Indexed OCR Text
Pages 41-60
٤١ == ٢٢٢- (التَّهْيُ عَنْ رَمْي جَمْرَةِ العَقَبَةِ قَبَلَ ... - حديث رقم ٣٠٦٥ الباب الماضي. والحاصل أن الأولى أن لا يرمي بعد يوم النحر إلا بعد الزوال؛ اتباعًا لما ثبت من فعله وَله، وأما عدم إجزائه قبل الزوال فمحل نظر، فليُتأمّل. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)) . ٢٢٢- (التَّهْيُ عَنْ رَمْي جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ) ٣٠٦٥- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْمُقْرِئُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيُّ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنِ الْحَسَنِ الْعُرَنِيّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ وَِّ، أُغَيْلِمَةَ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، عَلَى حُمُرَاتٍ، يَلْطَحُ أَفْخَاذَنَا، وَيَقُولُ: ((أُبَيْنِيَّ، لَا تَرْمُوا جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ»). رجال هذا الإسناد : ستة: ١- (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْمُقْرِئ) أبو يحيى المكيّ، ثقة [١١]١١/١١. ٢- (سفيان) بن عيينة الهلاليّ، أبو محمد بن أبي عمران ميمون الكوفيّ، نزيل مكة، ثقة ثبت حجة [٨]١/ ١. ٣- (سفيان) بن سعيد الثوريّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، ثقة ثبت إمام فقيه [٧]٣٧/٣٣. ٤- (سلمة بن كُهيل) الحضرميّ، أبو يحيى الكوفيّ، ثقة [٤]٣١٢/١٩٥. ٥- (الحسن العُرَنيّ) -بضم العين المهملة، وفتح الراء، بعدها نون- هو: ابن عبد الله البجليّ الكوفيّ ثقة، أرسل عن ابن عباس [٤]. قال ابن أبي خيثمة، عن يحيى بن معين: صدوقٌ ليس به بأس، إنما يقال: إنه لم يسمع من ابن عباس. وقال أبو زرعة: ثقة. وقال ابن سعد: كان ثقة، وله أحاديث. وقال العجليّ: كوفيّ ثقة. وذكره ابن حبّان في ((الثقات))، وقال: يخطىء. وقال أحمد ابن حنبل: الحسن العُرَنيّ لم يسمع من ابن عباس شيئًا. وقال أبو حاتم: لم يدركه. وحديثه عند البخاريّ مقرون بغيره. روى له الجماعة، سوى الترمذيّ، وله عند ٤٢ = شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجِّ المصنّف في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث برقم-٣٠٦٥/٢٢٢ و٣٠٨٥/٢٣١ و٢٣/ ٥٠٩٩ . ٦- (ابن عبّاس) رضي اللَّه تعالى عنهما ٣١/٢٧. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه اللَّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرد به هو، وابن ماجه. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين غير شيخه، فمكيّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ: سلمة، عن الحسن، وهو من رواية الأقران. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي اللَّه تعالى عنهما، أنه (قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ وَِّ، أُغَيْلِمَةَ بَنِي عَبْدِ الْمُطَِّبِ) تصغير أغلمة، والمراد الصبيان، ولذا صغّرهم، وهو بالنصب بدل من الضمير في ((بعثنا))، وقال القاري: نصبه على الاختصاص، أو على إضمار ((أعني)»، أو عطف بيان لضمير ((بعثنا)) . قال في ((النهاية)): أُغَيلمة)) تصغيرٍ أَغْلِمة، جمع غُلام في القياس، ولم يَرِد في جمعه أَغْلِمَةِ، وإنما قالوا: غِلْمَة، ومثله أَصَيبية، تصغير صِبْيَة، ويريد بالأغيلمة الصبيانَ، ولذلك صغّرهم انتهى(١) . وقال الخطّابيّ: هو تصغير الغِلْمَة، وكان القياس غُلَيمة، لكنهم ردّوه إلى أَفْعِلَة، فقالوا: أُغَيلمة، كما قالوا: أُصَيبية، في تصغير صِبْية . وقال الجوهريّ: الغلام جمعه أَغْلِمَة، وإن كانوا لم يقولوه (عَلَى حُمُرَاتٍ) جمع مؤنث سالم لحُمُر، متعلّق بحال محذوف، أي حال كوننا راكبين على حمرات (يَلْطَحُ) بفتح الياء التحتيّة، والطاء المهملة، بعدها حاء مهملة-من اللطح، وهو الضرب الخفيف. قال أبو داود في ((سننه)): اللَّطْحُ: الضرب الليّن. وقال في ((النهاية)): هو الضرب الخفيف بالكفّ، وليس بالشديد(٢) (أَفْخَاذَنَا) بفتح الهمزة، جمع فخذ (وَيَقُولُ: ((أَبَنِيَّ) بضم الهمزة، وفتح الموحدة، وسكون المثنّاة التحتانيّة، ثم نون مكسورة، ثم ياء مشدّدة. قال ابن الأثير رحمه اللّه تعالى: وقد اختلف في صيغتها، ومعناها، فقيل: إنه تصغير أَبْنَى، كأَعْمَى، وأُعَيْمَى، وهو اسم مفرد، يدلّ على الجمع. وقيل: إن ابنًا (١) - ((النهاية)) ٣/ ٣٨٢. (٢) - ((النهاية)) ٤ /٢٥٠. ٤٣ ٢٢٢- (النَّهْيُ عَنْ رَمْي جَمْرَةِ العَقَبَةِ قَبَلَ ... - حديث رقم ٣٠٦٥ يُجمع على أبناء مقصورًا، وممدودًا. وقيل: هو تصغير ابن، وفيه نظر. وقال أبو عُبيد: هو تصغيرٍ بَنِيَّ، جمع ابن مضافًا إلى النفس، فهذا يوجب أن تكون صيغة اللفظة في الحديث أُبَيْنِيّ، بوزن سُرَيْجِيّ، وهذه التقديرات على اختلاف الروايات انتهى(١). وقال الحافظ السيوطيّ في ((شرحه)) لهذا الكتاب بعد نقل كلام صاحب ((النهاية)): قال ابن الحاجب في ((أماليه)): قوله وَلّر: ((أبينيّ لا ترموا جمرة العقبة ... ))، الأولى أن يقال: إنه تصغير بَنِيّ مجموعًا، وكان أصل ((بنيّ)) بُنيّون، أضفته إلى ياء المتكلّم، فصار يُنّويَ في الرفع، وبُنيي في النصب والجرّ، فوجب أن تُقلب الواو ياء، وتُدغم على ما هو قياسها في مثل قولك: ضاربيّ، وكذلك النصب والجرّ، ولذلك كان لفظ ((ضاربيّ)) في الأحوال الثلاث سواءً، كرهوا اجتماع الياءات، والكسرة، فقلبوا اللام إلى موضع الفّاء، فصار أبينيّ، وليس في هذا الوجه إلا قلب اللام إلى موضع الفاء، وهو قريب لما ذكرناه من الاستثقال في قلب الواو المضمومة همزة، وهو جائزٌ قياسًا، وهذا أولى من قول من يقول: إنه تصغير أبناء، رُدّ إلى الواحد، وروعي مشاكلة الهمزة؛ لأنه لو كان تصغيره لقيل: أُبَيْنَاي، ولم يُردّ إلى الواحد؛ لأن أفعالاً من جمع القلّة، فتصغّر من غير رة، كقولك: أُجيمال، وهو أيضًا أولى