Indexed OCR Text
Pages 21-40
٢١ ٢٥ - (البيداء) - حديث رقم ٢٦٦٢ ضعيف للشافعيّ. قال الحافظ: قد اتفق علماء الأمصار على جواز جميع ذلك، وإنما الخلاف في الأفضل انتهى. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ومنشأ هذا الخلاف : اختلاف الروايات عن الصحابة في مبدإ إهلال النبيّ وَّ: (فمنها): ما يدلّ على أنه أهلّ في دبر الصلاة في مسجد ذي الحليفة، كما في رواية ابن عبّاس، عند أحمد، والترمذيّ، والنسائيّ، والبيهقيّ، وفي رواية أبي داود المازنيّ، عند ابن حزم-٩٣/٧ _(١). (ومنها): ما يدلّ على أنه أهلّ حين استوت به ناقته قائمة، خارج مسجد ذي الحليفة عند الشجرة، كما وقع في روايات ابن عمر، عند أحمد، والشيخين، وغيرهم. وفي حديث أنس عند البخاريّ، وأبي داود، والبيهقيّ، والطحاويّ. وقال الزيلعيّ بعد ذكر حديث أنس: وأخرج أي البخاريّ أيضًا عن عطاء، عن جابر، أن إهلال رسول اللّه وَالهيل من ذي الحليفة حين استوت به راحلته انتهى. وقال المجد في ((المنتقى)) بعد ذكر حديث جابر: رواه البخاريّ، وقال: رواه أنس، وابن عباس انتهى. (ومنها): ما يدلّ على أنه أهلّ حين استوت به على البيداء، أي بعد ما علا على شرف البيداء، كما وقع في روايات ابن عباس أيضًا عند أحمد، والبخاريّ، ومسلم، والنسائيّ، وأبي داود، والدارقطنيّ، والبيهقيّ، والحاكم، والطحاويّ. وفي حديث جابر عند مسلم، والترمذيّ، والطحاويّ. وفي حديث أنس عند أحمد، والنسائيّ، وأبي داود. وفي حديث سعد بن أبي وقّاص عند أبي داود، والنسائيّ، والبيهقيّ، والحاكم. ووجه الجمع بين هذه الروايات المختلفة أن الناس كانوا يأتون النبيّ والتر أرسالًا ، جماعة بعد أخرى، فرأى قوم شروعه بَّر في الإهلال بعد الفراغ من صلاته بمسجد ذي الحليفة، فنقلوا عنه أنه أهلّ بذلك المكان، ثم أهلٌ لَمّا استقلّت به راحلته، فسمعه (١) -هو ما أخرجه ابن حزم بسنده، عن محمد بن جرير الطبريّ، حدثني محمد بن عبدالله بن سعيد الواسطيّ، نا يعقوب بن محمد، نا محمد بن موسى، نا إسحاق بن سعيد بن جبير، عن جعفر بن حمزة بن أبي داود المازنيّ، عن أبيه عن جدّه، أبي داود -وهو بدريّ- قال: ((خرجنا مع رسول اللَّه ◌ِ وَ لّ في الحجّ، فلما كان بذي الحليفة، صلّى في المسجد أربع ركعات، ثم لبّى دبر الصلاة، ثم خرج إلى باب المسجد، فإذا راحلته قائمة، فلما انبعثت به أهلّ، فلما علا البيداء أهل)). انتهى ((المحلّى)» ٩٣/٧. ٢٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ آخرون، فظنّوا أنه شرع الآن في ذلك الوقت؛ لأنهم لم يسمعوا إهلاله بالمسجد، فقالوا: إنما أهلّ عند ما استقلّت به راحلته، ثم رَوَى كذلك من سمعه يُهُلّ على شرف البيداء . وإلى هذا الجمع مال ابن القيّم رحمه الله تعالى، حيث قال: صلّى رسول اللَّه وَل الظهر ركعتين، ثم أهلّ بالحجّ والعمرة في مصلّاه، ثم ركب على ناقته، وأهل أيضًا، ثمّ أهلٌ لَمّا استقلّت به على البيداء انتهى مختصرًا ملخّصًا(١). ويؤيّد هذا الجمع ما رواه أحمد، وأبو داود، والحاكم، والبيهقيّ، والطحاويّ، ولفظ أحمد : ٢٣٥٤ -حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، عن ابن إسحاق، حدثنا خصيف بن عبد الرحمن الجزريّ، عن سعيد بن جبير، قال: قلت لعبد الله بن عباس: يا أبا العباس، عجبًا لاختلاف أصحاب رسول اللَّه وَّل، في إهلال رسول اللّه وَلِّ، حين أوجب، فقال: إني لأعلم الناس بذلك، إنها إنما كانت من رسول اللَّه ◌َل حجة واحدة، فمن هنالك اختلفوا. ((خرج رسول الله و لي حاجا، فلما صلى في مسجده بذي الحليفة ركعتيه، أوجب في مجلسه، فأهل بالحج، حين فرغ من ركعتيه، فسمع ذلك منه أقوام، فحفظوا عنه، ثم ركب، فلما استقلت به ناقته أهلّ، وأدرك ذلك منه أقوام، وذلك أن الناس إنما كانوا يأتون أرسالا، فسمعوه حين استقلت به ناقته يُهُلّ، فقالوا: إنما أهل رسول اللّه وَله، حين استقلت به ناقته، ثم مضى رسول اللّه وَيهر، فلما علا على شَرَف البيداء أهلّ، وأدرك ذلك منه أقوام، فقالوا: إنما أهلّ رسول اللّه وَ لهر، حين علا على شرف البيداء، وايم الله لقد أوجب في مصلاه، وأهلّ حين استقلت به ناقته، وأهل حين علا على شرف البيداء، فمن أخذ بقول عبد الله بن عباس أهلّ في مصلاه إذا فرغ من ركعتيه))(٢). قال الطحاويّ رحمه الله تعالى بعد روايته حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما المذكور: فبيّن عبد الله بن عبّاس الوجه الذي منه جاء اختلافهم، وأن إهلال النبيّ وَّ الذي ابتدأ به الحجّ، ودخل به فيه كان في مصلاه، فبهذا نأخذ، ينبغي للرجل إذا أراد الإحرام أن يصلي ركعتين، ثم يُحرم في دبرهما، كما فَعَل رسول اللّه وَلّ، وهذا قول ". أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد انتهى. (١) -راجع ((زاد المعاد)) ٢/ ١٥٨ تحقيق الأرنؤوط. (٢) -قوله: ((فمن أخذ بقول ابن عبّاس الخ من قول سعيد بن جبير، كما بينه أبو داود، في ((سننه))، والحاكم في ((مستدركه))١,/ ٤٥١. ٢٣ ٢٥- (البيداء) - حديث رقم ٢٦٦٢ وقال الحافظ في ((الفتح)): وقد أزال الإشكال أي إشكال اختلاف الروايات في مكان إهلاله ◌َسير ما رواه أبو داود، والحاكم من طريق سعيد بن جبير، قلت لابن عبّاس: عَجِبتُ ... فذكر الحديث، ثم قال: فعلى هذا، فكان إنكار ابن عمر على من يخصّ الإهلال بالقيام على شرف البيداء انتهى. قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: في حمل إنكار ابن عمر على ما ذُكر نظر لا يخفى؛ إذ إنكاره غير قاصر على ذلك، كما يتّضح من مراجعة رواياته، فتأمّل. والله تعالى أعلم. وقال الشوكانيّ في شرح حديث ابن عباس المذكور: هذا الحديث يزول به الإشكال، ويجمع بين الروايات المختلفة بمافيه، فأوضحه، ثم قال: وهذا يدلّ على أن الأفضل لمن كان ميقاته ذا الحليفة أن يُهُلّ في مسجدها بعد فراغه من الصلاة، ويكرّر الإهلال عند أن يركب على راحلته، وعند أن يمرّ بشرف البيداء انتهى. وقال الحافظ في ((الدراية)): وقد ورد ما يجمع بين هذه الأحاديث من حديث ابن عبّاس، عند أبي داود، والحاكم، فذكره، ثم قال: وهذا لو ثبت لرجح ابتداء الإهلال عقب الصلاة، إلا أنه من رواية خُصيف، وفيه ضعف انتهى. وقال