Indexed OCR Text
Pages 61-80
٦١ E ٢٩- (الجُبةُ فِي الإِخرام) - حديث رقم ٢٦٦٨ (ومنها): أن من أصابه طيب في إحرامه، ناسيًا، أو جاهلا، ثم علم، فبادر إلى إزالته، فلا كفّارة عليه، وهو المذهب الراجح. وسيأتي أيضًا بيان الخلاف في ذلك في المسألة الخامسة، إن شاء اللّه تعالى. (ومنها): أن من أحرم وهو لابس مخيطًا، كالجبة، والقميص، جهلًا، أو نسيانًا لزمه نزعه، وليس عليه تمزيقه، ولا شقّه، وأنه إذا نزعه من رأسه لا يلزمه دم، وعليه الجمهور، وهو الحقّ، وسيأتي بيان الخلاف في المسألة التالية، إن شاء اللّه تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف العلماء فيمن أحرم، وعليه جبّة، أو قيمص، هل ينزعه، أو يشقّه؟: ذهب الجمهور من فقهاء الأمصار إلى أنه ينزعه، ولا يشقّه. وهو قول عطاء، وطاوس، وبه قال مالك، وأصحابه، والشافعيّ، وأصحابه، وأبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد، والثوريّ، وسائر فقهاء الأمصار، أصحاب الرأي والآثار. وذهبت طائفة إلى أنه لا ينبغي أن ينزعه كما ينزع الحلال، بل يشقّه؛ لأنه إذا فعل ذلك غطى رأسه، وذلك لا يجوز. وممن قال بذلك الحسن، والشعبيّ، والنخعيّ، وأبو قلابة، وسعيد بن جبير، على اختلاف عنه. وروي عن عليّ نحوه. قال الحافظ أبو عمر رحمه الله تعالى(١): وحجّتهم ما رواه عبد الرزاق، عن داود بن قيس، عن عبد الرحمن بن عطاء بن أبي لَبِيبة، أنه سمع ابني جابر بن عبد الله، يحدّثان عن أبيهما تَّ، قال: بينما النبيّ وَطّ جالس مع أصحابه شقّ قميصه، حتى خرج منه، فقيل له؟، فقال: ((واعدتهم يقلّدون هديي اليوم، فنسيت)). ورواه أسد بن موسى، عن حاتم بن إسماعيل، عن عبد الرحمن بن عطاء بن عبد الملك، عن جابر بن عبد الله، عن النبي وَل غيره وزاد: ((فلبست قميصي، ونسيت، فلم أكن لأخرج قميصي من رأسي)). وكان بعث ببدنه، وأقام بالمدينة. واحتجّ الجمهور بحديث يعلى بن أميّة رضي اللّه تعالى عنه المذكور في الباب. قال أبو عمر: ولا خلاف بين أهل الحديث أنه حديث صحيح، وحديث جابر الذي يرويه عبد الرحمن بن عطاء ضعيفٌ لا يُحتجّ به. وهو مردود أيضًا بحديث عائشة رضي الله تعالى عنها، أنها قالت: ((كنت أفتل قلائد هدي رسول اللّه ◌َّر، ثم يقلّده، ويبعث به، (١) -راجع ((الاستذكار)) ٦٦/١١ -٦٨. - = ٦٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ ولا يحرم عليه شيء، أحلّه اللَّه له، حتى ينحر الهدي)). متفق عليه(١). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن الصواب ما قاله الجمهور، من أن من أحرم جاهلًا، أو ناسيا بقيمص، أو جبة، أو نحوهما عليه نزعه، نزعًا معتادًا، ولا يشقّه، ولا يخرقه؛ لحديث يعلى رضي اللّه تعالى عنه هذا، وأما ما احتجّ به المخالفون فمما لا يُلتفت إليه؛ لعدم صحته. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اخلاف العلماء في لزوم الفدية من لبس ناسيًا أو جاهلًا: ذهب الأئمة: عطاء، والثوريّ، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وداود، رحمهم الله تعالى إلى أن من لبس في إحرامه ما ليس له لبسه، كالقميص، والجبة، والقباء، ونحوها جاهلًا، أو ناسيًا، فبادر إلى نزعه، لا فدية عليه. وذهب الإمام أبو حنيفة، والمزنيّ في رواية عنه إلى أنه يلزمه إذا غطّى رأسه متعمّدًا، أو ناسيًا يومًا إلى الليل، فإن كان أقلّ من ذلك، فعليه صدقة يتصدّق بها. وذهب الإمام مالك إلى الفرق بين من بادر، فنزع، فلم يوجب عليه الفدية، وبين من تمادى وطال لبسه، فأوجبها عليه(٢). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: ما ذهب إليه الأولون هو الأرجح عندي؛ لحديث يعلى رضي اللَّه تعالى عنه المذكور في الباب، حيث لم يأمره النبيّ وَّر بالفدية، ولو كانت الفدية لازمة له لبيّنها له النبيّ وَلهير، لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب». ٣٠- (النَّهْيُ عَنْ لُبْسِ الْقَمِيص لِلْمُخرِم) ٢٦٦٩ - أَخْبَرَنَا قُتَنِبَةُ، عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ (١) - سيأتي للمصنف برقم ٢٧٩٣/٧٢. (٢) -ذكر هذا الأقوال العينيّ في ((عمدة القاري))، ونقلته بتصرّف، راجعه ٤٢٢/٧ . طبعة شركة ومكتبة مطفى الباب الحلبيّ. ٣١- (النَّهْيُ عَنْ لُبْسِ السَّرَاوِيل فِي الإِخرام) - حديث رقم ٢٦٧٠ ٦٣ اللّهِ وَهِ، مَا يَلْبَسُ الْمُخْرِمُ مِنَ الثَّابِ؟، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ: ((لَا تَلْبَسُوا(١) الْقُمُصَ، وَلَا الْعَمَائِمَ، وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ، وَلَا الْبَرَانِسَ، وَلَا الْخِفَافَ، إِلَّا أَحَدٌ لَا يَجِدُ نَعْلَيْنٍ، فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنٍ، وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ، وَلَا تَلْبَسُوا شَيْئًا مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ، وَلَا الْوَرْسُ))). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الإسناد من رباعيّات المصنف رحمه الله تعالى، وهو (١٣٥) من رباعيات الكتاب، وهو أعلى الأسانيد له، كما تقدّم غير مرّة، وقد تقدّم أيضًا أنه أصحّ الأسانيد مطلقًا، على ما ذهب إليه الإمام البخاريّ رحمه اللّه تعالى. والحديث متفقٌ عليه، وقد تقدّم شرحه، والكلام على مسائل قبل باب. ودلالته على الترجمة واضحة. وقوله: ((القمص)): بضمّتين، جميع قميص. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)). ٣١- (النَّهْيُ عَنْ لُبْسِ السَّرَاوِيلِ فِي الإِخرَام) ٢٦٧٠ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيِى، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، قَالَ حَدَّثَنِي نَافِعْ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا نَلْبَسُ مِنَ الثّيَابِ، إِذَا أَخْرَمْنَا؟