Indexed OCR Text

Pages 21-40

٢١
٣- (الحثُّ عَلَى النكاح) - حديث رقم ٣٢٠٨
لعجزه عن مؤنه، فعليه بالصوم؛ ليدفع شهوته، ويقطع شرّ منيّه، كما يقطعه الوجاء.
وعلى هذا القول وقع الخطاب مع الشباب الذين هم مظنّة شهوة النساء، ولا ينفكّون
عنها غالبًا.
والقول الثاني: أن المراد هنا بالباءة مؤن النكاح، سمّيت باسم ما يلازمها، وتقديره:
من استطاع منكم مؤن النكاح فليتزوّج، ومن لم يستطع فليصم لدفع شهوته.
والذي حمل القائلين بهذا على ما قالوه قوله: ((ومن لم يستطع فعليه بالصوم))، قالوا:
والعاجز عن الجماع لا يحتاج إلى الصوم لدفع الشهوة، فوجب تأويل الباءة على المؤن.
وانفصل القائلون بالأول عن ذلك بالتقدير المذكور انتهى. والتعليل المذكور
للمازريّ. وأجاب عنه عياضٌ بأنه لا يبعد أن تختلف الاستطاعتان، فيكون المراد بقوله:
((من استطاع الباءة))، أي بلغ الجماع، وقَدَرَ عليه فليتزوّج، ويكون قوله: ((ومن لم
يستطع)) أي من لم يقدر على التزويج.
قال الحافظ: قلت: وتهيأ له هذا لحذف المفعول في المنفيّ، فيحتمل أن يكون
المراد: ومن لم يستطع الباءة، أو من لم يستطع التزويج، وقد وقع كلّ منهما صريحًا،
فعند الترمذيّ في رواية عبد الرحمن بن يزيد من طريق الثوريّ، عن الأعمش: ((ومن لم
يستطع منكم الباءة)). وعند الإسماعيليّ من هذا الوجه من طريق أبي عوانة، عن
الأعمش: ((من استطاع منكم أن يتزوّج فليتزوّج)). ويؤيّده ما وقع في رواية النسائيّ(١)
من طريق أبي معشر، عن إبراهيم النخعيّ: ((من كان ذا طول فلینكح))، ومثله لابن ماجه
من حديث عائشة، وللبزّار من حديث أنس.
وأما تعليل المازريّ فيعكُرُ عليه قوله في الرواية الأخرى بلفظ: ((كنا مع النبيّ وَلـ
شبابًا لا نجد شيئًا))، فإنه يدلّ على أن المراد بالباءة الجماع، ولا مانع من الحمل على
المعنى الأعمّ بأن يُراد بالباءة القدرة على الوطء، ومؤن التزويج.
والجواب عما استشكله المازريّ أنه يجوز أن يرشد من لا يستطيع الجماع من
الشباب لفرط حياء، أو عدم شهوة، أو عُنّة مثلاً إلى ما يهيّء له استمرار تلك الحالة؛
لأن الشباب مظنّة توارن الشهوة الداعية إلى الجماع، فلا يلزم من كسرها في حالة أن
يستمرّ كسرها، فلهذا أرشد إلى ما يستمرّ به الكسر المذكور، فيكون قسم الشباب إلى
قسمين: قسم يتوقون إليه، ولهم اقتدارٌ عليه، فندبهم إلى التزويج دفعًا للمحذور،
بخلاف الآخرين، فندبهم إلى أمر تستمرّ به حالتهم؛ لأن ذلك أرفق بهم للعلّة التي
ذُكرت في رواية عبد الرحمن بن يزيد، وهي أنهم كانوا لا يجدون شيئًا. ويستفاد منه أن
(١) هو الحديث الذي قبل هذا، لكنه بلفظ ((من كان منكم ذا طول فليتزوّج ... )) الحديث.

= ٢٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ النّکَاحِ
الذي لا يجد أهبة النكاح، وهو تائق إليه يندب له التزويج دفعًا للمحذور انتهى (١).
(فَلْيَتَزَوَّجْ) أمرٌ، وظاهره الوجوب، وبه قال بعض أهل العلم، وحمله الجمهور على
الندب، والأول هو الحقّ على تفصيل سيأتي تحقيقه، إن شاء الله تعالى قريبًا (فَإِنَةُ أَغَضُّ
لِلْبَصَرِ) الفاء فيه للتعليل؛ أي لأنه أغضّ للبصر. أي أشدّ غضًّا له (وَأَخْصَنُ لِلْفَرْج) أي
أشدّ إحصانًا له، ومنعًا من الوقوع في الفاحشة. وما ألطف ما وقع لمسلَّم في
((صحيحه))، حيث ذكر عقب حديث ابن مسعود تظنّه هذا بيسير حديث جابر رَّه ،
رفعه: ((إذا أحدكم أعجبته المرأة، فوقعت في قلبه، فليعمد إلى امرأته فليواقعها، فإن
ذلك يردّ ما في نفسه))، فإن فيه إشارة إلى المراد من حديث الباب.
وقال ابن دقيق العيد: يحتمل أن تكون ((أفعل)) على بابها، فإن التقوى سبب لغضّ
البصر، وتحصين الفرج، وفي معارضتها الشهوة الداعية إلى النكاح، وبعد حصول
التزويج يضعف هذا المعارض، فيكون أغضّ، وأحصن مما لم يكن؛ لأن وقوع الفعل
مع ضعف الداعي أندر من وقوعه مع وجود الداعي.
ويحتمل أن يكون ((أفعل)) فيه لغير المبالغة، بل إخبار عن الواقع فقط .
(وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ) الباءة (فَلْيَصُمْ) لتنكسر شهوته، فلا يقع في الحرام (فَإِنَةً) أي الصوم
(لَهُ وِجَاءٌ) -بكسر الواو، والمدّ- أصله الغمز، ومنه وجأه في عنقه: إذا غمزه دافعًا له،
ووجأه بالسيف: إذا طعنه به، ووجأ أُنثبيه: غمزهما حتى رضّهما. ووقع في رواية ابن
حبّان المذكورة: ((فإنه له وجاء، وهو الإخصاء))، وهي زيادة مدرجة في الخبر، لم تقع
إلا في طريق زيد بن أبي أنيسة هذه. وتفسير الوجاء بالإخصاء فيه نظر، فإن الوجاء رضّ
الأنثيين، والإخصاء استئصالهما. وإطلاق الوجاء على الصيام من مجاز المشابهة. وقال
أبو عبيدة: قال بعضهم: وجا بفتح الواو، مقصورًا. والأول أكثر. وقال أبو زيد: لا
يقال: وجاءٌ إلا فيما لم يبرأ، وكان قريب العهد بذلك. قاله في ((الفتح)).
وقال أبو العبّاس القرطبيّ: وقال بعضهم الوجأ: أن توجأ العروق، والخصيتان
باقيتان بحالهما، والخصاء شقّ الخصيتين، واستئصالهما، والْجَبّ أن تُحمَى الشّفرة، ثم
يستأصل بها الخصيتان. وقد قاله بعضهم: ((وَجَا)) - بفتح الواو والقصر، قال: وليس
بشيء؛ لأن ذلك هو الْحَفَاء في ذوات الخفّ انتهى (٢).
وقال الحافظ وليّ الدين: ليس المراد هنا حقيقة الوجاء، بل سمي الصوم وجاءً لأنه
يفعل فعله، ويقوم مقامه، فالمراد أنه يقطع الشهوة، ويدفع شرّ الجماع، كما يفعله
(١) - ((فتح)١ ١٠ /١٣٥ - ١٣٦. ((النكاح)).
(٢) - ((المفهم)) ٤ / ٨٥.

