Indexed OCR Text

Pages 41-60

=
٤١
٢٧ - (غَسْلُ الْمُخْرِم) - حديث رقم ٢٦٦٥
وقال أبو محمد ابن حزم: ٨٣/٦ -: فقد ظهر أن هذه الرواية لا تثبت أصلًا، بل لا
شكّ أنها مكذوبة؛ لأن اللَّه تعالى يقول في صفة نبيّه وَلّ: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْمَوَ إِنْ هُوَ إِلَّا
وَحْىٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣ و٤] فإذا كان كلامه وَ لَّ في الشريعة حقًّا، وواجبًا، فهو من اللَّه
تعالى بلا شكّ، وما كان من اللَّه تعالى، فلا يُختَلَف فيه، لقوله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ
غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلَفًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] وقد نهى اللَّه تعالى عن التفرّق
والاختلاف بقوله: ﴿وَلَا تَنَزَعُواْ﴾ [الأنفال: ٤٦] فمن المحال أن يأمر رسول اللَّه وَل
باتباع كلّ قائل من الصحابة ، وفيهم من يحلّل الشيء، وغيره يحرّمه، ولو كان
ذلك لكان بيع الخمر حلالاً، اقتداءً بسمرة بن جندب، ولكان أكل البَرَد للصائم حلالاً،
اقتداءً بأبي طلحة، وحرامًا اقتداءً بغيره منهم، ولكان ترك الغسل من الإكسال واجبًا،
اقتداء بعليّ، وعثمان، وطلحة، وأبي أيوب، وأبيّ بن كعب، وحرامًا اقتداء بعائشة،
وابن عمر، وكلّ هذا مرويّ عندنا بالأسانيد الصحيحة.
ثم أطال في بيان بعض الآراء التي صدرت من الصحابة، وأخطأوا فيها السنّة، وذلك
في حياته وَطاهر، وبعد مماته، ثم قال (٨٦): فكيف يجوز تقليد قوم يُخطئون،
ويصيبون؟ .
وقال قبل ذلك ٦٤/٥- تحت باب ((ذمّ الاختلاف)»:
وإنما الفرض علينا اتباع ما جاء به القرآن عن اللّه تعالى الذي شرع لنا دين الإسلام،
وما صحّ عن رسول اللَّه ◌َليل الذي أمره الله تعالى ببيان الدين ... فصحّ أن الاختلاف لا
يجب أن يراعى أصلًا، وقد غلط قومٌ، فقالوا: الاختلاف رحمة، واحتجوا بما رُوي
عن النبيّ ◌َالفقير: ((أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم)). قال: وهذا الحديث باطل
مكذوب من توليد أهل الفسق؛ لوجوه ضروريّة:
(أحدها): أنه لم يصحّ من طريق النقل. (والثاني): أنه وَلٍّ لم يَجُز أن يأمر بما نهى
عنه، وهوَ لَّلُ قد أخبر أن أبا بكر قد أخطأ في تفسير فسّره، وكَذَب عمر في تأويل
تأوله في الهجرة، وخطأ أبا السنابل في فتيا أفتى بها في العدّة. فمن المحال الممتنع
الذي لا يجوز البتة أن يكون مالَّلُ يأمر باتباع ما قد أخبر أنه خطأ، فيكون حينئذ أمر
بالخطأ، تعالى الله عن ذلك، وحاشا له وَ لّر من هذه الصفة، وهو ◌َّ قد أخبر أنهم
يُخطئون، فلا يجوز أن يأمر باتباع من يُخطىء، إلا أن يكون ◌ِالشَّلُ أراد نقلهم لما رووا
عنه، فهذا صحيح؛ لأنهم ه كلهم ثقات، فمن أيهم نقل فقد اهتدى الناقل.
(والثالث): أن النبيّ وَ ل ﴿ لا يقول الباطل، بل قوله الحقّ، وتشبيه المشبه للمصيبين
بالنجوم تشبيه فاسد، وكذب ظاهر؛ لأنه من أراد مطلع الجدي، فأمّ جهة مطلع

٤٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
السرطان لم يهتد، بل قد ضلّ ضلالاً بعيدً، وأخطأ خطأ فاحشًا، وليس كلّ النجوم
يُتدى بها في كلّ طريق، فبطل التشبيه المذكور، ووضح كذب ذلك الحديث، وسقوطه
وضوحًا ضروريًّا انتهى.
ونقل خلاصته ابن الملقّن في ((الخلاصة)) ١٧٥/ ٢ وأقرّه، وبه ختم على الحديث،
وقال: وقال ابن حزم: خبر مكذوب، موضوع، باطل، لم يصح قط.
وروي هذا الحديث بلفظ آخر، وهو:
((أهل بيتي كالنجوم، بأيهم اقتديتم اهتديتم)). وهو في نسخة أحمد بن نبيط الكذّاب.
وقد قال الذهبيّ في هذه النسخة: فيها بلايا، وأحمد بن إسحاق لا يحلّ الاحتجاج به،
فإنه كذاب. وأقرّه الحافظ في ((اللسان)).
(وأما حديث: ((اختلاف أمتي رحمة))): فلا أصل له، قال السبكي رحمه الله تعالى:
ليس بمعروف عند المحدّثين، ولم أقف له على سند صحيح، ولا ضعيف، ولا
موضوع .
وأما قول السيوطيّ في ((الجامع الصغير)): ولعله خُرّج في بعض كتب الحفّاظ التي لم
تصل إلينا. فمن أعجب ما يُسمع ويرى من أمثال السيوطيّ الجامع بين النقل والعقل،
فهل نقول لكل حديث موضوع: فلعل له سندًا صحيحًا لم يصل إلينا، إن لهو العجب
العجاب !.
وقال أبو محمد ابن حزم رحمه الله تعالى في ((الإحكام في أصول الأحكام)) ٥/ ٦٥
بعد أن أشار إلى أنه ليس بحديث: وهذا من أفسد قول يكون، لأنه لو كان الاختلاف
رحمة لكان الاتفاق سخطًا، وهذا ما لا يقوله مسلم، لأنه ليس إلا اتفاق، أو اختلاف،
وليس إلا رحمة، أو سخط.
[فإن قيل]: إن الصحابة
* قد اختلفوا، وهم أفاضل الناس، أفيلحقهم الذم
المذكور؟ .
[قلت]: أجاب عنه الإمام ابن حزم رحمه اللّه تعالى، فقال في كتابه المذكور ٥٪
٦٧-٦٨ -: كَلّا ما يلحق أولئك شيء من هذا؛ لأن كلّ امرىء منهم تحرّى سبيل الله،
ووجهة الحقّ، فالمخطىء منهم مأجور أجرًا واحدًا؛ لنيته الجميلة في إرادة الخير، وقد
رُفع عنهم الإثم في خطئهم؛ لأنهم لم يتعمّدوه، ولا قصدوه، ولا استهانوا بطلبهم،
والمصيب منهم مأجور أجرين، وهكذا كلّ مسلم إلى يوم القيامة فيما خفي عليه من
الدين، ولم يبلغه، وإنما الذمّ المذكور، والوعيد المنصوص لمن ترك التعلّق بحبل الله
تعالى، وهو القرآن، وكلام النبيّ ◌َّر بعد بلوغ النصّ إليه، وقيام الحجّة به عليه، وتعلّق

