Indexed OCR Text

Pages 121-140

١١٢- (خُزمةُ الحرم) - حديث رقم ٢٨٨٠
١٢١ =
أكتب عنه. تفرّد به المصنّف بحديث الباب فقط.
٣- (أبو أسامة) حماد بن أسامة بن زيد الكوفيّ الحافظ الثقة الثبت، من كبار[٩]٤٤/
٥٢ .
٤- (عبد السلام) بن حرب النهديّ الْمُلائيّ، أبو بكر الكوفيّ، بصريّ الأصل، ثقة
حافظ، له مناكير، من صغار [٨]٢٧٥٤/٥٦.
٥- (الدالانيّ) يزيد بن عبد الرحمن بن أبي سلامة، ويقال: اسم جدّه عاصم،
ويقال: هند، ويقال: واسط، ويقال: سابط، الأسديّ الكوفيّ، صدوق يخطىء كثيرًا،
وكان يدلّس[٧].
قال عثمان الدارميّ، عن ابن معين: ليس به بأس. وكذا قال النسائيّ. وقال أبو
حاتم: صدوق ثقة. وقال الحاكم أبو أحمد: لا يتابع في بعض حديثه. وقال ابن عديّ :
له أحاديث صالحة، وفي حديثه لين، إلا أنه مع لينه يكتب حديثه. وقال أحمد بن
حنبل: لا بأس به. وقال ابن سعد: منكر الحديث. وقال ابن حبان في ((الضعفاء)): كان
كثير الخطإ، فاحش الوهم، خالف الثقات في الروايات حتى إذا سمعها المبتدىء في
هذه الصناعة عَلِمٍ أنها معمولة، أو مقلوبة، لا يجوز الاحتجاج به إذا وافق، فكيف إذا
انفرد بالمعضلات. وذكره الكرابيسيّ في ((المدلسين)). وقال الحاكم: إن الأئمة
المتقدّمين شهدوا له بالصدق والإتقان. وقال ابن عبد البرّ: ليس بحجة. روى له
الأربعة، وله عند المصنّف في هذا الكتاب حديث الباب فقط.
٦- (عمرو بن مرّة) الجمليّ المراديّ، أبو عبد الله الكوفيّ الأعمى، ثقة
عابد [٥]٢٦٥/١٧١.
٧- (سالم بن أبي الجعد) واسمه رافع الغطفانيّ الأشجعيّ مولاهم الكوفيّ، ثقة،
يرسل كثيرًا [٣]٦١/ ٧٧.
٨- (أخوه) قال في ((تهذيب التهذيب)): (س) سالم بن أبي الجعد، عن أخيه، له
خمسة إخوة: عبد الله، وعبيد، وزياد، وعمران، ومسلم. انتهى ٤ / ٦٤٧ .
وفي ((التقريب)): عبد الله بن أبي الجعد الأشجعيّ، مقبول [٤] (س ق). وعبيد بن
أبي الجعد الغطفانيّ، صدوق [٣] (س). وزياد بن أبي الجعد الكوفيّ، مقبول
[٤](ت). ولم يترجم عمران، ومسلمًا.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الحاصل أن أخا سالم هذا مجهول.
٩- (ابن أبي ربيعة) الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة بن المغيرة المخزوميّ المكيّ،
أمير الكوفة المعروف بالْقُبَاعِ، صدوق [٢]٢٣٩٥/٧٧.

١٢٢
=
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
١- (حفصة بنت عمر) بن الخطّاب رضي اللّه تعالى عنهما، أم المؤمنين، تزوّجها
النبيّ وَل بعد خُنيس بن حُذافة رَّه سنة ثلاث، وماتت رضي اللَّه تعالى عنها سنة
(٤٥)، تقدّمت في ٥٨٣/٣٩ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من عُشاريّات المصنف رحمه الله تعالى، وهو أنزل ما وقع له من
الأسانيد، وقد تقدّم له في ((كتاب الافتتاح)) حديث عُشاريّ أيضًا في فضل سورة
الإخلاص، ونصّه:
٩٩٦- أخبرنا محمد بن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن، قال: حدثنا زائدة، عن
منصور، عن هلال بن يساف، عن رَبِيع بن خُثَيم، عن عمرو بن ميمون، عن ابن أبي
ليلى، عن امرأة، عن أبي أيوب، عن النبي وَ لَّ، قال: ((﴿قل هو الله﴾ أحد ثلث
القرآن)). قال أبو عبد الرحمن: ما أعرف إسنادا أطول من هذا. انتهى.
وقوله: ((ما أعرف الخ)) فيه نظر؛ لأن السند المذكور في هذا الباب يردّ عليه،
فليُتأمّل. والله تعالى أعلم.
(ومنها): أن رجاله مشهورون، غير يحيى بن محمد، وأخي سالم. (ومنها): أن فيه
أربعة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: عمرو بن مرّة، عن سالم، عن أخيه، عن
ابن أبي ربيعة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ) بن الخطّاب رضي اللَّه تعالى عنهما، أنها (قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ
اللَّهِ وَلَهُ: ((يُبْعَثُ) بالبناء للمفعول، ونائب فاعله قوله (جُنْدٌ) هو في الأصل الأنصار،
والأعوان، والجمع أجناد، وجنود، الواحد جنديّ، فالياء للوحدة، مثل روم وروميّ.
قاله الفيّوميّ. وهو هنا بمعنى الجيش.
[تنبيه]: وقع في ((الكبرى)): ((حشد)) بحاء مهملة، وشين معجمة، بدل ((جند))، فإن
صحّت الرواية، فيكون بمعنى الجيش أيضًا، ففي ((القاموس)): الْحَشْد -أي بفتح،
فسكون- ويُحرّك: الجماعة انتهى.
(إِلَى هَذَا الْحَرَم) وفي الرواية التالية: ((ليؤمّنّ هذا البيتَ جیش یغزونه ... ». وفي
حديث أم سلمة رضي الله تعالى عنها عند مسلم: ((يعوذ عائذ بالبيت، فيُبعث إليه بَعْثٌ،
فإذا كانوا ببيداء ... )). وفي رواية لمسلم من حديث أم المؤمنين، ولم يسمّها: ((سيعوذ
بهذا البيت قوم ليست لهم مَنَعة، ولا عدد، ولا عُدّةٌ، يُبعث إليهم جيش، حتى إذا كانوا