أبو محمد ابن حزم رحمه الله تعالى: حديث ابن عباس هذا في طريقه خُصيف، وهو ضعيف، وحديث أبي داود الأنصاريّ المازنيّ من طريقة قوم غير مشهورين. والأحاديث الدّالّة على إحرامه وَله بعد ما استقلّت به راحلته، وإحرامه بعد الاستواء على البيداء كلها صحيحة، متّفق على صحّتها، إلا أن في أحاديث ابن عمر زيادة على حديث جابر، وأنس، وعائشة له، وهو أنه وَ لّ أهلّ من عند مسجد ذي الحليفة حين أدخل رجله في الغَرْز(١)، واستقلّت به الراحلة، وهذا صريح في الدلالة على أنه لم يكن عقب الركوب، ولا في مصلاه، ولو صحّ حديث ابن عبّاس، وأبي داود لوجب تقديم العمل به علی حديث ابن عمر؛ لما فيه من الزيادة، لكن لَمّا كان حديث ابن عمر متّفقًا على صحته، ولم يصحّ حديثهما وجب المصير إليه دونهما. ولَمّا كان في حديث ابن عمر زيادة على حديث من سواه ممن اتّفق على صحّة روايته، وهي كون الإهلال من عند المسجد، فيكون ذلك قبل الاستواء على البيداء، وجب العمل به، ويكون من رواه عند الاستواء على البيداء إنما سمعه حالتئذ يلبّي، فظنّ أن ذلك أوّل إهلاله. ويمكن أن يُقضى بحديث ابن عمر على حديث ابن عبّاس، ويكون قوله: ((في مصلّاه)) زيادة من الراوي، ليس من قول ابن عبّاس، ويصدق على من أحرم من عند - (١) - الغَرْز، بوزن الفلس: ركاب الإبل. ٢٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجِّ المسجد عند استقلال ناقته به أنه لَمّا فرغ من ركعتيه أهلّ، ولا يلزم من ذلك التعقيب. وهذا الجمع أولى من إسقاط حديث من أصله. والله أعلم انتهى كلام ابن حزم. قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذا الذي قاله ابن حزم حَسنٌ جدًّا. وحاصله أن الإحرام يكون عند الركوب، حين يُدخل رجله في الغَرْز؛ لحديث ابن عمر رضي اللَّه تعالى عنهما، إذ فيه زيادة على غيره، كما قال ابن حزم. ولو صحّ حديث ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما لكان هو المقدّم؛ لأن فيه زيادة على حديث ابن عمر؛ لأنه عقب الصلاة، وهو جالس؛ إلا أن في سنده خُصيف بن عبد الرحمن الجزريّ، وهو متكلّم فيه، ولا سيما فيما خالف فيه الثقات. وأما تصحيح الحاكم له على شرط مسلم، وموافقة الذهبيّ له، وكذا تحسين الترمذي على ما نقله الزيلعيّ عنه، وإن كانت النسخ الموجودة ليس فيها التحسين، وإنما قال: هذا حديثٌ غريبٌ، فكلّ هذا لا يخفى ما فيه من التساهل. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)). ٢٦- (الْغُسْلُ لِلإِهْلَالِ) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عبارة ((الكبرى)): ((أبواب الإحرام)) - ((الغسل للإهلال)). قال ابن الأثير رحمه الله تعالى: الإهلال: رفع الصوت بالتلبية، يقال: أهلّ المحرمُ بالحجّ يُلّ إهلالًا: إذا لبى، ورفع صوته. والْمُهَلّ بضم الميم - وفتح الهاء -: موضع الإهلال، وهو الميقات الذي يُحرمون منه، ويقع على الزمان، والمصدر. انتهى (١). وقال الفيّوميّ رحمه اللَّه تعالى: أَهَلّ المولودُ إهلالًا: خرج صارخًا بالبناء للفاعل. واستُهلّ بالبناء للمفعول عند قوم، وللفاعل عند قوم كذلك. وأَهَلّ المحرمُ: رفع صوته بالتلبية عند الإحرام، وكلّ من رفع صوته فقد أهلّ إهلالًا، واستَهَلّ استهلالًا بالبناء للفاعل فيهما، وأُهلّ الهلالُ بالبناء للمفعول، وللفاعل أيضًا، ومنهم من يمنعه. واستُهلّ بالبناء للمفعول، ومنهم من يُجيز بناءه للفاعل. وهَلّ من باب ضرب لغةٌ أيضًا: إذا ظهر. وأهللنا الهلالَ، واستهللناه: رفعنا الصوت برؤيته. وأهلّ الرجل: رفع صوته (١) - راجع ((النهاية)) ٢٧١/٥. ٢٥ ٢٦- (الغُسْلُ لِلإِهْلَالِ) - حديث رقم ٢٦٦٣ بذكر الله تعالى عند نعمة، أو رؤية شيء يُعجبه. انتهى(١). والله تعالى أعلم بالصواب. ٢٦٦٣ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةٌ عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ، وَاللَّفْظُ لَهُ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتَ عُمَّيْسٍ، أَنَّا وَلَدَتْ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرِ الصِّدِيقِ بِالْبَيَدَاءِ، فَذْكَرَ أَبُو بَكْرٍ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ وَلَ، فَقَالَ: ((مُزْهَا، فَلْتَغْتَسِلْ، ثُمَّ لِتُّهِلَّ)). رجال هذا الإسناد : سبعة: ١- (محمد بن سلمة) بن أبي فاطمة المراديُّ الجَمَلِيُّ، أبو الحارث المصريّ، ثقة ثبت [١١] ٢٠/١٩. ٢- (الحارث بن مسكين) بن محمد الأموي مولاهم، أبو عمرو المصري القاضي، ثقة فقيه [١٠] ٩/ ٩ . ٣- (ابن القاسم) هو: عبد الرحمن العُتَقيُّ، أبو عبد اللَّه المصري الفقيه، صاحب مالك، ثقة من كبار [١٠] ٢٠/١٩. ٤- (مالك) بن أنس إمام دار الهجرة الثقة الفقيه الحجة [٧] ٧/ ٧ . ٥- (عبد الرحمن بن القاسم) بن محمد التيمي، أبو محمد المدني، ثقة جليل [٦] ١٦٦/١٢٠ . ٦- (أبوه) عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق التيمي المدني الفقيه، ثقة فاضل، من كبار [٣] ١٦٦/١٢٠ . ٧- (أسماء بنت عميس) رَبّها تأتي قريبًا. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه اللَّه تعالى، وأن رجاله رجال الصحيح غير شيخه الحارث، فقد تفرد به هو وأبو داود، وأنه مسلسل بالمدنيين من مالك والباقون مصريون، وأن فيه رواية الابن عن أبيه، وفيه القاسم من الفقهاء السبعة المشهورين بالمدينة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ) - بمهملتين مصغّرًا- ابن معد - بوزن سَعْد، أوله ميم- ابن الحارث بن تيم بن كعب بن مالك بن قُحافة بن عامر بن ربيعة بن غانم بن معاوية بن زيد (١) -راجع ((المصباح المنير)) في مادة هلل. 1 شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ ٢٦ الخعثمية، صحابيّة فاضلة، روت عن النبيّ وَّيهِ، وعنها ابنها عبد الله بن جعفر، وحفيدها القاسم بن محمد، وعبد الله بن عباس ابن أختها لبابة بنت الحارث، وابن أختها الأخرى عبد الله بن شدّاد بن الهاد، وغيرهم. كانت أوّلًا تحت جعفر بن أبي طالب، ثم تزوّجها أبو بكر بعد قتل جعفر، فولدت له محمدًا، ثم عليّ بن أبي طالب، قيل: ولدت له ابنه عونًا، وقيل: ولدت له عونًا، ويحيى. وهي أخت ميمونة