٤٣
٢٨- (النَّهْيُ عَنِ الثَّابِ الْمَصْبُوْغَةِ ... - حديث رقم ٢٦٦٧
بفلان وفلان، مقلّدًا عامدًا للاختلاف، داعيًا إلى عصبيّة، وحميّة الجاهليّة، قاصدًا
للفرقة، متحريًا في دعواه بردّ القرآن والسنة إليها، فإن وافقها النصّ أخذ به، وإن خالفها
تعلّق بجاهليّته، وترك القرآن، وكلام النبيّ بَّر، فهولاء هو المختلفون المذمومون،
وطبقة أخرى، وهم قوم بلغت بهم رقّة الدين، وقلّة التقوى إلى طلب ما وافق أهواءهم
في قول كلّ قائل، فهم يأخذون ما كان رخصة في قول كلّ عالم، مقلّدين له غير طالبين
ما أوجبه النصّ عن اللَّه، وعن رسوله وَّر. انتهى كلام ابن حزم رحمه الله تعالى، وهو
تحقيقٌ نفيس جدًّا لمن كان له قلب، أو ألقى السمع وهو شهيد. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أُنيب)).
٢٨- (الثَّهْيُ عَنِ الثِّيَّابِ الْمَصْبُوغَةِ
بِالْوَرْسِ، وَالزَّعْفَرَانِ فِي الإِخْرَامِ)
٢٦٦٦ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةٌ عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ، عَنِ
ابْنِ الْقَاسِم، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: (نَهَى
رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ، أَنْ يَلْبَسَ الْمُخْرِمُ، قَوْبًا مَصْبُوغَا بِزَعْفَرَانٍ، أَوْ بِوَرْسٍ))).
رجال هذا الإسناد تقدم الكلام عليهم قريبًا والحديث يأتي شرحه في الذي بعده
والسند تقدم قبل باب، غير عبد الله بن دينار العدوي مولاهم المدني، ثقة [٤] ١٦٧/
٢٦٠ . والصحابي يأتي في السند التالي،. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٦٦٧ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمِ، عَنْ أَبِيهِ،
قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ، مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِنَ الثَّيَابِ؟، قَالَ: ((لَا يَلْبَسُ الْقَمِيصَ، وَلَا
الْبُرْنُسَ، وَلَا السَّرَاوِيلَ، وَلَا الْعِمَامَةَ، وَلَا ثَوْبًا مَسَّهُ وَرَسٌ، وَلَا زَعْفَرَانٌ، وَلَا خُفَّيْنِ، إِلَّا
لِمَنْ لَا يَجِدُ نَعْلَيْنٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنٍ، فَلْيَقْطَعْهُمَا حَتَّى يَكُونَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١- (محمد بن منصور) الجّواز المكي، ثقة [١٠] ٢١/٢٠.
٢- (سفيان) بن عيينة، أبو محمد المكي، ثقة ثبت [٨] ١/١.

٤٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
٣- (الزهري) محمد بن مسلم أبو بكر المدني الإمام الحجة الثبت [٤] ١/١ .
٤- (سالم) بن عبد الله بن عمر العدوي المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت [٣] ٢٣ /٤٩٠.
٥- (أبوه) عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما ١٢/١٢ . والله
تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من خماسيات المصنف تَّهُ، وأن رجاله رجال الصحيح غير شيخه فإنه
من أفراده، وأنه مسلسل بالمدنيين من الزهري والباقيان مكيان، وفيه رواية الابن عن
أبيه، وتابعي عن تابعي، وفيه سالم أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، وفيه ابن
عمر رؤيتنا أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، وأن هذا الإسناد أحد الأسانيد التي
قيل فيها: إنها أصح الأسانيد. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ سَالِم) بن عبد الله (عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن عمر بن الخطّاب رضي اللّه تعالى
عنهما، أنه (َقَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ وَ﴿) وفي رواية نافع: ((أن رجلاً سأل رسول الله
مَالخير)). قال الحافظ: لم أقف على اسمه في شيء من الطرق. وفي رواية الليث، عن
نافع بلفظ: ((قام رجل، فقال: يا رسول الله ما ذا تأمرنا أن نلبس من الثياب في
الإحرام؟)). وفي رواية عمر بن نافع، عن أبيه: ((أن رجلًا سأل رسول اللَّه وَلترله ما نلبس
من الثياب إذا أحرمنا)). وفي رواية أيوب، عن نافع: ((نادى النبيّ ◌َّو رجل، فقال: ما
نلبس إذا أحرمنا)).
وهذا مشعر بأن السؤال عن ذلك كان قبل الإحرام.
وقد حكى الدارقطنيّ، عن أبي بكر النيسابوريّ أن في رواية ابن جريج، والليث،
عن نافع أن ذلك كان في المسجد. قال الحافظ: ولم أر ذلك في شيء من الطرق
عنهما. نعم أخرج البيهقيّ ٤٩/٥-من طريق عبد الله بن عون، عن نافع، عن ابن
عمر، قال: قام رجل من هذا الباب -يعني بعض أبواب مسجد المدينة-، فقال: يا
رسول اللَّه ما يلبس المحرم؟.
و٤٩/٥ من طريق حمّاد بن زيد، عن أيوب، ومن طريق عبد الوهاب بن عطاء، عن
عبد الله بن عون، كلاهما عن نافع، عن ابن عمر: نادى رجل رسول اللّه وَالتله وهو
يخطب بذلك المكان)) -وأشار نافع إلى مقدّم المسجد- فذكر الحديث. فظهر أن ذلك
كان بالمدينة .

=
٤٥
٢٨- (التَّهْيُ عَنِ الثَّيَّابِ الْمَصْبُوْغَةِ ... - حديث رقم ٢٦٦٧
ووقع في حديث ابن عباس عند الشيخين: خطبنا رسول اللَّه ◌َ ل بعرفات، فقال: من
لم يجد الإزار ... )) الحديث، فيحمل على التعدّد، ويؤيّده أن حديث ابن عمر أجاب به
السائل، وحديث ابن عبّاس ابتدأ به في الخطبة انتهى(١).
(مَا يَلْبَسُ) ((ما)) استفهامية، أو موصولة، أو موصوفة في محل نصب مفعول ثان
((سأل)). و((يلبس)) بفتح المثنّة، والموحّدة، من اللبس بضم اللام، يقال: لبس الثوب
يلبسه، من باب علم يعلم. وأما اللبس بفتح اللام، فهو مصدر لَيَستُ عليه الأمرَ ألبسه،
من باب ضرب: إذا خلطت عليه، ومنه اشتباهه، ولا يناسِبُ هنا.
(الْمُخْرِمُ) المراد به الرجل، لا المرأة؛ لأنها لا تمنع من لبس هذه الأنواع. قال ابن
المنذر رحمه اللّه تعالى: أجمعوا على أن للمرأة لبس جميع ما ذُكر، وإنما تشترك مع
الرجل في منع الثوب الذي مسّه الزعفران، أو الورس، وسيأتي الكلام على ذلك، إن
شاء اللّه تعالى (مِنَ الثّابِ؟) أي من أنواع الثياب، وهو بيان ((ما))، أو للمسؤول عنه.
[تنبيه]: قوله: ((ما يلبس المحرم من الثياب الخ)) هذا هو المشهور في الرواية عن
نافع، عن ابن عمر، وقد رواه أبو عوانة من طريق ابن جريج، عن نافع، بلفظ: ((ما
يترك المحرم؟)). قال الحافظ: وهي شاذة، والاختلاف فيها على ابن جريج، لا على
نافع. وأخرجه أحمد٨/٢ عن سفيان بن عيينة، عن الزهريّ، عن سالم، عن ابن عمر،
فقال مرّةً: ((ما يترك؟))، ومرّةً: ((ما يلبس)). وأخرجه أبو داود، عن ابن عيينة بلفظ: ((ما
يترك؟)) من غير شكّ. ورواه سالم، عن ابن عمر بلفظ: ((أن رجلًا قال: ما يجتنب
المحرم؟)). أخرجه أحمد ٣٤/٢، وابن خزيمة، وأبو عوانة في ((صحيحيهما)) من طريق
عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهريّ، عنه. وأخرجه البخاريّ في أواخر الحجّ من
طريق إبراهيم بن سعد، عن الزهريّ بلفظ نافع، فالاختلاف فيه على الزهريّ يُشعر بأن
بعضهم رواه بالمعنى، فاستقامت رواية نافع؛ لعدم الاختلاف فيها.
(قَالَ: ((لَا يَلْبَسُ) بالرفع على الخبر على الأشهر، وهو في معنى النهي. وروي
بالجزم على أنه نهي .
وفي رواية نافع الآتية: «٢٦٦٩/٣٠: ((لا تلبسوا)) بضمير الجمع.
وهذا الجواب مطابق للسؤال على إحدى الروايتين، وهي قول السائل: ((ما يترك
المحرم؟))، أو ((ما يجتنب المحرم؟))، وأما على الرواية المشهورة، أي قول السائل:
((ما يلبس المحرم))، فإن المسؤول عنه ما يلبسه المحرم، فأجيب بذكر ما لا يلبسه،
(١) - ((الفتح)) ٤ /١٨٢.