١١٢ - (حُزْمَةُ الْحَرَم) - حديث رقم ٢٨٨٠
١٢٣ ===
ببيداء من الأرض ... )).
وقال ابن التين: يحتمل أن يكون هذا الجيش الذي يخسف بهم هم الذين يهدمون
الكعبة، فينتقم منهم، فيُخسف بهم.
وتُعقّب بأن في بعض طرقه عند مسلم: ((أن ناسًا من أمتي))، والذين يهدمونها من
كفّار الحبشة. وأيضًا فمقتضى كلامه أنهم يخسف بهم بعد أن يهدموها، ويرجعوا،
وظاهر الخبر أنه يُخسف بهم قبل أن يصلوا إليها. قاله في ((الفتح)) (١).
(فَإِذَا كَانُوا بِبَتْدَاءَ مِنَ الْأَرْضِ) ولمسلم: وقال أبو جعفر: هي بيداء المدينة (خُسِفَ
بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ) ببناء الفعل للمفعول، يقال: خَسَفَ المكانُ خَسْفًا، من باب ضرب:
غار في الأرض، وخسفه اللَّه، يتعدّى، ولا يتعدّى. قاله الفيّوميّ. وزاد في
((القاموس)): وخسف اللَّه بفلان الأرض: غيّبه فيها انتهى. وهذا الأخير هو المناسب
هنا (وَلَمْ يَنْجُ أَوْسَطُهُمْ) المراد أنهم هلكوا كلهم (قُلْتُ) القائلة هي حفصة رضي اللَّه
تعالى عنها (أَرَأَيْتَ) أي أخبرني (إِنْ كَانَ فِيهِمْ مُؤْمِنُونَ؟) أي أ يهلكون معهم؟ (قَالَ) ◌ِّ
(تَكُونُ لَهُمْ تُبُورًا) يعني أنهم يهلكون مع الكفار، وتكون لهم الأرض قبورًا، يجازَون
فيها علی نیاتهم.
والحاصل أن الموت والخسف يشمل جميعهم، كافرهم، ومؤمنهم، لكن حالهم بعد
ذلك مختلفة، كحال سائر أصحاب القبور، فالمؤمن قبره روضة من رياض الجنة،
والكافر، والمنافق قبره حفرة من حُفَر النار. والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: هذا الحديث روي أيضًا من حديث أم سلمة رضي الله تعالى عنها، أخرجه
مسلم، من طريق عبد العزيز بن رُفيع، عن عبيد الله بن القبطية، قال: دخل الحارث بن
أبي ربيعة، وعبد الله بن صفوان، وأنا معهما على أم سلمة أم المؤمنين، فسألاها عن
الجيش الذي يُخسَف به، وكان ذلك في أيام ابن الزبير، فقالت: قال رسول اللَّه وَلاته:
((يعوذ عائذ بالبيت، فيبعث إليه بَعثٌ، فإذا كانوا ببيداء من الأرض، خُسِف بهم))،
فقلت: يا رسول الله، فكيف بمن كان كارها؟ قال: ((يخسف به معهم، ولكنه يبعث
يوم القيامة على نيته)).
وقال أبو جعفر هي بيداء المدينة.
ثم أخرجه من طريق زهير، عن عبد العزيز بن رفيع، وفي حديثه قال: فلقيت أبا
جعفر، فقلت: إنها إنما قالت: ببيداء من الأرض، فقال أبو جعفر: كلا واللَّه، إنها
لبيداء المدينة .
(١) - ((فتح)) ٧١/٥ (كتاب البيوع))- ((باب ما ذُكر في الأسواق)).

١٢٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
قال القاضي عياض: قال أبو الوليد الكنانيّ: هذا ليس بصحيح؛ لأن أم سلمة توفيت
في خلافة معاوية رضي اللّه تعالى عنهما قبل موته بسنتين، سنة تسع وخمسين، ولم
تدرك أيام ابن الزبير. قال القاضي: قد قيل: إنها توفيت أيام يزيد بن معاوية في أولها،
فعلى هذا يستقيم ذكرها؛ لأن ابن الزبير نازع يزيد أول ما بلغته بيعته عند وفاة معاوية،
ذكر ذلك الطبريّ، وغيره. وممن ذكر وفاة أم سلمة أيام يزيد أبو عمر ابن عبد البرّ في
((الاستيعاب)). وقد ذكر مسلم الحديث بعد هذه الرواية من رواية حفصة، وقال: عن أم
المؤمنین، ولم يسمها .
قال الدارقطنيّ: هي عائشة، قال: ورواه سالم بن أبي الجعد عن حفصة، أو أم
سلمة، وقال: والحديث محفوظ عن أم سلمة، وهو أيضًا محفوظ عن حفصة انتهى
كلام القاضي.
قال النووي: وممن ذكر أن أم سلمة توفيت أيام يزيد بن معاوية أبو بكر بن أبي خيثمة
انتهى(١) .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: وحديث عائشة رضي اللَّه تعالى عنها الذي أشار إليه
الدار قطني أخرجه الشيخان، ولفظ البخاريّ من طريق محمد بن سوقة، عن نافع بن
جبير بن مطعم، قال: حدثتني عائشة رضي الله عنها، قالت: قال رسول اللّه وَالت :
((يغزو جيش الكعبة، فإذا كانوا ببيداء من الأرض، يُخسف بأولهم وآخرهم»، قالت:
قلت: يا رسول الله، كيف يخسف بأولهم وآخرهم، وفيهم أسواقهم، ومن ليس
منهم؟، قال: ((يُخسَف بأولهم وآخرهم، ثم يبعثون على نياتهم)).
ولفظ مسلم من طريق محمد بن زياد، عن عبد الله بن الزبير، أن عائشة، قالت:
عَبِثَ رسول اللّه ◌َلّر في منامه، فقلنا: يا رسول اللَّه، صنعت شيئا في منامك، لم تكن
تفعله، فقال: ((العجب إن ناسا من أمتي، يَؤُمُّون بالبيت برجل، من قريش، قد لجأ
بالبيت، حتى إذا كانوا بالبيداء، خُسف بهم))، فقلنا: يا رسول اللَّه، إن الطريق قد يجمع
الناس، قال: ((نعم فيهم المستبصر، والمجبور، وابن السبيل، يهلكون مهلكا واحدا،
ويصدرون مصادر شتى، يبعثهم الله علی نیاتهم)).
وقوله ((عَبَثَ)) قال القرطبيّ: وجدته مقيّدًا بفتح الباء: أي أتى بكلمات كأنها مختلطة،
يقال: عَبَث الشيءَ يَعْبِئُهُ - بفتح الباء في الماضي، وكسرها في المضارع -: إذا خلطه.
فأما عبِث بكسر الماضي، وفتحة المضارع، فمعناه لعب. وقال النوويّ: هو بكسر
(١) - ((شرح مسلم)٥/٤/١٨٧.

١٢٥
١١٢ - (خُزمةُ الْخَرَم) - حديث رقم ٢٨٨٠
الباء، قيل: معناه اضطرب بجسمه. وقيل: حرّك أطرافه، كمن يأخذ شيئًا، أو يدفعه
انتھی (١) .
وقوله: ((فيهم المستبصر الخ)) أما المستبصر، فهو المستبين لذلك القاصد له عمدًا.
وأما المجبور، فهو المكره، يقال: أجبرته فهو مُجَبَرٌّ، هذه هي اللغة المشهورة، ويقال
أيضًا: جبرته، فهو مجبور، حكاها الفراء، وغيره، وجاء هذا الحديث على هذه اللغة ...
وأما ابن السبيل، فالمراد به سالك الطريق معهم، وليس منهم، ويهلكون مهلكا واحدًا:
أي يقع الهلاك في الدنيا على جميعهم، ويصدرون يوم القيامة مصادر شتّى، أي يبعثون
مختلفين على قدر نياتهم، فيجازون بحسبها انتهى (٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث حفصة رضي الله تعالى عنها هذا صحيح.
[فإن قلت]: في سنده مجهول، وهو أخو سالم بن أبي الجعد، ويحيى بن محمد،
والدالانيّ أيضًا متكلّم فيه، كما تقدّم، فكيف يصح؟.
[قلت]: هو إنما صحّ بالسند الآتي، وقد أخرجه مسلم به. فتنبه. والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: قال المصنف رحمه الله تعالى في ((الكبرى)) بعد أن أورد هذا الحديث: ما
نصّه: قال أبو عبد الرحمن: هذا حديثٌ غريب، والذي قبله غريب(٣). انتهى (٤).
(المسألة الثالثة): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا - ١١٢/ ٢٨٨٠ و٢٨٨١ - وفي ((الكبرى))٣٨٦٢/١١٢ و٣٨٦٣.
وأخرجه (م) في ((الفتن)) ٢٨٨٣ (ق) في ((الفتن))٤٠٦٣ (أحمد) في ((باقي مسند
الأنصار))٢٥٩٠٥. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده(٥):
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان حرمة الحرم. (ومنها): أن
(١) - ((المفهم)) ٢٢٣/٦. و(شرح النووي على مسلم)) ٦/١٨ - ٧.
(٢) - المصدر السابق.
(٣) يعني حديث أبي هريرة تَطاليه.
(٤) - راجع («السنن الكبرى ٣٨٥/٢ رقم ٣٨٦٢/١١٢
(٥) - المراد فوائد حديث حفصة مطلقًا، لا بخصوص اللفظ الذي ساقه المصنف هنا، بل يعم حديث
أم سلمة، وعائشة رضي الله تعالى عنهما الذين أرودتهما في الشرح. فتنبه.