٢٣
٣- (الْحَثُّ عَلَى النكاح) - حديث رقم ٣٢٠٨
الوجاء، فهو من مجاز المشابهة المعنويّة انتهى (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث ابن مسعود رضي اللَّه تعالى عنه هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٣٢٠٨/٣ و٣٢٠٩ و٣٢١٠ و٣٢١١ و٣٢١٢ - و(«الصيام))٢٢٣٩/٤٣
و٢٢٤٠ و٢٢٤١ و٢٢٤٢ و٢٢٤٣ - وفي ((الكبرى)) ٥٣١٦/٣ و٥٣١٧ و٥٣١٨
و٥٣١٩ و٥٣٢٠ و((الصيام)) ٢٥٤٧/٤٣ و٢٥٤٨ و٢٥٤٩ و٢٥٥٠ و٢٥٥١.
وأخرجه (خ) في ((الصوم)) ١٩٠٥ و((النكاح))٥٠٦٥ و٥٠٦٦ (م) في ((النكاح)) ١٤٠٠
(د) في ((النكاح)) ٢٠٤٦ (ت) في ((النكاح)) ١٠٨١ (ق) ((النكاح))١٨٤٥ (أحمد) في
((مسند المكثرين)) ٣٥٨١ و٤١٠١ (الدارميّ) ((النكاح))٢١٦٥ و٢١٦٦ . والله تعالى
أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو الحثّ على النكاح، ففيه الأمر
بالنكاح لمن استطاعه، وتاقت إليه نفسه. (ومنها): استحباب عرض الصاحب على
صاحبه الذي ليست له زوجة بهذه الصفة، وهو صالِح للتزويج أن يتزوّج. (ومنها): ما
كان عليه الصحابة *** من مواساة بعضهم لبعض، ونفقدهم أحوالهم. (ومنها):
استحباب نكاح الشابة؛ لأنها المحصّلة لمقاصد النكاح؛ فإنها ألذّ استمتاعًا، وأطيب
نكهةٌ، وأرغب في الاستمتاع الذي هو مقصود النكاح، وأحسن عشرةً، وأفكه محادثةً،
وأجمل منظرًا، وألين مَلْمَسًا، وأقرب إلى أن يُعَوِّدَها زوجها الأخلاق التي يرتضيها.
(ومنها): استحباب نكاح البكر، وتفضيلها على الثيب. (ومنها): أن فيه إرشاد التائق
إلى النكاح العاجز عن مُؤَنه إلى الصوم، وذلك لما فيه من كسرة الشهوة، فإن شهوة
النكاح تابعة لشهوة الأكل، تَقوَى بقوّتها، وتضعف بضعفها. (ومنها): أن من لم يستطع
الجماع فالمطلوب منه ترك التزويج؛ لأنه أرشده إلى ما ينافيه، ويضعف دواعيه. وأطلق
بعضهم أنه يُكره في حقّه. قاله في ((الفتح)). (ومنها): أن فيه الحثّ على غضّ البصر،
وتحصين الفرج بكلّ ممكن، وعدم التكليف بغير المستطاع. (ومنها): أنه يؤخذ منه أن
(١) - ((طرح التثريب))٨/٧.

٢٤
شرح سنن النسائي - کِتَابُ النّكَاحِ
حظوظ النفس والشهوات لا تتقدّم على أحكام الشرع، بل هي دائرة معها. (ومنها): أن
الخطّابِيّ استدلّ به على جواز المعالجة لقطع شهوة النكاح بالأدوية، وحكاه البغويّ في
(شرح السنّة))، وينبغي أن يُحمل على دواء يسكّن الشهوة، دون ما يقطعها أصالةً؛ لأنه
قد یقدر بعدُ، فيندم لفوات ذلك في حقّه، وقد صرّح الشافعية بأنه لا يُكسرها بالكافور
ونحوه، والحجّة فيه أنهم اتفقوا على منع الجبّ والخصاء، فيُلحق بذلك ما في معناه من
التداوي بالقطع أصلاً. (ومنها): أن الخطّابِيّ استدلّ به أيضًا على أن المقصود من
النكاح الوطء، ولهذا شُرع الخيار في الْعُنَّة. (ومنها): أن القرافيّ استنبط من قوله: ((فإنه
له وجاء» أن التشريك في العبادة لا يَقدَح فيها بخلاف الرياء؛ لأنه أمر بالصوم الذي هو
قربة، وهو بهذا القصد صحيح، مثاب عليه، ومع ذلك فأرشد إليه؛ لتحصيل غضّ
البصر، وكفّ الفرج عن الوقوع في المحرّم انتهى.
قال الحافظ: فإن أراد تشريك عبادة بعبادة أخرى، فهو كذلك، وليس محلّ النزاع،
وإن أراد تشريك العبادة بأمر مباح، فليس في الحديث ما يُساعده انتهى.
(ومنها): أن بعض المالكيّة استدلّ به على تحريم الاستمناء؛ لأنه أرشد عند العجز
عن التزويج إلى الصوم الذي يقطع الشهوة، فلو كان الاستمناء مباحًا لكان الإرشاد إليه
أسهل .
وتُعُقّب دعوى كونه أسهل؛ لأن الترك أسهل من الفعل. وقد أباح الاستمناء طائفة
من العلماء، وهو عند الحنابلة، وبعض الحنفيّة لأجل تسكين الشهوة. قاله في
((الفتح))(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم النكاح:
ذهب الجمهور إلى استحباب النكاح لمن تاقت إليه نفسه، واستطاعه بقدرته على
مؤنه، دون الإيجاب عليه، فلا يلزمه عندهم التزوّج، ولا التسرّي، سواء خاف العَنَتَ،
أم لا. كذا حكاه النوويّ عن العلماء كافّة، ثم قال: ولا نعلم أحدًا أوجبه إلا داود،
ومن وافقه من أهل الظاهر، وروية عن أحمد، فإنهم قالوا: يلزمه إذا خاف العنت أن
يتزوّج، أو يتسرّى، قالوا: وإنما يلزمه في العمر مرّةً واحدة. ولم يشترط بعضهم خوف
العنت، قال أهل الظاهر: إنما يلزمه التزوج فقط، ولا يلزمه الوطء انتهى (٢).
قال الحافظ وليّ الدين - بعد ذكر كلام النوويّ -: ما نصّه: وفيه نظر، فهذا الذي ذكر
أنه رواية عن أحمد هو المشهور من مذهبه، وظاهر كلام أصحابه تعيّن النكاح. وعنه
(١) - (فتح)) ١٣٩/١٠ - ١٤٠ و((طرح التثريب)٣/٧- ٩. ((كتاب النكاح)).
(٢) - ((شرح مسلم)٩٩ / ١٧٧ .

٢٥
٣- (الخثُّ عَلی النكاح) - حديث رقم ٣٢٠٨
رواية أخرى بوجوبه مطلقًا، وإن لم يخف العنت، كما حكاه النوويّ عن بعضهم،
وعبارة ابن تيميّة في ((المحرّر)): النكاح السابق سنة مقدّمة على نفل العبادة، إلا أن
يخشى الزنا بتركه، فيجب، وعنه يجب عليه مطلقًا انتهى.
والوجوب عند خوف العنت وجه في مذهب الشافعيّ، حكاه الرافعيّ عن ((شرح
مختصر الجوينيّ)). وقال النوويّ في ((الروضة)): هذا الوجه لا يحتم النكاح، بل يُخيّر
بينه وبين التسري، ومعناه ظاهر انتهى .
وجزم به أبو العباس القرطبيّ، وهو من المالكيّة، بل زاد فحكى الاتفاق عليه، فإنه
قال: إنا نقول بموجب هذا الحديث في حقّ الشاب المستطيع الذي يخاف الضرر على
نفسه ودينه من العزبة، بحيث لا يرتفع عنه إلا بالتزويج، وهذا لا يختلف في وجوب
التزويج عليه انتهى.
ونقله الاتفاق على ذلك مردود، لكن يُقلَّد في نقل مذهبه في ذلك، وبه يحصل الرد
على النوويّ في كلامه المتقدّم، ولم يقيّد ابن حزم ذلك بخوف الْعَنَتِ، وعبارته في
((المحلّى)): وفرضٌ على كلّ قادر على الوطء إن وجد أن يتزوّج، أو يتسرّى، أن يفعل
أحدهما، فإن عجز عن ذلك، فليُكثر من الصوم، ثم قال: وهو قول جماعة من السلف.
وقال الشيخ تقيّ الدين في ((شرح العمدة)): قسم الفقهاء النكاح إلى الأحكام
الخمسة، أعني الوجوب، والندب، والتحريم، والكراهة، والإباحةَ، وجعل الوجوب
فيما إذا خاف العنت، وقدر على النكاح، إلا أنه لا يتعيّن واجبًا، بل إما هو، وإما
التسرّي، وإن تعذّر التسرّي، تعيّن النكاح حينئذ للوجوب، لا لأصل الشريعة انتهى.
وكان هذا التقسيم لبعض المالكيّة، وقد حكاه أبو العبّاس القرطبيّ عن بعض علمائهم،
وقال: إنه واضح. وقال القاضي أبو سعد الهرويّ من الشافعيّة: ذهب بعض أصحابنا
بالعراق إلى أن النكاح فرض كفاية حتى لو امتنع منه أهل قطر، أجبروا عليه. انتهى(١).
وقال في ((الفتح)): وقد قسم العلماء الرجل في التزويج إلى أقسام:
[الأول]: التائق إليه القادر على مؤنه، الخائف على نفسه، فهذا يُندب له النكاح عند
الجميع، وزاد الحنابلة في رواية أنه يجب، وبذلك قال أبو عوانة الإسفراينيّ من
الشافعيّة، وصرّح به في ((صحيحه))، ونقله المصيصيّ في ((شرح مختصر الجوينيّ))
وجهًا، وهو قول داود، وأتباعه. وردّ عليهم عياضٌ، ومن تبعه بوجهين: [أحدهما]:
أن الآية التي احتجوا بها خيّرت بين النكاح والتسرّي -يعني قوله تعالى: ﴿فَوَجِدَةً أَوْ مَا
مَلَكَتْ أَيْمَنْكُمْ﴾ [النساء: ٣] قالوا: والتسرّي ليس واجبًا اتفاقًا، فيكون التزويج غير
(١) ((طرح التثريب٩ ٧/ ٤ - ٥.