بن الحارث، أم المؤمنين لأمها، وأخت جماعة من الصحابيّات، لأب، أو أم، أولأب وأم، ويقال: إن عدّتهنّ تسع. وقيل: عشر لأم، وستّ لأم وأب، هاجرت إلى الحبشة، مع زوجها جعفر، فولدت له هناك أولادًا. وقال ابن سعد، عن الواقديّ، عن محمد بن صالح، عن يزيد بن رُومان: أسلمت أسماء قبل دخول دار الأرقم، وبايعت، ثم هاجرت مع جعفر إلى الحبشة، فولدت له هناك عبد اللّه، ومحمدًا، وعونًا، ثم تزوجها أبو بكر بعد قتل جعفر. وكان عمر يسألها عن تفسير المنام، ونُقل عنها أشياء من ذلك، ومن غيره. ويقال: إنها لما بلغها قتل ولدها محمد بن أبي بكر بمصر قامت إلى مسجد بيتها، وكظمت غيظها، حتى شَخَبَت ثدياها دمًا. وفي ((الصحيح)) عن أبي بردة، عن أسماء: أن النبيّ وَلّ قال لها: ((لكم هجرتان، وللناس هجرة واحدة)). وأخرج ابن سعد من مرسل الشعبيّ، قالت أسماء للنبيّ رَله: يا رسول اللّه، إن رجالًا يفخرون علينا، ويزعمون أَنّا لسنا من المهاجرين الأولين، فقال: ((بل لكم هجرتان)). ثم أخرج من عدة أوجه أن أبا بكر الصديق أوصى أن تغسله امرأته أسماء بنت عُميس. وأخرج ابن السكن بسند صحيح، عن الشعبيّ، قال: تزوّج عليّ أسماء بنت عُميس، فتفاخر ابناها محمد ابن جعفر، ومحمد بن أبي بكر، فقال كلّ منهما: أنا أكرم منك، وأبي خير من أبيك، فقال لها عليّ: اقض بينهما، فقالت: ما رأيت شابًّا خيرًا من جعفر، ولا كهلًا خيرًا من أبي بكر، فقال عليّ: فما أبقيت لنا؟، ماتت بعد عليّ رضي اللّه تعالى عنهم أجمعين (١). أخرج لها الأربعة. ولها في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. (أَنَّا وَلَدَتْ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرِ الصِّدِيقِ) من صغار الصحابة، وُلد في طريق مكة في حجة الوداع، ونشأ في حجر عليّ رَّ؛ لأنه كان زوج أمه، ورَوی عن أبيه مرسلًا، وعن أمه، وغيرها قليلًا، ورَوَى عنه ابنه القاسم، وشهد مع عليّ الْجَمَل وصفّين، ثم أرسله إلى مصر أميرًا، فدخلها في شهر رمضان، سنة سبع وثلاثين، فولي إمارتها لعليّ، ثم جهّز معاوية عمرو بن العاص في عسكر إلى مصر، فقاتلهم محمد، وانهزم، ثم قتل (١) -راجع ((الإصابة)) ١١٧/١١٦/١٢. و(تهذيب التهذيب)» ٦٦٤/٦٦٣/٤. أ ٢٧ ٢٦- (الغُسْلُ لِلإِهلال) - حديث رقم ٢٦٦٣ في صفر سنة ثمان. حكاه ابن يونس، وقال: إنه اختفى لما انهزم في بيت امرأة، فأُخذ من بيتها، فقتل. وقال ابن عبد البرّ: كان عليّ يُثني عليه، ويفضّله، وكانت له عبادة واجتهاد، ولما بلغ عائشة قتله حزنت عليه جدًّا، وتولّت تربية ولده القاسم، فنشأ في حجرها، فكان من أفضل أهل زمانه(١). وفي (تهذيب التهذيب)): قال ابن يونس: قَدِم مصر أميرًا عليها من قِبَل عليّ بن أبي طالب، وجُمع له صِلاتها وخَرَاجها، فدخل في رمضان سنة (٣٧) وقيل: في صفر سنة (٣٨) قبل يوم الْمُسَنّة لَمّا انهزم المصريون، فقيل: إنه اختفى في بيت امرأة من غافق آواه فيه أخوها، وكان الذي يطلبه مُعاويةَ بن حُدَيج، فلقيتهم أخت الرجل الذي كان آواه، وكانت ناقصة العقل، فظنّت أنهم يطلبون أخاها، فقالت: أدلكم على محمد بن أبي بكر على أن لا تقتلوا أخي، قالوا: نعم، فدلّتهم عليه، فقال: احفظوني لأبي بكر، فقال معاوية: قتلتُ ثمانين من قومي في دم عثمان، وأتركك، وأنت صاحبه؟، فقتله، حدّثنا بذلك من أمره حسن بن محمد المدينيّ، عن يحيى بن بُكير، عن الليث، عن عبد الكريم بن الحارث بهذا، أو نحوه. وقال ابن حبّان: قيل: إن محمدًا قُتل في المعركة. وقيل: إن عمرو بن العاص قتله بعد أن أسره انتهى (٢). (بِالْبَيْدَاءِ) متعلّق بـ((ولدت)). وفي رواية لمسلم: ((بالشجرة))، وفي أخرى: ((بذي الحليفة)). قال النووي: هذه المواضع الثلاثة متقاربة، فالشجرة بذي الحليفة، وأما البيداء، فهي بطرف ذي الحليفة. قال القاضي عياض: يحتمل أنها نزلت بطرف البيداء؛ لتبعد عن الناس، وكان منزل النبيّ وَلّل بذي الحليفة حقيقةً، وهناك بات، وأحرم، فسمّي منزلٍ الناس كلّهم باسم منزل إمامهم انتهى(٣) . (فَذَكَرَ أَبُو بَكْرِ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ وَ لَ﴾ أي ذكر ولادتها، وسأله ما ذا تصنع؟. وفي رواية مسلم: ((فأرسلت إلى رسول اللّه وَ لّرله كيف أصنع؟)). قال الباجي في شرح رواية ((الموطًا)): يحتمل أن أبا بكر سأل أن النفاس الذي يمنع الصلاة، والصوم، يمنع صحة الحِجْ، فبيّن رَّر أنه لا ينافي الحجّ. ويحتمل أنه سأل عن اغتسالها للإحرام إن علم أن إحرامها بالحجّ يصحّ، فخاف أن النفاس يمنع الاغتسال الذي يوجب حكم الطهر انتھی . (فَقَالَ) وَرِ (مُرْهَا، فَلْتَغْتَسِلْ) فيه غسل النفساء للإحرام، وإن لم تطهر، وفي حكمها (١) - راجع ((الإصابة)) ٩ ص٣٠٨-٣٠٩. (٢) -راجع (تهذيب التهذيب)) ٥٢٣/٣-٥٢٤. (٣) -راجع ((شرح مسلم)) للنوويّ ٣٧٢/٨ . = ٢٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ الحائض، فهو غسل نظافة، لا غسل طهارة، لأنها لم تخرج عن نفاسها. وقال الخطابيّ في ((معالم السنن)): في الحديث استحباب التشبّه من أهل التقصير بأهل الفضل والكمال، والاقتداء بأفعالهم، طمعًا في درك مراتبهم، ورجاءً لمشاركتهم في نيل المثوبة، ومعلوم أن اغتسال الحائض والنفساء قبل أوان الطهر لا يطهّرهما، ولا يخرجهما عن حكم الحدث، وإنما هو لفضيلة المكان والوقت. قال وليّ الدين العراقيّ: هذا يدلّ على أن العلة عنده في اغتسالهما التشبّه بأهل الكمال، وهنّ الطاهرات. والظاهر أنه إنما هو لشمول المعنى الذي شُرع الغسل لأجله، وهو التنظيف، وقطع الرائحة الكريهة؛ لدفع أذاها عن الناس عند اجتماعهم، وبذلك عللَّه الرافعيّ، ولا يَرِد عليه التيمّم عند العجز(١)؛ لأن التنظيف هو أصل مشروعيته للإحرام، فلا ينافيه قيام التراب مقامه؛ لأنه يقوم مقام الغسل الواجب، فالمسنون أولى، وبعد استقرار الحكم قد لا توجد علته في بعض المحالّ انتهى(٢). (ثُمَّ لِتُهِلَّ) أي لتلبي بالحجّ. وفي الرواية التالية: ((فأمره رسول اللّه ◌َليل أن يأمرها أن تغتسل، ثم تُلّ بالحجّ، وتصنع ما يصنع الناس، إلا أنها لا تطوف بالبيت)). وفي حديث جابر بن عبد اللَّه الآتي -٢٧٦١/٥٧ -: ((فقال: اغتسلي، واستثفري بثوب، ثم أهلّي)). وفي ٢٧٦٢/٥٧ -: ((فأمرها أن تغتسل، وتستثفر بثوبها، وتُلّ)). و((الاتثفار)) بالثاء المثلثة: أن تحتشي المرأة قطنًا، وتشدّ في وسطها شيئًا، وتأخذ خرقة عريضةً تجعلها على محلّ الدم، وتشدّ طرفيها من قدّامها، ومن ورائها في ذلك المشدود في وسطها، وهو شبيه بَفَر الدّابّة، بفتح الفاء. والمقصود أن تجعل هناك ما يمنع من سيلان الدم؛ تنزيها أن تظهر النجاسة عليها، إذ لا تقدر على أكثر من ذلك. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أسماء بنت أبي بكر رضي اللَّه تعالى عنهما هذا منقطع بهذا الإسناد، لكنه متصل من حديث عائشة رضي اللَّه تعالى عنها عند مسلم ٢٩٠٠، وأبي داود ١٧٤٣ ، وابن ماجه ٢٩١١، ومن حديث جابر رضي اللّه تعالى عنه عند مسلم ٢٩٠١، والمصنف (١) - أي عند من يراه كالشافعيّة، وإلا فبعض العلماء لا يراه. (٢) - راجع ((المرعاة)) ٤/٩. ٢٦- (الْغُسْلُ لِلإِهْلَالِ) - حديث رقم ٢٦٦٣ = ٢٩= في ((الطهارة)) ٢١٤ و((الحيض))٣٩٢ و((الحج)) ٢٦٦٠ و٢٧٦١، فهو حديث صحيح. (المسألة الثانية): هذا الحديث مما تفرّد به المصنّف رحمه اللّه تعالى عن أصحاب الأصول، أخرجه هنا-٢٦٦٣/٢٦ - وفي ((الكبرى))٣٦٤٣/٢٦. وأخرجه أحمد في ((باقي مسند الأنصار)) ٢٦٥٤٤. ومالك في (الموطإ) في ((الحجّ)) ٧٠٩ . ورواه مالك أيضًا عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، أن أسماء بنت عميس ولدت محمد بن أبي بكر بذي الحليفة، فأمرها أبو بكر أن تغتسل، ثم ثُلّ. قال الحافظ أبو عمر رحمه الله تعالى في ((الاستذكار)): حديث عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن أسماء مرسل -أي منقطع-؛ لأنه لم يسمع القاسم من أسماء بنت عُميس. وقد رواه سليمان بن بلال، قال: حدثنا يحيى بن سعيد إلى آخر الرواية الآتية للمصنّف بعد هذا، قال: فذكره مسندًا. قال: ورواه إسحاق بن محمد الفَرْويّ أيضًا مسنداً، عن عبد الله بن عمر العمريّ، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة. وعن نافع، عن ابن عمر أن أبابكر خرج مع النبيّ وَّر، ومعه أسماء بنت عميس، حتى إذا كانت بذي الحليفة ولدت أسماء محمد بن أبي بكر، فاستفتى لها النبيَّ وَلَّ، فقال: ((مرها، فلتغتسل، ثم تُلّ)). قال: مرسل مالك أقوى، وأثبت من مسانيد هؤلاء؛ لما ترى من اختلافهم في إسناده، والفَزْويّ ضعيف. وسليمان بن بلال أحد ثقات أهل المدينة. وأما حديث مالك عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، فاختلفوا فيه عن سعيد، فرواه ابن وهب، عن الليث، ويونسَ، وعمرو بن الحارث، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، مرفوعًا: ((أن رسول اللَّه وَل أمر أسماء بنت عميس، أم عبد الله ابن جعفر، وكانت عاركًا(١) أن تغتسل، ثم تُهُلّ بالحجّ)). قال ابن شهاب: فلتفعل المرأة في العمرة ما تفعل في الحج. ورواه ابن عيينة، عن عبد الكريم الجزريّ، وعن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيّب، موقوفًا على أبي بكر، كما رواه مالك. انتهى كلام ابن عبد البرّ ببعض تصرّف(٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه اللّه تعالى، وهو مشروعيّة الغسل للإهلال. (ومنها): سؤال الشخص ولو بواسطة عما يجهله من الأحكام الشرعية. (ومنها): أن (١) - العارك: هي الحائض، أو النفساء، وهو المراد هنا. (٢) -راجع ((الاستذكار)) ٧/١١-١٠. ٣٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ النفساء تؤمر بالغسل عند الإحرام للنظافة، لا للطهار، ومثلها الحائض (ومنها): أن النفاس لا يَمْنَعُ عن أفعال الحجّ، بخلاف الصلاة، والصوم (ومنها): أن النفساء وكذا الحائض لا يطوفان بالبيت حتى يطهرا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم الاغتسال للإحرام: قال الحافظ أبو عمر رحمه الله تعالى: في أمر رسول اللَّه وَالخير الحائض، والنفساء بالغسل عند الإهلال دليلٌ على تأكيد الإحرام بالغسل بالحجّ، أو العمرة. إلا أن جمهور العلماء يستحبّونه، ولا يوجبونه، وما أعلم أحدًا من المتقدّمين أوجبه إلا الحسن البصريّ، فإنه قال في الحائض، والنفساء: إذا لم تغتسل عند الإهلال اغتسلت إذا ذكرت، وبه قال أهل الظاهر: الغسل واجب عند الإهلال على كلّ من أراد أن يهلّ، وعلى كلّ من أراد الحجّ طاهرًا كان، أو غير طاهر. وقد روي عن عطاء إيجابه، وروي عنه أن الوضوء يكفي منه. انتهى كلام ابن عبد البرّ(١). وقال العلامة ابن قدامة رحمه اللّه تعالى: من أراد الإحرام استُحبّ له أن يغتسل قبله في قول أكثر أهل العلم، منهم: طاوس، والنخعيّ، ومالك، والثوريّ، والشافعيّ، وأصحاب الرأي؛ لما روى خارجة بن زيد بن ثابت، عن أبيه، أنه رأى النبيّ وَلّو تجرد لإهلاله، واغتسل. رواه الترمذيّ، وقال: حديث حسن غريب(٢). وثبت أن النبيّ وَلّ أمر أسماء بنت عميس، وهي نفساء أن تغتسل عند الإحرام. وأمر عائشة أن تغتسل عند الإهلال بالحجّ، وهي حائض. ولأن هذه العبادة يجتمع لها الناس، فسُنّ لها الاغتسال، كالجمعة. وليس ذلك واجبًا في قول عامة أهل العلم. قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن الإحرام جائزٌ بغير اغتسال، وأنه غير واجب. وحكي عن الحسن أنه قال: إذا نسي الغسل يغتسل إذا ذكر. وقال الأثرم: سمعت أبا عبد الله، قيل له عن بعض أهل المدينة: من ترك الغسل عند الإحرام، فعليه دم؛ لقول النبيّ وَلَّ لأسماء، وهي نفساء: ((اغتسلي))، فكيف الطاهر؟ فأظهر التعجّب من هذا القول. وكان ابن عمر يغتسل أحيانًا، ويتوضأ أحيانًا. وأي ذلك فعل أجزأ، ولا يجب الاغتسال، ولا نُقل الأمر به، إلا لحائض، أو نفساء، ولو كان واجبًا لأمر به غيرهما. انتهى كلام ابن قدامة(٣) . (١) -راجع ((الاستذكار)) ١١/ ١١. (٢) -في سنده عبدالرحمن بن أبي الزناد، متكلّم فيه، إلا أن لحديثه شواهد، فلا ينزل عن درجة الحسن. راجع ((مرعاة المفاتيح)) ٤٦٩/٨-٤٧٠ . (٣) -راجع ((المغني)) ٧٥/٥-٧٦ . ٣١ ٢٦- (الْغُسْلُ لِلإِهْلَالِ) - حديث رقم ٢٦٦٤ قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: ما تقدّم عن أبي عمر من نسبة إيجاب الغسل على من أراد الإحرام مطلقًا للظاهرية يحتاج إلى نظر، فإن الذي ذكره ابن حزم، وهو من أئمتهم الاستحاب فقط، إلا على النفساء وحدها، ولفظه: [مسألة]: ونستحبّ الغسل عند الإحرام للرجال والنساء، وليس فرضًا إلا على النفساء وحدها، ثم أورد بسنده حديث الباب(١). قال الجامع: هذا الذي قاله ابن حزم هو الذي يترجّح عندي. وحاصله: أن الاغتسال مستحبّ، إلا على النفساء، والحائض، فيجب عليهما؛ لورود النصّ بلفظ الأمر، ولم يوجد له صارف، لا من نصّ، ولا من إجماع، فيفيد الوجوب عليهما. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٦٦٤ - أَخْبَرَنِي(٢) أَحْمَدُ بْنُ فَضَالَةَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ النَّسَائِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي(٣) سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْتَى -وَهُوَ ابْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ - قَالَ: سَمِعْتُ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ، يُحَدِّثُ عَنْ أَبِهِ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ: ((أَنَّهُ خَرَجَ حَاجًا، مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ، حَجَّةَ الْوَدَاعِ، وَمَعَهُ امْرَأَتُهُ، أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسِ الْخَثْعَمِئَةُ، فَلَمَّا كَانُوا بِذِي الْحُلَيْفَةِ، وَلَدَتْ أَسْمَاءُ، مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، فَأَتَّى أَبُو بَكْرِ النَّبِيَّ ◌َِّ، فَأَخْبَرَهُ، فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ وَ لِ أَنْ يَأْمُرَهَا، أَنْ تَغْتَسِلَ، ثُمَّ ثُلَّ بِالْحَجْ، وَتَصْنَعَ مَا يَصْنَعُ النَّاسُ، إِلَّا أَنَّا لَا تَطُوفُ بِالْبَيْتِ))). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((أحمد بن فضالة -بفتح الفاء- ابن إبراهيم)) أبو المنذر النسائيّ، صدوق ربما أخطأ [١١]. روى عن خالد بن مَخْلَد، وعبد الرزاق، وأبي عاصم، وغيرهم. وعنه المصنّف، وأبو عبد الرحمن هُبيرة بن الحسن الملقّب تُركّة. قال النسائيّ: لا بأس به. وقال مسلمة ابن قاسم: لا بأس به، وكان يخطىء. قال ابن عساكر: مات سنة (٢٥٧). انفرد به المصنّف، روى عنه في أربعة مواضع، برقم- ٢٦٦٤، وفي ٤١٢٢ و٤٦٢٠ و٥٤٨٠ . ((محمد بن أبي بكر)) الصديق القرشيّ التيميّ، أبو القاسم المدنيّ، له رؤية، ولد عام حجة الوداع، وقُتل سنة (٣٨). وكان عليّ يُثني عليه لعباده واجتهاده. روى له المصنّف وابن ماجه حديث الباب فقط. وتقدّمت ترجمته في شرح الحديث الماضي. - (١) -راجع ((المحلّى)) ٧/ ٨٢. (٢) -وفي نسخة: ((أخبرنا)). (٣) -وفي نسخة: ((حدثنا)). ٣٢ == شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْخَجْ و((خالد بن مخلد)): هو الْقَطّوَانيّ الكوفيّ، صدوق يتشيّع، وله أفراد، من كبار [١٠]١٩٢ / ٣٠٧. و(سليمان بن بلال)): هو أبو محمد، أو أبو أيوب المدنيّ، ثقة [٨] ٥٥٨/٣٠ . وقوله: ((حاجًّا)) منصول على الحال من فاعل ((خرج)). وقوله: ((حجة الوداع)) بفتح الحاء المهملة، وكسرها، منصوب على أنه مفعول مطلق مبيّن للنوع، وسبب تسميتها بحجة الوداع؛ لكون النبيّ وَ لهو وذّع الناس فيها، وتمام شرح الحديث تقدم في الحديث الذي قبله. والله تعالى وليّ التوفيق، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي بكر رضي اللّه تعالى عنه هذا فيه انقطاع؛ لأن محمد بن أبي بكر لم يسمع من أبيه، لكنه متّصل بأسانيد أُخر صحاح، كما أشرت إليه في الحديث الذي قبله، فهو صحيح. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه المصنّف هنا -٢٦٦٤/٢٦ - وفي ((الكبرى)) ٣٦٤٤/٢٦. وأخرجه (ق) في ((المناسك)) ٢٩١٢. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أُنیب)). ٢٧- (غَسْلُ الْمُخْرِمِ) قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((الغسل)) -بفتح الغين المعجمة -: مصدر غَسَلَ الشيء، من باب ضرب، والغُسل بالضم اسم منه، والجمع أَغسال، مثل قُفْل وأقفال، وبعضهم يجعل المضموم والمفتوح بمعنّ، وعزاه إلى سيبويه. وقيل: الغُسل بالضمّ هو الماء الذي يُتطهّر به. أفاده في ((المصباح)). والمراد به هنا غسل المحرم رأسه، وسائر بدنه. قال في ((الفتح)): عند قول البخاريّ: ((باب الاغتسال للمحرم)): أي ترَقُّهَا، وتنظّفًا، وتطهّرًا من الجنابة. قال ابن المنذر: أجمعوا على أن للمحرم أن يغتسل من الجنابة. واختلفوا فيما عدا ذلك. وكأن = ٣٣ ٢٧- (غَسْلُ المُخرم) - حديث رقم ٢٦٦٥ المصنّف أشار إلى ما رُوي عن مالك أنه كره للمحرم أن يُغطّي رأسه في الماء. وروى في ((الموطّا)) عن نافع، عن ابن عمر، كان لا يغسل رأسه، وهو محرم، إلا من احتلام انتهى(١). والله تعالى أعلم بالصواب. ٢٦٦٥ - أَخْبَرَنَا قُتَنْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُتَيْنِ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، وَالْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، أَنَّهُمَا اخْتَلَفَا بِالْأَبْوَاءِ، فَقَالَ ابْنُ عَيَّاسِ: يَغْسِلُ الْمُحْرِمُ رَأْسَهُ، وَقَالَ الْمِنَّوَرُ: لَا يَغْسِلُ رَأْسَهُ، فَأَرْسَلَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ، إِلَى أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ، أَسْأَلُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ، بَيْنَ قَرْنِي الْبِرِ، وَهُوَ مُسْتَتِرٌ بِثَوْبٍ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، وَقُلْتُ: أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ، أَسْأَلُّكَ، كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ، يَغْسِلُ رَأْسَهُ، وَهُوَ مُخْرِمٌ، فَوَضَعَ أَبُو أَيُّوبَ يَدَهُ عَّلَى الثَّوْبِ، فَطَأْطَأَهُ، حَتَّى بَدَا رَأْسُهُ، ثُمَّ قَالَ لإِنْسَانِ: يَصُبُّ عَلَى رَأْسِهِ، ثُمَّ حَرَّكَ رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ، فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ، وَقَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ يَفْعَلُ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١- (قتيبة بن سعيد) الثقفيّ، أبو رجال البغلاني، ثقة ثبت [١٠] ١/١ . ٢- (مالك) بن أنس المذكور في الباب الماضي. ٣- (زيد بن أسلم) العدوي مولاهم المدني، ثقة فقيه [٣] ٨٠/٦٤. ٤- (إبراهيم بن عبد الله بن حنين) الهاشمي مولاهم، أبو إسحاق المدني، ثقة [٣] ١٠٤١/٩٧ . ٥- (أبوه) عبد الله بن حنين الهاشمي مولاهم المدني، ثقة [٣] ١٠٤١/٩٧. ٦- (أبو أيوب الأنصاري) خالد بن زيد تَظّه يأتي قريبًا. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى، وأن رجاله كلهم رجال الصحيح، وأنه مسلسل بالمدنيين غير شيخه فبغلاني، وفيه رواية الابن عن أبيه، وفيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: زيد عن إبراهيم عن أبيه. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ) العدويّ المدنيّ مولى عمر بن الخطاب التابعي (عَنْ إِيْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُنَيْنٍ) . (١) - ((فتح)) ٥٣٢/٤- ٠٥٣٣ ٣٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ قال في ((الفتح)): قوله: ((عن زيد بن أسلم، عن إبراهيم)) كذا في جميع ((الموطّت))، وأغرب يحيى بن يحيى الأندلسيّ، فأدخل بين زيد وإبراهيم نافعًا، قال ابن عبد البرّ: وذلك معدود من خطئه انتھی. وقال أيضًا: قوله: (عَنْ إِبْرَاهِيمَ)) في رواية ابن عيينة، عن زيد: أخبرني إبراهيم. أخرجه أحمد، وإسحاق، والحميديّ في ((مسانيدهم))، عنه. وفي رواية ابن جريج عند أحمد: عن زيد بن أسلم: أن إبراهيم بن عبد الله بن حنين مولى ابن عبّاس أخبره. كذا قال: ((مولى ابن عباس)). وقد اختلف في ذلك، والمشهور أن حنينّا كان مولى للعبّاس، وهبه له النبيّ وَ لَّ، فأولاده موال له. قاله في ((الفتح)) (عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن حنين (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ) الحبر البحر المشهور رضي اللَّه تعالى عنهما (وَالْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةً) ابن نوفل بن أُهيب بن عبد مناف بن زهرة الزهريّ، أبي عبد الرحمن، له، ولأبيه صحبة رضي الله تعالى عنهما، مات سنة (٦٤هـ). والمراد أنه أخبر عن قصّتهما، فالكلام على حذف مضاف، فليس المراد أن عبد الله ابن حنين أخبر بهذا الخبر راويًا عنهما. وقوله (أَنَّهُمَا اخْتَلَفَا) في تأويل المصدر بدل عن المجرور قبله، أي عن اختلافهما. وفي رواية البخاريّ من رواية عبد الله بن يوسف، عن مالك: ((أن عبد الله بن عباس، والمسور بن مَخْرَمة اختلفا الخ)). وفي رواية ابن جريج عند أبي عوانة: كنت مع ابن عباس، والمسور. (بِالْأَبْوَاءِ) بفتح الهمزة، وسكون الموحّدة وزان أَفْعال: موضع بين مكة والمدينة، ويقال له: وَدّان(١). قاله في ((المصباح)). أي وهما نازلان بها. وفي رواية ابن عيينة: ((بالعَرْج))، وهو بفتح أوّله، وإسكان ثانيه: قرية جامعة قريبة من الأبواء. (فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) رضي اللّه تعالى عنهما (يَغْسِلُ الْمُخْرِمُ رَأْسَهُ، وَقَالَ الْمِسْوَرُ) رضي اللَّه تعالى عنه (لَاَ يَغْسِلُ رَأْسَهُ) الظاهر أنه قال ذلك اجتهادًا منه؛ لأنه ربما يتسبّب في انتتاف شعره، فخشيةً لذلك قال: لا يغسل (فَأَرْسَلَنِ ابْنُ عَبَّاسٍ، إِلَى أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ) واسمه خالد بن زيد بن كُليب، من كبار الصحابة اله، شهد بدرًا، ونزل النبيّ ◌َّ عليه حين قَدِمَ المدينة، مات غازيًا بالروم سنة (٥٠هـ) وقيل: بعدها، تقدّمت ترجمته في ٢٠/٢٠ . زاد ابن جريج، فقال: ((قل له: يقرأ عليك السلامَ ابنُ أخيك عبدُالله بن عباس، (١) -وفي ((القاموس)): موضع قرب وَدّان. ٣٥ ٢٧- (غَسْلُ الْمُخرِم) - حديث رقم ٢٦٦٥ ويسألك)). (أَسْأَلُهُ عَنْ ذَلِكَ) أي عن حكم غسل المحرم رأسه (فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ، بَيْنَ قَرْنَي الْبِثْرِ) بفتح القاف: تثنية قَرْن، وهما الخشبتان القائمتان على رأس البئر، وشبههما من البناء، وتُمدّ بينهما خشبة يُجرّ عليها الحبل المستقَى به، وتُعلّق عليها البكرة. قاله النوويّ(١) . (وَهُوَ مُسْتَتِّرْ بِثَوْبٍ) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل. ولفظ ((الكبرى)): وهو يُستَرُ بثوب)) (فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ) فيه أنه يُشرع السلام على من يغتسل، ولذا لم ينكر عليه أبو أيوب، وقد ثبت في ((الصحيحين))، وغيرهما (٢) في قصّة أم هانىء رضي اللّه تعالى عنها أنها قالت: ذهبت إلى رسول اللّه ◌َله، عام الفتح، فوجدته يغتسل- وفاطمة ابنته تستره- قالت: فسلمت عليه، فقال: ((من هذه؟ ... )) الحديث. زاد في رواية مسلم: ((فقال: من هذا؟ فقلت: أنا عبد الله بن حُنين، أرسلني إليك عبد الله بن عباس ... )) الحديث. (وَقُلْتُ: أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسِ، أَسْأَلُكَ، كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَتِ، يَغْسِلُ رَأْسَهُ) قال الحافظ أبو عمر رحمه اللَّه تعالى: الظاهر أن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما كان عنده نصّ عن النبيّ وَلّ أخذه عن أبي أيوب، أو غيره، ولهذا قال عبد الله بن حُنين لأبي أيوب: أسألك كيف كان يغسل رأسه؟، ولم يقل: هل كان يغسل رأسه، أولا؟، على حسب ما وقع فيه اختلاف بين المسور، وابن عباس. قال الحافظ رحمه الله تعالى: ويحتمل أن يكون عبد الله بن حُنين تصرّف في السؤال الفطنته، كأنه لَمّا قال له: سله، هل يغتسل المحرم، أولًا؟