١٢٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
من كثّر سواد قوم في المعصية مختارًا أن العقوبة تلزمه معهم، كما قال الله تعالى:
﴿وَأَتَّقُواْ فِتْنَةٌ لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَضَةٌ﴾ الآية [الأنفال: ٢٥]. (ومنها): أن
الأعمال تعتبر بنية العامل. (ومنها): التحذير من مصاحبة أهل الظلم، ومجالستهم،
وتكثير سوادهم، إلا لمن اضطرّ إلى ذلك، ويتردّد النظر في مصاحبة التاجر لأهل
الفتنة، هل هي إعانة لهم على ظلمهم، أو هي من ضرورة البشريّة، ثم يعتبر عمل كلّ
أحد بنيته، وعلى الثاني يدلّ ظاهر الحديث. (ومنها): ما قال المهلب: واستنبط منه
مالك عقوبة من يجالس شَرَبَةَ الخمرِ، وإن لم يَشَرب. وتعقّبه ابن المنير بأن العقوبة التي
في الحديث هي الهجمة السماوية، فلا يقاس عليها العقوبات الشرعية، ويؤيّده آخر
الحديث، حيث قال: ((ويبعثون على نياتهم))(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٨٨١ - أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ عِيسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أُمَيَّةَ بْنِ صَفْوَانَ بْنِ عَبْدٍ
اللَّهِ بْنِ صَفْوَانَ، سَمِعَ جَدَّهُ يَقُولُ: حَدَّثَتْنِي حَقْصَةُ، أَنَّهُ قَالَ بَّهِ: ((لَيْؤُمَّنَّ هَذَا الْبَيْتَ
جَيْشٌ يَغْزُونَهُ، حَتَّى إِذَا كَانُوا بِبَيْدَاءَ مِنَ الْأَرْضِ، خُسِفَ بِأَوْسَطِهِمْ، فَيْنَادِي أَوَّلُهُمْ
وَآخِرُهُمْ، فَيُخْسَفُ بِهِمْ جَمِيعًا، وَلَا يَنْجُو إِلَّ الشَّرِيدُ الَّذِي يُخْبِرُ عَنْهُمْ))، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ:
أَشْهَدُ عَلَيْكَ أَنَّكَ مَا كَذَبْتَ عَلَى جَدْكَ، وَأَشْهَدُ عَلَى جَدْكَ أَنَّهُ مَا كَذَبَ عَلَى حَفْصَةَ،
وَأَشْهَدُ عَلَى حَفْصَةَ أَنَّا لَمْ تَكْذِبْ عَلَى النَّبِيِّ بَّ).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، و((الحسين
ابن عيسى)): هو أبو عليّ البسطاميّ الْقُومَسيّ، نزيل نيسابور، ثقة [١٠]٨٦/٦٩.
و((سفيان)): هو ابن عيينة.
و((أمية بن صفوان)) بن عبد الله بن صوان بن أمية بن خلف الْجُمَحِيّ المكيّ،
مقبول [٦].
روى عن جدّه، وأبي بكر بن أبي زُهير. وعنه ابن جريج، وابن علية، وابن عيينة،
ونافع بن عمر، وغيرهم. ذكره ابن حبان في الثقات. روى له مسلم، والمصنف، وابن
ماجه، وله عند مسلم، والمصنف حدیث الباب فقط. وله عند ابن ماجه حديث آخر،
حديث: ((يوشك أن تعرفوا أهل الجنة من أهل النار ... )).
و((جدّه)): هو عبد الله بن صفوان بن أمية بن خلف بن وهب بن حُذافة بن جُمَح
الجحميّ، أبو صفوان المكيّ. وأمه بَرْزَة بنت مسعود بن عمرو بن عمير الثقفيّ. قال
(١) - ((فتح)) ٧١/٥ - ((كتاب البيوع)) - باب ما ذكر في الأسواق)).

١١٣- (مَا يَقْتُلُ فِي الْحَرَمِ مِنَ الدَّوَابٌ) - حديث رقم ٢٨٨٢
١٢٧ =
الزبير بن بكار: كان من أشراف قريش. وقال الجعَابيّ: وُلد على عهد النبيّ ◌َّ. وقال
أبو الربيع السمان، عن القاسم بن أبي بَزَّة: تناول رجل من أهل مكة ابنًا لعبد الله بن
صفوان، فأمسك عنه، فقال مجاهد: لقد أشبه أباه في الحلم والاحتمال. وقال الزبير
ابن بكار: كان عبد الله بن صفوان ممن يقوّي أمر ابن الزبير، فقال له ابن الزبير: قد
أذنت لك، وأقلتك بيعتي، فأبى حتى قُتل معه، وهو متعلّق بأستار الكعبة. وذكره ابن
سعد في الطبقة الأولى من التابعيين المكين. روى له مسلم، والمصنف، وابن ماجه،
وله عند المصنف حديثان فقط، برقم ٢٨٨١ و٤٠٨٥ .
وقوله: ((ليؤمّنّ)) فعل مضارع مبنيّ للفاعل، من أمّ بتشديد الميم: إذا قصد، واللام
هي الموطّئة للقسم، والنون الثقيلة للتوكيد، أي واللَّه ليقصدن هذا البيت جيش الخ.
وقوله: ((فينادي أولهم آخرهم)) هكذا في بعض النسخ، وهو واضح، وفي بعضها:
((فينادي أولهم، وآخرهم» بالواو، والمعنى: أي يتنادون فيما بينهم. ويحتمل أن يكون
بالبناء للمفعول: أي ينادي المنادي جميعهم حتى يهلكوا مهلكًا واحدًا. والله تعالى
أعلم .
وقوله: ((إلا الشريد)): قال القرطبيّ: الشريد: هو الطريد عن أهله، ويعني به هنا
المنفرد عن ذلك الجيش الذي يُخسف به. انتهى(١).
وقوله: ((فقال له رجل الخ)) : أي قال رجل لأمية بن صفوان حين حدّث بهذا
الحديث: أشهد عليك أنك ما كذبت على جدك عبد الله بن صفوان بهذا الحديث الخ.
والحديث أخرجه مسلم، وقد سبق تمام البحث فيه في الحديث الذي قبله. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
١١٣- (مَا يُقْتَلُ فِي الْحَرَم مِنَ
الدَّوَابٌ)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أحاديث الأبواب قد سقبت في أبواب (( ما يَقتُل
المحرم من الدواب))، أوردها المصنّف هناك استدلالاً على أن هذه الحيوانات يجوز
(١) - ((المفهم)) ٢٢٦/٦.

