Indexed OCR Text
Pages 321-340
٤٤- (فَضْلُ مَنْ جَهَّزَ غَازِیا) - حديث رقم ٣١٨٣ ٣٢١ = بكِسْرة، حتى اجتمع على النطع من ذلك شيء يسير، قال: فدعا رسول اللّه ◌َالله عليه بالبركة، ثم قال: ((خذوا في أوعيتكم))، قال: فأخذوا في أوعيتهم، حتى ما تركوا في العسكر وعاء، إلا ملئوه، قال: فأكلوا حتى شبعوا، وفضلت فضلة، فقال رسول الله مَله: ((أشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول اللَّه، لا يلقى الله بهما عبد، غير شاكٌ، فيحجبَ عن الجنة)). وقال ابن عرفة: سُمي جيش تبوك جيش العسرة؛ لأن رسول اللّه مَّ نَدَبَ الناس إلى الغزو في حمارة القيظ(١)، فغلُظ عليهم، وعَسُرَ، وكان إبّان انتياع الثمرة، قال: وإنما ضُرب المثل بجيش العسرة؛ لأن رسول اللّه وَ لّ لم يغز قبله في عدد مثله؛ لأن أصحابه يوم بدر كانوا ثلثمائة وبضعة عشر، ويوم أحد سبعمائة، ويوم خيبر ألفًا وخمسمائة، ويوم الفتح عشرة آلاف، ويوم حُنين اثني عشر ألفًا، وكان جيشه في غزوة تبوك ثلاثين ألفًا وزيادة، وهي آخر مغازيه بَّةَ، وخرج رسول اللّه بَّ في رجب، وأقام بتبوك شعبان، وأيامًا من رمضان، وبثّ سراياه، وصالح أقوامًا على الجزية(٢). (فَجَهَّزْتُهُمْ، حَتَّى لَمْ يَفْقِدُوا) - بكسر القاف- من باب ضرب: أي لم يَعدَموا (عِقَالاً) -بكسر العين المهملة، وتخفيف القاف -: الحبل الذي يُعقل به البعير، وهو أن تَثْنِيَ وَظِيفَهُ مع ذراعه، فتشُدَّهما جميعًا في وسط الذراع بحبل. قاله الفيّوميّ (وَلَا خِطَامًا) - بكسر الخاء المعجمة، وتخفيف الطاء المهملة -: هو الحبل يُجعل على خَطْم البعير، أي مقدّم أنفه وفمه، جمعه خُطُم، مثلُ كتاب وكُتُب. وأخرج الترمذيّ من حديث عبد الرحمن بن حباب السلميّ أن عثمان جهزهم بثلثمائة بعير، ولأحمد من حديث عبد الرحمن بن سمرة تَّه أنه جاء بألف دينار في ثوبه، فصبها في حجر النبيّ وَّ حين جهز جيش العسرة، فقال ◌َله: ((ما على عثمان من عمل بعد اليوم)). وأخرج أسد بن موسى في ((فضائل الصحابة)) من مرسل قتادة: ((حَمَلَ عثمان على ألف بعير، وسبعين فرسًا في العسرة)). وعند أبي يعلى من وجه آخر ضعيف: ((فجاء عثمان بسبعمائة أوقيّة ذهب)). وعند ابن عديّ بسند ضعيف جدًّا عن حُذيفة رَزَيه أن النبيّ وَّر استعان عثمان في جيش العسرة، فجاء بعشرة آلاف دينار))، ولعلّها كانت عشرة آلاف درهم، فتوافق رواية عبد الرحمن بن سمرة من صرف الدينار بعشرة دراهم. قاله في ((الفتح))(٣) . (١) أي في شدة الحرّ. (٢) راجع تفسير القرطبيّ في ((سورة التوبة)) ٢٧٨/٨ - ٢٨٠. (٣) - ((فتح٦٨/٦٩ في ((كتاب الوصايا)). ٣٢٢ شرح سنن النسائي - کِتَابُ الْجھَادِ (فَقَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ، قَالَ: اللَّهُمَّ اشْهَدٍ) أي على إقامتي الحجّة على الأعداء، على لسان الأولياء، فإن مقصوده تَّه كان إسماع من يعاديه ما له من المكانة عند الله تعالى (اللَّهُمَّ اشْهَدٍ، اللَّهُمَّ اشْهَدْ) كرّره للتأكيد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عثمان رضي اللّه تعالى عنه هذا صحيح. [فإن قلت]: كيف يصح، وفي إسناده عمرو بن جاوان، وهو مجهول العين؛ إذ لم يرو عنه غير حُصين بن عبد الرحمن؟ . [قلت]: لم ينفرد به عمرو، فقد أخرجه المصنّف رحمه الله تعالى في ((كتاب الإحباس)) - ٣٦٠٩/٤- من طريق سعيد الجريريّ، عن ثمامة بن حَزْن القشيريّ، عن عثمان رَّ. و- ٣٦٠١٠/٤ - من طريق أبي إسحاق السبيعيّ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عثمان رَّه . والله تعالى أعلم. وهو من أفراد المصنف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا - ٣١٨٣/٤٤ وفي ((الأحباس)) ٤/ ٣٦٠٧ و ٣٦٠٨ و٣٦٠٩ و٣٦١٠ و٣٦١١ - وفي «الكبری)) ٦٤٣٣/٤ و٦٤٣٤ و ٦٤٣٥ و٦٤٣٦ و٦٤٣٧ . وأخرجه أحمد في («مسند العشرة» ٥١٣ . والله تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان فضل من جهّز غازيًا في سبيل اللَّه تعالى، وذلك أنه وَ ل ◌ّ قال: ((من يُجهّز هؤلاء، غفر اللَّه له)). (ومنها): أن فيه بيان فضائل عثمان رَّه ، حيث قام بهذه المهمات، فاستوجب ما وعد الله تعالى عليها على لسان نبيّه وَله. (ومنها): مشروعيّة وقف الأرض لبناء المسجد. (ومنها): وقف البئر، ونحوها لسقاية الماء. (ومنها): أن من وقف شيئا للمسلمين، يجوز أن ينتفع بوقفه على الراجح، وفيه اختلاف بين أهل العلم، سيأتي بيانه في ((كتاب الإحباس))، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)). ٣٢٣ ٤٥- (فَضْلُ النََّقَةِ فِي سَبِيلِ اللهِ تَعَالَى) - حديث رقم ٣١٨٥ ٤٥- (فَضْلُ النَّفَقَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَی) ٣١٨٤- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةٌ عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِم، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ قَالَ: ((مَنْ أَنْفَقَ زَّوْجَيْنٍ،َ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، نُودِيَ فِي الْجَنَّةِ، يَا عَبْدَ اللَّهِ، هَذَا خَيْرٌ، فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ، دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّلَاةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجِهَادِ، دُعِيَ مِنْ بَابِ الْجِهَادِ، وَمَنَ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ، دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّدَقَةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَّامِ، دُعِيَ مِنْ بَابِ الرَّيَّانِ))، فَقَالَ أَبُو بَكْرِ رَضِي اللَّه عَنْهَ: هَلْ عَلَى مَنْ دُعِيَ مِنْ هَذِهِ اَلْأَبْوَابِ، مِنْ ضَرُورَةٍ، فَهَلْ يُدْعَى أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأَبْوَابِ كُلِّهَا، قَالَ: ((نَعَمْ، وَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ))). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذا الحديث متفق عليه، وقد تقدّم للمصنّف رحمه الله تعالى في ((كتاب الصيام)» -٢٢٣٨/٤٣ - وتقدّم تمام شرحه، وبيان مسائله هناك، فراجعه تستفد . ورجال الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير شيخه الحارث، فقد تفرد به هو وأبو داود، وهو ثقة حافظ، وكلهم تقدّموا غير مرّة. و((حميد بن عبد الرحمن)) بن عوف، وهو أخو أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الآتي في السند التالي. وقوله: ((من أنفق زوجين الخ)) قال ابن الأثير: الأصل في الزوج الصنف، والنوع من كلّ شيء، ومن كلّ شيئين مقترنين، شكلين كانا، أو نقيضين، فهما زوجان، وكلّ واحد منهما زوج، يريد من أنفق صنفين من ماله انتهى(١). وقوله: ((هل على مِن يُدعى الخ)) الاستفهام هنا بمعنى النفي، كما في قوله تعالى: ﴿هَلْ جَزَآءُ اُلْإِحْسَنِ إِلَّا الْإِحْسَنُ﴾ [الرحمن: ٦٠]. وأما قوله: ((فهل يُدعى الخ)) فهو استفهام حقيقي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣١٨٥- (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ، عَنِ الْأَوْزَاعِيّ، قَالَ: حَدَّثَنِي (١) - ((النهاية)) ٢/ ٣١٧. ٣٢٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجِهَادِ يَحْيِى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَنَا (١) أَبُو سَلمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وََِّ: ((مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، دَعَتْهُ خَزَنَةُ الْجَنَّةِ، مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، يَا فُلَانُ هَلُمَّ، فَادْخُلْ))، فَقَالَ أَبُو بَكْرِ: يَا رَسُوَّلَ اللَّهِ، ذَاكَ الَّذِي لَا تَوَى عَلَيْهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ: ((إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ))). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((عمرو بن عثمان)): هو أبو حفص الحمصيّ. و((بقيّة)): هو ابن الوليد الحمصيّ. و((الأوزاعيّ)): هو أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو الدمشقيّ. و(يحيى)): هو ابن أبي كثير. و((محمد بن إبراهيم)): هو أبو عبد اللّه التيميّ المدنيّ راوي حديث النيّة. وقوله: ((يا فلانُ هلُمّ، فادخل)): أي تعال إلى هذا الباب، فادخل الجنّة منه. وقوله: ((ذاك)) أي المدعوّ من جميع أبواب الجنة. وقوله: ((لا توى عليه)): أي لا ضياع، ولا خَسَارة، بل فاز كلَّ الفوز. قال السنديّ: ولا يخفى ما بين الروايتين من التدافع، والظاهر أنه لسهو من بعض الرواة. ويحتمل أنهما واقعتان، وقعتا في مجلس بأن أوحي إليه أوّلاً بالمناداة من باب واحد، فأخبر به، فسأله أبو بكر، هل في الناس من يُنادى من تمام الأبواب؟، وأوحي إليه ثانيًا بالمناداة من تمام الأبواب، فأخبر به، فمدح ذلك المنادَى أبو بكر على حسب ما هو اللائق بكلّ مجلسٍ، وبشّره النبيّ وَّر بأنه ينادى من تمام الأبواب. واللّه تعالى أعلم بالصواب. انتهى (٢). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الاحتمال الثاني بعيدٌ، بل الأقرب أنه من تصرّف بعض الرواة، واختصاره، فالرواية السابقة هي التي أخرجها الشيخان، وغيرهما، فلا بدّ من حمل هذه الرواية على أن بعض الرواة اختصرها. والحديث متفق عليه، وتمام البحث فيه سبق في الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣١٨٦- (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ صَعْصَعَةَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، قَالَ: لَقِيتُ أَبَا ذَرٍّ، قَالَ: قُلْتُ: حَدْثْنِي، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهُ: ((مَا مِنْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ، يُنْفِقُ مِنْ كُلِّ مَالٍ لَهُ زَوْجَيْنِ، فِي سَبِيلٍ اللَّهِ، إِلَّ اسْتَقْبَلَتْهُ حَجَبَةُ الْجَنَّةِ، كُلُّهُمْ يَدْعُوهُ إِلَى مَا عِنْدَهُ))، قُلْتُ: وَكَيْفَ ذَلِكَ؟، قَالَ: إِنْ كَانَتْ إِلَا، فَبَعِيرَيْنِ، وَإِنْ كَانَتْ بَقَرَا، فَبَقَرَتَيْنِ). (١) - وفي نسخة: ((أخبرنا)). (٢) - ((شرح السنديّ»٤٨/٦. ٣٢٥ ٤٥- (فَضْلُ النَّفَقَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى) - حديث رقم ٣١٨٦ رجال هذا الإسناد: ستة : ١- (إسماعيل بن مسعود) الجحدريّ، أبو مسعود البصريّ، ثقة [١٠]٤٢ /٤٧. ٢- (بشر بن المفضّل) بن لاحق، أبو إسماعيل البصريّ، ثقة ثبت عابد [٨]٨٢/٦٦. ٣- (يونس) بن عُبيد بن دينار العبدي البصريّ ثقة ثبت فاضل ورع [٥]١٠٩/٨٨. ٤- (الحسن) بن أبي الحسن يسار البصريّ، ثقة فقيه فاضل، لكنه يدلس ويرسل[٣]. ٥- (صعصعة بن معاوية) التميميّ السعديّ البصريّ، عمّ الأحنف ، له صحبة، وقيل: إنه مخضرم ١٨٧٤/٢٣ . ٠ ٦- (أبو ذر) جندب بن جُناد على الأصح الغفاريّ الصحابيّ المشهور ٣٢٢/٢٠٣ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده، وصعصة تفرّد به هو وابن ماجه. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وصحابيّ، عن صحابيّ، إن ثبتت صحبة صعصعة، وإلا ففيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ صَعْصَعَةَ بْنِ مُعَاوِيَةً) التميميّ السعديّ، وفي رواية أحمد، من طريق قرّة بن خالد، عن الحسن: ((حدثني صعصعة بن معاوية))، فصرّح الحسن بالتحديث، فبطل إعلال بعضهم الحديث بعنعنته (قَالَ: لَقِيتُ أَبَا ذَرُ) جُندب بن جُنادة رَّهِ ، أي بالرَّبَذَة. ففي رواية قرة المذكورة عند أحمد: ((قال انتهيت إلى الرَّبَذَة، فإذا أنا بأبي ذر، قد تلقاني برواحل، قد أوردها، ثم أصدرها، وقد أعلق قِرْبَةً في عنق بعير منها، ليَشْرَبَ، ويَسْقِيَ أصحابه، وكان خُلُقًا من أخلاق العرب، قلت: يا أبا ذر، ما لك؟