٢٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ النِّكَاحِ
واجب، إذ لا يقع التخيير بين واجب ومندوب. وهذا الردّ متعقّبٌ، فإن الذين قالوا
بوجوبه قيّدوه بما إذا لم يندفع التوقان بالتسرّي، فإذا لم يندفع تعيّن التزويج، وقد صرّح
بذلك ابن حزم، فقال: وفرض على كلّ قادر على الوطء إن وجد ما يتزوّج به، أو
يتسرّى أن يفعل أحدهما، فإن عجز عن ذلك فليُكثر من الصوم، وهو قول جماعة من
السلف .
الوجه الثاني: أن الواجب عندهم العقد لا الوطء، والعقد بمجرّده لا يدفع مشقّة
التوقان، قال: فما ذهبوا إليه لم يتناوله الحديث، وما تناوله الحديث لم يذهبوا إليه،
كذا قال، وقد صرّح أكثر المخالفين بوجوب الوطء، فاندفع الإيراد.
وقال ابن بطال: احتجّ من لم يوجبه بقوله {وَلقوله: ((ومن لم يستطع فعليه بالصوم))،
قال: فلما كان الصوم الذي هو بدله ليس بواجب فمبدله مثله .
وتعقّب بأن الأمر بالصوم مرتّبٌ على عدم الاستطاعة، ولا استحالة أن يقول القائل
أوجبت عليك كذا، فإن لم تستطع فأَندُبُك إلى كذا، والمشهور عن أحمد أنه لا يجب
للقادر التائق إلا إذا خشي العَنَتَ، وعلى هذه الرواية اقتصر ابن هُبيرة.
وقال المازريّ: الذي نطق به مذهب مالك أنه مندوبٌ، وقد يجب عندنا في حقّ من
لا ينكفّ عن الزنا إلا به. وقال القرطبيّ: المستطيع الذي يخاف الضرر على نفسه،
ودينه من العزوبة بحيث لا يرتفع عنه ذلك إلا بالتزويج لا يختلف في وجوب التزويج
عليه. ونبّه ابن الرفعة على صورة يجب فيها، وهي ما إذا نذره حيث كان مستحبًّا.
وقال ابن دقيق العيد: قسم بعض الفقهاء النكاح إلى الأحكام الخمسة، وجعل
الوجوب فيما إذا خاف العنت، وقَدَر على النكاح، وتعذّر التسرّي. وكذا حكاه القرطبيّ
عن بعض علمائهم، وهو المازريّ قال: فالوجوب في حقّ من لا ينكفّ عن الزنا إلا
به، كما تقدّم. قال: والتحريم في حقّ من يُخلّ بالزوجة في الوطء والإنفاق مع عدم
قدرته عليه، وتوقانه إليه. والكراهة في حقّ مثل هذا حيث لا إضرار بالزوجة، فإن
انقطع بذلك عن شيء من أفعال الطاعة، من عبادة، أو اشتغال بالعلم اشتدّت الكراهة.
وقيل: الكراهة فيما إذا كان ذلك في حال العزوبة أجمع منه في حال التزويج.
والاستحباب فيما إذا حصل به معنى مقصود من كسر شهوة، وإعفاف نفس، وتحصين
فرج، ونحو ذلك. والإباحة فيما انتفت الدواعي والموانع.
ومنهم من استمرّ بدعوى الاستحباب فيمن هذه صفته؛ للظواهر الواردة في الترغيب
فيه. قال عياضٌ: هو مندوبٌ في حقّ كلّ من يرجى منه النسل، ولو لم يكن له في
الوطء شهوة؛ لقوله وَلير: ((فإني مكاثرٌ بكم))، ولظواهر الحضّ على النكاح، والأمر به،

٢٧
٣- (الْحَثُّ عَلَى النكاح) - حديث رقم ٣٢٠٨
وكذا في حقّ من له رغبة في نوع من الاستمتاع بالنساء غير الوطء، فأما من لا يُنسل،
ولا أرب له في النساء، ولا في الاستمتاع فهذا مباح في حقّه إذا علمت المرأة بذلك،
ورضيت. وقد يقال: إنه مندوب أيضًا؛ لعموم قوله: ((لا رهبانية في الإسلام)).
وقال الغزاليّ في ((الإحياء)): من اجتمعت له فوائد النكاح، وانتفت عنه آفاته،
فالمستحبّ في حقّه التزويج، ومن لا فالترك له أفضل، ومن تعارض الأمر في حقّه
فليجتهد، ويعمل بالراجح انتهى.
قال الحافظ: الأحاديث الواردة في ذلك كثيرةٌ، فأما حدیث: «فإني مكاثر بكم)»
١
فصحّ من حديث أنس بلفظ: ((تزوّجوا الودود الولود، فإني مكاثر بكم يوم القيامة)).
أخرجه ابن حبّان، وذكره الشافعيّ بلاغًا عن ابن عمر بلفظ: ((تناكحوا، تكاثروا، فإني
أباهي بكم الأمم)). وللبيهقيّ من حديث أبي أمامة: «تزوّجوا، فإني مكاثر بكم الأمم،
ولا تكونوا كرهبانية النصارى)).
وورد: ((فإني مكاثرٌ بكم)) أيضًا من حديث الصنابحيّ، وابن الأعسر(١)، ومعقل بن
يسار، وسهل بن حُنيف، وحرملة بن النعمان، وعائشة، وعياض بن غنم، ومعاوية بن
حیدة، وغيرهم.
وأما حديث: ((لا رهبانية في الإسلام)) فلم أره بهذا اللفظ، لكن في حديث سعد بن
أبي وقّاص عند الطبرانيّ: ((إن اللَّه أبدلنا بالرهبانية الحنيفية السمحة)). وعن ابن عباس
رفعه: ((لا صرورة في الإسلام)). أخرجه أحمد، وأبو داود، وصححه الحاكم. وفي
الباب حديث النهي عن التبتّل، وسيأتي في الباب التالي، وحديث عائشة، رفعته:
((النكاح سنتي، فمن لم يعمل بسنتي فليس منّي، وتزوّجوا فإني مكاثر بكم الأمم يوم
القيامة، ومن كان ذا طول فلينكح، ومن لم يجد فعليه بالصيام، فإن الصوم له وجاء)).
رواه ابن ماجه، وهو صحيح بشواهده(٢). وحديث ((من كان موسرًا، فلم يَنكِح فليس
منّا)). أخرجه الدارميّ، والبيهقيّ من حديث ابن أبي نَجِيح، وجزم بأنه مرسل. وقد
أورده البغويّ في ((معجم الصحابة))، وحديث طاوس: ((قال عمر بن الخطاب لأبي
الزوائد: إنما يمنعك من التزويج عجزٌ، أو فُجور)). أخرجه ابن أبي شيبة وغيره.
وأخرج الحاكم من حديث أنس رَمْثُه رفعه: ((من رزقه الله امرأة صالحة، فقد أعانه على
شطر دينه، فليتق الله في الشطر الثاني)).
قال الحافظ: وهذه الأحاديث وإن كان في الكثير منها ضعف، فمجموعها يدلّ على
(١) - هكذا نسخة ((الفتح)) ولعل الصواب ((والصنابح بن الأعسر)). فليُحرّر.
(٢) راجع ((السلسلة الصحيحة)) للشيخ الألباني رقم ٢٣٨٣.