من قول من قال: إنه جمع أبنا، مقصورًا على وزن أَفعَل، اسم جمع للأبناء، صُغّر، وجمع بالواو والنون؛ لأنه لا يعرف ذلك مفردًا، فلا ينبغي أن يُحمل الجمع عليه، ولأنه لا يُجمَع أفعل اسمًا جمع التصحيح انتهى ما كتبه السيوطيّ في ((شرحه))(٢). (لَا تَرْمُوا جُمْرَةَ الْعَقَبَةِ، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ) فيه دليلٌ على أن وقت رمي جمرة العقبة يوم النحر من بعد طلوع الشمس، وإن كان الرامي ممن أبيح له التقدّم إلى منى، وأُذن له في عدم المبيت بالمزدلفة، لكن الأرجح أن هذا محمول على الاستحباب؛ جمعًا بينه وبين الأحاديث الأخرى الآتية قريبًا التي تبيح الرمي قبله، وفي ذلك خلاف بين أهل العلم، سيأتي تحقيقه قريبًا، إن شاء الله تعالى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان، تتعلّقان بحديث الباب: (المسألة الأولى): في درجته: حديث ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما هذا صحيح. [فإن قلت]: قد تقدّم أن الحسن الْعُرَنيّ لم يسمع من ابن عبّاس رضي الله تعالى (١) - ((النهاية)» ١ / ١٧ . (٢) - ((زهر الربى)) ٢٧١/٥. ٤٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ عنهما، كما سبق في ترجمته، فكيف يصحّ مع هذا الانقطاع؟. [قلت]: إنما صحّ بمجموع طرقه المتعدّدة، فقد رواه البخاريّ في ((التاريخ الصغير))، وأحمد، والترمذيّ، والطحاويّ من طريق مقسم، عن ابن عبّاس بمعناه، وزيادة ونقص، وصححه الترمذيّ وغيره. وقال الحافظ في ((الفتح)): بعد ذكر حديث الباب: هو حديث حسنٌ، أخرجه أبو داود، والنسائيّ، والطحاويّ، وابن حبّان، من طريق الحسن العرَنيّ عن ابن عباس، وأخرجه الترمذيّ، والطحاويّ من طريق الحكم، عن مقسم، عنه. وأخرجه أبو داود من طريق حبيب، عن عطاء(١)، وهذه الطرق يقوّي بعضها بعضًا، ومن ثمّ صححه الترمذيّ، وابن حبّان انتهى. وقد تقدّم تخريجه في -٣٠٣٣/٢٠٨- والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثانية): في اختلاف أهل العلم في أول وقت الرمي : اعلم أنهم اختلفوا في الوقت الذي يجوز فيه رمي جمرة العقبة للضعفة، وغيرهم، مع إجماعهم على أن من رماها بعد طلوع الشمس أجزأه: فذهبت أسماء بنت أبي بكر، وعكرمة، وخالد، وطاوس، والشعبيّ، وعطاء، والشافعيّ، وأحمد، إلى أن أول الوقت الذي يجزىء فيه رمي جمرة العقبة، هو ابتداء النصف الأخير من ليلة النحر، واستُدلّ لهم بحديث عائشة رضي اللّه تعالى عنها الآتي في الباب التالي، وحديثها عند أبي داود بإسناد صحيح، قالت: أرسل النبيّ وَّ بأم سلمة ليلة النحر، فرمت الجمرة قبل الفجر، ثم مضت، فأفاضت، وكان ذلك اليوم اليوم الذي يكون عندها رسول اللَّه(٢) وَ لير. ويعتضد بما رواه الخلال من طريق سليمان ابن أبي داود، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: أخبرتني أم سلمة، قالت: قدّمني رسول اللَّه وَليل فيمن قدّم من أهله ليلة المزدلفة، قالت: فرميت بليل، ثم مضيت إلى مكة، فصليت بها الصبح، ثم رجعت إلى منى. كذا ذكره ابن القيّم. وذهب جماعة إلى أن أول وقته بعد طلوع الفجر، وأول الوقت المستحب بعد طلوع الشمس، وما بعد الزوال إلى الغروب وقت الجواز بلا إساءة، فإن رمى قبل طلوع الشمس، وبعد طلوع الفجر جاز، وإن رماها قبل الفجر أعادها. وبهذا قال مالك، وأبو حنيفة، واستدلّ لهم بما رواه الطحاويّ بسنده عن ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما، أن رسول اللَّه ◌َ له كان يأمر نساءه وثقله صبيحة جمع أن يُفيضوا مع أول الفجر بسواد، ولا يرموا إلا مصبحين، وفي رواية أن رسول اللَّه وَل بعثه في الثقل، وقال: لا ترموا الجمار (١) رواية عطاء هي التي أورها المصنف بعد هذه الرواية. (٢) - قال في ((بلوغ المرام)»: إسناده على شرط مسلم، وكذا قال النوويّ في ((شرح المهذّب)). ٤٥ ٢٢٢- (النَّهْيُ عَنْ رَمْي جَمْرَةِ العَقَبَةِ قَبَلَ ... - حديث رقم ٣٠٦٦ حتى تصبحوا. وذهب النخعيّ، ومجاهد، والثوريّ، وأبو ثور إلى أن أول وقته يبتدىء من بعد طلوع الشمس، فلا يجوز رميها عندهم إلا بعد طلوع الشمس. واستدلوا بحديث ابن عباس المذكور في الباب، قالوا: إذا كان من رُخّص له مُنع أن يرمي قبل طلوع الشمس، فمن لم يرخّص له أولى. وذهب بعضهم إلى أن أول وقته للضعفة من طلوع الفجر، ولغيرهم من بعد طلوع الشمس، وهو اختيار ابن القيّم. واستدلّ لذلك بما تقدم عن أسماء رضي اللَّه تعالى عنها أنها رمت الجمرة، ثم رجعت، فصلت الصبح في منزلها، وقالت: إن رسول الله وَالتّر أذن في ذلك للظعن، والحديث في ((الصحيحين)). فهذا صريح في أنها رمت الجمرة قبل طلوع الشمس، بل بغلس، وقد صرّحت بأنه وَالر أذن في ذلك للطعن، ومفهومه أنه لم يأذن للأقوياء الذكور. واستدل لذلك أيضًا بحديث ابن عمر عند الشيخين أنه كان يقدّم ضعفة أهله، فيقفون عند المشعر الحرام بالمزدلفة بليل، فيذكرون الله عز وجل ما بدا لهم، ثم يرجعون قبل أن يقف الإمام، وقبل أن يدفع، فمنهم من يقدم لصلاة الفجر، ومنهم من يقدَم بعد ذلك، فإذا قدموا رموا الجمرة، وكان ابن عمر يقول: أرخص في أولئك رسول اللَّه وَلته . وقال ابن المنذر: السنة أن لا يرمي إلا بعد طلوع الشمس، كما فعل النبيّ وَِّ، ولا يجوز الرمي قبل طلوع الفجر؛ لأن فاعله مخالف للسنة، ومن رمى حينئذ فلا إعادة عليه، إذ لا أعلم أحدًا قال: لا يجزئه. انتهى(١). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: عندي الأرجح ما ذهب إليه الأولون من جواز الرمي قبل طلوع الشمس، ويُحمَل حديث ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما المذكور في الباب على الاستحباب؛ جمعًا بينه وبين أحاديث أسماء، وعائشة، وابن عمر رضي اللّه تعالى عنهم المتقدّمة، فالمستحبّ أن لا يرمي إلا بعد طلوع الشمس، ولو رمى قبله أجزأه؛ لهذه الأحاديث. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٠٦٦- (أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ السَّرِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ حَبِيبٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ، قَدَّمَ أَهْلَهُ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ لَا يَرْمُوا الْجَمْرَةَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ) . (١) - راجع ((الفتح)) ٤/ ٣٤٤ و((المرعاة)) ١٦٥/٩ - ١٦٧ . = ٤٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم تقدموا غير مرّة. و((سفيان)): هو الثوريّ. و((حبيب)): هو ابن أبي ثابت. و((عطاء)): هو ابن أبي رباح. والحديث صحيح، ولا يضرّه عنعنة حبيب بن أبي ثابت، وإن وُصف بالتدليس؛ لتعدد طرقه، كما مرّ في الحديث الماضي، فيتقوّى بها. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)). ٢٢٣ - (الرُّخْصَةُ فِي ذَلِكَ لِلِنَّسَاءِ) قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: الظاهر أن المصنف رحمه اللّه تعالى يرى أن النهي الوارد في حديث ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما الماضي من الرمي قبل طلوع الشمس خاصّ بغير النساء؛ لحديث عائشة رضي الله تعالى عنها المذكور في الباب، لكن قدمتُ أن الأولى الجمع بين الحديثين بحمل النهي على الاستحباب. والله تعالى أعلم بالصواب. ٣٠٦٧- (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الطَّائِيُّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحِ، قَالَ: حَدَّثَتْنِ عَائِشَةُ بِنْتُ طَلْحَةَ، عَنْ خَالَتِهَا عَائِشَةً أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، أَنَّ رَسُولَّ اللّهِ بِ، أَمَرَ إِحْدَى نِسَائِهِ، أَنْ تَثْفِرَ مِنْ جَمْعٍ، لَيْلَةَ جَمْعٍ، فَتَأْتِيَ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ، فَتَرْمِيَهَا، وَتُصْبِحَ فِي مَنْزِلِهَا، وَكَانَ عَطَاءٌ يَفْعَلُهُ حَتَّى مَّاتَ) . رجال هذا الإسناد : ستة: ١- (عمرو بن عليّ) الفلّاس الصيرفيّ البصريّ، ثقة ثبت [١٠]٢/٢. ٢- (عبد الأعلى بن عبد الأعلى) الساميّ، أبو محمد البصريّ، ثقة [٨]٣٨٦/٢٠. ٣- (عبد الله بن عبد الرحمن) بن يعلى بن كعب الطائفيّ، أبو يعلى الثقفيّ، صدوق يخطىء، ويِهِم [٧]. قال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: صالح. وقال أبو حاتم: ليس بقويّ، لين ٤٧ ٢٢٣ - (الرُّخْصَةُ فِي ذَلَكَ لِلِنَّسَاءِ) - حديث رقم ٣٠٦٧ الحديث، بابةُ طلحة بن عمرو، وعبد الله بن المؤمّل، وعُمر بن راشد. وقال النسائيّ: ليس بذاك القويّ، ويُكتب حديثه. وقال عثمان الدارميّ، عن ابن معين: ضعيف. وقال في موضع آخر: صُويلح. وقال ابن أبي مريم، عن ابن معين: ليس به بأس. وقال البخاريّ: مقارب الحديث. وحكى ابن خلفون أن ابن المدينيّ وثّقه. وقال ابن عديّ: يروي عن عمرو بن شعيب، أحاديثه مستقيمة، وهو ممن يُكتب حديثه. وقال الدار قطنيّ: طائفيّ يُعتبر به. وقال العجليّ: ثقة. وذكره ابن حبان في الثقات. أخرج له البخاريّ في ((الأدب المفرد))، ومسلم حديثًا واحدًا: ((كاد أمية أن يسلم))، والترمذيّ في (الشمائل))، والمصنف حديث الباب فقط، وابن ماجه. ٤- (عطاء بن أبي رباح) أسلم القرشيّ المكيّ، ثقة فقيه فاضل [٣]١١٢/ ١٥٤. ٥- (عائشة بنت طلحة) بن عبيدالله التيميّة، أم عمران المدنيّة، وهي بنت أم كلثوم بنت أبي بكر الصدّيق رضي الله تعالى عنه، ثقة [٣]١٩٤٧/٥٦. ٦- (عائشة) أم المؤمنين رضي اللَّه تعالى عنها٥/ ٥ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير عبد الله بن عبد الرحمن، كما مرّ آنفًا. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّة، وفيه عائشة رضي الله تعالى عنها من المكثرين السبعة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ) رضي اللَّه تعالى عنها، (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَِّ، أَمَرَ إِحْدَى نِسَائِهِ) يحتمل أن تكون سودة رضي اللَّه تعالى عنها (أَنْ تَنْفِرَ مِنْ جَمْع) أي من المزدلفة إلى منى (لَيْلَةَ جَمْع) أي الليلة العاشرة من ذي الحجة، وهي ليلة الْنحر (فَتَأْتِيَ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ، فَتَزْمِيَهَا، وَتَصْبِحَ فِي مَنْزِلِهَا) فيه جواز الرمي قبل طلوع الشمس، وقد تقدم بيان الخلاف فيه في الباب الماضي (وَكَانَ عَطَاءٌ) أي ابن أبي رباح (يَفْعَلُهُ) أي ما ذكر من التقدم ليلاً، والرمي قبل الصباح (حَتَّى مَاتَ) والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: حديث عائشة رضي الله تعالى عنها هذا حسن من أجل الكلام في عبد الله بن عبد الرحمن الطائفيّ، وهو من أفراد المصنف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا-٣٠٦٧/٢٢٣ - وفي «الكبرى»٤٠٧٢/٢٢٨. والله تعالى أعلم ٤٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)). ٢٢٤ - (الرَّمْيُ بَعْدَ الْمَسَاءِ) ٣٠٦٨- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَزِيع، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ هُوَ ابْنُ زُرَنِع - قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللّهِ بَِّ، يُسْأَلُ أَّامَ مِنَّى، فَيَقُولُ: ((لَا حَرَجَ))، فَسَأَلَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ؟، قَالَ: ((لَا حَرَجَ))، فَقَالَ رَجُلٌ: رَمَيْتُ بَعْدَ مَا أَمْسَيْتُ؟، قَالَ: ((لَا حَرَجَ)) ) . رجال هذا الإسناد: خمسة : ١- (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَزِيع) -بفتح الموحّدة، وكسر الزاي - البصريّ، ثقة [١٠]٥٨٨/٤٣ . ٢- (يزيد بن زُريع) أبو معاوية البصريّ، ثقة ثبت [٨]٥/٥. ٣- (خالد) بن مهران الحذّاء، أبو المنازل -بفتح الميم، وقيل: بضمها- البصريّ، ثقة يرسل [٥]٧ / ٦٣٤ . ٤- (عكرمة) مولى ابن عبّاس، أبو عبد الله المدنيّ، بربريّ الأصل، ثقة ثبت فقيه[٣]٣٢٥/٢ . ٥- (ابن عبّاس) رضي اللّه تعالى عنهما ٣١/٢٧. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله تعالى عنهما، أنه (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَ، يُسْأَلُ) بالبناء للمفعول (أَيَّامَ مِنَّى، فَيَقُولُ: ((لَا حَرَجَ) أي لا ضيق عليك في ذلك (فَسَأَلَهُ رَجُلٌ) قال الحافظ في شرح حديث عبد الله بن عمرو رضي اللَّه تعالى عنهما: لم أقف على اسمه بعد البحث الشديد، ولا على اسم أحد ممن سأل في هذه القصّة، قال: وهم ٤٩ ٢٢٤ - (الرَّمْيُ بَعْدَ الْمَسَاءِ) - حديث رقم ٣٠٦٨ جماعة، لكن في حديث أسامة بن زيد عند الطحاويّ وغيره: ((كان الأعراب يسألونه))، وكأن هذا هو السبب في عدم ضبط أسمائهم. انتهى(١). (فَقَالَ: حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ؟) وفي حديث عبد الله بن عمرو رضي اللَّه تعالى عنهما عند البخاريّ من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن عيسى بن طلحة، عنه: ((أن رسول اللَّه ◌َ لّ وقف في حجة الوداع، فجعلوا يسألونه، فقال رجلٌ: لم أشعُر، فحلقت، قبل أن أذبح ... )). قال في ((الفتح)) قوله: ((لم أشعر)) أي لم أفطن، يقال: شعرت بالشيء شعورًا: إذا فطِنت له. وقيل: الشعور العلم. ولم يفصح في رواية مالك بمتعلّق الشعور، وقد بينه يونس عند مسلم، ولفظه: ((لم أشعر أن الرمي قبل النحر، فنحرتُ قبل أن أرمي))، وقال آخر: ((لم أشعر أن النحر قبل الحلق، فحلقت قبل أن أنحر))، وفي رواية ابن جريج: ((كنت أحسب أن كذا قبل كذا)). وقد تبيّن ذلك في رواية يونس، وزاد في رواية ابن جريج: ((وأشباه ذلك)). ووقع في رواية محمد بن أبي حفصة، عن الزهريّ عند مسلم: (حلقت قبل أن أرمي))، وقال آخر: ((أفضت إلى البيت قبل أن أرمي)). وفي حديث معمر عند أحمد زيادة الحلق قبل الرمي أيضًا. فحاصل ما في حديث عبد الله بن عمرو السؤال عن أربعة أشياء: الحلق قبل الذبح، والحلق قبل الرمي، والنحر قبل الرمي، والإفاضة قبل الرمي، والأوليان في حديث ابن عباس أيضًا، وعند الدارقطني من حديث ابن عباس أيضًا السؤال عن الحلق قبل الرمي، وكذا في حديث جابر، وفي حديث أبي سعيد عند الطحاويّ، وفي حديث عليّ عند أحمد السؤال عن الإفاضة قبل الحلق، وفي حديثه عند الطحاويّ السؤال عن الرمي، والإفاضة معًا قبل الحلق، وفي حديث جابر الذي علّقه البخاريّ، ووصله ابن حبان، وغيره السؤال عن الإفاضة قبل الذبح، وفي حديث أسامة بن شريك عند أبي داود السؤال عن السعي قبل الطواف(٢). (قَالَ: ((لَا حَرَجَ) وفي رواية البخاريّ: ((اذبح، ولا حرج)) أي لا ضيق عليك في ذلك. (فَقَالَ رَجُلٌ: رَمَيْتُ بَعْدَ مَا أَمْسَيْتُ؟) أي دخلت في المساء، وهو يُطلق على ما بعد الزال إلى أن يشتدّ الظلام (قَالَ: ((لَا حَرَجَ) أي لا ضيق عليك في ذلك. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في رجته: (١) - ((فتح))٤/ ٣٩٧ - ٣٩٨ . (٢) - ((فتح) ٣٩٥/٤ - ٣٩٨. ٧ ٥٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ حديث ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا- ٣٠٦٨/٢٢٤- وفي («الكبرى»٤٠٧٣/٢٢٩ . وأخرجه (خ) في ((العلم))٨٤ و((الحج) ١٧٢١ و١٧٢٢ و١٧٢٣ و١٧٢٤ و١٧٢٥ و((الأيمان والنذور)»٦٦٦٦ (م) في ((الحج))١٣٠٧ (د) في ((المناسك))١٩٨٣ (ق) في (المناسك))٣٠٤٩ و٣٠٥٠. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه اللَّه تعالى، وهو بيان جواز الرمي بعد المساء. (ومنها): أن أعمال يوم النحر الأربعة مرتّبة، إذ لو لم تكن مرتّبة لا معنى للسؤال عن تقديم بعضها على بعض، وترتيبها رمز إليه بعضهم بقوله: ((رَذَّ حَط))، فالراء الرمي، والذال الذبح، والحاء الحلق، والطاء الطواف. (ومنها): جواز تقديم الحلق قبل الذبح، وإن كان في الترتيب أن يقدّم الذبح على الحلق. (ومنها): أن التَّرْتِيب بين أعمال يوم النحر مستحب، لا حرج على من قدم شيئًا على آخر، ولا فدية على القول الراجح، كما سيأتي قريبًا. (ومنها): ما كان عليه النبيّ ◌َل من تعليم أمته أحكام دينهم، كما قال اللَّه تعالى: ﴿وَأَنْنَآ إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِنُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِلَ إِلَيْهِمْ﴾ الآية [النحل: ٤٤]. (ومنها): اهتمام الصحابة هـ في تعلّم أحكام دينهم من النبيّ وََّ، ولا سيما أعمال الحجّ، كما حثّهم النبيّ بِّر عليه بقوله: ((لتأخذوا عني مناسككم)). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في تقديم أعمال يوم النحر بعضها على بعض : (اعلم): أن وظائف يوم النحر أربعة أشياء: رمي جمرة العقبة، ثم نحر الهدي أو ذبحه، ثم الحلق أو التقصير، ثم طواف الإفاضة، كما تقدم الرمز إليه بـ((رذ حط)). وفي حديث أنس في ((الصحيحين)): ((أن النبيّ وَّ أتى منى، فأتى الجمرة، فرماها، ثم أتى منزله بمنى، فنحر، وقال للحالق: خذ))، ولأبي داود: ((رمى، ثم نحر، ثم حلق)) . وقد أجمع العلماء على مطلوبية هذا الترتيب، إلا أن ابن الجهم المالكيّ استثنى القارن، فقال: لا يحلق حتى يطوف، كأنه لاحظ أنه في عمل العمرة، والعمرة يتأخّر فيها الحلق عن الطواف. ورد عليه النوويّ بالإجماع، ونازعه ابن دقيق العيد في ذلك. واختلفوا في جواز تقديم بعضها على بعض، فأجمعوا على الإجزاء في ذلك، كما ٥١ ٢٢٤ - (الرَّمْيُ بَعْدَ الْمَسَاءِ) - حديث رقم ٣٠٦٨ قاله ابن قدامة في ((المغني))، إلا أنهم اختلفوا في وجوب الدم في بعض المواضع. وقال القرطبيّ: رُوِيَ عن ابن عباس، ولم يثبت عنه أن من قدّم شيئًا على شيء فعليه دم، وبه قال سعيد بن جبير، وقتادة، والحسن، والنخعيّ، وأصحاب الرأي انتهى. قال الحافظ: وفي نسبة ذلك إلى النخعيّ، وأصحاب الرأي نظر، فإنهم لا يقولون بذلك، إلا في بعض المواضع كما سيأتي. قال: وذهب الشافعيّ، وجمهور السلف، والعلماء، وفقهاء أصحاب الحديث إلى الجواز، وعدم وجوب الدم؛ لقوله