Indexed OCR Text
Pages 221-240
٢٢١
٣٥- (الشَّيْبُ يُزَوِّجُهَا أَبُوهَا، وَهِيَ كَارِهَةٌ) - حديث رقم ٣٢٦٩
أصحاب مالك، من كبار [١٠] ٦٢/٥٠.
٤- (عبد الرحمن بن القاسم) صاحب مالك الْعُتَقيّ، أبو عبد الله المصريّ الفقيه
ثقة، من كبار [١٠] ٢٠/١٩.
٥- (مالك) بن أنس الإمام الحجة الثبت الفقيه المدنيّ [٧] ٧/ ٧.
٦- (عبد الرحمن بن القاسم) بن محمد التيميّ، أبو محمد المدنيّ، الثقة الجليل
الفاضل [٦] ١٦٦/١٢٠ .
٧- (أبوه) القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق التيميّ الفقيه، ثقة ثبت، من كبار
[٣] ١٦٦/١٢٠ .
٨- (عبد الرحمن) بن يزيد بن جارية -بالجيم، والتحتانيّة- الأنصاريّ، أبو محمد
المدنيّ، أخو عاصم بن عمر بن الخطّاب لأمه.
قال الأعرج: ما رأيت رجلًا بعد الصحابة أفضل منه. وقال الحاكم، عن الدارقطنيّ:
ثقة. وقال ابن خلفون: وثّقه العجليّ، وابن الْبَرقيّ، وهو أجلّ من أن يُقال فيه: ثقة.
وذكره ابن حبّان في ثقات التابعين، وقال: يقال: إنه وُلد في حياة رسول اللّه وَلـ
وذكره العسكريّ في [فصل] من وُلد على عهده وَلّ. وقال ابن سعد: كان قديمًا، وولي
القضاء لعمر بن عبد العزيز -يعني لما كان أمير المدينة- وكان ثقةً، قليل الحديث، مات
بالمدينة سنة ثلاث وتسعين. وقال خليفة: سنة ثمان وتسعين. وتبعه القَرّاب، وابن
قانع، وابن زبر، وغيرهم.
وليس له، ولا لأخيه مجمّع عند المصنّف، ولا عند البخاريّ إلا هذا الحديث،
فقط .
٩- (مُجَمِّع) -بضمّ الميم، وفتح الجيم، وكسر الميم الثقيلة، ثم عين مهملة - ابن
يزيد بن جاريةَ الأنصاريّ. روى عن النبيّ وَّر، وعن خنساء بنت خدام، وعُتبة بن عُويم
ابن ساعدة. وعنه ابنه يعقوب، والقاسم بن محمد، وعكرمة بن سلمة بن ربيعة، وقال
ابن حبّان: مجمّع بن يزيد بن جارية له صحبة.
وقال في (الفتح)): من بني عمرو بن عوف، وهو ابن أخي مُجمّع بن جارية الصحابيّ
الذي جمع القرآن في عهد النبيّ وَّه، وأخرج له أصحاب ((السنن))، وقد وَهِمَ من زعم
أنهما واحد، ومنه قيل: إن لِمُجَمِّع بن يزيد صحبةٌ، وليس كذلك، وإنما الصحبة لعمّه
مُجَمِّع بن جارية انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن مما ذكر أن الصحيح أن مجمّع بن يزيد
تابعيّ، وليست له صحبةٌ، وإنما الصحبة لعمّه مجمّع بن جارية رضي اللّه تعالى عنه.
٢٢٢
:
شرح سنن النسائي - كِتَابُ النّكَاحِ
والله تعالى أعلم.
١٠- (خنساء بنت خذام) هكذا رواية المصنّف هنا، وفي ((الكبرى)) اسم أبيها -
بالخاء المعجمة، والذال المعجمة- وهو الذي في ((صحيح البخاريّ)) ٣٢/٧ و٢٦/٩-
و٢٣ و((تهذيب الكمال)) -١٦٢/٣٥-١٦٣ و((خلاصة)) الخزرجيّ ص-٤٩.
والذي في ((تقريب التهذيب)): خنساء بن خدام- بالخاء المعجمة المكسورة، والدال
المهملة- الأنصاريّة الأوسيّة، زوج أبي لبابة، صحابيّةٌ معروفة انتهى.
وفي ((تهذيب التهذيب)): خنساء بنت خدام الأنصاريّة الأوسيّة، زوجة أبي لبابة بن
عبد المنذر، وهي التي أنكحها أبوها، وهي كارهةٌ، فردّ النبيّ پ# نكاحها. وروى عنها
ابنها السائب بن أبي لبابة، وعبد الرحمن، ومُجَمِّع ابنا يزيد بن جارية، وعبد الله بن
يزيد بن وديعة بن خدام. انتهى(١).
وقال في «الفتح)): ما حاصله: «خنساء بنت خدام)) -بمعجمة، ثم نون، ثم مهملة،
وزن حمراء، وأبوها -بكسر المعجمة، وتخفيف المهملة انتهى (٢). والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سباعيات المصنف رحمه اللّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال
الصحیح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنیین، غیر هارون، فبغداديّ، ومحمد بن سلمة،
وشيخه عبد الرحمن، فمصريان. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّين، وفيه القاسم
أحد الفقهاء السبعة، وأن الصحابية، والراويين عنها من المقلّين من الرواية، فليس لهم
في هذا الكتاب، بل ولا في بقية الكتب إلا هذا الحديث. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَمُجَمِّعٍ، ابْنَيْ يَزِيدَ بْنِ جَارِيَةَ) -بالجيم - أي ابن عامر بن العطّاف
(الْأَنْصَارِيِّ) الأوسيّ، من بنيّ عمرو بن عوف. قال الحافظ: وليس لمجمّع بن يزيد في
البخاريّ، سوى هذا الحديث، وقد قرنه فيه بأخيه عبد الرحمن بن يزيد. وقال أيضًا في
أخيه: وماله في البخاريّ أيضًا سوى هذا الحديث.
وقد وافق مالكًا على إسناد هذا الحديث سفيان بن عيينة، عن عبد الرحمن بن
القاسم، وإن اختلف الرواة عنهما في وصل هذا الحديث عن خنساء، وفي إرساله حيث
قال بعضهم عن عبد الرحمن، ومجمّع أن خنساء زُوّجت. وكذا اختلفوا عنهما في نسب
(١) (تهذيب التهذيب)) ٤/ ٦٧١ .
(٢) ((فتح)) ٢٤٥/١٠.
٢٢٣ =
٣٥- (النِّبُ يُزَوِّجُها أبوها، وَهِيَ كَارِهة) - حديث رقم ٣٢٦٩
عبد الرحمن، ومجمّع: فمنهم من أسقط يزيد. وقال ابني جارية، والصواب وصله،
وإثبات يزيد في نسبهما.
وقد أخرج طريق ابن عيينة البخاريّ في ((ترك الحيل)) بصورة الإرسال، وأخرجها
أحمد عنه كذلك، وأوردها الطبرانيّ من طريقه موصولةً. وأخرجه الدارقطنيّ في
((الموطّآت)) من طريق مُعلَّى بن منصور، عن مالك بصورة الإرسال أيضًا، والأكثر
وصلوه عنه، وخالفهما معًا سفيان الثوريّ في راوٍ من السند، فقال: ((عن عبد الرحمن
ابن القاسم، عن عبد الله بن يزيد بن وَدِيعة، عن خنساء)). أخرجه النسائيّ في
((الكبرى))(١)، والطبرانيّ من طريق ابن المبارك عنه. وهي رواية شاذّةٌ، لكن يبعُدُ أن
يكون لعبد الرحمن بن القاسم فيه شيخان. قال الحافظ: وعبد الله بن یزید بن ودیعة،
هذا لم أر من ترجم له، ولم يذكر البخاريّ، ولا ابن أبي حاتم، ولا ابن حبّان إلا
عبد الله بن وديعة بن خدام الذي روى عن سلمان الفارسيّ في غسل الجمعة، وعنه
المقبريّ، وهو تابعيّ، غير مشهور، إلا في هذا الحديث، ووثّقه الدارقطنيّ، وابن
حبّان، وقد ذكره ابن منده في ((الصحابة))، وخطّه أبو نُعيم في ذلك، وأظنّ شيخ
عبد الرحمن بن القاسم ابن أخيه، وعبد الله بن يزيد بن وديعة هذا ممن أغفله المزيّ،
ومن تبعه، فلم يذكروه في رجال الكتب الستّة. انتهى كلام الحافظ رحمه اللَّه تعالى(٢).