= ٢٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ النّكَاحِ
أنّ لِمَا يحصل به المقصود من الترغيب في التزويج أصلاً، لكن في حقّ من يتأتّى منه
النسل، كما تقدّم انتهى كلام الحافظ ببعض تصرّف(١).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: قد تبيّن بما سبق من الأدلّة أن أرجح الأقوال قول من
قال بوجوب النكاح لمن استطاع عليه، وتاقت إليه نفسه، وخاف العنت؛ عملاً بظاهر
الأمر الذي في حديث الباب، ومن عداه فيستحبّ له؛ عملاً بالأحاديث المذكورة.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[تنبيه]: قال الحافظ وليّ الدين رحمه الله تعالى: لم يقل أحد بوجوبه على النساء،
وقد صرّح بذلك ابن حزم، فقال: وليس ذلك فرضًا على النساء؛ لقوله تعالى:
﴿ وَالْقَوَعِدُ مِنَ النِّسَاءِ الَّتِى لَا يَرْجُونَ نِكَامًا﴾ الآية [النور: ٦٠]. قال أبو إسحاق الشيرازيّ،
صاحب ((التنبيه)): إن النكاح للنساء مستحبّ عند الحاجة، ومكروه عند عدمها. وقال
الشيخ عماد الدين الزنجانيّ في ((شرح الوجيز)) المسمّى بـ((الموجز)): لم يتعرّض
الأصحاب للنساء، والذي يغلب على الظنّ أن النكاح في حقّهنّ أولى مطلقًا؛ لأنهن
يحتجن إلى القيام بأمورهنّ، والتستّر عن الرجال، ولم يتحقّق في حقّهنّ الضرر الناشيء
من النفقة انتهى (٢).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذا الذي قاله الزنجانيّ رحمه الله تعالى حسنٌ جدًّا،
وأما قول الشيرازي بالكراهة عند عدم الحاجة فلا يؤيّده دليل. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
٣٢٠٩- (أَخْبَرَنِي هَارُوِنُ بْنُ إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيُّ الْكُوفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ
مُحَمَّدِ الْمُحَارِبِيُّ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، وَالْأَسْوَدِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ،
قَالَ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: (مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ، فَلْيَتَزَوَّجْ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ
بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ)) .
قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: الْأَسْوَدُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ لَيْسَ بِمَحْفُوظٍ).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح غير شيخه ((هارون
ابن إسحاق)): وهو أبو القاسم الكوفيّ، صدوق، من صغار[١٠]٣٤٦/١٣. فإنه من
رجال الأربعة. و((عبد الرحمن بن محمد المحاربيّ)): هو أبو محمد الكوفيّ، لا بأس
به، وكان يدلّس [٩]٢٢٢٤/٤٣. و((إبراهيم)) هو ابن يزيد النخعي. و((علقمة)): هو ابن
قيس النخعي. و((الأسود)): هو ابن يزيد النخعي. و((عبد الله)) هو ابن مسعود رَوّه.
(١) - ((فتح)) ١٠/ ١٣٨ - ١٣٩.
(٢) - ((طرح التثريب))٧/ ٦.

٢٩
٣- (الْحَثُّ عَلَى النكاح) - حديث رقم ٣٢٠٩
وقوله: ((فعليه بالصوم)). وفي رواية مغيرة، عن إبراهيم عند الطبرانيّ: ((من لم يقدر
على ذلك، فعليه بالصوم)).
قال المازريّ: فيه إغراء بالغائب، ومن أصول النحويين أن لا يُغْرَى الغائب، وقد
جاء شاذًا قول بعضهم: عليه رجلًا ليسني، على جهة الإغراء.
وتعقّبه عياضٌ بأن هذا الكلام موجود لابن قتيبة، والزجّاجيّ، ولكن فيه غلطٌ من
أوجه :
أما أوّلاً: فمن التعبير بقوله: ((لا إغراء بالغائب))، والصواب فيه إغراء الغائب، فأما
الإغراء بالغائب فجائز، ونصّ سيبويه أنه لا يجوز ((دونه زيدًا))، ولا يجوز ((عليه زيدًا))
عند إرادة غير المخاطب، وإنما جاز للحاضر لما فيه من دلالة الحال، بخلاف الغائب،
فلا يجوز لعدم حضوره، ومعرفته بالحالة الدّالّة على المراد.
وأما ثانيًا: فإن المثال ما فيه حقيقة الإغراء، وإن كانت صورته، فلم يُرد القائل تبليغ
الغائب، وإنما أراد الإخبار عن نفسه بأنه قليل المبالاة بالغائب، ومثله قولهم: إليك عني،
أي اجعل شغلك بنفسك، ولم يُرد أن يغريه به، وإنما مراده دعني، وكن كمن شُغل عني .
وأما ثالثًا: فليس في الحديث إغراء الغائب، بل الخطاب للحاضرين الذين خاطبهم أولاً
بقوله: ((من استطاع منكم))، فالهاء في قوله: ((فعليه)) ليست لغائب، وإنما هي للحاضر
المبهم، إذ يصحّ خطابه بالكاف، ونظير هذا قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِ اَلْقَلْلِ﴾ - إلى أن
قال -: ﴿فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌ﴾ [البقرة: ١٧٨]، ومثله لو قلت لاثنين: من قام منكما فله
درهم، فالهاء للمبهم من المخاطبين، لا لغائب انتهى ملخّصًا.
وقد استحسنه القرطبيّ، وهو حسنّ بالغ، وقد تفطّن له الطيبيّ، فقال: قال أبو
عُبيد: قوله: ((فعليه بالصوم)) إغراء غائب، ولا تكاد العرب تُغري إلا الشاهد، تقول:
عليك زيدًا، ولا تقول: عليه زيدًا، إلا في هذا الحديث. قال: وجوابه أنه لما كان
ضمير الغائب راجعًا إلى لفظة ((من)) وهي عبارة عن المخاطبين في قوله: ((يا معشر
الشباب))، وبيان لقوله: ((منكم)) جاز قوله: ((عليه))؛ لأنه بمنزلة الخطاب.
وقد أجاب بعضهم(١) بأن إيراد هذا اللفظ في مثال إغراء الغائب هو باعتبار اللفظ،
وجواب عياض باعتبار المعنى، وأكثر كلام العرب اعتبار اللفظ. كذا قال، والحقّ مع
عياض، فإن الألفاظ توابع للمعاني، ولا معنى لاعتبار اللفظ مجرّدًا هنا. قاله في
((الفتح))(٢).
(١) - هذا الجواب لوليّ الدين العراقيّ ذكره في ((طرح التثريب))٨/٧.
(٢) - («فتح» ١٠ / ١٣٧ .

٣٠
شرح سنن النسائي - کِتَابُ النكاح
وقوله: ((فعليه بالصوم)) عدل عن قوله: فعليه بالجوع، وقلّة ما يُثير الشهوة،
ويستدعي طغيان الماء من الطعام والشراب إلى ذكر الصوم، إذ ما جاء لتحصيل عبادة
هي برأسها مطلوبة. وفيه إشارة إلى أن المطلوب من الصوم في الأصل كسر الشهوة.
وقوله: ((الأسود في هذا الحديث ليس بمحفوظ)). يعني أن ذكر الأسود بن يزيد مع
علقمة في رواية الأعمش غير محفوظ؛ لأن عبد الرحمن المحاربيّ تفرّد به، وقد خالف
سبعة من الحفّاظ: شعبة، وأبا معاوية، وعلي بن هاشم، ثلاثهم عند المصنّف، وأبا حمزة
السّكّريّ، وحفص بن غياث، عند البخاريّ، وجرير بن عبد الحميد، عند مسلم، وعلي
ابن مسهر، عند ابن ماجه، فكلهم رووه عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن ابن
مسعود رَّه ، ولم يزد أحدٌّ منهم الأسود، فدلّ على أن زيادته شاذة غير محفوظة.
والحديث متفق عليه، وقد سبق الكلام عليه في الذي قبله. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٢١٠- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ عُمَارَةَ
بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ لََّا رَسُولُ اللَّهِ وَلِ: ((يَا
مَعَشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ، فَلْيَنْكِحْ، فَإِنَّةً أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَخْصَنُ لِلْفَرْجِ،
وَمَنْ لَا فَلْيَضَمْ، فَإِنَّ الصَّوْمَ لَهُ وِجَاءٌ))).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح غير شيخه ((محمد
ابن منصور)) وهو الْجَوَّاز المكيّ فإنه من أفراده. و((سفيان)): هو ابن عيينة. و((عمارة بن
عُمير)): هو التيميّ الكوفيّ الثقة الثبت [٤]٦٠٨/٤٩. و((عبد الرحمن بن يزيد)): هو
النخعيّ الكوفيّ، الثقو، من كبار[٣]٤١/٣٧، وهو أخو الأسود بن يزيد المذكور في
السند السابق.
والحديث متفق عليه، كما مرّ قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٢١١- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ
عُمَارَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ وَلِ: ((يَا مَعْشَرَ
الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ ... )) وَسَاقَ الْحَدِيثَ).
قالَ الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، و((محمد
بن العلاء)): هو أبو كُريب، أحد مشايخ الستة بلا واسطة. و((أبو معاوية)): هو محمد بن
خازم.
وقوله: ((وساق الحديث)) الضمير لأبي معاوية، أي ساق الحديث السابق بتمامه،

