Indexed OCR Text
Pages 281-300
٢٨١ ١- (بَأَبُ وُجُوب الْحَجْ) - حديث رقم ٢٦١٩ لم يكن بدّ من امتثال أمره على ما فصَّلَ، وقَيَّدَ، وإن كان فيه أشدّ المشقّات، وأشدّ التكاليف، وهذا مما لا يُختَلَف فيه إن شاء الله تعالى أنه المراد بالحديث انتهى كلام القرطبيّ(١) . وقد أخرج البزار، وابن أبي حاتم في ((تفسيره)) من طريق أبي رافع، عن أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه، مرفوعًا: ((لو اعترض بنوا إسرائيل أدنى بقرة، فذبحوها، لكفتهم، ولكن شَدَّدُوا، فشدّد اللَّه عليهم)). وفي السند عبّاد بن منصور، وحديثه من قبيل الحسن. وأورده الطبريّ، عن ابن عبّاس، موقوفًا. وعن أبي العالية، مقطوعًا. ذكره في ((الفتح))(٢). (فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ) أي من اليهود والنصارى (بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ) كسؤال الرؤية، والكلام، وقضيّة البقرة. ولفظ البخاريّ من طريق أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة: ((فإنما أهلك من كان قبلكم سُؤَالُهُمْ)). قال في ((الفتح)): قوله: ((فإنما أهلك)) بفتحات(٣)، وقال بعد ذلك: (سؤالهم)) بالرفع على أنه فاعل ((أهلك)). وفي رواية غير الكشميهنيّ: ((أُهلك)) بضمّ أوله، وكسر اللام، وقال بعد ذلك: ((بسؤالهم)) أي بسبب سؤالهم. وقوله: ((واختلافهم)) بالرفع، وبالجرّ على الوجهين. ووقع في غير رواية همام عند أحمد بلفظ : ((فإنما أُهْلِكَ))، وفيه ((بسؤالهم))، ويتعيّن الجرّ في ((واختلافهم)). وفي رواية الزهريّ: ((فإنما هَلَكَ))، وفيه ((سؤالُهم))، ويتعيّن الرفع في ((واختلافهم)). وأما قول النوويّ في ((أربعينه)): و((اختلافهم)) برفع الفاء، لا بكسرها، فإنه باعتبار الرواية التي ذكرها، وهي التي من طريق الزهريّ انتهى(٤). (وَاخْتِلَافِهِمْ) عطف على ((كثرة السؤال))، لا على ((السؤال))، إذ الاختلاف، وإن قلْ يؤدي إلى الهلاك. ويحتمل أنه عطف على ((سؤالهم))، فهو إِخْبَارًا عمن تقدّم بأنه كَثُرَ اختلافهم في الواقع، فأذاهم إلى الهلاك، وهو لا ينافي أن القليل من الاختلاف مؤدّ إلى الفساد. قاله السنديّ(٥) . (عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ) يعني أنهم إذا أمرهم الأنبياء بعد السؤال، أو قبله اختلفوا عليهم، (١) -راجع ((المفهم)) ج٣ ص ٤٤٧ -٤٤٨ . (٢) - ((فتح)) ج١٥ ص١٨٨ . (٣) -في هذا الضبط نظر، فليحرّر. (٤) - ((فتح)) ج١٥ ص١٨٩ . (٥) - ((شرح السنديّ)) ج٥ ص ١١٠- ١١١. ٢٨٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ فهلكوا، واستحقّوا الإهلاك. قال الأبّيّ: قوله: ((واختلافهم على أنبيائهم)) هو زيادة على ما وقع، فإن الذي وقع إنما هو الإلحاح في السؤال، لا الاختلاف انتهى (١). (فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِالشَّيْءٍ) وفي نسخة: ((بشيء))، ولمسلم: ((بأمر)). وفي رواية: ((وما أمرتكم به)) (فَخُذُوا بِهِ مَا اسْتَطَعْتُمْ) أي خذوا من ذلك الأمر قدر استطاعتكم. وفي رواية: ((فأتوا منه ما استطعتم))، وفي رواية: ((وإذا أمرتكم بالأمر، فاتمروا ما استطعتم)). قال النوويّ رحمه الله تعالى: هذا من قواعد الإسلام المهمّة، ومن جوامع الكلم التي أعطيها وَلَّ، ويدخل فيه ما لا يُحصَى من الأحكام، كالصلاة بأنواعها، فإذا