، قال: لي عملي ... )) (قَالَ) صعصعة (قُلْتُ: حَدْثْنِي) أي بشيءٍ سمعته من رسول اللّه وَّرَ، ففي رواية أحمد من طريق هشام بن حسان، عن الحسن: ((ألا تحدّثني حديثًا سمعته من رسول اللَّه وَ ل ... )) (قَالَ: نَعَمْ) وفي رواية أحمد المذكورة: ((قال: بلى)) (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((مَا مِنْ عَبْدٍ مُسْلِم، يُنْفِقُ مِنْ كُلِّ مَالٍ لَهُ) أي من أيّ صنف من أصناف مالٍ كان له (زَوْجَيْنٍ) أي صنفين اُفِي سَبِيلِ اللَّهِ، إِلَّ اسْتَقْبَلَتْهُ حَجَبَةُ الْجَنَّةِ) - بفتحتين- جمع ٣٢٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجِهَادِ حاجب، أي حُرّاسها، وهو في معنى الرواية الأخرى: ((خزنة الجنّة)» (كُلُّهُمْ يَدْعُوهُ إِلَى مَا عِنْدَهُ) أي كلّ واحد من الحجبة يدعوه إلى ما عنده من الباب حتى يتشرّف بالدخول من عنده (قُلْتُ) الظاهر أن القائل هو صعصعة، فيكون التفسير موقوفًا، ويحتمل أن يكون مرفوعًا (وَكَيْفَ ذَلِكَ؟) أي ما معنى زوجين؟، وفي رواية أحمد: ((قلنا: ما هذان الزوجان؟)» (قَالَ: إِنْ كَانَتْ إِيلًا) أي كانت أمواله إبلاً، فاسم ((كان)) ضمير يعود إلى ((كلّ مال))، وأنثه باعتبار أموال (فَبَعِيرَيْنٍ) منصوب بفعل مقدّر يدلّ عليه قوله: ((يُنفق))، أي يُنفق بعيرين (وَإِنْ كَانَتْ بَقَرًا، فَبَقَرَتَيْنِ) وفي رواية أحمد المذكورة: (( قال إن كانت رِحَالا فَرَخلان، وإن كانت خيلا، ففرسان، وإن كانت إبلا، فبعيران، حتى عَدَّ أصناف المال كله)). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث أبي ذرّ رضي الله تعالى عنه هذا صحيح، فقد صرّح الحسن بالتحديث، كما نقدّم قريبًا، وهو من أفراد المصنف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا-٣١٨٦/٤٥ - وفي («الكبرى» ٤٣٩٤/٤١. وأخرجه (أحمد) في ((مسند الأنصار)) ٢٠٨٥١ و٢٠٩٠٤ و٢٠٩٤٢ (الدارميّ) في ((الجهاد)) ٢٤٠٣. وفوائده تعلم مما سبق. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الو کیل. ٣١٨٧- (أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي النَّضْرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ الْأَشْجَعِيُّ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنِ الزُّكَيْنِ الْفَزَارِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ يُسَيْرِ بْنِ عَمِيلَةَ، عَنْ خُرَيْمِ بْنِ فَاتِكِ: ((قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((مَنْ أَنْفَقَ نَفَقَةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ، كُتِيَتْ لَهُ بِسَبْعِمِائَةٍ ضِعْفٍ))). رجال هذا الإسناد: ثمانية : ١- (أبو بكر بن أبي النضر) هو: ابن النضر بن أبي النضر، نُسب لجدّه، واسمه كنيته، وقيل: محمد، وقيل: أحمد، البغداديّ، ثقة [١١]٢٤١٦/٨٣. ٢- (أبو النضر) هاشم بن القاسم بن مسلم الليثيّ مولاهم البغداديّ، يُلقّب قيصر، ثقة ثبت [٩]٧١ / ٢٤٠٧ . ٣- (عبيدالله الأشجعيّ) -مصغّرًا- ابن عبد الرحمن، ويقال: ابن عُبيد الرحمن، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقة مأمون، أثبت الناس كتابًا في الثوريّ، من كبار[٩]١٩٠/ ١١٦٢ . ٤- (سفيان الثوريّ) ابن سعيد الكوفي، ثقة ثبت حجة [٧]٣٧/٣٣ . ٤٥- (فَضْلُ النَّقَةِ فِي سَبِيلِ اللهِ تَعَالَى) - حديث رقم ٣١٨٧ ٣٢٧ ٥- (الرُّكين الفزاريّ)- مصغّرًا- ابن الربيع بن عَميلة، أبو الربيع الكوفيّ، ثقة [٤] ١٥٣١/١٧ . ٦- (أبوه) الربيع بن عَمِيلة - بمهملة، ولام، مصغرًا (١) - كوفيّ ثقة [٢]. قال عثمان الدارميّ، عن ابن معين: ثقة. وقال ابن سعد: كان ثقة، وله أحاديث. وقال العجليّ: كوفيّ تابعيّ ثقة. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). روى له الجماعة، سوى البخاريّ، وله عند المصنّف في هذا الكتاب حديث الباب فقط. ٧- (يُسير- بالتصغير - ابن عَمِيلة) - بالتكبير - ويقال له أيضًا: أسير الفزاريّ، ثقة [٣]. قال العجليّ: كوفيّ تابعيّ ثقة. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). تفرّد به المصنّف، والترمذيّ، وله عندهما حديث الباب فقط. [تنبيه]: ((يسير بن عميلة)) هكذا في بعض نسخ ((المجتبى))، و((الكبرى))، وهو الصواب، كما هو في ((تحفة الأشراف))١٢١٢/٣، ووقع في معظم نسخها: ((يسير بن عمرو)) بدل ((ابن عميلة))، وهو غلط، فإن ابن عمرو راو آخر، وليس هو المراد هنا. فتنبّه. والله تعالى أعلم. ٨- (خُريم - بالتصغير - ابن فاتك) الأسديّ، أبو يحيى، وهو خُريم بن الأخرم بن شَدّاد بن عمرو بن فاتك بن عمرو بن أسد بن خُزَيمة، نُسب لجدّه، صحابيّ شهد الحديبية . روى عن النبيّ وَّر، وعن كعب الأحبار. وعنه ابنه أيمن، وحَبيب بن النعمان الأسديّ، وابن عباس، ويُسير بن عميلة، وغيرهم. وذكره البخاريّ، وغير واحد فيمن شهد بدرًا. وقال ابن سعد: كان الشعبيّ يَروي عن أيمن بن خُريم، قال: إن أبي، وعمّي شهدا بدرًا، وعهدا إليّ أن لا أقاتل مسلمًا. قال محمد بن عُمر: وهذا لا يُعرف عندنا، وإنما أسلما حين أسلمت بنو أسد بعد فتح مكة، وتحوّلا إلى الكوفة، فنزلاها بعد ذلك. وقال ابن منده: مات بالرقّة في عهد معاوية نَّه . قال الحافظ: وروينا في ((غرائب شعبة)) لأبي عبد الله بن منده، وفي الأول من ((أمالي المحامليّ)) بإسناد صحيح إلى الشعبيّ، عن أيمن بن خُريم، قال: إن عمّي شهد الحديبية. وقد أخرجه ابن عساكر من طرق، قال: وهو الصواب. انتهى(٢). أخرج له (١) - كذا ضبطه القاضي عياض بضم العين في ((المشارق))، وضبطه الحافظ في ترجمة حفيده الركين ابن الربيع، وابنه يسير بن عميلة بفتح العين، وكسر الميم، مكبّرًا، فليُحرّر. (٢) - ((تهذيب التهذيب))١/ ٥٤١. ٣٢٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجِهَادِ الأربعة، وله عند المصنّف في هذا الكتاب حديث الباب فقط. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من ثمانيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم ثقات. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه، وشيخ شيخه، فبغداديان. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه. (ومنها): أن ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: الركين، عن أبيه، عن يُسير. (ومنها): أن صحابيه من المقلين من الرواية، فليس له في ((السنن)) إلا ثلاثة أحاديث. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ خُرَيْمِ بْنِ فَاتِكِ) الأسديّ رضي اللّه تعالى عنه، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ◌ِِّ: ((مَنْ أَنْفَقَ نَفَقَةً) أي صرف نفقة، صغيرة كانت، أو كبيرة (فِي سَبِيلِ اللَّهِ) أي لإعلاء كلمة اللَّه تعالى (كُتِبَتْ) بالبناء للمجهول (لَهُ بِسَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ) والظاهر أن هذا هو أقلّ الموعود، والله سبحانه وتعالى يضاعف لمن يشاء، والله ذو الفضل العظيم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث خُرَيم بن فاتك رضي اللَّه تعالى عنه هذا صحيح. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٣١٨٧/٤٥ - وفي («الكبرى»٤٣٩٥/٤١. وأخرجه (ت) في ((الجهاد)) ١٦٢٥ . والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان فضل الإنفاق في سبيل الله عز وجل. (ومنها): بيان فضل الجهاد على غيره من الأعمال الصالحات، حيث كان أقلّ مضاعفة الثواب سبعمائة ضعف، مع أن سائر الأعمال إنما تضاعف بعشر أمثالها، فيكون الجهاد مخصوصًا من عموم قوله عز وجل: ﴿مَنْ جَآءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَمُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ الآية، [الأنعام: ١٦٠]. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)). -. ٣٢٩ ٤٦- (فَضْلُ الصَّدَقَةِ فِي سَبِيلِ اللهِ عز وجل) - حديث رقم ٣١٨٨ ٤٦- (فَضْلُ الصَّدَقَةِ فِي سَبِيل اللَّهِ عز وجل) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هكذا ترجم المصنّف رحمه اللّه تعالى بهذه الترجمة هنا، وفي ((الكبرى أيضًا ولم يظهر لي وجه الفرق بين هذه الترجمة، والترجمة السابقة، فإنهما بمعنّى واحد، وأحاديثهما متقاربة، فكان الأولى أن يُجعلا ترجمة واحدة. والله تعالى أعلم بالصواب. ٣١٨٨- (أَخْبَرَنَا بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَمْرِو الشَّيْبَانِيَّ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ، أَنَّ رَجُلاً، تَصَدَّقَ بِنَاقَةٍ مَخْطُومَةٍ، فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ بَّهِ: ((لَيَأْتِيَنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِسَبْعِمِائَةِ نَاقَةٍ مَخْطُومَةٍ))). رجال هذا الإسناد : ستة : ١- (بشر بن خالد) العسكريّ الفرائضيّ، نزيل البصرة، ثقة يُغرب [١٠]٨١٢/٢٦. ٢- (محمد بن جعفر) المعروف بغندر، أبو عبد الله البصريّ، ثقة، صحيح الكتاب، إلا أن فيه غفلة [٩]٢٢/٢١. ٣- (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة الثبة المشهور [٧]٢٤ / ٢٧. ٤ - (سليمان) بن مهران الأعمش الكوفيّ، ثقة ثبت ورع، إلا أنه يدلس [٥]١٧ /١٨. ٥ - (أبو عمرو الشيبانيّ) سعد بن إياس الكوفيّ، ثقة مخضرم [٢]٦١٠/٥١. ٦- (أبو مسعود) عقبة بن عمرو بن ثعلبة الأنصاريّ البدريّ ، الصحابيّ الشهير رضي اللّه تعالى عنه، مات قبل الأربعين، وقيل: بعدها، تقدّمت ترجمته في ٤٩٥/٦. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن نصفه الأول مسلسل بالبصريين، والثاني بالكوفيين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ) عقبة بن عمرو رضي اللَّه تعالى عنه (أَنَّ رَجُلا تَصَدَّقَ بِنَاقَةٍ) ولفظ ٣٣٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجِهَادِ مسلم من طريق جرير، عن الأعمش: ((جاء رجلٌ بناقة مخطومة، فقال: هذه في سبيل اللَّه ... )) (مَخْطُومَةٍ) أي فيها خطام، وهو قريبٌ من الزمام. قاله النوويّ(١). وقال ابن الأثير: خِطَامُ البعيرِ أن يُؤخذ من لِيفٍ، أو شَعَرٍ، أو كَتّان، فيُجعل في أحد طرفيه حَلْقة، ثمّ يُشدّ فيه الطرف الآخر حتى يَصير كالحَلْقَة، ثم يُقاد البعير، ثم يُثَنَّى على مَخْطِمِهِ. وأما الذي يُجعَلُ في الأنف دَقِيقًا فهو الزِّمَامُ انتهى(٢) (فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: (لَيَأْتِيَنَّ) بفتح أوّله، من الإتيان، والضمير للرجل، أي ليَحضُرَنَّ (يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِسَبْعِمِائَةِ نَاقَةٍ مَخْطُومَةٍ) أي جزاء ما تصدّق به في الدنيا. ولفظ مسلم: ((لك بها يوم القيامة سبعمائة ناقة كلّها مخطومة)). قال النوويّ رحمه اللَّه تعالى: قيل: يحتمل أن المراد له أجر سبعمائة ناقة. ويحتمل أن يكون على ظاهره، ويكون له في الجنّة بها سبعمائة، كلّ واحدة منهنّ مخطومة، يركبهنّ حيث يشاء للتنزه، كما جاء في خيل الجنّة(٣)، ونُجُبها، وهذا الاحتمال أظهر. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الاحتمال الأخير هو الحقّ، كما استظهره النوويّ؛ لأن نصوص الشارع إذا أمكن حملها على ظاهرها تعيّن، ولا يصار إلى التأويل إلا عند وجود دليل عليه. ومما يؤيّد هذا الاحتمال الظاهر - كما قال القاضي عياض رحمه اللَّه تعالى- قوله: ((مخطومة))، فإنه ظاهر في كونها ناقة عليها خطامها. والله تعالى أعلم. وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: هذه الحسنة مما ضُوعف إلى سبعمائة ضعف، وهو أقصى الأعداد المحصورة التي تضاعَف الحسنات إليها، وهذا كما قال تعالى: ﴿كَمَثَلٍ حَبَّةٍ أَثْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِ كُلِّ سُتْبُكَةٍ مِّئَةُ حَبٍَّ﴾ [البقرة: ٢٦١] وبقي بعد هذا المضاعفة من غير حصر، ولا حدّ، وهي مفهومة من قوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ يُضَعِفُ لِمَن يَشَآءُ﴾ الآية (١) - ((شرح مسلم)) ١٣ / ٤٠. (٢) - ((النهاية)» ٢ / ٥٠ . (٣) - أشار به إلى ما أخرجه الترمذيّ في ((جامعه))، فقال: ٢٥٤٤ - حدثنا محمد بن إسمعيل بن سمرة الأحمسي، حدثنا أبو معاوية، عن واصل - هو ابن السائب- عن أبي سورة، عن أبي أيوب، قال: أَتَّى النبيَّ ◌َّه أعرابي، فقال: يا رسول الله، إني أحب الخيل، أفي الجنة خيل؟