١٩٣٥٤ و ١٩٤٨٥. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه اللّه تعالى، وهو بيان تحريم نكاح الشِّغَار، وسيأتي بيان اختلاف العلماء فيه في الباب التالي، إن شاء الله تعالى. (ومنها): تحريم الجلب -باللام-، سواء فُسّر بالجلب في الزكاة، أو في السباق، على ما سبق توضيحه. (ومنها): تحريم الجنب -بالنون- في الزكاة، أو في السباق، على ما سبق توضيحه أيضًا. (ومنها): عناية الشارع بسدّ أبواب الأمور التي يأتي بها إلحاق الضرر بالأمة، فإن هذه الأشياء إذا تأمّلناها عرفنا أن سبب النهي عنها هو إلحاق الضرر بالآخرين، كما لا يخفى على ذي بصيرة، فما ألطف حكمة الشارع الحكيم، وأحكمها، ﴿تَنِزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَميدٍ﴾. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٣٣٧- (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنِ الْقَزَارِيِّ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((لَا جَلَبَ، وَلَّا جَتَبَ، وَلَا شِغَارَ فِي الإِسْلَامِ». (١) راجع ترجمته في ((تهذيب التهذيب)) ٥٨٧/٣. ٣٨٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ النّكَاحِ قَالَ أَبو عَبْد الرَّحْمَنِ: هَذَا خَطَأْ فَاحِشٌ، وَالصَّوَابُ حَدِيثُ بِشٍْ). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((عليّ بن محمد بن عليّ)) بن أبي المضاء المِصْيصيّ القاضي، ثقة [١١] ٢٤١٥/٨٣. و ((محمد بن كثير) بن أبي عطاء الثقفيّ الصنعانيّ، أبو يوسف، نزيل المِصْيصة، صدوقٌ، كثير الغلط، من صغار [٩] ٢٢٥٦/٤٦. و((الفَزَاريّ)) : إبراهيم بن محمد بن الحارث بن أسماء بن خارجة الإمام أبو إسحاق المصّيصيّ، ثقة حافظ، له تصانيف [٨] ٨٦٣/٥٨. و((حميد)) : هو الطويل المذكور في السند السابق. وشرح الحديث تقدّم في الذي قبله، وهو حديث ضعيف، وإنما الصحيح حديث عمران رَّه المتقدّم. ثم إن حديث أنس رضي هذا من أفراد المصنف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا- ٦٠/ ٣٣٣٧- وفي ((الكبرى)) ٥٤٩٦/٥٧. وأخرجه (أحمد) في ((باقي مسند المكثرين)) ١٢٢٤٧ و١٢٦٢٠ . والله تعالى أعلم. وقوله: (قَالَ أَبو عَبْدِ الرَّحْمَنِ) النسائيّ رحمه اللَّه تعالى (هَذَا خَطَأْ فَاحِشٌ) أي هذا الحديث بهذا السند خطأ فاحش (وَالصَّوَابُ حَدِيثُ بِشْرٍ) يعني ابن المفضّل الذي تقدّم قبله. أراد رحمه الله تعالى أن رواية محمد بن كثير، من طريق الفزاريّ، عن حميد، عن أنس غلطً؛ لأنه خالف فيه بشر المفضّل، حيث جعله عن حميد عن الحسن البصريّ، عن عمران، وهو أوثق منه، وأحفظ بالإجماع، فقد قال عنه أحمد بن حنبل: إليه المنتهى في التثبت بالبصرة، وعدّه ابن معين في أثبات شيوخ البصريين، وكذا أثنى عليه غيرهما(١)، بخلاف محمد بن كثير، فقد ضعّفه الكثيرون، فقد ضعّفه أحمد جدًّا، وقال: منكر الحديث. وقال البخاريّ: لينٌ جدًّا. وكذا ضعفه غيرهم، ووثقه بعضهم (٢). وأيضًا قد تابع بشرًا حمادُ بن سلمة، والحارثُ بن عمير، وأبو قزعة، كلهم عن حميد، عن الحسن، عن عمران بن حصين رضي اللّه تعالى عنهما. فقد رواه أحمد في ((مسنده)) ٤/ ٤٤٣ عن عفان، عن حماد بن سلمة، عن حميد، عن الحسن به. ورواه ٤٣٩/٤ عن إبراهيم بن إسحاق الطالقاني، عن الحارث بن عمير، عن حميد، عن الحسن، به. ورواه ٤٢٩/٤ عن غندر، عن شعبة، عن أبي قزعة(٣)، عن الحسن به . (١) راجع ترجمته في (تهذيب التهذيب)) ٢٣١/١-٢٣٢. (٢) راجع ترجمته في ((تهذيب التهذيب)) ٣/ ٦٨٢ - ٦٨٣. (٣) اسمه سويد حُجير الباهليّ البصريّ وهو ثقة. ٦١- (تَفْسِيرُ الشِّغَارِ) - حديث رقم ٣٣٣٨ ٣٨٩ == [فإن قلت]: أيضًا لم يتفرّد محمد بن كثير بهذا، فقد رواه معمر، عن ثابت، عن أنس رَظّه، أخرجه أحمد ١٦٢/٣ و١٦٥ و١٩٧ وابن ماجه (١٨٨٥) وابن حبّان في (صحیحه)) (٤١٥٤)، فهلا يصحّ بذلك؟. [قلت]: رواية معمر قد أعلّها الإمام أحمد رحمه الله تعالى، فقد ذكر الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى في ((شرح علل الترمذيّ))، فقال: وقد كان بعض المدلّسين، يسمع الحديث من ضعيف، فيرويه عنه، ويدلّسه معه عن ثقة، لم يسمعه منه، فيُظنّ أنه سمعه منهما، كما روى معمر عن ثابت، وأبان، وغير واحد (١)، عن أنس ◌َظنّه ، عن النبيّ وَلير: ((أنه نهى عن الشغار)). قال أحمد: هذا عمل أبان. يعني أنه حديث أبان، وإنما معمر، يعني دلّسه. ذكره الخلال، عن هلال بن العلاء الرقّيّ، عن أحمد انتھی(٢). فتبين بهذا أن رواية معمر غير صحيحة، فلا تقوّي رواية محمد بن کثیر. والحاصل أن الحديث صحيح من مسند عمران بن حُصين رضي الله تعالى عنهما، لا من مسند أنس رضي (٣). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه إنیب)) . ٦١ - (تَفْسِيرُ الشِّغَارِ) ٣٣٣٨ - (أَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْنٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِع ح وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةٌ عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، قَالَ مَالِكٌ: حَدَّثَنِيَ نَافِعْ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ، نََّى عَنِ الشِّغَارِ، وَالشِّغَارُ أَنْ يُزَوْجَ الرَّجُلُ (١) أخرجه أحمد في ((مسنده)) ١٦٥/٣ - رقم ١٢٢٧٥ - فقال: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن ثابت، وأبان، وغير واحد، عن أنس، أن النبي ◌َّ، قال: ((لا شغار في الإسلام)). (٢) انظر ((شرح علل الترمذيّ)) ٢/ ٨٦٥ تحقيق الدكتور همام عبدالرحيم سعيد. (٣) وقد صحح الشيخ الألباني الحديث من رواية أنس أيضًا، نظرًا لظاهر الإسناد، قال: وإسناده صحيح على شرط الشيخين، راجع (إرواء الغليل)) ٣٠٥/٦-٣٠٧. لكن قد عرفت أن المصنف ضعف رواية محمد بن كثير، وضعّف أحمد رواية معمر، فلا يستقيم التصحيح، وإنما الحديث لعمران بن حصين رضي اللّه تعالى عنهما، فتبصّر. والله تعالى أعلم. ٣٩٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ النّكَاحِ الرَّجُلَ ابْتَتَهُ، عَلَى أَنْ يُزَوِّجَهُ ابْتَتَهُ، وَلَيْسَ بَيْتَهُمَا صَدَاقٌ). رجال هذا الإسناد : سبعة : ١- (هارون بن عبد اللَّه) الحمال، أبو موسى البغداديّ الحافظ، ثقة [١٠] ٥٠٪ ٦٢ . ٢- (الحارث بن مسكين) القاضي المصريّ، ثقة فقيه [١٠] ٩/٩. ٣- (معن) بن عيسى القزاز المدنيّ، ثقة ثبت، من كبار [١٠] ٦٢/٥٠. ٤- (ابن القاسم) عبد الرحمن العُتَقيّ المصريّ الفقيه، صاحب مالك، ثقة، من كبار [١٠] ٢٠/١٩ . ٥- (مالك) بن أنس إمام دار الهجرة، رأس المتقنين، وكبير المتثبتين [٧] ٧/ ٧ . ٦- (نافع) مولى ابن عمر المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت [٣] ١٢/١٢. ٧- (ابن عمر) رضي اللَّه تعالى عنهما ١٢/١٢. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخيه، فالأول بغداديّ، والثاني مصريّ، وكذا ابن القاسم. (ومنها): أن فيه ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) رضي اللَّه تعالى عنهما (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَِّ، نَهَى عَنِ الشِّغَارِ) قال النووي: قال العلماء: الشغار -بكسر الشين المعجمة، وبالغين المعجمة- أصله في اللغة الرفع، يقال: شَغَرَ الكلبُ إذا رفع رجله ليبول، كأنه قال: لا ترفع رجل بنتي حتى أرفع رجل بنتك انتهى. وقال صاحب ((النهاية)): قيل له: شغار؛ لارتفاع المهر بينهما، من شغر الکلب: إذا رفع إحدى رجلیه لیبول انتهى. وقال الخطابيّ: وقال بعضهم: أصل الشغر في اللغة الرفع، يقال: شغر الكلب برجله: إذا رفعها عند البول، قال: فإنما سمي هذا النكاح شغارًا لأنهما رفعا المهر بينهما. قال: وهذا القائل لا ينفصل ممن قال، بل سُمّي شغارًا لأنه رُفِع العقدُ من أصله، فارتفع النكاح، والمهر معًا، ويبيّن لك أن النهي قد انطوى على الأمرين معًا، أن البدل هنا ليس شيئًا غير العقد، ولا العقد شيئًا غير البدل، فهو إذا فسد مهرًا فسد عقدًا، وإذا أبطلته