١٢٨
=
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
قتلها للمحرم، سواء كانت في الحلّ، أم في الحرم، وأوردها هنا استدلالاً على جواز
قتلها في الحرم، سواء كان القاتل حلالاً، أم محرمًا، فالأول أعم من حيث المحلّ،
وأخصّ من حيث القاتل، والثاني أعم من حيث القاتل، وأخصّ من حيث المحلّ.
والله تعالى أعلم بالصواب.
٢٨٨٢ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا (١) وَكِيعٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ
عُزْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ، قَالَ: ((خَمْسُ فَوَاسِقَ، يُقْتَلْنَ فِي الْحِلِ
وَالْحَرَمِ: الْغُرَابُ، وَالْحِدَأَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ، وَالْعَقْرَبُ، وَالْفَأْرَةُ))) .
قالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وقد تقدّموا
غير مرة.
وقوله: ((خمس فواسق)) المشهور فيه الإضافة، وروي بالتنوين على الوصف،
وبينهما في المعنى فرق دقيق، ذكره ابن دقيق العيد؛ لأن الإضافة تقتضي الحكم على
خمس من الفواسق بالقتل أشعر التخصيص، بخلاف الحكم في غيرها بطريق المفهوم،
وأما التنوين، فيقتضي وصف الخمس بالفسق من جهة المعنى، وقد يشعر بأن الحكم
مترتّبٌ على ذلك، وهو القتل معلّلٌ بما جعل وصفًا، وهو الفسق، فيقتضي ذلك التعميم
لكلّ فاسق من الدواب، وهو ما اقتضاه الأول من المفهوم من التخصيص.
والحديث صحيحٌ، وقد تقدم شرحه، وتخريخه في -٢٨٢٩/٨٣ - والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
١١٤- (قَتْلُ الْحَيَّةِ فِي الْحَرَمِ)
٢٨٨٣ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا(٢)
شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ، يُحَدِّثُ عَنْ عَائِشَةَ، عَنْ رَسُولِ اللّهِ وَّلـ
قَالَ: ((خَمْسُ فَوَاسِقَ، يُقْتَلْنَ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ: الْحَيَّةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ، وَالْغُرَابُ
الْأَبْقَعُ، وَالْحِدَأَةُ، وَالْفَأْرَةُ») .
(١) - وفي نسخة: ((أخبرنا)).
(٢) - وفي نسخة: ((أخبرنا)).

١١٤ - (قَتَلُ الْحَيَةِ فِي الْحَرَم) - حديث رقم ٢٨٨٤
١٢٩ ==
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم
تقدّموا غير مرّة.
وقوله: ((والغراب الأبقع)) أي الذي في لونه سواد وبياض. و((الأبقع)) اسم تفضيل من
بَقِعَ الغرابُ بَقَعًا، من باب تعب: اختَلَفَ لونه، فهو أبقع، وجمعه بِفْعَان، بالكسر، غلب
فيه الاسميّة، ولو اعتُبرت الوصفية لقيل: بُقْعٌ، مثل أحمر وحُمْر. قاله الفيّوميّ.
والحديث صحيحٌ، وقد سبق الكلام عليه في الذي قبله. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٨٨٤- أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيِى بْنُ آدَمَ، عَنْ حَفْصِ بْنِ غِیَائٍ،
عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَلـ
بِالْخَيْفِ، مِنْ مِنَّى، حِينَ نَزَلَتْ: ﴿وَالْمُرْسَتِ عُرْفًا﴾ [المرسلات: ١] فَخَرَجَتْ حَيَّةٌ، فَقَالَ
رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((اقْتُلُوهَا))، فَابْتَدَرْنَاهَا، فَدَخَلَتْ فِي جُخْرِهَا) .
رجال هذا الإسناد : سبعة:
١- (أحمد بن سليمان) بن عبد الملك، أبو الحسين الرُّهاويّ، ثقة حافظ [١١]٣٨/
٤٢ .
٢- (يحيى بن آدم) بن سليمان الأمويّ، أبو زكريا الكوفيّ، ثقة حافظ فاضلٌ، من
كبار [٩]٠١١٤/٩٢
٣- (حفص بن غياث) بن طلق بن معاوية النخعيّ، أبو عمر الكوفيّ القاضي، ثقة
فقيه تغيّر حفظه في الآخر [٨]٣٩١٥/٢.
٤- (الأعمش) سليمان بن مهران الكاهليّ مولاهم، أبو محمد الكوفيّ، ثقة حافظ
إمام ورع، لكنه يدلّس [٥]١٨/١٧.
٥- (إبراهيم) بن يزيد بن قيس النخعيّ، أبو عمران الكوفيّ الفقيه، ثقة يرسل
كثيرًا [٥]٢٩/ ٣٣ .
٦- (الأسود) بن يزيد النخعيّ، أبو عمرو الكوفيّ، مخضرم ثقة مكثر فقيه [٢]٢٩/
٣٣ .
٧- (عبد الله) بن مسعود الصحابيّ الشهير رضي الله تعالى عنه٣٩/٣٥. والله
تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من سباعيّات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال
الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه

١٣٠
=
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
أيضًا، فرُهاويّ. (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين يروي بعضهم عن بعض: الأعمش،
عن إبراهيم، عن الأسود، وهو خال لإبراهيم. والله تعالى أعلم.
شرح الحدیث
(عَنْ عَبْدِ اللَّه) ابن مسعود رضي اللَّه تعالى عنه.
[تنبيه]: وقع في ((الكبرى)) هنا ((عن عائشة)) بدل ((عن عبد اللَّه))، وهو غلط، فإن
الحديث لعبد الله بن مسعود رضي اللّه تعالى عنه، لا لعاشئة رضي الله تعالى عنها،
وقد وقع على الصواب في ((التفسير) برقم ١١٦٤٣. فتنبه. والله تعالى أعلم.
(قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ بَلَهُ بِالْخَيْفِ) بفتح الخاء المعجمة، وسكون التحتانيّة،
بعدها فاء. قال الفيّوميّ: والخيف، ساكن الياء: ما ارتفع من الوادي قليلاً عن مسيل
الماء، ومنه مسجد الخيف بمنى؛ لأنه بُني في خَيْف الجبل، والأصل مسجد خيف
منى، فخُفّف بالحذف، ولا يكون خيفٌ إلا بين جبلين انتهى (مِنْ مِنّی) بكسر، ففتح،
مقصورًا: الموضع المعروف بمكة، والغالب عليه التذكير، فيُصرف. وقال السرّاج:
ومنىّ ذكر، والشام ذكر، وهَجَرّ ذكر، والعراق ذكرٌ، وإذا أُنث منع من الصرف. وأمنى
الرجل بالألف : إذا أتى منّى. أفاده الفيّوميّ.
وفي الرواية التالية أن ذلك كان ليلة العرفة التي قبل يوم عرفة، وفيه بيان أن أمره ولهم
بقتل الحيّة وقع في الحرم، والإحرام؛ لأن ذلك قبل التحلل، فبطل رد بعضهم
الاستدلال بحديث عبد الله بن مسعود رَ هذا على جواز قتل الحية للمحرم،
باحتمال أن يكون ذلك بعد طواف الإفاضة. وقد رواه مسلم، وابن خزيمة، واللفظ له،
عن أبي كريب، عن حفص بن غياث، مختصرًا، ولفظه: ((أن النبيّ وَ لّ أمر محرمًا بقتل
حيّة في الحرم بمنى)).
(حَتَّى نَزَلَتْ: ﴿وَالْمُرْسَتِ عُرْفًا﴾ [المرسلات: ١]) أي هذه السورة. زاد في ((التفسير))
من طريق إسرائيل، عن منصور، والأعمش، كليهما عن إبراهيم: ((فإنا لنتلقاها من
فيه))، وفي رواية منصور، عن الأعمش وحده: (وإنا لنتلقاها من فيه رطبة)). أي غضّة
طريّة في أول ما تلاها، والمراد بالرطوبة رطوبة فيه، أي أنهم أخذوها عنه قبل أن يجفّ
ريقه من تلاوتها. ويحتمل أن يكون وصفها بالرطوبة لسهولتها، والأول أشبه. قاله في
((الفتح))(١) .
(فَخَرَجَتْ حَيَّةٌ) أي من جحرها (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((اقْتُلُوهَا))، فَانْتَدَرْنَاهَا) أي
(١) - ((فتح))٦/ ٥١٤ ((كتاب بدء الخلق)).