(عَنْ خَتْسَاءَ بِنْتِ خِذَام) تقدّم الاختلاف في ضبط اسم أبيها قريبًا. قال في ((الفتح)):
قيل: اسم أبي والدها ودّيعة، قال الحافظ: والصحيح أن اسم أبيه خالد، ووديعة اسم
جدّه فيما أحسب. وقع ذلك في رواية لأحمد من طريق محمد بن إسحاق، عن
الحجّاج بن السائب مرسلًا في هذه القصّة، ولكن قال في تسميتها: خُنَاس -بتخفيف
النون، وزن فُلان. ووقع في رواية الدارقطنيّ، والطبرانيّ، وابن السكن خنساء،
ووصل الحديث عنها، فقال: ((عن حجّاج بن السائب بن أبي لبابة، عن أبيه عن جدّته
خنساء)». وخُنَاس مشتقّ من خنساء، كما يقال في زينب: زُنَاب. وكنية خدام والد
خنساء أبو وديعة، كناه أبو نُعيم. وقد وقع عند عبد الرزاق من حديث ابن عبّاس: ((أن
خدامًا أبا وديعة أنكح ابنته رجلًا ... )) الحديث. ووقع عند المستغفريّ من طريق ربيعة
بن عبد الرحمن بن يزيد بن جارية أن وديعة بن خدام زوّج ابنته، وهو وهمّ في اسمه،
ولعله كان: أن خدامًا أبا وديعة، فانقلب.
قال الحافظ: وقد ذكرت في ((كتاب الصحابة)) ما يدلّ على أن لوديعة بن خدام أيضًا
(١) ٢٨٢/٣-٢٨٣. رقم ٥٣٨٣.
، (٢) ((فتح)) ٢٤٥/١٠.
٢٢٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ النّكَاحِ
صحبةً، وله قصّة مع عمر في ميراث سالم مولى أبي حُذيفة، ذكرها البخاريّ في
(تاريخه)). وقد أطلت في هذا الموضع، لكن جرّ الكلام بعضه بعضًا، ولا يخلو من
فائدة انتهى.
(أَنَّ أَبَاهَا زَوَّجَهَا، وَهِيَ ثَيِّبٌ، فَكَرِهَتْ ذَلِكَ) ووقع في رواية الثوريّ المذكورة:
((قالت: أنكحني أبي، وأنا كارهة، وأنا بكر))، والأول أرجح، فقد ذكر الحديث
الإسماعيليّ من طريق شعبة، عن يحيى بن سعيد، عن القاسم، فقال في روايته: ((وأنا
أريد أن أتزوّج عمّ ولدي))، وكذا أخرج عبد الرزاق، عن معمر، عن سعيد بن
عبد الرحمن الجحشيّ، عن أبي بكر بن محمد ((أن رجلًا من الأنصار تزوّج خنساء بنت
خدام، فقُتل عنها يوم أحد، فأنكحها أبوها رجلًا، فأتت النبيّ وَّل، فقالت: إن أبي
أنكحني، وإن عمّ ولدي أحبّ إليّ)).
فهذا يدلّ على أنها كانت ولدت من زوجها الأول. قال الحافظ: واستفدنا من هذه
الرواية نسبة زوجها الأول، واسمه أنيس بن قتادة، سماه الواقديّ في روايته من وجه
آخر عن خنساء. ووقع في ((المبهمات)) للقطب القسطلانيّ أن اسمه أسير، وأنه استُشهد
ببدر، ولم یذکر له مستندًا.
قال: وأما الثاني الذي كرهته، فلم أقف على اسمه إلا أن الواقديّ ذكر بإسناد له أنه
من بني مُزَينة. ووقع في رواية ابن إسحاق، عن الحجّاج بن السائب بن أبي لبابة، عن
أبيه، عنها أنه من بني عمرو بن عوف. وروى عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن عطاء
الخراسانيّ، عن ابن عبّاس: ((أنّ خدامًا أبا وديعة أنكح ابنته رجلًا، فقال له النبيّ وَلّ:
لا تكرهوهنّ، فنكحت بعد ذلك أبا لبابة، وكانت ثيًّا)). وروى الطبرانيّ بإسناد آخر عن
ابن عبّاس، فذكر نحو القصّة، قال فيه: ((فنزعها من زوجها، وكانت ثيًّا، فنكحت بعده
أبا لبابة)). وروى عبد الرزاق أيضًا عن الثوريّ، عن أبي الحويرث، عن نافع بن جبير،
قال: ((تأيمت خنساء، فزوّجها أبوها ... )) الحديث، نحوه، وفيه ((فردّ نكاحه، ونكحت
أبا لبابة)) .
قال الحافظ: وهذه أسانيد يَقْوَى بعضها ببعض، وكلّها دالّةٌ على أنها كانت ثيًّا.
نعم أخرج النسائيّ(١) من طريق الأوزاعيّ، عن عطاء، عن جابر: ((أن رجلًا زوّج
ابنته، وهي بكر من غير أمرها، فأتت النبيّ وََّ، ففرّق بينهما)). وهذا سندٌ ظاهره
الصحة، ولكن له علّة، أخرجه النسائيّ من وجه آخر عن الأوزاعيّ، فأدخل بينه وبين
(١) أي في ((السنن الكبرى)) ٢٨٣/٣ برقم ٥٣٨٤ .
-
-
٢٢٥ =
٣٥- (النیبُ يُزوجها أبوها، وهي كارهة) - حديث رقم ٣٢٦٩
عطاء إبراهيم بن مرّة، وفيه مقال، وأرسله، فلم يذكر في إسناده جابرًا.
وأخرج النسائيّ أيضًا(١)، وابن ماجه من طريق جرير بن حازم، عن أيوب، عن
عكرمة، عن ابن عباس: ((أن جارية بكرًا أتت النبيّ وَّر، فذكرت أن أباها زوّجها، وهي
كارهةٌ، فخيّرها)). ورجاله ثقات، لكن قال أبو حاتم، وأبو زرعة: إنه خطأ، وإن
الصواب إرساله. وقد أخرجه الطبرانيّ، والدارقطنيّ من وجه آخر عن يحيى بن أبي
كثير، عن عكرمة، عن ابن عبّاس، بلفظ: ((أن رسول اللّه ◌َالچو رد نكاح بكر، وثیّب،
أنكحهما أبوهما، وهما كارهتان)). قال الدار قطنيّ: تفرّد به عبد الملك الذماريّ، وفيه
ضعف، والصواب: عن يحيى بن أبي كثير، عن المهاجر، عن عكرمة مرسل (٢).
وقال الحافظ أبو الحسن ابن القطّان الفاسيّ في ((بيان الوهم والإيهام))- بعد أن صحح
رواية أن خنساء كانت ثيّا -: ما نصه: فأما قصّة الجارية البكر التي زوّجها أبوها، وهي
كارهة، فأخرى(٣)، تظاهرت بها الروايات، من حديث ابن عمر، وجابر، وابن عبّاس،
ـه .
وعائشة
ذكر منها أبو داود حديث ابن عباس، وهو صحيح، ولا يضرّه أن يُرسله بعض
رواته، إذا أسنده من هو ثقة. وليس لخنساء عنده ذكرٌ إلا بما تقدّم من أنها ثيّبٌ، ولا
تَعدم في حديث ابن عباس هذا من تُرجّح روايته مرسلًا على رواية من رواه مُسندًا،
كذلك فعل أبو داود، والدارقطنيّ عن طريقة لهما قد عُلمت، والصواب غيرها.
وقد يُظنّ أن جرير بن حازم منفردٌ عن أيوب بوصله بزيادة ابن عباس فيه، وليس كذلك،
بل قد رواه عن أيوب كذلك زيد بن حِبَّان، ورواه أيضًا عن الثوريّ، عن أيوب بذلك.