=
٤٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
والحكمة فيه أن ما يجتنبه المحرم، ويمتنع عليه لبسه محصور، فذِكْرُه أولى، ويبقى ما
عداه على الإباحة، بخلاف ما يُباح لبسه، فإنه كثير، غير محصور، فذكره تطويل، وفيه
تنبيه على أن السائل لم يُحسن السؤال، وأنه كان الأليق السؤال عما يتركه، فعدل عن
مطابقته إلى ما هو أولى، وبعض علماء المعاني يسمّي هذا بـ((أسلوب حكيم))، وقريب
منه قوله تعالى: ﴿يَسْتَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَّ قُلْ مَآ أَنْفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ﴾ الآية [البقرة: ٢١٥]،
فالسؤال عن جنس المنفق، فعدل عنه في الجواب إلى جنس المنفق عليه؛ لأنه أهمّ،
وكان اعتناء السائل بالسؤال عنه أولى.
ومثله قوله تعالى: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْأَمِلَّةِّ قُلْ هِىَ مَوَقِيْتُ لِلنَّاسِ وَاَلْحَجُّ﴾ الآية.
قال النوويّ في ((شرح مسلم)): قال العلماء: هذا من بديع الكلام، وجَزْله، فإنه وَليه
سُئل عما يلبسه المحرم، فقال: لا تلبسوا كذا وكذا، فحصل في الجواب أنه لا يلبس
المذكورات، ويلبس ما عداها، فكان التصريح بما لا يُلبس أولى؛ لأنه منحصر، فأما
الملبوس الجائز للمحرم، فغير منحصر، فضبط الجميع بقوله: ((لا يلبس كذا وكذا)»
يعني، ويلبس ما سواه انتهى.
وقال البيضاويّ: سئل عما يلبس، فأجاب بما لا يُلبس ليدلّ بالالتزام من طريق
المفهوم على ما يجوز، وإنما عدل عن الجواب؛ لأنه أخصر، وأحصر. وفيه إشارة إلى
أن حقّ السؤال عما لا يبلس.
وقال الشيخ ابن دقيق العيد في ((شرح العمدة)): فيه دليل على أن المعتبر في الجواب
ما يحصل به المقصود، كيف كان؟ ولو بتغيير، أو زيادة، ولا يشترط المطابقة انتهى.
(الْقَمِيصَ) بالإفراد، وفي الرواية الآتية ((القُمُص)) بضمّتين، وهو جمع قميص، وهو
نوع من الثياب معروف، وهو الدرع. وذكر ابن الهمام في أبواب النفقة من ((فتح القدير))
أنهما سواء، إلا أن القميص يكون مجيبًا من قبل الكتف، والدرع من قبل الصدر انتهى.
ونبّه به وبالسراويل على جميع ما في معناهما، وهو ما كان محيطًا، أو مخيطًا معمولًا
على قدر البدن، أو قدر عضو منه، وذلك مثل الجبّة، والقميص، والقباء، والتُّان،
والقفّاز.
(وَلَّا الْبُرْنُسَ) بضمتين، جمعه برانيس بفتح الموحّدة، وكسر النون، قال الأزهريّ،
وصاحب ((المحكم))، وغيرهما: البرنس كلّ ثوب رأسه ملتزق به، درّاعة كانت، أو
جبّة، أو مِمْطَرًا (١)، من البِرْس بكسر الباء، وهو القطن، والنون زائدة.
(١) - ((الممطر)) بكسر الميم الأولى، وفتح الطاء: ما يُلبس في المطر، يُتوقّى به. ذكره في ((المرعاة))
٣٣٣/٩ ٠

٤٧
٢٨ - (النَّهْيُ عَنِ الثِيَّابِ الْمَصْبُوْغَةِ ... - حديث رقم ٢٦٦٧
قال النوويّ: نبّه بالعمائم، والبرانس على كلّ ساتر للرأس، مخيطًا كان، أو غيره
حتى العصابة، فإنها حرام، فإن احتاج إليها لشجّة، أو صُداع، أو غيرهما شدّها، ولزمته
الفدية انتهى.
وقال الخطّابيّ: ذكر العمامة، والبرنس معًا ليدلّ على أنه لا يجوز تغطية الرأس لا
بالمعتاد، ولا بالنادر. قال: ومن النادر الْمِكْتَل يحمله على رأسه. قال الحافظ: إن أراد
أنه يجعله على رأسه كلابس القبع صحّ ما قال، وإلا فمجرّد وضعه على رأسه على
هيئات الحامل لحاجته لا يضرّ. ومما لا يضرّ أيضًا الانغماس في الماء، فإنه لا يسمى لا
بسًا، وكذا ستر الرأس باليد انتهى.
وقال الحافظ وليّ الدين: والمشهور من مذهب الشافعيّ أنه لا تحريم في حمل
المكتل، ولا فدية فيه، وبه قال أبو حنيفة، وأحمد، وقال المالكيّة: لا بأس أن يحمل
على رأسه ما لا بدّ له منه، كخَرْجِه، وجرابه، ولا يحمل ذلك لغيره تطوّعًا، ولا
بإجارة، فإن فعل افتدى، ولا يحمل لنفسه تجارة، قال أشهب: إلا أن يكون عيشه بذلك
انتھی .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: تفرقة المالكية بين ما يحمله لنفسه، ولغيره يحتاج
إلى دليل. والله تعالى أعلم.
(وَلَّا السَّرَاوِيلَ) هو واحد جاء بلفظ الجمع. وقيل: جمع سِزوالة، وهو ثوب خاصّ
بالنصف الأسفل من البدن. قال في ((القاموس)): السراويل فارسيّة معرّبة، جمعها
سراويلات، أو هي جمع سِزْوال، وسِزْوالة انتهى. وقال صاحب ((المحكم)): السراويل
فارسيّ معرّب، يذكّر، ويؤنّث، ولم يعرف الأصمعيّ فيها إلا التأنيث، والجمع
سراويلات، والسراوين -بالنون -: السراويل. زعم يعقوب أن النون فيها بدلٌ من
اللام. وقال أبو حاتم السجستانيّ: وسمعت من الأعراب من يقول: الشراويل -بالشين
المعجمة- انتهى.
(وَلَا الْعِمَامَةَ) - بكسر العين -: هي ما يُلفّ على الرأس. سميت بذلك لأنها تعمّ جميع
الرأس. ونبّه به على كلّ ساتر للرأس مخيطًا، أو غير مخيط، حتى العصابة، فإنها حرام.
(وَلَّا ثَوْبًا مَسَّهُ وَرْسٌ) -بفتح الواو، وسكون الراء، بعدها سين مهملة- قال في
(القاموس)): نبات كالسمسم، ليس إلا باليمن يُزرع، فيبقى عشرين سنة، نافع للكلف
طلاء، والبَهَق شُربًا. وقال الجوهريّ: الورس نبت أصفر يكون باليمن. وقال الحافظ:
الورس نبت أصفر طيّب الريح، يُصبغ به.
قال ابن العربيّ: الورس ليس بطيب، ولكنه نبّه به على اجتناب الطيب، وما يشبهه

٤٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
في ملاءمة الشمّ، فيؤخذ منه تحريم أنواع الطيب على المحرم، وهو مجمع عليه فيما
يُقصد به التطيّب.
(وَلَا زَعْفَرَانٌ) بالتنكير والتنوين؛ لأنه ليس فيه إلا الألف والنون فقط، وهو لا يمنع
الصرف، وهو بفتح الزاي، وسكون العين المهملة، وفتح الفاء، والراء -: اسم عربيّ.
وقيل: اسم عجميّ تصرّفت فيه العرب، فقالوا: ثوب مزعفرٌ، وقد زعفر ثوبه يزعفره
زعفرةً، ویجمع علی زعافر.
واستُدلّ بقوله: ((مسّه)) على تحريم ما صُبغ كلّه، أو بعضه، ولو خفيت رائحته. قال
مالك في ((الموطًا)): إنما يكره لبس المصبّغات؛ لأنها تنفض. وقال الشافعيّة: إذا صار
الثوب بحیث لو أصابه الماء لم تفح له رائحة لم يُمنع. والحجة فیه حدیث ابن عبّاس
رضي الله تعالى عنهما، عند البخاريّ، وفيه: ((ولم ينه عن شيء من الثياب، إلا
المزعفرة التي تَرْدَعُ الجلدَ(١) ... )) الحديث.
وأما المغسول، فقال الجمهور: إذا ذهبت الرائحة جاز، خلافًا لمالك، ففي
((الموطإ)»: سئل مالك عن ثوب مسّه طيب، ثم ذهب ريح الطيب منه، هل يُحرِم فيه؟،
قال: نعم، ما لم یکن فيه صباغ زعفران، أو ورس انتهى.
واستُدلّ للجمهور بما رواه أبو معاوية عن عبيدالله بن عمر، عن نافع في هذا
الحديث: ((إلا أن يكون غسيلًا)). أخرجه يحيى بن عبد الحميد الحِمّانيّ في ((مسنده))
عنه. ورَوَى الطحاويّ عن أحمد ابن أبي عمران أن يحيى بن معين أنكره على الحمانيّ،
فقال له عبد الرحمن بن صالح الأزديّ: قد كتبته عن أبي معاوية، وقام في الحال،
فأخرج له أصله، فکتبه عنه يحيى بن معين انتهى.
وهي زيادة شاذة؛ لأن أبا معاوية، وإن كان متقنًا، لكن في حديثه عن غير الأعمش
مقال. قال أحمد: أبو معاوية مضطرب الحديث في عبيدالله، ولم يجىء بهذه الزيادة غيره.
قال الحافظ: والحمّانيّ ضعيف، وعبد الرحمن الذي تابعه فيه مقال.
ورد العينيّ إعلال هذا الحديث بما ذُكر، وصحح الحديث، وقال: وقد روى أحمد
في ((مسنده)) من حديث ابن عبّاس حديثا يدلّ على جواز لبس المزعفر للمحرم، إذا لم
یکن فیه نفض، ولا ردع(٢).
(١) - أي تلطخ، يقال: ردع: إذا التطخ، والردع أثر الطيب. قاله في ((الفتح)) ١٨٨/٤.
(٢) -٣٣٠٣ - حدثنا يزيد، أخبرنا الحجاج، عن عطاء، أنه كان لا يرى بأسا، أن يحرم الرجل، في
ثوب مصبوغ بزعفران، قد غسل، ليس فيه نفض، ولا ردع.
حدثنا يزيد، أخبرنا الحجاج، عن الحسين بن عبد الله بن عبيد الله، عن عكرمة، عن ابن
عباس، عن النبي ◌َّ مثله.