الشريعة، فإنما أفسدته على الجهة التي کانوا یوقعونه، وکانوا یوقعونه مهرًا ٣٩١ ٦١ - (تَفْسِيرُ الشّغَارِ) - حديث رقم ٣٣٣٨ وعقدًا، فوجب أن يفسدا معًا انتهى(١). قال الحافظ وليّ الدين: فهذه ثلاثة أقوال على تفسير الشغار بالرفع، قال الرافعيّ: وفي بعض الشروح أن الكلب إذا كان يبول حيث يصل من غير مبالاة، قيل: شغر الكلب برجله، فسُمي شغارًا؛ لعدم المبالاة فيه بالمهر. وقال ابن عبد البرّ: للشغار في اللغة معنى لا مدخل لذكره هنا، وذلك أنه مأخوذ عندهم من شغر الكلب: إذا رفع رجله ليبول، وذلك زعموا ألا يكون منه إلا بعد مفارقة حال الصغر على حال يمكن فيها طلب الوثوب على الأنثى للنسل، وهو عندهم للكلب إذا فعله علامة بلوغه إلى حال الاحتلام من الرجال، ولا يرفع رجله للبول إلا وهو قد بلغ ذلك المبلغ، يقال منه: شغر الكلب إذا رفع رجله، فبال، أم لم يبُل، ويقال: شَغَرتُ المرأةَ أشغرها شَغْرًا: إذا رفعت رجلها للنكاح انتھی. ثم قال النوويّ، وقيل: هو من شغر الكلب، إذا خلا لخلوّه عن الصداق انتهى. قال الرافعيّ، ويقال لخلوّه عن بعض الشروط، وقال صاحب ((النهاية)) بعد كلامه المتقدّم. وقيل: الشغر البعد. وقيل: الاتساع انتهى. فهذه ثلاثة أقوال غير ما تقدّم، وهي الخلوّ، والبعد، والاتساع. وعبّر القاضي عياض في ((المشارق)) بقوله: وقيل: من رَفْع الصداق فيه، وبُعْده منه انتهى. وهذا يقتضي رجوع البعد إلى المعنى المشهور، وهو الرفع. والله أعلم انتهى كلام وليّ الدين(٢). (وَالشِّغَارُ) هذا التفسير مدرجٍ من قول نافع، كما سيأتي تحقيقه قريبًا، إن شاء الله تعالى، وهو مبتدأ، خبره قوله (أَنْ يُزَوِّجَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ ابْتَتَهُ عَلَى أَنْ يُزَوْجَهُ ابْتَتَهُ) ليس ذكر البنت قيدًا في هذا، بل غيرها من الأخوات، والعمات، ونحوها كذلك، كما هو في حديث أبي هريرة الآتي بعد هذا. قال النوويّ في ((شرح مسلم)) : أجمعوا على أن غير البنات من الأخوات، وبنات الأخ، والعمّات، وبنات الأعمام، والإماء كالبنات في هذا. وصورته الواضحة: زوجتك بنتي على أن تزوّجني بنتك، ويضع كلّ واحدة صداقًا للأخری، فیقول: قبلتُ. انتهى(٣). (وَلَيْسَ بَيْتَهُمَا صَدَاقٌ) أي بل صداق كلّ واحدة منهما هو بضع الأخرى. وهذا النهي محمول على عدم المشروعيّة بالاتفاق، ثم إن الجمهور قالوا: لا ينعقد أصلًا، وقال الحنفيّة: ينعقد، ويلزم فيه مهر المثل، وبه يخرج عن كونه شغارًا. والحقّ (١) ((معالم السنن)) ٢٠/٣-٢١ . (٢) ((طرح التثريب)) ٢٨/٧-٢٩. (٣) ((شرح صحيح مسلم)) ٢٠٤/١٠-٢٠٥ . ٣٩٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ النّكاح ما ذهب إليه الجمهور، وسيأتي مزيد تحقيق لذلك في المسألة الثالثة، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان . مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث ابن عمر رضي اللَّه تعالى عنهما هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٣٣٣٥/٦٠ و٣٣٣٨/٦١- وفي ((الكبرى)) ٥٤٩٣/٥٧ و٥٨/ ٥٤٩٧. وأخرجه (خ) في ((النكاح)) ٥١١٢ (م) في ((النكاح)) ١٤١٥ (د) ((النكاح)) ٢٠٧٤ (ت) ((النكاح)) ١١٢٤ (ق) ((النكاح)) ١٨٨٣ (أحمد) في ((مسند المكثرين)) ٤٥١٢ و ٤٦٧٨ و٤٨٩٩ و٥٢٦٧ و٥٦٢٢ (الموطأ) في ((النكاح)) ١١٣٤ (الدارمي) في ((النكاح)) ٢١٨٠. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): قال الحافظ وليّ الدين رحمه الله تعالى: ظاهر الحديث أن تفسير الشغار من تَتِمّة المرفوع، وقد أخرجه الشيخان، وغيرهما من طريق عبيدالله بن عمر، وفيه: ((قلت لنافع: ما الشغار؟ قال: يَنكِح ابنة الرجل، ويُنكِحه ابنته بغير صداق، وينكح أخت الرجل، ويُنكحه أخته بغير صداق)). فيكون مدرجًا في رواية مالك. وقال الشافعيّ رحمه الله تعالى: لا أدري تفسير الشغار في الحديث من النبيّ وَّر، أو من ابن عمر، أو من نافع، أو من مالك؟