ولن تَعدم أيضًا من يظنّ به اضطرابًا في متنه، فإن لفظ الموصول: أن جارية بكرًا،
ذكرت أن أباها زوّجها، وهي كارهةٌ، فخيّرها رسول اللّه وَله. وفي لفظ المرسل عن
عكرمة: ((فرد نكاحها))، وروي: ((ففرّق بينهما)).
وهذا مُجتمِعٌ، غيرُ متناقض، وإنما المعنى: فلم يُلزمها ذلك، فإنه إذا خيّرها، فقد
رة الإلزام، وتركها لما ترى.
قال: والمتقرّر أن هناك قصّتين: قصّة خنساء، وهي كانت ثيًّا، وقصّة هذه الجارية،
وهي كانت بكرًا انتهى كلام ابن القطّان رحمه اللّه تعالى (٤).
(١) ((أي في ((الكبرى)) ٢٨٤/٣ رقم ٥٣٨٧.
(٢) ((فتح)) ٢٦٤/١٠.
(٣) يعني أنها قصّة أخرى، غير قصّة الخنساء.
(٤) (بيان الوهم والإيهام ٢٤٩/٢ -٢٥٠ رقم الحديث ٠٢٤٥
٢٢٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ النّكاح
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: قصّة البكر ستأتي عند المصنّف في الباب التالي إن
شاء الله تعالى.
وقال البيهقيّ: إن ثبت الحديث في البكر حُمل على أنها زُوّجت بغير كفء. والله
أعلم.
قال الحافظ: وهذا الجواب هو المعتمد، فإنها واقعة عين، فلا يثبت الحكم فيها
تعميمًا، وأما الطعن في الحديث، فلا معنى له، فإن طرقه يقوي بعضها بعضًا.
ولقصّة خنساء بنت خدام طريقٌ أخرى، أخرجها الدارقطنيّ، والطبرانيّ، من طريق
هُشيم، عن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة: ((أن خنساء بنت خدام زوّجها
أبوها، وهي كارهةٌ، فأتت النبيّ وَّر، فردّ نكاحها))، ولم يقل فيه: بكرًا، ولا ثيًّا. قال
الدارقطنيّ: رواه أبو عوانة، عن عمر مرسلًا، لم يذكر أبا هريرة. انتهى(١).
(فَأَتَثْ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ، فَرَدَّ نِكَاحَهُ) أي أبطله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث خنساء بنت خدام رضي اللّه تعالى عنها هذا أخرجه البخاريّ.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٣٢٦٩/٣٥ - وفي «الكبرى»٥٣٨٠/٣١ و٥٣٨٢/٣٢ و٥٣٨٣ .
وأخرجه (خ) في ((النكاح)»٥١٣٩ و((الإكراه»٦٩٤٥ و ((الحيل))٦٩٦٩ (د) في
(النكاح)) ٢١٠١ (ق) في ((النكاح))١٨٧٣ (الموطأ) في ((النكاح))١١٣٥ (الدارمي) في
((النكاح)»٢١٩١ و٢١٩٢. والله تعالى أعلم.
ودلالة الحديث على ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، واضحة، حيث إنها
تدلّ على أن تزويج الأب ابنته الثيب، وهي كارهة مردود، وبقيّة فوائد الحديث تقدّمت
في الأبواب الماضية. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
إنیب)).
(١) (فتح)) ٢٤٥/١٠-٢٤٦.
٢٢٧
٣٦- (الْبِكْرُ يُزَوِّجُهَا أَبُوُهَا، وَهِيَّ كَارِهَةٌ) - حديث رقم ٣٢٧٠
٣٦- (الْبِكْرُ يُزَوَّجُهَا أَبُوهَا، وَهِيَ
كَارِهَةٌ)
٣٢٧٠- (أَخْبَرَنَا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ غُرَابٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا كَهْمَسُ بْنُ
الْحَسَنِ، عَنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيِدَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ فَتَةٌ دَخَلَتَ عَلَيْهَا، فَقَالَتْ: إِنَّ أَبِي
زَوَّجَنِي ابْنَ أَخِيهِ؛ لِيَرْفَعَ بِي خَسِيسَتَهُ، وَأَنَا كَارِهَةٌ، قَالَتِ: اجْلِسِي حَتَّى يَأْتِيَ النِّيّ ◌َِّ،
فَجَاءَ رَسُولُ اللّهِ وَِّ، فَأَخْبَرَتْهُ، فَأَرْسَلَ إِلَى أَبِيْهَا، فَدَعَاهُ، فَجَعَلَ الْأَمْرَ إِلَيْهَا، فَقَالَتْ: يَا
رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ أَجَزْتُ مَا صَنَعَ أَبِي، وَلَّكِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَعْلَمَ أَلِلِّسَاءِ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٍ؟).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١- (زياد بن أيوب) أبو هاشم البغداديّ الطوسيّ الأصل، الملقّب ((دَلّويه))، وكان
يغضب منها، ولقّبه أحمد شعبة الصغير، ثقة حافظ [١٠] ١٠١/ ١٣٢.
٢- (عليّ بن غُراب) -باسم الطائر - الفزاريّ مولاهم، أبو الحسن، ويقال: أبو
الوليد الكوفيّ القاضي، صدوق، وكان يدلّس، ويتشيّع، وأفرط ابن حبّان في تضعيفه
[٨] .
قال أبو حاتم: كان مروان بن معاوية قَلَبَ اسمه، فقال: عليّ بن عبد العزيز. وزعم
الفلكيّ أن غُرابًا لقبٌ، وأن اسمه عبد العزيز. قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سألت
أبي عنه؟ فقال: ليس لي به خبرة، سمعت منه مجلسًا واحدًا كان يُدلّس، ما أُراه كان إلا
صدوقًا. وقال المرّوذيّ عن أحمد: كان حديثه حديث أهل الصدق. وقال مُهنّا عن
أحمد: كوفيّ ليس له حلاوة. وقال عثمان الدارميّ، عن ابن معين: هو المسكين
صدوق. وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: لم يكن به بأس، ولكنّه كان يتشيّع. وقال
مرّة عنه: ثقة. وقال ابن نُمير: يعرفونه بالسماع، وله أحاديث منكرة. وقال ابن أبي
حاتم عن أبيه: لا بأس به. وقال أبو زرعة: حدثنا إبراهيم بن موسى عنه. وقال ابن
معين: صدوق. قال: وقلت لأبي زرعة: عليّ بن غُراب أحب إليك، أو علي بن
عاصم؟ فقال: عليّ بن غُراب هو صدوقٌ عندي، وأحبّ إليّ من عليّ بن عاصم. وقال
الآجريّ عن أبي داود: ضعيف، ترك الناس حديثه. قال: وقال عيسى ابن يونس: كنّا
نُسمّيه الْمُسوّديّ. قال أبو داود: وهو ضعيف، وأنا لا أكتب حديثه. وقال النسائيّ:
ليس به بأس، وكان يدلّس. وقال الجوزجانيّ: ساقطً. قال الخطيب: أظنّه طعن عليه
٢٢٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ النِّكَاحِ
لأجل مذهبه، فإنه كان يتشيّع، قال: وأما روايته، فقد وصفوه بالصدق. وقال
الدار قطنيّ: يُعتَبر به. وقال ابن حبّان: حدّث بالأشياء الموضوعة، فبطل الاحتجاج به،
وكان غاليًا في التشيّع. وقال ابن عديّ: له غرائب وأفراد، وهو ممن يُكتب حديثه.