=
٣١
٣- (الْحَثُّ عَلَى النكاح) - حديث رقم ٣٢١٢
وتمامه عند مسلم من رواية أبي بكر بن أبي شيبة، وأبي معاوية، وأبي كريب، كلاهما
عن أبي معاوية (( ... فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه
بالصوم، فإنه له وجاء)). والحديث متفق عليه، كما مرّ قريبًا. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٢١٢- (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ
إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، قَالَ: كُنْتُ أَمْشِي مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بِمِنَى، فَلَقِيَّهُ غَّثْمَانُ، فَقَامَ مَعَهُ
يُحَدِّثُهُ، فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَلَا أُزَوْجُكَ جَارِيَةَ شَابَّةٌ، فَلَعَلَّهَا أَنْ تُذَكِّرَكَ، بَعْضَ مَا
مَضَى مِنْكَ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: أَمَاَ لَئِنْ قُلْتَ ذَاكَ، لَقَدْ قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ: ((يَا مَعْشَرَ
الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ))).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح غير شيخه،
((أحمد بن حرب)): وهو الطائيّ الموصليّ، صدوق [١٠] ١٠٢/ ١٣٥ فإنه من أفراده.
وقوله: ((كنت مع عبد اللَّه)) أي ابن مسعود رنّ.
وقوله: ((بمنى)) قال في ((الفتح)): كذا وقع في أكثر الروايات، وفي رواية زيد بن أبي
أنيسة، عن الأعمش، عند ابن حبّان: ((بالمدينة))، وهي شاذة.
وقوله: ((يا أبا عبد الرحمن)) هي كنية ابن مسعود. وظنّ ابن المنيّر أن المخاطب
بذلك ابنُ عمر؛ لأنها كنيته المشهورة، وأكّد ذلك عنده أنه وقع في نسخته من ((شرح ابن
بطّال)) عقب الترجمة ((فيه ابن عمر لقيه عثمان بمنى))، وقصّ الحديث، فكتب ابن المنير
في حاشيته: هذا يدلّ على أن ابن عمر شدّد على نفسه في زمن الشباب؛ لأنه كان في
زمن عثمان شابًّا. كذا قال. ولا مدخل لابن عمر في هذه القصّة أصلاً، بل القصّة،
والحديث لابن مسعود، مع أن دعوى أن ابن عمر كان شابًّا إذ ذاك فيه نظرٌ، فإنه كان إِذ
ذاك جاوز الثلاثين. انتهى (١).
وقوله: ((بعض ما مضى منك)) أي من القوّة، والشهوة، فإن القوّة ترجع بمخالطة
الشابّة .
والحديث متّفقٌ عليه، كما مرّ قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
(إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
ـ
(١) - ((فتح ٤ ١٠/ ١٣٤.

٣٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ النّكَاحِ
٤ - (بَابُ النَّهِي عَنِ التَّبْتُلِ)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((التبتّل)): مصدر ((تَبَتَّلَ))، من البَثْل، وهو القطع،
يقال: بتله بَتْلاً، من باب قتل: قطعه، وأبانه، وطلّقها طلقةً بَتَّةٌ بَتْلَةً، وتَبَتّل إلى العبادة:
تفرّغ لها، وانقطع.
والمراد هنا الانقطاع عن النكاح، وما يتبعه من الملاذ إلى العبادة.
وأما المأمور به في قوله تعالى: ﴿وَبَثَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ [المزمل: ٨] فقد فسّره مجاهدٌ،
فقال: أخلِصْ له إخلاصًا. وهو تفسيرٌ معنىّ، وإلا فأصل التبتل الانقطاع، والمعنى:
انقطع إليه انقطاعًا، لكن لما كانت حقيقة الانقطاع إلى الله تعالى إنما تقع بإخلاص
العبادة له فسّرها بذلك. ومنه: ((صدقةٌ بَتْلَةٌ)) أي منقطعةٌ عن الملك. ومريم البتول؛
لانقطاعها عن التزويج إلى العبادة. وقيل لفاطمة رضي الله تعالى عنها البتول، إما
لانقطاعها عن الأزواج غير عليّ، أو لانقطاعها عن نظرائها في الحسن والشرف.
وقد ترجم الإمام البخاريّ رحمه اللَّه تعالى بقوله: ((باب ما يكره من التبثّل،
والخصاء)). فقال في ((الفتح)): وإنما قال: ((ما يكره من التبتل والخصاء)» للإشارة إلى أن
الذي يكره من التبتل هو الذي يُفضي إلى التنطّع، وتحريم ما أحلّ اللَّه، وليس التبتّل من
أصله مكروهًا. وعطف ((الخصاء)) عليه؛ لأن بعضه يجوز في الحيوان المأكول
انتهى(١). والله تعالى أعلم بالصواب.
٣٢١٣- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ
الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، قَالَ: ((لَقَدْ رَدَّ رَسُولُ اللَّهِ
وَ﴿ِ، عَلَى عُثْمَانَ التَّبْتُلَ، وَلَوْ أُذِنَ لَهُ لَاخْتَصَيْنَا).
رجال هذا الإسناد: ستة :
١- (محمد بن عُبيد) بن محمد بن واقد المحاربيّ، أبو جعفر، أو أبو يعلى النحاس
الكوفيّ، صدوق [١٠]٢٢٦/١٤٤.
٢- (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ) المروزيّ الإمام الحجة الثبت المشهور [٨]٣٦/٣٢.
٣- (معمر) بن راشد البصريّ، ثم اليمنيّ، ثقة ثبت [٧]١٠/١٠.
٤- (الزهريّ) محمد بن مسلم الإمام الحجة الثبت الشهير [٤]١/١ .
٥- (سعيد بن المسيب) بن حَزْن المخزومي المدني الفقيه الحجة الثبت [٣]٩/٩.
(١) - ((فتح) ١٠ / ١٤٧.