، قَالَ: ((لَا تَلَّبَسُوا الْقَمِيصَ)) -وَقَالَ عَمْرٌو مَرَّةً أُخْرَى -: ((الْقُمُصَ، وَلَا الْعَمَائِمَ، وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ، وَلَا الْخُقَّيْنِ، إِلَّا أَنْ لَا يَكُونَ لِأَحَدِكُمْ نَعْلَانٍ، فَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ، وَلَا ثَوْبّا مَسَّهُ وَرْسٌ، وَلَا زَعْفَرَانٌ))). (عمرو بن عليّ)): هو الفلاس. و((يحيى)): هو القطّان. و((عبيدالله)): هو ابن عمر العمريّ الحافظ الحجة. والكلام على الحدیث کالكلام في سابقه. وقوله: ((زعفران)). قال الحافظ السيوطيّ: منصرف؛ لأنه ليس فيه إلا الألف، والنون فقط انتهى (٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (١) - وفي نسخة: ((لا يلبس)). (٢) - ((زهر الربى)) ١٣٢/٥. ٦٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)). ٣٢- (الرُّخْصَةُ فِي لُبْسِ السَّرَاوِیلِ لِمَنْ لَا يَجِدُ الإِزَارَ) ٢٦٧١ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّدٌ، عَنْ عَمْرِو، عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: سَمِعْتُ النَِّيِّ نَّهِ يَخْطُبُ، وَهُوَ يَقُولُ: (السَّرَاوِيلُ لِمَنْ لَا يَجِدُ الْإِزَارَ، وَالْخُفَيْنِ لِمَنْ لَا يَجِدُ التَّعْلَيْنِ، لِلْمُخْرِمِ)). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١- (قتيبة) بن سعيد الثقفي البغلاني، ثقة ثبت [١٠] ١/١ . ٢- (حماد) بن زيد بن درهم الجَهْضَمي، أبو إسماعيل البصري، ثقة ثبت فقيه، من كبار [٨] ٢/٢ . ٣- (عمرو) بن دينار الأثرم الجُمَّحِيّ، أبو محمد المكي، ثقة ثبت [٤] ١١٢/ ١٥٤. ٤- (جابر بن زيد) الأزدي، أبو الشعثاء البصري، ثقة فقيه [٣] ١٤٦/.٢٣٦ ٥- (ابن عباس) عبد اللَّه البحر الحبر رؤيتنا ٣١/٢٧. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من خماسيات المصنف ◌َخْذّثُ، وأن رجاله كلهم رجال الصحيح، وأنه مسلسل بالبصريين غير شيخه فبغلاني، وعمرو فمكي، وفيه رواية تابعي عن تابعي، وفيه ابن عباس رؤيتها من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله تعالى عنهما، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيِّ وَ﴿ يَخْطُبُ) أي بعرفة، ففي الرواية الآتية في ((کتاب الزينة)) من طریق شعبة، عن عمرو بن دینار، عن جابر بن زيد، عن ابن عبّاس، أنه سمع النبيّ وَّ يقول بعرفات ... )) الحديث (وَهُوَ يَقُولُ) جملة في محلّ نصب على الحال من المفعول (السَّرَاوِيلُ) مبتدأ على حذف المضاف، وإقامة المضاف إليه مقامه، أي لبس السراويل، كما قال ابن مالك في ((الخلاصة)): وَمَا يَلِي الْمُضَافَ يَأْتِي خَلَفاً عَنْهُ فِي الإِعْرَابِ إِذَا مَا حُذِفَا / ٣٢- (الرُّخْصَةُ فِي لُبْسِ السَّرَاوِيل ... - حديث رقم ٢٦٧١ ٦٥ = وخبره قوله (لِمَنْ لَا يَجِدُ الْإِزَارَ) يعني أنه يجوز لبس السراويل لمن لا يجد الإزار. وقد أخذ بظاهره الإمام أحمد رحمه الله تعالى، فجوّز لبس السراويل من غير قطع، وهو الأصحّ عند أكثر الشافعيّة، وهو الحقّ؛ لقوّة دليله، كما سيأتي في المسألة الثالثة، إن شاء الله تعالى. والمراد بعدم وجدان الإزار أن لا يقدر على تحصيله، إما لفقده في ذلك الموضع، أو لعدم بذل المالك إياه، أو لعجزه عن الثمن إن باعه، أو الأجرة إن آجره. وهكذا المراد في عدم وجدان النعلين. (وَالْخُفَّيْنِ لِمَنْ لَا يَجِدُ الثَّعْلَيْنِ) هكذا نسخ (المجتبى))، ووقع في (الكبرى)): ((والخفّان)) بالألف، وهو الظاهر؛ لأنه مبتدأ، خبره الجارّ والمجرور بعده. وما هنا يُخرّج على مذهب الكوفيين القائلين بجواز حذف المضاف، وإبقاء المضاف إليه على حاله من الجرّ، وقاسوه في الاختيار، وحكوا عن العرب: ((أطعمونا لحمًا سمينًا، شاةٍ)) بجر ((شاة))، أي لحم شاة. ولا يجيزه البصريون إلا في الضرورة الشعريّة، كقوله: بَطَرَأَ الآكِلُ الْمَالَ الْيَتِيمِ أي مال اليتيم. قاله السيوطيّ في ((همع الهوامع))(١). وإنما كان هذا قليلًا لأن شرطه أن يكون معطوفًا على مماثل، كقوله: أُكُلَّ امْرِئٍ تَخْسَبِينَ امْرَهًا وَنَارٍ تَوَقَّدُ بِاللَّيْلِ نَاراً أي وکلّ نار. وإلى هذا أشار ابن مالك في ((الخلاصة)) بقوله: وَرُبَّمَا جَرُّوا الَّذِي أَبْقَوْا كَمَا قَدْ كَانَ قَبْلَ حَذْفِ مَا تَقَدَّمَا لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ مَا حُذِفْ مُمَاثِلًا لِمَا عَلَيْهِ قَدْ عُطِفْ وقوله (لِلْمُخْرِمِ) متعلّق بمحذوف خبرِ لمبتدإ مقدّر، أي وهذا الحكم كائنٌ للمحرم. ولفظ ((الكبرى)): ((المحرم)). أي يعني المحرم، كما بينته رواية مسلم بلفظ: ((يعني المحرم)» . يعني أن جواز لبس السراويل لمن لم يجد الإزار، والخفّين لمن لم يجد النعلين للمحرم فقط، وأما غيره فلا يشترط في جواز لبسه ذلك عدم وجدان الإزرار، والنعلين، بل يجوز له اللبس مطلقًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. (١) - راجع ((همع الهوامع)) ٤٣٠/٢. ٦٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث ابن عبّاس رضي اللَّه تعالى عنهما هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٢٦٧١/٣٢ و٢٦٧٢ و٢٦٧٣/٣٣ و٢٦٧٩/٣٧ وفي ((الزينة))١٠٠/ ٥٣٢٥- وفى ((الكبرى))٣٦٥١/٣٢ و٣٦٥٢ و٣٦٥٣/٣٣ و٣٦٥٩/٣٧ و ٩٨ / ٩٦٦٤ و ٩٩ / ٩٦٧٥ . وأخرجه (خ) في ((الحجّ)) ١٧٤٠ و١٨٤١ و١٨٤٣ و((اللباس)) ٥٨٠٤ و٥٨٥٣ (م) في ((الحجّ)) ١١٧٨ (د) في ((المناسك)) ١٨٢٩ (ت) في ((الحجّ)) ٨٣٤ (ق) في ((المناسك))٢٩٣١ (أحمد) في ((مسند بني هاشم)) ١٨٥١ و١٩٢٠ و٢٠١٦ و٢٥٢٢ و٢٥٧٨ و٣١٠٥ (الدارمي) في ((المناسك)) ١٧٩٩. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في جواز لبس السراويل لمن لم يجد الإزار: ذهب مالك، وأبو حنيفة إلى أنه لا يجوز لبس السراويل مطلقًا، وذهب الجمهور إلى جوازه لمن لا يجد الإزار، وهو الحقّ. قال الحافظ وليّ الدين رحمه الله تعالى: ولم يبلغ ذلك مالكًا، فأنكره، ففي ((الموطّا)): أنه سئل عما ذُكر عن النبيّ وَليل أنه قال: ((من لم يجد إزارًا فليلبس سراويل))، فقال مالك: لم أسمع بهذا، ولا أرى أن يلبس المحرم سراويل؛ لأن رسول اللّه وَ ل نهى عن لبس السراويلات فيما نهى عنه من لبس الثياب التي لا ينبغي للمحرم أن يلبسها، ولم يستثن، كما استثنى في الخفّين. وبه قال أبو حنيفة، كما حكاه ابن المنذر، والخطّابِّ . قال ابن عبد البرّ: وقال عطاء بن أبي رباح، والشافعيّ، وأصحابه، والثوريّ، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبو ثور، وداود: إذا لم يجد المحرم إزارًا لبس السراويل، ولا شيء عليه. وحكاه النوويّ عن الجمهور. قال: ولا حجة في حديث ابن عمر؛ لأنه ذكر فيه حالة وجود الإزار، وذكر في حديثي ابن عباس، وجابر الله حالة العدم، فلا منافاة. والله تعالى أعلم. قال وليّ الدين: لم يأمر بقطع السراويل عند الإزار، كما في الخفّ، وبه قال أحمد، وهو الأصحّ عند أكثر الشافعيّة. وقال إمام الحرمين، والغزاليّ: لا يجوز لبس السراويل على حاله، إلا إذا لم يتأتّ فتقه، وجعله إزارًا، فإن تأتّى ذلك لم يجز لبسه، وإن لبسه لزمته الفدية. وقال الخطّابيّ: يُحكى عن أبي حنيفة أنه قال: يشقّ السراويل، ويتّزر به. ٣٢- (النَّهْيُ عَنْ أَنْ تَنَتَقِّبَ المَرأةُ الحرام) - حديث رقم ٢٦٧٣ ٦٧ قال الخطابيّ: والأصل في المال أن تضييعه محرّم، والرخصة إذ جاءت في لبس السراويل، فظاهرها اللبس المعتاد، وستر العورة واجبٌ، فإذا فتق السراويل، واتّزر به، لم تستتر العورة، فأما الخفّ، فإنه لا يغطّي عورةً، وإنما هو لباس رفق، وزينة، فلا يشتبهان، قال: ومرسل الإذن في لباس السراويل إباحة لا تقتضي غرامة اهـ انتهى كلام وليّ الدين رحمه الله تعالى(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن المذهب الصحيح هو ما عليه الجمهور، من جواز لبس السراويل لمن لم يجد الإزار بدون قطع، أو فتق، وأنه لا فدية عليه؛ لحديث ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما المذكور في الباب، وكذا حديث جابر رَّه عند مسلم، فقد أباح الشارع لبسه بدون أن يأمر بقطعه، كما أمر في الخفّ، ولم يأمر بالفدية، فجاز لبسه كما هو، ولا تجب الفدية بذلك. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٦٧٢ - أَخْبَرَنِي أَيُوبُ بْنُ مُحَمَّدِ الْوَزَّانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ وَهِ يَقُولُ: ((مَنْ لَمْ يَجِدْ إِزَارًا، فَلْيَلْبَسْ سَرَاوِيلَ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ، فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنٍ))). ((أيو بن محمد الوزان)): هو أبو محمد الرّقّيّ، ثقة [١٠]٣٢/٢٨. و((إسماعيل)): هو ابن عليّة. و((أيوب)): هو السختياني. والحديث متَّفْقٌ عليه، وشرحه، ومسائله تقدّمت في الحديث الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)). ٣٢- (النَّهْيُ عَنْ أَنْ تَنْتَقِبَ الْمَرْأَةُ الْحَرَامُ) قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: وقع في نسخة: ((أن تَتَقَّبَ)). يقال: انَتَقَبَتِ المرأةُ، وتنقّبت: غطّت وجهها بالنقاب. وهو القِنَاع الذي تجعله المرأة على مارن أنفها، تستر به (١) - ((طرح التثريب)) ٥٣/٥-٥٥. ٦٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ وجهها. وهو على وجوه: فإذا أدنته إلى عينها، فهو الْوَضْوَصَة، فإن أنزلته دون ذلك إلى الْمَحْجِرِ (١)، فهو النقاب، فإن كان على طرف الأنف، فهو اللّفَام(٢). أفاده في ((اللسان)). و((الحرام)) في الأصل مصدر حَرُم الشيءُ؛ ولذا وُصفت به المرأة هنا؛ لأنه يستوي في الوصف بالمصدر الذكر والأنثى، والواحد، وغيره، كما قال ابن مالك في ((الخلاصة)) : وَنَعَتُوا بِمَصْدَرٍ كَثِيراً فَالْتَزَمُوا الإِقْرَادَ وَالتَّذْكِيراً فالحرام بمعنى المحرمة، من إطلاق المصدر، وإرادة اسم المفعول؛ للمبالغة. والله تعالى أعلم بالصواب. ٢٦٧٣ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَامَ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَاذَا تَأْمُرُنَا أَنْ نَلْبَسَ مِنَ الثَّابِ، فِي الْإِخْرَامَ؟، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ: ((لَا تَلْبَسُوا الْقَمِيصَ، وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ، وَلَا الْعَمَائِّمَ، وَلَا الْبَرَانِسَ، وَلَا الْخِفَافَ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَحَدٌ لَيْسَتْ لَهُ نَعْلَانٍ، فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ، مَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ، وَلَا تَلْبَسُوا شَيْئًا مِنَ الْيَابِ، مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ، وَلَا الْوَرْسَُ، وَلَا تَنْتَقِبُ (٣) الْمَرْأَةُ الْحَرَامُ، وَلَا تَلْبَسُ الْقُفَّزَيْنِ)). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الإسناد من رباعيّات المصنّف رحمه الله تعالى، وهو (١٣٦) من راعيات الكتاب، وهو أعلى ما وقع للمصنف من الأسانيد، كما تقدّم غير مرّة . وقوله: ((ما أسفل من الكعبين)) يحتمل أن تكون ((ما)) زائدة، والظرف متعلّق بـ((يلبس)). ويحتمل أن تكون موصولة، والظرف صلتها، وهي بدل من ((الخفّين)). والحديث مُتَّفقٌ عليه، وقد تقدّم شرحه، والكلام على مسائله، ولنتكلّم الآن على ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وفيه مسائل: (المسألة الأولى): أنه اختلف في قوله: ((ولا تنتقب المرأة الخ)) هل هو مرفوع، أم من كلام ابن عمر رضي اللَّه تعالى عنهما: قال الإمام البخاريّ رحمه اللّه تعالى في ((صحيحه))، مشيرًا إلى هذا الاختلاف: ١٨٣٨ -حدثنا عبد الله بن يزيد، حدثنا الليث، حدثنا نافع، عن عبد الله بن عمر، رَهَا، قال: قام رجل، فقال: يا رسول اللَّه، ماذا تأمرنا أن نلبس من الثياب في (١) - وزان مجلس: ما ظهر من النقاب من الرجل والمرأة من الجفن الأسفل، وقد يكون من الأعلى. وقيل: ما دار بالعين من جميع الجوانب، وبدا من البُرْقُع، جمعه المحاجر. قاله في ((المصباح)). (٢) -بالميم: هو ما على طرف الأنف من النقاب. اهـ ((ق)). (٣) -وفي نسخة: ((ولا تتنقّب)). ٦٩ ٣٢- (النَّهْيُ عَنْ أَنْ تَنْقِبَ الْمَرْأَةُ الْحَرَام) - حديث رقم ٢٦٧٣ الإحرام؟