، قال رسول اللَّه وَه: ((إن أُدخِلتَ الجنة، أَتِيتَ بفرس، من ياقوتة، له جناحان، فحُمِلتَ عليه، ثم طار بك حيث شئت)). قال أبو عيسى: هذا حديث ليس إسناده بالقوي، ولا نعرفه من حديث أبي أيوب، إلا من هذا الوجه، وأبو سورة، هو ابن أخي أبي أيوب، يضعف في الحديث، ضعفه يحيى بن معين جدًّا، قال: وسمعت محمد بن إسمعيل، يقول: أبو سورة هذا، منكر الحديث، يروي مناكير عن أبي أيوب، لا يتابع عليها انتهى. ٤٦- (فَضْلُ الصَّدَقَةِ فِي سَبِيلِ اللهِ عز وجل) - حديث رقم ٣١٨٩ ٣٣١ [البقرة: ٢٦١]. انتهى (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث : (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي مسعود رضي اللَّه تعالى عنه هذا أخرجه مسلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٣١٨٨/٤٦- وفي ((الكبرى)) ٤٣٩٦/٤٢ . وأخرجه (م) في ((الإمارة)) ١٨٩٢ (أحمد) في ((مسند الشاميين))١٦٦٤٥ و٢١٨٥٢ (الدارميّ) في ((الجهاد)) ٢٤٠٢. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣١٨٩- (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ، عَنْ بَحِيرٍ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ أَبِي بَخْرِيَّةَ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَِّ، أَنَّهُ قَالَ: ((الْغَزْوُ غَزْوَانٍ، فَأَمَّا مَنِ ابْتَغَى وَجْهَ اللَّهِ، وَأَطَاعَ الْإِمَامَ، وَأَنْفَقَ الْكَرِيمَةَ، وَيَاسَرَ الشَّرِيكَ، وَاجْتَتَبَ الْفَسَادَ، كَانَ نَوْمُهُ وَنُبْهُهُ، أَجْرًا كُلُّهُ، وَأَمَّا مَنْ غَزَا رِيَاءٌ، وَسُمْعَةً، وَعَصَى الْإِمَامَ، وَأَفْسَدَ فِي الْأَرْضِ، فَإِنَةُ لَا يَرْجِعُ بِالْكَفَافِ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١- (عمرو بن عثمان) بن سعيد بن كثير القرشي مولاهم، أبو حفص الحمصيّ، صدوق [٢١ /٥٣٥ . ٢- (بقيّة) بن الوليد بن صائد بن كعب الكلاعيّ، أبو يُحمِد الحمصيّ، صدوق، كثير التدليس عن الضعفاء [٨]٥٥/٤٥ . ٣- (بَجِير) بن سعد(٢) السّحوليّ الحمصيّ ثقة ثبت [٦]٦٨٨/١. ٤- (خالد) بن معدان الْكَلاعيّ، أبو عبد الله الحمصيّ، ثقة عابد، يرسل كثيرًا [٣]٦٨٨/١. ٥- (أبو بَحريّة) -بفتح الموحدة، وسكون المهملة، وتشديد المثنّاة- عبد الله بن قيس الكنديّ السَّكُونيّ التّراغِميّ - بمثناة، ثم معجمة(٣)- الحمصيّ، مشهور بكنيته، مخضرم، شَهِدَ خطبة عمر رَّهِ بالجابية، ثقة [٢]. (١) - ((المفهم »٧٢٦/٣ - ٧٢٧. (٢) - ((بحير)) - بفتح الموحدة، وكسر الحاء المهملة، و((سَعْد))- بفتح، فسكون. (٣) - نسبة إلى التّرَاغم بطن من السَّكون. قاله في ((لبّ اللباب))١٦٨/١. ٣٣٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجِهَادِ قال ابن خيثمة، عن ابن معين: ثقة. وقال العجليّ: شاميّ تابعيّ، ثقة. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). وقال الواقديّ: كتب عثمان إلى معاوية أن أَغْزِ الصائفة رجلاً مأمونًا، فعقد لأبي بحرية، وكان ناسكًا فقيهًا، يُحمل عنه الحديث، مات زمن الوليد بن عبد الملك، وكان خلفاء بني أميّة يُعظمونه. وقال ابن عبد البرّ: تابعيّ ثقة. وذكر أبو الحسن بن سُميع أنه أدرك الجاهليّة. وذكر الطبريّ أنه مات سنة (٧٧). أخرج له الجماعة، سوى البخاريّ، وله عند المصنّف في هذا الكتاب حديث الباب فقط، أخرجه هنا - ٣١٨٩/٤٦ وأعاده في - ٤١٩٦/٢٩ - . ٦- (معاذ بن جبل) بن عمرو بن أوس الأنصاريّ الخزرجيّ، أبو عبد الرحمن، من أعيان الصحابة، شهد بدرًا وما بعدها، وكان إليه المنتهى في العلم بالأحكام والقرآن، مكات بالشام سنة (١٨) على المشهور، وتقدم في ٥٨٧/٤٢ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فتفرد به هو وأبو داود، وابن ماجه، وبَحِير فمن رجال الأربعة، وبقيةُ علّق له البخاري، وأخرج له مسلم في المتابعات. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ) رضي الله تعالى عنه (عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ، أَنَّهُ قَالَ: ((الْغَزْوُ) أي جنسه، لا الغزو المعهود (غَزْوَانٍ) أي نوعان، أو قسمان. قال القاضي: أي غزوّ على ما ينبغي، وغزو لا على ما ينبغي، فاقتصر الكلام، واستغنى بذكر الغُزاة، وعدّ أصنافهم، وشرح حالهم، وبيان أحكامهم عن ذكر القسمين، وشرح كلّ واحدٍ منهما مفصّلاً، حيث قال (فَأَمَّا مَنِ ابْتَغَى وَجْهَ اللَّهِ) أي طلب رضا مولاه. وفي رواية: ((فأما من غزا ابتغاء وجه الله تعالى)) (وَأَطَاعَ الْإِمَامَ) أي في غزوه، فأتى به على نحو ما أمره (وَأَنْفَقَ الْكَرِيمَةَ) أي الأموال العزيزة عليه الجامعة للكمال. وفي ((المرقاة)): أي المختارة من ماله، وقتل نفسه، والتاء للنقل من الوصفيّة إلى الاسميّة (وَيَاسَرَ الشَّرِيكَ) أي عامله باليسر والسهولة، وفي ((المرقاة)): من المياسرة، بمعنى المساهلة، أي ساهل الرفيق على وجه المبالغة، واستعمل اليسر معه نفعًا بالمعونة، وكفايةً بالمؤونة (وَاجْتَبَ الْفَسَادَ) أي التجاوز عن المشروع، قتلاً، وضربًا، وتخريبًا، ونهبًا على قصد الفساد؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْثَوْاْ فِى الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [هود: ٨٥]، أي لا تُفسدوا فيها، حال ٣٣٣ ٤٦- (فَضْلُ الصَّدَقَةِ فِي سَبِيلِ اللهِ عز وجل) - حديث رقم ٣١٨٩ كونكم قاصدين الفساد، بل مريدين صلاح البلاد والعباد (كَانَ نَوْمُهُ) أي حينئذ (وَنُبْهُهُ) ظاهر عبارة ((القاموس)) أنه - بضمّ، فسكون- بمعنى القيام من النوم. وضبطه السيوطيّ في ((حاشية أبي داود)) -بفتح، فسكون- بمعنى ضدّ النوم، وقال في ((شرحه)) لهذا الكتاب: بفتح، فكسر موحّدة -: الانتباه من النوم. قال السنديّ: والظاهر أن قوله: فكسر موحدة غلط انتهى(١). وفي ((المرقاة)): ((ونبهه)) -بفتح الموحّدة-، وفي نسخة صحيحة بسكونها: أي يقظته، وفي معناهما غفلته وذكره، وأكله وشربه، وحركته وسكونه (أجرًا) أي ذا أجر وثواب. وقوله (كُلُّهُ) بالرفع تأكيد ((نومه، ونبهه))، أي كان كلّ واحد منهما له أجرًا. وهذا التركيب مشعر باهتمام حمل