، فجاء، فوجده يغتسل، فهم من ذلك أنه يغتسل، فأحبّ أن لا يرجع إلا بفائدة، فسأله عن كيفيّة الغسل، وكأنه خصّ الرأس بالسؤال؛ لأنها موضع الإشكال في هذه المسألة؛ لأنها محلّ الشعر الذي يُخشى انتتافه، بخلاف بقية البدن غالبا انتهى كلام الحافظ(٣). (وَهُوَ مُخْرِمٌ) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل (فَوَضَعَ أَبُوِ أَيُوبَ) الأنصاريّ رَثِ (يَدَهُ عَلَى الثَّوْبِ) أي الذي جعله ساترًا بينه وبين الناس (فَطَأْطَأَهُ) أي أزاله عن رأسه. وفي رواية ابن عيينة، عن زيد: ((جمع ثيابه إلى صدره حتى نظرت إليه)) (١) - شرح مسلم ٣٦٤/٨. (٢) -تقدم للمصنّف رحمه الله تعالى برقم -٢٢٥. في ((الطهارة)). (٣) -راجع ((الفتح)) ٤/ ٥٣٣ -٥٣٤. ٣٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ (حَتَّى بَدَا رَأْسُهُ) أي ظهر لي رأسه، فرأيته. وفي رواية ابن جريج: ((حتى رأيت رأسه، و و جهه)» . (ثُمَّ قَالَ لإِنْسَانِ) قال الحافظ: لم أقف على اسمه (يَصُبُّ عَلَى رَأْسِهِ) جملة في محلّ جرّ صفة ((إنسان)). ومقول القول في رواية المصنّف محذوف، تقديره: ((اصبُبْ)). ولفظ البخاريّ: ((ثم قال لإنسان يصبّ عليه: اصبب، فصبّ على رأسه ... )) (ثُمَّ حَرَّكَ رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ، فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ) أي ذهب بيديه إلى جهة قُدَّامه، ثم ردّهما إلى ورائه، مبالغة في وصول الماء إلى البشرة. وفي رواية ابن جريج: ((فأمرّ أبو أيوب بيديه على رأسه جميعًا، على جميع رأسه، فأقبل بهما، وأدبر)). (وَقَالَ) أي أبو أيوب رَّهِ (هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ) وفي ((الكبرى)): ((النبيّ)) (َّلـ يَفْعَلُ) زاد في رواية ابن عيينة، عن زيد: ((فرجعت إليهما، فأخبرتهما، فقال المسور لابن عبّاس: لا أَماريك أبدًا)). أي لا أجادلك. وأصل المراء استخراج ما عند الإنسان، يقال: أمرى فلانٌ فلانًا: إذا استخرج ما عنده. قاله ابن الأنباريّ. وأطلق ذلك في المجادلة؛ لأن كلّا من المتجادلين يستخرج ما عند الآخر من الحجة. قاله في ((الفتح)) (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان . مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي أيوب الأنصاريّ رضي اللَّه تعالى عنهما هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٢٦٦٥/٢٧ وفي ((الكبرى))٣٦٤٥/٢٧. وأخرجه (خ) في ((الحجّ)) ١٨٤٠ (م) في ((الحجّ)) ١٢٠٥ (د) في ((المناسك)) ١٨٤٠ (ق) في ((المناسك)) ٢٩٣٤ (أحمد) في ((باقي مسند الأنصار)) ٢٣٠١٨ و٢٣٠٣٦ و٢٣٠٦٦ (الموطأ) في ((الحجّ)) ٧١٢ (الدارمي) في ((المناسك)) ١٧٩٣. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو مشروعيّة الاغتسال للمحرم. (ومنها): غسل المحرم رأسه، وتشريبه شعره بالماء، ودلكه بيده إذا أمن تناثره. واستدل (١) - ((فتح)) ٤/ ٥٣٤. ٢٧- (غَسْلُ المُخرم) - حديث رقم ٢٦٦٥ = ٣٧ به القرطبيّ على وجوب الدلك في الغسل، قال: لأن الغسل لو كان يتمّ بدونه لكان المحرم أحقّ بأن يجوز له تركه. قال الحافظ: ولا يخفى ما فيه(١). (ومنها): أنه استدلّ به على أن تخليل شعر اللحية في الوضوء باق على استحبابه، خلافًا لمن قال: يكره، كالمتولّي من الشافعيّة، خشية انتتاف الشعر؛ لأن في الحديث: («ثم حرّك رأسه بيده)). ولا فرق بين شعر الرأس واللحية، إلا أن يقال: إن شعر الرأس أصلب. والتحقيق أنه خلاف الأولى في حقّ بعض دون بعض. قاله السبكيّ الكبير. قاله في ((الفتح))(٢). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: بل الإطلاق هو التحقيق؛ لأن الشارع الحكيم ما اشتثنى الحاج حين شرع تخليل اللحية. فتنبّه. والله تعالى أعلم. (ومنها): الرجوع إلى النصّ عند الاختلاف، وترك الاجتهاد، والقياس عند وجود النصّ. قال الحافظ أبو عمر رحمه الله تعالى: في هذا الحديث من الفقه أن الصحابة إذا اختلفوا لم تكن في قول واحد منهم حجة علی غیره، إلا بدلیل یجب التسلیم له، من الكتاب، أو السنّة، ألا ترى أن ابن عباس والمسور *** لما اختلفا لم يكن لواحد منهما حجة على صاحبه حتى أدلى ابن عبّاس بالحجة بالسنة، ففلج -أي فاز، وغلب خصمه بحجته - . وهذا يبيّن لك أن قولهعمليَّلامُ: ((أصحابي كالنجوم(٣))) هو على ما فسره المزنيّ وغيره، وأن ذلك في النقل؛ لأن جميعهم ثقات عدول، فواجب قبول من نقل كلّ واحد منهم، ولو كانوا كالنجوم في آرائهم، واجتهادهم إذا اختلفوا لقال ابن عباس للمسور: أنت نجم، وأنا نجمٌ، فلا عليك، وبأيّنا اقتدى المقتدي فقد اهتدى، ولَمَا احتاج لطلب البيّنة، والبرهان من السنّة على صحّة قوله. وكذا سائر الصحابة * إذا اختلفوا حكمهم كحكم ابن عبّاس والمسور، وهم أوّل من تلا: ﴿فَإِن نَزَعْثُمْ فِى شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ الآية [النساء: ٥٩]. قال العلماء: إلى كتاب اللَّه، وإلى سنة نبيّه وَ لّ ما كان حيًّا، فإن قُبض فإلى سنّته. ألا ترى أن ابن مسعود قيل له: أنَّ أبا موسى الأشعريّ قال في أخت، وابنة ابن: إن للابنة النصفَ، وللأخت السدسَ، ولا شيء لبنت الابن. وأنه قال للسائل: انت ابن (١) - ((فتح)) ٤ / ٥٣٤. (٢) - ((فتح)) ٤/ ٥٣٤. (٣) -حديث واه سيأتي الكلام عليه. ٠٠ ٠٫٠٠٫٠ - ٣٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ مسعود، فإنه سيتابعنا، فقال ابن مسعود: ﴿قَدْ ضَلَلْتُ إِذَا وَمَآ أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [الأنعام: ٥٦] أقضي فيها بقضاء رسول اللَّه ◌َّله: ((للبنت النصفُ، ولابنة الابن السدسُ تكملة للثلثين، وما بقي فللأخت)). وبعضهم لم يرفع هذا الحديث، وجعله موقوفًا على ابن مسعود، وكلّهم رووا فيه: ﴿قَدْ ضَلَلْتُ إِذَا﴾ الآية. وفي ((الموطإ)) أن أبا موسى الأشعريّ أفتى بجواز رضاع الكبير، وردّ ذلك عليه ابن مسعود، فقال أبو موسى: لا تسألوني ما دام هذا الحبر بين أظهركم. وروى مالك عن ابن مسعود: أنه رجع عن قوله في الربيبة إلى قول أصحابه في المدينة(١). وهذا الباب طويل إذا كان الصحابة خير أُمّة أُخرجت للناس، وهم أهل العلم والفضل، لا يكون أحدهم حجة على صاحبه، إلا الحجة من كتاب اللَّه، أو سنّة نبيّه وَّ، فمن دونهم أولى أن يَعضِدَ قولَه بما يجب التسليم له. قال مجاهد في قوله تعالى: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ الَّذِىّ أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّيِّكَ هُوَ اُلْحَقَّ﴾ الآية ﴿السبأ: ٦] قال: أصحاب محمد وَيّ . قال مالك: الحكم حكمان: حكم جاء به كتاب اللَّه، وحكم أحكمته السنّةُ. قال: ومجتهدُ رأيه، فلعلّه يُوفّق، ومتكلّف، فطُعن عليه. قال: وذكر ابن وضّاح، عن ابن وهب، قال: قال لي مالك: الحكمة، والعلم