١١٤- (قتلُ الحية في الحرم) - حدیث رقم ٢٨٨٤
١٣١ ===
سبق كلّ منا صاحبه إلى قتلها، وفيه أن الحيات غير ذوات البيوت تقتل، ولو في الحرم
(فَدَخَلَتْ فِي جُخْرِهَا) أي فسبقتنا، ودخلت في جحرها. و((الجحر)) بضم الجيم،
وسكون الحاء المهملة: كلّ شيء يحتفره الهوامَ، والسباع لأنفسها، كالْجُخران، جمعه
جِحَرة، بكسر، ففتح، وأجْحارٌ. أفاده في ((القاموس)). وبعض أهل اللغة جعل الْجُخر
للضبّ خاصّة، واستعماله لغيره كالتجوّز. قاله المرتضى.
وفي روية إسرائيل المذكورة زيادة: ((وَقيت شرّكم، كما وُقيتم شرّها)). أي إن اللَّه
تعالى سلّمها من شركم، وهو قتلكم إياها، كما سلمكم من إيذائها إياكم بسمها، فهو
من مجاز المقابلة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان،
وعليه التكلان .
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عبد الله بن مسعود رضي اللّه تعالى عنه هذا متفق عليه.
[تنبيه]: وقع اختلاف في إسناد هذا الحديث، فقد رواه حفص بن غياث، عن
الأعمش، عن إبراهيم، والأسود، عن عبد اللَّه، كما هو عند المصنّف هنا، وتابعه
جرير، وأبو معاوية، وسليمان بن قرم، عن الأعمش. ورواه إسرائيل، عن الأعمش،
عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله. ورواه ابن إسحاق، عن عبد الرحمن بن
الأسود، عن أبيه، عن عبد الله. ورواه المسعوديّ، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن
عبد اللَّه. ورواه عبد الله بن إدريس، عن الأعمش، عن أبي رزين، عن زِرّ بن حُبيش،
عن عبد اللَّه. وكذلك رواه جرير في موضع آخر عن الأعمش. واختلف فيه على حفص
بن غياث، فقال سهل بن عثمان، عنه كما تقدّم. وقال إسماعيل بن حفص الأبليّ، عنه
كما قال إسرائيل. وقال عبد الصمد بن عبد الوارث، عنه كما قال المسعوديّ. أفاده
الحافظ المزّيّ في ((تحفة الأشراف))(١).
ورواه المصنف هنا أيضا، من طريق أبي عبيدة، عن أبيه، وهي الرواية التالية.
والحاصل أن الحديث اختلف في إسناده، ولكن مثل هذا الاختلاف لا يعدّ اضطرابًا
يضرّ بصحّة الحديث؛ لأن الاضطراب إنما يضرّ عند عدم الترجيح، وما هنا ليس
كذلك، ولذا أخرجه الشيخان في ((صحيحيهما)). والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
(١) - ((تحفة الأشراف)) ٦/٧ - ٧ .

١٣٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
أخرجه هنا -٢٨٨٤/١١٤- و٢٨٨٥- وفي ((الكبرى)) ٣٨٦٦/١١٤ و٣٨٦٧ وفي
((التفسير)) ١١٦٤٢ و١١٦٤٣. وأخرجه (خ) في ((الحج))١٨٣٠ و((بدء الخلق)) ٣٣١٧
و((التفسير)) ٤٩٣٠ و٤٩٣١ و٤٩٣٤ (م) في ((السلام)) ٢٢٣٤ (أحمد) في ((مسند
المكثرين)» ٢٥٦٤ و٣٩٩٤ و٤٠٥٧ و٤٣٢٣ و٤٣٤٤. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان جواز قتل الحية في
الحرم. (ومنها): جواز قتل المحرم الحية في حال إحرامه. قال في ((الفتح)): قال ابن
المنذر رحمه الله تعالى: أجمع من يُحفظ عنه من أهل العلم على أن للمحرم قتل الحيّة.
وتعقّب بما تقدّم عن الحكم، وحمّاد، وبما عند المالكيّة من استثناء ما صغر منها،
بحيث لا يتمكّن من الأذى. انتهى(١) .
(ومنها): بيان وقت ومكان نزول سورة المرسلات، وهو عام حجة الوداع، في
منى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٨٨٥- أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَخْتِى، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْج، أَخْبَرَنِي
أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللّهِ وَهِ، لَيْلَةً
عَرَفَةَ، الَّتِي قَبْلَ يَوْمٍ عَرَفَةَ، فَإِذَا حِسُّ الْحَيَّةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ: (اقْتُلُوهَا))، فَدَخَلَتْ
شَقَّ جُحْرِ، فَأَدْخَلْنَاَ عُودًا، فَقَلَعْنَا بَعْضَ الْجُحْرِ، فَأَخَذْنَا سَعَفَةٌ، فَأَضْرَمْنَا فِيهَا نَارًا، فَقَالَ
رَسُولُ اللّهِ وَّهِ: ((وَقَاهَا اللَّهُ شَرَّكُمْ، وَوَقَاكُمْ شَرَّهَا)) .
رجال هذا الإسناد : سبعة :
١- (عمرو بن عليّ) الفلّاس الصيرفيّ البصريّ، ثقة حافظ [١٠]٤/٤.
٢- (يحيى) بن سعيد القطّان البصريّ الإمام الحجة الثبت [٩]٤/٤.
٣- (ابن جريج) هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج الأمويّ مولاهم المكيّ، ثقة
فقيه فاضل [٦]٣٢/٢٨.
٤- (أبو الزبير) محمد بن مسلم بن تَدْرُس الأسديّ مولاهم المكيّ،
صدوق [٤]٣٥/٣١ .
٥- (مجاهد) بن جبر المخزوميّ، أبو الحجاج المكيّ، ثقة ثبت فقيه [٣] ٣١/٢٧.
٦ - (أبو عُبيدة) بن عبد الله بن مسعود، مشهور بكنيته، والأشهر أنه لا اسم له غيرها،
وقيل: اسمه عامر، كوفيّ ثقة، من كبار[٣]٥٥/ ٦٢٢، والأصحّ أنه لم يسمع من أبيه.
(١) - ((فتح) ٤ / ٥١٤.

