Indexed OCR Text
Pages 81-100
٨١= ١- (بَابُ وُجُوب الْجِهَادِ) - حديث رقم ٣٠٨٦ به؛ لأنهم لما كانوا بمكة كان المشركون أكثر عددًا، فلو أُمِر المسلمون، وهم أقلّ من العُشْر بقتال الباقين لشقّ عليهم، ولهذا لما بايع أهل يثرب ليلة العقبة رسولَ اللّه وَهِ، وكانوا نيّفًا وثمانين، قالوا: يا رسول اللَّه ألا نَميل على أهل الوادي - يعنون أهل منى ليالي منى- فنقتلهم؟، فقال رسول اللّه وَالجهل: ((إني لم أُومر بهذا))، فلما بَغَى المشركون، وأخرجوا النبيّ وََّ من بين أظهرهم، وهمّوا بقتله، وشرّدوا أصحابه شَذَرَ مَذَرَ، فذهب منهم طائفة إلى الحبشة، وآخرون إلى المدينة، فلما استقرّوا بالمدينة وافاهم رسول الله وَّة، واجتمعوا عليه، وقاموا بنصره، وصارت لهم دار إسلام، ومَعْقِلاً يلجئون إليه، شَرَع اللَّهُ جهاد الأعداء، فكانت هذه الآية أولَ ما نزل في ذلك(١). (فَعَرَفْتُ أَنَّهُ سَيَكُونُ قِتَالٌ) قال السنديّ: الظاهر أنه من كلام أبي بكر، بتقدير ((قال أبو بكر))، إذ ابن عباس كان صغيرًا، ولم يكن معه ◌َّل يومئذ انتهى. قال الجامع عفا الله تتعالى عنه: هذا الذي قاله السندي فهمًا، قد جاء مصرّحًا به عند الترمذيّ رحمه الله تعالى، ولفظه: ((فقال أبو بكر لقد علمت أنه سيكون قتال)) (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) رضي اللَّه تعالى عنهما (فَهِيَ أَوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ فِي الْقِتَالِ) قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى في ((تفسيره)): قال مجاهد، والضخّاك، وغير واحد من السلف، كابن عبّاس، وعروة، بن الزبير، وزيد بن أسلم، ومقاتل بن حيّان، وقتادة، وغيرهم: هذه أول آية نزلت في الجهاد. واستدلّ بهذه الآية بعضهم على أن السورة مدنيّة انتهى (٢). وقال أبو عبد الله القرطبيّ رحمه الله تعالى في تفسير ((سورة البقرة))، في قوله تعالى: ﴿وَقَتِلُواْ فِى سَبِيلِ اَللَّهِ الَّذِينَ يُقَتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوَأْ﴾ الآية [البقرة: ١٩٠]: ما نصّه: هذه الآية أول آية نزلت في الأمر بالقتال؛ ولا خلاف في أن القتال كان محظورًا قبل الهجرة بقوله: ﴿آدّفَعْ بِلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ﴾ الآية [فصّلت: ٣٤]، وقوله: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَأَصْفَحْ﴾ الآية [المائدة: ١٣]، وقوله: ﴿وَأَهْجُرُهُمْ هَجْرًّا جَمِيلًا﴾ [المزمل: ١٠]، وقوله: ﴿َّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: ٢٢]، وما كان مثله، مما نزل بمكة، فلما هاجر إلى المدينة أُمر بالقتال، فنزل: ﴿وَقَتِلُواْ فِ سَبِيلِ الَّهِ الَّذِينَ يُقَتِلُونَكُمْ﴾. قاله الربيع بن أنس وغيره. وقال أبو بكر الصديق رَظنّه: إن أول آية نزلت في القتال: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ﴾. والأول أكثر، وأن آية الإذن إنما نزلت في القتال عامّة، لمن قاتل، ولمن لم يقاتل من المشركين انتهى كلام القرطبيّ رحمه اللّه تعالى(٣). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يترجّح عندي أن أول آية نزلت في القتال آية (١) - ((تفسير ابن كثير)٢٣٥/٣ .. (٢) - ((تفسير ابن كثير)،٢٣٥/٣ - ٢٣٦. (٣) - ((الجامع لأحكام القرآن)) ٢/ ٣٤٧. ٨٢ = شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجِهَادِ (الحجّ)) ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَدْتَلُونَ﴾ الآية؛ لصحة ذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وهو أعلم بالتأويل، وقد وافقه الكثيرون عليه، كما سبق في كلام ابن كثير. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما هذا صحيح. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٣٠٨٦/١- وفي ((الكبرى)) ٤٢٩٢/١. وأخرجه (ت) في ((التفسير)) ٣١٧١ . والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان وجوب الجهاد، ووجه دلالته على وجوبه أن الإذن الذي صُرّح به هنا هو الذي جاء في آيات أخرى بلفظ الأمر، كقوله تعالى: ﴿وَقَتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية، ونحوها، فصريح الآية الإذن لِمَا كانوا يطلبونه من القتال، فمنعوا منه فترة من الزمن، ثم أبيح لهم، وفُرض عليهم، كما بينته رواية ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما التالية لهذا الحديث. (ومنها): ما لحق النبيّ وَلهر من أذى المشركين بسبب دعوته إلى الله عز وجل. (ومنها): ما كان عليه من الصبر، وتحمّل الأذي في سبيل الله عز وجل. فينبغي الاقتداء به في ذلك. (ومنها): قوّة صدق أبي بكر ◌َظلّه أن اللَّه تعالى سينتقم ممن آذى نبيه وَالر، فكان كما توقّع، فأهلكوا جميعًا، إلا من رحمه الله تعالى فدخل في الإسلام. (ومنها): وعد الله تعالى بنصره عباده المؤمنين، فأنجز لهم ما وعدهم. (ومنها): أن هذه الآية هي أول آية نزلت في مشروعية القتال على الراجح. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في وجوب الجهاد عينًا، أو كفايةً: قال في ((الفتح)): للناس في الجهاد حالان: إحداهما في زمن النبيّ وَّر، والأخرى بعده : (فأما الأولى): فأول ما شُرع الجهاد بعد الهجرة النبويّة إلى المدينة، اتفاقًا، ثم بعد أن شُرع، هل كان فرض عين، أو كفاية؟ قولان مشهوران للعلماء، وهما في مذهب الشافعيّ. وقال الماورديّ: كان عينًا على المهاجرين، دون غيرهم، ويؤيّده وجوب الهجرة قبل الفتح في حقّ كلّ من أسلم إلى المدينة؛ لنصر الإسلام. وقال السهيليّ: ٨۴ ١- (بَابُ وُجُوب الجھَادِ) - حديث رقم ٣٠٨٧ كان عينًا على الأنصار، دون غيرهم، ويؤيّده مبايعتهم النبيّ وَّ ليلة العقبة على أن يؤووا رسول اللّه وَ لّه وينصروه. فيخرج من قولهما أنه كان عينًا على الطائفتين، كفاية في حقّ غيرهم، ومع ذلك فليس في حقّ الطائفتين على التعميم، بل في حقّ الأنصار إذا طرق المدينة طارق، وفي حقّ المهاجرين إذا أُريد قتال أحد من الكفّار ابتداءً، ويؤيّد هذا ما وقع في قصّة بدر، فيما ذكره ابن إسحاق، فإنه كالصريح في ذلك. وقيل: كان عينًا في الغزوة التي يخرج فيها النبيّ وَّ، دون غيرها. والتحقيق أنه كان عينًا على من عيّنه النبيّ وَّ في حقّه، ولو لم يخرُج. (الحالة الثانية): بعده وَلهر، فهو فرض كفاية على المشهور، إلا أن تدعو الحاجة إليه، كأن يَذْهَم العدوُ، ويتعيّن على من عيّنه الإمام، ويتأذى فرض الكفاية بفعله في السنة مرّة عند الجمهور، ومن حجّتهم أن الجزية تجب بدلاً عنه، ولا تجب في السنة أكثر من مرّة، اتفاقًا، فليكن بدلها كذلك. وقيل: يجب كلما أمكن، وهو قويّ. والذي يظهر أنه استمرّ على ما كان عليه في زمن النبيّ بَ ير إلى أن تكاملت فتوح معظم البلاد، وانتشر الإسلام في أقطار الأرض، ثم صار إلى ما تقدّم ذكره. والتحقيق أيضًا أن جنس جهاد الكفّار متعيّنٌ على كلّ مسلم، إما بيده، وإما بلسانه، وإما بماله، وإما بقلبه. والله أعلم انتهى ما في ((الفتح)) (١). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الذي يترجّح عندي قول من قال بفرضية الجهاد على الكفاية، إلا إذا تعيّن على كلّ مكلّف، بأن هجم العدوّ، أو أمر الإمامُ شخصًا بعينه، أو جماعة بعينها؛ لحديث ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما المتّفق عليه(٢): ((وإذا استُنفرتم فانفروا))، فإنه صريح أنه لا يجب إلا إذا طلب الإمام النفير، أي الخروج إلى القتال. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٠٨٧- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيّ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ شَقِيقٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا(٣) أَبِي، قَالَ: أَتْبَأَنَا(٤) الْحُسَيْنُ بْنُ وَاقِدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، وَأَصْحَابًا لَهُ، أَتَوَا النَّبِيِّ نَّهِ بِمَكَّةَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا كُنَّا فِي عِزْ، وَنَحْنُ مُشْرِكُونَ، فَلَمَّا آمَنَّا صِرْنَا أَذِلَّةٌ، فَقَالَ: ((إِنِّي أُمِرْتُ بِالْعَفْوِ، فَلَا تُقَاتِلُوا))، فَلَمَّا حَوَّلْنَا اللَّهُ إِلَى الْمَدِينَةِ، أَمَرَنَا بِالْقِتَالِ، فَكَفُّوا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿أَّ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِّلَ (١) - ((فتح)» ٦/ ١٢٠ - ١٢١. (٢) - وسيأتي للمصنّف برقم - ٤١٦٩ و٤١٧٠ . (٣) - وفي نسخة: ((ثنا))، وفي أخرى: ((أخبرنا)). (٤) - وفي نسخة: ((ثنا))، وفي أخرى: ((أخبرنا)). ٨٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجِهَادِ لَمْ كُفُّواْ أَيْدِيَّكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَوَةَ﴾ الآية. [سورة النساء: ٧٧]. رجال هذا الإسناد : ستة: ١- (مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٌّ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ شَقِيقٍ) المروزيّ ثقة، صاحب حدیث[١١]٢٢/ ٩٠٦ . تفرّد به هو، والترمذيّ. ٢- (أبوه) عليّ بن الحسن بن شقيق، أبو عبد الرحمن المروزيّ، ثقة حافظ، من كبار [١٠]٩٠٦/٢٢من رجال الجماعة. ٣- (الحسين بن واقد) أبو عبد الله المروزيّ القاضي، ثقة، له أوهام [٧]٥/ ٤٦٣. ٤- (عمرو بن دينار) الْجُمَحي مولاهم الأثرم، أبو محمد المكي، ثقة ثبت [٤]١٥٤/١١٢. ٥- (عكرمة) مولى ابن عباس، أبو عبد الله المدني، ثقة ثبت عالم بالتفسير [٣]٢/ ٣٢٥ . ٦- (ابن عباس) رضي اللّه تعالى عنهما المذكور في السند الماضي. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيحن غير شيخه، فقد تفرد به هو، والترمذيّ. (ومنها): أنه مسلسل بالمراوزة إلى حسين، وعمرو مكي، والباقيان مدنيان. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي اللَّه تعالى عنهما (أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، وَأَصْحَابًا لَهُ) رضي اللّه تعالى عنهم، أي من السابقين إلى الإسلام من أهل مكة (أَتَوُا النَّبِيِّ نَّهِ بِمَكَّةَ) أي قبل أن يهاجروا. وهذا أيضًا مما أخذه ابن عباس من عبد الرحمن بن عوف، أو غيره ه، لأنه لم يحضر الواقعة (فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا كُنَّا فِي عِزّ) أي قوّة، ومنعة، لا يتعرض لنا أحد بالأذيّة (وَنَحْنُ مُشْرِكُونَ) جملة في محلّ نصب على الحال من اسم ((كان)) (فَلَمَّا آمَنَّا صِرْنَا أَذِلَّةً) أي بسبب تعرّض قومهم الذين كانوا يُعَزّون بهم، فانقلبوا بالإذلال لهم، لدخولهم في الإسلام، لا سبب لهم إلا ذاك، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا تَقَمُواْ مِنْهُمْ إِلَّ أَن يُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحِيدِ﴾ [البروج: ٨]، وقال: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَرِهِم بِغَيْرِ حَقِّ إِلَّ أَن يَقُولُواْ رَبُّنَا اللَّهُ﴾ الآية [الحج: ٤٠]. ٨٥ ١- (بابُ وُجُوب الجھادِ) - حديث رقم ٣٠٨٧ وغرض الصحابة بهذا الكلام التعريض في أن يسمح لهم بالقتال حتى يرتدع المشركون عن أذيّتهم (فَقَالَ) بَِّ (إِنِّي أُمِرْتُ) بالبناء للمفعول (بِالْعَفْوِ) أي في قوله تعالى: ﴿فَعْفُ عَنْهُمْ وَأَصْفَحْ﴾ الآية (فَلَّا تُقَاتِلُوا) لعدم الأمر من اللَّه بذلك (فَلَمَّا حَوَّلْنَا اللَّهُ إِلَى الْمَدِينَةِ) بتشديد الواو من التحويل، أي أمرنا بأن نتحوّل بالهجرة، إلى المدينة، فهاجرنا (أَمَرَنَا بِالْقِتَالِ) ببناء الفعل للفاعل، أي أمرنا اللَّه تعالى (فَكَفُّوا) أي منعوا أنفسهم من القتال، أو امتنعوا عنه؛ لأن ((كفّ)) يتعدّى، ويلزم، قال الفيّومي: كفّ عن الشيء كفّا، من باب قتل: تركه، وكَفَفْته كفَّا: منعته، فَكَفَّ هو، يتعدّى، ولا يتعدّى انتهى (فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿أَلَّرْ قَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُوَاْ أَيْدِيَّكُمْ﴾) أي عن قتال المشركين (﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَوَةَ﴾) الآية. [سورة النساء: ٧٧] ف﴿أَلَرَ تَّرَ﴾ إلى آخر الآية مفعول ((أنزل)) محکيّ؛ لقصد لفظه. قال الحافظ ابن كثير رحمه اللّه تعالى: كان المؤمنون في ابتداء الإسلام، وهم بمكة مأمورين بالصلاة والزكاة، وإن لم تكن ذات النصب، وكانوا مأمورين بمواساة الفقراء منهم، وكانوا مأمورين بالصفح والعفو عن المشركين والصبر إلى حين، وكانوا يتحرّقون، ويودون لو أمروا بالقتال ليتشفوا من أعدائهم، ولم يكن الحال إذ ذاك مناسبًا لأسباب كثيرة منها قلة عددهم بالنسبة إلى كثرة عدد عدوّهم، ومنها كونهم كانوا في بلدهم، وهو بلد حرام، وأشرف بقاع الأرض، فلم يكن الأمر بالقتال فيه ابتداء كما يقال، فلهذا لم يؤمر بالجهاد إلا بالمدينة لما صارت لهم دارٌ، ومنعةٌ وأنصارٌ، ومع هذا لما أمروا بما كانوا يوذونه جَزِع بعضهم منه، وخافوا من مواجهة الناس خوفًا شديدًا، ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَثَبْتَ عَلَيْنَا اُلْفِنَالَ لَوْلَا أَخَرْنَنَا إِلَ أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾، أي لولا أخرت فرضه إلى مدّة أخرى، فإن فيه سفك الدماء، ويُثْم الأولاد، وتَأَيُّم