٤٩
٢٨ - (النَّهْيُ عَنِ الثَّيَّابِ الْمَصْبُوْغَةِ ... - حديث رقم ٢٦٦٧
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: فيما قال العينيّ نظر لا يخفى، فإن أبا معاوية زيادةً
على ما ذكر من اضطرابه في حديث غير الأعمش كما قال أحمد، فإنه مدلّس، كما
صرّح به يعقوب بن شيبة، وابن سعد، وقد عنعنه هنا، فكيف يصح؟.
وأما الحديث الذي ذكره عن ((المسند)) ففي سنده حجاج بن أرطاة كثير التدليس عن
الضعفاء، وفيه أيضًا حسين بن عبد الله بن عبيدالله، وهو ضعيف، كما قاله الحافظ
الهيثميّ في ((مجمع الزوائد»٢١٩/٣. فالحقّ ما قاله الإمام مالك رحمه الله تعالى، من
عدم جواز لبس المصبوغ بزعفران، أوورس، وإن كان مغسولًا؛ لإطلاق حديث
الباب، وعدم صحة ما احتجّ به الجمهور، كما عرفته آنفًا. والله تعالى أعلم.
واستدلّ به المهلّب على منع استدامة الطيب. وفيه نظر. واستنبط من منع لبس
الثوب المزعفر منع أكل الطعام الذي فيه الزعفران. وهذا قول الشافعيّة. وعن المالكيّة
خلاف. وقال الحنفيّة: لا يحرم؛ لأن المراد اللبس، والتطيّب، والآكل لا يُعدّ
متطيّبًا .
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ما قاله الحنفيّة عندي أقوى. والله تعالى أعلم.
(وَلَا خُفَّيْنِ) تثنية خُفّ بضم، فتشديد، وفي رواية نافع الآتية: ((ولا الخفاف))، وهو
بالكسر جمع خفّ (إِلَّا لِمَنْ لَا يَجِدُ نَعْلَيْنِ) وفي رواية نافع الآتية: ((إلا أحد لا يجد
نعلين)). قال القاري: ((أحد)) بالرفع على البدلية من واو الضمير -يعني في رواية ((لا
تلبسوا)). وقال الزرقانيّ في ((شرح الموطإ)) بالنصب عربيّ جيّد. وروي بالرفع، وهو
المختار في الاستثناء المتّصل بعد النفي وشبهه. وقال الزين ابن المنير: يستفاد منه جواز
استعمال ((أحد)) في الإثبات، خلافًا لمن خصّه بضرورة الشعر، كقوله:
وَقَدْ ظَهَرْتَ فَلَا تَخْفَى عَلَى أَحَدٍ إِلَّا عَلَى أَحَدٍ لَا يَغْرِفُ الْقَمَرَا
قال: والذي يظهر لي بالاستقراء أنه لا يستعمل في الإثبات إلا إن كان يعقبه نفيٌ،
وكان الإثبات حينئذ في سياق النفي.
(فَإِنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنٍ) قال الحافظ: المراد بعدم الوجدان أن لا يقدر على تحصيله إما
لفقده، أو عدم بذل المالك له، أو عجزه عن الثمن، إن وجد من يبيعه، أو الأجرة،
ولو بيع بغبن لم يلزمه شراؤه، أو وهب له لم يجب قبوله إلا إن أعیر له انتهى.
واستُدلّ به على أن من وجد النعلين لا يلبس الخفّين المقطوعين، وهو قول
الجمهور، وأجازه الحنفيّة، وبعض الشافعيّة. وقال ابن العربيّ: إن صارا كالنعلين
جاز، وإلا متى سترا من ظاهر الرجل شيئًا لم يجز إلا للفاقد. وقال الزرقانيّ: فإن
لبسهما مع وجود النعلين افتدى عند مالك، والليث، وعن الشافعيّ قولان انتهى.

٥٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
(فَلْيَقْطَعْهُمَا) وفي رواية نافع: ((فليلبس الخفين، وليقطعهما أسفل من الكعبين)). قال
الحافظ: ظاهر الأمر للوجوب، لكنه لما شُرع للتسهيل لم يناسب التثقيل، وإنما هو
للرخصة انتهى.
(حَتَّى يَكُونَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ) يعني أن فاقد النعلين إذا أراد أن يلبس الخفين
يقطعهما بحيث يصير الكعبان، وما فوقهما من الساق مكشوفًا، لا قطع موضع الكعبين
فقط .
قال في ((الفتح)): والمراد كشف الكعبين في الإحرام، وهما العظمان الناتئان عند
مفصل الساق والقدم. ويؤيّده ما روى ابن أبي شيبة، عن جرير، عن هشام بن عروة،
عن أبيه، قال: إذا اضطرّ المحرم إلى الخفّين خرق ظهورهما، وترك فيهما قدر ما
يستمسك رجلاه. وقال محمد بن الحسن، ومن تبعه من الحنفيّة: الكعب هنا هو العظم
الذي في وسط القدم عند معقد الشراك. وقيل: إن ذلك لا يُعرف عند أهل اللغة.
وقيل: إنه لا يثبت عن محمد، وإن السبب في نقله عنه أن هشام بن عبيدالله الرازيّ
سمعه يقول في مسألة المحرم إذا لم يجد النعلين حيث يقطع خفيه، فأشار محمد بيده
إلى موضع القطع، ونقله هشام إلى غسل الرجلين في الطهارة، وبهذا يتعقّب على من
نقل عن أبي حنيفة كابن بطّال أنه قال: إن الكعب هو الشاخص في ظهر القدم، فإنه لا
يلزم من نقل ذلك عن محمد بن الحسن -على تقدير صحّته عنه- أن يكون قول أبي
حنيفة. ونقل عن الأصمعيّ، وهو قول الإماميّة أن الكعب عظم مستدير تحت عظم
الساق حيث مفصل الساق والقدم. وجمهور أهل اللغة على أن في كلّ قدم كعبين.
وظاهر الحديث أنه لا فدية على من لبسهما، إذا لم يجد النعلين. وعن الحنفيّة
تجب. وتُعُقّب بأنها لو وجبت لبيّنها النبيّ ◌َّوَ لأنه وقت الحاجة.
واستدلّ به على اشتراط القطع، خلافًا للمشهور عن أحمد، فإنه أجاز لبس الخفّين
من غير قطع؛ لإطلاق حديث ابن عبّاس عند البخاريّ في أواخر الحجّ بلفظ: ((ومن لم
يجد نعلين، فليلبس خفّين)). وتُعُقْب بأنه موافق على قاعدة حمل المطلق على المقيّد،
فينبغي أن يقول بها هنا.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: سيأتي للمصنف - ٣٨/ ٢٦٨٠ - من طريق أيوب،
عن عمرو بن دينار، عن جابر بن زيد، عن ابن عبّاس رضي اللَّه تعالى عنهما بلفظ:
((وإذا لم يجد النعلين، فليليبس الخفّين، وليقطعهما أسفل من الكعبين))، فلو صحّت
هذه الزيادة، فلا حاجة إلى القول بالتقييد بحديث ابن عمر رضي اللَّه تعالى عنهما؛
لكنها لا تثبت في حديث ابن عباس، كما سيأتي بيانه هناك، إن شاء الله تعالى.