، حكاه عنه البيهقيّ في ((المعرفة)). وقال الرافعيّ: قال الأئمة: وهذا التفسير يجوز أن يكون مرفوعًا، ويجوز أن يكون من عند ابن عمر انتهى(١). وقال في ((الفتح)): قال ابن عبد البرّ: ذكر تفسير الشغار جميع رواة مالك عنه انتهى. قال الحافظ: ولا يَرِدُ على إطلاقه أن أبا داود، أخرجه عن القعنبيّ، فلم يذكر التفسير. وكذا أخرجه الترمذيّ من طريق معن بن عيسى؛ لأنهما اختصرا ذلك في تصنيفهما، وإلا فقد أخرجه النسائيّ من طريق معن بالتفسير. وكذا أخرجه الخطيب في ((المدرج)) من طريق القعنبيّ. نعم اختَلَفَ الرواة عن مالك فيمن يُنسب إليه تفسير الشغار، فالأكثر لم ينسبوه لأحد، ولهذا قال الشافعيّ فيما حكاه في ((المعرفة)): لا أدري التفسير عن النبيّ وَّل، أو (١) ((طرح التثريب)) ٢١/٧-٢٢. ٦١ - (تَفْسِيرُ الشِّغَارِ) - حديث رقم ٣٣٣٨ ٣٩٣ = عن ابن عمر، أو عن نافع، أو عن مالك، ونسبه محرز بن عون، وغيره لمالك. قال الخطيب: تفسير الشغار ليس من كلام النبيّ وَّر، وإنما هو قول مالك وُصل بالمتن المرفوع، وقد بيّن ذلك ابن مهديّ، والقعنبيّ، ومحرز بن عون، ثم ساقه کذلك عنهم، ورواية محرز بن عون عند الإسماعيليّ، والدارقطنيّ في ((الموطّآت))، وأخرجه الدار قطنيّ أيضًا من طريق خالد بن مخلد، عن مالك، قال: سمعت أن الشغار أن يتزوّج الرجل إلخ، وهذا دالّ على أن التفسير من منقوله لا من مقوله. ووقع عند البخاريّ في (ترك الحيل)) من طريق عبيدالله بن عمر، عن نافع في هذا الحديث تفسير الشغار من قول نافع، ولفظه ((قال عبيدالله بن عمر: قلت لنافع: ما الشغار؟ فذكره)) ، فلعلّ مالكًا أيضًا نقله عن نافع. وقال أبو الوليد الباجيّ: الظاهر أنه من جملة الحديث، وعليه يحمل حتى يتبيّن أنه من قول الراوي، وهو نافع. قال الحافظ: قد تبيّن ذلك، ولكن لا يلزم من كونه لم يرفعه أن لا يكون في نفس الأمر مرفوعًا، فقد ثبت ذلك من غير روايته، فعند مسلم من رواية أبي أسامة، وابن نُمير عن عبيدالله بن عمر أيضًا عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة مثله سواء، قال: وزاد ابن نُمير: ((والشغار أن يقول الرجل للرجل: زوجني ابنتك، وأُزوّجك ابنتي، وزوّجني أختك، وأزوّجك أختي)). وهذا يحتمل أن يكون من كلام عبيدالله بن عمر، فيرجع إلى نافع. ويحتمل أن يكون تلقّاه عن أبي الزناد، ويؤيّد الاحتمال الثاني وروده في حديث أنس، وجابر، وغيرهما أيضًا، فأخرج عبد الرزاق، عن معمر، عن ثابت، وأبان، عن أنس مرفوعًا: ((لا شغار في الإسلام، والشغار أن يزوّج الرجل الرجل أخته بأخته)). وروى البيهقيّ من طريق نافع بن يزيد، عن ابن جُريج، عن أبي الزبير، عن جابر، مرفوعًا: ((نُهي عن الشغار، والشغار أن ينكح هذه بهذه بغیر صداق، بُضْعُ هذه صداق هذه، وبُضع هذه صداق هذه)). وأخرج أبو الشيخ في ((كتاب النكاح)) من حديث أبي ريحانة: ((أن النبيّ وَ ل ◌َ نَّى عن المشاغرة، والمشاغرة أن يقول: زوّج هذا من هذه، وهذه من هذا بلا مهر)). قال القرطبيّ: تفسير الشغار صحيح موافق لما ذكره أهل اللغة، فإن كان هذا مرفوعًا فهو المقصود، وإن كان من قول الصحابيّ، فمقبولٌ أيضًا؛ لأنه أعلم بالمقال، وأقعد (١) بالحال انتهى(١). (١) ((فتح)) ١٠/ ٢٠٣-٢٠٤. ٣٩٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ النكاح قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذا الذي قاله القرطبيّ رحمه الله تعالى حسنٌ جدًّا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم، هل يُشترط في الشغار ما اقتضاه ظاهر الحديث من مراعاة الوصفين المذكورين، أم لا؟