وقال ابن سعد: كان صدوقًا، وفيه ضعف، وصحب يعقوب بن داود -يعني وزير
المهدي- فتركه الناس. وقال الحسين بن إدريس: سألت محمد بن عبد الله بن عمّار
عن عليّ بن غُراب؟ فقال: كان صاحب حديث، بصيرًا به، قلت: أليس هو ضعيفًا؟
قال: إنه كان يتشيّع، ولست أنا بتارك الرواية عن رجل صاحب حديث بعد أن لا يكون
كذّابًا، للتشيّع، أو القدر، ولست براوٍ عن رجل لا يُبصر الحديث، ولا يعقله، ولو كان
أفضل من فَتْح -يعني الْمَوْصِليّ -. وقال ابن قانع: کوفيّ شيعيّ ثقة. وقال ابن شاهين:
قال عثمان بنّ أبي شيبة: ثقة. ووقع في ((العلل)) للدار قطنيّ بعد أن ذكر جماعةً من جملتهم
عليّ بن غُراب، فوصفهم بأنهم ثقات حفّاظ. وقال الحضرميّ: مات عليّ بن غُراب،
مولى الوليد بن صخر بن الوليد الفزاريّ، أبو الحسن سنة (١٨٤) بالكوفة. وقال ابن
سعد مثله. روى له المصنّف، وابن ماجه، وله عند المصنّف ثلاثة أحاديث برقم ٣٢٧٠
و٥١٦١ و٥٥٣١ .
٣- (كهمس بن الحسن) أبو الحسن التميميّ البصريّ، ثقة [٥] ٦٨١/٣٩.
٤- (عبد الله بن بُريدة) بن الْحُصَيب، أبو سهل الأسلميّ المروزيّ القاضي، ثقة [٣]
٢٥/ ٣٩٣ .
٥- (عائشة) أم المؤمنين رضي اللّه تعالى عنهما٥/٥. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه اللّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح غير علي بن غراب، كما سبق آنفًا. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن
تابعيّ. (ومنها): أن فيه عائشة رضي اللّه تعالى عنها من المكثرين السبعة، روت
(٢٢١٠) أحاديث. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَائِشَةَ) رضي اللَّه تعالى عنها (أَنَّ فَتَاةً) لم تُسمّ (دَخَلَتْ عَلَيْهَا) أي على عائشة
رضي اللَّه تعالى عنها (فَقَالَتْ: إِنَّ أَبِي زَوَّجَنِي ابْنَ أَخِيهِ؛ لِيَرْفَعَ مِي) أي ليزيل بإنكاحي
إياه (خَسِيسَتَهُ) أي دناءته. تعني أنه خسيسٌ، فأراد أن يجعله بي عزيزًا. والخسيس
الدنيء، والخِسّة، والخَسَاسةُ الحالةُ يكون عليها الخسيس، يقال: رَفَعَ خسيسته، ومن
٣٦- (الْبَكْرُ يُزَوِّجُهَا أَبُوَهَا، وَهِيَ كَارِهَةٌ) - حديث رقم ٣٢٧٠
٢٢٩
خَسيسته: إذا فعل به فعلًا يكون فيه رِفْعَته. قاله ابن الأثير(١). وقال في ((اللسان)): قال
الأزهريّ: يقال: رفع اللَّه خسيسةً فلانٍ: إذا رفع حاله بعد انحطاطها انتهى(٢) (وَأَنَا
كَارِهَةٌ) جملة حاليّة من ضمير المتكلّم (قَالَتِ) عائشة لها (اجْلِسِي حَتَّى يَأْتِيَ النَّبِيُّ ◌َِّ،
فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ، فَأَخْبَرَتْهُ) أي ما صنع أبوها بها من تزويجها من ابن أخيه، وهي
كارهة (فَأَرْسَلَ) وَِّ (إِلَى أَبِيهَا، فَدَعَاهُ، فَجَعَلَ الْأَمْرَ إِلَيْهَا) أي لها الاختيار بين البقاء مع
زوجها، وبين تركها إياه (فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، قَدْ أَجَزْتُ مَا صَنَعَ أَبِي) أي من التزيج
لمن كرهته (وَلَكِنْ أَرَذْتُ أَنْ أَعْلَمَ أَلِلِنْسَاءِ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٍ؟) الهمزة للاستفهام، و((للنساء))
جار ومجرور خبر مقدّم، لـ ((شيء))، و((من الأمر)) حال منه، وكان في الأصل صفة له،
لكن لما قُدّم أُعرب حالًا؛ لأن القاعدة أن نعت النكرة إذا قدّم عليها يعرب حالًا.
وتعني بذلك أن مرادها في مرافعة أبيها إلى النبيّ وَّ ليس إبطال النكاح، وإنما فعلت
ذلك لتَعلم، وتتبيّن هل النساء لهنّ حقّ في أمر نكاحهنّ، بحيث لا يحلّ تزويجهنّ إلا
برضاهنّ، أو ليس لهنّ من الأمر شيء، وإنما هو للأولياء فقط، يزوّجوهنّ كيف شاءوا،
فبيّن النبيّ وَل ◌ّ أن الأمر لهنّ، لا للأولياء، فلا يحلّ لهم أن يزوّجوهنّ إلا برضاهنّ.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عائشة رضي اللّه تعالى عنها هذا صحيح، وقد أشار المصنّف رحمه الله
تعالى في ((الكبرى)) إلى تقويته، حيث قال: ((قال أبو عبد الرحمن: هذا الحديث
(٣)
یوثقونه)» انتھی(٣).
[فإن قلت]: كيف يكون صحيحًا، وفيه انقطاع؛ لأن عبد الله بن بُريدة لم يسمع من
عائشة رضي اللّه تعالى عنها، كما قال الدارقطنيّ؟.
[قلت]: إنما صحّ لأمور:
(أحدها): أنه متّصل على طريقة الإمام مسلم رحمه الله تعالى، وهي أن المعاصرة
تكفي في الاتصال، حيث إن عبد الله بن بُريدة عاصر عائشة رضي اللّه تعالى عنها مدّة
طويلة، فإنه وُلد سنة (١٥) من الهجرة، وماتت هي سنة (٥٧) وقيل: بعدها.
(١) ((النهاية)) ٣١/٢.
(٢) ((لسان العرب)) في مادة ((خسس)).
(٣) ((السنن الكبرى)) ٢٨٤/٣.
٢٣٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ النَّكَاحِ
(الثاني): أن له شواهد:
(فمنها): حديث أبي هريرة رضي الآتي بعد هذا، وهو حديث حسنٌ، كما سيأتي،
وهو الذي يظهر من صنيع المصنف رحمه الله تعالى، حيث أورده بعده تقوية له. والله
تعالى أعلم.
(ومنها): حديث ابن عبّاس رضي اللَّه تعالى عنهما: ((أن جارية بكرًا، أنكحها أبوها،
وهي كارهة، فخيّرها رسول اللَّه وَ ل(9))، وفي رواية: ((ففرّق النبيّ ◌َّ بينهما)). رواه
أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، والدارقطنيّ.
وقد صححه الحافظ أبو الحسن ابن القطّان، وغاية ما عُلّل به الإرسال، قال
البيهقيّ: أخطأ فيه جرير بن حازم على أيوب السختيانيّ، والمحفوظ عن أيّوب، عن
عكرمة، عن النبيّ وَلّ مرسلًا. وقد رواه أبو داود عن محمد بن عُبيد، عن حماد بن
زید، عن أيوب، عن عكرمة مرسلًا. وقد رواه ابن ماجه أيضًا من حديث زيد بن حبّان،
عن أيوب موصولًا، وزيد مختلف في توثيقه، قال أبو حاتم في ((علله)): سألت أبي عن
حديث حسين، فقال: هو خطأ إنما هو كما رواه الثقات حماد بن زيد، وابن عليّة، عن
أيوب، عن عكرمة، عن النبيّ وَلّ مرسلًا، وهو الصحيح، فقلت له: الوهم ممن؟
فقال: ينبغي أن يكون من حسين، فإنه لم يروه عن جرير بن حازم غيره. قال في
((التنقیح): قال الخطيب البغداديّ: قد رواه سلیمان بن حرب، عن جرير بن حازم أيضًا
کما رواه حسین، فبرأت عهدته، ثم رواه بإسناده، قال: ورواه أيوب بن سُوید هكذا عن
الثوريّ، عن أيوب موصولًا، وكذلك رواه معمر بن سليمان، عن زيد بن حِبّان، عن
أيوب انتهى.