الأجر على النوم والنبه مبالغةً في بيان كونهما شيئين مستقلّين غاية الاستقلال. قاله في ((المرقاة))(٢). (وَأَمَّا مَنْ غَزَا رِيَاءٌ) بكسر الرياء، وتخفيف التحتانيّة، ممدودًا: أي ليرى الناس جلادته، وشجاعته، فيحمدوه (وَسُمْعَةً) بضم، فسكون: أي ليسمع الناس صِيته في شجاعته، وجلادته، فيحمدوه أيضًا (وَعَصَى الْإِمَامَ) أي خالف أمره، ونهيه (وَأَفْسَدَ فِي الْأَرْضِ) أي عمل بالفساد فيها بإهلاك الحرث والنسل، ﴿وَاَللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة: ٢٠٥] (فَإِنَّةً لَا يَرْجِعُ بِالْكَفَافِ) -بفتح الكاف، قال في ((القاموس)): كَفَافُ الشيءٍ، كسَحَاب مثلُهُ، ومن الرزق ما كفّ عن الناس، أي أغنى. انتهى. وقال ابن الأثير: الكفاف: هو الذي لا يفضل عن الشيء، بل يكون بقدر الحاجة إليه انتهى (٣). قال في ((اللسان)): ومنه قول الأُبَيرِدِ الْيَرْبُوعيّ [من الطويل]: أَلَا لَيْتَ حَظْي مِنْ غُدَانَةً أَنَّهُ يَكُونُ كَفَافًا لَا عَلَيَّ وَلَا لِيَا والمراد أنه لا يرجع من تلك الغزوة سالمًا، بل إنما يرجع متحمّلاً أوزارًا بسبب عدم إخلاصه، وعصيانه لإمامه، وإفساده في الأرض. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الألی): في درجته: حديث معاذ بن جبل رضي اللَّه تعالى عنه هذا صحيح، إن سلم من تدليس بقيّة، وقد حسّنه الشيخ الألباني؛ لكونه صرّح بالتحديث في رواية الهيثم بن كُليب في)) مسنده)) (١) - (شرح السنديّ»٥٠/٤٩/٦ . (٢) - ((المرقاة)) ٧ / ٤٠٧. (٣) - ((النهاية)) ٤ / ١٩١. ٣٣٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجِهَادِ (١/١٧١) ورواية أبي العباس الأصمّ في ((حديثه)) (ج٣ رقم٩٧) وابن عساكر (٨/ ١/٥١٢)(١). لكن المشكل أنه موصوف بتدليس التسوية، فلا بدّ من التصريح بالسماع فيمن بعده من رجال السند، فتفكّر. وذكر الشيخ أيضًا أنه رواه أبو القاسم إسماعيل الحلبيّ في ((حديثه)) (٢/١١٣) عن عثمان بن عطاء، عن أبيه، عن معاذ بن جبل، مرفوعًا به انتهى. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: عثمان بن عطاء بن أبي مسلم ضعيف جدًّا، فلا يصلح للاستشهاد به. والله تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا- ٣١٨٩/٤٦ و٤١٩٥/٢٩- وفي ((الكبرى)) ٤٣٩٧/٤٢ و((السير)) ٩٦/ ٨٧٣٠ . وأخرجه (د) في ((الجهاد)) ٢٥١٥ و(أحمد) في ((مسند الأنصار))٢١٥٣٧ (الدارميّ) في ((الجهاد))٢٤١٧. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنف رحمه اللّه تعالى، وهو بيان فضل الصدقة في سبيل اللّه تعالى، حيث إن الغازي إذا أنفق ماله العزيز عليه في سبيل اللّه تعالى، مع مراعاة بقية الأوصاف كان كل حالاته أجرًا في ميزان حسناته. (ومنها): أن الغزو الكامل الذي جاء فضله في كتاب الله تعالى، وأحاديث رسول اللّه وَير الصحيحة إنما هو الغزو الذي اشتمل صاحبه على هذه الأوصاف المذكورة في هذا الحديث. (ومنها): أن من غزا، ولم يخلص، أوعصى الإمام، أو أفسد في الأرض، فإنه لا أجر له، بل يرجع حاملاً أوزارًا كثيرة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)). ٤٧- (حُزْمَةُ نِسَاءِ الْمُجَاهِدِينَ) ٣١٩٠- (أَخْبَرَنَا حُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ، وَمَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ - وَاللَّفْظُ لِحُسَيْنٍ - قَالَا: (١) - راجع ((السلسلة الصحيحة)) ٤/ ٦٤٣ رقم ١٩٩٠. ٤٧ - (حُزْمةُ نِسَاءِ الْمُجَاهِدِینَ) - حديث رقم ٣١٩٠ ٣٣٥ حَذَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَّهِ: ((حُزْمَةُ نِسَاءِ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ، كَحُزْمَةِ أُمَّهَاتِهِمْ، وَمَا مِنْ رَجُلٍ يَخْلُفُ فِي امْرَأَةٍ رَجُلٍ، مِنَ الْمُجَاهِدِينَ، فَيَخُونُهُ فِيهَا، إِلَّا وُقِفَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَأَخَذُ مِنْ عَمَلِهِ مَا شَاءَ، فَمَّا ظَنُّكُمْ؟»). رجال هذا الإسناد : سبعة: ١- (حسين بن حريث) الخزاعي مولاهم، أبو عمار المروزيّ، ثقة [١٠]٥٢/٤٤. ٢- (محمود بن غيلان) العدويّ مولاهم، أبو أحمد المروزيّ، نزيل بغداد، ثقة [١٠]٣٣/ ٣٧ . ٣- (وكيع) بن الجرّاح بن مَلِيح الرؤاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقة حافظ عابد، من كبار [٩]٢٥/٢٣ . ٤- (سفيان) الثوريّ المذكور قبل باب. ٥- (علقمة بن مرثد) الحضرميّ، أبو الحارث الكوفيّ، ثقة [٦]٢٠٤٠/١٠٣. ٦- (سليمان بن بُريدة) الأسلميّ المروزيّ، قاضيها، ثقة [٣] مات سنة (١٠٥) وله (٩٠) سنة، تقدّم في - ١٠١/ ١٣٣. ٧- (أبوه) بريدة بن الحصيب، أبو سهل الأسلميّ، الصحابيّ الشهير، أسلم قبل بدر، ومات سنة (٦٣)، وتقدّم في ١٣٣/١٠١. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه اللّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنهم ما بين كوفيين، وهم وكيع، وسفيان، وعلقمة، ومروزيين، وهم الباقون. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ) الأسلميّ (عَنْ أَبِيهِ) رضي اللَّه تعالى عنه، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((حُزْمَةُ) بضم، فسكون: أي تحرَيِمِ (نِسَاءِ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ) أي الذين تخلّفوا عن الجهاد لعذر، أو غيره (كَحُزْمَةِ أَمَّهَاتِهِمْ) أي مثل تحريم أمهاتهم عليهم، وهذا من باب التشديد، وإلا فحرمة الأمهات مؤبّدة، دون حرمة نساء المجاهدين. قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: يعني أنه يجب على القاعدين من احترامهنّ، والكفّ عن أذاهنّ، والتعرّض لهنّ ما يجب عليهم في أمهاتهم انتهى (١) . (١) - ((المفهم))٧٣٢/٣. ٣٣٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجِهَادِ وقال النوويّ رحمه اللّه تعالى: هذا في شيئين: أحدهما: تحريم التعرّض لهنّ بريبة، من نظر محرّم، وخلوة، وحديث محرّم، وغير ذلك. والثاني: في برّهنَ، والإحسان إليهنّ، وقضاء حوائجهنّ التي لا يترتّب عليها