Indexed OCR Text
Pages 241-260
٣٢- (مَنْ قَثَلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى، ... - حديث رقم ٣١٥٦ ٢٤١ = الله عز وجل، وهو الجنّة. (ومنها): بيان عظم شأن الجهاد في سبيل الله تعالى، حيث إن جزاءه الجنة. (ومنها): بيان ما كان عليه الصحابة ◌َظّمه من حبّ نصر الإسلام، والرغبة في الشهادة. (ومنها): المبادرة بالخير، وأنه لا ينبغي الاشتغال عنه بحظوظ الدنيا. (ومنها): الانغماس في صفوف الكفّار، والتعرّض للشهادة، وهو جائزٌ، لا كراهة فيه عند جمهور العلماء (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب». ٣٢- (مَنْ قَاتَلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ) ٣١٥٦- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِم، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ، عَنْ سَعِيدِ الْمَقْبُرِيٌّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: جَاءَ رَّجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ نَّهِ، وَهُوَ يَخْطُبُ عَلَى الْمِثْبَرِ، فَقَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَاتَلْتُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، صَابِرًا، مُخْتَسِبًا، مُقْبِلاً، غَيْرَ مُذْبِرٍ، أَيْكَفِّرُ اللَّهُ عَنِّي سَيْئَاتِي؟، قَالَ: (تَعَمْ))، ثُمَّ سَكَتَ سَاعَةً، قَالَ: ((أَيْنَ السَّائِلُ آنِفًا؟»، فَقَالَ الرَّجُلُ: هَا أَنَا ذَا، قَالَ: ((مَا قُلْتَ؟))، قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، صَابِرًا، مُخْتَسِبًا، مُقْبِلاً، غَيْرَ مُذْبِرٍ، أَيْكَفِّرُ اللَّهُ عَنِّي سَيْئَاتِي؟، قَالَ: ((نَعَمْ، إِلَّا الدَّيْنَ، سَارَّنِي بِهِ جِبْرِيلُ آنِفًا))). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١- (محمد بن بشّار) بُندار البصريّ، ثقة حافظ [١٠]. ٢- (أبو عاصم) الضحاك بن مَخلَد بن مسلم الشيبانيّ البصريّ، ثقة ثبت [٩] ١٩/ ٤٢٤ . ٣- (محمد بن عجلان) المدني، صدوق، اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة [٥]٣٦/ ٤٠ . (١) - راجع ((طرح التثريب)) ٧/ ٢٠٦ - ٢٠٧. ٢٤٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجِهَادِ ٤- (سعيد المقبريّ) ابن أبي سعيد كيسان المدنيّ، ثقة [٣]١١٧/٩٥ . ٥- (أبو هريرة) رضي اللَّه تعالى عنه١/١ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : منها: أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين غير شيخه، وشيخ شيخه، فبصريان. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: ابن عجلان، عن المقبريّ، وفيه أبو هريرة راثيم رأس المكثرين من الرواية، روى (٥٣٧٤) من الأحاديث. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً) رضي اللَّه تعالى عنه، أنه (قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَِّيِّ نَّهِ، وَهُوَ يَخْطُبُ) جملة حالية من ((النبيّ)) (عَلَى الْمِثْبَرِ) متعلّق بـ«يخطُبُ)) قيّده به؛ لبيان مكان خطبته، إذ يحتمل أن يكون قائمًا على الأرض (فَقَالَ: أَرَأَيْتَ) أي أخبرني (إِنْ قَاتَلْتُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، صَابِرًا) أي غير جَزِع، وانتصابه وما بعده على الحال المترادف، أو المتداخل (مُخْتَسِبًا) قال النوويّ:" والمحستب: هو المخلص لله تعالى، فإن قاتل لعصبيّة، أو لغنيمة، أو لصيب، أو نحو ذلك، فليس له هذا الثواب، ولا غيره. انتهى(١) (مُقْبِلاً) أي على العدوّ (غَيْرَ مُذْبِرٍ) أي عنه، وهو تأكيد لما قبله. قال النوويّ: لعله احتراز ممن يُقبل في وقت، ويُدبّرّ في وقت (أَيْكَفَّرُ اللَّهُ عَنِّي سَيْئَاتِي؟) أي كلّها (قَالَ) وَلِّ (نَعَمْ) أي يكفّر الله تعالى عنك سيّتك (ثُمَّ سَكَت) وَ (سَاعَةً، قَالَ) وفي ((الكبرى)) (فقال)) بالفاء (أَيْنَ السَّائِلُ آنِفًا؟) أي في الوقت القريب. قال المجد في ((القاموس)): ﴿قال آنفًا﴾ كصاحب، وكَتِفٍ، وقُرىء بهما: أي مذ ساعة، أي في أول وقت يقرُبُ منّاً انتهى (فَقَالَ الرَّجُلُ: هَا) وفي نسخة: ((فها)) (أَنَا ذَا) ((ها)) للتنبيه دخلت على ((أنا))، وهو مبتدأ خبره اسم الإشارة، أي أنا الحاضر عندك (قَالَ: «مَا قُلْتَ؟) أي أيّ شيء قلت في سؤلك. قال الطيبيّ رحمه الله تعالى: [فإن قلت]: كيف قال بَ له: ((كيف قلت)): وقد أحاط بسؤاله علمًا، وأجابه بذلك الجواب؟ . [قلت]: ليسأل ثانيًا، ويجيبه بذلك الجواب، ويُعلّق به ((إلا الدين))، استدراكًا بعد (١) - ((شرح مسلم٤ ١٢/ ٣٢. ٣٢- (مَنْ قَتَلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى، ... - حديث رقم ٣١٥٧ ٢٤٣ إعلام جبريل تَّه إياه وَل انتهى(١). (قَالَ) الرجل (أَرَأَنْتَ إِنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، صَابِرًا، مُخْتَسِبًا، مُقْبِلاً، غَيْرَ مُذْبِرٍ، أَيُكَفِّرُ اللَّهُ عَنْي سَيْئَاتِي؟، قَالَ) وَ (نَعَمْ، إِلَّ الدَّيْنَ) أي تكفّر سيآتك كلها، غيرّ الدين، فإن قتلك في سبيل اللَّه تعالى لا يكفّره. قال في ((المرقاة)): الاستثناء منقطع، ويجوز أن يكون متّصلاً، أي الدين الذي لا ينوي أداءه. قال التوربشتيّ: أراد بالدين هنا ما يتعلّق بذمّته من حقوق المسلمين. ثمّ بين وَلَّ أن استثناء الدين من تكفير السيّت بالوحي، فقال (سَارَّنِي بِهِ جِبْرِيلُ آنِفًا) أي كلّمني به سرًّا عن الحاضرين. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث أبي هريرة رقمّه عنه هذا وإن كان فيه محمد بن عجلان، وقد سبق أنه اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة رَزّه ، إلا أنه يشهد له الحديث التالي، فهو صحيح به، وهو من أفراد المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا-٣٢/ ٣١٥٦- وفي ((الكبرى))٤٣٦٣/٢٨. وأخرجه (أحمد) في ((باقي مسند المكثرين)» ٨٠١٤ و٨١٧١ . وفوائده تأتي في الحديث التاليّ، إن شاء اللّه تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣١٥٧- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةٌ عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِّي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَّهَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ، إِنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، صَابِرًا، مُخْتَسِبًا، مُقْبِلاً، غَيْرَ مُذْبِرٍ، أَيْكَفْرُ اللَّهُ عَنْي ◌َخَطَايَايَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَرِ: (نَعَمْ))، فَلَمَّا وَلَّى الرَّجُلُ، نَادَاهُ رَسُولُ اللَّهِ شَهِ، أَوْ أَمَرَ بِهِ، فَنُودِيَ لَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ بِ، كَيْفَ قُلْتَ: فَأَعَادَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: (نَعَمْ، إِلَّ الذَّيْنَ، كَذَلِكَ قَالَ لِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامِ»). رجال هذا الإسناد: ثمانية : ١- (محمد بن سلمة) المرادي الجملي المصريّ، ثقة ثبت [١١]٢٠/١٩. ٢- (الحارث بن مسكين) بن محمد، أبو عمرو المصريّ القاضي، ثقة فقيه [١٠]٩/ ٩ . (١) - ((المرقاة" ٧/ ٣٧١. ٢٤٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجِهَادِ ٣- (ابن القاسم) عبد الرحمن الْعُتَقيّ المصريّ، ثقة فقيه، من كبار [١٠] ٢٠/١٩. ٤- (مالك) بن أنس الإمام المدنيّ الحجة الثبت [٧]٧م٧ . ٥- (يحيى بن سعيد) الأنصاريّ، أبو سعيد المدنيّ، ثقة ثبت [٥]٢٣/٢٢. ٦- (سعيد بن أبي سعيد) المقبري المذكور في السند الماضي. ٧- (عبد الله بن أبي قتادة) الأنصاري المدنيّ، ثقة [٣]٢٤/٢٣. ٨- (أبوه) أبو قتادة الحارث، أو عمرو، أو النعمان بن رِبْعيّ بنٍ بُلْدُمة الأنصاريّ السَّلَمي المدني، الصحابيّ المشهور، فارس رسول اللَّه وَ لتر، شهد أَحُدًا وما بعدها، ولم يشهد بدرًا، ومات تَمُ سنة (٥٤) على الأصحّ، وتقدّمت ترجمته في ٢٤/٢٣. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سباعيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه الحارث، فتفرد به هو وأبو داود. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من مالك، والباقون مصريون. (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين المدنيين يروي بعضهم عن بعض: يحيى، عن سعيد، عن عبد الله بن أبي قتادة. وفيه رواية الابن عن أبيه والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ يَخْتِى بْنِ سَعِيدٍ) الأنصاريّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ) المقبريّ. قال الحافظ أبو عمر رحمه الله تعالی: کذا رواه یحیی -يعني ابن يحيى- وابن وهب، وابن القاسم، ومُطرّفٌ، وابن بُكير، وأبو مصعب، والجمهور. ورواه مَعْن بن عيسى، والقعنبيّ، عن مالك، عن سعيد بن أبي سعيد، لم يذكرا يحيى بن سعيد فيه، فيمكن أن مالكًا سمعه من يحيى بن سعيد، عن سعيد، ثم سمعه من سعيد. وقد رواه الليث، وابن أبي ذئب عن سعيد المقبريّ انتهى. قال الزرقانيّ: أي بلا واسطة يحيى بن سعيد، وهذا يؤيّد أن مالكًا حدّث به بالوجهين انتهى(١) (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ) الأنصاريّ المدنيّ (عَنْ أَبِيهِ) أبي قتاد الحارث بن ربعيّ رَمُّ أنه (قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَ﴿) وفي رواية الليث التالية: ((أنه وَ ي قام فيهم، فذَكَّرَ لهم أن الجهاد في سبيل الله، والإيمان بالله أفضل الأعمال، فقام رجلٌ ... )) (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ، إِنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) أي لإعلاء كلمة الله تعالى، حال كوني (صَابِرًا، مُخْتَسِبًا) مخلصًا (مُقْبِلاً) على العدوّ (غَيْرَ مُذْبِرٍ) عنه، زاده لبيان كون الإقبال في جميع الأحوال، إذ قد يُقبل مرّة، ويُدبرُ مرّةً (١) - (شرح الزرقاني على الموطأ» ٣٦/٣. = ٢٤٥ ٣٢- (مَنْ قَتلََ فِي سَبِيلِ اللهِ تَعَالَى، ... - حديث رقم ٣١٥٧ أخرى، فيَصدُق عليه أنه مُقبل (أَيُكَفِّرُ اللَّهُ عَنْي خَطَايَايَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: (نَعَمْ) يكفّرها (فَلَمَّا وَلَّى الرَّجُلُ، نَادَاهُ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ) بنفسه (أَوْ) للشكّ من الراوي (أَمَرَ بِهِ) غيره (فَتُودِيَ لَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ،ل ◌َيْفَ قُلْتَ: فَأَعَادَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ) المذكور (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: (نَعَمْ) يكفّر عنك الخطايا كلها (إِلَّ الدَّيْنَ) بفتح الدال المهملة، والنصب على الاستثناء، أي فلا يكفِّرُه عنك إلا عفو صاحبه، أو استيفاؤه. قال الحافظ أبو عمر رحمه الله تعالى: فيه أن الخطايا تكفّر بالأعمال الصالحة مع الاحتساب، والنيّة في العمل، وأن أعمال البرّ المقبولة لا تُكفِّرُ من الذنوب إلا ما بين العبد ، وبين ربّه، فأما التبعات فلا بدّ فيها من القصاص. قال: وهذا في دين ترك له وفاءً، ولم يوص به، أو قدر على الأداء، فلم يؤدّ، أو أدّاه في غير حقّ، أو أسرف، ومات، ولم يوفه، أما من ادّانَ في حقّ واجب؛ لفاقة، وعسر، ومات، ولم يترك وفاءً، فلا يُحبس عن الجنّة؛ لأن على السلطان فرضًا أن يؤدّي عنه دينه من الصدقات، أو سهم الغارمين، أو الفيء. وقد قيل: إن تشديده بَّ في الدين كان قبل الفتوح انتهى. وقال الحافظ رحمه الله تعالى: يستفاد منه أن الشهادة لا تكفّر التبعات، وهي لا تمنع درجة الشهادة، وليس للشهادة معنى إلا أن تُثبت لمن حصلت له ثوابًا مخصوصًا، وتُكرِمه كرامة زائدةً، وقد بيّن في الحديث أنه يكفّر عنه ما عدا التبعات، فإن كان له عملٌ صالحٌ كفّرت الشهادة سيئاته، غير التبعات، ونفعه عمله الصالح في مُوازنة ما عليه من التبعات، وتبقى له درجة الشهادة خالصةً، فإن لم يكن له عملٌ صالحٌ فهو تحت المشيئة انتهى. وقال ابن الزملكانيّ رحمه الله تعالى: فيه تنبيه على أن حقوق الآدميين لا تكفّر؛ لكونها مبنيّة على المشاخّة والتضييق. ويمكن أن يقال: هذا محمول على الدين الذي هو خطيئةٌ، وهو ما استدانه صاحبه على وجه لا