٢٨- (النَّهْيُ عَنِ النِيَّابِ الْمَصْبُوْغَةِ ... - حديث رقم ٢٦٦٧
=
٥١
قال: وأجاب الحنابلة بأشياء: منها: دعوى النسخ في حديث ابن عمر، فقد روى
الدار قطنيّ، من طريق عمرو بن دينار أنه روى عن ابن عمر حديثه، وعن جابر بن زيد
عن ابن عبّاس حديثه، وقال: انظروا أيّ الحديثين قبلُ؟، ثم حكى الدارقطنيّ، عن أبي
بكر النيسابوريّ أنه قال: حديث ابن عمر قبلُ، لأنه كان بالمدينة قبل الإحرام، وحديث
ابن عباس بعرفات.
وأجاب الشافعيّ عن هذا في ((الأمّ))، فقال: كلاهما صادق حافظ، وزيادة ابن عمر
لا تخالف ابن عباس؛ لاحتمال أن تكون عزبت عنه، أو شكّ، أو قالها، فلم يقلها عنه
بعض رواته انتهى.
قال: وسلك بعضهم الترجيح بين الحديثين، قال ابن الجوزيّ: حديث ابن عمر
اختلف في وقفه ورفعه، وحديث ابن عباس لم يُختلف في رفعه انتهى.
قال الحافظ: وهو تعليل مردود، بل لم يُختلف على ابن عمر في رفع الأمر بالقطع
إلا في رواية شاذّة، على أنه اختُلف في حديث ابن عبّاس أيضًا، فرواه ابن أبي شيبة
بإسناد صحيح، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس موقوفًا. ولا يرتاب أحد من
المحدّثين أن حديث ابن عمر أصحّ من حديث ابن عبّاس؛ لأن حديث ابن عمر جاء
بإسناد وُصف بكونه أصحّ الأسانيد، واتفق عليه عن ابن عمر غير واحد من الحفّاظ،
منهم نافع، وسالم، بخلاف حديث ابن عبّاس، فلم يأت مرفوعًا إلا من رواية جابر بن
زيد عنه، حتى قال الأصيليّ: إنه شيخٌ بصريّ، لا يُعرف، كذا قال. وهو معروف،
موصوفٌ بالفقه عند الأئمة.
واستدلّ بعضهم بالقياس على السراويل، كما سيأتي البحث عنه فيه في حديث ابن
عبّاس، إن شاء الله تعالى.
وأجيب بأن القياس مع وجود النصّ فاسد الاعتبار.
واحتجّ بعضهم بقول عطاء: إن القطع فساد، والله لا يحبّ الفساد. وأجيب بأن
الفساد إنما يكون فيما نَهَى الشرع عنه، لا فيما أذن فيه.
وقال ابن الجوزيّ: يُحمل القطع على الإباحة، لا على الاشتراط؛ عملًا بالحديثين.
ولا يخفى تكلّفه انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: تبيّن بهذا أن ما ذهب إليه الجمهور من وجوب قطع
الخفين، حتى يكونا أسفل من الكعبين، هو الحقّ، حملًا لحديث ابن عباس على
حديث ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهم، وبه يحصل العمل بالحديثين، من غير إلغاء
أحدهما. والله تعالى أعلم بالصواب.

٥٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
[تنبيه]: زاد الثوريّ في روايته لهذا الحديث عن أيوب، عن نافع: ((ولا القباء)).
أخرجه عبد الرزاق عنه. قال الحافظ العراقيّ: وهو صحيح محفوظ من حديث سفيان
الثوريّ، عن أيوب. ورواه الطبرانيّ من وجه آخر عن الثوري. وأخرجه الدار قطنيّ،
والبيهقيّ من طريق حفص بن غياث، عن عبيدالله بن عمر، عن نافع أيضًا بلفظ:
((والأقبية)). قال العراقيّ إسناده صحيح.
و((القباء)» بالقاف والموحدة: معروف، ويطلق على كلّ ثوب مفرج. ومنع لبسه متّفق
عليه، إلا أن أبا حنيفة قال: يشترط أن يدخل يديه في كميه، لا إذا ألقاه على كتفيه،
ووافقه أبو ثور، والخرقيّ من الحنابلة. وحكى الماورديّ نظيره إن كان كمه ضيّقًا، فإن
كان واسعًا فلا. قاله في ((الفتح))(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله الجمهور من أنه لا يجوز لبس القباء مطلقًا،
سواء أدخل يديه في كميه أم لا هو الحقّ؛ لإطلاق النصّ. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عبد الله بن عمر رضي اللَّه تعالى عنهما هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٢٦٦٦/٢٨ و٢٦٦٧ و٢٦٦٩/٣٠ و٢٦٧٠/٣١ و٢٦٧٣/٣٣ و٣٤/
٢٦٧٤ و٢٦٧٥ و٢٦٧٦/٣٥ و٢٦٧٧ و٢٦٧٨/٣٦ و٢٦٨٠/٣٨ و٢٦٨١/٣٩ - وفي
«الكبرى)) ٣٦٤٦/٢٨ و٣٦٤٧ و٣٦٤٩/٣٠ و٣٦٥٠/٣١ و٣٦٥٣/٣٣ و٣٦٥٤/٣٤
و ٣٦٥٥ و٣٦٥٦/٣٥ و٣٦٥٧ و٣٦٥٨/٣٦ و٣٦٦٠/٣٨ و٣٩/ ٣٦٦١ .
وأخرجه (خ) في ((العلم)) ١٣٤ و((الصلاة»٣٦٦ و((الحج)) ١٥٤٢ و١٨٣٨ و١٨٤٢
و((اللباس)» ٥٧٩٤ و٥٨٠٣ و٥٨٠٥ و٥٨٠٦ و٥٨٤٧ و٥٨٥٢ و(م) في ((الحج)) ١١٧٧
(د) في ((المناسك))١٨٢٣ (ت) في ((الحج)»٨٣٣ (ق) في ((المناسك))٢٩٢٩ و٢٩٣٠
و٢٩٣٢ (أحمد) في ((مسند المكثرين)»٤٤٤٠ و٤٤٦٨ و٤٥٢٤ و٤٧٢٦ و٤٨٢٠
و٤٨٤١ و٤٨٥٣ و٤٨٨١ و٥٠٥٥ و٥٠٨٧ و٥١١٠ ٥١٤٤ و٥١٧١ و٥٢٨٦ و٥٣٠٣
و٥٣١٤ و٥٤٠٤ و٥٤٠٨ و٥٤٤٩ و٥٥٠٣ و٥٧٨١ و٦٢٠٨ (الموطأ) في ((الحج))
٧١٦ و٧١٧ (الدارمي) في ((المناسك)) ١٧٩٨ و١٨٠٠ . والله تعالى أعلم.
(١) - ((فتح) ٤ / ١٨٦.

٢٨- (النَّفْيُ عَنِ الثَّابِ الْمَصْبُوْغَةِ ... - حديث رقم ٢٦٦٧
=
٥٣
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه اللّه تعالى، وهو بيان النهي عن لبس الثياب
المصبوغة بالورس والزعفران. (ومنها): أن فيه تحريم لبس هذه الأمور المذكورة، وما
في معناها على المحرم، وهو مجمع عليه، فنبه بالقميص على كل مخيط معمول على
قدر البدن، وبالسراويل على ما هو معمول على قدر عضو منه، وبالعمامة على الساتر
للرأس، وإن لم يكن مخيطًا، وبالبرنس على الساتر له، وإن كان لبسه نادرًا، ومن ذلك
يفهم تحریم ستر الرأس مطلقًا، وكذا یحرم ستر بعضه إذا كان قدرًا يقصد ستره لغرض،
بخلاف الخيط ونحوه، ولا يضرّ الانغماس في الماء، والستر بكفه. وبالخفّ على كل
ساتر للرجل من مداس، وجمجم، وجورب، وغيرها.
قال الحافظ وليّ الدين: ويقدح في دعوى الإجماع ما رواه سعيد بن منصور في
(سننه)) عن عطاء بن أبي رباح أنه رخّص للمحرم في لبس الخفّ في الدلجة. قال
الحافظ العراقي في ((شرح الترمذيّ)»: ولا يعرف ذلك لغير عطاء، إلا أن الطحاويّ روی
في ((بيان المشكل)) أن عمر تظلثم رأى على عبد الرحمن بن عوف نَظُهُ خفّين، وهو
محرم، فقال: وخفّين أيضًا، وأنت محرم؟ فقال: فعلته مع من هو خير منك. قال
العراقيّ: فلعلّ هذا مستند عطاء، ويحتمل عدم وجدان عبد الرحمن للنعلين انتهى (١).
(ومنها): أنه لا يجوز لبس الخفين المقطوعين إلا عند فقد النعلين، وهو الراجح من
أقوال أهل العلم.
(ومنها): ما قال العلماء: الحكمة في تحريم اللباس المذكورة على المحرم، ولباسه
الإزار والرداء أن يبعد عن الترفّه، ويتصف بصفة الخاشع الذليل، وليتذكّر أنه محرم في
كلّ وقت، فيكون أقرب إلى كثرة آدكاره، وأبلغ في مراقبته، وصيانته لعبادته، وامتناعه
من ارتكاب المحظورات، وليتذكّر به الموت، ولباس الأكفان، وليتذكّر البعث يوم
القيامة، حفاة، عُراة، مهطعين إلى الداعي. ذكره وليّ الدين (٢). والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أُنیب)).
(١) - ((طرح التثريب)) ٤٥/٥ - ٤٦ .
(٢) - المصدر المذكور ٥/ ٥٥ .