١٣٣
١١٤ - (قَتَلُ الْحَيّةِ فِي الْخَرَم) - حديث رقم ٢٨٨٥
٧- (أبوه) عبد الله بن مسعود رضي اللّه تعالى عنه٣٩/٣٥. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من سباعيّات المصنف رحمه اللَّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال
الصحيح، غير أبي عبيدة، فإنه من رجال الأربعة، وهو لم يسمع من أبيه، ففيه انقطاع.
(ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين يروي بعضهم عن بعض: أبو الزبير، عن مجاهد، عن
أبي عبيدة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ) رحمه اللَّه تعالى (عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه،
أنه (قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ نَّهِ، لَيْلَةَ عَرَفَةَ، الَّتِي قَبْلَ يَوْمِ عَرَفَةَ) إنما ذكر هذا القيد - مع
أن المعروف أن ليالي الشهور القمرية تابعة لما بعدها من النهار، حيث إن الحساب
قمريّ، وهو يظهر بالليل-؛ لأن ليلة عرفة، وليالي أيام التشريق تابعة لما قبلها من
النهار؛ حتى يمكن استدراك ما فات من أعمال النهار في الليل، فمثلاً إذا فاته الوقوف
بعرفة نهارًا، استدركه ليلاً، فدفعًا للتوهم زاد قوله: ((التي قبل يوم عرفة)). والله تعالى
أعلم (فَإِذَا حِسُّ الْحَيَّةِ) ((إذا)) هنا فجائيّة، أي ففاجأنا سماع حسّ حيّة. و((الحسّ))
بالكسر، والحسيس بالفتح: الصوت الخفيّ.
(فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ وَهِ: ((اقْتُلُوهَا))، فَدَخَلَتْ شَقَّ جُخْرٍ) قال الفيّوميّ: ((والشقّ))
بالفتح: انفراجٌ في الشيء، وهو مصدرٌ في الأصل، والجمعَ شُقُوق، مثل فلس وقُلُوس
انتهى. فتكون إضافته إلى ((جحر)) بمعنى اللام (فَأَدْخَلْنَا عُودًا) بضم العين أي خشبًا،
والجمع أعواد، وعِيدان (فَقَلَعْنَا بَعْضَ الْجُخْرِ) أي نزعنا بعض ذلك الجُحْرِ (فَأَخَذْنَا
سَعَفَةً) بفتحتين واحدة السعف بفتحتين أيضًا، مثلُ قَصَبَة وقَصَبٍ: وهي أغصان النخل
ما دامت بالْخُوص، فإن زال الْخُوص عنها قيل: جريد. قاله الفيّوميّ (فَأَضْرَمْنَا فِيهَا
نَارًا) أي أوقدنا فيها نارًا، وأرادوا بذلك قتلها (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ نَّهِ: ((وَقَاهَا اللَّهُ شَرَّكُمْ،
وَوَقَاكُمْ شَرَّهَا))) فيه إخبار منه وَِّ أنها سلمت مما فعلوا بها، من إضرام النار، وغيره.
وتسمية ما فعلوه شرًّا، بالنسبة إليها، أو للمشاكلة، كما في قوله تعالى: ﴿وَحَزَّقُّأْ سَِّةٍ
سَفِئَةٌ مِثْلُهَاً﴾ الآية [الشورى: ٤٠]. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،
وهو المستعان، وعليه التكلان.
والحديث فيه انقطاع؛ لأن الأصحّ أن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه، لكنه صحيحٌ بما
قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

١٣٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)).
١١٥- (قَتْلُ الْوَزَغ)
٢٨٨٦- أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْمُقْرِئُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ:
حَدَّثَنِي عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ شَيْبَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبٍ، عَنْ أُمِّ شَرِيكٍ، قَالَتْ:
أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ وَِّ، بِقَتْلِ الْأَوْزَاغِ) .
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخ
المصنف ((محمد بن عبد الله بن يزيد المقرىء)) أبي يحيى المكيّ، ثقة [١٠]١١/١١،
فإنه من أفراده وابن ماجه.
و((سفيان)): هو ابن عيينة.
و((عبد الحميد بن جبير بن شيبة)) بن عثمان بن أبي طلحة العبدريّ الْحَجَبيّ المكيّ،
ثقة[٥].
وثقه ابن معين، والنسائيّ، وابن سعد. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). وذكره خليفة
في الطبقة الثالثة من أهل مكة. روى له الجماعة. وله عند المصنف حديثان برقم ٢٨٨٥
و٢٩١١ .
و((أم شريك)) العامريّة، ويقال: الأنصارية، ويقال: الدوسيّة، اسمها غُزيّة، ويقال:
غُزيلة بنت دودان بن عمرو بن عامر بن رواحة بن منقذ بن عمرو بن مُعَيص بن عامر بن
لؤيّ. وقيل: غير ذلك في نسبها. وقال ابن سعد: غُزيّة بنت جابر بن حكيم. ويقال:
هي التي وهبت نفسها للنبيّ وَّ. روت عن النبيّ وَّل. وعنها جابر بن عبد الله، وسعيد
ابن المسيّب، وعروة بن الزبير، وشهر بن حوشب. روى لها الجماعة، سوى أبي
داود. ولها عند المصنّف في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
والحديث متّفقٌ عليه، وأخرجه المصنّف هنا -٢٨٨٦/١١٥ وفي ((الكبرى)) ١١٥/
٣٨٦٨. وأخرجه (خ) في ((بدء الخلق)) ٣٣٠٧ و((أحاديث الأنبياء)) ٣٣٥٩ (م) في
((السلام)) ٢٢٢٣٧ (ق) في ((الصيد)) ٢٢٢٨ (أحمد) في ((مسند القبائل)) ٢٦٨١٩
و٢٧٠٧٢ (الدارمي) في ((الأضاحي)) ٢٠٠٠ وشرحه قد مرّ مستوفّى في باب ((قتل الوزغ))
-٨٥/ ٢٨٣١- في شرح حديث عائشة رضي الله تعالى عنها. والله تعالى أعلم

١٣٥ =
١١٥- (قَتَلُ الْوَزَغ) - حديث رقم ٢٨٨٧
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٨٨٧- أَخْبَرَنَا وَهُبُ بْنُ بَيَانٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مَالِكٌ،
وَيُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُزْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُوَّلَ اللَّهِ وَِّ، قَالَ: ((الْوَزَغُ
الْقُوَيْسِقُ))) .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه وهب
ابن بيان، أبي عبد الله الواسطيّ، نزيل مصر، ثقة [١٠]١٣٩٩/٢٠، فإنه من أفراده
هو، وأبي داود.
[تنبيه]: وقع في ((الكبرى)): ((وهب بن بنان)) بنون قبل الألف، وهو تصحيف،
والصواب: ((بيان)) بالياء، كما هنا. فتنبّه.
وقوله: ((الوزغ الفويسق)) جملة من مبتدأ وخبر، و((الفويسق)) تصغير فاسق، وهو
تصغير تحقير، يقتضي المبالغة في الذّم. زاد في رواية البخاريّ: ((ولم أسمعه أمر بقتله)).
وهو مقول عائشة رضي الله تعالى عنها، والضمير للنبيّ وَّر، وقضية تسميته إياه فويسقًا
أن يكون قتله مباحًا، وكونها لم تسمعه لا يدلّ على منع ذلك، فقد سمعه غيرها، كأم
شريك، وغيرها. ونقل ابن عبد البرّ الاتفاق على جواز قتله في الحلّ والحرم، لكن نقل
ابن عبد الحكم وغيره عن مالك: لا يقتل المحرم الوزغ. زاد ابن القاسم: وإن قتله
يتصدّق؛ لأنه ليس من الخمس المأمور بقتلها. وروى ابن أبي شيبة أن عطاء سئل عن
قتل الوزغ في الحرم؟، فقال: إذا آذى فلا بأس بقتله. وهذا يفهم منه توقف قتله على
أذاه. أفاده في ((الفتح))(١) .
والحديث متّفقٌ عليه، وأخرجه المصنّف هنا -٢٨٨٧/١١٥- وفي ((الكبرى)) ١١٥/
٣٨٦٩. وأخرجه (خ) في ((الحج)) ١٨٣١ و((بدء الخلق)» ٣٣٠٦ (م) في ((السلام))٢٢٣٩
(ق) في ((الصيد)) ٣٢٣٠ (أحمد) في ((باقي مسند الأنصار)) ٢٤٠٤٧ و٢٤٦٨٩ و٢٥٨٠٠
و٢٥٨٥٠. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)).
(١) - ((فتح)٤٧/ ٥١٤.