عجز عن بعض أركانها، أو بعض شروطها أتى بالباقي، وإذا عجز عن بعض أعضاء الوضوء، أو الغسل غسل الممكن، وإذا وجد بعض ما يكفيه من الماء لطهارته، أو لغسل النجاسة، فعل الممكن، وإذا وجبت إزالة منكرات، أو فطرة جماعة من تلزمه نفقتهم، أو نحو ذلك، وأمكنه البعض فعل الممكن، وإذا وجد ما يستر بعض عورته، أو حَفِظَ بعض الفاتحة أتى بالممكن، وأشباه هذا غير منحصرة، وهي مشهورة في كتب الفقه، والمقصود التنبيه على أصل ذلك انتهى كلام النوويّ(٢). وقال غيره: فيه أنّ من عجز عن بعض الأمور لا يسقط عنه المقدور، وعبّر عنه بعض الفقهاء بأنّ الميسور لا يسقط بالمعسور، كما لا يسقط ما قدر عليه من أركان الصلاة بالعجز عن غيره، وتصحّ توبة الأعمى عن النظر المحرّم، والمجبوب عن الزنا؛ لأن الأعمى، والمجبوب قادران على الندم، فلا يسقط عنهما بعجزهما عن العزم على عدم العود؛ إذ لا يُتصوّر منهما العود عادة، فلا معنى للعزم على عدمه انتهى(٣). وقال النوويّ: وهذا الحديث موافق لقول الله تعالى: ﴿فَأَنَّقُوا اللَّهَ مَا أُسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]. وأما قوله تعالى: ﴿أَثَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَائِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢] ففيها مذهبان: أحدهما: أنها منسوخة بقوله تعالى: ﴿فَنَّقُواْ أَللَّهَ مَا أُسْتَطَعْتُمْ﴾. والثاني : -وهو الصحيح، أو الصواب، وبه جزم المحققون أنها ليس منسوخةً، بل قوله تعالى: ﴿فَنَّقُوا اللَّهَ مَا أَسْتَطَعْتُمْ﴾ مفسّرة لها، ومبيّنة للمراد بها. قالوا: وحق تقاته، هو امتثال أمره، واجتناب نهيه، ولم يأمر الله سبحانه، وتعالى إلا بالمستطاع، قال الله تعالى: ﴿لَا (١) - ((شرح الأبيّ على صحيح مسلم)) ج٣ ص ٤٣٥. (٢) - ((شرح صحيح مسلم)) ج٩ ص ١٠٦ . (٣) - ((فتح)) ج ١٥° مَ ر ١٩٠. ٢٨٣ ١- (بَابُ وُجُوب الْحَجِّ) - حديث رقم ٢٦١٩ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَاً﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وقال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجْ﴾ [الحجّ: ٧٨]. والله تعالى أعلم انتهى(١). وقال في ((الفتح)): وزعم بعضهم أن قوله تعالى: ﴿فَأَنَّقُواْ اللَّهَ مَا أَسْتَطَعْتُمْ﴾ نَسَخَ قولَهُ تعالى: ﴿أَتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَائِهِ﴾، والصحيح أن لا نسخ، بل المراد بـ((حق تقاته)) امتثال أمره، واجتناب نهيه مع القدرة، لا مع العجز انتهى (٢). (وَإِذَا نَّيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ) أي من المحرّمات (فَاجْتَنِبُوهُ») أي اتركوه كلّه. قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: يعني أن النهي على نقيض الأمر، وذلك أنه لا يكون ممتَثَلًا بمقتضى النهي حتى لا يفعل واحدًا من آحاد ما يتناوله النهي، ومن فعل واحدًا فقد خالف، وعصى، فليس في النهي إلا ترك ما نهي عنه مطلقًا دائمًا، وحينئذ يكون ممتثلا لترك ما أمر بتركه، بخلاف الأمر على ما تقدّم . وهذا الأصل إذا فُهِم هو ومسألة مطلق الأمر؛ هل يُحمل على الفور، أو التراخي، أو على المرّة الواحدة، أو على التكرار؟ وفي هذا الحديث أبوابٌ من الفقه لا تخفى. انتهى كلام القرطبيّ(٣). وقال النوويّ رحمه الله تعالى: وأما قوله: ((وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه)) فهو على إطلاقه، فإن وُجد عذرٌ يبيحه، كأكل الميتة عند الضرورة، وشرب الخمر عند الإكراه، أو التلفّظ بكلمة الكفر إذا أكره، ونحو ذلك، فهذا ليس منهيًّا عنه في هذا الحال. والله أعلم انتهى كلام النوويّ (٤) . وقال في ((الفتح)): ثم إن هذا النهي عامّ في جميع المناهي، ويُستثنى من ذلك ما يكره المكلّف على فعله، کشرب الخمر، وهذا على رأي الجمهور. وخالف قوم، فتمسّكوا بالعموم، فقالوا: الإكراه على ارتكاب المعصية لا يُبيحها. والصحيح عدم المؤاخذة إذا وُجد صورة الإكراه المعتبرة. واستثنى بعض الشافعيّة من ذلك الزنا، فقال: لا يُتصوّر الإكراه عليه، وكأنه أراد التمادي فيه، وإلا فلا مانع أن يَنْعَظَ(٥) الرجل بغير سبب، فيكره على الإيلاج حينئذ، فيولج في الأجنبيّة، فإن مثل ذلك ليس بمحال، ولو فعله مختارًا لكان زانيًا، فتصوّر الإكراه على الزنا. - (١) - (شرح صحيح مسلم)) ج٩ ص١٠٦. (٢) - (فتح) ج١٥ ص١٩١ . (٣) - ((المفهم)) ج٣ ص٤٤٨. (٤) - ((شرح صحيح مسلم)) ج٩ ص ١٠٦ . (٥) -يقال: نَعَظَ ذكره نَعْظًا، ويُحرّك، ونُعُوظًا: قام. انتهى ((القاموس)). ٢٨٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ وقال في موضع آخر: وقال ابن فرج في ((شرح الأربعين)): قوله: ((فاجتنبوه)) هو على إطلاقه حتى يوجد ما يُبيحه، كأكل الميتة عند الضرورة، وشرب الخمر عند الإكراه، والأصل في ذلك جواز التلفّظ بكلمة الكفر إذا كان القلب مطمئنًا بالإيمان، كما نطق به القرآن انتهى. والتحقيق أن المكلّف في ذلك كلّه ليس منهيًّا عنه في تلك الحال. وأجاب الماورديّ بأن الكفّ عن المعاصي ترك، وهو سهلٌ، وعمل الطاعة فعلٌ، وهو يشقّ، فلذلك لم يُبَح ارتكاب المعصية، ولو مع العذر؛ لأنه ترك، والترك لا يعجز المعذور عنه، وأباح ترك العمل بالعذر؛ لأن العمل قد يعجز المعذور عنه. وادّعى بعضهم أن قوله تعالى: ﴿فَنَّقُواْ اللَّهَ مَا أَسْتَطَعْتُمْ﴾ يتناول امتثال المأمور، واجتناب المنهيّ عنه، وقد قيّد بالاستطاعة، واستويا، فحينئذ يكون الحكمة في تقييد الحديث بالاستطاعة في جانب الأمر دون النهي أن العجز يكثر تصوّره في الأمر، بخلاف النهي، فإن تصوّر العجز فيه محصور في الاضطرار. انتهى ما في ((الفتح)) (١) وهو بحث نفيس جدًّا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٢٦١٩/١ - وفي ((الكبرى))١/ ٣٥٩٨. وأخرجه (خ) في ((كتاب الاعتصام بالكتاب والسنّة)) ٧٢٨٨ (م) في ((الحجّ)) ١٣٣٧ (ت) في ((العلم)) ٢٦٧٩ (ق) في ((المقدّمة)) ١ و٢ (أحمد) في ((باقي مسند المكثرين)) ٧٣٢٠ و٧٤٤٩ و٢٧٣٦١ و٨٤٥٠ و٩٢٣٩ و٩٤٨٨ و٩٥٧٧ و٢٧٢٥٨ و٩٨٩٠ و٢٧٣١٢ و١٠٢٢٩. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان وجوب الحجّ (ومنها): أن الحجّ لا يتكرّر وجوبه، بل هو مرّة في العمر. قال الخطّابيّ رحمه الله تعالى: لا خلاف في أن الحجّ لا يتكرّر وجوبه، إلا أن هذا الإجماع إنما حصل بدليل، أما نفس اللفظ فقد يوهم التكرار، ولذا سأل السائل، فإن (١) - ((الفتح)) ج١٥ ص١٨٩ - ١٩١ . ١- (بَابُ وُجُوب الْحَجْ) - حديث رقم ٢٦١٩ ٢٨٥ الحجّ في اللغة قصدٌ فيه تكرار انتهى(١). (ومنها): أنه يدلّ على أن المسلم إذا حجّ مرّة، ثم ارتد عن الإسلام -والعياذ بالله- ثم