وقال أبو الحسن ابن القطّان في كتابه ((بيان الوهم والإيهام)): حديث ابن عباس
صحيح، ولا يضرّه أن يُرسله بعض رواته، إذا أسنده من هو ثقة انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: تبيّن بهذا أن حديث ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما
صحيح، فإن غاية إعلاله هو تفرّد جرير بن حازم، عن أيوب بوصله، وتفرّد حسين بن
محمد، عن جرير، به.
وقد تبيّن أن جريرًا، لم ينفرد به، فقد رواه أيوب بن سُويد، عن الثوريّ عن أيوب
موصولًا، وكذلك رواه معمر بن سليمان الرقّيّ، عن زيد بن حِبّان، عن أيوب
موصولًاً(١) أيضًا. وبأن حسينًا لم ينفرد به عن جرير، فقد رواه سليمان بن حرب، عن
(١) رواه المصنف في ((الكبرى)) رقم ٥٣٩٠.
٣٦- (الْبَكْرُ يُزَوْجُهَا أَبُوُهَا، وَهِيَ كَارِمَةً) - حديث رقم ٣٢٧٠
٢٣١
جرير بن حازم بوصله(١).
والحاصل أن حديث ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما صحيح موصولًا، فيؤيّد
حديث عائشة رضي اللّه تعالى عنها المذكور في الباب.
[ومنها): ما أخرجه أحمد، والدارقطنيّ، من حديث ابن عمر رضي اللَّه تعالى
عنهما بإسناد رجاله ثقات، ولفظ أحمد من طريق عمر بن حسين بن عبد الله، مولى آل
حاطب، عن نافع، مولى عبد الله بن عمر، عن عبد الله بن عمر، قال: توفي عثمان بن
مظعون، وترك ابنة له من خويلة بنت حكيم بن أمية بن حارثة بن الأوقص، قال:
وأوصى إلى أخيه، قُدامة بن مظعون، قال: عبد اللَّه: وهما خالاي، قال: فمضيت إلى
قدامة بن مظعون، أخطب ابنة عثمان بن مظعون، فزوجنيها، ودخل المغيرة بن شعبة -
يعني إلى أمها- فأرغبها في المال، فحطت إليه، وحطت الجارية إلى هوى أمها، فأبيا،
حتى ارتفع أمرهما إلى رسول اللَّه وَله، فقال قدامة بن مظعون: يا رسول الله، ابنة أخي
أوصى بها إلي، فزوجتها ابن عمتها، عبد الله بن عمر، فلم أَقَصِّر بها في الصلاح، ولا
في الكفاءة، ولكنها امرأة، وإنما حطت إلى هوى أمها، قال: فقال رسول اللّه وَلّ:
((هي يتيمة، ولا تُنكّح إلا بإذنها))، قال: فانتُزِعَت - واللَّه- مني بعد أن ملكتها،
فزوجوها المغيرة بن شعبة.
والحاصل أن حديث عائشة رضي اللّه تعالى عنها صحيح بهذه الشواهد. والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثانية): حديث عائشة رضي اللَّه تعالى عنها هذا تفرّد به المصنّف رحمه
الله تعالى، أخرجه هنا-٣٢٧٠/٣٦ - وفي ((الكبرى)) ٥٣٩٠/٣٣. وأخرجه (أحمد)
في ((باقي مسند الأنصار)) ٢٤٥٢٣ . والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): دلّ حديث الباب على أن البكر البالغة إذا زُوّجت بغير إذنها لم
يصح العقد عليها، وإليه ذهب الأوزاعيّ، والثوريّ، والحنفيّة، وحكاه الترمذيّ عن
أكثر أهل العلم. وخالف في ذلك مالك، والشافعيّ، والليث، وابن أبي ليلى، وأحمد،
وإسحاق، فقالوا: يجوز للأب أن يزوّجها بغير استئذان، ويردّ عليهم ما تقدم من
الأحاديث(٢).
والحاصل أن المذهب الأول هو الحقّ؛ لوضوح أدلّته. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
(١) انظر (التعليق المغني على سنن الدارقطنيّ)) ٢٣٥/٣.
(٢) راجع ((نيل الأوطار)) ١٣٠/٦-١٣١.
٢٣٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ النَّكَاحِ
٣٢٧١ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَخْتِى، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرو،
قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ: ((تُسْتَأْمَرُ الْيَتِيمَةُ فِي
نَفْسِهَا، فَإِنْ سَكَتَتْ فَهُوَ إِذْتَهَا، وَإِنْ أَبَتْ فَلَا جَوَازَ عَلَيْهَا))).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم
تقدّموا غير مرّة.
و((عمرو بن عليّ)): هو الفلاس. و((يحيى)): هو ابن سعيد القطّان. و((محمد بن
عمرو)) هو: ابن علقمة بن وقّاص الليثيّ المدنيّ. و((أبو سلمة)): هو ابن عبد الرحمن بن
عوف الفقيه المدنيّ.
وقوله: وإن أبت فلا جواز عليها)) أي لا سبيل عليها، أو لا ولاية عليها، وهذا يدلّ
على أنه ليس على البكر ولاية الإجبار، فاليتيمة هنا بمعنى البكر فيما تقدّم.
والحديث صحيح، وقد تقدّم تمام شرحه، وبيان مسائله قبل بابين، فراجعه هناك
تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
إنیب)).
٣٧- (الرُّخْصَةُ فِ نِكَاحِ الْمُخرِمِ)
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: الظاهر أن المصنف رحمه اللّه تعالى لم يرد بالرخصة
هنا ما یقابل العزيمة، بمعنى أن نکاح المحرم کان ممنوعًا، ثم رُخْص فيه، بل أراد
مطلق الجواز، بدليل أنه ترجم بعده للنهي عنه، فكأنه أشار به إلى ترجيح النهي على
الإباحة، كما هو المذهب الراجح في المسألة، على ما سيأتي بيانه قريبًا، إن شاء الله
تعالى.
٣٢٧٢ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَوَاءٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ
قَتَادَةَ، وَيَعْلَى بْنُ حَكِيمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ لِهِ،
مَيْمُونَةَ بِنْتَ الْحَارِثِ، وَهُوَ مُخْرِمٌ، وَفِي حَدِيثٍ يَعْلَى بِسَرِفَ).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح.
و((محمد بن سواء)»: هو السدوسيّ العنبريّ، أبو الخطّاب البصريّ المكفوف،
صدوق رمي بالقدر [٩] ١٩٩٣/٧٨ .
٢٣٣
٣٧- (الرُّخْصَةُ فِی نِكَاح المُخرم) - حديث رقم ٣٢٧٢
و((سعيد)): هو ابن أبي عروبة.
و((يعلى بن حكيم)) الثقفيّ مولاهم المكيّ، نزيل البصرة، ثقة [٦].
قال أحمد، وابن معين، وأبو زرعة، والنسائيّ: ثقة. وقال أبو حاتم: لا بأس به.
وقال يعقوب بن سفيان: مستقيم الحديث. وقال ابن خراش: كان صدوقًا. وذكره ابن
حبّان في ((الثقات)). روى له الجماعة، سوى الترمذيّ، وله عند المصنّف في هذا
الكتاب خمسة أحاديث برقم ٣٢٧٢/٣٧ و٣٢٧٧/٣٨ وفي ((المزارعة» ٣٨٩٦/٤٥
و٣٨٩٧ و٣٨٩٨ .