١٣٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
١١٦ - (بَابُ قَتْلِ الْعَقْرَبِ)
٢٨٨٨ - أَخْبَرَنِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدِ الرَّقْيُ الْقَطَّانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجْ، قَالَ ابْنُ
جُرَيْج: أَخْبَرَنِي أَبَانُ بْنُ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ عُزْوَةَ أَخْبَرَهُ، أَنَّ عَائِشَةً قَالَتْ: قَالَ
النَّبِيُّ ◌ََّ: ((خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابَّ، كُلَّهُنَّ فَاسِقْ،َ يُقْتَلْنَ فِي الْحِلُّ وَالْحَرَمِ: الْكَلْبُ الْعَقُورُ،
وَالْغُرَابُ، وَالْحِدَأَةُ، وَالْعَقْرَبُ، وَالْفَأْرَةُ)).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، فقد
انفرد به هو، وأبو داود، وهو صدوق.
و((حجاج)): هو ابن محمد الأعور المصّيصيّ.
و ((أبان بن صالح)) بن عُمير بن عُبيد القرشيّ مولاهم، ثقة [٥].
قال ابن معين، والعجليّ، ويعقوب بن شيبة، وأبو زرعة، وأبو حاتم: ثقة. وقال
النسائيّ: ليس به بأس. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). وقال ابن عبد البرّ في ((التمهيد)):
ضعيف. وقال ابن حزم في ((المحلّى)): ليس بالمشهور. قال الحافظ: وهذه غفلة
منهما، وخطأ تواردا عليه، فلم يضعّف أبان هذا أحدٌ قبلهما، ويكفي فيه قول ابن
معين، ومن تقدّم معه. انتهى. وقال ابن سعد: وُلد سنة ستين، ومات بعسقلان
سنة بضع عشرة ومائة. وهو ابن خمس وخمسين سنة، وكذا قال يعقوب بن شيبة. علّق
عنه البخاريّ، وأخرج له الأربعة، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
والحديث متفق عليه، وقد تقدم شرحه، وبيان مسائله في -٢٨٢٣/٨٣- فراجعه
تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
١١٧- (قَتْلُ الْفَأْرَةِ فِي الْحَرَمِ)
٢٨٨٩- (أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: أَنْبَأَنَا (١) ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي
يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُزْوَةَ، أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((خَمْسٌ مِنَ
(١) - وفي نسخة: ((أخبرنا)).

١٣٧
١١٨ - (قَتَلُ الْحِدْأَةِ فِي الْحَرَم) - حديث رقم ٢٨٩١
الدَّوَابِ، كُلُّهَا فَاسِقٌ، يُقْتَلْنَ فِي الْحَرَمِ: الْغُرَابُ، وَالْحِدَأَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ، وَالْفَأْرَةُ،
وَالْعَقْرَبُ))) .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، ونصفه
الأول مصريون، والثاني مدنيون، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه أيضًا عائشة رضي
الله تعالى عنها من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) من الأحاديث.
والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق في الباب الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٨٩٠ - أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا (١) ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ،
عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ أَخْبَرَهُ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، قَالَ: قَالَتْ حَفْصَةُ،
زَوْجُ النَّبِّ ◌َِهَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((خَمْسٌ مِنَ الذَّوَابٌ، لَا حَرَجَ عَلَى مَنْ قَتَلَهُنَّ:
الْعَقْرَبُ، وَالْغُرَابُ، وَالْحِدَأَةُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ))).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد کلهم رجال الصحيح، غیر شيخه عيسى
بن إبراهيم بن مثرُود، أبي موسى الغافقيّ المصريّ، فقد انفرد به هو، وأبو داود، وهو ثقة.
والسند فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وصحابيّ، عن صحابية، ورواية الابن، عن أبيه، والأخ
عن أخته، وفيه ابن عمر، أحد المكثرين السبعة، روى (٢٦٣٠) من الأحاديث.
وقوله: ((لا حرج الخ (( أي لا إثم، وتمام شرح الحديث تقدم في شرح حديث عائشة
رضي الله تعالى عنها.
والحديث متّفقٌ عليه، أخرجه المصنف هنا-١١٧/ ٢٨٩٠ - وفي («الكبرى» ١١٧/
٣٨٧٢. وأخرجه (خ) في ((الحج)١٨٢٨ (م) ١٢٠٠ (أحمد) في ((باقي مسند
الأنصار)) ٢٥٩٠٠ و٢٦٣١٧. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
١١٨- (قَتْلُ الْحِدَأَةِ فِي الْخَرَمِ)
٢٨٩١- أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا (٢) عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا (٣)
مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيُّ، عَنْ عُزْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللّهِ بَّهِ: ((قَالَ خَمْسُ فَوَاسِقَ،
(١) - وفي نسخة: ((أخبرنا)).
(٢) - وفي نسخة: ((أخبرني)).
(٣) - وفي نسخة: ((أخبرنا)).