نورٌ يهدي به الله من يشاء، ويؤتي الحكمة من أحبّ من عباده، وليس بكثرة المسائل. قال (١) -رواه مالك في ((الموطإ)) في ((كتاب النكاح)) - ((باب ما لا يجوز من نكاح الرجل أم امرأته))، ولفظه: وحدثني عن مالك، عن غير واحد، أن عبد الله بن مسعود، استفتي وهو بالكوفة، عن نكاح الأم بعد الابنة، إذا لم تكن الابنة مُسّت، فأرخص في ذلك، ثم إن ابن مسعود، قدم المدينة، فسأل عن ذلك، فأخبر أنه ليس كما قال، وإنما الشرط في الربائب، فرجع ابن مسعود إلى الكوفة، فلم يصل إلى منزله، حتى أتى الرجل الذي أفتاه بذلك، فأمره أن يفارق امرأته، قال مالك، في الرجل تكون تحته المرأة، ثم ينكح أمها، فيصيبها: إنها تحرم عليه امرأته، ويفارقهما جميعا، ويحرمان عليه أبدا، إذا كان قد أصاب الأم، فإن لم يصب الأم، لم تحرم عليه امرأته، وفارق الأم، وقال مالك، في الرجل يتزوج المرأة ، ثم ينكح أمها، فيصيبها: إنه لا تحل له أمها أبدا، ولا تحل لأبيه، ولا لابنه، ولا تحل له ابنتها، وتحرم عليه امرأته، قال مالك: فأما الزنا، فإنه لا يحرم شيئا من ذلك، لأن الله تبارك وتعالى قال: ﴿وَأُمَّهَتُ نِسَابِكُمْ﴾، فإنما حرم ما كان تزويجا، ولم يذكر تحريم الزنا، فكل تزويج كان على وجه الحلال، يصيب صاحبه امرأته، فهو بمنزلة التزويج الحلال، فهذا الذي سمعت، والذي عليه أمر الناس عندنا. ٣٩ ٢٧- (غَسْلُ المُخرم) - حديث رقم ٢٦٦٥ أبو عمر: وقد استوفينا هذا المعنى في ((كتاب العلم))(١). انتهى كلام أبي عمر رحمه الله تعالى(٢). وهو بحث نفيس جدًّا إلا ما يأتي من الكلام على الحديث الذي احتج به. (ومنها): استتار الشخص عند الاغتسال بالثوب عند الاغتسال، وأن الذي كان يستره بالثوب، لا يطّلع منه على ما يتستّر به من مثله، فالسترة واجبة عن القريب والبعيد. (ومنها): قبول خبر الواحد، وأن قبوله كان مشهورًا عند الصحابة له (ومنها): السلام على المتطهّر في وضوء، أو غسل، بخلاف الجالس على الحدث. (ومنها): جواز الاستعانة في الطهارة، ولكن الأولى تركها إلا لحاجة. قاله النوويّ(٣). (ومنها): أن فيه الاعتراف للفاضل بفضله، وإنصاف الصحابة بعضهم بعضًا، رضي الله تعالى عنهم أجمعين. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): حيث ذكر الحافظ أبو عمر في كلامه السابق حديث: ((أصحابي كالنجوم)) موهمًا أنه حديث ثابت، مع أنه لا يثبت، وقد تَكَلّم فيه هو في غير هذا الكتاب، فلا بدّ من بيان ما قاله العلماء فيه (٤)، حتى يتبيّن الحقّ، وكذلك ما اشتهر على الألسنة: ((اختلاف أمتي رحمة)). أما الأول، فقد رُوي من حديث جابر، ومن حديث ابن عباس، ومن حديث عمر بن الخطاب، وابنه عبد الله: (أما حديث جابر رَيّه): فهو: ((أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم)). رواه ابن عبد البرّ في ((جامع العلم)) ٩١/٢، وابن حزم في (الإحكام)) ٨٢/٦ من طريق سلام بن سليم، قال: حدثنا الحارث بن غُضَين، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، مرفوعًا به. وقال ابن عبد البرّ: هذا إسناد لا تقوم به حجة، لأن الحارث بن غضين مجهول. وقال ابن حزم: هذه رواية ساقطة، أبو سفيان ضعيف، والحارث بن غُضَين هذا هو أبو وهب الثقفي، وسلام بن سليمان يروي الأحاديث الموضوعة، وهذا منها بلا شك. قال الشيخ الألباني: الحمل في هذا الحديث على سلام بن سليم- ويقال: ابن سليمان، وهو الطويل - أولى(٥)، فإنه مجمع على ضعفه، بل قال ابن خراش: كذّاب. (١) -أي ((كتاب جامع بيان العلم)) ٢٦/٢ -٣٠. (٢) -راجع ((الاستذكار)) ١٥/١١-١٨. (٣) -شرح النوويّ ٣٦٤/٨-٣٦٥. (٤) - لقد أجاد البحث في هذه الأحاديث المحدث الكبير الشيخ الألباني جزاه تعالى خيرًا على ما أفاد في كتابه ((السلسلة الضعيفة)) ٧٦/١-٨٥- من رقم ٥٧ إلى رقم ٦٢ - فاستفد منه. (٥) قوله: ((أولى)) خبر قوله: (الحملُ)) وقوله: ((ويقال إلى قوله: ((الطويل)) جملة معترضة. = ٤٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ وقال ابن حبان: روى أحاديث موضوعة. وأما أبو سفيان فليس ضعيفًا، كما قال ابن حزم، بل هو صدوق، كما قال الحافظ في ((التقريب))، وأخرج له مسلم في ((صحیحه)). انتهى(١). (وأما حديث ابن عباس): فهو: ((مهما أوتيتم من كتاب اللّه، فالعمل به، لا عذر لأحدكم في تركه، فإن لم يكن في كتاب الله، فسنة مني ما ضية، فإن لم يكن سنة مني ماضية، فما قال أصحابي، إن أصحابي بمنزلة النجوم في السماء، فأيها أخذتم به اهتدیتم، واختلاف أصحابي لكم رحمة)). أخرجه الخطيب في ((الكفاية)» ص٤٨، وابن عساكر، وغيرهما من طريق سليمان بن أبي كريمة، عن جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس، مرفوعًا به. وهذا الإسناد ضعيف جدًّا، سليمان بن أبي كريمة قال ابن أبي حاتم: ضعيف الحديث. وجويبر هو ابن سعيد الأزديّ متروك. والضحّاك لم يلق ابن عباس. (وأما حديث عمر رتزيّ): فهو: «سألت ربي فيما اختلف فيه أصحابي من بعدي، فأوحى الله إليّ يا محمد إن أصحابك عندي بمنزلة النجوم في السماء، بعضها أضوأ من بعض، فمن أخذ بشيء مما هم عليه من اختلافهم، فهو عندي على هدى)). رواه ابن بطّة في ((الإبانة)) ١١/٤، والخطيب، وابن عساكر، وغيرهم من طريق نعيم ابن حماد، ثنا عبد الرحيم بن زيد العمّيّ، عن أبيه، عن سعيد بن المسيّب، عن عمر بن الخطاب رَّ مرفوعًا به. قال ابن الجوزيّ في ((العلل)): هذا لا يصحّ، نعيم مجروح، وعبد الرحيم قال ابن معين: كذّاب. وفي («الميزان)): هذا الحديث باطل. (وأما حديث ابن عمر): فهو: ((إنما أصحابي مثل النجوم، فأيهم أخذتم بقوله اهتدیتم)» . ذكره ابن عبد البر معلقًا، من طريق أبي شهاب الحناط، عن حمزة الجزريّ، عن نافع، عن ابن عمر، مرفوعًا به. ووصله عبد بن حميد في ((المنتخب من المسند»، قال: أخبرني أحمد بن يونس، حدثنا أبو شهاب به. وروا ابن بطة في ((الإبانة)). وفي سنده حمزة بن أبي حمزة قال الدارقطنيّ: متروك. وقال ابن عديّ: عامة مروياته موضوعة. وقال ابن حبان: ينفرد عن الثقات بالموضوعات، حتى كأنه المتعمد لها، ولا تحل الرواية عنه. وقد ساق له الذهبي في ((الميزان)) أحاديث من موضاعاته، هذا منها. (١) -راجع ((الضعيفة)) ١ / ٧٨-٧٩.