والحديث صحيح الإسناد، إلا أنه تُكُلّم فيه، كما سيأتي بيان ذلك في المسألة
التالية، إن شاء الله تعالى، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في (( كتاب الحجّ)) - ٩٠/
٢٨٣٨- ولم يبق إلا البحث في مسألتين:
(المسألة الأولى): في أقوال أهل العلم في حديث ابن عبّاس رضي اللّه تعالى عنهما
هذا، حيث خالف أحاديث النهي عن نكاح المحرم:
قال الحافظ أبو عمر رحمه الله تعالى في ((كتاب الاستذكار)) - ٢٥٩/١١-٢٦٢ -: ما
حاصله: اختلفت الآثار المسندة في تزويج رسول اللَّه وَلتر ميمونة رضي اللَّه تعالى
عنها، واختلف في ذلك أهل السير، والعلم بالأخبار، فقد أتت الآثار بأن رسول الله
وَ الله تزوجها حلالاً متواترةً من طرق شتّى، عن أبي رافع، مولى النبيّ وَّ، وعن سليمان
ابن يسار، وهو مولاها، وعن يزيد بن الأصمّ، وهو ابن أختها، وهو قول سعيد بن
المسيّب، وسليمان بن يسار، وأبي بكر بن عبد الرحمن، وابن شهاب، وجمهور علماء
المدينة، يقولون: إن رسول اللّه وَل﴿ لم يَنكح ميمونة إلا وهو حلالٌ، وما أعلم أحدًا من
الصحابة روي عنه أنه وَّل نكح ميمونة، وهو محرم إلا ابن عباس(١)، وحديثه بذلك
صحيح ثابتٌ من نكاح ميمونة، إلا أن يكون متعارضًا مع رواية غيره، فيسقط الاحتجاج
بكلام الطائفتين، وتُطلب الحجة من غير قصّة ميمونة. وإذا كان كذلك، فإن عثمان بن
عفّان قد روى عن النبيّ وَّر أنه نهى عن نكاح المحرم، وقال: ((لا يَنكح المحرم، ولا
يُنكح)»، ولا معارض له؛ لأن حديث ابن عبّاس في نكاح ميمونة قد عارضه في ذلك
غيره.
ثم أخرج أبو عمر بسنده عن يزيد بن الأصمّ، قال: حدثتني ميمونة ابنة الحارث: ((أن
رسول اللَّه وَله تزوّجها، وهو حلالٌ))(٢). قال: يزيد: كانت خالتي، وحالة ابن عبّاس.
(١) سيأتي قريبًا الردّ على هذا بأنه ثبت عن عائشة، وأبي هريرة رضي اللَّه تعالى عنهما، فتنبه.
(٢) رواه مسلم في ((صحيحه)) رقم ١٤١١. في ((النكاح)).
٢٣٤
شرح سنن النسائي - کِتابُ النّكاح
وروى حمّاد بن سلمة، عن حبيب بن الشهيد، عن ميمون بن مهران، عن يزيد بن
الأصمّ، عن ميمونة، قالت: تزوّجني رسول اللَّه ◌َلتر بسرِف، وهما حلالان بعد ما
رجعا من مكّة. وذكر عبد الرزاق، قال: أخبرني معمر، عن الزهريّ، قال: أخبرني
يزيد بن الأصمّ: أن النبيّ وَل و تزوّج ميمونة حلالًا.
قال أبو عمر: قد نقل قومٌ حديث يزيد بن الأصمّ مرسلًا؛ لظاهر رواية الزهريّ،
وليس كما ظهر، إلا رواية الزهريّ، فحملت للتأويل، وجاز لمن أخبرته ميمونة أن النبيّ
وَ ل* تزوّجها حلالًا أن يُخبر بأن رسول اللّه وَلل تزوّج ميمونة حلالًا، يُحدّث به هكذا
وحده، يقول: حدّثتني ميمونة أن رسول اللَّه وَله تزوّجها حلالًا.
على أنهم يلزمهم مثله في حديث ابن عبّاس: ((أن رسول اللّه وَل تزوج ميمونة، وهو
محرم؛ لأنه ليس فيه أن ميمونة أخبرته، وموضع ابن عبّاس من ميمونة بموضع يزيد بن
الأصمّ سواء. انتهى كلام ابن عبد البرّ رحمه اللَّه تعالى(١).
وقال في ((الفتح)): قال الأثرم: قلت لأحمد: إن أبا ثور يقول: بأيّ شيء يُدفَع
حديث ابن عبّاس؟ -أي مع صحته- قال: فقال: الله المستعان، ابن المسيّب يقول:
وَهِمَ ابن عبّاس، وميمونة تقول: تزوجني وهو حلال انتهى.
وقد عارض حديث ابن عباس حديث عثمان: ((لا ينكح المحرم، ولا يُنكح)) أخرجه
مسلم.
ويُجمع بينه وبين حديث ابن عبّاس بحمل حديث ابن عبّاس على أنه من خصائص
النبيّ وَّه ـ
وقال ابن عبد البرّ: اختلفت الآثار في هذا الحكم، لكن الرواية أنه تزوّجها، وهو
حلالٌ، جاءت من طرق شتّى، وحديث ابن عبّاس صحيح الإسناد، لكن الوهم إلى
الواحد أقرب منه إلى الجماعة، فأقلّ أحوال الخبرين أن يتعارضا، فتطلب الحجة من
غيرهما، وحديث عثمان صحيح في منع نكاح المحرم، فهو المعتمد انتهى.
ومنهم من حمل حديث عثمان على الوطء. وتُعُقْب بأنه ثبت فيه: ((لا يَنكِح)) بفتح
أوله، و((لا يُنكَح)) بضم أوله، ((ولا يخطب)). ووقع في ((صحيح ابن حبّان)) زيادة: ((ولا
يُخطب عليه)). ويترجّح حديث عثمان بأنه تقعيد قاعدة، وحديث ابن عبّاس واقعة
عين، تحمل أنواعًا من الاحتمالات:
[فمنها]: أن ابن عبّاس كان يرى أن من قّد الهدي يصير محرمًا، كما تقدّم تقرير ذلك
(١) (الاستذكار)) ٢٥٩/١١-٢٦٢.
٢٣٥ =
٣٧- (الرُّخْصَةُ فِي نِكَاح المُخرم) - حديث رقم ٣٢٧٢
في ((الحجّ))، والنبيّ نَّه كان قلّد الهدي في عمرته تلك التي تزوّج فيها ميمونة، فيكون
إطلاقه أنه {4# تزوّجها، وهو محرمٌ، أي عقد عليها بعد أن قلّد الهدي، وإن لم یکن تلبّس
بالإحرام، وذلك أنه كان أرسل إليها أبا رافع يخطبها، فجعلت أمرها إلى العبّاس،
فزوّجها من النبيّ مَل.
وقد أخرج الترمذيّ، وابن خزيمة، وابن حبّان في ((صحيحيهما)) من طريق مطر
الوزاق، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن سليمان بن يسار، عن أبي رافع: ((أن النبيّ
وَلُّ تزوّج ميمونة، وهو حلالٌ، وبنى بها، وهو حلالٌ، وكنت أنا الرسول بينهما)). قال
الترمذيّ: لا نعلم أحدًا أسنده غير حمّاد بن زيد، عن مطر. ورواه مالك، عن ربيعة،
عن سليمان، مرسلًا.
[ومنها]: أن قول ابن عبّاس تزوّج ميمونة، وهو محرم، أي داخل الحرام، أو في
الشهر الحرام، قال الأعشى [من الرمل]:
قَثَلُوا كِسْرَى بِلَيْلِ مُخرِمًا غَادَرُوهُ لَمْ يُمَثَّغْ بِكَفَنْ
أي في الشهر الحرام. وقال آخر [من الكامل]:
قَتَلُوا ابْنَ عَفَّانَ الْخَلِيفَةَ مُخْرِمًا وَدَعَا فَلَمْ أَرَ مِثْلَهُ مَقْتُولًا
أي في البلد الحرام. وإلى هذا التأويل جنح ابن حبّان، فجزم به في «صحيحه)).
وعارض حديث ابن عباس أيضًا حديثُ يزيد بن الأصمّ: ((أن النبيّ ◌َِّ تزوّج
ميمونة، وهو حلالٌ)). أخرجه مسلم من طريق الزهريّ، قال: ((وكانت خالته، كما
كانت خالة ابن عباس)). وأخرج مسلم من وجه آخر عن يزيد بن الأصمّ، قال: ((حدّثتني
ميمونة أن رسول اللّه وَ ل﴿ل تزوّجها، وهو حلالٌ، قال: وكانت خالتي، وخالة ابن
عبّاس)).
وأما أثر ابن المسيّب الذي أشار إليه أحمد، فأخرجه أبو داود. وأخرج البيهقيّ من
طريق الأوزاعيّ، عن عطاء، عن ابن عبّاس ... الحديث، قال: وقال سعيد بن
المسيّب: ذَهِلَ ابنُ عباس، وإن كانت خالته، ما تزوّجها إلا بعد ما أحلّ.
قال الطبريّ: الصواب من القول عندنا أن نكاح المحرم فاسدٌ؛ لصحّة حديث عثمان
رَّه. وأما قصّة ميمونة، فتعارضت الأخبار فيها، ثم ساق من طريق أيوب، قال:
أَنبئت أن الاختلاف في زواج ميمونة إنما وقع لأن النبيّ وَّ كان بعث إلى العبّاس
ليُنكحها إياه، فأنكحه، فقال بعضهم: أنكحها قبل أن يُحرم النبيّ وَّرَ، وقال بعضهم:
بعد ما أحرم، وقد ثبت أن عمر، وعليًّا، وغيرهما من الصحابة فرّقوا بين محرم نكح،
وبين امرأته، ولا يكون هذا إلا عن ثبت. انتهى.
٢٣٦
شرح سنن النسائي - کِتَابُ النَّاحِ
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تلخّص مما تقدم أن حديث كونه ◌َالي تزوّج ميمونة
رضي اللّه تعالى عنها، وهما حلالان أرجح من حديث ابن عبّاس رضي الله تعالى
عنهما أنه وَلّ تزوّجها، وهما محرمان؛ لموافقته لحديث عثمان رَّه، مرفوعًا: ((لا
يَنكح المحرم، ولا يُنكح))، وأما حديث ابن عبّاس، فقابل للتأويلات المذكورة، فلا
يُعارض الأول. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[تنبيه]: قال الحافظ رحمه الله تعالى: حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قد
جاء مثله صحيحًا عن عائشة، وأبي هريرة رضي الله تعالى عنهما، فأما حديث عائشة،
فأخرجه النسائيّ من طريق أبي سلمة عنها، وأخرجه الطحاويّ، والبزار، من طريق
مسروق عنها، وصححه ابن حبّان، وأكثر ما أُعلّ بالإرسال، وليس ذلك بقادح فيه.
وقال النسائيّ(١): ((أخبرنا عمرو بن عليّ، أنبأنا أبو عاصم، عن عثمان بن الأسود، عن
ابن أبي مليكة، عن عائشة مثله))، قال عمرو بن عليّ: قلت لأبي عاصم: أنت أمليت
علينا من الرقعة ليس فيه عائشة، فقال: دع عائشة، حتى أنظر فيه، وهذا إسناد صحيح،
لولا هذه القصّة، لكن هو شاهد قويّ أيضًا.
وأما حديث أبي هريرة تنظيم فأخرجه الدارقطنيّ، وفي إسناده كاملٌ أبو العلاء، وفيه
ضعف، لكنه يَعتضد بحديثي ابن عباس وعائشة.
قال: وفيه ردّ على قول ابن عبد البرّ: إن ابن عبّاس تفرّد من بين الصحابة بأن النبيّ
الر تزوج، وهو محرم.
قال: وجاء عن الشعبيّ، ومجاهد مرسلًا مثله، أخرجهما ابن أبي شيبة.
وأخرج الطحاويّ من طريق عبد الله بن محمد بن أبي بكر، قال: سألت أنسًا عن
نكاح المحرم؟ فقال: لا بأس به، وهل هو إلا كالبيع، وإسناده قويّ. لكنه في مقابلة
النصّ، فلا عبرة به، وكأن أنسّا لم يبلغه حديث عثمان رَزالي. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: في ردّ الحافظ على ابن عبد البرّ نظر لا يخفى؛ إذ
مراده ما صحّ في ذلك، وحديث عائشة، وأبي هريرة ضعيفان، كما يظهر مما ذُكر آنفًا،
فكيف يُردّ عليه بالضعيف؟. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[المسألة الثانية]: في اختلاف أهل العلم في حكم تزويج المحرم:
قال الحافظ أبو عمر رحمه الله تعالى: اختلف الفقهاء في نكاح المحرم: فقال
مالكٌ، والشافعيّ، وأصحابهما، والليث، والأوزاعيّ: لا يَنكح المحرم، ولا يُنكح،
(١) أي في ((الكبرى)) ٢٨٩/٣.
(٢) ((فتح)) ١٠/ ٢٠٧-٢٠٨.
٢٣٧
٣٧- (الرُّخصَةُ فِی نِکاح المُخرم) - حدیث رقم ٣٢٧٢
فإن فعل فالنكاح باطلٌ. وهو قول عمر بن الخطّاب، وعليّ بن أبي طالب، وعبد الله بن
عمر، وزيد بن ثابت، وسعيد بن المسيّب، وسالم بن عبد الله، وسُليمان بن يسار. وبه
قال أحمد بن حنبل. قال أحمد: ذهب فیه إلى حديث عثمان، وقال: رُوي عن عمر،
وعليّ، وزيد بن ثابت أنهم فرّقوا بينهما.
وقال أبو حنيفة، وأصحابه، وسفيان الثوريّ: لا بأس بأن ينكح المحرم، وأن
يُنكح. وهو قول القاسم بن محمد، وإبراهيم النخعيّ. ذكر عبد الرزّاق، قال: أخبرنا
محمد بن مسلم الطائفيّ، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه أنه لم ير بنكاح المحرم
بأسًا. قال: وأخبرني الثوريّ، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال: يتزوّج المحرم إن شاء،
لا بأس به. قال عبد الرزاق: وقال الثوريّ: لا يُلتفت إلى أهل المدينة، حجة الكوفيين
في جواز نكاح المحرم حديث ابن عبّاس أن رسول اللّه وَ لّ نكح ميمونة، وهو محرم.
رواه جماعة من أصحابه، منهم عطاء بن أبي رباح، ومجاهد بن جبر، وجابر بن زيد، أبو
الشعثاء، وعكرمة، وسعيد بن جبير. وروى ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، قال:
حديث ابن شهاب، عن جابر بن زيد، عن ابن عبّاس أن رسول اللّه وَل نكح ميمونة،
وهو محرم. فقال ابن شهاب: حدثني يزيد بن الأصمّ أن رسول اللّه وَل تزوّج
ميمونة ... ))، قال عمرو: فقلت لابن شهاب: أتجعل حفظ ابن عباس كحفظ أعرابيّ
يبول على فخذيه؟(١).
قال أبو عمر: قد ذكرنا حجة الحجازيين القائلين بأن نكاح المحرم لا يجوز؛ لحديث
عثمان رَّ عن النبيّ وَّ أنه نهى عن نكاح المحرم، وأن عمر بن الخطّاب فرّق بين من
نكح وبين امرأته، والفُرقة لا تكون في هذا إلا عن بصيرة مستحكمة، وذكرنا جماعة
الأئمة القائلين من أهل المدينة، وليس مع العراقیین في هذا حجة إلا حديث ابن عباس
في قصّة، قد خالفه فيها غيره بما تقدّم ذكره.
قال: واختلف أهل السير في تزويج رسول اللّه وَلّر، فذكر موسى بن عقبة، عن ابن
شهاب أنه تزوّجها حلالًا. وقال أبو عبيدة معمر بن المثنّى: تزوّجها، وهو محرمٌ،
(١) قال البيهقي في ((معرفة السنن والآثار)) -٣٦/٤ -: هذا الذي ذكره عمرو بن دينار لا يوجب طعنًا
في روايته، ولو كان مطعونًا في الرواية لما احتجّ به ابن شهاب الزهريّ، وإنما قصد عمرو بن
دينار بما قال ترجيح رواية ابن عباس على رواية يزيد بن الأصمّ، والترجيح يقع بما قال عمرو،
ولو كان يزيد يقوله مرسلاً كما كان ابن عباس يقوله مرسلاً، إذ لم يشهد عمرو القصّة، كما لم
يشهدها يزيد بن الأصمّ، إلا أن يزيد إنما رواه عن ميمونة، وهي صاحبة الأمر، وهي أعلم بأمرها
من غيرها انتهى.
٢٣٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ النِّكَاحِ
والأول أصح -إن شاء الله- والحجة في ذلك حديث عثمان رټ﴾ . والحمد لله انتهى
كلام ابن عبد البرّ رحمه الله تعالى ببعض اختصار(١).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذا الذي رجحه الحافظ أبو عمر رحمه اللّه تعالى
من كون النبيّ وَل﴿ تزوّج ميمونة رضي اللَّه تعالى عنها وهو حلالٌ هو الحقّ؛ لقوة دليله،
كما تقدّم.
