Indexed OCR Text

Pages 1-20

شرح
سُيْنَ النَّّائِيّ
المُمَّى
ذَخِيرَةُ الْعُقْبَى فِي شَرِح ◌َالجَتَّبَى
لجامِعِه الفَقَيْرُ إِلى مَوْلَاهِ الفَنِيّالقَدِيْ
مُّ بِ الشّيخ العَّ ◌َى بْآدَمَ بُوَ الأُنِي الْوَلَِّّ
المُدُرّسُ بَدَارُ الحَديث الخيريَّة بمكّة المكرّمة
عَفَا اللّه عَنْه وَعَنْ وَالَيَّه آمِينْ
الجزء الخامِس ◌َالثّرون
مكتب تنسيق وحمزيج ويعميق
تَخْصُن الملارى قم: ٢٥٢٤٠
دُلـ
بـ

جَيْرٌع الحقوق محفُوطُنّة
الطَّبَعَّة الأولى
١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣م
دَازال بُوسِ للنشروَ التَّرْخ
المملكة العَربيّة السّعوديّة - مكّة المكرّمة - المكتب الرئيسي التغيّم
صَربُ: ٤١٤٥ - (تلفاكس ٥٢١١٥٧٦ - حوال ٠٥٥٥٤١٠٢٦)

:
١
شرح
سُبْ النَّائي

بسم عبد الرحمن الرحيم

٨٥- (قَتَلُ الْوَزَغ) - حديث رقم ٢٨٣٢
٨٥- (قَتْلُ الْوَزَعْ)
٢٨٣٢- أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَرْعَرَةَ،
قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيْبِ، أَنَّ
امْرَأَةٌ دَخَلَتْ عَلَى عَائِشَةَ، وَبِيَدِهَا عُكَّازٌ، فَقَالَتْ: مَا هَذَا؟، فَقَالَتْ: لِهَذِهِ الْوَزَغِ، لِأَنَّ
نَبِيَّ اللَّهِ قَّهِ، حَدَّثَنَا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ شَيْءٍ، إِلَّا يُطْفِئُ عَلَى إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلاَمِ، إِلَّا هَذِهِ
الذَّابَّةُ، فَأَمَرَنَا بِقَتْلِهَا، وَنََّى عَنْ قَتْلِ الْجِنَّانِ، إِلَّا ذَا الطَّفْيَتَيْنِ، وَالْأَبْتَرَ، فَإِنََّمَا يَطْمِسَانِ
الْبَصَرَ، وَيُسْقِطَانِ مَا فِي بُطُونِ النِّسَاءِ»).
رجال هذا الإسناد: سبعة :
١- (أبو بكر بن إسحاق) هو محمد بن إسحاق الصغانيّ، نزيل بغداد، ثقة
ثبت [١١]٣٤٧/١٣.
٢- (إبراهيم بن محمد بن عَزْعَرَة) - بمهملات- ابن الْبِرِنْدِ بن النعمان بن عَلَجَة
الساميّ - بمهملة- أبو إسحاق البصريّ، نزيل بغداد، ثقة حافظ [١٠].
قال ابن معين: ثقة معروف بالحديث مشهور بالطلب، كيس الكتاب، ولكنه يفسد
نفسه يدخل في كل شيء. وقال ابن أبي حاتم: سئل أبي عن إبراهيم بن عرعرة؟،
فقال: صدوق. وقال عثمان ابن خُرَّزَاذ: أحفظ من رأيت أربعة، فذكر فيهم إبراهيم.
وقال صالح جَزَرَة: ما رأيت أعلم بحديث أهل البصرة من القواريريّ، وعليّ بن
المدينيّ، وإبراهيم بن عرعرة. وقال الحاكم: هو إمام من حفاظ الحديث. وقال
الخليليّ: حافظ كبير، ثقة، متفق عليه. وقال ابن قانع: ثقة. وذكره ابن حبان في
الثقات. وقال الأثرم: قلت لأبي عبد اللَّه: تحفظ عن قتادة، عن أبي حسّان، عن ابن
عباس أن النبيّ وَّلو كان يزور البيت كل ليلة؟، فقال: كتبوه من كتب معاذ بن هشام، لم
يسمعوه، قلت: ههنا إنسان يزعم أنه سمعه من معاذ، فأنكر ذلك، قال: من هو؟
قلت: إبراهيم بن عرعرة، فتغيّر وجهه، ونفض يده، وقال: كذبٌ وزُورٌ، ما سمعوه
منه، قال فلان: كتبناه من كتابه، سبحان اللَّه، واستعظم ذلك. قال الخطيب: وقد
أخبرنا بالحديث المذكور عثمان بن محمد بن يوسف العلّاف، حدثنا أبو بكر الشافعيّ،
حدثنا إسماعيل القاضي، حدثنا علي بن المديني، قال: روى قتادة حديثًا غريبًا، لا
يُحفظ عن أحد من أصحاب قتادة إلا من حديث هشام، فنسخته من كتاب ابنه معاذ بن
هشام، وهو حاضرٌ، لم أسمعه منه، عن قتادة، وقال لي معاذ: هاته حتى أقرأه، قلت:

٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
دعه اليوم، قال: حدثنا أبو حسان، عن ابن عباس: ((أن النبيّ ◌َل# كان يزور البيت كل
ليلة، ما أقام بمنى)). قال: وما رأيت أحدًا واطأه عليه. قال عليّ بن المدينيّ: هكذا هو
في الكتاب .
قال الخطيب: وما الذي يمنع أن يكون إبراهيم بن محمد بن عرعرة سمع هذا
الحديث من معاذ مع سماعه منه غيره. وقال البغوي، وموسى بن هارون، ومطيّن:
مات سنة (٢٣١) زاد البغويّ، وموسى: في رمضان. انفرد به مسلم، والمصنّف، وله
عنده في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٣- (معاذ بن هشام) الدستوائيّ البصريّ، وقد سكن اليمن، صدوقٌ ربّما وَهِمَ
[٩]٣٤/٣٠ .
٤- (أبوه) هشام بن أبي عبد الله، واسم أبيه سَنْبَر- كجعفر- أبو بكر البصريّ
الدَّسْتَوائيّ، ثقة ثبتٌ، رُمي بالقدر، من كبار [٧]٣٤/٣٠.
٥- (قتادة) بن دعامة السدوسيّ، أبو الخطّاب البصريّ، ثقة ثبت، يدلّس [٤]٣٤/٣٠.
٦- (ابن المسيِّب) هو سعيد المخزوميّ، أبو محمد المدنيّ، ثقة ثبت فقيه، من
كبار [٣]٩/٩.
٧- (امرأة) من الصحابيّات رضي اللَّه تعالى عنهنّ، ولا يضرّ جهالتها؛ لكونهنّ
عدولاً. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سباعيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال
الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير شيخه، فبغدادي، وسعيد، فمدنيّ.
(ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه سعيد بن المسيب أحد الفقهاء السبعة،
وقد تقدّموا غير مرة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيَّبِ) التابعيّ الفقيه الجليل رحمه اللّه تعالى (أَنَّ امْرَأَةً) يحتمل أن
تكون المرأة التي دخلت على عائشة هي أم شريك رضي اللّه تعالى عنها، واسمها غزية
-بالمعجمتين مصغّرًا- وقيل: غُزيلة، يقال: هي عامرية، قرشية، ويقال: أنصارية،
ويقال دوسيّة .
فقد أخرج حديثها البخاريّ رحمه الله تعالى في ((صحيحه)) من طريق ابن جريج، عن
عبد الحميد بن جبير، عن سعيد بن المسيب، عن أم شريك رضي اللَّه تعالى عنها: أن

٧
٨٥- (قَتَلُ الْوَزَغ) - حديث رقم ٢٨٣٢
رسول اللَّه ◌َل﴿ه أمر بقتل الوزغ، وقال: ((كان ينفخ على إبراهيمَالسَّلامُ)). وفي رواية
بلفظ: ((أن النبيّ وَ ل أمرها بقتل الأوزاغ)). وفي رواية الإسماعيليّ، من طريق أبي
عاصم، عن ابن جريج، بلفظ: ((أنها استأمرت النبيّ وَّ في قتل الوزغات، فأمرها
بقتلهن)).
فعلى هذا فتكون السائلة هي عائشة رضي اللّه تعالى عنها.
ويحتمل أن تكون الداخلة هي سائبة مولاة الفاكه بن المغيرة، فقد أخرج حديثها
الإمام أحمد في ((مسنده))، وابن ماجه في ((سننه))، من طريق جرير بن حازم، عن نافع،
عن سائبة مولاة للفاكه بن المغيرة، أنها دخلت على عائشة، فرأت في بيتها رمحا
موضوعا، فقالت: يا أم المؤمنين ما تصنعين بهذا الرمح؟، قالت: نقتل به الأوزاغ، فإن
نبي الله وَ ل أخبرنا: ((أن إبراهيم عليه السلام، حين ألقي في النار، لم تكن دابة إلا
تطفئ النار عنه، غير الوزغ، فإنه كان ينفخ عليه، فأمر عليه الصلاة والسلام بقتله)).
وعلى هذا فتكون السائلة هي سائبة.
ويؤيد الاحتمال الأول أن عائشة رضي اللَّه تعالى عنها قالت: إنَّ النبيّ وَّ قال
للوزغ: ((الفويسق))، ولم أسمعه أمر بقتله. رواه البخاريّ.
فقد دلّ هذا الحديث على أنه لم تسمع عائشة عن النبيّ وَلّر الأمر بقلته.
ويؤيده أيضًا كون راوي حديث الباب، وحديث أم شريك هو سيعد بن المسيّب
رحمه الله تعالى.
وعلى هذا فقول عائشة رضي الله تعالى عنها في حديث نافع المذكور: ((فإن نبيّ اللّه
وَلير أخبرنا الخ)) محمول على التجوز، أي إنها سمعت ذلك من بعض الصحابة،
وأطلقت لفظ أخبرنا، مجازًا، أي أخبر الصحابة، كما قال ثابت البنانيّ: ((خطبنا
عمران))، وأراد أنه خطب أهل البصرة، وإلا فما في ((الصحيح)) أصح. أفاده الحافظ
رحمه اللّه تعالى(١) .
(دَخَلَتْ عَلَى عَائِشَةَ) أم المؤمنين رضي اللَّه تعالى عنها (وَبِيَدِهَا عُكَّازٌ) جملة في محلّ
نصب على الحال من الفاعل، على الاحتمال الأول، وهو الأرجح، أي والحال أن في
يد تلك المرأة عكاز، أو من المفعول، على الاحتمال الثاني، أي والحال أن في يد
عائشة رضي الله تعالى عنها عكّاز.
و((العكاز)) -بضم العين المهملة، وتشديد الكاف -: عصًا في أسفلها زُجّ، أي
حديدة، يتوكأ عليها الرجل، والجمع عَكَاكيز، وعُكّازات. قاله في ((اللسان)) (فَقَالَتْ)
(١) - ((فتح)) ٦/ ٥١٠ ((كتاب بدء الخلق)).

٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
عائشة رضي اللّه تعالى عنها لتلك المرأة، أو قالت هي لها (مَا هَذَا؟) العكاز، ولعل
سؤالها عنه أنه لم تجر للنساء عادة باتخاذه ، فاستغربت ذلك منها (فَقَالَتْ) تلك المرأة، أو
عائشة (لِهَذِهِ الْوَزَع) أي اتخذته لقتل هذه الوزغ، وأنثته لكونه جمعًا. قال في ((القاموس)):
الوزغة محرّكة: سامّ أبرص، سميت بذلك لخفتها، وسرعة حركتها، جمعه وَزَعٌ،
وأوزاغ، ووِزْغَان، ووِزَاغِ، وإِزْغَان انتهى.
وقال الفيّوميّ: الوزغ معروف، والأنثى وزغة، وقيل: الوزغ جمع وزغة، مثل قصبة
وقصب، فتقع الوزغة على الذكر والأنثى، والجمع أوزاغ، ووزْغَان - بالكسر،
والضمّ -، حكاه الأزهريّ، وقال: الوزغ سامّ أبرص انتهى.
وقال في ((الفتح)): وذكر بعض الحكماء أن الوزغ أصمّ، وأنه لا يدخل في مكان فيه
زعفران، وأنه يلقّح بفيه، وأنه يبيض، ويقال لكبارها: سامّ أبرص - بتشديد الميم- انتهى(١).
(لِأَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ وَ لَّهِ حَدَّثَنَا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ) أي من الدواب، كما تقدم في رواية
أحمد، وابن ماجه: ((أن إبراهيم لما ألقي في النار، لم يكن في الأرض دابّة، إلا أطفأت
عنه، إلا الوزغ، فإنها كانت تنفخ عليه، فأمر النبيّ وَّر بقتلها)).
(إِلَّا يُطْفِئُ عَلَى إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلام) أي يطفىء النار التي ألقي فيها إبراهيمعلَّلامُ
(إِلَّ هَذِهِ الدَّابَّةُ) يعني الوزع (فَأَمَرَنَا بِقَتْلِهَا) أي أمر بَّه بقتل الوزغ، مجازة لاعتدائها على
خليل الرحمنمالَلَمُ.
(وَنََّى) وََّ (عَنْ قَتْلِ الْجِنَّانِ) بكسر الجيم، وتشديد النون: هي الحيات التي تكون
في البيوت، واحدها جانّ، وهي الحية الصغيرة. وقيل: الرقيقة الخفيفة. وقيل:
الدقيقة البيضاء. قاله في ((الفتح))(٢).
وقال القرطبيّ رحمه اللّه تعالى: والجنّان -بتشديد النون -: جمع الجانّ. وهو أبو
الجانّ، هذا أصله، والجانّ في الحديث: هو حية بيضاء صغيرة دقيقة. هكذا ذكر
النَّقَلَة، والظاهر من الجنّان المذكور في الحديث أن المراد به الجانّ.
فإن قيل: فقد وصف اللّه تعالى الحية المنقلبة عن عصا موسى بأنها جان، وأنها ثعبان
عظیم.
فالجواب: أنه إنما كانت ثعبانا عظيمًا في الخلقة، ومثل الحيّة الصغيرة الدقيقة في
الخفة والسرعة، ألا ترى قوله تعالى: ﴿تَهْتَرُّ كَأَنَّهَا جَآَنٌّ ... ﴾ [النمل: ١٠] هكذا قال
أهل اللغة، وأرباب المعاني، وعلى الجملة، فأصل هذه البنية من (ج ن) للستر،
(١) - ((فتح)٧٨/ ٤٤ في ((كتاب أحاديث الأنبياء)).
(٢) - («فتح»٦ / ٥١١.

٩
٨٥- (قَتَلُ الْوَزَغ) - حديث رقم ٢٨٣٢
والتستر أينما وقعت، فتتبعها تجدها كذلك. ووبيصُ الجانّ وغيره، لمعانُهُ، وبريقُهُ. قال
عياض: وقيل: الجنّان ما لا يتعرّض للناس، والجنّل ما يتعرّض لهم، ويؤذيهم،
وأنشدوا:
تَنَازَعَ جِئَّانٌ وَجِنِّ وَجِئَّلُ
وعن ابن عباس، وابن عمر رضي الله تعالى عنهم: الجنّان مسخ الجنّ(١) كما
مسخت القردة من بني إسرائيل، وعوامر البيوت: هي ما يعمره من الجنّ، فيتمثّل في
صور الحيّات، وفي غيرها. انتهى (٢).
(إِلَّا ذَا الطَّفْيَتَيْنِ) تثنية طفية بضم الطاء المهملة، وسكون الفاء، أي صاحب الخطين
الأبيضين على ظهره. والطّفية في الأصل خوصة المقل، والطّفي خوص المقل، شبّه به
الخطّ الذي على ظهر الحيّة. وقال ابن عبد البرّ: يقال: إن ذا الطفيتين جنس من
الحيات، يكون على ظهره خطّان أبيضان (وَالْأَبْتَرَ) هو مقطوع الذنب، زاد النضر بن
شُميل أنه أزرق اللون، لا تنظر إليه حامل إلا ألقت. وقيل: الأبتر الحية القصيرة
الذنب. قال الداوديّ: هي الأفعى التي تكون قدر شبر، أو أكثر قليلاً. وقوله: ((والأبتر))
يقتضي التغاير بين ذي الطفيتين، والأبتر. ووقع في حديث أبي لبابة عند البخاريّ: ((لا
تقتلوا الحيات إلا كلّ أبتر ذي طفيتين))، وظاهره اتحادهما، لكن لا ينفي المغايرة. قاله
في ((الفتح))(٣).
(فَإِنَّهُمَا) الفاء تعليلية، أي لأنهما (يَطْمِسَانِ الْبَصَرَ) أي يمحوان نوره، ويخطفانه.
قال النوويّ رحمه الله تعالى: فيه تأويلان، ذكرهما الخطّابي، وآخرون:
أحدهما: معناه يخطفان البصر، ويطمسانه بمجرّد نظرهما إليه؛ لخاصة جعلها الله
تعالى في بصريهما، إذا وقع على بصر الإنسان، ويؤيّد هذا الرواية الأخرى في مسلم:
((يخطفان البصر))، والرواية الأخرى: ((يلتمعان البصر)).
والثاني: أنهما يقصدان البصر باللسع، والنهش، والأول أصحّ، وأشهر. قال
العلماء: وفي الحيات نوع يسمى الناظر إذا وقع نظره على عين إنسان مات من ساعته.
والله تعالى أعلم. انتهى(٤). (وَيُسْقِطَانِ مَا فِي بُطُونِ النِّسَاءِ») وفي رواية البخاريّ:
((ويستسقطان الحبل)) أي يسقطان بما في هما من الخاصيّة ما في بطون النساء الحوامل
(١) - هذا فيه نظر، لأنه ثبت أن الممسوخ لا يعيش، ولا نسل له.
(٢) - ((المفهم ٥٩/ ٥٣٤.
(٣) - («فتح» ٦/ ٥٠٣. ((كاب بدء الوحي)).
(٤) - ((شرح مسلم)) ١٤ / ٤٥٠.

١٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
من الأولاد. وقال النووي: معناه أن المرأة الحامل إذا نظرت إليهما، وخافت أسقطت
الحمل غالبًا. وقد ذكر مسلم في روايته عن الزهريّ، أنه قال: يُرى ذلك من سمّهما
(١)
.
انتھی
وقال القرطبيّ رحمه اللّه تعالى: وظاهر هذا أن هذين النوعين من الحيّات لهما من
الخاصية ما يكون عنهما ذلك، ولا يُستبعد هذا، فقد حكى أبو الفرج ابن الجوزيّ في
كتابه المسمى بـ((كشف المشكل لما في الصحيحين)) أن بعراق العجم أنواعًا من الحيات
يَهَلك الرائي لها بنفس رؤيتها، ومنها من يهلك بالمرور على طريقها، وذكر غير ذلك.
ولا يُلتفت إلى قول من قال: إن ذلك بالترويع؛ لأن ذلك الترويع ليس خاصا بهذين
النوعين، بل يعمّ جميع الحيّات، فتذهب خصوصيّة هذا النوع بهذا الاعتناء العظيم،
والتحذير الشديد. ثم إن صحّ هذا في طرح الحبل، فلا يصحّ في ذهاب البصر، فإن
الترويع لا يذهبه انتهى (٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث الباب هذا صحيح، وهو من أفراد المصنّف رحمه اللّه تعالى، أخرجه هنا -
٨٥/ ٢٨٣٢- وفي ((الكبرى))٣٨١٤/٨٤. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان مشروعية قتل الوزغ
للمحرم، ووجه دلالته عليه، أنه والر لم يستثن المحرم من غيره حين أمر بقتله، فدلّ
على أن قتله جائز للمحرم.
(ومنها): بيان سبب الأمر بقتل الوزغ، وهو أنه كان يوقد النار على النبيّ إبراهيم
لَلدُ، فجوزي بمشروعية قتله.
وقد ورد الفضل لمن قتل الوزغة، فقد أخرج مسلم في ((صحيحه)) من حديث أبي
هريرة ◌َّه، قال: قال رسول اللّه وَّه: ((من قتل وزغة في أول ضربة، فله كذا وكذا
حسنة، ومن قتلها في الضربة الثانية، فله كذا وكذا حسنة، لدون الأولى، وإن قتلها في
الضربة الثالثة، فله كذا وكذا حسنة، لدون الثانية)). وفي رواية: ((من قتل وزغًا في أول
(١) - ((شرح مسلم)) ١٤ / ٤٤٩ - ٤٥٠.
(٢) - ((المفهم)) ٥٣٣/٥ - ٥٣٤.

١١
٨٥- (قَتَلُ الْوَزَغ) - حديث رقم ٢٨٣٢
ضربة، كُتبت له مائة حسنة، وفي الثانية دون ذلك، وفي الثالثة دون ذلك)). وفي رواية:
أنه قال: ((في أول ضربة سبعين حسنة)).
١
(ومنها): أن من الحيات ما جعله اللَّه تعالى سببًا لإلحاق الضرر بالإنسان بمجرد
النظر إليه، وهذا سرّ استأثر اللَّه تعالى بحكمته، ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِنْ بَعْدٌ﴾
[الروم : ٤].
(ومنها): النهي عن قتل الحيات التي تكون في البيوت، وقد ورد ورد الأمر
بالإنذار، ففي ((صحيح مسلم)) من حديث أبي سعيد الخدريّ ◌َوتيه، مرفوعًا: ((إن
لهذه البيوت عوامر، فإذا رأيتم منها شيئًا، فحرّجوا عليه ثلاثًا، فإن ذهب، وإلا فاقتلوه،
فإنه كافر)). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في حكم قتل الحيّات:
اختلفوا في هذه المسألة على أقوال، جمعها الحافظ أبو عمر ابن عبد البرّ رحمه اللَّه
تعالى في كتابه «التمهيد»:
(أحدها): قتلهنّ مطلقًا في البيوت، والصحارى بالمدينة، وغيرها على أيّ صفة
كنّ، وتمسّك هؤلاء بالعمومات في قتهلنّ، مع الترغيب في ذلك، والتحذير من
تر که.
(ثانيها): قتلهنّ إلا ما كان في البيوت بالمدينة خاصّة، دون غيرها، علي أيّ صفة
كنّ، فلا يُقتلن إلا بعد الإنذار ثلاثًا. وبهذا قال ابن نافع، والمازريّ، والقاضي عياض،
وغيرهم. وتمسّك هؤلاء بحديث أبي سعيد الخدريّ رَّه أنه قال ◌َله: ((إن بالمدينة
جنًّا قد أسلموا، فإذا رأيتم منها شيئًا، فأذنوه ثلاثة أيام، فإن بدا لكم بعد ذلك، فاقتلوه،
فإنما هو شيطان)). رواه مسلم في ((صحيحه)).
وقال ابن عبد البرّ في حديث سهل بن سعد رَّه، مرفوعًا: ((إن لهذه البيوت
عوامر، فإذا رأيتم منها شيئًا، فتعوّذوا منه، فإن عاد، فاقتلوه)). وهذا يحتمل أن
يكون أشار به إلى بيوت المدينة، وهو الأظهر، ويحتمل أن يكون إلى جنس
البيوت .
(ثالثها): استثناء ذوات البيوت، سواء كنّ بالمدينة، أو غيرها، إلا بعد الإنذار، وهو
محكيّ عن الإمام مالك رحمه الله تعالى، وصاحبه عبد الله بن وهب. وحكي عن مالك
أيضًا أنه يقتل ما وجد منها في المساجد، واستدلّ هؤلاء بما في ((سنن أبي داود)) عن
عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبيه: أن رسول اللَّه ◌َ ليوسئل عن حيّات البيوت؟، فقال:
((إذا رأيتم منهنّ شيئًا في مساكنكم، فقولوا: أنشدكنّ العهد الذي أخذه عليكنّ نوح،