، فقال النبي وَلقول: ((لا تلبسوا القميص، ولا السراويلات، ولا العمائم، ولا البرانس، إلا أن يكون أحد ليست له نعلان، فليلبس الخفين، وليقطع أسفل من الكعبين، ولا تلبسوا شيئا مسه زعفران، ولا الورس، ولا تنتقب المرأة المحرمة، ولا تلبس القفازين)). تابعه موسى بن عقبة، وإسماعيل بن إبراهيم بن عقبة، وجويرية، وابن إسحاق ((في النقاب، والقفازين))، وقال عبيدالله: ((ولا ورسٌ))، وكان يقول: ((لا تتنقب المحرمة، ولا تلبس القفازين)). وقال ، مالك عن نافع، عن ابن عمر: ((لا تتنقب المحرمة)). وتابعه ليث بن أبي سليم. انتهى. قال في ((الفتح)): قوله: وقال عبيدالله)): يعني أن عبيدالله المذكور خالف المذكورين قبلُ في رواية هذا الحديث عن نافع، فوافقهم على رفعه إلى قوله: (زعفران، ولا ورس))، وفصل بقية الحديث، فجعله من قول ابن عمر. وقوله: ((وقال مالك الخ)) والغرض أن مالكًا اقتصر على الموقوف فقط، وفي ذلك تقويةٌ لرواية عبيدالله، وظهر الإدراج في رواية غيره. وقد استشكل ابن دقيق العيد الحكم بالإدراج في هذا الحديث لورود النهي عن النقاب، والقفّازين مفردًا، مرفوعًا، وللابتداء بالنهي عنهما في رواية ابن إسحاق المرفوعة عند أحمد، وأبي داود، والحاكم، قال: حدثني نافع، عن ابن عمر بلفظ: ((أنه سمع رسول اللّه ◌َلجه ينهى النساء في إحرامهنّ عن القفّازين، والنقاب، وما مسّ الورس، والزعفران من الثياب، ولتلبس بعد ذلك ما أحبّت من ألوان الثياب)). وقال في (الاقتراح)): دعوى الإدراج في أول المتن ضعيفة. وأجيب بأن الثقات إذا اختلفوا، وكان مع أحدهم زيادة قُدّمت، ولا سيما إذا كان حافظًا، ولا سيما إن كان أحفظ، والأمر هنا كذلك، فإن عبيدالله بن عمر في نافع أحفظ من جميع من خالفه، وقد فصل المرفوع من الموقوف، وأما الذي اقتصر على الموقوف، فرفعه، فقد شذّ بذلك، وهو ضعيف. وأما الذي ابتدأ في المرفوع بالموقوف، فإنه من التصرّف في الرواية بالمعنى، وكأنه رأى أشياء متعاطفة، فقدّم وأخر؛ لجواز ذلك عنده، ومع الذي فصل زيادة علم، فهو أولى، أشار إلى ذلك الحافظ العراقيّ في ((شرح الترمذي)). انتهى المقصود من ((الفتح))(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحاصل أن قوله: ((ولا تنتقب المرأة، ولا تلبس (١) - ((فتح)٧ ٤/ ٥٢٩ - ٥٣٠. ٧٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ القفّازين)) مختلف في رفعه إلى النبيّ وَّر، أو أنه من كلام ابن عمر رضي اللَّه تعالى عنهما، والذي مال إليه الحافظ العراقيّ، وتبعه الحافظ أن الأرجح الوقف. لكن الذي يظهر أن البخاريّ يصحح الزيادة، فإنه أخرج الحديث من طريق الليث، عن نافع، مرفوعًا، ثم ذكر أنه تابع نافعا موسى بن عقبة، وإسماعيل بن إبراهيم بن عقبة -وهو ابن أخي موسى بن عقبة- وجويرية بن أسماء، وابن إسحاق كلهم عن نافع في رفع النقاب والقفّازين، ثم ذكر مخالفة عبيدالله لهم بوقفه، وأتبعه بأن مالكًا ذكر الانتقاب فقط موقوفًا، فظاهر هذا أنه يرى أن الرفع صحيح، لاتفاق هؤلاء الثقات، وأن هذا الخلاف لا يضرّهم. وأيضًا فقد صرّح الترمذيّ بصحّة الحديث، فقال: حديث حسن صحيح، وكذا الحافظ أبو عمر، فقال في ((الاستذكار)): قال أبو عمر: قد روي عن النبيّ وَّر أنه نهى المرأة الحرام عن النقاب، والقفّازين. روى الليث بن سعد، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قام رجل، فذكر رواية البخاريّ السابقة. قال أبو داود: روى هذا الحديث حاتم ابن إسماعيل، ويحيى بن أيوب، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبيّ وَّر، كما رواه الليث. ورواه أبو قُرّة موسى بن طارق، عن موسى بن عقبة، عن نافع، موقوفًا على ابن عمر. قال أبو عمر: رفعه صحيحٌ، رواه ابن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر، مرفوعًا. ورواه ابن المبارك، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، مرفوعًا أيضًا انتهى كلام أبي عمر رحمه اللّه تعالى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بهذا أن الذين رفعوه أكثر، وهم الليث بن سعد، ومحمد بن إسحاق، وموسى بن عقبة، وجويرية بن أسماء، وإسماعيل بن إبراهيم بن عقبة. وعبيدالله، وإن كان أحفظ لحديث نافع من غيره، فاتفاق هؤلاء على الرفع يقدّم على وقفه؛ لأن الرفع معه زيادة علم، وأيضًا أن من وقف لا يعارض من رفع؛ لأن الرافع نقل الرواية، والواقف نقل الفتوى، ولا تنافي بينهما؛ لأن العالم يروي الحديث أحيانًا، ويفتي بمقتضى ما رواه أحيانًا . والحاصل أن حديث: ((ولا تنتقب المحرمة، ولا تلبس القفّازين)) صحيح مرفوعًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثانية): قال الإمام ابن النذر رحمه اللّه تعالى: أجمع أهل العلم على أن للمرأة المحرمة لبس القميص، والدرع، والسراويلات، والْخُمُر، والخفاف. قال وليّ الدين: فدلّ النهي عن الانتقاب على تحريم ستر الوجه بما يُلاقيه، ويمسّه، ٧١ ٣٢- (النَّْيُ عَنْ أَنْ تَنَْقِّبَ المَرأةُ الحرام) - حديث رقم ٢٦٧٣ دون ما إذا كان متجافيًا عنه. وهذا قول الأئمة الأربعة، وبه قال الجمهور. وقال ابن