للسائل: ((لا حرج))، فهو ظاهر في رفع الإثم والفدية معًا؛ لأن اسم الضيق يشملهما. قال الطحاويّ: ظاهر الحديث يدلّ على التوسعة في تقديم بعض هذه الأشياء على بعض، قال: إلا أنه يحتمل أن يكون قوله: ((لا حرج)) أي لا إثم في ذلك الفعل، وهو كذلك لمن كان ناسيًا، أو جاهلاً، وأما من تعمّد المخالفة، فتجب عليه الفدية. وتُعُقّب بأن وجوب الفدية يحتاج إلى دليل، ولو كان واجبًا لبيّنه بَل حينئذ؛ لأنه وقت الحاجة، ولا يجوز تأخيره. وقال الطبريّ: لم يُسقط النبيّ وَلِّ الحرج، إلا وقد أجزأ الفعل، إذ لو لم يجزىء لأمره بالإعادة؛ لأن الجهل والنسيان لا يضعان عن المرء الحكم الذي يلزمه في الحجّ، كما لو ترك الرمي ونحوه، فإنه لا يأثم بتركه جاهلاً، أو ناسيًا، لكن يجب عليه الإعادة، والعجب ممن يحمل قوله: ((ولا حرج)) على نفي الإثم فقط، ثم يخصّ ذلك ببعض الأمور دون بعض، فإن كان الترتيب واجبًا يجب بتركه دم، فليكن في الجميع، وإلا فما وجه تخصيص بعض دون بعض من تعميم الشارع الجميع بنفي الحرج. وأما احتجاج النخعيّ، ومن تبعه في تقديم الحلق على غيره بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَخْلِّقُواْ رُوَسَكُمْ حَّ بَتْلُغَ الْمَدْىُ ◌َحِلَّمْ﴾ [البقرة: ١٩٦] قال: فمن حلق قبل الذبح أهراق دمًا عنه. رواه ابن أبي شيبة بسند صحيح. فقد أجيب عنه بأن المراد ببلوغ محله وصوله إلى الموضع الذي يحلّ ذبحه فيه، وقد حصل، وإنما يتمّ ما أراد أن لو قال: ولا تحلقوا حتى تنحروا. واحتجّ الطحاويّ أيضًا بقول ابن عباس: ((من قدّم شيئًا من نسكه، أو أخّره، فليهرق لذلك دما))، قال: وهو أحد من روى أن لا حرج، فدلّ على أن المراد بنفي الحرج نفي الإثم فقط . وأجيب بأن الطرق بذلك إلى ابن عباس فيها ضعف، فإن ابن أبي شيبة أخرجها، وفيها إبراهيم بن مهاجر، وفيه مقال، وعلى تقدير الصحة، فيلزم من يأخذ بقول ابن ٥٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ عباس أن يوجب الدم في كلّ شيء من الأربعة المذكورة، ولا يخصّه بالحلق قبل الذبح، أو قبل الرمي. وقال ابن دقيق العيد: منع مالك، وأبو حنيفة تقديم الحلق على الرمي والذبح؛ لأنه حينئذ يكون حلقًا قبل وجود التحلّلين، وللشافعيّ قول مثله، وقد بني القولان له على أن الحلق نسكٌ، أو استباحة محظور، فإن قلنا: إنه نسك جاز تقديمه على الرمي وغيره؛ لأنه يكون من أسباب التحلّل. وإن قلنا: إنه استباحة محظور، فلا، قال: وفي هذا البناء نظر؛ لأنه لا يلزم من كون الشيء نسكًا أن يكون من أسباب التحلّل؛ لأن النسك ما يثاب عليه، وهذا مالك يرى أن الحلق نسك، ويرى أنه لا يقدّم على الرمي مع ذلك. وقال الأوزاعيّ: إن أفاض قبل الرمي أهراق دمًا. وقال عياض: اختلف عن مالك في تقديم الطواف على الرمي، وروى ابن عبد الحكم عن مالك أنه يجب عليه إعادة الطواف، فإن توجّه إلى بلده بلا إعادة وجب عليه دم. قال ابن بطال: وهذا يخالف حديث ابن عباس، وكأنه لم يبلغه انتهى. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ما ذهب إليه الجمهور من جواز تقديم بعض أعمال يوم النحر على بعض، وعدم وجوب الفدية في ذلك هو الحقّ؛ لظاهر الأحاديث، والذين أوجبوا الفدية، أو الإعادة لبعضها فليس عندهم حجة مقنعة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): زاد في حديث عبد الله بن عمرو رضي اللّه تعالى عنهما في آخره عند البخاريّ: «فما سُئل عن شيءٍ قُدّم، ولا أخر، إلا قال: ((افعل، ولا حرج)). وفي رواية لمسلم، وأحمد: ((فما سمعته سئل يومئذ عن أمر مما يُنسى، أو يُجهل، من تقديم بعض الأمور على بعض، أو أشباهها، إلا قال: ((افعلوا ذلك، ولا حرج)). واحتُجَ به على أن الرخصة تختصّ بمن نسي، أو جهل، لا بمن تعمّد، قال صاحب ((المغني)): قال الأثرم، عن أحمد: إن كان ناسيًّا، أو جاهلاً فلا شيء عليه، وإن كان عالمًا فلا؛ لقوله: ((لم أشعُر)). وأجاب بعض الشافعيّة بأن الترتيب لو كان واجبًا لما سقط بالسهو، كالترتيب بين السعي والطواف، فإنه لو سعى قبل أن يطوف وجب إعادة السعي(١)، وأما ما وقع في حديث أسامة بن شريك، فمحمول على من سعى بعد (١) - قلت: القول بوجوب إعادة السعي غير صحيح؛ لأن حديث أسامة بن شريك يردّ عليه، وهو حديث صحيح، فالحقّ أنه لا إعادة على من قدّم السعي على الطواف، كما قال به أحمد، وعطاء رحمهما الله تعالى. فتنبّه. والله تعالى أعلم. ٥٣ ٢٢٤ - (الرَّمْيُ بَعْدَ الْمَسَاءِ) - حديث رقم ٣٠٦٨ طواف القدوم، ثم طاف طواف الإفاضة، فإنه يصدق عليه أنه سعى قبل الطواف، أي طواف الركن، ولم يقل بظاهر حديث أسامة إلا أحمد، وعطاء، فقالا: لو لم يطف للقدوم، ولا لغيره، وقدّم السعي قبل طواف الإفاضة أجزأه. أخرجه عبد الرزاق، عن ابن جريج عنه. وقال ابن دقيق العيد: ما قاله أحمد قوي من جهة أن الدليل دلّ على وجوب اتباع الرسول في الحجّ بقوله: ((خذوا عني مناسككم)). وهذه الأحاديث المرخّصة في تقديم ما وقع عنه تأخيره قد قرنت بقول السائل: ((لم أشعر))، فيختصّ الحكم بهذه الحالة، وتبقى حالة العمد على أصل وجوب الاتباع في الحجّ. وأيضًا فالحكم إذا رُتّب على وصف يمكن أن يكون معتبرًا لم يجز اطراحه، ولا شكّ أن عدم الشعور وصف مناسبٌ لعدم المؤاخذة، وقد عُلّق به الحكم، فلا يمكن اطراحه بإلحاق العمد به، إذ لا يساويه، وأما التمسّك بقول الراوي: ((فما سئل عن شيء قُدّم الخ)) فإنه يشعر بأن الترتيب مطلقًا غير مُراعى. فجوابه أن هذا الإخبار من الراوي يتعلّق بما وقع السؤال عنه، وهو مطلق بالنسبة إلى حال السائل، والمطلق لا يدلّ على أحد الخاصّين بعينه، فلا يبقى حجة في حال العمد. انتهى كلام ابن دقيق العيد بتصرّف(١) قال الجامع عفا الله تعالى: عندي أنّ قولَ الجمهور بعدم وجوب الترتيب بين الأعمال الأربعة هو الحقّ؛ لإطلاق الأحاديث، وأما قول السائل: ((لم أشعُر)) فلا يقيّد إطلاق النصّ، ولا سيما بعض الأحاديث ليس فيه هذا القيد، کحديث ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما المذكور في الباب، وحديث أسامة بن شريك عند أبي داود بإسناد صحيح، ولفظه : ((قال: خرجت مع النبي ◌َّالر حاجا، فكان الناس يأتونه، فمن قال: يا رسول الله، سعيت قبل أن أطوف، أو قدمت شيئا، أو أخرت شيئا، فكان يقول: ((لا حرج لا حرج، إلا على رجل، اقترض عرضَ رجل مسلم، وهو ظالم، فذلك الذي حَرِجَ، وهلك». فإنه ظاهر في أن أسامة تعظيم سمع الناس يسألون النبيّ وَّل، ولم يقيّده بمن نسي، أو جهل، كما هو نصّ حديث ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما. والحاصل أن الأرجح جواز تقديم بعض الأعمال على بعضها يوم النحر، مطلقًا، سواء كان نسيانًا، أم عمدًا؛ لظاهر الأحاديث. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)). (١) - راجع ((إحكام الإحكام)) ٥٧٩/٣ - ٥٨٤ . F ٥٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ ٢٢٥- (رَمْيُ الرُّعَاةِ) ٣٠٦٩- (أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي الْبَدَّاحِ بْنِ عَدِيٍّ، عَنْ أَبِهِ، أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ، رَخَّصَ لِلِرُّعَاةِ، أَنْ يَرْمُوا يَوْمًا، وَيَدَعُوا يَوْمًا) . رجال هذا الإسناد : سبعة : ١- (الحسين بن حُريث) الخزاعيّ مولاهم، أبو عمّار المروزيّ، ثقة [١٠]٥٢/٤٤. ٢- (محمد بن المثنى) العنزيّ، أبو موسى البصريّ المعروف بالزمن، ثقة ثبت [١٠]٨٠/٦٤. ٣- (سفيان) بن عيينة المذكور قبل بابين. ٤- (عبد الله بن أبي بكر) بن محمد الأنصاريّ المدنيّ القاضي، ثقة [٥] مات سنة (١٣٥ هـ) وهو ابن سبعين سنة، تقدم في -١١٨/ ١٦٣. ٥- (أبوه) أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاريّ النجّاريّ المدنيّ القاضي، اسمه وكنيته واحد، وقيل: إنه يُكنى أبا محمد، ثقة عابد[٥] مات سنة (١٢) وقيل: غير ذلك، تقدم في ١١٨/ ١٦٣ . ٦ - (أبو البذّاح)-بفتح الموحّدة، وتشديد المهملة،، وآخره مهملة- ابن عاصم بن عديّ الْبَلَويّ، من بَلِيّ بن الحاف بن قضاعة، حليفُ الأنصار، يقال: اسمه عديّ، ثقة [٣]. روى عن أبيه. وعنه ابنه عاصم، وأبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وعبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام. قال ابن سعد عن الواقديّ: أبو البدّاح لقب غلب عليه، ويُكنى أبا عمرو، توفّي سنة (١١٠هـ) في خلافة هشام بن عبد الملك، وهو ابن (٨٤) سنة، وكان ثقة، قليل الحديث. وقيل: مات سنة (١١٧) وقيل: (١١٩). وحكى ابن عبد البر أن له صحبة. قال الحافظ: وهو غلط. روى له الأربعة، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. ٧- (أبوه) عاصم بن عديّ بن الْجَدّ - بالجيم - ابن العجلان بن حارثة بن ضُبيعة العجلانيّ القُضَاعِيّ، أخو معن ابن عديّ، أبو عبد اللّه، ويقال: أبو عمرو، حليف الأنصار. شهد أحدًا، وكان رسول اللَّه وَ ليل استعمله على أهل قباء، وأهل العالية، فلم يشهد بدرًا، وضرب له بسهمه، وهو الذي أمره عويمر العجلانيّ أن يسأل له عن الرجل يجد مع امرأته رجلً. روى عن النبيّ وَّ، وعنه سهل بن سعد، وعامر الشعبيّ، وابنه ٥٥ ٢٢٥ - (رَمْيُ الرُّعَاةِ) - حديث رقم ٣٠٦٩ أبو البذّاح بن عاصم بن عديّ. قال ابن حبّان: مات في ولاية معاوية، وهو ابن (١١٥) سنة. وقال ابن سعد، وأبو عليّ بن السكن: مات سنة (٤٠هـ). ويقال: إن عاصم بن عديّ العجلانيّ غير عاصم والد أبي البَدّاح، وكذا فرّق بينهما أبو القاسم البغويّ. روى له الأربعة حديث الباب فقط. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير أبي البدّاح، وأبيه، فمن رجال الأربعة. (ومنها): أن شيخه الثاني أحد التسعة الذین یروي عنهم الجماعة بلا واسطة، كما مرّ غير مرّة. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنیین، غير شيخيه، فالأول مروزيّ، والثاني بصريّ، وسفيان فمكيّ. (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض، وفيه رواية الابن عن أبيه مرّتين. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي الْبَدَّاحِ بْنِ عَدِيٍّ) الْبَلَويّ العجلانيّ (عَنْ أَبِيهِ) عاصم بن عديّ البلويّ العجلانيّ رضي اللَّه تعالى عنه (أَنَّ النّبِيِّ وَِّ، رَخَّصَ) أي جوّز، وأباح (لِلرُّعَاةِ) جمع راع، أي الجماعة الذين يرعون الإبل. وفي الرواية التالية: ((رخص للرعاة في البيوتة)) أي رخّص لهم في البيتوتة خارج منى، أو في ترك البيتوتة، والمعنى أباح لهم ترك المبيت بمنى ليالي أيام التشريق؛ لكونهم مشغولين برعي الإبل، وحفظها، فلو أخذوا بالْمُقام والبيتوتة بمنى ضاعت أموالهم. قال الباجيّ: قوله: ((رخّص)) يقتضي أن هناك منعًا خُصّ هذا منه؛ لأن لفظ الرخصة لا تستعمل إلا فيما يخصّ من المحظور للعذر، وذلك أن للرعاء عذرًا في الكون مع الظهر الذي لا بدّ من مراعاته، والرعي به للحاجة إلى الظهر في الانصراف إلى بعيد البلاد، فأبيح لهم ذلك لهذا المعنى انتهى. قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: قوله: (يقتضي أن هناك منعًا إلخ)) فيه نظر، إذ مجرد الاحتمال في مثل هذا لا یکفي، فلابد من نهي صریح عن المبيت بغیر منی حتى نقول بوجوبه. وقد أجاد أبو محمد بن حزم ◌َّثُ حيث قال: ومن لم يبت ليالي منى بمنى فقد أساء، ولا شيء عليه، إلا الرعاء، وأهل السقاية، فلا نكره لهم المبيت في غير منى، بل للرعاء أن يرموا يومًا، ويدعوا يومًا، ثم أورد حديث الباب، ثم قال: [فإن قيل]: إن إذنه للرعاء، وترخيصه لهم، وإذنه للعباس دليل على أن غيرهم بخلافهم. [قلنا]: لا، وإنما کان یکون هذا لو تقدم منه ثم ڭلا أمر بالمبيت والرمي فكان يكون هؤلاء مُسْتَثْتَينَ من سائر من أمروا، وأما إذا لم يتقدم منهمالثَّلا أمر فنحن ندري أن هؤلاء ٥٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ مأذون لهم، وليس غيرهم مأمورًا بذلك، ولا منهيًا، فهم على الإباحة. انتهى ((المُحَلَّى)) جـ٧ ص ١٨٤ - ١٨٥ . وهو بحث نفيس جدًّا، والله تعالى أعلم. (أَنْ يَرْمُوا يَوْمًا، وَيَدَعُوا يَوْمًا) أي يجوز لهم أن يرموا اليوم الأول من أيام التشريق، ويذهبوا إلى إبلهم، فيبيتوا عندها، ويدعوا يوم النفر الأول، ثم يأتوا في اليوم الثالث، فيرموا ما فاتهم في اليوم الثاني، مع رمي اليوم الثالث. وفيه تفسير ثانٍ، وهو أنهم يرمون جمرة العقبة، ويدَعُون رمي اليوم الأول من أيام التشريق، ويذهبون، ثم يأتون في اليوم الثاني من أيام التشريق، فيرمون ما فاتهم، ثم يرمون عن ذلك اليوم، كما تقدّم، وكلاهما جائز. أفاده في ((نيل الأوطار))(١). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: التفسير الثاني هو الذي تؤيّده الرواية الآتية للمصنّف بعد هذا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عاصم بن عديّ رضي اللَّه تعالى عنه هذا صحيح. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٣٠٦٩/٢٢٥ و٣٠٧٠ - وفي («الكبرى » ٤٠٧٤/٢٣٠ و ٤٠٧٥ . وأخرجه (د) في ((المناسك))١٩٧٥ و١٩٧٦ (ت) في ((الحج))٩٥٤ و٩٥٥ (ق) في ((المناسك))٣٠٣٤٩ و٣٠٥٠ و٣٠٣٧ (الموطأ) في ((الحج ٩٣٥ (الدارميّ) في ((المناسك))١٨٩٧ . والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): قال الإمام مالك رحمه الله تعالى بعد إيراده حديث الباب: ما نصّه: تفسير الحديث الذي أرخص فيه رسول اللّه وَ لتر لرعاء الإبل في تأخير رمي الجمار، فيما نُرَى - والله أعلم- أنهم يرمون يوم النحر، فإذا مضى اليوم الذي يلي يوم النحر رموا من الغد، وذلك يوم النفر الأول، فيرمون لليوم الذي مضى، ثم يرمون ليومهم ذلك؛ لأنه لا يقضي أحد شيئًا حتى يجب عليه، فإذا وجب عليه، ومضى كان القضاء بعد ذلك، فإن بدا لهم النفْرُ، فقد فَرَغُوا، وإن أقاموا إلى الغد رموا مع الناس يوم النفْر الآخر، ونفروا انتهى(٢). وقال الخطابيّ رحمه اللّه تعالى: قد اختلف الناس في تعيين اليوم الذي يرمون فيه، فكان مالك يقول: يرمون يوم النحر، وإذا مضى اليوم الذي يلي يوم النحر رموا من (١) - ((نيل الأوطار٨٨/٥٤. (٢) - ((الموطأ» ٢١٧/١٣ - ٢١٨. بنسخة ((الاستذكار)). ٥٧ ٢٢٥ - (رَمْيُ الرُّعَاةِ) - حديث رقم ٣٠٧٠ = الغد، وذلك يوم النفْرِ الأول، يرمون لليوم الذي مضى، ويرمون ليومهم ذلك، وذلك أنه لا يقضي أحدٌ شيئًا حتى يجب عليه. وقال الشافعيّ نحوًا من قول مالك. وقال بعضهم: هم بالخيار، إن شاءوا قدّموا، وإن شاءوا أخروا. انتهى(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما ذهب إليه بعضهم من التخيير بين التقديم، والتأخير هو الأرجح؛ لظاهر الحديث، فإن الرواية الآتية للمصنّف بعد هذا صريحة في ذلك؛ ولفظها: (يرمون يوم النحر، واليومين اللذين بعده يجمعونهما في أحدهما)). والمعنى أنهم يرمون يوم النحر جمرة العقبة كسائر الحجاج، فلا يُرخّص لهم بتركه، أو تأخيره إلى يوم آخر. وأما اليومان اللذان بعد يوم النحر، وهما الحادي عشر، والثاني عشر، فيُرخص لهم أن يجمعوهما في يوم واحد، فيرمون في اليوم الأول الذي يلي يوم النحر، جمع تقديم، أو يرمون في اليوم الثاني الذي هو يوم النفر الأول، جمعَ تأخير . والحاصل أنهم بالخيار، إن شاءوا رموا يوم الفَرّ له، ولما بعده؛ تقديمًا، وإن شاءوا أخّروا، فرموا يوم النّفْر الأول ليومين تأخيرًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٠٧٠- (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْتِى، قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ، قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي الْبَدَّاحِ بْنِ عَاصِم بْنِ عَدِيٍّ، عَنْ أَبِهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ، رَخَّصَ لِلرُّعَاةِ فِي الْبَيْتُوتَّةِ، يَرْمُونَ يَوْمَ الْنَّحْرِ، وَالْيَوْمَيْنِ اللَّذَيْنِ بَعْدَهُ، يَجْمَعُونَهُمَا فِي أَحَدِهِمَا) . قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((يحيى)): هو القطّان. و((مالك): هو ابن أنس إمام دار الهجرة . وقوله: ((في البيتوتة)) أي في شأنها، أو في تركها. وقوله: ((يرمون يوم النحر)) جملة مستأنفة استئنافًا بيانيًّا، وهو ما وقع جوابًا عن سؤال مقدّر، تقديره: ما هو ترخيصه في البيتوتة، فأجاب بقوله: يرمون يوم النحر الخ. ويحتمل أن يكون حالاً من ((الرعاة)). والله تعالى أعلم. وقوله: ((واليومين الخ)) بالنصب عطفًا على ((يوم النحر)). وقوله: ((يجمعونهما)) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل. والحديث صحيح، وقد سبق البحث فيه مستوفّى في الحديث الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)). (١) - ((معالم السنن» ٤١٨/٢ . ٥٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ ٢٢٦- (الْمَكَانُ الَّذِي تُرْمَى مِنْهُ جَمْرَةُ الْعَقَبَةِ) ٣٠٧١- (أَخْبَرَنَا هَنَّدُ بْنُ السَّرِيِّ، عَنْ أَبِي مُحَيَّةَ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ - يَعْنِي ابْنَ يَزِيدَ- قَالَ: قِيلَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: إِنَّ نَاسًا يَزْمُونَ الْجَمْرَةَ، مِنْ فَوْقِ الْعَقَبَةِ، قَالَ: فَرَمَى عَبْدُ اللَّهِ مِنْ بَطْنِ الْوَادِي، ثُمَّ قَالَ: مِنْ هَا هُنَا، وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ، وَمَى الَّذِي أَنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ) . رجال هذا الإسناد: خمسة : ١- (هنّاد بن السريّ) بن مصعب التميميّ، أبو السّريّ الكوفيّ، ثقة [١٠]٢٥/٢٣. ٢- (أبو المحياً) - بضم الميم، وفتح المهملة، وتشديد التحتانيّة، وآخره هاء- يحيى ابن يعلى بن حَرْمَلَة التيميّ الكوفيّ، ثقة [٨]. قال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: ثقة. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). قال مطيّن: مات سنة (١٨٠هـ) وهو ابن (٩٦) سنة فيما أُخبِرتُ. روى له مسلم، والترمذيّ، والمصنّف، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب حديث الباب فقط. ٣- (سلمة بن كُهيل) الحضرميّ، أبو يحيى الكوفيّ، ثقة [٤]٣١٢/١٩٥. ٤- (عبد الرحمن بن يزيد) بن قيس النخعيّ، أبو بكر الكوفيّ، ثقة، من كبار [٣] مات سنة (٨٣هـ) وتقدم في ٤١/٣٧ . ٥- (عبد الله بن مسعود) الصحابيّ الشهير رضي الله تعالى عنه ٣٩/٣٥. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه اللَّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بثقات الكوفيين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ - يَعْنِي ابْنَ يَزِيدَ-) النخعيّ، أنه (قَالَ: قِيلَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ) رضي اللَّه تعالى عنه (إِنَّ نَاسًا يَرْمُونَ الْجَمْرَةَ) أي جمرة العقبة، وهي الجمرة الكبرى، وليست من منى، بل هي حدّ منى من جهة مكة، وهي التي بايع النبيّ وَّر الأنصار ٢٢٦ - (الْمُكَانُ الذّي تُرْمَى مِنْهُ جَمْرَةُ العَقَبَةِ) - حديث رقم ٣٠٧١ ٥٩ عندها على الهجرة، والجمرة اسم لمُجتَمَع الحصى، سميت بذلك؛ لاجتماع الناس بها، يقال: تجمّر بنو فلان: إذا اجتمعوا. وقيل: إن العرب تسمّي الحصى الصغار جمارًا، فسمّيت تسمية الشيء بلازمه. وقيل: لأن آدم، أوإبراهيم علهما السلام لما عرض له إبليس، فحصبه، جمر بين يديه، أي أسرع، فسمّيت بذلك(١) (مِنْ فَوْقِ الْعَقَبَةِ) مخالفين للسنة (قَالَ) عبد الرحمن (فَرَمَى عَبْدُ اللَّهِ) بن مسعو رضي اللّه تعالى عنه (مِنْ يَطْنِ الْوَادِي) أي من أسفله؛ اتباعًا للسنة، كما بينه بقوله (ثُمَّ قَالَ) ابن مسعود رضي اللّه تعالى عنه (مِنْ هَهُنَا، وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ، وَمَى الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ) يعني النبيّ وَلجر. وفي الرواية التالية («رمى عبد الله الجمرة بسبع حصيات، جعل البيت عن يساره، وعرفة عن يمينه)). وفي رواية البخاريّ: ((جعل البيت عن يساره، ومنّى عن يمينه)). وفي رواية الترمذيّ من طريق أبي صخرة، عن عبد الرحمن بن يزيد: ((لما أتى عبد الله جمرة العقبة، استبطن الوادي، واستقبل القبلة)). قال الحافظ: والذي قبله هو الصحيح، وهذا شاذّ، في إسناده المسعوديّ، وقد اختلط، وبالأول قال الجمهور، وجزم الرافعيّ من الشافعيّة بأنه يستقبل الجمرة، ويستدبر القبلة. وقيل: يستقبل القبلة، ويجعل الجمرة عن يمينه. وقد أجمعوا على أنه من حيث رماها جاز، سواء استقبلها، أو جعلها عن يمينه، أو يساره، أو من فوقها، أو من أسفلها، أو وسطها، والاختلاف في (٢) الأفضل(٢). قال ابن المنير: خَصّ عبد الله سورة البقرة بالذكر لأنها التي ذُكر فيها الرمي، فأشار إلى أن فعله وَلّ مبيّنّ لمراد كتاب الله تعالى. قال الحافظ: ولم أعرف موضع ذكر الرمي من سورة البقرة، والظاهر أنه أراد أن يقول: إن كثيرًا من أفعال الحجّ مذكورٌ فيها، فكأنه قال: هذا مقام الذي أنزلت عليه أحكام المناسك، منبها بذلك على أن أفعال الحجّ توقيفيّةٌ. وقيل: خصّ البقرة بذلك؛ لطولها، وعظم قدرها، وكثرة ما فيها من الأحكام، أو أشار بذلك إلى أنه يُشرع الوقوف عندها بقدر سورة البقرة (٣). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: (١) - ((فتح)٧ ٤ / ٤١١ - ٤١٢. (٢) - فتح) ٤ / ٤١٢ . (٣) - ((فتح٩ ٤ / ٤١٢. ٦٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ حديث ابن مسعود رضي اللّه تعالى عنه هذا متفق عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٣٠٧١/٢٢٦ و٣٠٧٢ و٣٠٧٣ و٣٠٧٤ - وفي («الكبرى» ٤٠٧٦/٢٣١ و ٤٠٧٧ و٤٠٧٨ و٤٠٧٩ . وأخرجه (خ) في ((الحج)١٧٤٧ و١٧٤٨ و١٧٤٩ و١٧٥٠ إم) في ((الحج)) ١٢٩٦ (د) في ((المناسك))١٩٧٤ و٣٠٣٠ (ت) في ((الحجّ)) ٩٠١ (أحمد) في ((مسند المكثرين)) ٣٥٣٨ و٣٧٣١ و٣٨٦٤ و٣٩٣١ و ٤٠٧٨ و٤١٠٦ و٤١٣٩ و٤٣٤٦ . والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان المكان الذي تُرمَى منه جمرة العقبة، وهو بطن الوادي، وقد بيّن في الرواية التالية صفته إذا رمَى، وهو أن يجعل البيت عن يساره، وعرفة عن يمينه. (ومنها): جواز الحلف للتأكيد، وإن لم يُستحلف. (ومنها): أن الرمي يكون بسبع حصيات، لا بأقلّ من ذلك، وسيأتي بيان الخلاف في الباب التالي، إن شاء الله تعالى. (ومنها): جواز قول: ((سورة البقرة))، وما نُقل عن الحجاج بن يوسف، كما سيأتي قريبًا، فمن أخطائه، فلا يلتفت إليه. (ومنها): ما كان عليه الصحابة ** من مراعاة أحوال النبيّ وََّ في كلّ حركةٍ، وهيئةٍ، ولا سيّما في أعمال الحجّ. (ومنها): مشروعية التكبير عند رمي حصى الجمار، وأجمعوا على أن من لم يكبّر، فلا شيء عليه. [فائدة]: زاد محمد بن عبد الرحمن بن يزيد النخعيّ، عن أبيه في هذا الحديث، عن ابن مسعود رَبّه أنه لما فرغ من رمي جمرة العقبة قال: ((اللَّهمّ اجعله حجًّا مبرورًا، وذنبًا مغفورًا)). قاله في ((الفتح))(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٠٧٢- (أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ الزَّغْفَرَانِيُّ، وَمَالِكُ بْنُ الْخَلِيلِ، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ الْحَكَمِ، وَمَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: رَمَى عَبْدُ اللَّهِ الْجَمْرَةَ، بِسَبْعَ حَصَيَاتٍ، جَعَلَ الْبَيْتَ عَنْ يَسَارِهِ، وَعَرَفَةً عَنْ يَمِينِهِ، وَقَالَ: هَهُنَا مَقَام الَّذِي أَنْزِلَتَ عَلَّيْهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ. قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: مَا أَعْلَمُ أَحَدًا، قَالَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : مَنْصُورٍ، غَيْرَ ابْنٍ أَبِي عَدِيٍّ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ) . (١) - ((فتح)٤٧ / ٤١٢.