٣٣
٤- (بَأَبُ النَّھْي عَنِ التَبَثَل) - حديث رقم ٣٢١٣
=
=
٦- (سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ) اسم أبيه مالك بن وهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب
الزهريّ، أبو إسحاق، أحد العشرة المبشرين بالجنّة رضي اللّه تعالى عنهم، مات
سنة (٥٥) على المشهور. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح، غير شيخه، فتفرد به هو وأبو داود، والترمذيّ. (ومنها): أنه مسلسل
بالمدنيين من الزهريّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. (ومنها): أن فيه ابن
المسيب من الفقهاء السبعة. (ومنها): أن صحابيه أول من روى بسهم في سبيل الله،
وأحد العشرة المبشرين بالجنة، وآخر من مات منهم رضي اللّه تعالى عنهم مات سنة
(٥٥) على الأصح. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ) رضي اللَّه تعالى عنه، أنه (قَالَ: (لَقَدْ رَدَّ رَسُولُ اللَّهِوَلَّ عَلَى
عُثْمَانَ) بن مظعون بن حبيب بن وهب بن حُذافة بن جُمح الْجُمَحيّ ، قال ابن إسحاق: أسلم
بعد ثلاثة عشر رجلاً، وهاجر إلى الحبشة، هو وابنه السائب الهجرة الأولى في جماعة، فلما
بلغهم أن قريشًا أسلمت رجعوا، فدخل عثمان في جوار الوليد بن المغيرة، ثم ذكر ردّه
جواره، ورضاه بما عليه النبيّ وَّر، وذكر قصّة مع لبيد بن ربيعة حين أنشد:
أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللَّهَ بَاطِلُ .... فقال عثمان بن مظعون: صدقت، فقال لبيد:
وَكُلُّ نَعِيمِ لَا مَحَالَّةَ زَائِلُ فقال عثمان: كذبت، نعيم الجنة لا يزول، فقام سَفِيهٌ منهم إلى
عثمان، فَلطم عينيه، فاخضرّت. توفّي(١) تَّ بعد شهوده بدرًا في السنة الثانية من
الهجرة، وهو أول من مات بالمدينة من المهاجرين، وأول من دُفن بالبقيع منهم. وروى
الترمذيّ من طريق القاسم، عن عائشة، قالت: قبّل النبيّ وَّ - عثمان بن مظعون، وهو
ميتٌ، وهو يبكي، وعيناه تذرفان، ولما توفّي إبراهيم ابن النبيّ وَّ قال: ((الحق بسلفنا
الصالح عثمان بن مظعون(٢).
وفي رواية مسلم من طريق عُقيل، عن ابن شهاب بلفظ: ((أراد عثمان بن مظعون أن
يتبتّل، فنهاه رسول اللّه وَ له))، فعلم من هذا أن معنى قوله: ((ردّ على عثمان)) أي لم يأذن
له، بل نهاه. وأخرج الطبرانيّ من حديث عثمان بن مظعون نفسه: ((أنه قال: يا رسول
(١) - وفي ((الفتح)): وكانت وفاته في ذي الحجة سنة اثنتين من الهجرة. انتهى ١٤٨/١٠ ((كتاب
النكاح».
(٢) - ((الإصابة)» ٣٩٥/٦.

٣٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ النَّكَاحِ
الله إني رجلٌ يشُقّ عليّ العزوبة، فأذن لي في الخصاء، قال: لا، ولكن عليك
بالصيام ... )) الحديث. ومن طريق سعيد بن العاص: ((أن عثمان قال: يا رسول الله
ائذن لي في الاختصاء، فقال: إن اللَّه قد أبدلنا بالرهبانية الحنيفيّةَ السمحة)).
فيحتمل أن يكون الذي طلبه عثمان هو الاختصاء حقيقةً، فعبّر عنه الراوي بالتبتل؛
لأنه ينشأ عنه، فلذلك قال: ((ولو أذن له لاختصينا)).
ويحتمل عكسه، وهو أن المراد بقول سعد: ((ولو أذن لاختصينا)) لفعلنا فعل من
يختصي، وهو الانقطاع عن النساء.
قال الطبريّ: التبتّل الذي أراده عثمان بن مظعون تحريم النساء، والطيب، وكلّ ما
يُلتذّ به، فلهذا أُنزل في حقّه: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُخَرِّمُواْ طَيِّبَتِ مَآ أَحَلَّ اَللَّهُ لَكُمْ﴾ الآية
[المائدة: ٨٧].
(التَّبْتُلَ) أي الانقطاع عن النساء، وترك النكاح انقطاعًا إلى عبادة اللَّه تعالى (وَلَوْ أَذِنَ
لَهُ لَاخْتَصَيْنَا) الاختصاء من خصيت الفحل: إذا سللت خصيته، أي أخرجتها،
واختصيت: إذا فعلت ذلك بنفسك.
قال الطيبيّ: كان الظاهر أن يقول: ولو أذن له لتبتّلنا، لكنه عدل عن هذا الظاهر إلى
قوله: ((لاختصينا)) لإرادة المبالغة، أي لبالغنا في التبتّل حتى يفضي بنا الأمر إلى
الاختصاء، ولم يُرد به حقيقة الاختصاء؛ لأنه حرام.
وقيل: بل على ظاهره، وكان ذلك قبل النهي عن الاختصاء، ويؤيّده توارد استئذان
جماعة من الصحابة النبيَّ وَّر في ذلك، كأبي هريرة، وابن مسعود، وغيرهما، وإنما كان
التعبير بالخصاء أبلغ من التعبير بالتبتل؛ لأن وجود الآلة يقتضي استمرار وجود الشهوة،
ووجود الشهوة ينافي المراد من التبثّل، فيتعيّن الخصاء طريقًا إلى تحصيل المطلوب،
وغايته أن فيه ألمًا عظيمًا في العاجل، يُغتفر في جنب ما يندفع به في الآجل، فهو كقطع
الإصبع إذا وقعت في اليد الآكلة؛ صيانة لبقيّة اليد، وليس الهلاك بالخصاء محققًا، بل
هو نادر، ويشهد له كثرة وجوده في البهائم مع بقائها، وعلى هذا فلعلّ الراوي عبّر
بالخصاء عن الْجَبّ؛ لأنه هو الذي يُحصّل المقصود.
والحكمة في منعهم من الاختصاء؛ إرادة تكثير النسل؛ ليستمرّ جهاد الكفّار، وإلا
فلو أذن في ذلك لأوشك تواردهم عليه، فينقطع النسل، فيقلّ المسلمون باقطاعه،
ويكثر الكفّار، فهو خلاف المقصود من البعثة المحمدية انتهى(١). والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
(١) - ((فتح)"١٠ / ١٤٧ - ١٤٨ ((كتاب النكاح)).

٣٥
٤- (بَابُ النَّهي عَنِ التَّلُ) - حديث رقم ٣٢١٥
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث سعد بن أبي وقّاص رضي اللَّه تعالى عنه هذا متفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا- ٣٢١٣/٤ - وفي («الكبرى» ٥٢٢٣/٥. وأخرجه (خ) في ((النكاح)) ٥٠٧٤
(م) ((النكاح)) ١٤٠٢ (ت) ((النكاح)) ١٠٨٣ (ق) ((النكاح))١٨٤٨ (أحمد) ((مسند
العشرة١٥١٧٨ و١٥٢٨ و١٥٩١ (الدارميّ) («النكاح))٢١٦٧ و٢١٦٩ . والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان النهي عن التبتّل. (ومنها):
بيان سماحة الشريعة، وسهولة تكاليفها، حيث منعت عن الاختصاء الذي هو ضرره أكثر
من نفعه، حيث يمنع من الطيبات، وينقطع به النسل، وتنقص به كرامة الرجل.
(ومنها): ما كان عليه الصحابة ** من الحرص على الطاعة، وإزالة العقبات التي
تعوقهم عنها، وإن كان فيها ألم وضرر في أبدانهم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٢١٤- (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ أَشْعَثَ، عَنِ الْحَسَنِ،
عَنْ سَعْدٍ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ عَائِشَةَ: ((أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بَهِ نََّى عَنِ التَّبْتُلِ»).
قال الجامع عفّا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح غير شيخه
((إسماعيل بن مسعود)): هو الْجَخدريّ البصريّ فإنه من أفراده. و((خالد)): هو ابن
الحارث الْهُجَيميّ البصريّ. و((أشعث)): هو ابن عبد الملك الْحُمْرَانيّ البصريّ.
و(الحسن)): هو ابن أبي الحسن البصريّ. و(سعد بن هشام)) بن عامر الأنصاريّ المدنيّ
الثقة، استُشهد بأرض الهند، وكلهم تقدّموا غير مرّة.
وقد تقدّم معنى التبتّل.
والحديث صحيح بما قبله؛ فلا يضرّه عنعنة الحسن، وإن كان مدلسًا، وهو من أفراد
المصنّف، أخرجه هنا- ٣٢١٥/٤ - وفي ((الكبرى)) ٤/ ٥٣٢٢. وأخرجه (أحمد) في
(مسند الأنصار)) ٢٤٤٢٢ و٢٤٧١١ و٢٥٦١٩ (الدارميّ) ٢١٢٨ . والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٢١٥- (خَبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي،
عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْذُبٍ، عَنِ النَّبِيِّ ◌ِِّ: (َأَنَهُ نَّهَى عَنِ التَّبْتُّلِ)) .
قَالَ أَبو عَبْد الرَّحَمَنِ: قَتَادَةُ أَثْبَتُ وَأَخْفَظُ مِنْ أَشْعَثَ، وَحَدِيثُ أَشَعَثَ أَشْبَهُ
بِالصَّوَابِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَغَلَمُ).