مفسدة، ولا يُتوصّل بها إلى ريبة، ونحوها (١) . انتھی(١ (وَمَا مِنْ رَجُلِ يَخْلُفُ) -بضمَ اللام- من باب قعد: أي يصير يعقبه، وقال السنديّ: يحتمل أنه من خَلَفه: إذا نابه، أو من خَلَفَه: إذا جاء بعده، وهما من حدّ نصر، وذلك لأن الخائن في الأهل كالنائب للأصل، وقد جاء بعده في الأهل انتهى (٢) (فِي امْرَأَةٍ رَجُلٍ، مِنَ الْمُجَاهِدِينَ، فَيَخُونُهُ فِيهَا، إِلَّا وُقِفَ) بالبناء للمفعول، من الوقوف: أي جُعلَ الخائن واقفًا (لَهُ) أي للرجل، ولأجل ما فعل من سوء الخلافة للغازي (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) وفي الروايةِ التالية: ((قيل: له يوم القيامة: هذا خانك في أهلك، فخذ من حسناته ما شئت)) (فَأَخَذَ) ذلك الرجل (مِنْ عَمَلِهِ) أي من عمل الخائن (مَا شَاءَ) أي في مقابلة ما شاء من عمله بالنسبة إلى أهل الغازي (فَمَا ظَنْكُمْ؟) قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: يعني أن المخُون في أهله إذا مُكّن من أخذ حسنات الخائن، لم يُبق منها شيئًا، ويكون مصيره إلى النار، وقد اقْتُصِرَ على مفعولي الظنّ انتهى (٣). وقال النوويّ: معناه: فما تظنّون في رغبة المجاهد في أخذ حسناته، والاستكثار منها في ذلك المقام؟، أي لا يُبقِي منها شيئًا إن أمكنه انتهى (٤). وقال المظهر: أي ما ظنكم باللّه مع هذه الخيانة؟، هل تشكّون في هذه المجازاة، أم لا؟. يعني فإذا علمتم صدق ما أقول، فاحذروا من الخيانة في نساء المجاهدين. وقال التوربشتيّ: أي فما ظنّكم بمن أحلّه الله بهذه المنزلة، وخصّه بهذه الفضيلة، فربّما يكون وراء ذلك من الكرامة(٥). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله التوربشتيّ بعيد عن معنى الحديث، يردّه ما يأتي من قوله وَله: ((تُرَون يَدَعُ له من حسناته شيئًا»، فتنبه. والله تعالى أعلم. وقال السنديّ: أي إذا كان حالُ من خانه خيانةً واحدةً، فما حال من زاد على ذلك، وما ظنّكم به؟. أو إذا خيّر الغازي فما ظنّكم بحسابه، هل يأخذ الكلّ، أو يترك شيئًا، (١) - ((شرح مسلم)١٣٧ / ٤٤. (٢) - ((شرح السنديّ»٦/ ٥٠ . (٣) - ((المفهم ٧٣٢/٣٨. (٤) - ((شرح مسلم ١٣٧ / ٤٤ . (٥) - راجع ((المرقاة)) ٧ / ٣٦٣ . ٣٣٧ ٤٧ - (حُرْمةُ نِسَاءِ الْمُجَاهِدِینَ) - حديث رقم ٣١٩٠ وهو الموافق؛ لما سيجيء. انتهى(١). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: الاحتمال الأول مما ذكره السنديّ بعيد من معنى الحديث أيضًا، يرذه ما تقدّم فالصواب في معنى الحديث ما تقدّم في كلام القرطبيّ، والنوويّ، فتبصّر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث بُريدة رضي اللَّه تعالى عنه هذا أخرجه مسلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٣١٩٠/٤٧ و٣١٩١/٤٨ و٣١٩٢- وفي ((الکبری))٤٣٩٨/٤٣ و ٤٤/ ٤٣٩٩ و٤٤٠٠. وأخرجه (م) في ((الإمارة» ١٨٩٧ (د) في ((الجهاد))٢٤٩٦ (أحمد) في ((باقي مسند الأنصار))٢٢٤٦٨ و٢٢٤٩٥. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان حرمة نساء المجاهدين على القاعدين تحريمًا مغلّظًا، حيث شُبّه بتحريم الأمهات. (ومنها): ما قاله القرطبيّ رحمه الله تعالى: وظهر من هذا الحديث أن خيانة الغازي في أهله أعظم من كلّ خيانة؛ لأن ما عداها لا يُخيّر فى أخذ كلّ الحسنات، وإنما يأخذ بكلّ خيانة قدرًا معلومًا من حسناته الخائن (٢). (ومنها): إثبات المجازاة بين العباد في المظالم يوم القيامة، فيأخذ المظلوم من حسنات ظالمه بدل حقّه، وقد أخرج مسلم رحمه اللّه تعالى في ((صحيحه)) من حديث أبي هريرة ◌َمنّه: أن رسول اللّه وَّليه، قال: ((أتدرون ما المفلس؟))، قالوا: المفلس فينا، من لا درهم له، ولا متاع، فقال: ((إن المفلس من أمتي، يأتي يوم القيامة بصلاة، وصيام، وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسَفَكَ دم هذا، وضرب هذا، فيُعطَى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فَنِيَت حسناتُهُ، قبل أن يُقضَى ما عليه، أُخِذ من خطاياهم، فطُرِحَت عليه، ثم طُرِحَ في النار)). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)). (١) - ((شرح السنديّ/٦/ ٥٠ - ٥١. (٢) - («المفهم ٣٩/ ٧٣٢. ٣٣٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجِهَادِ ٤٨- (مَنْ خَانَ غَازِيًا فِي أَهْلِهِ) ٣١٩١- (أَخْبَرَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَرَمِيُّ بْنُ عُمَارَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْقَدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيِهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلِ، قَالَ: ((حُزْمَةُ نِسَاءِ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ، كَحُزْمَةِ أُمَّهَاتِهِمْ، وَإِذَا خَلَفَهُ فِي أَهْلِهِ، فَخَانَهُ، قِيلَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: هَذَا خَانَكَ فِي أَهْلِكَ، فَخُذْ مِنْ حَسَنَاتِهِ مَا شِئْتَ، فَمَا ظَنُّكُمْ؟)). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا. و((هارون بن عبد الله)): هو أبو موسى الحمّال البغداديّ. و((حرميّ ابن عُمارة)): هو أبو رَوح العتكيّ البصريّ. وقوله: ((خَلَفه)) بتخفيف اللام، من باب قعد. والحديث أخرجه مسلم، وقد سبق البحث فيه مستوفّى في الباب الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣١٩٢ - (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا قَعْنَبْ، كُوفِيٍّ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْقَدٍ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِهِ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّ، قَالَ: ((حُزْمَةُ نِسَاءِ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ، فَي الْحُزْمَةِ كَأَمَّهَاتِهِمْ، وَمَا مِنْ رَجُلِ مِنَ الْقَاعِدِينَ، يَخْلُفُ رَجُلاً مِنَ الْمُجَاهِدِينَ فِي أَهْلِهِ، إِلَّا نُصِبَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَّامَةِ، فَيُقَالُ: يَا فُلَانُ، هَذَا فُلَانٌ، فَخُذْ مِنْ حَسَنَاتِهِ مَا شِئْتَ))، ثُمَّ الْتَفَتَ النَّبِيُّ ◌َّهِ إِلَى أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: ((مَا ظَنُّكُمْ؟