٥٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
٢٩- (الْجُبّةُ فِي الإِخرَامِ)
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((الجبّة)) -بضم الجيم، وتشديد الموحّدة -: ثوب
معروف، جمعه جُبَبٌ، وجِبَاب. قاله في (القاموس)). والله تعالى أعلم بالصواب.
٢٦٦٨ - أَخْبَرَنَا نُوحُ بْنُ حَبِيبِ الْقُوْمَسِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا
ابْنُ جُرَيْج، قَالَ: قَالَ حَدَّثَنِي عَطَّاءُ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ قَالَ:
لَيْتَنِي أَرَىَّ رَسُولَ اللّهِ وَلَه وَهُوَ يُنْزَلُ عَلَيْهِ، فَبَيْنَا نَحْنُ بِالْجِعِزَّانَةِ، وَالنَّبِيُّ وَِّ فِي قُبَّةٍ،
فَأَتَاهُ الْوَحْيُ، فَأَشَارَ إِلَيَّ عُمَرُ، أَنْ تَعَالَ، فَأَدْخَلْتُ رَأْسِي الْقُبَّةَ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ، قَدْ أَخْرَمَ فِي
◌ُبَّةٍ بِعُمْرَةٍ، مُتَضَمِّخٌ بِطِيبٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا تَقُولُ فِي رَجُلٍ قَدْ أَخْرَمَ فِي جُبَّةِ؟ ،
إِذْ أَنْزِلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ، فَجّعَلَ النَّبِيُّ نَّهَ، يَغِطُ لِذَلِكَ، فَسُرِّيَ عَنْهُ، فَقَالَ: ((أَيْنَ الرَّجُلُ
الَّذِي سَأَلَنِي آنِفًا؟))، فَأَتِيَ بِالرَّجُلِ، فَقَالَ: ((أَمَّا الْجُبَّةُ فَاخْلَعْهَا، وَأَمَّا الطِّيبُ فَاغْسِلْهُ، ثُمَّ
أَخْدِثْ إِحْرَامًا)». قَالَ أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ: ((ثُمَّ أَخْدِثْ إِحْرَامًا»، مَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَالَهُ، غَيْرَ
نُوحٍ بْنِ حَبِيبٍ، وَلَا أَحْسِبُهُ مَحْفُوظًا، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١- (نوح بن حبيب القُومَسِيّ) بضم القاف، وسكون الواو، أبو محمد، ثقة سني
[١٠] ٧٩ /١٠١٠ .
٢- (يحيى بن سعيد) القطان البصري، ثقة ثبت إمام [٩] ٤/ ٤.
٣- (ابن جريج) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأموي مولاهم المكي
الفقيه، ثقة فاضل يرسل ويدلس [٦] ٣٢/٢٨ .
٤ - (عطاء) بن أبي رباح أسلم المكي، ثقة فقيه فاضل [٣] ١٥٤/١١٢.
٥- (صفوان بن یعلی) يأتي قريبًا.
٦- (أبوه) يعلى بن أمية يأتي قريبًا أيضًا. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
منها: أنه من سداسيات المصنف وَخَّلهُ ، وأن رجاله رجال الصحيح غير شيخه، فقد
تفرد به هو وأبو داود، وأنه مسلسل بالمكيين من ابن جريج، وأن فيه رواية تابعي عن
تابعي، والابن عن أبيه. والله تعالى أعلم.

٥٥
٢٩- (الجُبةُ فِي الإِخرام) - حديث رقم ٢٦٦٨
شرح الحدیث
(عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَّعْلَى بْنِ أَمَيَّةَ) التميميّ المكيّ الثقة [٣] تقدمت ترجمته في - ٧/ ٤٠٧
(عَنْ أَبِيهِ) يعلى بنَ أميّة بن أبي عبيدة بن همّام التميميّ، حليف قُريش، وهو يعلى بن
مُنية - بضمّ الميم، وسكون النون، بعدها تحتانية مفتوحة- وهي أمه، وقيل: جدّته،
صحابيّ مشهور، مِات ◌َّهِ سنة بضع وأربعين، تقدّمت ترجمته في -٤٠٧/٧ (أَنَّهُ قَالَ:
لَيْتَنِي) أي أتمنّى (أَرَى رَسُولَ اللَّهِ وَلَّهَ) وفي رواية مسلم: ((أن يعلى كان يقول لعمر بن
الخطاب رَ ◌ّم: ليتني أرى نبيّ اللّه وَله ... )) (وَهُوَ يُنْزَّلُ عَلَيْهِ) ببناء الفعل للمفعول،
والجملة في محلّ نصب على الحال من المفعول (فَبَيْنَا نَحْنُ بِالْجِعِرَّانَةِ) قال النوويّ
رحمه الله تعالى: فيها لغتان مشهورتان: إحداهما إسكان العين، وتخفيف الراء.
والثانية: كسر العين، وتشديد الراء، والأولى أفصح، وبهما قال الشافعيّ، وأكثر أهل
اللغة، وهكذا اللغتان في تخفيف الحديبية، وتشديدها، والأفصح التخفيف، وبه قال
(١)
الشافعيّ، وموافقوه. انتهى"
وهو اسم موضع بين مكة والطائف، وهو إلى مكة أقرب.
(وَالنَّبِيُّ وَِّ فِي قُبَّةٍ) جملة في محلّ نصب على الحال. والقُبّة -بضمّ القاف، وتشديد
الموحدة -: خيمة صغيرة، أعلاها مستديرة، جمعها قِبَاب، وقُبَبٌ. وفي رواية لمسلم:
((وعلى النبيّ وَلّر ثوبٌ قد أُظلّ به عليه))، ولا تخالف بين الروايتين، لأن الثوب شيء
خُصّ بِهِ وَّر داخل القبّة، للتظليل عليه به (فَأَتَاهُ الْوَخِيُ) أي نزل عليه الملك بالوحي من
السماء. قال الحافظ رحمه الله تعالى: لم أقف في شيء من الروايات على بيان المنزل
حينئذ من القرآن. وقد استدلّ به جماعة من العلماء على أن من الوحي ما لا يُتلى.
لكن وقع عند الطبرانيّ في ((الأوسط)) من طريق أخرى أن المنزل حينئذ قوله تعالى:
﴿وَيِقُواْ الْحَجَّ وَالْعُبْرَةَ لِلَّهِ﴾. ووجه الدلالة منه على المطلوب عموم الأمر بالإتمام، فإنه
يتناول الهيئات، والصفات، والله أعلم انتهى (٢). وقال في موضع آخر: ويستفاد منه أن
المأمور به، وهو الإتمام يستدعي وجوب اجتناب ما يقع في العمرة انتهى(٣).
(فَأَشَارَ إِلَيَّ عُمَرُ) بن خطّب رَمّم، لأنه طلب منه أن يريه النبيّ ◌َّ، في حال نزول
الوحي عليه، ففي رواية لمسلم: ((وكان عمر يستره إذا نزل عليه الوحي، يُظلّه، فقلت
لعمر رَّه : إني أحبّ إذا نزل عليه الوحي أن أدخل رأسي معه في الثوب، فلما أُنزل
(١) - ((شرح مسلم)) ٣١٧/٨.
(٢) - ((فتح)) ٤/ ٤٥٣ -٤٥٤.
(٣) - ((فتح))٤ / ١٧٣.

== ٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
عليه، خمّره عمر رَّهِ بالثوب، فجئته، فأدخلت رأسي معه في الثوب ... )) (أَنْ تَعَالَ)
((أن)) تفسيريّة، وكأن عمر تَظّه علم أن ذلك لا يشقّ على النبيّ وَّرِ (فَأَدْخَلْتُ رَأْسِي
الْقُبَّةَ) أي ليراه ◌َّ في حال نزول الوحي عليه (فَأَتَاهُ رَجُلٌ) الفاء هنا ليست للترتيب؛ لأن
مجيء الرجل، واستفتاءه هو السبب في نزول ذلك الوحي، كما تفيده الروايات
الأخرى، ففي رواية مسلم: ((فلما كان النبيّ وَّر بالجعرانة، وعلى النبيّ وَّ ثوبٌ قد
أُظلّ به عليه، معه ناسٌ من أصحابه، فيهم عمر، إذ جاءه رجلٌ عليه جبّة صوف،
متضمّخْ بطيب، فقال: يا رسول اللّه، كيف ترى في رجل أحرم بعمرة، في جبّة بعد ما
تضمّخ بطيب؟، فنظر إليه النبيّ وَّر ساعةً، ثم سكت، فجاءه الوحي ... )) الحديث.
وفي رواية للبخاريّ: ((جاء أعرابيّ)).
قال الحافظ: لم أقف على اسمه، لكن ذكر ابن فتحون في ((الذيل)) عن ((تفسير
الطرطوشيّ)) أن اسمه عطاء ابن منية، قال ابن فتحون: إن ثبت ذلك، فهو أخو يعلى ابن
منية رواي الخبر، ويجوز أن يكون خطأ من اسم الراوي، فإنه من رواية عطاء، عن
صفوان بن يعلى ابن منية، عن أبيه. ومنهم من لم يذكر بين عطاء ويعلى أحدًا.
قال: ووقع في شرح شيخنا سراج الدين ابن الملقّن: ما نصّه: هذا الرجل يجوز أن
يكون عمرو بن سواد، إذ في ((كتاب الشفا)) للقاضي عياض عنه، قال: ((أتيت النبيّ وَليه
وأنا متخلّقٌ، فقال: ((ورس ورس حط حط، وغشيني بقضيب بيده في بطني، فأجعني))
الحديث. فقال شيخنا: لكن عمرو هذا لا يُدرك ذا، فإنه صاحب ابن وهب انتهى
كلامه .
وهو معترض من وجهين:
أما أوّلًا: فليست هذه القصة شبيهة بهذه القصّة، حتى يُفسّر صاحبها بها.
وأما ثانيًا: ففي الاستدراك غفلة عظيمة؛ لأن من يقول: أتيت النبيّ وََّ لا يُتخيّل فيه
أنه صاحب ابن وهب، صاحب مالك، بل إن ثبت فهو آخر، وافق اسمه اسمه، واسم
أبيه اسم أبيه، والفرض أنه لم يثبت؛ لأنه انقلب على شيخنا، وإنما الذي في ((الشفاء))
سواد بن عمرو، وقيل: سوادة بن عمرو، أخرج حديثه المذكور عبد الرزاق في
((مصنّقه))، والبغويّ في ((معجم الصحابة)).
وروى الطحاويّ من طريق أبي حفص بن عمرو، عن يعلى أنه مرّ على النبيّ وَّ،
وهو متخلّق، فقال: ((ألك امرأة؟»، قال: لا، قال: ((اذهب فاغسله)). فقد يَتَوهّم من لا
خبرة له أن يعلى بن أميّة هو صاحب القصّة، وليس كذلك، فإن رواي هذا الحديث
يعلى بن مرّة الثقفيّ، وهي قصّة أخرى، غير قصّة صاحب الإحرام.

٢٩- (الْجُبةُ فِي الإِخرام) - حديث رقم ٢٦٦٨
نعم روى الطحاويّ في موضع آخر أن يعلى بن أميّة صاحبُ القصّة، قال: حدثنا
سليمان بن شعيب، حدثنا عبد الرحمن هو ابن زياد الوضّاحيّ، حدثنا شعبة، عن قتادة،
عن عطاء بن أبي رباح، أن رجلًا يقال له: يعلى بن أمية أحرم، وعليه جبّة، فأمره النبيّ
وَالفر أن ينزعها)). قال قتادة: قلت لعطاء: إنما كنّا نرى أن نشقها، فقال عطاء: إن اللَّه لا
يُحبّ الفساد. انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى(١).
(قَدْ أَخْرَمَ فِي جُبَّةٍ) يعني أنه لابسها، وفي رواية للبخاريّ: ((وعليه جبّة)). وفي الرواية
الآتية ٢٧٠٩/٤٤ - من طريق عمرو، عن عطاء: ((وعليه مقطّعات))، قال النووي: بفتح
الطاء المشدّدة، وهي الثياب المخيطة. وقال في ((النهاية)): أي ثياب قصارٌ؛ لأنها قطعت
عن بلوغ التمام. وقيل: المقطّع من الثياب: كلّ ما يفصل، ويُخاط من قميص، وغيره،
وما لا يقطّع منها كالأزُر، والأردية انتهى.
(بِعُمْرَةٍ، مُتَضَمِّخْ بِطِيبٍ) بالضاد، والخاء المعجمتين: أي متلوّثٌ به، مكثرٌ منه،
يقال: تضمّخ بالطيب: إذا تلطّخ، وتلوّث به. وفي رواية عمرو: ((وهو متضمّخٌ
بخلوق)). وفي الرواية الآتية من طريق قيس بن سعد، عن عطاء: ((وهو مصفّرٌ لحيته،
ورأسه)). أي وهو بتشديد الفاء المكسورة، أي مستعملٌ للصفرة في لحيته، وتلك
الصفرة هي الْخَلُوق (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا تَقُولُ فِي رَجُلٍ قَدْ أَخْرَمَ فِي جُبَّةٍ؟) زاد في
رواية لمسلم: ((بعد ما تضمّخ بطيب))، وفي رواية له: ((عليهَ جبّة، وعليها خَلُوقٌ)). وهو
بفتح الخاء المعجمة: نوع من الطيب، يُعمل فيه زعفران (إِذْ أَنْزِلَ) وفي نسخة: ((إذ
نزل))، وفي أخرى: ((يُنزل)) (عَلَيْهِ الْوَخْيُ) أي حامله، وهو جبريل،فَ لَّلِ (فَجَعَلَ النَِّيُّ
وَلِهِ، يَغِطُ) بفتح أوله، كسر الغين المعجمة، وتشديد الطاء المهملة: أي ينفخ. يقال:
غطّ النائم يَغِطّ، من باب ضرب: إذا تردّد نَفَسه صاعدًا إلى حَلْقه، حتّى يسمعه مَنْ
حولَه. أفاده في ((المصباح)). وفي رواية الشيخين: ((فنظرت إليه، له غطيطٌ، قال:
وأحسبه قال: كغطيط الْبَكْر)). الغطيط: هو صوت النائم، أو المغمى عليه الذي يُردّده
مع نفسه. و((البكر)) -بفتح، فسكون -: هو الفَتِيّ من الإبل.
(لِذَلِكَ) أي لنزول الوحي، وسببه هو شدّة الوحي، كما قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّا سَتُلْقِى
عَلَيْكَ قَوْلًا فَقِيلًا﴾ [المزمل: ٥]. وثبت في ((صحيح البخاريّ عن عائشة رضي اللّه تعالى
عنها، أنها قالت: ((ولقد رأيته وليولينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد، فيُفصم عنه،
وإن جبينه ليتفصّد عرقًا)).
(١) - ((فتح)) ٤/ ١٧٢ -١٧٣ .

٥٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
(فَسُرِّيَ عَنْهُ) -بضمّ السين، وتشديد الراء، مبنيًّا للمفعول، أي أزيل ما به، وكشف
عنه شيئًا بعد شيء (فَقَالَ) بَِّ (أَيْنَ الرَّجُلُ الَّذِي سَأَلَنِي آنِفًا؟))) بالمدّ، والقصر، ككتف،
وقرىء بهما قوله تعالى ﴿قَالَ ءَائِفًا﴾ [سورة محمد رَّ: ١٦] أي مذ ساعة، أي في أوّل
وقت يقرُبُ منّا. قاله في «القاموس)) (فَأَتِيَ بِالرَّجُلِ، فَقَالَ) وَّرِ (أَمَّا الْجُبَّةُ فَاخْلَعْهَا) وفي
رواية: ((فانزعها))، أي اقلعها فورًا، وأخرجهاَ (وَأَمَّا الطِّبُ فَاغْسِلْهُ) وفي رواية
الشيخين: ((فاغسله ثلاث مرّات)). قال القاضي عياض وغيره: يحتمل أنه من لفظ النبيّ
وَ له، فيكون نصًّا في تكرار الغسل. ويحتمل أنه من كلام الصحابيّ، وأنه وَالّ أعاد لفظ
((اغسله)) ثلاث مرّات على عادته أنه إذا تكلّم بكلمة أعادها ثلاث مرّات لتُفهم انتهى.
وفي رواية للبخاريّ: قلت لعطاء: أراد الإنقاء حين أمره أن يغسل ثلاث مرّات؟،
فقال: نعم. قال الحافظ: القائل هو ابن جريج، وهو دالّ على أنه فهم من السياق أن
قوله: ((ثلاث مرّات)) من لفظ النبيّ وَّر، لكن يحتمل أن يكون من كلام الصحابيّ، وأنه
وَلجر أعاد لفظة ((اغسله)) مرّة، ثم مرّة على عادته أنه كان إذا تكلّم بكلمة أعادها ثلاثًا؛
لتُفهم عنه. نبه علیه عیاض انتھی.
وفي رواية أبي داود، والبيهقيّ: ((أمره أن ينزعها نزعًا، ويغتسل مرّتين، أو ثلاثًا)).
قال النوويّ: إنما أمره بالثلاث مبالغة في إزالة لونه، وريحه، والواجب الإزالة، فإن
حصلت بمرّة كفت، ولم تجب الزيادة، ولعلّ الطيب الذي كان على هذا الرجل كثير،
ويؤيّده قوله: «متضمّخٌ)).
قال القاضي: ويحتمل أنه قال له ثلاث مرّات: ((اغسله))، فكرّر القول ثلاثًا.
والصواب ما سبق. والله أعلم. انتهى كلام النوويّ(١).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: صوّب النوويّ كون ((ثلاث مرات)) من لفظ النبيّ
وَالر، وهو الحقّ، فعلى هذا ففي قوله: ((فإن حصلت بمرة كفت، ولم تجب الزيادة)» نظر
لا يخفى، بل الظاهر لزوم الثلاث، عملًا بظاهر الأمر، فتأمّل. والله تعالى أعلم.
وفي رواية عمرو المذكورة: ((ما كنت صانعًا في حجّك؟))، قال: كنت أتّقي هذا،
وأغسله، فقال: ((ما كنت صانعًا في حجك، فاصنعه في عمرتك)).
وهذا يدلّ على أن ذلك الرجل كان يعرف أعمال الحجّ قبل ذلك. قال ابن العربيّ:
كأنهم كانوا في الجاهليّة يخلعون الثياب، ويجتنبون الطيب في الإحرام إذا حجّوا،
وكانوا يتساهلون في ذلك في العمرة، فأخبره النبيّ وَلّ أن مجراهما واحد.
(١) - ((شرح مسلم)) ٣٢٠/٨.