==
١٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
أنشدكنّ العهد الذي أخذه عليكنّ سليمان أن تؤذونا، فإن عُدن، فاقتلوهزّ))(١).
فلم يخصّ في هذا الحديث بيوت المدينة من غيرها، قال: ابن عبد البرّ، وهو عندي
محتمل للتأويل، والأظهر فيه العموم.
وقال أبو العبّاس القرطبيّ: إن هذا القول، وهو عدم التخصيص بذوات البيوت
في المدينة، هو الأولى لعموم نهيه عن قتل الحيّات في البيوت، ولقوله بَله:
((خمس فواسق، يُقتلن في الحلّ والحرم)). وذكر فيهن الحية، ولأنّا قد علمنا قطعًا
أن رسول اللَّه ◌َ لّل رسول إلى الجنّ والإنس، وأنه بلغ الرسالة إلى النوعين، وأنه
قد آمن به خلق كثير من النوعين بحيث لا يحصرهم بلد، ولا يحيط بهم عدد،
والعجب من ابن نافع كأنه لم يسمع قوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِ
يَسْتَمِعُونَ الْقُرْءَانَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُواْ أَنْصِتُواْ فَلَمَّا قُضِىَ وَلَّوْاْ إِلَى قَوْمِهِم مُنذِرِينَ﴾
[الأحقاف: ٢٩]، ولا قوله بَ له: ((إن وفد جنّ نصيبين أتوني، ونعم الجنّ هو
فسألوني الزاد ... )) الحديث، فهذه نصوص في أن من جنّ غير المدينة من أسلم،
فلا يقتل شيء منها، حتى يحرّج عليه، كما تقدّم.
(رابعها): استثناء ذوات البيوت مطلقًا، فلا يقتلن، ولا بعد الإنذار، وهو ظاهر قوله
في حديث أبي لبابة أنه نهى عن ذوات البيوت، ولم يذكر إنذارهنّ.
(خامسها): استثناء ذوات البيوت، فلا يقتلن إلا ذا الطفيتين والأبتر، فهما يُقتلان
بالمدينة، وغيرها بلا إنذار، ويدلّ لهذا حديث ابن عمر عن أبي لبابة أن النبيّ وَلَّه
قال: ((لاتقتلوا الحيّات إلا كلّ أبتر ذي طفيتين))، وهو في ((صحيح البخاريّ)). وفي
((سنن أبي داود)) من طرق، عن نافع، عن أبي لبابة أن رسول اللَّه وَ ل نهى عن قتل
الحيّات التي تكون في البيوت، إلا أن يكون ذا الطفيتين، والأبتر، فإنهما يخطفان
البصر، ويطرحان ما في بطون النساء))(٢).
قال ابن عبد البرّ: أجمع العلماء على جواز قتل حيّات الصحارى صغارًا كنّ، أو
كبارًا، أيّ نوع كنّ من الحيّات، قال: وترتيب هذه الأحاديث، وتهذيبها باستعمال
حديث أبي لبابة، والاعتماد عليه، فإن فيه بيانًا لنسخ قتل حيّات البيوت، وأن ذلك كان
بعد الأمر بقتلها جملة، وفيه استثناء ذي الطفيتين والأبتر، فهو حديث مفسّر، لا إشكال
فيه لمن فهم، وعلم فهو الصواب في هذا الباب، وعليه يصحّ ترتيب الآثار فيه.
(سادسها): روى أبو داود في ((سننه)) عن عبد اللّه تَظميثي أنه قال: اقتلوا الحيّات كلها إلا
(١) حديث ضعيف، أخرجه أبو دواد برقم ٥٢٦٠.
(٢) - حديث صحيح أخرجه أبو داود برقم ٥٢٥٣ .

١٣
٨٦- (قتلُ العَقْرَب) - حديث رقم ٢٨٣٣
الجنان الأبيض الذي كأنه قضيب فضّة. قال ابن عبد البرّ: وهذا قول غريب حسن(١).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: تبيّن بما ذُكر أن الأرجح قتل جميع أنواع الحيات، غير
ذوات البيوت، فإنها لا تقتل، إلا بعد الإنذار ثلاثًا، إلا ذا الطفيتين، والأبتر منها، فإنهما
يُقتلان بلا إنذار، وبهذا تجتمع الأحاديث في هذا الباب، كما أشار إليه أبو عمر،
والقرطبيّ رحمهما الله تعالى في كلامهما السابق. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
٨٦- (قَتْلُ الْعَقْرَب)
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: ((العقرب)): واحدة العقارب، من الهوام، يكون
للذكر والأنثى بلفظ واحد، والغالب عليه التأنيث، وقد يقال للأنثى: عقربة، وعقرباء،
ممدود، غير مصروف، والعُقْرُبانُ، والعُقْرُبَّانُ: الذكر منها. قاله في ((اللسان)).
وقال الفيّوميّ: ((العقرب)): تطلق على الذكر والأنثى، فإذا أريد تأكيد التذكير قيل:
عُقْرُبانٌ، بضمّ العين، والراء. وقيل: لا يقال: إلا عقربٌ للذكر والأنثى. وقال
الأزهريّ: العقرب يقال للذكر والأنثى، والغالب عليها التأنيث، ويقال للذكر: عُقْرُبانٌ،
وربما قيل: عَقْرَبة بالهاء للأنثى، قال الشاعر:
كَأَنَّ مَزْعَى (٢) أُمُكُمْ إِذْ غَدَتْ عَقْرَبَةٌ يَكُومُهَا(٣) عُقْرُبَانُ
فجمع بين اسم الذكر الخاصّ، وأنّث المؤنثة بالهاء. وأرض مُعقرِبٌ اسم فاعل:
ذات عقارب، كما يقال: مُثَعْلِيةٌ، ومُضَفْدِعَةٌ، ونحو ذلك. انتهى. والله تعالى أعلم
بالصواب.
٢٨٣٣- أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، أَبُو قُدَامَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَخْتِى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ،
قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيِّ نَ، قَالَ: ((خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابٌ، لَا جُنَاحَ
عَلَى مَنْ قَتَلَّهُنَّ))، أَوْ ((فِي قَتْلِهِنَّ، وَهُوَ حَرَامٌ، الْحِدَأَةُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ،
وَالْعَقْرَبُ، وَالْغُرَابُ))) .
(١) - ((طرح التثريب)) ١٢٨/٨ - ١٢٩
(٢) ((مَرْعَى)): اسم أمهم.
(٣) أي يَنِکحُهَا .

١٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وقد تقدّموا
غير مرّة. و((يحيى)): هو القطان. و((عبيدالله)): هو ابن عمر العمريّ المدنيّ الفقيه
الحجة الثبت. والحديث متّفقٌ عليه، وشرحه، ومسائله تقدّمت قريبًا. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)).
٨٧- (قَتْلُ الْحِدَأَةِ)
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((الْحِدَة)» -بكسر أوله-، ولا يقال: حِدَاءَةٌ، والجمع
حِدَأْ -مكسور الأول، مهموز، مثل حِبَرَة وحِبَر، وعِنَبَة وعِنَب: طائر يطير، يصيد
الْجِزْذان. وقال بعضهم: إنه يصيد على عهد سليمان على نبينا، وعليه الصلاة والسلام،
وكان من أصيد الجوارح، فانقطع عنه الصيد لدعوة سليمانعالَلا. أفاده في ((اللسان)).
وقال الفيّوميّ: والْحِدَأة مهموزٌ، مثل عنبة: طائر خبيث، والجمع بحذف الهاء، وحِدَّانٌ
أيضًا، مثلُ غِزْلَان. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب.
٢٨٣٤- أَخْبَرَنَا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَةَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا(١) أَيُّوبُ، عَنْ
نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا نَقْتُلُ مِنَ الدَّوَابُ، إِذَا أَخْرَمْنَا؟،
قَالَ: ((خَمْسٌ لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ قَتَلَهُنَّ: الْحِدَأَةُ، وَالْغُرَابُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْعَقْرَبُ، وَالْكَلْبُ
الْعَقُورُ)) .
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم
تقدّموا غير مرّة. و((زياد بن أيوب)): هو الحافظ المعروف بدلّويه. و((أيوب)): هو
السختياني. و((نافع)): هو مولى ابن عمر. والحديث متّفقٌ عليه وقد سبق شرحه،
وتخريجه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)) .
(١) - وفي نسخة: ((أخبرنا)).

١٥
٨٨- (قَتَلُ الغُراب) - حديث رقم ٢٨٣٥
٨٨- (قَتْلُ الْغُرَاب)
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((الغُرَابِ)): الطائر الأسود، والجمع أَغْربة، وأَغرُب،
وغِرْبانٌ، وغُرُبٌ، قال:
وَأَنْتُمْ خِفَافٌ مِثْلُ أَجْنِحَةِ الْغُرُبْ
وَغَرَابينُ جمعُ الجمعِ. والعرب تقول: فلا أبصرُ من غراب، وأحذرُ من غراب،
وأزهى من غراب، وأصفى عيشًا من غراب، وأشدّ سوادًا من غراب، وإذا نعتوا أرضًا
بالخِضْب، قالوا: وقع في أرض لا يطير غرابها، ويقولون: وجد تمرة الغراب؛ وذلك
أنه يتبع أجود التمر، فينتقيه، ويقولون: أشأم من غراب، وأفسق من غراب، ويقولون:
طار غراب فلان: إذا شاب رأسه. قاله في ((اللسان)). والله تعالى أعلم بالصواب.
٢٨٣٥- أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ
سَعِيدٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ بَّهِ، سُئِلَ مَا يَقْتُلُ الْمُخْرِمُ؟، قَالَ: ((يَقْتُلُ
الْعَقْرَبَ، وَالْقُوَنَّسِقَةَ، وَالْحِدَأَّةَ، وَالْغُرَابَ، وَالْكَلْبَ الْعَقُورَ))) .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح. و(يحيى بن
سعيد)» هنا هو الأنصاريّ.
وقوله: ((الفويسقة)): تصغير فاسقة، والمراد بها الفأرة، سميت بها لخروجها من
جحرها على الناس، وإفسادها عليهم.
وقد جاء في ((الصحيحين)) تسمية الخمس بالفواسق: ((ولفظه: ((خمس فواسق يقتلن
في الحرم ... )). قال النووي: هو بإضافة ((خمس))، لا بتنوينه، وذكر فيه ابن دقيق
العيد في ((شرح العمدة)) الوجهين، واستدلّ على التنوين بقوله في حديث عائشة رضي
الله تعالى عنها في رواية أخرى في ((الصحيح)): ((خمس من الدواب كلهنّ فواسق))،
وقال: إن رواية الإضافة ربما تشعر بالتخصيص، ومخالفة حكم غيرها لها بطريق
المفهوم، ورواية التنوين تقتضي وصف الخمس بالفسق من جهة المعنى، وقد تشعر بأن
الحكم المرتّب على ذلك، وهو القتل معلل بما جعل وصفًا، وهو الفسق، فيقتضي
ذلك التعميم لكلّ فاسق من الدواب، وهو ضدّ ما اقتضاه الأول من المفهوم، وهو
التخصیص انتهى.
قال النووي: وأما تسمية هذه المذكورات فواسق، فصحيحة جارية على وفق اللغة،
وأصل الفسق في كلام العرب الخروج، وسمي الرجل الفاسق لخروجه عن أمر الله

١٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
تعالى، وطاعته، فسميت هذه فواسق لخروجها بالإيذاء، والإفساد عن طريق معظم
الدوابّ. وقيل: لخروجها عن حكم الحيوان في تحريم قتله في الحرم والإحرام.
وقيل: فيها أقوال أخر ضعيفة، لا نرتضيها انتهى (١) .
والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدم البحث فيه مستوفى. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٨٣٥ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْمُقْرِئُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ
الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِهِ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ وَّهِ: ((خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابُ، لَا جُنَاحَ فِي
قَتْلِهِنَّ، عَلَى مَنْ قَتَّلَهُنَّ فِي الْحَرَمِ، وَالْإِخْرَامِ، الْفَأْرَةُ، وَالْحِدَأَةُ، وَالْغُرَابُ، وَالْعَقْرَبُ،
وَالْكَّلْبُ الْعَقُورُ))) .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه
((محمد بن عبد الله بن يزيد المقرىء))، أبي يحيى المكيّ، ثقة [١٠]١١/١١، فإنه من
أفراده هو، وابن ماجه. و((سفيان)): هو ابن عيينة.
وقوله: ((في الحرم، والإحرام)) وهكذا في ((صحيح مسلم))، وبيّن مسلم رحمه الله
تعالى أن لفظ شيخيه الراويين عن سفيان بن عيينة اختلف عليه، فقال أحدهما، وهو ابن
أبي عمر: ((الْحَرَم)) أي بفتح الحاء، والراء، وقال الآخر، وهو زُهير بن حرب: ((الْحُرُم))
بضم الحاء، والراء، أي في المواضع الحُرُم، جمع حَرَام، كما قال: ﴿وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾، كذا
بيّن القاضي في ((المشارق)) الضبطين، فقال: وفي رواية: ((في الْحَرَم، والإحرام)) أي
في حرم مكة، وجاء في رواية زهير: ((في الْحُرُم، والإحرام))، أي في المواضع الْحُرُم،
جمع حرام، كما قال: ﴿وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ انتهى(٢). والحديث متفقٌ عليه، كما سبق بيانه.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
٨٩- (مَا لَا يَقْتُلُهُ الْمُخْرِمُ)
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: ((ما)) اسم موصول: أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ
(١) - ((شرح مسلم))٣٥٣/٨.
(٢) - ((طرح التثريب ٧٠/٥٨ - ٧١ .