والحاصل أن الأرجح القول بتحريم نكاح المحرم، فتبصّر. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٢٧٣- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي
الشَّعْنَاءِ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ، أَخْبَرَهُ أَنَّ النَّبِيِّ ◌ِ تَزَوَّجَ مَيْمُونَةً، وَهُوَ مُخْرِمٌ).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((محمد بن منصور)): هو الجوّاز المكيّ الثقة.
و((سفيان)): هو ابن عيينة. و((عمرو ((: هو ابن دينار. و((أبو الشعثاء)): هو جابر بن زيد
البصريّ الثقة الفقيه.
والحديث صحيح الإسناد، كما سبق بيانه في الحديث الذي قبله. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٢٧٤- (أَخْبَرَنَا عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَتِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَجَّاجِ، قَالَ: حَدَّثَنَا
وُهَيْبٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيِّ بَّهِ، نَكَحَ مَيْمُونَةً، وَهُوَ
مُخْرِمٌ، جَعَلَتْ أَمْرَهَا إِلَى الْعَبَّاسِ، فَأَنْكَّحَهَا إِيَّاهُ).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((عثمان بن عبد الله)): هو أبو عمرو البصريّ، نزيل
أنطاكية، ثقة، من صغار [١١] ١٥٥/١١٢. من أفراد المصنّف.
و((إبراهيم بن الحجاج)) بن زيد الساميّ - بالمهملة- الناجيّ، أبو إسحاق البصريّ،
ثقة تِهِم قليلًا [١٠].
قال الدار قطنيّ في ((الجرح والتعديل)): ثقة. وقال ابن قانع: صالح. وذكره ابن حبان
في الثقات، وقال: مات سنة (٢٣١) أو سنة (٢) وقال موسى بن هارون: مات سنة
(٢٣٣). وهو من أفراد المصنّف، وله عنده في هذا الكتاب أربعة أحاديث برقم -٣٧/
٣٢٧٤ و٤٣ /٥١٧٧ و٤٠/ ٥٦٥٤ و ٥٦٧٩/٤٨ .
و((وهيب)): هو ابن خالد البصريّ الحافظ. والحديث صحيح الإسناد، كما سبق بيانه
قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
(١) ((الاستذكار» ٢٦٢/١١-٢٦٥.
٣٨- (النَّهْيُ عَنْ نِكَاحِ الْمُخرِم) - حديث رقم ٣٢٧٦
٢٣٩
٣٢٧٥- (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ -وَهُوَ ابْنُ مُوسَى - عَنِ ابْنِ
جُرَيْج، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بِهِ، تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ، وَهُوَ مُخْرِمٌ).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((أحمد بن نصر)): هو أبو عبد الله بن أبي جعفر
النيسابوريّ الزاهد المقرىء الفقيه الحافظ الثقة [١١] ١٧٨٢/٦٠. من أفراد المصنّف،
والترمذيّ. و((عبيدالله بن موسى)): هو ابن أبي المختار باذام، أبو محمد العبسيّ
الكوفيّ الثقة، وكان يتشيّع [٩] ١٣٢٦/٧٢. والحديث صحيح الإسناد، وقد سبق البحث
عنه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه إنيب)).
*
٣٨- (التَّهْيُ عَنْ نِكَاحِ الْمُخرِمِ)
٣٢٧٦- (أَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْنٌّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ ...
وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ،
عَنْ نَافِعٍ، عَنْ نُبَيْهِ بْنِ وَهْبٍ، أَنَّ أَبَانَ بْنَ عُثْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ، رَضِي
اللَّه عَنْهَ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بِّهِ: ((لَا يَنْكِحُ الْمُخْرِمُ، وَلَا يُنْكِحُ، وَلَا يَخْطُبُ))).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير شيخه
الحارث، فتفرد به هو وأبو داود، و((هارون بن عبد الله)): هو أبو موسى الحمّال البغداديّ
الحافظ. و(معن)): هو ابن عيسى القزاز المدنيّ الثبت. و((مالك)): هو ابن أنس إمام دار
الهجرة. و((ابن القاسم)): هو عبد الرحمن الْعُتقيّ المصريّ الفقيه، صاحب مالك. ونُبيه
بن وهب)): هو العبدريّ المدنيّ الثقة. و((نافع)): هو مولى ابن عمر المدنيّ الفقيه الثبت.
وقوله: ((لا ينكح)) بفتح أوله، ((ولا)) في المواضع الثلاثة يحتمل أن تكون ناهية، والفعل
مجزوم، ويحتمل أن تكون نافية، والفعل مرفوع، والنفي بمعنى النهي، وهو أبلغ.
ومعنى ((لا ينكح)): أي لا يعقد لنفسه. وقوله: ((لا يُنكح)) بضم أوله: أي لا يعقد
لغيره، وقوله: ((ولا يخطب)) من باب نصر، من الْخِطْبة، بكسر المعجمة، وهذا يبطل
تأويل من أوّل النكاح في الحديث بالجماع، كما تقدّم.
وفيه تحريم الخِطبة في حالة الإحرام. وأما ما قاله في شرح السيوطيّ من أن النهي
نهي تنزيه، وليس بحرام، ففيه نظر لا يخفى، فأين الدليل على صرفه إلى التنزيه؟. والله
تعالى أعلم.
٢٤٠
E
شرح سنن النسائي - كِتَابُ النّكّاح
والحديث أخرجه مسلم، وتقدّم في -٢٨٤٣/٩١ - وتقدّم هناك شرحه مستوفىّ،
وكذا بيان مسائله، فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،
وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٢٧٧- (حَدَّثَنَا أَبُو الْأَشْعَثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ - وَهُوَ ابْنُ زُرَنِعٍ- قَالَ: حَدَّثَنَا
سَعِيدٌ، عَنْ مَطَرٍ، وَيَعْلَى بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ نُبَيْهِ بْنٍ وَهْبٍ، عَنْ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ،
أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَقَّنَ، رَضِي ◌َللَّه عَنْهُ، حَدَّثَ عَنِ النَّبِيِّ وَِّ،َ أَنَّهُ قَالَ: ((لَا يَنْكِحُ الْمُخْرِمُ،
وَلَا يُنْكِحُ، وَلَا يَخْطُبُ))).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح.
((أبو الأشعث)): هو أحمد بن المقدام العجليّ البصريّ، صدوق [١٠] ٣١٩/١٣٨.
و(سعيد)): هو ابن أبي عروبة. و((مطر)): هو ابن طهمان الورّاق البصريّ. و((يعلى بن
حكيم)) تقدّم في الباب الماضي. و((نافع)): هو مولى ابن عمر.
وقوله: ((يعلى بن حكيم)) بالجرّ عطفًا على ((مطر))، فسعيد يروي عنهما، وكلاهما
يرويان عن نُبيه بن وهب الخ.
[تنبيه]: سقط من نسخ ((المجتبى)) المطبوعة ذكر ((نافع)) من هذا السند، وهو خطأ
فاحشٌ، والصواب إثباته، كما في النسخة ((الهندية)) ٧٨/٢ وكذا هو في ((تحفة الأشراف))
٧/ ٢٤٣، فتنبه. والله تعالى أعلم.
والحديث أخرجه مسلم، وقد سبق تمام البحث فيه في الحديث الماضي. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه إنيب)).
٣٩- (بَابُ مَا يُسْتَحَبُّ مِنَ الْكَلَام
عِنْدَ التّكَاحِ)
قال الجامع عفا الله عنه: أراد المصنف رحمه اللّه تعالى بالكلام هنا ما يتقدّم عقد
النكاح من الخطبة المذكورة في الحديث. والله تعالى أعلم بالصواب.
٣٢٧٨- (أَخْبَرَنَا قُتَنِيَّةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْثَرٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي
الْأَخْوَصِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: عَلَّمَتَا رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ، التَّشَهُّدَ فِي الصَّلَاةِ، وَالتَّشَهُّدَ فِي