٣٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ النّكَاحِ
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح و((إسحاق بن
إبراهيم)): هو ابن راهويه. و((أبو معاذ)): هو هشام الدستوائيّ.
وقوله: ((قتادة أثبت الخ)) أراد به أن قتادة، وإن كان مقدّمًا في الحفظ على أشعث
الحمرانيّ، إلا أنه هنا يقدّم الأشعث، فيُرجّح كون الحديث من مسند عائشة رضي الله
تعالى عنها، كما في الرواية السابقة، لا من مسند سمرة رَّه ، ولعلّ ترجيحه لمتابعة
حصين بن نافع له، كما يأتي بعد حديث، إلا أنه موقوف.
وقد ذكر الترمذي رحمه الله تعالی تصحیح کلا الحدیثین، ونصّه في «جامعه» بعد ما
أخرج حديث سمرة تَظفيه : حديث سمرة حديث حسنٌ. وروى الأشعث بن عبد الملك
هذا الحديث عن الحسن، عن سعد بن هشام، عن عائشة، عن النبيّ وَّر نحوه.
ويقال: كلا الحديثين صحيح. انتهى(١).
والحديث أخرجه المصنف رحمه اللّه تعالى هنا-٣٢١٤/٤ - وفي (الكبرى))٤/
٥٣٢١. وأخرجه (ت) في ((النكاح)) ١٠٨٢ (ق) ((النكاح))١٨٤٩.
وفي إسناده الحسن البصريّ، وفي سماعه من سمرة خلاف مشهور، لکن یشهد له ما
سبق من حديث سعد بن أبي وقّاص رَّهِ وغيرُهُ، فهو صحيح. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٢١٦- (أَخْبَرَنَا يَخْيَى بْنُ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاض، قَالَ: حَدَّثَنَا
الْأَوْزَاعِيُّ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ،
إِنِّي رَجُلٌ شَابٌ، قَدْ خَشِيتُ عَلَّى نَفْسِيَ الْعَنَتَ، وَلَا أَجِدُ طَوْلاً، أَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ،
أَفَأَخْتَصِي؟ فَأَعْرَضَ عَنْهُ النَّبِيُّ ◌َِّ، حَتَّى قَالَ ثَلَاثًا، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َ، يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، ((جَفَّ
الْقَلَمُ بِمَا أَنْتَ لَاقٍ، فَاخْتَصٍ عَلَى ذَلِكَ، أَوْ دَعْ)).
قَالَ أَبو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: الْأَوْزَاعِيُّ لَمْ يَسْمَعْ هَذَا الْحَدِيثَ مِنَ الزُّهْرِيِّ، وَهَذَا حَدِيثٌ
صَحِيحٌ، قَدْ رَوَاهُ يُونُسُ، عَنِ الزُّهرِيُّ).
رجال هذا الإسناد: ستة :
١- (يحيى بن موسى) البلخيّ كوفي الأصل الملقّب بـ((ختٌ))، ثقة [١٠]٢٣٦/١٤٦.
٢- (أنس بن عياض) بن ضمرة، أبو عبد الرحمن، أو أبو ضمرة المدنيّ ثقة [٨]٢٢/
١٢٢٩ .
٣- (الأوزاعيّ) عبد الرحمن بن عمرو، أبو عمرو، ثقة جليل فقيه [٧]٥٦/٤٥.
(١) - ((الجامع)) ٢٠٣/٤ بنسخة ((تحفة الأحوذي)).

٣٧
٤- (بَابُ النَّهْي عَن التبَّتُلُ) - حديث رقم ٣٢١٦
٤ - (ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري الإمام الحجة الثبت [٤]١/١.
٥- (أبو سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت [٣]١/١.
٦- (أبو هريرة) رضي الله تعالى عنه١/١. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن
تابعيّ، وفيه أبو هريرة رضي أكثر من روى الحديث في دهره، روى (٥٣٧٤) حديثًا .
والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرحمن (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) رضي اللّه تعالى عنه (قَالَ: قُلْتُ: يَا
رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي رَجُلٌ شَابٍّ، قَدْ خَشِيتُ) بكسر الشين المعجمة: أي خِفْت (عَلَى نَفْسِيَ
الْعَنَتَ) -بفتح المهملة، والنون، ثم مثنّاة -: هو الزنا، ويُطلق على الإثم، والفُجور،
والأمر الشاقّ والمكروه. وقال ابن الأنباريّ: أصل الْعَنَتِ الشدّة (وَلَا أَجِدُ طَوْلاً) -
بفتح، فسكون- أي قدرةً على المهر. وقيل: الطول الغنى. وقيل: الفضل. أفاده في
((اللسان)). وقال الفيّوميّ: وطال على القوم يطول طَوْلاً، من باب قال: إذا أفضل، فهو
طائلٌ، وأطال بالألف، وتطوّل كذلك، وطَوْلُ الحرّة مصدرٌ في الأصل من هذا؛ لأنه
إذا قدر على صداقها، وكُلّفتها، فقد طال عليها. وقال بعض الفقهاء: طَوْل الحرّة ما
فَضَلَ عن كفايته، وكفَى صرفُهُ إلى مُؤَن نكاحه، وهذا موافقٌ لما قاله الأزهريّ: نزل
قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِىَ الْعَنَتَ مِنكُمْ﴾ [النسائيّ: ٢٥] فيمن لا يستطيع طَوْلاً.
وقيل: الطَّوْلُ الغِنَى. والأصل أن يُعَدَّى بـ((إلى))، فيقال: وجدتُ طولاً إلى الحرّة: أي
سَعَةٌ من المال؛ لأنه بمعنى الْوُصلة، ثم كثُرَ الاستعمال، فقالوا: طولاً إلى الحرّة، ثم
زاد الفقهاء تخفيفه، فقالوا: طول الحرّة. وقيل: الأصلُ طولاً عليها انتهى(١).
وقوله (أَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ) بتقدير حرف مصدريّ مجرور بحرف جرّ مقدّر، أي إلى تزوّج
النساء. وحذف الحرف المصدريّ مع رفع الفعل قياسيّ، على الراجح، كما قوله
تعالى: ﴿وَمِنْ ءَايَتِهِ، يُرِيكُمُ الْبَّقَ﴾ الآية [الروم: ٢٤]، وأما حذفه، مع نصب
الفعل، فشاذْ، كما قال ابن مالك في ((الخلاصة)):
وَشَذَّ حَذْفُ ((أَنْ)) وَنَصْبٌ فِي سِوَى مَا مَرَّ فَاقْبَلْ مِنْهُ مَا عَذْلٌ رَوَى
(١) - راجع ((المصباح المنير)) في مادّة طال.