١٧
٨٩- (ما لا يقتلُهُ المُخرِم) - حديث رقم ٢٨٣٧
على الحيوان الذي لا يحلّ للمحرم أن يقتله. والله تعالى أعلم بالصواب.
٢٨٣٧ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ جُرَیْجِ، عَنْ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنِ ابْنٍ أَبِي عَمَّارٍ، قَالَ: سَأَلْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ
الضَّبُع؟، فَأَمَرَنِي بِأَكْلِهَا، قُلَّتُ: أَصَيْدَ هِيَ؟، قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: أَسَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ
﴿ ﴿،َ قَالَ: نَعَمْ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١- (محمد بن منصور) الجوّاز المكيّ، ثقة [١٠]٢٢/٢١.
٢- (سفيان) بن عيينة الإمام المكيّ الحجة الثبت [٨]١/١.
٣- (ابن جريج) هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج الأمويّ مولاهم المكيّ، ثقة
فقيه فاضل، يدلّ، ويُرسل [٦]٣٢/٢٨.
٤- (عبد الله بن عُبيد بن عُمير) - بتصغير الاسمين- بن قتادة بن سعد بن عامر بن
جُندع بن ليث الليثيّ، ثم الجندعيّ، أبو هاشم المكيّ، ثقة [٣].
قال أبو زرعة: ثقة. وقال أبو حاتم: ثقة يحتجّ به. وقال النسائيّ: ليس به بأس.
وقال داود العطار: كان من أفصح أهل مكة. وقال محمد بن عمر: كان ثقة صالحًا، له
أحاديث. وقال العجليّ: تابعيّ مكيّ ثقة. وقال أبو داود: لم يرو عنه شعبة. قال:
عندي في الصلاة على الجنائز بضعة عشر بابًا. وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال:
كان مستجاب الدعوة. وقال ابن حزم في ((المحلّى)): لم يسمع من عائشة. وقال
البخاريّ في «التاريخ الأوسط»: لم يسمع من أبيه شيئًا، ولا يذكره. قال عمرو بن
عليّ: مات سنة (١١٣) وقال إسحاق القراب: قتل بالشام في الغزو سنة (١١٣). روى
له الجماعة، سوى البخاريّ، وله عند المصنف في هذا الكتاب خمسة أحاديث برقم
٢٨٣٧ و٢٩١٩ و٣٢٢٩ و٣٤٦٥ و٤٣٢٣ .
٥- (ابن أبي عمار) هو عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عمار المكيّ، حليف بني
جُمَح الملقّب بالقَس؛ لعبادته، ثقة عابد [٣]١٤٣٣/١.
٦- (جابر بن عبد الله) بن عمرو بن حرام الأنصاريّ السَّلَميّ الصحابيّ ابن الصحابيّ
رضي اللَّه تعالى عنهما٣٥/٣١. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالمكيين. (ومنها):
أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ: عبد الله بن عبيد، عن ابن أبي عمّار، وهو من رواية

= ١٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
الأقران. (ومنها): أن فيه جابرًا رضي اللَّه تعالى عنه من المكثرين السبعة، روى
(١٥٤٠) حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ) عبد الرحمن بن عبد اللَّه (ابْنِ أَبِي عَمَّارٍ) الجمحي مولاهم المكيّ، أنه (قَالَ:
سَأَلْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ) رضي اللَّه تعالى عنهما (عَنِ الضَّبُع؟) أي عن حكم أكلها.
و((الضبع)): بفتح الضاد المعجمة، وضم الموحدة، في لغة قيس، وبسكونها في لغة
تميم، وهي أنثى، وتختصّ بالأنثى. وقيل: تقع على الذكر والأنثى، وربما قيل في
الأنثى: ضَبْعة بالهاء، كما قيل: سَبُعٌ، وسبعة بالسكون مع الهاء للتخفيف، والذكر
ضِبْعان، والجمع ضباعين، مثل سِرْحانٍ وسراحين، ويجمع الضبع بضم الباء على
ضِبَاع، وبسكونها على أضبُع. قاله الفيّوميّ.
وقال الدميريّ: ومن عجيب أمرها أنها كالأرنب تكون سنة ذكرًا، وسنة أنثى، فتلقّح
في حال الذكورة، وتلد في حال الأنوثة، وهي مولعة بنبش القبور؛ لكثرة شهوتها للحوم
بني آدم، ومتى رأت إنسانًا نائمًا، حفرت تحت رأسه، وأخذت بحلقه فتقتله، وتشرب
دمه انتهى .
(فَأَمَرَنِي) أي أمرني جابر رَّه أمر إباحة وترخيص (بِأكْلِهَا) فيه أن أكل الضبع
حلال، وإليه ذهب الشافعيّ، وأحمد، قال الشافعيّ: ما زال الناس يأكلونها، ويبيعونها
بين الصفا والمروة، من غير نكير، ولأن العرب تستطيبه، وتمدحه، وهذا الراجح؛
لحديث الباب.
وذهب مالك، وأبو حنيفة إلى تحريمه، واستدلّ لھم بما صحّ من تحریم کل ذي ناب
من السباع، وبما رواه الترمذيّ من حديث خزيمة بن جزء رَمي ، قال: سألت رسول
اللّه وَله عن أكل الضبع؟ قال: ((أو يأكل الضبع أحد؟ ... )) الحديث.
وأجيب عن الأول بأن حديث جابر خاصّ، وحديث تحريم كل ذي ناب عامّ، فيقدم
الخاصّ عليه. وعن الثاني بأنه ضعيف، لا يصلح للاحتجاج به؛ لأن في سنده
عبد الكريم بن أبي المخارق، متفق على ضعفه. وسيأتي تمام البحث في ذلك في
(كتاب الصيد والذبائح)) -٤٣٢٤/٢٧ - إن شاء الله تعالى.
(قُلْتُ: أَصَيْدٌ هِيَ؟) أي أفي قتلها جزاء، فليس مراده أن يعرف كونها من الحيوان
المتوحش، فإن هذا أمر لا يخفى على مثله، وإنما المراد أن يعلم حكم قتلها في الإحرام،
هل يوجب الجزاء الذي أوجبه تعالى، بقوله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ
قَتَلَهُ مِنْكُم مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَثَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ الآية [المائدة: ٩٥].