، تُرَوْنَ يَدَعُ لَهُ مِنْ حَسَنَاتِهِ شَيْئًا؟))). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح أيضًا، و((عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن)) بن المسور بن مخرمة الزهريّ البصريّ، صدوق، من صغار [١٠]٤٨/٤٢. و((سفيان)) هنا: هو ابن عيينة، بخلافه فيما مضى، فهو الثوريّ. و((قعنب)) التميميّ الكوفيّ، صدوق [٦]. قال الحميديّ، عن سفيان: حدثنا قعنب التمیميّ، وکان ثقة خیارًا. وقال أبو داود: كان رجلاً صالحًا، كان ابن أبي ليلى أراده على القضاء، فامتنع، وقال: أخّرني حتى أنظر، فتوارى، فوقع عليه البيت، فقتله. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). أخرج له مسلم، وأبو داود، والمصنّف، وله عندهم هذا الحديث فقط. وقوله: ((كوفيّ)) خبر لمحذوف: أي هو كوفيّ، أي منسوب إلى الكوفة البلدة المعروفة، ٤٨- (مَنْ خَانَ غَازِیًا فِي أَهْلِهِ) - حديث رقم ٣١٩٤ ٣٣٩ فإنه من أهلها، والظاهر أنه ليس هو جدّ عبد الله بن مسلمة القعنبيّ. والله تعالى أعلم. وقوله: ((في الحرمة)) هكذا النسخ كلها، وهو متعلّق بقوله: ((كأمهاتهم)»، أي مثل أمهاتهم في التحريم. وقوله: ((إلا نُصب له)) بالبناء للمفعول، بمعنى قوله الماضي: ((إلا وُقف له)). وقوله: ((تُرَون)) بالبناء للمفعول، أي تظنّون. وقوله: ((يدع)) أي يترك، وقد تقدّم قريبًا أنها مما أماتت العرب ماضيها، إلا في النادر. والحديث أخرجه مسلم، وقد سبق تمام البحث فيه في الباب الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣١٩٣- (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَرَ: ((جَاهِدُوا بِأَيْدِيكُمْ، وَأَلْسِنَتِكُمْ، وَأَمْوَالِكُمْ))). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الحديث، والأحاديث التي بعده لا يظهر مناسبتها للباب، ولم يذكرها في ((الكبرى)). ورجال الإسناد كلهم رجال الصحيح. و((عمرو بن عليّ)): هو الفلّاس. و((عبد الرحمن)): هو ابن مهديّ. و((حُميد)): هو الطويل. وقوله: ((جاهدوا» حُذف متعلّقه، أي المشركين، كما صرّح به في الرواية السابقة، ولفظها: ((جاهدوا المشركين بأموالكم، وأيديكم، وألسنتكم)). والحديث صحيح، وقد تقدّم في أوائل ((كتاب الجهاد)) برقم - ٣٠٩٧/١ - وتقدّم شرحه، والكلام على مسائله هناك. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣١٩٤- (أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ مُوسَى بْنُ مُحَمَّدٍ، هُوَ الشَّامِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَيْمُونُ بْنُ الْأَصْبَغِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا شَرِيكُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْقَاسِمِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِي اللَّه عَنْهِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه، عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّهُ أَمَرَ بِقَتْلِ الْحَيَّاتِ، وَقَالَ: ((مَنْ خَافَ ثَأْرَهُنَّ، فَلَيْسَ مِنَّا)). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: مناسبة هذا الحديث للباب غير ظاهرة، كما أشرت في الحديث الذي قبله. ورجال هذا الإسناد: ثمانية : ١- (أبو محمد، موسى بن محمد الشاميّ) مقبول [١١]. لم يرو إلا عن ميمون بن الأصبغ، ولم يرو عنه إلا المصنف في هذا الموضع فقط. ٣٤٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجِهَادِ ٢- (ميمون بن الأصبغ)-بالغين المعجمة- ابن الفُرات النصيبيّ، أبو جعفر، مقبول، من كبار [١١]. روى جعفر بن عون، وأبي بكر الحنفيّ، ويعلى بن عُبيد، ويزيد بن هارون، وغيرهم. وعنه ابنه عبد الله، وأبو حاتم، وموسى بن محمد، وغيرهم. ذكره ابن حبّان في ((الثقات))، وقال هو، وأبو بشر الدُّولابيّ: مات سنة (٢٥٦). تفرّد به المصنّف بحديث الباب فقط . ٣- (يزيد بن هارون) أبو خالد الواسطيّ، ثقة متقنّ عابدٌ [٩]٢٤٤/١٥٣. ٤- (شريك) بن عبد الله النخعيّ القاضي الكوفي، صدوق يخطىء كثيرًا، تغيّر حفظه منذ ولي القضاء بالكوفة [٨]٢٩/٢٥. ٥- (أبو إسحاق) عمرو بن عبد الله الهمداني السبيعيّ الكوفيّ، ثقة عابد، اختلط بآخره [٣]٤٢/٣٨. ٦- (القاسم بن عبد الرحمن) بن عبد الله بن مسعود المسعوديّ، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقة عابدٌ [٤]. قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث. وقال ابن معين: ثقة. وقال العجليّ: كان على قضاء الكوفة، وكان لا يأخذ على القضاء أجرًا، وكان ثقة رجلاً صالحًا. وقال ابن عيينة: قلت لمسعر: من أثبت من أدركت؟ قال: القاسم بن عبد الرحمن، وعمرو بن دينار. وقال مسعر، عن محارب: صحبناه إلى بيت المقدس، ففضَلَنَا بثلاث: كثرةٍ الصلاة، وطول الصمت، والسخاء. وقال ابن خراش: ثقة. وقال ابن المدينيّ: لم يَلقَ من الصحابة غير جابر بن سمرة، قيل له: فلقي ابن عمر؟ قال: كان يحدّث عن ابن عمر بحديثين، ولم يسمع منه شيئًا. وقال خليفة: مات في ولاية خالد بن عبد الله. وقال ابن حبّان في ((الثقات)): مات في ولاية خالد على العراق سنة (١٢٠) وقال غيره: سنة (١١٦). روى له الجماعة، سوى مسلم، وله عند المصنف ثلاثة أحاديث برقم ٣١٩٤ و٥٥٣٥ و ٥٦٧٨ . ٧- (أبوه) عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود الهذليّ الكوفيّ، ثقة من صغار [٢]. وقد سمع من أبیه یسیرًا. قال يعقوب بن شيبة: كان ثقة قليل الحديث، وقد تكلّموا في روايته عن أبيه، وكان صغيرًا. فأما عليّ بن المدينيّ، فقال: قد لقي أباه. وقال ابن معين: عبد الرحمن، وأبو عبيدة لم يسمعا من أبيهما. وقال أحمد بن حنبل، عن يحيى بن سعيد: مات عبد الله، وعبد الرحمن ابن ستّ سنين، أو نحوها. وقال أحمد: أما سفيان الثوريّ، وشريكٌ،