٣٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ النَّاح
(أَفَأَخْتَصِي؟) أي أستخرج الْخُصْيَتِين (فَأَعْرَضَ عَنْهُ) أي عن أبي هريرة عبّر عنه باسم
الغيبة؛ لأن الكلام في محلّ إعراض النبيّ وَّر عنه، ومثل هذا المقام يناسب الغيبة،
فافهم. قاله السنديّ (النّبِيُّ وََّ، حَتَّى قَالَ ثَلَاثًا) أي حتى ردّد الكلام أبو هريرة ثلاث
مرّات (فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َ، يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، ((جَفَّ الْقَلَمُ بِمَا أَنْتَ لَاقٍ) أي جَفَّ القلم بالفراغ
من كتابة ما هو كائنٌ في حقّك، أي قد كُتِبَ عليك، وقُضي ما تلقاه في حياتك،
والمقدور لا يتبدّل بالأسباب، فلا ينبغي ارتكاب الأسباب المحرّمة لأجله، نعم إذا شرع
الله تعالى سببًا، أو أوجبه فالمباشرة به شيء آخر. قاله السنديّ.
وقال في (الفتح)): قوله: ((جفّ القلم الخ)): أي نفذ المقدور بما كُتب في اللوح
المحفوظ، فبقي القلم الذي كُتب به جافًّا، لا مِداد فيه؛ لفراغ ما كتب به. قال عياض :
كتابة الله، ولوحه، وقلمه من غيب علمه الذي نؤمن به، ونكل علمه إليه انتهى.
(فَاخْتَصِ عَلَى ذَلِكَ، أَوْ دَعْ) ولفظ البخاريّ: ((أو ذَر))، ومعناهما واحدٌ، أي اترك
الاختصاء .
وفي رواية الطبرانيّ، وحكاها الحميديّ في ((الجمع))، ووقعت في ((المصابيح)):
((فاقتَصِرْ على ذلك، أو ذَرْ)) قال الطيبيّ: معناه اقتصر على الذي أمرتك به، أو اتركه،
وافعل ما ذكرتَ من الخصاء انتهى .
وأما اللفظ الذي وقع في الأصل، فمعناه: فافعل ما ذكرتَ، أو اتركه، واتبع ما
أمرتك به. وعلى الروايتين، فليس الأمر فيه لطلب الفعل، بل هو للتهديد، وهو
كقوله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنْ شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَنِ شَآءَ فَلْيَكْفُرَّ﴾ الآية
[الكهف: ٢٩].
والمعنى إن فعلتَ، أو لم تفعل فلا بدّ من نفوذ القدر، وليس فيه تعرّضٌ لحكم
الخصاء .
ومُحَصَّلُ الجواب أن جميع الأمور بتقدير اللَّه تعالى في الأزل، فالخصاء، وتركه
سواء، فإن الذي قدّر لا بدّ أن يقع.
وقوله: ((على ذلك)) متعلّق بمقدّر، أي اختصِ حال استعلائك على العلم بأن
كلّ شيء بقضاء الله وقدره، وليس إذنًا في الخصاء، بل فيه إشارة إلى النهي عن
ذلك، كأنه قال: إذا علمت أن كلّ شيء بقضاء الله، فلا فائدة في الاختصاء. وقد
تقدّم أنه وَّ نهى عثمان بن مظعون لَمّا استأذنه في ذلك، وكانت وفاته قبل هجرة
أبي هريرة بمدّة.
وأخرج الطبرانيّ من حديث ابن عبّاس رضي اللّه تعالى عنهما، قال: شكا رجلٌ إلى

٣٩
٤ - (بَأَبُ النَّهْي عَنِ التَبَل) - حديث رقم ٣٢١٦
رسول اللَّه ◌َ﴿ العزوبة، فقال: ألا أختصي؟، قال: ((ليس منّا من خُصي، أو
اختصی))(١) .
[فإن قيل]: لم لم يُؤمر أبو هريرة بالصيام لكسر شهوته، كما أُمر غيره؟.
[أجيب]: بأن أبا هريرة كان الغالب من حاله ملازمة الصيام؛ لأنه كان من أهل
الصفّة .
قال الحافظ: ويحتمل أن يكون أبو هريرة سمع: ((يامعشر الشباب من استطاع منكم
الباءة، فليتزوّج ... )) الحديث، لكنه إنما سأل عن ذلك في حال الغزو كما وقع لابن
مسعود، وكانوا في حال الغزو يؤثرون الفطر على الصيام للتقوّي على القتال، فأدّاه
اجتهاده إلى حسم مادة الشهوة بالاختصاء كما ظهر لعثمان، فمنعه وَ له من ذلك، وإنما
لم يرشده إلى المتعة التي رخص فيها لغيره لأنه ذكر أنه لا يجد شيئًا، ومن لم يجد شيئًا
أصلاً لا ثوبًا، ولا غيره، فكيف يستمتع، والتي يستمتع بها لا بدّ لها من شيء. انتهى.
(قَالَ أَبو عَبْدِ الرَّحْمَنِ) النسائيّ رحمه اللَّه تعالى (الْأَوْزَاعِيُّ لَمْ يَسْمَعْ هَذَا الْحَدِيثَ مِنَ
الزُّهْرِيِّ، وَهَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، قَدْ رَوَاهُ يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيّ) يعني أن هذا الحديث
منقطع من طريق الأوزاعيّ؛ لأنه لم يسمعه من الزهريّ، ولكنه صحيح؛ لأنه قد رواه
يونس بن يزيد الأيليّ، عن الزهريّ، وروايته هي التي علّقها البخاريّ في ((صحیحه))،
کما سيأتي قريبًا.
فقوله: ((قد رواه يونس الخ)) جملة تعليلية لقوله: ((صحيح)). والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة رضي اللَّه تعالى عنه هذا صحيح، كما أشار إليه المصنف في
كلامه المذكور آنفًا .
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
(١) - أخرجه الطبرانيّ في ((المعجم الكبير١/١١٧/٣٤ عن معلى الجعفيّ، عن ليث، عن مجاهد،
وعطاء، عن ابن عباس. وفيه المعلى المذكور، وهو ابن هلال الحضرميّ، ويقال: الجعفيّ
الطحان الكوفيّ، وهو كذاب اتفق النقاد على تكذيبه، قاله في ((التقريب))، فالحديث موضوع،
لتفرّد هذا الكذاب به. راجع ((الضعيفة)) للشيخ الألباني ٣/ ٤٧٩٤٨٠ رقم ١٣١٤، فقد أجاد
الكلام فيه، جزاه الله خيرًا. والعجب من الحافظ حيث سكت عنه هنا كأنه حديث ثابت. والله
تعالى الهادي إلى سواء السبيل.

٤٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ النّكَاحِ
أخرجه هنا- ٣٢١٦/٤ - وأخرجه (خ) تعليقًا في ((النكاح)) ٥٠٧٦. بقوله: ((وقال
أصبغ: أخبرني ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة
رَوّه، قال: قلت: يا رسول اللَّه إني رجل شابّ ... )) الحديث.
قال في ((الفتح)): قوله: وقال أصبغ)) كذا في جميع الروايات التي وقفت عليها، وكلام
أبي نعيم في ((المستخرج)) يُشعر بأنه قال فيه حديثًا. وقد وصله جعفرٌ الفريابيّ في ((كتاب
القدر))، والجوزقيّ في ((الجمع بين الصحيحين))، والإسماعيليّ من طرق عن أصبغ.
وأخرجه أبو نُعيم من طريق حرملة، عن ابن وهب. وذكر مغلطاي أنه وقع عند الطبريّ :
رواه البخاريّ عن أصبغ بن محمد، وهو غلطً، هو أصبغ بن الفرج، ليس في آبائه
محمد انتهى(١). والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده :
(منها): ما ترجم له المصنّ رحمه الله تعالى، وهو بيان النهي عن التبتّل، ووجه
دلالته عليه، أن الاختصاء يقطع الشهوة إلى النكاح، وهذا هو معنى التبتّل، إذ هو
الانقطاع عن النكاح، وما يتبعه من الملاذّ إلى العبادة. (ومنها): أن القدر إذا نفذ لا تنفع
فيه الحيل. (ومنها): مشروعيّة شكوى الشخص ما يقع له للكبير، ولو كان مما
يُستهجن، ويُستقبح. (ومنها): أن من لم يجد الصداق لا يتعرّض للتزويج. (ومنها):
جواز تكرار الشكوى إلى ثلاث. (ومنها): أن الجواب لمن لا يقتنع يكون بالسكوت.
(ومنها): جواز السكوت عن الجواب لمن يُظنّ به أنه يفهم المراد من مجرّد السكوت.
(ومنها): استحباب تقديم طالب الحاجة بين يدي حاجنه عذره في السؤال. (ومنها): أن
الأسباب إذا لم تصادف القدر لا تُجدي. (ومنها): ما قاله الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة
رحمه الله تعالى: يؤخذ منه أنه مهما أمكن المكلّفَ فعلُ شيء من الأسباب المشروعة
لا يتوكّل إلا بعد عملها؛ لئلا يُخالف الحكمة، فإذا لم يَقدِر عليه وطّن نفسه على الرضا
بما قَدّر عليه مولاه، ولا يتكلّف من الأسباب ما لا طاقة به له. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٢١٧- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْخَلَنْجِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ، مَوْلَى بَنِي
هَاشِم، قَالَ: حَدَّثَنَا حُصَيْنُ بْنُ نَافِعِ الْمَازِنِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْحَسَنُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامِ،
أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ، قَالَ: قُلْتُ: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكِ عَنِ النَّبْتُلِ؟ فَمَا تَرَفِّنَ
فِيهِ؟، قَالَتْ: فَلَا تَفْعَلْ، أَمَا سَمِعْتَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُّلًا مِّن قَبْلِكَ
(١) - ((فتح)١٠٨ / ١٥٠.