=
٢٩ - (الجُبةُ فِي الإِخرام) - حديث رقم ٢٦٦٨
٥٩
وقال ابن المنير في ((الحاشية)): قوله: ((اصنع)): معناه اترك؛ لأن المراد بيان ما
يجتنبه المحرم، فيؤخذ منه فائدة حسنة، وهي أن الترك فعل. قال: وأما قول ابن بطّال:
أراد الأدعية، وغيرها مما يشترك فيه الحجّ والعمرة، ففيه نظر؛ لأن التروك مشتركة،
بخلاف الأعمال، فإن في الحجّ أشياء زائدة على العمرة، كالوقوف، وما بعده.
وقال النوويّ كما قال ابن بطّال، وزاد: ويستثنى من الأعمال ما يختصّ به الحجّ.
وقال الباجيّ: المأمور به غير نزع الثوب، وغسل الخلوق؛ لأنه صرّح له بهما، فلم
يبق إلا الفدية. قال الحافظ: كذا قال، ولا وجه لهذا الحصر، بل الذي تبيّن من طريق
أخرى أن المأمور به الغسل والنزع، وذلك أن عند مسلم، والنسائيّ من طريق سفيان،
عن عمرو بن دينار، عن عطاء، في هذا الحديث: فقال: ((ما كنت صانعًا في حجك؟))،
قال: أنزع هذه الثياب، وأغسل عنّي هذا الخلوق، فقال: ((ما كنت صانعًا في حجك،
فاصنعه في عمرتك)) انتهى.
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذا الذي دلّت عليه هذه الرواية هو التفسير الصحيح
لقوله وَي: ((واصنع في عمرتك ما تصنع في حجتك))؛ لأن هذه الرواية بينت الاختصار
الواقع في الحديث، فما قاله كلّ من ابن المنيّر، وابن بطّال، والنوويّ، والباجيّ، من
التفسير مبنيٍّ على عدم انتباههم إلى هذه الرواية الموضحة للمراد من الحديث.
والحاصل أنه وي سأله عما كان يصنع في حجه بالنسبة للجبة، والخلوق، فكأنه قال
له: ما ذا تصنع إذا أحرمت بالحجّ، وعليك جبة، وخلوق؟، فقال أبعدهما عنّي بالنزع،
والغسل، فقال: ((ما كنت صانعًا في حجك، فاصنعه في عمرتك))؛ أي لأنه لا فرق
بينهما في هذا. والله تعالى أعلم بالصواب.
(ثُمَّ أَحْدِثْ إِحْرَامًا))) أمرٌ له بتجدّيد إحرامه بالعمرة، أي جدّد إحرامك بالعمرة، بعد
أن تخلع الجبّة، وتغسل الطيب.
(قَالَ أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ) النسائيّ رحمه اللَّه تعالى ()ثُمَّ أَخْدِثْ إِحْرَامًا))، مَا) وفي
نسخة: ((لا)) (أَعْلَمُ أَحَدًا قَالَهُ، غَيْرَ نُوحِ بْنِ حَبِيبٍ) يعني أن هذه الجملة مما تفرّد بها نوح
ابن حبيب على غيره ممن روى الحديث عن يحيى بن سعيد.
فقوله: ((ثم أَحدِث إحرامًا)) مبتدأ محكيّ لقصد لفظه، وجملة ((ما أعلم الخ)) خبره.
و((غير)) بالنصب بدلٌ من ((أحدًا)) (وَلَا أَخْسِبُهُ مَحْفُوظًا) أي لا أظنّ هذا الكلام محفوظًا
عن النبيّ وَّه .
غرض المصنف رحمه اللّه تعالى بهذا الكلام إعلال الزيادة المذكورة بتفرّد نوح بن
حبيب بها، فإن سائر الحافّاظ ما ذكروها. (وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ)، وهو المستعان،

٦٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث يعلى بن أميّة رضي الله تعالى عنه هذا متفق عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٢٦٦٨/٢٩ و٢٧٠٩/٤٤ و٢٧١٠ - وفي ((الكبرى)) ٣٦٤٨/٢٩ و ٤٤/
٣٦٨٩ و٣٦٩٠. وأخرجه (خ) في ((الحج))١٧٨٩ و١٨٤٨ و((المغازي)) ٤٣٢٩
و((فضائل القرآن))٤٩٨٥ (م) في ((الحجّ))١١٨٠ وفي ((القسامة))١٦٧٤ (د) في ((المناسك))
١٨١٩ (ت) في ((الحجّ))٨٣٥ (ق) في ((الديات)) ٢٦٥٦ (أحمد) في ((مسند
الشاميين))١٧٤٨٨ و١٧٥٠٤ . والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان حكم لبس الجبّة في حالة
الإحرام، وهو ما بيّنه في الحديث، وذلك وجوب نزعه في الحال. (ومنها): أن بعض
الأحكام ثبت بالوحي، وإن لم يكن مما يتلى، لكن وقع في ((الأسط)) للطبرانيّ أن الذي
نزل على النبيّ وَّه قوله تعالى: ﴿وَأَنِعُواْ الَْجَّ وَالْعُبْرَةَ لَّهَ﴾ الآية. (ومنها): أن النبيّ ◌َّ لم
يكن يحكم بالاجتهاد، إلا إذا لم يحضره الوحي. (ومنها): أن المفتي، والحاكم إذا لم
يعرفا الحكم أمسكا عنه حتى يتبيّن لهما. (ومنها): أنه استدلّ به من منع استدامة الطيب
بعد الإحرام؛ للأمر بغسل أثره من الثوب والبدن، وهو قول مالك، ومحمد بن
الحسن. وأجاب الجمهو بأن قصّة يعلى كانت بالجعرانة، كما ثبت في هذا الحديث،
وهي سنة ثمان بلا خلاف، وقد ثبت عن عائشة رضي اللّه تعالى عنها أنها طيّت رسول
اللَّه وَ له بيديها عند إحرامه، كما سيأتي - ٢٦٨٤/٤١- وكان ذلك في حجة الوداع، سنة
عشر بلا خلاف، وإنما يؤخذ بالآخر، فالآخر من الأمر.
وبأن المأمور بغسله في قصّة يعلى إنما هو الخلوق، لا مطلق الطيب، فلعلّ علّة
الأمر فيه ما خالطه من الزعفران، وقد ثبت النهي عن تزعفر الرجل مطلقًا، محرمًا،
وغير محرم.
وفي حديث ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما: ((ولا يلبس -أي المحرم- من الثياب
شيئًا مسّه زعفران)). وفي حديث ابن عبّاس رضي اللّه تعالى عنهما: ((ولم يُنْهَ إلا عن
الثياب المزعفرة))، والأصح ما ذهب إليه الجمهور، وسيأتي مزيد بسط في المسألة في
الباب المذكور، إن شاء الله تعالى.