المنذر: لا نعلم أحدًا من أصحاب رسول اللَّه وَ ل ول رخّص فيه -يعني النقاب- ثم قال: وكانت أسماء بنت أبي بكر رضي اللّه تعالى عنهما تُغطّي وجهها، وهي محرمة. وروينا عن عائشة رضي اللّه تعالى عنها أنها قالت: المحرمة تُغطّي وجهها، إن شاءت. وقال ابن عبد البرّ: وعلى كراهة النقاب للمرأة جمهور علماء المسلمين، من الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم، من فقهاء الأمصار أجمعين، إلا شيء رُوي عن أسماء بنت أبي بكر أنها كانت تُغطّي وجهها، وهي محرمة، وعن عائشة أنها قالت: تُغطّ المرأة وجهها إن شاءت. وروي عنها أنها لا تفعل، وعليه الناس انتهى(١). وقال أبو محمد ابن حزم: ما حاصله: تلبس المرأة ما شاءت من كلّ ما ذكرنا أنه لا يلبسه الرجل، وتغطّي رأسها، إلا أنها لا تنتقب أصلًا، لكن إما أن تكشف وجهها، وإما أن تُسدل عليه ثوبًا من فوق رأسها، فذلك لها إن شاءت انتهى(٢). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ما ذهب إليه جمهور أهل العلم من نهي المرأة عن الانتقاب، وعدم تغطية وجهها إلا بما كان متجافيّا هو الحقُّ. والحاصل أن المرأة لا يجوز لها أن تنتقب، سواء كانت حرّة، أو أمة، ويجوز لها أن تُسدل على وجهها من فوق رأسها شيئًا متجافيّا يستر وجهها. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في حكم ستر الرجل وجهه: ذهب الشافعيّ، وأحمد، والجمهور رحمهم الله تعالى إلى أنه يجوز للمحرم ستر وجهه، ولا فدية عليه، وفيه آثارٌ عن الصحابة . 4 لظاهر قوله ◌َ له: ((ولا تنتقب المرأة))، فإنه يدلّ على أن هذا خاص بالمرأة، دون الرجل، وهو مقتضى ما ذكره أول الحديث فيما يتركه المحرم، فإنه لم يذكر منه ساتر الوجه. وذهب أبو حنيفة، ومالك رحمهما الله تعالى إلى منعه كالرأس، وهو رواية عن أحمد، وقالوا: إذا حرم على المرأة ستر وجهها مع احتياجها إلى ذلك، فالرجل أولى بتحريمه، وتمسّكوا أيضًا بقوله وَالر في المحرم الذي وقصته ناقته: ((ولا تخمّروا رأسه، ولا وجهه)). وأجاب الجمهور عنه بأن النهي عن تغطية وجهه إنما كان لصيانة رأسه، لا لقصد كشف وجهه، ولا بدّ من هذا التأويل؛ لأن المتمسكين بهذا الحديث، وهم الحنفيّة، والمالكيّة لا يقولون ببقاء أثر الإحرام بعد الموت، لا في الرأس، ولا في الوجه، (١) -راجع ((طرح التثريب)) ٤٦/٥-٤٧. (٢) - ((المحلى)) ٧٨/٧. = ٧٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ والجمهور يقولون: لا إحرام في الوجه في حقّ الرجل، فحينئذ لم يقل بظاهره أحد منهم، ولا بدّ من تأويله، على أن المالكيّة قالوا: إنه لا فدية في تغطية المحرم وجهه، إلا في رواية ضعيفة جزم بها ابن المنذر عن مالك. قاله وليّ الدين(١). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الراجح عندي أنه يحرم على الرجل تغطية وجهه، كما يحرم عليه تغطية رأسه؛ لحديث ((ولا تخمّروا وجهه، ورأسه))، وسيأتي في -٤٧/ ٢٧١٣ - أن زيادة ((وجهه)) زيادة محفوظة، خلافًا لمن أعلها بالشذوذ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أُنيب)). ٣٣- (النَّهْيُ عَنْ لُبْسِ الْبَرَانِيسِ فِي الإِحرَام) قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((البرانيس)) جمع بُرْنُس: بضمَ، فسكون، وهو كلّ ثوب رأسه منه، ملتزق به، من درّاعة، أو جبّة، أو ممطر، أو غيره. وقال الجوهريّ: هي قلنسوة طويلة، كان النسّاك يلبسونها في صدر الإسلام، وهو من البرس-بكسر الباء - وهو القطن، والنون زائدة. وقيل: إنه غير عربيّ(٢). والله تعالى أعلم بالصواب. ٢٦٧٤ - أَخْبَرَنَا قُتَنِبَةُ، عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ وَلَّهِ، مَا يَلْبَسُ الْمُخْرِمُ مِنَ الثَّيَابِ؟، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِلّهِ: ((لَا تَلْبَسُوا الْقَمِيصَ(٣)، وَلَا الْعَمَائِمَ، وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ، وَلَا الْبَرَانِسَ، وَلَا الْخِفَافَ، إِلَّا أَحَدٌ لَا يَجِدُ نَعْلَيْنِ، فَلْيَلْيَسْ خُقَّيْنٍ، وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ، وَلَا تَلْبَسُوا شَيْئًا مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ، وَلَا الْوَرْسُ)). هذا الحديث متفق عليه، وقد تقدّم سندًا، ومتنًا قبل ثلاثة أبواب، وتقدّم الكلام عليه مُستوفّى هناك. وبالله تعالى التوفيق، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٦٧٥ - أَخْبَرَنِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، وَعَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَا: حَدَّثَنَا يَزِيدُ - وَهُوَ ابْنُ هَارُونَ- قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْتِى -وَهُوَ ابْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ - عَنْ عُمَرَ بْنِ نَافِعٍ، (١) - ((طرح التثريب)) ٤٨/٥. (٢) - ((عمدة القاري)) ٧/ ٤٣٣ . (٣) - وفي نسخة: ((القُمُصَ)). ٣٤- (النَّهْيُ عَنْ لُبْسِ الْعِمَامَةِ فِي الإِخرام)- حديث رقم ٢٦٧٦ ٧٣ عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ وَّةِ، مَا نَلْبَسُ مِنَ الثَّابِ، إِذَا أَخْرَمْنَا؟، قَالَ: ((لَا تَلْبَسُوا الْقَمِيصَ(١)، وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ، وَلَا الْعَمَائِمَ، وَلَا الْبَرَانِسَ، وَلَا الْخِفَافَ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَحَدٌ لَيْسَتْ لَهُ نَعْلَانٍ، فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ، أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ، وَلَا تَلْبَسُوا مِنَ الثَّيَّابِ شَيْئًا، مَسَّهُ وَرْسٌ، وَلَا زَعْفَرَانٌ))). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث متفق عليه، و((محمد بن إسماعيل بن إبراهيم)): هو المعروف أبوه بابن عُليّة. و((عمرو بن عليّ)): هو الفلاس. و((عمر بن نافع)): هو ولد نافع شيخه هنا العدويّ، مولى ابن عمر المدنيّ، ثقة [٦]١٧٧٠/٦٠ . [تنبيه]: قال المصنّف رحمه الله تعالى في («الكبرى» -٣٣٥/٢ -: عمر بن نافع، وأبو بكر بن نافع، وعبد الله بن نافع، إخوة ثلاثة، وعبد الله بن نافع ليس بثقة، ونافع مولى عبد الله بن عمر ثقة حافظ انتهى. ودلالة الحديث على الترجمة واضحة، وتقدم الكلام عليه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أُنيب)). ٣٤- (النَّهْيُ عَنْ لُبْسِ الْعِمَامَةِ(٢) فِی الإِخرَام) ٢٦٧٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو الْأَشْعَثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: نَادَى النَّبِيَّ نَّهِ رَجُلٌ، فَقَالَ: مَا نَلْبَسُ إِذَا أَخْرَمْنَا؟، قَالَ: ((لَا تَلْيَسِ الْقَمِيصَ، وَلَا الْعِمَامَةَ، وَلَا السَّرَاوِيلَ، وَلَا الْبُرْنُسَ، وَلَا الْخُفَّيْنِ، إِلَّا أَنْ لَا تَجِدَ نَعْلَيْنِ، فَإِنْ لَمْ تَجِدِ النَّعْلَيْنِ، فَمَا دُونَ الْكَعْبَيْنِ))). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((أبو الأشعث)): هو أحمد بن المقدام العجليّ البصريّ، صدوق ٣١٩/١٣٨. والحديث متفق عليه، وقد تقدّم شرحه، وبيان مسائله، في -٢٦٦٧/٢٨ . وبالله تعالى التوفيق، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. (١) -وفي نسخة: ((القُمُص)). (٢) -وفي نسخة: ((العمائم)). ٧٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ ٢٦٧٧ - أَخْبَرَنَا أَبُو الْأَشْعَثِ، أَحْمَدُ بْنُ الْمِقْدَامِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: نَادَىَ النَّبِيِّ وَهِ رَجُلٌ، فَقَالَ: مَا نَلْبَسُ إِذَا أَخْرَمْنَا؟، قَالَ: ((لَا تَلْبَسَ الْقَمِيصََ(١)، وَلَا الْعَمَائِمَ، وَلَا الْبَرَانِسَ، وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ، وَلَا الْخِفَافَ، إِلَّا أَنْ لَا يَكُونَ نِعَالٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ نِعَالٌ، فَخُفَّيْنٍ، دُونَ الْكَعْبَيْنِ، وَلَا ثَوْبًا مَصْبُوغًا بِوَرْسٍ، أَوْ زَعْفَرَانٍ، أَوْ مَسَّهُ وَرْسٌ، أَوْ زَعْفَرَانٌ))). قال الجامعَ عفا اللّه تعالى عنه: هذا الحديث متفق عليه، كما سبق بيانه في الحديث الماضي، ((وابن عون)): هو عبد الله بن عون بن أرطبان، أبو عون البصريّ، ثقة ثبت فاضل، من أقران أيوب المذكور في السند السابق [٥]٣٣/٢٩ . وقوله: ((إلا أن لا يكون نعال))، ((يكون)» هنا تامة، وكذا ((يكن)) بعدها، ولذا لم تحتج إلى خبر، بل اكتفتِ بمرفوعها، كما قال الحريريّ في ((ملحته)): وَإِنْ تَقُلْ يَا قَوْم قَدْ كَانَ الْمَطَرْ فَلَسْتَ تَحَتَاجُ لَهَا إِلَى خَبَرْ والمعنى هنا: إلا أن لا يوجد نعال. وقوله: ((فخفّين)) بالنصب مفعول لمحذوف دلّ عليه السابق، أي فالبَسْ خفّين، وهو جواب الشرط . وقوله: ((أو مسّه ورس الخ)) الظاهر أن ((أو)) للشكّ من الراويّ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أُنيب)). ٣٥- (النَّهْيُ عَنْ لُبْسِ الْخُفَّيْنِ فِي الإِخرَام) ٢٦٧٨ - أَخْبَرَنَا هَنَّدُ بْنُ السَّرِيّ، عَنِ ابْنِ أَبِي زَائِدَةَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا(٢) عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ نَّهِ يَقُولُ: ((لَا تَلْبَسُوا فِي الْإِخْرَامِ الْقَمِيصَ (٣)، وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ، وَلَا الْعَمَائِمَ، وَلَّا الْبَرَانِسَ، وَلَا الْخِفَافَ))). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث متفق عليه، كما سبق بيانه قريبًا، و((ابن (١) -وفي نسخة: ((القُمُص)). (٢) - وفي نسخة: ((حدثنا))، وفي أخرى: ((أخبرنا)). (٣) - وفي نسخة: ((القمص)). ٧۵ ٣٦- (الرُّخْصَةُ فِي لُبْسِ الْخُفَّيْنِ فِي ... - حديث رقم ٢٦٧٩ أبي زائدة)): هو يحيى بن زكريا الكوفيّ الحافظ الثبت. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أُنيب)). ٣٦- (الرُّخْصَةُ فِي لُبْسِ الْخُفَّيْنِ فِي الإِخْرَامِ لِمَنْ لَا يَجِدُ نَعْلَيْنِ) ٢٦٧٩ - أَخْبَرَنَا - إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَنْع، قَالَ: أَنْبَأَنَا أَيُوبُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رُّسُولَ اللَّهِ إِلَهُ يَقُولُ: ((إِذَا لَمْ يَجِدْ إِزَارَا، فَلْيَلْبَسِ السَّرَاوِيلَ، وَإِذَا لَمْ يَجِدِ الثَّعْلَيْنِ، فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ))). ((عمرو)): هو ابن دينار. [تنبيه]: قوله: ((وليقطعهما الخ)) هذه الزيادة ليست في ((الكبرى))، وإنما هي في ((المجتبى)) فقط في رواية إسماعيل، عن يزيد بن زريع. وليست في رواية حماد بن زيد، عن عمرو، ولا في رواية إسماعيل ابن علية، عن أيوب المتقدّمتين في ٢٦٧١/٣٢ و٢٦٧٢ . والظاهر أنها غلط من النساخ، فإن سند ((الكبرى)) هو السند هنا، ويدلّ على ذلك صنيع المصنّف رحمه الله تعالى، حيث أورد الحديث مستدلًا به على جواز لبس الخفين في الإحرام لمن لا يجد النعلين، ثم ترجم بعده ترجمة ((قطعهما أسفل من الكعبين)) ليدلّ على أن حديث ابن عباس هذا مطلق يُقيّده حديث ابن عمر المذكور في الباب التالي، فلو كان حديث ابن عباس فيه ذكر القطع، لما احتاج للترجمة الثانية، وإيراد حديث آخر فيها. وعلى تقدير صحة النسخة فالزيادة في حديث ابن عبّاس شاذّة من غير شكّ، لأنها تفرّد بها إسماعيل بن مسعود، عن يزيد بن زيع، وقد خالفه فيها صالح بن حاتم بن وردان، وهو ثقة احتجّ به مسلم، فقال: نا يزيد بن زريع، وساقه، ولم يذكر تلك الزيادة. أخرجه الطبرانيّ في ((الكبير))(١)، وتابع يزيد بن زيع إسماعيل ابن عُليّة، عن أيوب، كما سبق للمصنّف في - ٢٦٧٢/٣٢ - ورواه جميع الثقات عن عمرو بن دينار، (١) - راجع ((إرواء الغليل)) للشيخ الألبانيّ ١٩٤/٤ -١٩٥. شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ وهم حماد بن زيد، وشعبة، وابن عيينة، والثوريّ، وهشيم، وابن جريج، كلهم عن عمرو بن دينار، ولم يذكروا فيه تلك الزيادة(١). بل زاد ابن جريج زيادة أخرى تبطل تلك الزيادة، فقد قال في روايته: قلت: لم يقل: ((ليقطعهما))؟ قال: لا. أخرجه الدارميّ، والطحاويّ، وأحمد ٢٢٨/١. والقائل: ((قلت)) هو إما عمرو بن دينار، وإما ابن جريج، وأيهما كان فعمرو بن دينار على علم بأنه ليس في حديث ابن عباس: ((وليقطعهما))، فهو دليل قاطع على أنها غلط. وأيضًا مما يوهنها قول أبي داود بعد أن ساق الحديث: هذا حديث أهل مكة، ومرجعه إلى البصرة، إلى جابر بن زيد، والذي تفرّد به منه ذكر السراويل، ولم يذكر القطع في الخفّ انتهى. وهذا أيضًا مما يؤيّد القطع بكونها غلطًا. والحاصل أن زيادة القطع في حديث ابن عباس المذكور في الباب لا صحة لها أصلًا، والذي أراه أنها ممن بعد المصنّف من رواة ((المجتبى))، بدليل عدم وجودها في ((الكبرى)) مع كون السند واحدًا، وبدليل إيراد المصنّف حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما بعد الترجمة التالية، إشارة إلى أن حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما مطلق، يُقيّد بحديث ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما. فقول التركماني في ((الجوهر النقيّ)) هذا إسناد جيّد ليس بجيّد، وكذا قول وليّ الدين العراقيّ: ((بإسناد صحيح)) ليس بصحيح. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أُنيب)). ٣٧- (قَطْعُهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ) ٢٦٨٠ - أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ بِّهَا، عَنِ النَِّّ ◌َِّ، قَالَ: ((إِذَا لَمْ يَجِدِ الْمُخْرِمُ الثَّعْلَيْنِ، فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ))). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((يعقوب بن إبراهيم)): هو الدَّوْرَقيّ. والحديث متفق عليه، وقد مرّ شرحه، والكلام على مسائله، غير مرّة، ولنتكلّم هنا على ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو قطع الخفين من أسفل الكعبين، وفيه مسائل : (١) -راجع رواياتهم في ((صحيح مسلم)) ٣١٦/٨-٣١٧. بسخة ((شرح النوويّ)). ٣٧- (قَطْعُهُمَا أَسْفَلَّ مِنَ الَعْبَيْن) - حديث رقم ٢٦٨٠ ٧٧ = (المسألة الأولى): الحديث يدلّ على أن من لم يجد نعلين يجوز له لبس الخفين بشرط قطعهما حتى يكونا أسفل من الكعين، وبهذا قال مالك، وأبو حنيفة، والشافعيّ، والجمهور، وهو رواية عن أحمد، والمشهور عنه جواز لبسهما بحالهما عند فقد النعلين، ولا يجب قطعهما. واستدلّ له بحديث ابن عبّاس، وجابر : ((من لم يجد نعلين، فليلبس خفّين))، وهما في ((الصحيح))، وليس فيهما ذكر القطع، وزعم أصحابه أن حديث ابن عمر المصرّح بقطعهما منسوخ، وقالوا: قطعهما إضاعة مال. وقال عمرو ابن دينار: ولا أدري أيّ الحديثين نسخ الآخر، انظروا أيهما قبلُ. وقال الجمهور یجب حمل حديث ابن عباس، وجابر على حديث ابن عمر؛ لأنهما مطلقان، وفي حديث ابن عمر زيادة لم يذكراها يجب الأخذ بها. قال الشافعيّ: ابن عمر، وابن عباس، كلاهما صادقٌ حافظ، وليس زيادة أحدهما على الآخر شيئًا لم يؤدّه الآخر، إما عزب عنه، وإما شكّ فيه، فلم يؤذّه، وإما سكت عنه، وإما أدّاه فلم يُؤَدَّى عنه، لبعض هذه المعاني اختلفا انتهى. وقولهم: إنه إضاعة مال مردود، فإن الإضاعة إنما تكون في المنهيّ عنه، وأما ما ورد به الشرع فهو حقّ يجب الإذعان له. والله أعلم. وحكى الخطّابيّ، عن عطاء بن أبي رباح أنه لا يقطعهما؛ لأن في قطعهما إفسادًا، ثم قال: يشبه أن يكون لم يبلغه حديث ابن عمر، قال: والعجب من أحمد في هذا، فإنه لا يكاد يخالف سنة تبلغه، وقلّت سنة لم تبلغه. وقال ابن العربيّ: أما عطاء فيهم في الفتوى، وأما أحمد فعلى صراط مستقيم، قال: وهذه القولة لا أراها صحيحة، فإنّ حَمْلَ المطلق على المقيّد أصل أحمد انتهى. ذكره وليّ الدين(١). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الحاصل أن الراجح حمل حديث ابن عباس على حديث ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهم، وهو أن من لم يجد نعلين لبس الخفّين، ولكن يقطعهما حتى يكونا أسفل الكعبين، فبهذا يُجمَع بين الحديثين، وهو الطريق الذي يحصل به العمل بالحديثين، فيكون أولى من إبطال أحدهما بدعوى النسخ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثانية): ظاهر الحديث أنه إذا فقد النعلين، ولبس الخفّين مقطوعين أسفل من الكفين، لم تلزمه فدية، إذ لو كانت لازمة لبيّنها النبيّ وَّر، وهذا موضع بيانها، وهو من جهة المعنى واضح، فإنه لم يرتكب محظورًا، وبهذا قال مالك، والشافعيّ، (١) - ((طرح التثريب)) ٥٢/٥. ٧٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ وآخرون رحمهم الله تعالى . وقال أبو حنيفة، وأصحابه: عليه الفدية، كما إذا احتاج إلى حلق الرأس يحلقه، ويقدي. ذكره ولي الدین(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله الأولون هو الأرجح؛ عملًا بظاهر الحديث. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثالثة): دلّ الحديث على أنه لا يجوز لبس الخفّين مقطوعين إلا عند فقد النعلين، وهو الأصحّ عند أصحاب الشافعيّ، وبه قال مالك، والليث، وكذا قال الحنابلة: لو لبس واجد النعل حقًّا مقطوعًا تحت الكعب لزمته الفدية. وذهب بعض الشافعيّة إلى جواز لبسه مع وجودهما؛ لأنه صار في معناهما، وهو قول أبي حنيفة، أو بعض أصحابه، حكاه ابن عبد البرّ، وابن العربيّ عن أبي حنيفة، وحكاه المحبّ الطبريّ عن بعض أصحابه. وحكي عن أبي حنيفة نفسه موافقة مالك، والجمهور. وقال ابن العربيّ: والذي أقول: إنه إن كشف الكعب لبسهما إن لم يجد نعلين، وإن وجد النعلين لم يجز لبسهما، حتى يكون كهيئة النعل لا يستران من ظاهر الرجل شيئًا انتھی(٢) . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما ذكره ابن العربيّ رحمه الله تعالى تحقيق حسنٌ جدًّا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): هذا الحكم خاصّ بالرجل، أما المرأة فلها لبس الخفّين مطلقًا. قال ابن المنذر: وبه قال كلّ من يُحفظ عنه من أهل العلم انتهى. لكن في ((سنن أبي داود»: أن ابن عمر كان يصنع ذلك -يعني يقطع الخفّين- للمرأة المحرمة، ثم حدّثته صفيّة بنت أبي عُبيد أن عائشة رضي اللّه تعالى عنها حدّثتها: أن رسول اللّه وَ له قد كان رخّص للنساء في الخفّين، فترك ذلك. قال ابن عبد البرّ: لا يقول به أحد من أهل العلم فيما علمت، وهذا إنما كان من ورع ابن عمر، وكثرة اتباعه، فاستعمل ما حفظ على عمومه حتى بلغه فيه الخصوص انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)). (١) - ((طرح التثريب)) ٥٢/٥-٥٣ (٢) - المصدر المذكور. ٧٩ ٣٨- (النَّهْيُ عَنْ أَنْ تَلْسَ الْمُخْرِمةُ القَفَأَزَيْن) - حديث رقم ٢٦٨١ ٣٨- (النَّهْيُ عَنْ أَنْ تَلْبَسَ الْمُخْرِمَةُ الْقُفَّازَيْنِ) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((القفّازان)) -بضم القاف، وتشديد الفاء تثنية قُفّاز، بوزن تُفّاح: شيء تتخذه نساء الأعراب، ويُحشَى بقطن، يُغطّي كفّي المرأة، وأصابعها. وزاد بعضهم: وله أزرار على الساعدين، كالذي يلبسه حامل البازي. قاله في ((المصباح المنير)). وقال في ((الفتح)»: القفّاز: ما تلبسه المرأة في يدها، فيغطّي أصابعها، وكفّيها عند معاناة الشيء، كغَزْلٍ ونحوه، وهو لليد كالخفّ للرجل. والله تعالى أعلم بالصواب. ٢٦٨١ - أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَجُلًا قَامَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَاذَا تَأْمُرُنَا أَنْ تَلْبَسَ مِنَ الثَّابِ، فِي الْإِخْرَام؟، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ إِ: ((لَا تَلْبَسُوا الْقُمُصَ (١)، وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ، وَلَّا الْخِفَافَ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ لَهُ نَعْلَانٍ، فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ، أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ، وَلَا يَلْبَسْ شَيْئًا مِنَ الثَّابِ، مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ، وَلَا الْوَرْسُ، وَلَا تَنْتَقِبُ الْمَرْأَةُ الْحَرَامُ، وَلَا تَلْبَسُ الْقُفَّزَيْنِ))). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الحديث أخرجه البخاري، وقد تقدّم البحث فيه غير مرّة، فما بقي إلا البحث فيما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، فأقول: (مسألة): اختلف أهل العلم في لبس المرأة القفّازين: قال الحافظ أبو عمر رحمه الله تعالى: وأما القفّازان، فاختلفوا فيهما أيضًا: روي عن سعد بن أبي وقاص رضي اللّه تعالى عنه أنه كان يُلبس بناته، وهنّ محرمات القفّازين. ورخّصت فيهما عائشة رضي اللَّه تعالى عنها أيضًا. وبه قال عطاء، والثوريّ، ومحمد بن الحسن. وهو أحد قولي الشافعيّ. وقد یشبه أن یکون مذهب ابن عمر؛ لأنه كان يقول: إحرام المرأة في وجهها. وقال مالك: إن لبست المرأة قفّازين افتدت. وللشافعيّ قولان في ذلك: أحدهما تفتدي، والآخر لا شيء عليها. قال أبو عمر: الصواب عندي قول من نهى المرأة عن القفّازين، وأوجب عليها الفدية؛ لثبوته عن النبيّ وَّر انتهى كلام أبي عمر رحمه اللَّه تعالى(٢). (١) -وفي نسخة: ((القميص)). (٢) - ((الاستذكار)) ٣٠/١١-٣١. ٨٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله أبو عمر رحمه الله تعالى حسنٌ جدًّا، إلا قوله: ((وأوجب عليها الفدية؛ لثبوته عن النبيّ وَلقر))، فأين النصّ الذي يوجب الفدية؟. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أُنيب)). ٣٩- (التَّلْبيدُ عِنْدَ الإِخْرَام) قال الجامع عفا الله عنه: ((التلبيد)): مصدر لبّد، يقال: لبّدَ الشيءَ تلبيدًا: ألزق بعضه ببعض، حتى صار كااللُّبْد (١)، ولبّد الحاجّ شعره بخطميّ، ونحوه كذلك حتى لا يتشغث. قاله في ((المصباح)). والله تعالى أعلم بالصواب. ٢٦٨٢ - أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَخْتِى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعْ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أُخْتِهِ حَفْصَةَ، قَالَتْ: قُلْتُ لِلنَِّّ وَلِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا شَأَنُ النَّاسِ خَلُوا، وَلَّمْ تَحِلَّ مِنْ عُمْرَتِكَ؟، قَالَ: ((إِنِّي لَبَّدْتُ رَأْسِي، وَقَلَّدْتُ هَذْبِي، فَلَا أُحِلُّ حَتَّىَ أُحِلَّ مِنَ الْحَجْ))). رجال هذا الإسناد: ستة: ١- (عبيد الله بن سعيد) أبو قُدَامة السرخسي، ثقة ثبت [١٠] ١٥/١٥. ٢- (يحيى) بن سعيد القطان البصري الإمام الحجة الثبت [٩] ٤/٤. ٣- (عبيد الله بن عمر) بن حفص بن عمر بن الخطاب العمري، أبو عثمان المدني، ثقة ثبت فقيه [٥] ١٥/١٥ . ٤- (نافع) العدي مولى ابن عمر المدني، ثقة ثبت فقيه [٣] ١٢/١٢. ٥- (ابن عمر) هو: عبد اللَّه رَّت ١٢/١٢. والله تعالى أعلم. ٦- (حفصة) بنت عمر بن الخطاب أم المؤمنين رضوانفيها ٥٨٣/٣٩. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سداسيات المصنف تَخّْلهُ، وأن رجاله كلهم رجال الصحيح، وأنه (١) - ((اللبد بكسر، فسكون، وزان حِمْل: ما تلبّد من شعر، أو صوف. اهـ ((المصباح)).