١٩
٨٩- (ما لا يقتلُهُ المُخرم) - حديث رقم ٢٨٣٧
زاد في رواية أبي داود، وغيره: ((ويُجعَلُ فيه كبشٌ إذا صاده المحرم)» (قَالَ) جابر
رضي اللّه تعالى عنه (نَعَمْ) أي هي من الصيد الذي أوجب تعالى بقتله الجزاء (قُلْتُ:
أَسَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ بِّهِ؟ قَالَ: نَعَمْ) يعني أن جواز أكله، وكونه صيدًا يوجب الجزاء
بقتله سمعه جابر رَّ عن النبيّ وَّل.
ففي رواية أبي داود من طريق جرير بن حازم، عن عبد الله بن عبيد، عن
عبد الرحمن بن أبي عمار، عن جابر بن عبد الله، قال: سألت رسول اللّه وَل عن
الضبع؟، فقال: ((هو صيد، ويُجعَلُ فيه كبشٌ إذا صاده المحرم)).
وفي رواية الدارقطنيّ، والحاكم، من طريق إبراهيم الصائغ، عن عطاء، عن جابر
رَعليه، قال: قال رسول اللّه وَ لّ: («الضبع صيد، فإذا أصابه المحرم، ففيه كبش مُسِنّ،
ويؤكل)). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه
التكلان .
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث جابر رضي اللَّه تعالى عنه هذا صحيح.
[تنبيه]: هذا الحديث روي مرفوعًا، وموقوفًا، والمرفوع أصح. قال الحافظ في
((التلخيص الحبير)): قال الترمذيّ: سألت عنه البخاريّ، فصححه، وكذا صححه
عبد الحقّ، وقد أعلّ بالوقف. وقال البيهقيّ: هو حديث جيّد، تقوم به الحجة. ورواه
البيهقيّ من طريق الأجلح، عن أبي الزبير، عن جابر، عن عمر تَّه، قال: لا أراه
إلا قد رفعه أنه حكم في الضبع بكبش ... الحديث. ورواه الشافعيّ، عن مالك، عن
أبي الزبير به موقوفًا. وصحح وقفه من هذا الوجه الدار قطنيّ. ورواه الدارقطنيّ،
والحاكم من طريق إبراهيم الصائغ، عن عطاء، عن جابر، مرفوعًا، وقد تقدم لفظه.
وفي الباب عن ابن عباس، رواه الدارقطنيّ، والبيهقيّ، من طريق عمرو بن أبي
عمرو، عن عكرمة، عنه، وقد أعلّ بالإرسال. ورواه الشافعيّ من طريق ابن جريج،
عن عكرمة مرسلاً، وقال: لا يثبت مثله لو انفرد، ثم أكده بحديث ابن أبي عمار. وقال
البيهقيّ: روي موقوفًا عن ابن عباس أيضًا انتهى كلام الحافظ (١).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: الحاصل أن الحديث، وإن روي موقوفًا، لكن رفعه
أرجح، فلا يُعَلّ بالوقف. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(١) - ((التلخيص الحبير)) ٥٢٩/٢ - ٥٢٣٠ . النسخة الجديدة.

٢٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٢٨٣٧/٨٩ وفي ((الصيد والذبائح)) ٤٣٢٣- وفي ((الكبرى))٨٨٪
٤٨٣٥/٣٨١٩٢٩. وأخرجه (د) في ((الأطعمة))٣٨٠١ (ت) في ((الحج)»٨٥١ وفي
(الأطعمة))١٧٩١ (ق) في ((المناسك))٣٠٨٥ وفي ((الصيد)»٣٢٣٦ (أحمد) في باقي
(مسند المكثرين)) ١٣٧٥١ و١٤٠١٦ و١٤٠٤٠ (الدارمي) في ((المناسك))١٩٤١. والله
تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان بعض ما لا يجوز للمحرم
قتله. (ومنها): أن الضبع صيد يجب بقتل المحرم إياه الجزاء، وقد سبق في الحديث أنه
الكبش. (ومنها): أن فيه جوازَ أكلِ الضبع، فهي من الطيبات التي أحلها اللّه تعالى لعباده،
وبهذا قال الشافعيّ، وأحمد رحمهما الله تعالى، وهو الحقّ، وخالف فيه مالك، وأبو
حنيفة، فلم يجيزا أكلها. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في المحرم إذا قتل صيدًا، ضبعًا، أو
غيره :
ذهب الأئمة الثلاثة: مالك، والشافعيّ، وأحمد إلى أن الواجب فيه النظير، ففي
الضبع الكبش، ومنهم من قال: شاة.
وذهب الحنفيّة إلى أن الواجب هو القيمة، وذلك أن يُقَوَّم الصيد في المكان الذي
قُتل فيه، أو في أقرب المواضع، يقومه عدلان، ثم هو مخير في الفداء بين أن يشتري به
هديًا، أو يشتري به طعاما يتصدق به، وإن شاء صام.
قال العلامة ابن قدامة رحمه اللّه تعالى: إن جزاء ما كان دابة من الصيد نظيرُه من
النعم، هذا قول أكثر أهل العلم، منهم الشافعيّ. وقال أبو حنيفة: الواجب القيمة،
ويجوز صرفها في المثل؛ لأن الصيد ليس بمثليّ.
ولنا قول اللَّه تعالى: ﴿فَجَزَآءٌ مِثْلُ مَا قَثَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ الآية [المائدة: ٩٥] وجعل النبيّ
وَسير في الضبع كبشًا، وأجمع الصحابة على إيجاب المثل. وقال عمر، وعثمان، وعليّ،
وزيد بن ثابت، وابن عباس، ومعاوية ** في النعامة بدنة. وحكم عمر في حمار
الوحش ببقرة. وحكم عمر، وعليّ في الظبي بشاة. وإذا حكموا بذلك في الأزمنة
المختلفة، والبلدان المتفرقة دلّ ذلك على أنه ليس على وجه القيمة، ولأنه لو كان على
وجه القيمة لاعتبروا صفة المتلف التي تختلف بها القيمة، إما برؤية، أو إخبار، ولم يُنقَل
منهم السؤال عن ذلك حال الحكم، إذا ثبت هذا فليس المراد حقيقة المماثلة، فإنها لا