١٣٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَتَاسِكِ الْحَجْ
يُقْتَلْنَ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ: الْحِدَأَةُ، وَالْغُرَابُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْعَقْرَبُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ)).
قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: وَذَكَرَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: أَنَّ مَعْمَرًا كَانَ يَذْكُرُهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ
سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، وَعَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ◌ِ).
قَال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، والحديث
صحيحٌ، وهو بهذا الإسناد من أفراد المصنف رحمه اللَّه تعالى، أخرجه هنا-١١٨/
٢٨٩١- وفي ((الكبرى)) ١١٨/ ٣٨٧٣.
وقوله: ((قال عبد الرزاق الخ)) أشار به إلى أن إسناد هذا الحديث وقع فيه اختلاف،
فقد رواه معمر عن الزهريّ بطريقين: طريق سالم، عن أبيه، عن حفصة رضي الله
تعالى عنهما. وطريق عروة، عن عائشة رضي اللّه تعالى عنها، وكلاهما صحيحان.
وقد أخرجه المصنّف رحمه الله تعالى في الباب الماضي عن ابن وهب، بطريقين
أيضًا: ((إحداهما: طريق يونس، عن ابن شهاب، عن سالم، عن عبد الله بن عمر، عن
حفصة . والثانية: طريق يونس، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة رضي الله
تعالى عنها .
قال الحافظ رحمه الله تعالى: وظهر بهذا أن لابن وهب عن يونس، عن الزهريّ فيه
إسنادين: سالم، عن أبيه، عن حفصة. وعروة، عن عائشة. وقد كان ابن عيينة ينكر
طريق الزهريّ، عن عروة، قال الحمديديّ، عن سفيان: حدثنا والله الزهريّ، عن
سالم، عن أبيه، فقيل له: إن معمرًا يرويه عن الزهريّ، عن عروة، عن عائشة، قال:
حدثنا والله الزهريّ لم يذكر عروة.
وطريق معمر المشار إليها أوردها البخاريّ في ((بدء الخلق)) من طریق یزید بن زريع،
عنه. ورواها النسائيّ من طريق عبد الرزاق -يعني حديث الباب- ثم ذكر كلام
عبد الرزاق المذکور هنا .
قال: وطريق الزهريّ، عن عروة، رواها أيضًا شعيب بن أبي حمزة، عند أحمد،
وأبان بن صالح عند النسائيّ -يعني حديث الباب السابق- ومن حفظ حجة على من لم
يحفظ، وقد تابع الزهريّ عن عروة هشامُ بن عروة، أخرجه مسلم، والنسائيّ -يعني في
الباب الآتي- أيضًا. انتهى كلام الحافظ ببعض زيادة(١).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد تبيّن مما ذُكر أن روايتي معمر عن الزهريّ
صحيحتان، فلا يضرّه إنكار ابن عيينة عليه طريق عروة، عن عائشة؛ لأن الحديث
محفوظ من الطريقين.
(١) - ((فتح) ٥٠٨/٤ .

١٢٠ - (النَّهْيُ أَنْ يُتَقَّرَ صَّيْدُ الْحَرَم) - حديث رقم ٢٨٩٣
١٣٩=
والحاصل أن حديث الزهريّ محفوظ من كلتا الطريقين: طريق سالم، عن أبيه، عن
حفصة رضي الله تعالى عنهما، وطريق عروة، عن عائشة رضي الله تعالى عنها، ولذا
أخرجه الشيخان من كلتا الطريقين، فتبصّر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب .
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
١١٩- (قَتْلُ الْغُرَابِ فِي الْحَرَمِ)
٢٨٩٢- أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا(١) حَمَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ -وَهُوَ ابْنُ
عُزْوَةَ- عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: (خَمْسُ فَوَاسِقَ، يُقْتَلْنَ فِي
الْحَرَمِ: الْعَقْرَبُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْغُرَابُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ، وَالْحِدَأَةُ)).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم
تقدّموا غیر مرّة. و«حماد)): هو ابن زید.
والحديث صحيح؛، وهو بهذا الإسناد من أفراد المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه
هنا-٢٨٩٢/١١٩- وفي («الكبرى»١١٩/ ٣٨٧٤. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)) .
١٢٠ - (النَّهْيُ أَنْ يُنَفَّرَ صَّيْدُ الْحَرَم)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: (يُنفّر الخ)) بالبناء للمفعول، والمصدر المؤول
من ((أن)) والفعل مجرور بحرف جرّ محذوف قياسًا، والتقدير: النهي عن تنفير صيد
الحرم، أي تشريده من موضعه الذي أقام فيه. والله تعالى أعلم بالصواب.
(١) - وفي نسخة: ((حدّثنا))، وفي أخرى: ((أخبرنا)).

١٤٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
٢٨٩٣- أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ
عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ لِ قَالَ: ((هَذِهِ مَكَّةُ، حَرَّمَهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، يَوْمَ
خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، لَمْ تَحِلَّ ◌ِأَحَدٍ قَبْلِي، وَلَا لِأَحَدٍ بَعْدِي، وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةٌ
مِنْ ثَّارٍ، وَهِيَ سَاعَتِي هَذِهِ حَرَامٌ بِحَرَامِ اللَّهِ، إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا، وَلَا
يُعْضَدُ شَجَرُهَا، وَلَا يُتَفَّرُ صَيْدُهَا، وَلَا تَحِلُّ لُقَطَّتُهَا، إِلَّا لِمُنْشِدٍ))، فَقَامَ الْعَبَّاسُ - وَكَانَ
رَجُلَا مُجَرِّبًا- فَقَالَ: إِلَّا الْإِذْخِرَ، فَإِنَّةُ لِبُيُوتِنَا، وَقُبُورِنَا، فَقَالَ: ((إِلَّا الْإذْخِرَ))).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه سعيد
ابن عبد الرحمن المخزوميّ المكيّ، فقد تفرّد به هو، والترمذيّ، وهو ثقة. و((سفيان)):
هو ابن عيينة. و((عمرو)): هو ابن دینار.
وقوله: ((وهي ساعتي هذه))، وفي ((الكبرى)): ((وهي من ساعتي هذه))، بزيادة ((من)).
وقوله: ((بحرام اللَّه)) أي بتحريمه، لا بتحريم أحد من الخلق.
وقوله: ((لا يُختلى)) بالبناء للمفعول، وكذا الفعلان بعده، ومعنى: ((لا يُختَلَى)»: لا
يُجَزّ، ولا يُقطع خلاها، وهو ما كان رَطَبًا من الكلإِ. ومعنى: ((لا يُعضد)): لا يُقطع.
ومعنى: ((يُنفّر)): يُشَرّد.
وقوله: ((ولا تحلّ لقطتها)) بالبناء للفاعل، و((اللُّقَطَة)) -بضمٌ، ففتح- وزانُ رُطَبَة: ما
الْتُقِطَ من مالٍ ضائع. قال الأزهريّ: اللَّقَطة بفتح القاف: اسم الشيء الذي تجده مُلْقَّى،
فتأخذه، قال: وهذا قول جميع أهل اللغة، وحُذّاقِ النحويين. وقال الليث: هي
بالسكون، ولم أسمعه لغيره، واقتصر ابن فارس، والفارابيّ، وجماعة على الفتح،
ومنهم من يَعُدّ السكون من لَخن العوامَ، ووجه ذلك أن الأصل لُقَاطة، فثقُلَت عليهم؛
لكثرة ما يلتقطون في النهب، والغارات، وغير ذلك، فتلعبت بها ألسنتهم اهتمامًا
بالتخفيف، فحذفوا الهاء مرّةً، وقالوا: لُقَاطٌ، والألف أُخرى، وقالوا: لُقَطَّة، فلو
أُسكن اجتمع على الكلمة إعلالان، وهو مفقود في فصيح الكلام، وهذا وإن لم
يذكروه، فإنه لا خفاء به عند التأمل لأنهم فسّروا الثلاثة بتفسير واحد. أفاده الفيّوميّ.
وقوله: ((وكان رجلاً مجرّبًا)) أي كان ذا تجربة للأمور، فلذا طلب من النبيّ وَّ أن
يستثني الإذخير؛ لمعرفته شدة حاجة الناس إليه.
[تنبيه]: وقع في بعض النسخ ((مجریا)) بالجیم آخره یاء بدل ((مجرِّبًا)) وهو تصحیف،
ووقع في ((الكبرى)): ((محرمًا)) بالحاء المهملة بدل الجيم، آخر ميم، وهو تصحيف أيضًا.
والحديث متفق عليه، وتقدم تمام شرحه، والكلام على مسائله في ١١٠/ ٢٨٧٤ -
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.