يجوز له فعله، بأن أخذه بحيلة، أو غَصَبَه، فثبت في ذمّته البدلُ، أو ادّان غير عازم على الوفاء؛ لأنه استثنى ذلك من الخطايا، والأصل في الاستثناء أن يكون من الجنس، ويكون الدين المأذون فيه مسكوتًا عنه في هذا الاستثناء، فلا يلزم المؤاخذة به؛ لما لطف الله بعبده من استيهابه له، وتعويض صاحبه من فضل الله. [فإن قيل]: ما تقول فيمن مات، وهو عاجز عن الوفاء، ولو وجد وفاءً وفى؟. [قلت]: إن كان المال الذي لزم ذمّته إنما لزمها بطريق لا يجوز تعاطي مثله، كغصب، وإتلافٍ مقصودٍ، فلا تبرأ الذّمّة من ذلك إلا بوصوله إلى من وجب له، أو بإبرائه منه، ولا تُسقِطه التوبةُ، وإنما تنفع التوبة في إسقاط العقوبة الأخرويّة فيما يختصّ === ٢٤٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجھَادِ بحقّ اللَّه تعالى؛ لمخالفته لما نهى اللَّه عنه، وإن كان المال لزمه بطريق سائغ، وهو عازم على الوفاء، ولم يقدر، فهذا ليس بصاحب ذنب، حتى يتوب عنه، ويُرجى له الخير في العقبى، ما دام على هذا الحال انتهى. قال الزرقانيّ: وهو نفيس، وقد سبقه إلى معناه أبو عمر كما رأيته انتهى(١). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذا التقرير حسنٌ جدًّا، فقد أخرج البخاريّ في (صحيحه) من طريق أبي الغيث، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي وَّر، قال: ((من أخذ أموال الناس، يريد أداءها، أَدَّى اللَّه عنه، ومن أخذ يريد إتلافها، أتلفه اللَّه)). فقد بيّن ◌َلهو أن من أخذ أموال الناس، سواء كان بالاستدانة، أو غيره من الأوجه المشروعة، وفي نيته أن يؤدّيها إليهم، أدّى اللَّه تعالى عنه، وإن لم يتمكّن هو من أدائها، وأما من أخذها، ومن نيته أن لا يؤدّيها إليهم، فإنه آثم، يؤاخذ بجريمته، ومثله من كان أخذه على وجه غير مشروع، كالعصب، والسرقة، ونحوهما. فيستفاد منه أن الشهيد الذي يمنع من تكفير الشهادة الدين عنه هو القسم الثاني. والله تعالى أعلم بالصواب. (كَذَلِكَ قَالَ لِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَام) وفي رواية عند أبي عمر: ((إلا الدين، فإنه مأخوذٌ، كما زعم جبريل)). أي قال، من إطلاق الزعم على القول الحقّ. [فإن قلت]: يعارض حديث الباب ما أخرجه الطبرانيّ برجالٍ ثقات، عن ابن مسعود رَظّيه، رفعه: ((القتل في سبيل الله، يكفّر الذنوب كلّها، إلا الأمانة، والأمانة في الصلاة، والأمانة في الصوم، والأمانة في الحديث، وأشدّ من ذلك الودائع)). فإنه يدلّ على أن الشهادة لا تُكَفِّرُ الأمانة بمعناها المذكور، وحديث الباب ظاهرٌ في أنه يكفّر جميع حقوق اللَّه، ومنها الصلاة، والصوم، فكيف يُجمع بينهما؟. [قلت]: حديث الطبرانيّ ضعيف (٢)، فلا يُعارض ما في ((الصحيح))، وعلى تقدير صحّته يُحمّل على مطلق القتل، وحديث الباب مقيّدٌ بأنه صابر محتسبٌ، مقبلٌ غير مدبر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان . مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي قتادة رضي اللّه تعالى عنه هذا أخرجه مسلم. (١) - ((شرح الزرقاني على الموطأ» ٣٦/٣- ٣٧. (٢) - راجع ((ضعيف الجامع الصغير)) للشيخ الألبانيّ ص - ٦٠٢ - رقم ٤١٣٠. ٣٢- (مَنْ قَتلََ فِي سَبِيل الله تعالى، ... - حدیث رقم ٣١٥٩ ٢٤٧ (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٣١٥٧/٣٢ و٣١٥٨ و٣١٥٩- وفي ((الكبرى)) ٤٣٦٤/٢٨ و٤٣٦٥ و٤٣٦٦ . وأخرجه (م) في ((الإمارة» ١٨٨٥ (ت) في ((الجهاد)»١٧١٢ (أحمد) في (باقي مسند الأنصار)) ٢٢٠٣٦ و٢٢٠٧٩ و٢٢١٢٠ (الموطأ) في ((الحج)) ١٠٣ (الدارميّ) في ((الحجّ)) ٢٤١٢ . والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان حكم من قاتل في سبيل الله عز وجل، فقُتل، وعليه دين، وذلك أن شهادته لا تكفّر عنه دينه، وقد تقدّم تفصيل ذلك مستوفى قريبًا. (ومنها): أن الأجر في ذلك لمن صدقت نيّته، واحتسب أجره، ولم يُقاتل حميّةً، ولا لطلب دنيا، ولطلب ذكر وثناء. (ومنها): أن من قُتل مدبرًا، فإنه ليس له من هذا الأجر شيء. (ومنها): أن حقوق الآدميين، والتبعات التي للعباد لا تكفّرها الأعمال الصالحة، وإنما تكفّر ما بين العبد وربّه. (ومنها): أن فيه أن جبريل تَظّه كان ينزل على النبيّ وَلّره من الوحي بما يُتلى من القرآن، وبما لا يُتلى من السنّة، وقد قيل في قوله تعالى: ﴿وَأَذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِ يُوتِكُنَّ مِنْ ءَايَتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ الآية [الأحزاب: ٣٤] إن الآيات القرآنُ، والحكمة السنّة، وكلّ من اللّه، فإنه ◌َّ لا ينطق عن الهوى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣١٥٨- (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ، أَنَّهُ سَمِعَهُ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَِّهِ أَنَّهُ قَامَ فِيهِمْ، فَذَكَرَ لَهُمْ أَنَّ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَالْإِيمَانَ بِاللَّهِ، أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ، فَقَامَ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ، إِنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَيْكَفِّرُ اللَّهُ عَنِّي خَطَايَايَ؟، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ◌َّهِ: (تَعَمْ، إِنْ قُتِلْتَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَأَنْتَ صَابِرٌ، مُخْتَسِبٌ، مُقْبِلٌ، غَيْرُ مُذْبِرٍ، إِلَّا الدَّينَ، فَإِنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامِ، قَالَ لِي ذَلِكَ))). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وهم المذكورون في السند الماضي، غير ((قتيبة)) وهو: ابن سعيد. و((الليث)) وهو: ابن سعد. وقوله: ((إن قُتلت في سبيل الله)) بالبناء للمفعول. والحديث أخرجه مسلم، وقد سبق شرحه، وبيان مسائله في الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣١٥٩- (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ الْعَلَاءِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، سَمِعَ مُحَمَّدَ = ٢٤٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجِهَادِ ابْنَ قَيْسٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ وَِّ، وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ ضَرَبْتُ بِسَيْفِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ، صَابِرًا، مُخْتَسِبًا، مُقْبِلاً، غَيْرَ مُذْبِرٍ، حَتَى أَقْتَلَ، أَيُكَفْرُ اللّهُ عَنِّي خَطَايَايَ؟ قَالَ: (نَعَمْ)، فَلَمَّا أَدْبَرَ، دَعَاهُ، فَقَالَ: ((هَذَا جِبْرِيلُ يَقُولُ: إِلَّا أَنْ يَكُونَ عَلَيْكَ دَيْنٌ))). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح. و((سفيان)): هو ابن عيينة. و((عمرو)): هو ابن دينار. و((محمد بن قيس)): المدنيّ القاصّ، ثقة [٦]٥١/ ٩٦٢. والحديث أخرجه مسلم، وشرحه، والكلام على مسائله تقدّما قبل حديث. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)). ٣٣- (مَا يَتَمَنَّى فِي سَبِيلِ اللَّهِ عز وجل) قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هكذا نسخ ((المجتبى))، والظاهر أنه سقط بعد قوله: ((ما يتمنّى)) لفظ: ((من قُتل))، والأصل: ((مَا يَتَمَنَّى مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عز وجل)). وعبارة ((الكبرى)) ((تَمَنِّي مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ»، وهي واضحة. و ((ما)» يحتمل أن تكون مصدريّةً، أي تمنّ من قُتل الخ، وهو الذي تدلّ عليه ترجمة «الکبری)). ويحتمل أن تكون موصولةً، والعائد محذوف، أي ما يتمناه من قُتل الخ. والله تعالى أعلم بالصواب. ٣١٦٠- (أَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بَكَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى -وَهُوَ ابْنُ الْقَاسِمِ بْنِ سُمَيْع- قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ وَاقِدٍ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ مُرَّةَ، أَنَّ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ حَدَّثَهُمَّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بِ لَّ قَالَ: ((مَا عَلَى الْأَرْضِ، مِنْ نَفْسِ تَمُوتُ، وَلَهَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ، تُحِبُّ أَنْ تَرْجِعَ إِلَيْكُمْ، وَلَهَا الدُّنْيَا، إِلَّا الْقَتِيَلُ، فَإِنَةٌ يُحِبُّ أَنْ يَرْجِعَ، فَيُقْتَلَ مَرَّةً أُخرَى»). رجال هذا الإسناد: خمسة : ٢٤٩ ٣٣- (مَا يَتَمَنَّى فِي سَبِيلِ اللهِ عز وجل) - حديث رقم ٣١٦٠ ١- (هارون بن محمد بن بكّار) العامليّ الدمشقيّ، صدوق [١١]١٢٨/ ١٠٩١. ٢- (محمد بن عيسى بن القاسم بن سُمَيع) - بالتصغير - الأمويّ مولاهم الدمشقيّ، صدوق يُخطىء، ويُدلّس، ورُمي بالقدر[٩]١٦٦٣/٢٤. ٣- (زيد بن واقد) القرشيّ الدمشقيّ، ثقة [٦]٩٢٠/٢٩. ٤- (كثير بن مُرّة) الحضرميّ الحمصيّ، ثقة [٢] ووهم من عدّه في الصحابة ١ /٦٨٨. ٥- (عبادة بن الصامت) الأنصاري الخزرجي الصحابي الشهير رضي اللّه تعالى عنه ٦ / ٤٦١ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : منها: أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم ثقات. (ومنها): أنه مسلسل بالدمشقيين. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ كَثِيرِ بْنِ مُرَّةَ) الحضرميّ (أَنَّ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ) بن قيس الأنصاريّ الخزرجيّ رضي اللَّه تعالى عنه (حَدَّثَهُمْ) أي حدّث كثير بن مرّة ومن معه من الحاضرين (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ لّ قَالَ: ((مَا عَلَى الْأَرْضِ، مِنْ نَفْسٍ) ((من)) زائدة، و((نفس)) اسم ((ما))، على تقدير كونها حجازيّة، أو مبتدأ على أنها تميميّة، والجارّ والمجرور - أعني ((على الأرض)) لو تأخّر لكان صفة ((نفس))، فحيث تقدّم يكون حالا؛ لأن القاعدة أن نعت النكرة إذا قُدّم يعرب حالاً، كما في قول الشاعر: خِلَلُ كَأَنَّهُ لِمَيَّةَ مُوحِشاً طَلَلُ يَلُوحُ وفائدته تعميم الحكم لأهل الأرض، والاحترازُ عن أهل السماء (تَمُوتُ) صفة ((نفس))، وجملة (وَلَهَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ) حال من ضمير ((تموت))، وجملة (يُحِبُّ) خبر ((ما)) إن كانت حجازية، أو خبر المبتدإ، إن كانت تميميّة (أَنْ تَرْجِعَ إِلَيْكُمْ) بفتح التاء، من ((رجع)) اللازم، وهو في تأويل المصدر مفعول ((تحبّ)). وقوله(وَلَهَا الدُّنْيَا) حال من فاعل ((ترجع)). والمعنى: أن من مات، وله خير عند اللّه تعالى، لا يحبّ الرجوع إلى الدنيا، ولو جُعل له تمام الدنيا بعد الرجوع، ففيه أن الآخرة خير من الدنيا، فمن له نصيبٌ منها لا يرضى بتركه إيّاها بتمام الدنيا. قاله السنديّ. (إِلَّا الْقَتِيلُ) بالرفع بدلاً من ((نفس))، أو من فاعل ((تحبّ))، ويجوز نصبه على الاستثناء، والمراد الشهيد في سبيل اللّه تعالى، كما تدلّ عليه رواية أحمد، ولفظه: ((إلا ٢٥٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجِهَادِ القتيل في سبيل اللَّه)) (فَإِنَةُ) أي القتيل (يُحِبُّ أَنْ يَرْجِعَ، فَيَقْتَلَ) بالنصب عطفًا على ما قبله (مَرَّةً أُخْرَى))) منصوب على الظرفية متعلّق بما قبله. والمعنى: أن القتيل في سبيل اللّه تعالى يحبّ الرجوع إلى الدنيا في وقت آخر، حرصًا على تحصيل فضل الشهادة مرارً، لا لاختياره نفس الدنيا على الآخرة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: حديث عبادة بن الصامت رضي اللّه تعالى عنه هذا صحيح، وهو من أفراد المصنّف رحمه اللَّه تعالى، أخرجه هنا-٣١٦٠/٣٣ - وفي ((الكبرى)) ٢٩/ ٤٣٦٧ . والله تعالى أعلم. [تنبيه]: حديث عبادة رَّ المذكور أخرجه الإمام أحمد رحمه اللّه تعالى في ((مسندہ)) جـ٥/ ص٣١٨- فقال: -حدثنا محمد بن بَكْر، ورَوْح، وعبد الرزاق، قالوا: أخبرنا ابن جريج، قال: وقال سليمان بن موسى أيضا: حدثنا كثير بن مرة، أن عبادة بن الصامت حدثهم، أن رسول اللّهِ وَ لّ قال: «ما على الأرض، من نفس تموت، ولها عند الله تبارك وتعالى خير، تحب أن ترجع إليكم، إلا المقتول)). وقال روح: ((إلا القتيل في سبيل الله، فإنه يحب أن يرجع، فَيُقتَل مرة أخرى) انتهى. وهذا الإسناد رجاله ثقات، إلا أن فيه ابن جريج، وهو مدلّسٌ، غير أن سند المصنّف یشهد له. وقد أخرج الإمام الدارميّ رحمه اللَّه تعالى في ((سننه)) جـ٢/ ص٢٠٦ - من حديث أنس رَّ ، فقال: - أخبرنا أبو علي الحنفي، حدثنا شعبة، عن قتادة، عن أنس، قال: قال رسول اللَّهِ وَله: ((ما من نفس تموت، فتدخل الجنة، فتَوَدُّ أنها رجعت إليكم، ولها الدنيا وما فيها، إلا الشهيد، فإنه وَدَّ أنه قُتِلَ كذا مرة؛ لما رأى من الثواب)) انتهى. وهذا إسناد صحيح رجاله رجال الصحيح، وقد أخرجه الشيخان بمعناه، كما تقدّم بيانه عند شرح حديث رقم ٣١٥٤/٣٠- وهو نحو الحديث الآتي في الباب التالي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب». ٣٤- (مَا يَتَمَنَّ أَهْلُ الْجَنَّةِ) - حديث رقم ٣١٦١ ٢٥١ ٣٤- (مَا يَتَمَنَى أَهْلُ الْجَنَّةِ) ٣١٦١- (أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعِ، قَالَ: حَدَّثَنَا بُهْزٌّ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّدٌ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ لَهُ: ((يُؤْتَى بِالرَّجُلِ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: يَا ابْنَ آدَمَ، كَيْفَ وَجَدْتَ مَنْزِلَكَ؟، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ، خَيْرَ مَنْزِلٍ، فَيَقُولُ: سَلْ، وَتَمَنَّ، فَيَقُولُ: أَسْأَلُكَ أَنْ تَرُدَّنِي إِلَى الدُّنْيَا، فَأَقْتَلَ فِي سَبِيلِكِ عَشْرَ مَرَّاتٍ؛ لِمَا يَرَى مِنْ فَضْلِ الشَّهَادَةِ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١- (أبو بكر بن نافع) هو محمد بن أحمد بن نافع، نُسب لجدّه العبدي البصريّ، مشهور بكنيته، صدوقٌ، من صغار [١٠]٨١٣/٢٧. ٢ - (بهز) بن أسد العميّ، أبو الأسود البصريّ، ثقة ثبت [٩]٢٨/٢٤. ٣- (حمّاد) بن سلمة بن دينار، أبو سلمة البصريّ، ثقة عابد، أثبت الناس في ثابت، وتغير حفظه بآخره، من كبار [٨]٢٨٨/١٨١. ٤- (ثابت) بن أسلم الْبُنَانيّ، أبو محمد البصريّ، ثقة عابد [٤]٤٥/ ٥٣. ٥- (أنس) بن مالك رضي الله تعالى عنه٦/٦. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : منها: أنه من خماسيات المصنف رحمه اللَّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين. (ومنها): أن فيه أنسًا تَّه أحد المكثرين السبعة (٢٢٨٦)، وهو آخر من مات بالبصرة من الصحابة ** ، مات سنة (٢) أو (٩٣)، وقد جاوز المائة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَنَسٍ) بن مالك رضي اللَّه تعالى عنه، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِّ: ((يُؤْتَّى بِالرَّجُلِ) أي الشهيد، أو غيره، فإنه يتمنّى الرجوع إذا رأى فضل الشهيد، لكن الموافق للحديث المتقدّم هو الأول. ويمكن التوفيق بحمل الحديث السابق على أيام البرزخ، وهذا على ما بعد دخول الجنّة يوم القيامة، وهو مبنيّ على إمكان غفول بعض الناس عن فناء الدنيا. قاله السنديّ(١) (مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: يَا ابْنَ آدَمَ، كَيْفَ (١) - ((شرح السنديّ»٣٦/٦. ٢٥٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجِهَادِ وَجَدْتَ مَنْزِلَكَ؟، فَيَقُولُ) الرجل (أَني) بفتح الهمزة، وسكون الياء حرف نداء للقريب (رَبِّ) أصله ((ربي)) مضافًا إلى ياء المتكلّم، ثم يجوز فيه ستة أوجه: الأول: حذف الياء، استغناء بالكسرة، وهذا هو الأكثر. والثاني: إثباتها ساكنة، وهو دون الأول في الكثرة. والثالث: قلب الياء ألفًا، وحذفها؛ استغناء بالفتحة. والرابع: قلبها ألفًا، وإبقاؤها، قلب الكسرة فتحةً، نحو (يا ربّا)). والخامس: إثبات الياء مفتوحة، نحو ((يا ربِّيَ)). والسادس، وهو أضعفها: ضمّ الاسم بعد حذف الياء، تشبيهًا بالمفرد، اكتفاء بنيّة الإضافة. وإلى الأوجه الخمسة الأولى أشار ابن مالك في ((الخلاصة)) حيث قال: وَاجْعَلْ مُنَادَى صَحَّ إِنْ يُضَفْ لِيَا كَعَبْدِ عَبْدِي عَبْدَ عَبْدَا عَبْدِيَا (خَيْرَ مَنْزِلٍ) منصوب بتقدير فعل، أي وجدته خير منزل (فَيَقُولُ) اللَّه تعالى للرجل (سَلْ) فعل أمر من السؤال، وأصله ((اسأل))، فخُفّف؛ لكثرة الاستعمال، وحُذف مفعوله تعميمًا، أي ما تشاء (وَتَمَنَّ) فعل أمر، التمنّي، وهو مؤكّد لما قبله (فَيَقُولُ) الرجل (أَسْأَلُكَ أَنْ تَرُدَّنِي إِلَى الدُّنْيَا) قال السنديّ: أي عشر مرّات، أو مرّة، وعلى الثاني فمعنى (فَأَقْتَلَ فِي سَبِيلِكِ عَشْرَ مَرَّاتٍ) أن يُقتَلَ، ثم يُحيا من ساعته في مكانه. والله تعالى أعلم انتهى(١) (لِمَا يَرَى) متعلّق بمقدّر، أي إنما سأل ذلك لأجل ما يراه (مِنْ فَضْلِ الشَّهَادَةِ) بيان ((ما)). ولفظ البخاريّ: ((لما يرى من الكرامة)). ولمسلم من حديث ابن مسعود تزيّه ، رفعه في الشهداء: ((فاطلع إليهم ربهم اطلاعةً، فقال: هل تشتهون شيئا؟ قالوا: أيَّ شيءٍ نَشتهِي، ونحن نَسْرَحٍ من الجنة حيث شئنا، ففعل ذلك بهم ثلاث مرات، فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يُسألُوا، قالوا: يا رب نريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا، حتى نُقتَل في سبيلك مرة أخرى ... ». ولابن أبي شيبة من مرسل سعيد بن جبير أن المخاطب بذلك حمزة بن عبد المطّلب، ومصعب بن عمير. وللترمذيّ، والحاكم، وصححه من حديث جابر، قال: قال لي رسول اللَّه وَ له: ((ألا أخبرك ما قال اللّه لأبيك؟ قال: يا عبد اللَّه تمنّ عليّ أعطِكَ، قال: يا ربّ تُحييني، فأقتل فيك ثانيةً، قال: إنه سبق منّي أنهم إليها لا يُرجَعُون))(٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان . مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: (١) - ((شرح السندي٣٦/٦٩ّ. (٢) - ((فتح ٦ / ١١٤. ٣٥- (مَا يَجِدُ الشَّهِيدُ مِنَ الألَم) - حديث رقم ٣١٦٢ ٢٥٣ = حديث أنس رضي الله تعالى عنه هذا متفق عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا- ٣١٦١/٣٤ - وفي ((الكبرى)) ٤٣٦٨/٣٠. وأخرجه (خ) في ((الجهاد والسير »٢٧٩٥ و٢٨١٧ (م) في ((الإمارة))١٨٧٧ (ت) في ((الجهاد))١٦٦١ (أحمد) في (باقي مسند المكثرين)) ١١٥٩٢ و١١٨٦٤ و١١٩٣٣ و١٢١٤٧ و١٢٣٦٠ و١٣٠٩٩ و١٣٢١٦ و١٣٥١٤ و١٣٥٥٢ و١٣٦١٩ و٩٣٦٦٩ (الدارميّ) في ((الجهاد))٢٤٠٩. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنف رحمه اللَّه تعالى، وهو بيان ما يتمناه أهل الجنّة من الرجوع إلى الدنيا؛ للاستشهاد في سبيل الله سبحانه وتعالى. (ومنها): كلام اللَّه عز وجل لأجل الجنّة. (ومنها): إكرم اللَّه عز وجل الشهداء بقوله: ((سَلْ، وتمنّ)). (ومنها): ما قال ابن بطّال رحمه الله تعالى: هذا الحديث أجلّ ما جاء في فضل الشهادة، قال: وليس في أعمال البرّ ما تُبْذَل فيه النفس غير الجهاد، فلذلك عظم فيه الثواب انتهى(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)). ٣٥- (مَا يَجِدُ الشَّهِيدُ مِنَ الأَلَم) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((ما)) اسم موصول، وعائده محذوف، أي الشيء الذي يجده الشهيد من الألم عند ضربه بالسيف ونحوه. والله تعالى أعلم بالصواب. ٣١٦٢- (أَخْبَرَنَا عِمْرَانُ بْنُ يَزِيدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ، عَنِ الْقَعْقَاعِ بْنِ حَكِيم، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَه قَالَ: ((الشَّهِيدُ لَا يَجِدُ مَسَّ الْقَتَّلِ، إِلَّا كَمَا يَجِدٌ أَحَدُكُمُ الْقَرْصَةَ يُقْرَصُهَا)). رجال هذا الإسناد: ستة: ١- (عمران بن يزيد) هو ابن خالد بن يزيد، نسب لجده، الدمشقي، صدوق [١٠] (١) - «فتح٤ ٦/ ١١٥. ٢٥٤ شرح سنن النسائي - کِتَابُ الْجِهَادِ من أفراد الصنف. ٢- (حاتم بن إسماعيل) الحارثي مولاهم، أبو إسماعيل المدنيّ، كوف الأصل، صدوق يهم، صحيح الكتاب [٨]٥٤٣/٢٤. ٣- (محمد بن عجلان) المذكور قبل بابين. ٤- (القعقاع بن حكيم) الكنانيّ المدنيّ، ثقة [٤]٤٠/٤٦. ٥- (أبو صالح) ذكوان السمّان المدنيّ، ثقة ثبت [٣]٤٠/٣٦. ٦- (أبو هريرة) رضي الله تعالى عنه١/١ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. وقد وثقه هو، وابن حبّان. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فدمشقيّ. (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين المدنيين، يروي بعضهم، عن بعض: ابن عجلان، عن القعقاع، عن أبي صالح، وفيه أبو هريرة تنقّه رأس المكثرين من الرواية. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً) رضي اللَّه تعالى عنه (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بِهِ، قَالَ: ((الشَّهِيد) قال النوويّ: اختلف في سبب تسمته شهيدًا، فقال: النضر بن شُميل: لأنه حيّ؛ فإن أرواحهم شَهِدت، وحضرت دار السلام، وأروح غيرهم إنما تشهدها يوم القيامة. وقال ابن الأنباريّ: إن الله تعالى، وملائكته عليهم الصلاة والسلام يشهدون له بالجنّة. وقيل: لأنه شهد عند خروج روحه ما أعدّه اللّه تعالى من الثواب والكرامة. وقيل: لأن ملائكة الرحمة يشهدونه، فيأخذون روحه. وقيل: لأنه شُهِدَ له بالإيمان، وخاتمةِ الخير بظاهر حاله. وقيل: لأن عليه شاهدًا بكونه شهيدًا، وهو الدم. وقيل: لأنه ممن شهد على الأمم يوم القيامة بإبلاغ الرسل الرسالة إليهم. وعلى هذا القول يشاركهم غيرهم في هذا الوصف انتهى (١). (لَا يَجِدُ مَسَّ الْقَتْلِ) أي إصابته، وهو من إضافة المصدر إلى فاعله، يقال مسّ الماءُ الجسدَ من باب تَعِبَ، وقَتَلَ مسًا: أصابه، ويتعدّى إلى ثان بالحرف، وبالهمزة، فيقال: مَسِسْتُ الجسدَ بماء، وأَمْسَسْتُ الجسدَ ماءً. أفاده الفيّوميّ. والمعنى هنا: أن الشهيد لا يُحِسُّ بضرب السيف عند قتله (إِلَّا كَمَا يَجِدُ أَحَدُكُمُ الْقَرْصَةَ) بفتح القاف، وسكون الراء: المرّة من القَرْص، قال المجد في (١) - (شرح مسلم)٩ ١٣/ ٢٧ - ٢٨. ٣٦- (مَسْأَلَةُ الشَّهَادَة) - حديث رقم ٣١٦٣ ٢٥٥ == ((القاموس)): ((القرص)) أخذك لحمَ الإنسان بإصبعيك حتى تؤلمه، ولَسْعُ البراغيث. والمعنى: أن شدّة القتل للشهيد لا يكون أزيد من غمز لحم الإنسان بالإصبعين. وقوله (يُقْرَصُهَا) بالبناء للمفعول، وضمير ((ها)) للقَرْصة، ونصبه على أنه مفعول مطلق، ونائب الفاعل ضمير ((أحد)). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: حديث أبي هريرة رضي اللَّه تعالى عنه هذا صحيح. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٣١٦٢/٣٥ - وفي ((الكبرى))٤٣٦٩/٣١. وأخرجه(ت) في ((فضائل الجهاد))١١٦٨ (ق) في ((الجهاد))٢٨٠٢ (أحمد) في ((باقي مسند المكثرين)) ٧٨٩٣ (الدارميّ) في ((الجهاد)) ٢٤٠٨. والله تعالى أعلم (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان مقدار ما يجده الشهيد من ألم الضرب بالسيف، ونحوه. (ومنها): تسلية الشهيد بتهوين هذا الخطب الْمُهَوّل. (ومنها): بيان فضل اللَّه تعالى وشدّة رأفته بعباده الذين بذلوا أنفسهم في مرضاته سبحانه وتعالى ، حيث هَوَّن عليهم ألم ضرب السيف عند قتلهم، بحيث يكون كألم الغمز بالأصابع، أو كألم لَسْع البراغيث، فللَّه سبحانه وتعالى الحمد والمنّة، أوّلاً وآخرًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)). ٣٦- (مَسْأَلَةُ الشَّهَادَة) أي هذا باب ذكر الأحاديث المشتملة على الحثّ في سؤال العبد ربّه سبحانه وتعالى أن يرزقه الشهادة . ٣١٦٣- (أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ شُرَيْحِ، أَنَّ سَهْلَ بْنَ أَبِي أَمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيِفٍ، حَدَّثَهُ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ ٢٥٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجِهَادِ جَدِّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلِّ قَالَ: ((مَنْ سَأَلَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ الشَّهَادَةَ بِصِدْقٍ، بَلَّغَهُ اللَّهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ، وَإِنْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ))). رجال هذا الإسناد: ستة: ١- (يونس بن عبد الأعلى) الصَّدّفيُّ المصري، ثقة، من صغار [١٠]٤٤٩/١. ٢- (ابن وهب) عبد الله المصري الثقة الثبت العابد [٩]٩/٩. ٣- (عبد الرحمن بن شريح) المعافري، أبو شريح الإسكندراني، ثقة فاضل [٧]٩/ ٣١١٧ . ٤- (سهل بن أبي أمامة) الأنصاريّ الأوسيّ المدنيّ، نزيل مصر، ثقة [٥]. قال عثمان الدارميّ عن ابن معين: ثقة. وكذا قال العجليّ. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). قال ابن يونس: تُوفّي بالإسكندريّة. روى له الجماعة، سوى البخاريّ، وله عند المصنّف حديث الباب فقط . ٥- (أبوه) أبو أمامة أسعد بن سهل بن حنيف الأنصاري المدني، له رؤية، ولم يسمع [٢]٥٠٩/٨. ٦ - (جده) سهل بن حُنيف الأنصاري الأوسي الصحابي الشهير تَّه ٦٩٩/٩. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمصريين إلى سهل بن أبي أمامة مدنيون. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، ورواية الراوي عن أبيه، عن جدّه، ورواية صحابيّ، عن صحابيّ؛ لأن أبا أمامة صحابيّ رؤيةً، وإن كان تابعيًّا روايةً. والله تعالى أعلم. شرح الحديث عن سهل بن أبي أمامة (عن أبيه) أبي أمامة أسعد بن سهل الأنصاريّ المدنيّ، مشهور بكنيته، معدود في الصحابة لرؤيته، ولكن لم يسمع شيئًا، مات سنة (١٠٠) وله (٩٢) سنة (عن جدّه) سهل بن حُنيف - بضم المهملة مصغّرًا- ابن واهب بن الْعُكّيم الأنصاريّ الأوسيّ، صحابيّ، شهد بدرًا، واستخلفه عليّ رضي اللّه تعالى عنهما على البصرة، ومات في خلافته (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ قَالَ: ((مَنْ سَأَلَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ الشَّهَادَةَ بِصِدْقٍ) أي لا لمجرّد الرغبة في فضل الشهداء من غير أن يرضى بحصولها إن حصلت، وسؤال الشهادة مرجعه سؤال الموت الذي لا مَحالَّةَ واقعٌ على أحسن حال، وهو فناء النفس في ٢٥٧ = ٣٦- (مَسْأَلَةُ الشَّهَادَة) - حديث رقم ٣١٦٤ سبيل الله عز وجل، وتحصيل رضاه، وهو محبوب من هذه الجهة، فيجوز أن يسألها، ولا يضرّ ما يلزمه من معصية الكافر، وفرحة الأعداء، وحزن الأولياء فليتأمل. قاله السنديّ(١) (بَلَّغَهُ) بتشديد اللام (اللَّهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ) لنّته الصادقة (وَإِنْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ) أي وإن لم يُقتل في سبيل اللّه تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث سهل بن حُنيف رضي اللَّه تعالى عنه هذا أخرجه مسلم . (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٣١٦٣/٣٦ - وفي ((الكبرى)) ٤٣٧٠/٣٢. وأخرجه (م) في ((الإمارة)) ١٩٠٩ (د) في ((الصلاة)) ١٥٢٠ (ت) في فضائل الجهاد))١٦٥٣ (ق) في ((الجهاد)) ٢٧٩٧ (الدارميّ) في ((الجهاد))٢٤٠٧ . والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو الحثّ على طلب الشهادة في سبيل الله تعالى. (ومنها): استحباب نيّة الخير. (ومنها): بيان فضل صدق النيّة، حيث استوجب من سأل الله تعالى الشهادة بسبب صدق نيته درجةَ الشهادة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣١٦٤- (أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ شُرَيْحٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثَعْلَبَةَ الْحَضْرَمِيّ، أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ حُجَيْرَةَ، يُخْبِرُ عَنْ عُقْبَةَ ابْنِ عَامِرٍ، أَنَّ رَسُولَ اللّهِ لَ، قَالَ: ((خَمْسٌ، مَنْ قُبِضَ فِي شَيْءٍ مِنْهُنَّ، فَهُوَ شَهِيدٌ: الْمَقْتُولُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ شَهِيدٌ، وَالْغَرِقُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ شَهِيدٌ، وَالْمَبْطُونُ فِي سَبِيلٍ اللَّهِ شَهِيدٌ، وَالْمَطْعُونُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ شَهِيدٌ، وَالنُّفَسَاءُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ شَهِيدٌ))). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: مناسبة هذا الحديث للباب فيه بُعْد لا يخفى. والله تعالى أعلم بالصواب. ورجال إسناده: ستة، كلهم تقدّموا في السند الماضي، إلا ثلاثة: ١- (عبد الله بن ثعلبة الحضرميّ) المصريّ، مقبول [٦]. روى عن عبد الرحمن بن حُجَيرة. وعنه أبو شُريح عبد الرحمن بن شُريح. ذكره ابن (١) - ((شرح السنديّ»٦/ ٣٧ . = ٢٥٨ = شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجِهَادِ حبّان في ((الثقات)). تفرّد به المصنّف، وله عنده في هذا الكتاب حديث الباب فقط. ٢- (ابن حُجَيرة) عبد الرحمن بن حُجيرة - بمهملة، وجيم، مصغّرًا- الْخَوْلانيّ، أبو عبد الله المصريّ قاضيها، وهو ابن حُجيرة الأكبر(١)، ثقة [٣]. قال النسائيّ: ثقة. وقال العجليّ: مصريّ تابعيّ ثقة. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). وقال الدارقطنيّ: مصريّ ثقة معروف. قال ابن يونس: توفّي في المحرّم سنة (٨٣) قال: وكان عبد العزيز بن مروان قد جَمعَ له القضاءَ وبيتَ المال، فكان يأخذ رزق كلّ سنة ألف دينار، فلم يكن يحول عليه الحول، وعنده ما يجب فيه الزكاة. وحكى ابن عبد الحكم في ((فتوح مصر)) أنه مات سنة (٨٠). روى له الجماعة، سوى البخاريّ، وله عند المصنّف في هذا الكتاب حديث الباب فقط، وعند ابن ماجه حديث أبي هريرة: ((إذا أَدَّيْتَ زكاة مالك، فقد قضيت ما عليك)). ٣- (عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ) الجهنيّ الصحاب الشهير، كان تَظّ فقيهًا فاضلاً، تولّى إمرة مصر لمعاوية رَّه ثلاث سنين، ومات قرب الستين رَبشي. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير عبد الله بن ثعلبة فمن أفراد المصنف كما مرّ آنفًا. (ومنها): أنه مسلسل بالمصريين من أوله إلى آخره. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ) الجهنيّ ◌َّهِ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَِّ، قَالَ: ((خَمْسٌ) أي خمس أحوال، أو خمس صفات، ثمّ ذكر أصحاب هذه الأحوال والصفات، فإن بيانهم يستلزم معرفتها، ويغني عن بيانها، والمراد بـ((سبيل اللَّه)) في الأول الجهاد، وفي غيره هو المتبادر أيضًا، فإنه المراد عرفًا من مطلق هذا الاسم، وأيضًا الْمُعاد معرفةً يكون عينَ الأول، كما هو القاعدة المشهورة التي ذكره الحافظ السيوطيّ في ((عقود الْجُمان)) بقوله : إِذَا أَتَتْ نَكِرَةٌ مُكَرَّرَةْ ثُمَّ مِنَ الْقَوَاعِدِ الْمُشْتَهِرَة تَوَافَقًا كَذَا الْمُعَزَّفَانِ تَغَايَرَا وَإِنْ يُعَرَّفْ ثَانٍ (١) - والأصغر ولده، عبدالله بن عبدالرحمن بن حُجَيرة، أبو عبدالرحمن القاضي المصريّ، ثقة [٦] مات بعد المائة. انتهى ((تقريب)). ٢٥٩ = ٣٦- (مَسْأَلَةُ الشَّھادة) - حديث رقم ٣١٦٤ شَاهِدُهَا الَّذِي رَوَيْنَا مُسْتَدَا لَنْ يَغْلِبَ الْيُسْرَيْنِ عُسْرٌ أَبَدَا لكن مقتضى الأحاديث المطلقة خلافه، فيحتمل أن يراد به الإسلام، توفيقًا بين هذا الحديث، وبين الأحاديث المطلقة، وإن كان مقتضى أصول كثير من الفقهاء أن يُحمل المطلق على المقيّد، لكن المرجوّ ههنا هو الأول. أفاده السنديّ(١). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: حاصل ما أشار إليه السنديّ رحمه اللّه تعالى أنه ليس المراد بـ((سبيل اللّه)) في قوله: ((والغرق في سبيل اللَّه شهيد)) من غرِق في الجهاد فقط، بل المراد كلّ مسلم غَرِق، سواء كان في الجهاد، أم في غيره، بدليل الأحاديث الصحاح الأخرى التي أطلقت الشهادة لكلّ مسلم غرِقَ، وكذا الكلام في ((المبطون))، و ((المطعون))، و((النفساء))، وهو بحثّ نفيسٌ جدًّا. والله تعالى أعلم. (مَنْ قُبِضَ) بالبناء للمفعول، أي تُفّي (فِي شَيْءٍ مِنْهُنَّ، فَهُوَ شَهِيدٌ) قال النوويّ: قال العلماء: وإنما كانت هذه الموتات شهادةً بتفضّل الله تعالى، بسبب شدّتها، وكثرة ألمها. وقالوا أيضًا: المراد بشهادة هؤلاء كلّهم غير المقتول في سبيل اللَّه أنهم يكون لهم في الآخرة ثواب الشهداء، وأما في الدنيا، فيُغسلون، ويَصلَّى عليهم. [فائدة]: الشهداء ثلاثة أقسام: (الأول): شهيدٌ في الدنيا والآخرة، وهو المقتول في حرب الكفّار. (والثاني): شهيد في الآخرة، دون أحكام الدنيا، وهم هؤلاء المذكورون في هذا الحديث، ونحوه. (والثالث): شهيد في الدنيا، دون الآخرة، وهو من غَلَّ في الغنيمة، أو قُتِلَ مدبرًا. أفاده النوويّ رحمه اللَّه تعالى(٢). (الْمَقْتُولُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) أي في قتال الكفّار بأيّ صفة مات (شَهِيدٌ، وَالْغَرِقُ) بكسر الراء صفة مشبهة من غَرِق، يقال: غَرِق الشيءُ في الماء غَرَقًا، فهو غَرِقٌ، من باب تَعِب، وجاء غارقٌ أيضًا. وحكى في ((البارع)) عن الخليل: الغَرِقُ الراسبُ في الماء من غير موت، فإن مات غَرَقًا فهو غَرِيقٌ، مثلُ كريم. هذا كلام العرب، وجوّز في ((البارع)) الوجهين في القياس. قاله الفيوميّ. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي نُقل عن الخليل من الفرق ذكره في ((اللسان)) بـ((قيل))، فقال: وقيل: الغرِقُ الراسبُ في الماء، والغريق الميت فيه انتهى. وقال ابن الأثير: الغرق بكسر الراء -: الذي يموت بالغرق. وقيل: هو الذي غلبه الماء، ولم يَغْرَقْ، فإذا غرق فهو غَرِيق انتهى(٣). والله تعالى أعلم. (١) - راجع ((شرح السنديّ» ٦/ ٣٧. (٢) - ((شرح مسلم ١٣٧ / ٦٤ - ٦٥. (٣) - ((النهاية)) ٣/ ٣٦١. ٢٦٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجِهَادِ (فِي سَبِيلِ اللَّهِ) تقدّم قريبًا أن المراد به الإسلام. والله تعالى أعلم (شَهِيدٌ، وَالْمَبْطُونُ) أي الذي يموت بمرض بطنه، كالاستسقاء، ونحوه(١) (فِي سَبِيلِ اللَّهِ شَهِيدٌ، وَالْمَطْعُونُ) أي الذي مات بسبب الطاعون، وهو المرض العامّ، والوباء الذي يَفسُدُ له الهواء، فتفسُد به الأَمْزِجة والأبدان. قاله ابن الأثير(٢) (فِي سَبِيلِ اللَّهِ شَهِيدٌ، وَالنُّفَسَاءُ) المراد من ماتت في نفاسها، أي ولادتها. والله تعالى أعلم (فِي سَبِيلِ اللَّهِ شَهِيدٌ) لم يقل شهيدة؛ لأن فعيلاً بمعنى مفعول إن تبع موصوفه لم تلحقه التاء غالبًا، كما قال ابن مالك في ((الخلاصة)»: وَمِنْ فَعِيلٍ كَقَتِيلٍ إِنْ تَبِعْ مَوْصُوفَهُ غَالِيَا الثَّا تَمْتَنِعْ والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: حديث عقبة بن عامر رضي اللّه تعالى عنه هذا صحيح، وهو من أفراد المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا-٣١٦٤/٣٦ - وفي (الكبرى)) ٤٣٧١/٣٢. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣١٦٥- (أَخْبَرَنِي(٣) عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا بَقِئَةُ، قَالَ حَدَّثَنَا بَحِيرٌ، عَنْ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي بِلَالٍ، عَنِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللّهِ بِ لهِ قَالَ: ((يَخْتَصِمُ الشُّهَدَاءُ، وَالْمُتَوَفَّوْنَ عَلَى فُرُشِهِمْ إِلَى رَبْنَا، فِي الَّذِينَ يُتَوَقَّوْنَ مِنَ الطَّاعُونِ، فَيَقُولُ الشُّهَدَاءُ: إِخْوَانُتَا قُتِلُوا كَمَا قُتِلْنَا، وَيَقُولُ الْمُتَوَقُّونَ عَلَى فُرُشِهِمْ: إِخْوَاتُنَا مَاتُوا عَلَى فُرُشِهِمْ كَمَا مُثْنَا، فَيَقُولُ رَبُّنَا: انْظُرُوا إِلَى جِرَاحِهِمْ، فَإِنْ أَشْبَهَ جِرَاحُهُمْ جِرَاحَ الْمَقْتُولِینَ، فَإِنََّمْ مِنْهُمْ وَمَعَهُمْ، فَإِذَا جِرَاحُهُمْ قَدْ أَشْبَهَتْ جِرَاحَهُمْ))). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: مناسبة هذا الحديث للباب فيه بعد، كسابقه، فليُتأمّل. ورجال هذا الإسناد ستة، وقد تقدّموا قبل خمسة أبواب، غير اثنين : ١- (ابن أبي بلال) عبد الله بن أبي بلال الخزاعيّ الشاميّ، مقبولٌ [٤]. روى عن العرباض بن سارية، وعبد الله بن بُسْر. وعنه خالد بن معدان. ذكره ابن حبّان في ((الثقات)). روى له المصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، وله عند المصنّف في هذا الكتاب حديث الباب فقط. ٢- (الْعِزْبَاضُ بن سارية) بكسر العين المهملة، وسكون الراء، بعدها موحّدة، (١) - ((النهاية)» ١ / ١٣٦. (٢) - ((النهاية)» ٣/ ١٢٧. (٣) - وفي نسخة: ((أخبرنا)).