النساء انتھی(١). ثم إن الذين قالوا هذا الكلام فريق منهم، لا كلّهم، كما أشارت الآية إلى ذلك: ﴿إِذَا فَيِقٌّ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ﴾ الآية. قال القرطبيّ في «تفسيره)): وقال مجاهد: هم يهود(٢). وقال الحسن: هي في المؤمنين؛ لقوله: ﴿يَخْشَوْنَ النَّاسَ﴾ أي مشركي مكة ﴿كَخَشْيَةِ اللَّهِ﴾، فهي على ما طُبع عليه البشر من المخافة، لا على المخالفة. قال السدّيّ: هم قوم أسلموا قبل فرض القتال، فلما فُرض كرهوه. وقيل: هو وصف للمنافقين؛ والمعنى يخشون القتل من (١) - ((تفسير ابن كثير٥٣٨/٢٤. (٢) - هذا أبعد الأقوال من سياق الآية، فليتنبه. ٨٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجِهَادِ المشركين، كما يخشون الموت من اللَّه ﴿أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةٌ﴾، أي عندهم، وفي اعتقادهم. قال القرطبيّ: وهذا أشبه بسياق الآية؛ لقوله: ﴿وَقَالُواْ رَبَّنَا لِمَ كَنَبْتَ عَلَيْنَا اُلْفِنَالَ لَوْلَاً أَخَّرْثَنَآ إِلَى أَجَلِ قَرِيبٍ﴾ الآية، ومعاذ الله أن يصدر هذا القول من صحابيّ كريم يعلم أن الآجال محدودة، والأرزاق مقسومة، بل كانوا لأوامر الله، ممثلين سامعين طائعين، يرون الوصول إلى الدار الآجلة خيرًا من المقام في الدار العاجلة، على ما هو معروف ، اللَّهمّ إلا أن يكون قائله ممن لم يرسخ في الإيمان قدّمه، ولا انشرح من سیرتم بالإسلام جنانه، فإن أهل الإيمان متفاضلون، فمنهم الكامل، ومنهم الناقص، وهو الذي تنفر نفسه عما يؤمر به فيما تلحقه فيه المشقّة، وتدركه فيه الشدّة. انتهى كلام القرطبيّ(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان . قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما هذا صحيح، وهو من أفراد المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا-٣٠٨٧/١- وفي («الكبرى»١/ ٤٢٩٣ وفي ((التفسير)» ١١١١٢. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٠٨٨- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، قَالَ: سَمِعْتُ مَعْمَرًا، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: قُلْتُ: عَنْ سَعِيدٍ؟، قَالَ: نَعَمْ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ حْ وَأَنْبَأَنَا(٢) أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو ابْنِ السَّرْحِ، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةٌ عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ، وَاللَّفْظُ لِأَحْمَدَ، قَالَا: حَدَّثَنَا (٣) أَبْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بِهِ: ((بُعِثْتُ بِجَوَامِعِ الْكَلِّمِ، وَنُصِرْتُ بِالرُّغْبِ، وَبَيْنَا أَنَا نَائِمٌ، أُتِتُ بِمَفَاتِیح خَزَائِنِ الأرضِ، فَوُضِعَتْ فِي يَدِي)) . قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ، وَأَنْتُمْ تَنْتَئِلُونَها). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: مناسبة هذا الحديث للترجمة غير واضحة، إذ ليس فيه ما يدلّ على وجوب الجهاد، فليتأملّ، والله تعالى أعلم. ورجال الإسنادين : عشرة: ١- (محمد بن عبد الأعلى) الصنعاني البصريّ، ثقة [١٠]٥/٥ . ٢- (أحمد بن عمرو بن السرح) أبو الطاهر المصري، ثقة [١٠]٣٩/٣٥. (١) - ((الجامع لأحكام القرآن٢٨١/٥٤. (٢) - وفي نسخة: ((أخبرنا)). (٣) - وفي نسخة: ((أخبرنا)). ٨٧ ١- (ہابُ وُجُوب الجهادِ) - حديث رقم ٣٠٨٨ ٣- (الحارث بن مسكين) أبو عمرو القاضي المصري، ثقة فقيه [١٠]٩/٩. ٤- (معتمر) بن سليمان بن طرخان التيمي، أبو محمد البصري، ثقة، من كبار [٩]١٠ / ١٠ . ٥- (ابن وهب) عبد الله المصري، ثقة حافظ عابد [٩]٩/٩. ٦ - (معمر) بن راشد، أبو عروة الصنعاني، ثقة ثبت فاضل، من كبار[٧] ١٠/ ١٠. ٧- (يونس) بن يزيد الأيلي، أبو يزيد ثقة، من كبار [٧]٩/٩. ٨- (الزهري) محمد بن مسلم ابن شهاب المدني الإمام الحجة الثبت [٤]١/١. ٩- (سعيد) بن المسيب بن حزن الفقيه الحجة الثبت، من كبار [٣]٩/٩. ١٠- (أبو هريرة) رضي الله تعالى عنه١/١. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه اللَّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه الحارث، فقد تفرد به هو، وأبو داود. (ومنها): أن السند الأول إلى الزهريّ مسلسل بالبصريين، والثاني إليه أيضًا بالمصريين، ومنه بالمدنيين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي: الزهري، عن سعيد. (ومنها): أن سعيدًا من الفقهاء السبعة. وأن أبا هريرة رَظنّه من المكثرين السبعة. والله تعالى أعلم. [تنبيه]: قوله في السند الأول: ((قال: قلت: عن سعيد؟ الخ)) أي قال معمر: قلت للزهريّ، هل هذا الحديث عن سعيد بن المسيّب؟ فقال الزهريّ: نعم هو عن سعيد، حال كونه راويًا له عن أبي هريرة رَني . والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي اللَّه تعالى عنه، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَهُ: ((بُعِثْتُ بِجَوَامِع الْكَلِم) أي الكلم الجامعة، من إضافة الصفة إلى الموصوف، والجوامع جمع جامعة، قيل: يعني القرآن، جمع الله تعالى في ألفاظ يسيرة منه معاني كثيرة، وكذلك كان وَل يتكلّم بألفاظ يسيرة، تحتوي على معاني كثيرة. وفي ((صحيح البخاري)): قال أبو عبد الله: ((وبلغني أن جوامع الكلم أن الله يجمع الأمور الكثيرة التي كانت تُكتب في الكتب قبله في الأمر الواحد، والأمرين، أو نحو ذلك)) انتهى. وهذا التفسير منقول عن الزهريّ رحمه الله تعالى، كما بينه في ((الفتح))(١)، قال: وحاصله أنه وَ ل كان يتكلّم بالقول الموجز القليل اللفظ الكثير المعاني، وجزم غير (١) - (فتح)) ١٤ / ٤٣٣. في ((كتاب التعبير)). ٨٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجِهَادِ الزهريّ بأن المراد ((بجوامع الكلم)) القرآن بقرينة قوله: ((بُعِثْتُ))، والقرآن هو الغاية في إيجاز اللفظ، واتساع المعاني انتهى(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الأصحّ أن جوامع الكلم لا يختصّ بالقرآن، بل هو موجود في كلامه ◌َّرَ، فَمِمَّا ذكروا من أمثلة جوامع الكلم في القرآن قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْفِی الْقِصَاصِ حَيَوٌ يَتَأُوْلِىِ الْأَلْبَابٍ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٩]، وقوله: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأَوْلِكَ هُمُ الْفَآَبِزُونَ﴾ [النور: ٥٢]، إلى غير ذلك. ومن أمثلة جوامع الكلم من الأحاديث النبويّة حديث عائشة رضي اللَّه تعالى عنها: ((كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد))، وحديث: ((كلّ شرط ليس في كتاب اللّه، فهو باطل)). متّفق عليهما. وحديث أبي هريرة ◌َظ فيه: ((وإذا أمرتكم بأمر، فأتوا منه ما استطعتم)). متفق عليه. وحديث المقدام ◌َظنّه: ((ما ملأ ابن آدم وعاءً شرًّا من بطنه ... )) الحديث. أخرجه الأربعة، وصححه ابن حبان، والحاكم، إلى غير ذلك مما يكثر بالتتبّع . وإنما يُسَلَّم ذلك فيما لم تتصرّف الرواة في ألفاظه، والطريق إلى معرفة ذلك أن تقلّ مخارج الحديث، وتتفق ألفاظه، وإلا فإن مخارج الحديث إذا كثرت قلّ أن تتفق ألفاظه لتوارد أكثر الرواة على الاقتصار على الرواية بالمعنى بحسب ما يظهر لأحدهم أنه واف به، والحامل لأكثرهم على ذلك أنهم كانوا يكتبون، ويطول الزمان، فيتعلّق المعنى بالذهن، فيرتسم فيه، ولا يستحضر اللفظ، فيحدّث بالمعنى لمصلحة التبليغ، ثم يظهر من سياق ما (٢) هو أحفظ منه أنه لم يوفّ بالمعنى. قاله في ((الفتح))(٣). (وَنُصِرْتُ) بالبناء للمفعول (بِالرُّغْبِ) -بضم الراء، وسكون العين المهملة - أي الخوف . وفي حديث جابر بن عبد الله رضي اللّه تعالى عنهما، المتّفق عليه، المتقدّم للمصنّف في ((كتاب التيمم)) رقم ٤٣٢/٢٦ -: ((نُصرت بالرعب مسيرة شهر)). وزاد في رواية أحمد من حديث أبي أمامة رَظ ◌ّم: ((يُقذف في قلوب أعدائي)). والمعنى أن الله تعالى ألقى الخوف الشديد منه ◌َ ل# في قلوب أعدائه بلا أسباب ظاهرة ، وآلات عاديّة له، بل بضدّها، فإنه وجر كثيرًا ما يربط الحجر ببطنه من الجوع، ولا يوقد النار في بيوته، ومع هذا الحال كان الكفرة مع ما عندهم من المتاع، والآلات، والأسباب في (١) - («فتح»١٥/ ١٧٢ في ((كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة)). (٢) هكذا نسخة ((الفتح))، ولعل الأولى بلفظ ((من)) وليحرّر. (٣) - ((فتح )١٥/ ١٧٣ . ٨٩ ١- (بابُ وُجُوب الجھَادِ) - حديث رقم ٣٠٨٨ خوف شديد من بأسه وَ ل#، فلا يشكل بأن الناس يخافون من بعض الجبابرة مسيرة شهر وأكثر، فكانت بلقيس تخاف من سليمان رَاثُم مسيرة شهر، وهذا ظاهر، وقد بقي آثار هذه الخاصّة في خلفاء أمته ما داموا على حاله وَ له. قاله السنديّ(١). وقال في ((الفتح)): قوله: ((مسيرة شهر)) مفهومه أنه لم يوجد لغيره النصر بالرعب في هذه المدّة، ولا في أكثر منها، أما ما دونها فلا، لكن لفظ رواية عمرو بن شعيب: ((ونُصرتُ على العدوّ بالرعب، ولو كان بيني وبينهم مسيرة شهر))، فالظاهر اختصاصه به مطلقًا، وإنما جعل الغاية شهرًا؛ لأنه لم يكن بين بلده، وبين أحد من أعدائه أكثر منه، وهذه الخصوصية حاصلة له على الإطلاق، حتى لو كان وحده بغير عسكر، وهل هي حاصلة لأمته من بعده؟ فيه احتمال انتهى(٢). وقد تقدّم شرح حديث جابر رضي الله تعالى عنه مستوفى في ((كتاب التميمم))، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. (وَبَيْنَا أَنَا نَائِمٌ، أَتِيتُ) من الإتيان، وفي بعض نسخ البخاري: ((أوتيت)) بالواو بعد الباء، من الإيتاء، وهو الإعطاء، فتكون الباء على هذا زائدة في قوله (بِمَفَاتِيحٍ خَزَائِنِ الْأَرْضِ) المراد منها ما يُفتح لأمته من بعده من الفتوح. وقيل: المعادن. وقال الخطابيّ: المراد بخزائن الأرض ما فُتح على الأمة من الغنائم من ذخائر كسرى، وقيصر، وغيرهما. ويحتمل معادن الأرض التي فيها الذهب والفضّة. وقال غيره: بل يُحمل على أعمّ من ذلك انتهى(٣). (فَوُضِعَتْ فِي يَدِي) وفي رواية: ((في كفّي)). قال القرطبيّ: هذه الرؤيا أوحى الله فيها لنبيّه وَالتّ أن أمته ستملك الأرض، ويتسع سلطانها، ويظهر دينها، ثم إنه وقع ذلك كذلك، فملكت أمته من الأرض ما لم تملكه أمة من الأمم فيما علمناه، فكان هذا الحديث من أدلة نبوته وَله، ووجه مناسبة هذه الرؤيا أن من ملك مفتاح المغلق، فقد تمكّن من فتحه، ومن الاستيلاء على ما فيه انتهى(٤). (قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) رضي اللّه تعالى عنه، وهو موصول بالسند المذكور أوّلاً (فَذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ بَّهِ﴾ أي مات (وَأَنْتُمْ تَنْتَئِلُونَها) بمثناة، ثم نون ساكنة، ثم مثناة، بوزن تفتعلونها، أي تستخرجونها، وتنتفعون بها. وقال في ((الفتح)): ولبعضهم بحذف المثناة الثانية، من النَّثل -بفتح النون، وسكون المثلثة- وهو الاستخراج، يقال: نَثَلَ كنانته - أي من باب ضرب -: استخرج ما فيها من السهام، وجِرابَه: نَفَضَ ما فيه، والبئرَ: أخرج (١) - ((شرح السنديّ)» ١/ ٢١١/٢١٠. (٢) - ((فتح"١ / ٥٨١ في ((كتاب التيمم)). (٣) - ((فتح٤ ١٤ / ٤٦١. في ((كتاب التعبير)). (٤) - راجع ((زهر الربى)) ٦/ ٣- ٤. ٩٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجِهَادِ ترابها، فمعنى تنتثلونها: تستخرجون ما فيها، وتتمتّعون به. قال ابن التين، عن الداوديّ: هذا هو المحفوظ في هذا الحديث. وقال النوويّ: يعني ما فُتح على المسلمين من الدنيا، وهو يشمل الغنائم، والكنوز، وعلى الأول اقتصر الأكثر. ووقع عند بعض رُواة مسلم بالميم بدل النون الأولى، وهو تحريف انتهى. وفي رواية للبخاري في ((كتاب الاعتصام)) من ((صحيحه)): ما نصّة: ((قال أبو هريرة: فقد ذهب رسول اللَّه وَله وأنتم تَلْغَثُونها، أو تَرْغَثُونها، أو كلمة تشبهها)). قال في ((الفتح)): فالأولى بلام ساكنة، ثم غين معجمة مفتوحة، ثم مثلثة، والثانية مثلها، لكن بدل اللام راء، وهي من الرَّغْث، كناية عن سعة العيش، وأصله من رَغَثَ الجدي أمه: إذا ارتضع منها، وأرغثته هي: أرضعته، ومن ثمّ قيل: رُغُوث. وأما باللام، فقيل: إنه لغة فيها. وقيل: تصحيف. وقيل: مأخوذة من اللُّغِيث بوزن عَظِيم، وهو الطعام المخلوط بالشعير. ذكره صاحب ((المحكم)) عن ثعلب. والمراد يأكلونها كيما اتفق، وفيه بُعد. وقال ابن بطّال: وأما اللغث باللام، فلم أجده فيما تصفّحتُ من اللغة انتهى. قال الحافظ: ووجدت في حاشية من كتابه هما لغتان صحيحان فصحيتان، معناهما الأكل بالنهم، وأفاد الشيخ مغلطاي عن كتاب ((المنتهى)) لأبي المعالي اللغويّ لغث طعامه، ولعث -بالغين، والعين، أي المعجمة، والمهملة -: إذا فرّقه، قال: الَّلِغِيثُ ما يبقى في الكيل من الحبّ، فعلى هذا فالمعنى، وأنتم تأخذون المال، فتفرّقونه بعد أن تحوزوه، واستعار للمال ما للطعام؛ لأن الطعام أهمّ ما يُقْتَنَى لأجله المالُ، وزعم أن في بعض نسخ الصحيح، وأنتم تلعقونها -بمهملة، ثم قاف -. قال الحافظ: وهو تصحيف، ولو كان له بعض اتجاه انتهى(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه هذا متفق عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٣٠٨٨/١ و٣٠٨٩- وفي ((الكبرى)) ٤٢٩٤/١ و٤٢٩٥ و٤٢٩٦ و٤٢٩٧ . وأخرجه (خ) في ((الجهاد)) ٢٩٧٧ و((التعبير))٦٩٩٨ و٧٠١٣ و ((الاعتصام)) ٧٢٧٣ (م) في ((المساجد))٥٢٣ (ت) في ((السير))١٥٥٣ (أحمد) في (١) - ((فتح٤ ١٥/ ١٧٢ . = ٩١ ١- (بابُ وُجُوب الجهادٍ) - حديث رقم ٣٠٨٩ ((مسند المكثرين))٧٥٣١ و٧٥٧٦ و٨٨٩٦ و٩٥٥٧ و١٠١٣٩. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما خصّ اللَّه عز وجل نبيّه وَّل بجوامع الكلم، حيث كان يتكلّم بألفاظ يسيرة، تحتوي على معان كثيرة. (ومنها): ما خصّه عز وجل أيضًا من النصر على أعدائه بإلقاء الرعب في قلوبهم من مسافة بعيدة، فينهزمون بمجرد سماعهم بقصده بغزوهم. (ومنها): ما أنعم الله تعالى به عليه، من اتساع دينه، وانتشار أمته على مشارق الأرض ومغاربها. (ومنها): أنه وَّر خرج من الدنيا، ولم يتناول من زخارفها شيئًا، إلا قدر الحاجة، مع أن اللّه تعالى جعل في يده مفاتيح خزائن الأرض، بل كان ذلك لأمته بعده وَلجر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٠٨٩- (أَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنِ خَالِدِ بْنِ نِزَارٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِ الْقَاسِمُ بْنُ مَبْرُورٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَّ اللَّهِ وَلِّ، نَحْوَهُ). رجال هذا الإسناد : سبعة : ١- (هارون بن سعيد) الأيليّ، أبو جعفر، نزيل مصر، ثقة فاضل [١٠]٢٤٨٨/٢٥. ٢- (خالد بن نزار) بن المغيرة بن سُليم الغسّانيّ مولاهم الأَيْلَيّ، صدوق يُخطىء[٩]. ذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: يُغرب، ويُخطىء. وقال مسلمة بن قاسم: وثّقه ابن وضّاح. وقال ابن الجارود في كتاب ((الآحاد)»: وخالد بن نزار أثبت من حَرَميّ بن عُمارة. وقال ابن سعد: مات سنة (٢٢٢). تفرّد به المصنّف، وأبو داود، وله عند المصنّف في هذا الكتاب حديثان فقط، حديث الباب، وحديث عائشة رضي اللَّه تعالى عنها: ((لا تُقطع اليد إلا في ثمن المِجَنّ، ثلث دينار)) رقم ٤٩١٦ . ٣- (القاسم بن مبرور) الأيليّ، صدوق فقيه، من كبار[٧]. قال خالد بن نزار: قال مالك: ما فعل القاسم؟، فقلت: مات، قال: كنتُ أحسبه يكون خَلَفًا من الأوزاعيّ. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). قال ابن يونس: توفي بمكة سنة ع(٨) أو (١٠٩) وصلَّى عليه الثوريّ. تفرّد به المصنّف، وأبو داود، وله في هذا الكتاب الحديثان المذكوران في ترجمة خالد بن نزار، فقط. ٤- (أبو سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف المدني الفقيه الثقة الثبت [٣] ١/١. والباقون تقدموا في السند الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٩٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجِهَادِ ٣٠٨٩- (أَخْبَرَنَا كَثِيرُ بْنُ عُبَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، عَنِ الزُّبَيْدِيُ، عَنِ الزُّهْرِيْ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ، يَقُولُ: ((بُعِثْتُ بِجَوَامِعِ الْكَلِمِ، وَنُصِرْتُ بِالرُّغْبِ، وَبَيْنَا أَنَا نَائِمٌ، أَتِيتُ بِمَفَاتِيحِ خَزَائِنِ الْأَرْضِ، فَوُضِعَتْ فِي يَدِي)). فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَقَدْ ذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ، وَأَنْتُمْ تَنْتَئِلُونَها). رجال هذا الإسناد: ستة: ١- (كثير بن عُبيد) أبو الحسن المَذحِجيّ الحمصيّ الحذاء المقرىء، ثقة [١٠]٥٪ ٤٨٦ . ٢- (محمد بن حرب) الخولانيّ الحمصيّ الأبرش، ثقة [٩]١٧٢/١٢٢. ٣- (الزُّبيديّ) -بضمّ الزي، مصغّرًا- محمد بن الوليد، أبو الْهُذَيل الحمصيّ القاضي، ثقة ثبت، من كبار أصحاب الزهريّ [٧]٥٦/٤٥. والحديث متفق عليه، وقد سبق شرحه، والكلام على مسائله في الحديث الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل . ٣٠٩١- (أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةٌ عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ، عَنِ ابْنٍ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي(١) يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ◌ِِّ،َ قَالَ: ((أُمِزْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ، حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّ اللَّهُ، فَمَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّ اللَّهُ، عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ، إِلَّا بِحَقَّهِ، وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ))). رجال هذا الإسناد: سبعة : ١- (يونس بن عبد الأعلى) الصَّدَفِيُّ، أبو موسى المصري، ثقة، من صغار[١٠]١/ ٤٤٩ . والباقون تقدموا قريًا، وكلهم رجال الصحيح. والحديث متّفق عليه، وتقدّم شرحه، وبيان المسائل المتعلّقة به في ((كتاب الزكاة))- ٢٤٤٣/٣- ودلالته على الترجمة هنا واضحة، حيث إنه دلّ على وجوب جهاد الكفّار حتى يدخلوا في الإسلام، وذلك بكلمة التوحيد، والتزام أحكام الشرع، فيكون المراد بقوله: ((حتى يقولوا: لا إله إلا الله)) كناية عن إظهار الإسلام، وقبوله، فيدخل فيه الشهادتان، والاعتراف بكلّ ما عُلم مجيئه بَّر به. والله تعالى أعلم. (١) - وفي نسخة: ((أخبرنا)). ٩٣ = ١- (بَابُ وُجُوب الْجِهَادِ) - حديث رقم ٣٠٩٢ ثم إن قوله: ((حتى يقولوا: لا إله إلا اللَّه)) إما أن يُحمل على أنه كان قبل شرع الجزية، أو على أن الكلام في العرب، وهم لا يُقبل منهم الجزية، وإلا فالقتال في أهل الكتاب يرتفع بالجزية أيضًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٠٩٢- (أَخْبَرَنَا كَثِيرُ بْنُ عُبَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَرْبٍ، عَنِ الزُّبَيْدِيِّ، عَنِ الزُّهرِيّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: لَمَّا تُؤَفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ◌ِّهِ، وَاسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْرٍ، وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنَ الْعَرَبِ، قَالَ عُمَرُ: يَا أَبَا بَكْرٍ، كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَ﴿: ((أُمِزْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ، حَتَّى يَقُولُوا: لَّا إِلَهَ إِلَّ اللَّهُ، فَمَنْ قَالَ: لَا إِلَّهَ إِلَّا اللَّهُ عَصَمَ مِنِّي نَفْسَهُ وَمَالَهُ، إِلَّا بِحَقْهِ، وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ)، قَالَ أَبُو بَكْرِ رَضِي اللَّه عَنْه: وَاللَّهِ لَأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ الْمَالِ، وَاللَّهِّ لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقًا، كَانُوا يُؤَدُّونَها إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَلَ، لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهَا، فَوَاللَّهِ مَا هُوَ، إِلَّا أَنْ وَأَيْتُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلّ، قَدْ شَرَحَ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ لِلْقِتَالِ، وَعَرَفْتُ أَنَّهُ الْحَقُّ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١- (عبيد الله بن عبد الله) بن عتبة بن مسعود الهذلي المدني الفقيه الثقة الثبت [٣]٥٦/٤٥ . والباقون تقدموا قبل حديث. والحديث متفق عليه، وقد تقدّم الكلام عليه في الذي قبله. وقوله: ((لما تُوفّي)) بتشديد الفاء مبنيًّا للمفعول، وكذا قوله: ((استُخلف)). وقوله: ((وكفر)) أي عامل معاملة من كفر، بسبب منعه الزكاة، أو لأنهم ارتدّوا بإنكار وجوب الزكاة عليهم. وقيل: إنهم حملوا قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَلِمْ﴾ الآية [التوبة: ١٠٣] على الخصوص، بقرينة: ﴿إِنَّ صَلَوْتَكَ سَكَنٌ لَمُمْ﴾، فرأوا أن ليس لغيره أخذ الزكاة، فلا زكاة بعده. وقوله: ((كيف تقاتل الناس)) أي من امتنع من الزكاة من المسلمين. وقوله: ((من فرق)) بتشديد الراء، وتخفيفها، أي من قال بوجوب الصلاة، دون الزكاة، أو يفعل الصلاة، ويترك الزكاة. وقوله: ((فإن الزكاة حقّ المال)) أشار به إلى دخولها في قوله وَله: ((إلا بحقّه))، ولذلك رجع عمر إلى أبي بكر تَ﴾، وعلم أن فعله موافق للحديث، وأنه قد وُفْق به من الله تعالى. وقوله: ((عناقًا)) - بفتح العين المهملة، والنون، كسَحَابٍ -: هي الأنثى من ولد ٩٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجِهَادِ المعز. وهي ليست من سنّ الزكاة، فإما هو على المبالغة، أو مبنيّ على أن من عنده أربعون سَخْلَةً يجب عليه واحدة منها، وأن حول الأمهات حول النتاج، ولا يُستأنف لها حول. وتقدّم في ((كتاب الزكاة))-٢٤٤٣/٣ - بلفظ: ((عِقَالاً)) -بكسر العين المهملة- قال في ((النهاية)): أراد به الحبل الذي يُعقل به البعير الذي يؤخذ في الصدقة؛ لأن على صاحبها التسليم، وإنما يقع القبض بالرباط. وقيل: أراد ما يساوي عقالاً من حقوق الصدقة. وقيل: إذا أخذ المصدّق أعيان الإبل قيل: أخذ عقالاً، وإذا أخذ أثمانها قيل: أخذ نقدًا. وقيل: أراد بالعقال صدقة العام، يقال: أخذ المصدّق عقال هذا العام: إذا أَخذ منهم صدقته، وبعث فلان على عقال بني فلان: إذا بُعث على صدقاتهم، واختاره أبو عُبيد، وقال: هو أشبه عندي بالمعنى. وقال الخطابيّ: إنما يُضرب المثل في مثل هذا بالأقلّ، لا بالأكثر، وليس بسائر في لسانهم أن العقال صدقة عام. وقد تقدّم تمام البحث فيه في «كتاب الزكاة)) . وقوله: (( ما هو إلا أن رأيت اللَّه الح)) أي ليس سبب رجوعي إلى رأي أبي بكر إلا رؤيتي شرح الله تعالى صدرَ أبي بكر بما ألهمه من وجه الصواب، فقال: فإن الزكاة حقّ المال الخ، فرجعت إليه؛ لوضوح الحقّ لي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٠٩٣- (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُغِيرَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنِ الزُّهرِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ ح وَأَنْبَأَنَا(١) كَثِيرُ بْنُ عُبَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ، عَنْ شُعَيْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، قَالَ: لَمَّا تُؤُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ نَّهَ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ بَعْدَهُ، وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنَ الْعَرَبِ، قَالَ عُمَرُ رَضِي اللَّهُ عَنْهِ: يَا أَبَا بَكْرٍ، كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَّهِ : (أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَمَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّ اللَّهُ، فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ، إِلَّا بِحَقُّهِ، وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ»، قَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِي اللَّه عَنْه: لَأُقَاتِلُنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ الْمَالِ، وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقًا(٢)، كَانُوا يُؤَدُّونَهَا إِلَى رَسُولِ اللّهِ بِّهِ، لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهَا، قَالَ عُمَرُ: فَوَاللّهِ مَا هُوَ، إِلَّا أَنْ وَأَيْتُ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، شَرَحَ صَذْرَ أَبِي بَكْرٍ لِلْقِتَالِ، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ الْحَقُّ . -وَاللَّفْظُ لِأَحْمَدَ-). (١) - وفي نسخة: ((أخبرنا)). (٢) - وفي نسخة: ((عِقالاً)). ١ - (بَابُ وُجُوب الْجِهَادِ) - حديث رقم ٣٠٩٤ ٩٥ - رجال هذا الإسناد: ستة كلهم تقدموا قريبًا غير: ١- (أحمد بن محمد بن مغيرة) الأزديّ الحمصيّ، صدوق [١١]٨٥/٦٩ من أفراد المصنّف . و٢- (عثمان بن سعيد) أبي عمرو الحمصيّ، ثقة عابدٌ [٩]٨٥/٦٩ من أفراد المصنف، وأبي داود، وابن ماجه. و٣- (شعيب) بن أبي حمزة دينار الحمصي، ثقة عابد، قال ابن معين: من أثبت الناس في الزهريّ [٧]٨٥/٦٩. و٤ - (بقية) بن الوليد الحمصي، صدوق، كثير التدليس عن الضعفاء [٨]٥٥/٤٥ . وكلهم من رجال الصحيح، غير شيخه أحمد بن محمد، فتفرد به، وعثمان بن سعيد، فأخرج له هو، وأبو داود، وابن ماجه، ومثله ((كثير بن عُبيد)) الحمصيّ المقرىء الثقة، و(بقيّة)) علّق له البخاريّ، وأخرج له مسلم متابعة، وهو وإن کان کثیر التدليس، والتسوية، إلا أنه هنا ذكر متابعة لعثمان بن سعيد. [تنبيه]: قوله: ((واللفظ لأحمد)) يعني أن سياق لفظ الحديث المذكور لشيخه أحمد ابن محمد بن مغيرة، وأما شيخه كثير بن عُبيد فرواه بالمعنى. والحديث متفق عليه، وسبق الكلام عليه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٠٩٤- (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ الْفَضْلِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ، قَالَ: حَدَّثَنِي شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ، وَسُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ - وَذَكَرَ آخَرَ - عَنِ الزُّهرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: لَمَّا جَمَعَ أَبُو بَكْرٍ لِقِتَالِهِمْ، فَقَالَ عُمَرُ: يَا أَبَا بَكْرِ، كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بَهِ: ((أُمِزْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ، حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَإِذَا قَالُوهَا، عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ، إِلَّا بِحَقْهَا))، قَالَ أَبُو بَكْرِ رَضِي اللَّه عَنْه: لَأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقًا(١)، كَانُوا يُؤَدُّونَهَا إِلَى رَسُولِ اللّهِهِ، لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهَا، قَالَ عُمَرُ رَضِي اللَّه عَنْه: فَوَاللَّهِ، مَا هُوَ إِلَّا أَنْ رَأَيْتُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى، قَدْ شَرَحَ صَذْرَ أَبِي بَكْرٍ لِقِتَالِهِمْ، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ الْحَقُّ). رجال هذا الإسناد : ثمانية: ١- (أحمد بن سليمان) أبو الحسين الرُّهَاويّ الثقة الحافظ [١١]٤٢/٣٨. ٢- (مؤمَّل بن الفضل) بن مجاهد، ويقال: ابن عُمير الحرّانيّ، أبو سعيد الجزريّ، (١) - وفي نسخة: ((عِقالاً)). = ٩٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجِهَادِ صدوق [١٠]. قال أبو حاتم: ثقة رضًا. وقال الآجرّيّ، عن أبي داود: أمرني النُّفيليّ أن أكتب عنه، وسألني أحمد بن حنبل عنه، وقال: زعموا أنه لا بأس به. وذكره ابن حبّان في (الثقات)). مات سنة (٢٢٩) وقيل: سنة (٢٣٠). تفرّد به المصنّف، وأبو داود، وله عند المصنّف حديث الباب، أخرجه هنا، وفي ((كتاب تحريم الدم)) برقم - ٣٩٧٦/١. ٣- (الوليد) بن مسلم، أبو العباس الدمشقيّ، ثقة يدلس تدليس التسوية [٨]٤٥٤/٥. ٤- (سفيان بن عيينة) الإمام الحجة الثبت [٨]١/١. والباقون تقدموا قريبًا. [تنبيه]: قوله: ((وذكر آخر)) هو من قول مؤمّل بن الفضل، يعني أن الوليد ذكر رجلاً آخر في السند مع شعيب بن أبي حمزة، وسفيان بن عيينة شاركهما في رواية هذا الحديث عن الزهريّ، ولم أعرف الرجل المبهم. وقوله: ((جمع أبو بكر)) من الجمع ثلاثيًّا: أي جمع الجيش. وفي نسخة: ((أجمع)) من الإجماع رباعيًّا، أي عزم. والحديث متّفق عليه، وسبق الكلام عليه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٠٩٥- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَاصِم، قَالَ: حَدَّثَنَا عِمْرَانُ، أَبُو الْعَوَّامِ الْقَطَّانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهِرِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنَّ مَالِكِ، قَالَ: لَمَّا تُوُنِّيَّ رَسُولُ اللَّهِ وَهَ ارْتَذَّتِ الْعَرَبُ، قَالَ عُمَرُ: يَا أَبَا بَكْرٍ، كَيْفَ تُقَاتِلُ الْعَرَبَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرِ رَضِي اللَّه عَنْهِ: إِنَّمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ: ((أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ، حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّ اللَّهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ))، وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقًا، مِمَّا كَانُوا يُعْطُونَ رَسُولَ اللّهِ بِهِ لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَيْهِ، قَالَ عُمَرُ رَضِي اللَّه عَنْهِ: فَلَمَّا رَأَيْتُ رَأْيَ أَبِي بَكْرٍ، قَدْ شُرِحَ، عَلِمْتُ أَنَّهُ الْحَقُّ. قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: عِمْرَانُ الْقَطَّنُ، لَيْسَ بِالْقَوِيِّ فِي الْحَدِيثِ، وَهَذَا الْحَدِيثُ خَطَأْ، وَالَّذِي قَبْلَهُ الصَّوَابُ، حَدِيثُ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ). رجال هذا الإسناد : ستة: ١- (محمد بن بشار) بندار أبو بكر البصري، ثقة [١٠]٢٧/٤. ٢- (عمرو بن عاصم) الكلابيّ القيسيّ، أبو عثمان البصريّ، صدوق في حفظه شيء، من صغار[٩]١٧ / ١٥٥٢. ٣- (عمران، أبو الْعَوَّام القطّان) هو: ابن داوَر -بفتح الواو، آخره راء- البصريّ، صدوق يهم، ورمي برأي الخوارج [٧]٩/ ٤٦٦. ١- (بَأَبُ وُجُوب الْجِهَادِ) - حديث رقم ٣٠٩٧ = ٩٧ ٤- (أنس بن مالك) الصحابي الشهير رضي الله تعالى عنه٦/ ٦ . والباقون تقدموا قريبًا . وقوله: ((فلما رأيت رأي أبي بكر الخ)) هو بمعنى قوله السابق: ((قد شرح صدر أبي بكر الخ، فأطلق الرأي على الصدر؛ لأن الرأي يصدر من القلب الذي محلّه الصدر. والله تعالى أعلم. وقوله: ((قال أبو عبد الرحمن الخ)) أشار المصنّف رحمه الله تعالى بهذا الكلام إلى أن حديث الزهريّ هذا من هذا الطريق خطأ، وإنما الصواب حديثه، عن عبيدالله بن عبد الله، عن أبي هريرة ◌َثيه ، ثم نسب الخطأ إلى عمران القطّان، لأنه ليس بالقويّ في الحديث. والحاصل أن هذا الإسناد خطأ، وأما الحديث فصحيح، متّفق عليه من حديث أبي هريرة وَنّه ، من الطرق التي ساقها المصنف رحمه الله تعالى في هذا الباب، ومن غيرها. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٠٩٦- (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ بْنِ الْمُغِيرَةِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ح و أَخْبَرَنِي(١) عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ كَثِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ، قَالَ: ((أَمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ، حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّ اللَّهُ، فَمَنْ قَالَهَا، فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي نَفْسَهُ وَمَالَهُ، إِلَّا بِحَقْهِ، وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ))). رجال هذا الإسناد: ستة : ١- (عمرو بن عُثمان بن سعيد بن كثير) أبو حفص الحمصي، صدوق [١٠]٢١/ ٥٣٥ . ٢- (أبوه) عثمان بن سعيد بن كثير، أبو عمرو الحمصيّ، ثقة عابد[٩]٨٥/٦٩، وهو عثمان المذكور في السند الأول. والباقون تقدوا قريبًا، و((شُعيب)): هو ابن أبي حمزة . والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم الكلام عليه في الحديث الماضي برقم ٣٠٩١ - من هذا الباب. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل . ٣٠٩٧- (أَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالًا: حَدَّثَنَا (١) - وفي نسخة: ((أخبرنا)). -٩٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجِهَادِ يَزِيدُ، قَالَ: أَنْبَأَنَا (١) حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، حَذَثْنِيِ حُمَيْدٌ (٢)، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َِِّ، قَالَ: (جَاهِدُوا الْمُشْرِكِينَ بِأَمْوَالِكُمْ، وَأَيْدِيكُمْ، وَأَلْسِتَتِكُمْ)). رجال هذا الإسناد: ستة: ١- (هارون بن عبد الله) أبو موسى الحمّال البغداديّ، ثقة [١٠]٥٠/ ٦٢. ٢- (محمد بن إسماعيل) بن إبراهيم المعروف أبوه بـ((ابن عليّة)) الدمشقيّ قاضيها، ثقة [١١]٤٨٩/٢٢. ٣- (يزيد) بن هارون، أبو خالد الواسطيّ، ثقن متقنّ عابد [٩]٢٤٤/١٥٣. ٤- (حماد بن سلمة) بن دينار، أبو سلمة البصري، ثقة عابد [٨]٢٨٨/١٨١. ٥- (حُميد) بن أبي حميد المعروف بـ((الطويل))، أبو عبيدة البصري، ثقة مدلس [٥]١٠٨/٨٧ . ٦- (أنس مالك) رضي الله تعالى عنه٦/ ٦. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحیح، غیر شیخه الثاني، فإنه من أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالبصریین غیر شیخیه، فالأول بغدادي، والثاني دمشقي، ويزيد، فواسطي. (ومنها): أن فيه أنسًا رَّه من المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا، وهو آخر من مات من الصحابة بالبصرة، مات سنة (٢) (٩٣)، وهو من المعمّرين، فقد جاوز عمرة مائة سنة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَنَسٍ) رضي اللَّه تعالى عنه (عَنِ النَِّيِّ وَّ) أنه (قَالَ: ((جَاهِدُوا الْمُشْرِكِينَ) أي قاتلوهم، وهو بظاهره يشمل الحرم، والأشهر الحرم، والبدء بالقتال. قال ابن الهمام: وقتال الكفّار الذين لم يُسلموا، وهم من مشركي العرب، أو لم يسلموا، ولم يُعطوا الجزية من غيرهم واجبٌ، وإن لم يبدءونا؛ لأن الأدلّة الموجبة له لم تقيّد الوجوب ببدئهم؛ خلافًا لما نُقل عن الثوريّ، والزمان الخاصّ، كالأشهر الحرم، وغيرها سواءٌ؛ خلافًا لعطاء، ولقد استبعد ما عن الثوريّ، وتمسّكه بقوله تعالى: ﴿فَإِن قَتَلُكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ الآية [البقرة: ١٩١]، فإنه لا يخفى عليه نسخه، وصريح قوله وَ ر في ((الصحيحين)): ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله)) الحديث، يوجب ابتداءهم بأدنى (١) - وفي نسخة: ((أخبرنا)). (٢) - وفي نسخة: ((عن حميد)). ٩٩ ١ - (بَأَبُ وُجُوب الْجِهَادِ) - حديث رقم ٣٠٩٧ تأمّل، وحاصر وَلقر الطائف لعشر بقين من ذي الحجة إلى آخر المحرّم، أو إلى شهر. وقد استدلّ على نسخ الحرمة في الأشهر الحرم بقوله تعالى: ﴿فَأَقْنُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ الآية [التوبة: ٥]، وهو بناء على التجوّز بلفظ: ((حيث)) في الزمان، ولا شكّ أنه كثير في الاستعمال. ذكره القاري (١) (بِأَمْوَالِكُمْ) أي بتجهيز الغزاة (وَأَيْدِيكُمْ) أي بمباشرة القتل (وَأَلْسِنَتِكُمْ) أي بالدفاع عن الإسلام بذكر الحجج القاطعة، والبراهين الساطعة، ودحض حجج الكفار، وبالدعوة إليه بالحكمة، والموعظة الحسنة، وبالمجادلة بالحسنى، وحضّ الناس على الجهاد، وترغيبهم فيه، وبيان فضائله لهم. وقال المنذريّ(٢): يحتمل أن يريد بقوله: ((وألسنتكم)) الهجاء، ويؤيّده قوله ◌َّ لعمر ابن الخطّاب ◌َّه، لما أنكر على عبد الله بن رواحة إنشاده بين يدي رسول اللّه وَل في عمرة القضاء شعره في قريش، فقال ◌َله: ((خَلِّ عنه يا عمر، فلهو أسرع فيهم من نَضْحِ النَّبْل))(٣). وقال المظهر: معنى قوله: ((بألسنتكم))، أي جاهدوهم بها، بأن تذمّوهم، وتعيبوهم، وتسبّوا أصنامهم، ودينهم الباطل، وبأن تخوّفوهم بالقتل، والأخذ، وما أشبه ذلك. [فإن قلت]: هذا يخالف قول تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدُوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ الآية [الأنعام: ١٠٨]. [قلت]: كان المسلمون يسبّون آلهتهم، فنهوا؛ لئلا يكون سبّهم سببًا لسبّ الله تعالى، والنهي منصب على الفعل المعلّل، فإذا لم يؤدّ السبّ إلى سبّ اللَّه تعالى جاز انتھی . وتعقّبه القاري، فقال: إنه سبب غالبيّ، وعدم كونه تسبّبًا أمر موهوم، فيتعيّن النهي، لا سيّما ومبنى الأحكام الشرعية على الأمور الأغلبية، مع أن حالة الاستواء، بل وقت الاحتمال یرجّح النھي. نعم يمكن أن يكون النهي واردًا على أن يكون الابتداء من المؤمنين؛ لأنه ربمايكون سببًا لسبّهم، أما إذا كان الابتداء منهم فليس كذلك؛ لأن هذا الخوف في الذين غلب الجهل والسفه عليهم من الكفّار، أما أكثرهم، فيعظّمون اللّه تعالى، ويقولون: ﴿هَؤُلاء (١) - ((المرقاة)»٧ / ٣٨٥. (٢) - راجع (مختصر أبي داود»٣٦٦/٣ - ٣٦٧. (٣) - حديث صحيح، تقدم للمصنف برقم ١٦١/ ٢٨٩٣ . ٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجِهَادِ شُفَعَؤُنَا عِندَ اللهِ﴾ الآية: [يونس: ١٨]، ﴿وَلَيِنِ سَأَلْتَّهُم ◌َّنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ لَقُولُنَ اَللَّهُ﴾ الآية [الزمر: ٣٨]. انتهى كلام القاري(١). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الأولى حمل قوله وَله: ((بألسنتكم)) على الدعوة إلى الدين بإظهار محاسنه، وإقناع خصومه، والدفاع عنه بإظهار حججه، ودحض الشبه الواردة عليه من أعدائه، وأما سبّ الآلهة، فيكون عند الحاجة، كأن يسبّوا اللَّه تعالى، أو النبيّ وَّر، أو القرآن، فيكون من باب المكافأة؛ حذرًا من الدخول في النهي الوارد في الآية السابقة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته : حديث أنس رضي اللَّه تعالى عنه هذا صحيح. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٣٠٩٧/١ و ٣١٩٣/٤٨ - و(«الكبرى)) ٤٣٩٩/٤٤. وأخرجه (د) في ((الجهاد)) ٢٥٠٤ (أحمد) في ((باقي مسند المكثرين)» ١١٨٣٧ و١٢١٤٥ و١٣٢٢٦ و ((الدارميّ)) في ((الجهاد))٢٤٣١. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان وجوب الجهاد. (ومنها): أن الجهاد يكون بالمال، وذلك بأن ينفقه في إعداد العُدّة، وتجهيز الجيوش، وباليد، وذلك بأن يقتل الكفّار بنفسه، وبالألسنة، وذلك بالدفاع عن الإسلام، ورد أباطيل الكفار، وتفنيد آرائهم الفاسدة. (ومنها): أن ظاهر أحاديث الباب تدلّ على وجوب قتال الكفّار من غير تقدّم دعوتهم، وقد اختلف أهل العلم في ذلك على ثلاث مذاهب، حكاها المازريّ، والقاضي عياض : (أحدها): وجوب الإنذار مطلقًا، قاله مالك بن أنس، وغيره، وهو ضعيف. (الثاني): لا يجب مطلقًا، وهذا أضعف من الأول، بل باطلٌ. (الثالث): يجب إن لم تبلغهم الدعوة، ولا يجب إن بلغتهم، لكن يستحبّ، وهذا هو الصحيح، وبه قال نافع مولى ابن عمر، والحسن البصريّ، والثوريّ، والليث، (١) - ((المرقاة» ٣٨٥/٧ - ٣٨٦ .