: (اعلم): أنهم اختلفوا هل يُعتبر في الشغار الممنوع ظاهر الحديث في تفسيره، فإن فيه وصفين: أحدهما: تزويج كلّ من الوليين وليّته للآخر بشرط أن يُزوّجه وليّته. والثاني: خلوّ بُضع كلّ منهما من الصداق، فمنهم من اعتبرهما معًا، حتى لا يمنع مثلًا إذا زوّج كلّ منهما الآخر بغير شرط، وإن لم يذكر الصداق، أو زوّج كلّ منهما الآخر بالشرط، وذكر الصداق. وذهب أكثر الشافعيّة إلى أن عّة النهي الاشتراك في البضع؛ لأن بضع كلّ منهما يصير مورد العقد، وجعل البضع صداقًا مخالفٌ لإيراد عقد النكاح، وليس المقتضي للبطلان ترك ذكر الصداق؛ لأن النكاح يصحّ بدون تسمية الصداق. واختلفوا فيما إذا لم يصرّحا بذكر البضع، فالأصحّ عندهم الصخة، ولكن وُجد نصّ الشافعيّ على خلافه، ولفظه: إذا زوّج الرجل ابنته، أو المرأة يلي أمرها، من كانت لآخر على أن صداق كلّ واحدة بضع الأخرى، أو على أن يُنكحه الأخرى، ولم يُسمّ أحدٌ منهما لواحدة منهما صداقًا، فهذا الشغار الذي نهى عنه رسول اللّه وَله وهو منسوخٌ. هكذا ساقه البيهقيّ بإسناده الصحيح عن الشافعيّ. قال: وهو الموافق للتفسير المنقول في الحديث. واختَلَف نصّ الشافعيّ فيما إذا سمّى مع ذلك مهرًا، فنصّ في ((الإملاء)) على البطلان، وظاهر نصّه في ((المختصر» الصحّة، وعلى ذلك اقتصر في النقل عن الشافعيّ من ينقل الخلاف من أهل المذاهب. وقال القفّال: العلّة في البطلان التعليق، والتوقيف، فكأنه يقول: لا ينعقد نكاح بنتي حتى ينعقد لي نكاح بنتك. وقال الخطّابيّ: كان ابن أبي هريرة يشبّهه برجل تزوّج امرأة، واستثنى عضوًا من أعضائها، وهو مما لا خلاف في فساده. وتقرير ذلك أنه يزوّج وليّته، ويستثني بُضعها حيث يجعله صداقًا للأخرى. وقال الغزاليّ في ((الوسيط)): صورته الكاملة أن يقول: زوّجتك ابنتي على أن تزوّجني ابنتك، على أن يكون بُضع كلّ واحدة منهما صداقًا للأخرى، ومهما انعقد نكاح ابنتي انعقد نكاح ابنتك. قال الحافظ العراقيّ في ((شرح الترمذيّ)) ينبغي أن يُزاد: ولا يكون مع البضع شيء آخر، ليكون متّفقًا على تحريمه في المذهب. ونقل الخِرَقيّ أن أحمد نصّ على أن علّة البطلان ترك ذكر المهر، ورجّح ابن تيميّة ٦١ - (تَفْسِيرُ الشِّغَارِ) - حديث رقم ٣٣٣٨ ٣٩٥ في ((المحرّر)) أن العلّة التشريك في البضع. وقال ابن دقيق العيد: ما نصّ عليه أحمد هو ظاهر التفسير المذكورة في الحديث لقوله فيه: ولا صداق بينهما، فإنه يشعر بأن جهة الفساد ذلك، وإن كان يحتمل أن يكون ذلك ذكر لملازمته لجهة الفساد، ثم قال: وعلى الجملة ففيه شعور بأن عدم الصداق له مدخل في النهي، ويؤيّده حديث أبي ريحانة (١) الذي ذكره انتهى وقال العلامة ابن القيم رحمه اللّه تعالى: قال الإمام أحمد: الشغار الباطل أن يزوّجه وليّته على أن يزوّجه الآخر وليّته، ولا مهر بينهما على حديث ابن عمر، فإن سمّوا مع ذلك مهرًا صحّ العقد بالمسمّى عنده. وقال الخرقيّ: لا يصحّ، ولو سمّوا مهرًا على حديث معاوية. وقال أبو البركات ابن تيميّة، وغيره من أصحاب أحمد: إن سمّوا مهرًا، وقالوا مع ذلك: بُضع كلّ واحدة مهر الأخرى لم يصحّ، وإن لم يقولوا ذلك صح. واختلف في علّة النهي، فقيل: هي جعل كلّ واحد من العقدين شرطًا في الآخر. وقيل: العلّة التشريك في البضع، وجعلُ بُضع كلّ واحدة مهرًا للأخرى، وهي لا تنتفع به، فلم يرجع إليها المهر، بل عاد المهر إلى الوليّ، وهو ملكه لبضع زوجته بتمليكه لبضع موليّته، وهذا ظلم لكل واحدة من المرأتين، وإخلاء لنكاحهما عن مهر تنتفع به، وهذا هو الموافق للغة العرب، فإنهم يقولون: بلدٌ شاغر من أمير، ودارٌ شاغرةٌ من أهلها: إذا خلت، وشغَرَ الكلب: إذا رفع رجله، وأخلى مكانها، فإذا سمّوا مهرّا مع ذلك زال المحذور، ولم يبق إلا اشتراط كلّ واحد على الآخر شرطًا لا يؤثّر في فساد العقد، فهذا منصوص أحمد. وأما من فرّق، فقال: إن قالوا مع التسمية: إن بُضع كلّ واحدة مهرّ للأخرى فسد؛ لأنها لم يرجع إليها مهرها، وصار بضعها لغير المستحقّ، وإن لم يقولوا ذلك صحّ، والذي يجيء على أصله أنهم متى عقدوا على ذلك، وإن لم يقولوه بألسنتهم أنه لا يصح؛ لأن القصود في العقود معتبرةً، والمشروط عرفًا كالمشروط لفظًا، فيبطل العقد بشرط ذلك، والتواطىءٍ عليه ونيّته، فإن سُمّي لكلّ واحدة مهر مثلها صحّ، وبهذا تظهر حكمة النهي، واتفاق الأحاديث في هذا الباب انتهى كلام ابن القيم رحمه اللّه تعالى(٢). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: عندي أن ما ذهب إليه الإمام أحمد رحمه الله تعالى أرجح؛ لأنه أقرب إلى ظاهر الحديث؛ لأن تفسير الشغار المذكور، إن كان مرفوعًا فواضح، وإلا فتفسير الصحابيّ، أو الراوي أقرب؛ لأنه من أهل اللغة، وأفهم بمقاصد الشريعة . (١) راجع ((الفتح)) ٢٠٤/١٠ . (٢) ((زاد المعاد في هدي خير العباد)) ١٠٨/٥-١٠٩ . ٣٩٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ النّكَاحِ والحاصل أن الشغار لا يكون شغارًا محرّمًا إلا إذا خلا عن ذكر المهر، فإن ذُكر المهر، جاز، اللَّهمّ إلا أن يترتّب عليه محظورٌ، وذلك بأن يشترط على أنه إذا حصل شقاقُ إحدى المرأتين مع زوجها، ففارقها انتُزعت الأخرى قهرًا بسبب ذلك، كما يُفعل في بعض البلدان، فلا يجوز؛ لإلحاق الضرر بالثانية؛ وقد صحّ عن رسول اللَّه وَلير أنه قال: ((لا ضرر، ولا ضرار)). رواه أحمد (١). [فإن قلت]: أخرج أبو داود في ((سننه)) بإسناد صحيح، من طريق ابن سحاق، حدّثني عبد الرحمن بن هُرْمُز الأعرج، أن العبّاس بن عبد الله بن العباس أنكح عبد الرحمن بن الحكم ابنته، وأنكحه عبد الرحمن ابنته، وكانا جعلا صداقًا، فكتب معاوية إلى مروان يأمره بالتفريق بينهما، وقال في كتابه: هذا الشغار الذي نهى عنه رسول الله فقد أوضح معاوية رَّه فيه أن الشغار يشمل أيضًا ما سُمّي فيه المهر، قال ابن حزم رحمه الله تعالى: فهذا معاوية بحضرة الصحابة، لا يُعرف له منهم مخالف، يَفسَخ هذا النكاح، وإن ذكرا فيه الصداق. انتهى. (٢). [قلت]: هذا فهم معاوية رَّه في حمل الشغار على ما يشمل الصورة المذكور في هذا الحديث، وقد تقدّم أن غيره خالفه في ذلك، ففسّروا الشغار بما اشتمل على وصفين: اشتراط كل منهما على الآخر أن يزوّجه موليّته، والخلوّ من ذكر الصداق، فهذا الحمل إن كان مرفوعًا، فواضح، وإن كان موقوفًا، فالقائلون به أكثر. وأما قول ابن حزم: فهذا معاوية بحضرة الصحابة، لا يعرف له منهم مخالف الخ، ففيه نظر لا يخفى، فمن أين له أنه قال ذلك بحضرة الصحابة؟، ومن أين عرف عدم مخالفتهم له؟، وقد تقدّم أن تفسير الشغار بما تقدّم وقع في حديث ابن عمر، وأبي هريرة، وأنس، وجابر، وأبي ريحانة رضي اللَّه تعالى عنهم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في حكم نكاح الشّغَار: أجمعوا على أن نكاح الشغار لا يجوز، ولكن اختلفوا في صحّته، فالجمهور على البطلان. وفي رواية عن مالك يفسخ قبل الدخول، لا بعده. وحكاه ابن المنذر عن الأوزاعيّ. وذهب الحنفيّة إلى صحّته، ووجوب مهرب المثل، وهو قول الزهريّ، ومكحول، والثوريّ، والليث، ورواية عن أحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وهو قول على (١) ((مسند أحمد)) ٢٢٢٧٢ و٢٨٦٢. (٢) ((المحلّى)) ٥١٦/٩. ٦١ - (تَفْسِيرُ الشِّغَارِ) - حديث رقم ٣٣٣٩ ٣٩٧- مذهب الشافعيّ؛ لاختلاف الجهة. لكن قال الشافعيّ: إن النساء محرّمات إلا ما أحلّ اللّه، أو ملك يمين، فإذا ورد النهي عن نكاح تأكّد التحريم. قاله في ((الفتح)) (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما ذهب إليه الجمهور من بطلان نكاح الشغار هو الحقّ؛ لما ذكره الشافعيّ رحمه الله تعالى آنفًا، من أن الأصل في النساء التحريم، فلا يحلّ منهنّ إلا ما أحلّه الشارع، فإذا ورد نهي في نوع من النكاح، كالشغار المذكور ازداد التحريم تأكّدًا، فتبصّر، ولا تتحيّر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ٣٣٣٩- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَبْدُ الرَّحمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَّامِ، قَالَا: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ الْأَزْرَقُ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ (٢)، عَنْ أَبِي الزَّنَادِ، عَنِ الْأَغْرَجِ، عَنْ أَبِّي هُرَيْرَةَ، قَالَ: نَّهِى رَسُولُ اللَّهِ، عَنِ الشِّغَارِ. قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: وَالشُغَارُ كَانَ الرَّجُلُ يُزَوِّجُ ابْتَتَهُ(٣)، عَلَى أَنْ يُزَوِّجَهُ أُخْتَهُ). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((محمد بن إسماعيل بن إبراهيم)) : هو الحافظ الثقة المعروف أبوه بـ ((ابن عُليّة)). [تنبيه]: وقع في نسخ ((المجتبى)) محمد بن إبراهيم))، والظاهر أنه سقط منه لفظ ((ابن إسماعيل))، ولا يقال: إنه نُسب إلى جدّه؛ لأنه لم يشتهر بذلك، بل يكون سقط من النسخ غلطًا، وقد ذكره الحافظ المزيّ على الصواب في ((تحفة الأشراف)) ١٨٦/١٠. والله تعالى أعلم. و((عبد الرحمن بن محمد بن سلّام)) -بتشديد اللام -: هو أبو القاسم البغداديّ، ثم الطوسيّ، لا بأس به [١١] ١٧٢/ ١١٤١. و ((إسحاق الأزرق)): هو ابن يوسف الواسطيّ، ثقة [٩] ٤٨٩/٢٢. و((عبيدالله)): هو ابن عمر العمريّ المتقدّم في الباب الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه هذا أخرجه مسلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: (١) (فتح)) ٢٠٤/١٠ -٢٠٥. (٢) ووقع في بعض النسخ ((عبدالله)) مكبّرًا، وهو تصحيفٌ فاحشٌ، فتنبه. (٣) وفي نسخة: ((كان يزوّج الرجل ابنته)). ٣٩٨ === شرح سنن النسائي - كِتَابُ النّاح أخرجه هنا-٣٣٣٩/٦١- ولم يذكره في ((الكبرى)). وأخرجه (م) في ((النكاح)) ١٤١٦ (ق) في ((النكاح)) ١٨٨٤ (أحمد) في ((باقي مسند المكثرين)) ٧٧٨٤. والله تعالى أعلم. وتقدّم شرح الحديث، وذكر بقيّة المسائل في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه إنیب)). ٦٢- (بَابُ التَّزْوِيجَ عَلَى سُوَرٍ مِنَ الْقُرْآنِ) أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على مشروعيّة التزويج على تعليم القرآن، وأراد به ترجيح مذهب القائلین بجواز ذلك. قال النوويّ في شرح مسلم: في هذا الحديث دليلٌ على جواز كون الصداق تعليم القرآن، وجواز الاستئجار لتعليم القرآن، وكلاهمال جائزان عند الشافعيّ، وبه قال عطاء، والحسن بن صالح، ومالك، وإسحاق، وغيرهم. ومنعه جماعة، منهم: الزهريّ، وأبو حنيفة، وهذا الحديث مع الحديث الصحيح: ((إن أحقّ ما أخذتم عليه أجرًا كتاب اللّه)) يردّان قول من منع ذلك. ونقل القاضي عياض جواز الاستئجار لتعليم القرآن عن العلماء كافّةً، سوى أبي حنيفة انتهى كلام النوويّ (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحقّ هو ما ذهب إليه الأولون القائلون بجواز كون الصداق تعليم القرآن، عملًا بظاهر حديث الباب، وقد تقدّم المسألة مستوفاة في -١/ ٣٢٠١- فراجعها تستفد، وبالله تعالى التوفيق. ٣٣٤٠ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، عَنْ أَبِي حَازِمِ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، أَنَّ امْرَأَةَ جَاءَتْ رَسُولَ اللّهِ بِ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، جِثْتُ لِأَهَّبَ نَفْسِي لَكَ، فَنَظَرِ إِلَيْهَا رَسُولُ اللّهِ بِهِ، فَصَعَّدَ النَّظَرَ إِلَيْهَا، وَصَوَّبَهُ، ثُمَّ طَأْطَأَ رَأْسَهُ، فَلَمَّا رَأَتِ الْمَرْأَةُ أَنَّهُ لَمْ يَقْضِ فِيهَا شَيْئًا جَلَسَتْ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: أَيْ رَسُولَ اللَّهِ، إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكَ (١) (شرح مسلم)) ٢١٧/١٠. ٦٢- (بَابُ التَّزْوِيج عَلَى سُوَرِ مِنَ القُرْآنِ) - حديث رقم ٣٣٤٠ ٣٩٩ === بَهَا حَاجَةٌ، فَزَوْجْنِيهَا، قَالَ: ((هَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ؟))، فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ، مَا وَجَدْتُ شَيْئًا، فَقَالَ: ((انْظُرْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ)»، فَذَهَبَ، ثُمَّ رَجَعَ، فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلَا خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ، وَلَكِنْ هَذَا إِزَارِي، قَالَ سَهْلٌ: مَا لَهُ رِدَاءٌ، فَلَهَا نِصْفُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلّهِ: ((مَا تَصْنَعُ بِإِزَارِكَ، إِنْ لَبِسْتَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا مِنْهُ شَيْءٍ، وَإِنْ لَبِسَتْهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ مِنْهُ شَيْءٍ))، فَجَلَسَ الرَّجُلُ، حَتَّى طَالَ مَّجْلِسُهُ، ثُمَّ قَامَ، فَرَآهُ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ مُوَلْيًّا، فَأَمَرَ بِهِ، فَدُعِيَ، فَلَمَّا جَاءَ، قَالَ: ((مَاذَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ؟))، قَالَ: مَعِي سُورَةُ كَذَا، وَسُورَةٌ كَذَا، عَدَّدَهَا(١)، فَقَالَ: ((هَلْ تَقْرَؤُهُنَّ عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ؟))(٢)، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: ((مَلَّكْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ)) ). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و((يعقوب)): هو ابن عبد الرحمن القاريّ المدنيّ، نزيل الإسكندريّة [٨]. و((أبو حازم)) : هو سلمة بن دينار التمّار الأعرج المدنيّ [٥] . والسند من رباعيّات المصنّف رحمه اللّه تعالى، وهو (١٦٧) من رباعيات الكتاب، وهو أعلى الأسانيد له، كما تقدّم غير مرّة. وقوله: «فصعد» بتشديد العين المهملة : أي رفع. وقوله: ((وصوّب)) بتشديد الواو: أي خفض، يعني أنه بعد أن وهبت له نفسها نظر إلى أعلاها، وأسفلها، يتأمها، هل تصلح له، أم لا؟. وقوله: ((لم يقض فيها شيئًا)) من قبول، واختيار، أو ردّ صريح لترجع. وقوله: ((إن لم تكن الخ)) هذا من حسن أدب ذلك الصحابيّ، حيث يخاطبه وَليه بمثل هذا الأسلوب. وقوله: «قال سهل: ما له رداء)» هذه جملة معترضة في البين لبيان أنه ما كان عنده إلا إزار واحدٌ، وما كان عنده رداء، ولذلك ردّ عليه النبيّ وَله بما ردّ به. وقوله: ((فلها نصفه)) متعلّقٌ بقوله: ((هذا إزاري)). وقوله: ((مولًّا)» من ولي ظهره بالتشديد: أي أدبر. والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم تمام شرحه مستوفّى، وكذا بيان مسائله في -١/ ٣٢٠١- فراجعه تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه إنيب)). (١) وفي نسخة: ((أعادها))، والظاهر أنه تصحيف. (٢) وفي نسخة: ((قلبك)). ٤٠٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ النّكَاحِ قال الجامع الفقير إلى مولاه الغنيّ القدير، محمد ابن الشيخ عليّ بن آدم بن موسى الإثْيُوبيّ الولّويّ، نزيل مكة المكرّمة، عفا اللّه تعالى عنه وعن والديه ومشايخه آمين: قد انتهيت من كتابة الجزء السابع والعشرين من شرح سنن الإمام الحافظ الحجة أبي عبد الرحمن النسائيّ رحمه اللَّه تعالى، المسمّى ((ذخيرةَ العُقْبَى في شرح المجتبى))، أو ((غاية المنى في شرح المجتنی)). وذلك بحيّ الزهراء، مخطّط الأمير طلال، في مكة المكرمة زادها اللَّه تعالى تشريفًا وتعظيمًا، وجعلني من خيار أهلها حيًّا وميتًا، وأَعْظِمْ به تكريمًا. وأخر دعوانا ﴿أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾. ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِىِ هَدَنَا لِهَذَا وَمَا كُنَا لِنَهْتَدِىَ لَوْلَا أَنْ هَدَنَا أَللَّهُ﴾. ﴿سُبْحَنَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلَمُ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَاَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾. ((اللهم صلّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. اللهم بارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حمید مجید)). ((السلام عليك أيها النبيّ، ورحمة اللَّه، وبركاته)). ويليه - إن شاء الله تعالى - الجزء الثامن والعشرون مفتتحًا بالباب ٦٣ ((التزويج على الإسلام)) الحديث رقم ٣٣٤١ . (سبحانك اللهمّ، وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك، وأتوب إليك)).