أسلم أنه لا يلزمه إعادة الحجّ. وهذا مذهب الشافعي رحمه الله تعالى، وذهب أبو حنيفة، وأصحابه، ومالك رحمهم الله تعالى إلى أن المرتدّ لو عاد إلى الإسلام لا تعود إليه حسنات أعماله، ولكن لا يلزمه إعادة ما أذاه منها قبل الرّدة، إلا الحجّ، فيلزمه إعادته؛ لأن وقته العمر، فلما أحبط حجه بالردة، ثم أدرك وقته مسلمًا لزمه، وكذا يلزمه إعادة فرض أدّاه، فارتدّ، ثم أسلم في الوقت(٢). (ومنها): أن جميع الأشياء على الإباحة حتى يثبت دليل المنع من قبل الشارع (ومنها): أنه استدلّ به من قال: إن النبيّ وَله كان يجتهد في الأحكام؛ لقوله: ((ولو قلت: نعم، لوجبت)). وأجاب من منع ذلك باحتمال أن يكون أوحي إليه ذلك في الحال، والقول بالمنع أرجح؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْمَوَ ﴿ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْىٌ یُوجئ﴾. والله تعالى أعلم. (ومنها): أن من أمر بشيء، فعجز عن بعضه، ففعل المقدور أنه يسقط عنه ما عجز عنه. وبذلك استدلّ المزنيّ رحمه اللَّه تعالى على أنّ ما وجب أداؤه لا يجب قضاؤه، ومن ثمّ كان الصحيح أن القضاء بأمر جديد (ومنها): أن اعتناء الشارع بالمنهيّات فوق اعتنائه بالمأمورات؛ لأنه أطلق الاجتناب في المنهيّات، ولو مع المشقّة في الترك، وقيّد في المأمورات بقدر الطاقة. وهذا منقول عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى. [فإن قيل]: إن الاستطاعة معتبرة في النهي أيضًا؛ إذ ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ . [أجيب]: بأن الاستطاعة تطلق باعتبارين. قال الحافظ: كذا قيل، والذي يظهر أن التقييد في الأمر بالاستطاعة لا يدلّ على المدّعَى من الاعتناء به، بل هو من جهة الكفّ، إذ كلّ أحد قادر على الكفّ، لو لا داعية الشهوة مثلاً، فلا يُتصوّر عدم الاستطاعة عن الكفّ، بل كلّ مكلّف قادرٌ على الترك، بخلاف الفعل، فإن العجز عن تعاطيه محسوس، فمن ثمّ قُيّد في الأمر بحسب الاستطاعة، دون النهي. وعبّر الطوفيّ في هذا الموضع بأن ترك المنهيّ عنه عبارة عن استصحاب حال عدمه، أو الاستمرار على عدمه، وفعل المأمور به عبارة عن إخراجه من العدم إلى الوجود. وقد نوزع بأن القدرة على استصحاب عدم المنهيّ عنه قد تتخلّف. (١) - ((معالم السنن)) ج٢ ص ٢٧٥. (٢) -راجع ((المنهل العذب المورود)) ج١٠ ص٢٥٧ -٢٥٨. / ٢٨٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ واستدلّ له بجواز أكل المضطرّ الميتة. وأجيب بأن النهي في هذا عارضه الإذن بالتناول في تلك الحالة. (ومنها): أنه استُدلّ به على أن المكروه يجب اجتنابه؛ لعموم الأمر باجتناب المنهيّ عنه، فشمل الواجب والمندوب. وأجيب بأن قوله: ((فاجتنبوه)) يُعمل به في الإيجاب والندب بالاعتبارين، ويجيء مثل هذا السؤال وجوابه في الجانب الآخر، وهو الأمر. وقال الفاكهانيّ: النهي يكون تارة مع المانع من النقيض، وهو المحرّم، وتارة لا معه، وهو المكروه، وظاهر الحديث يتناولهما. (ومنها): أنه استدلّ به على أن المباح ليس مأمورًا به؛ لأن التأكيد في الفعل إنما يناسب الواجب والمندوب، وكذا عكسه. وأجيب بأن من قال: المباح مأمور به، لم يُرد الأمر بمعنى الطلب، وإنما أراد بالمعنى الأعمّ، وهو الإذن. (ومنها): أنه استدلّ به على أن الأمر لا يقتضي التكرار، ولا عدمه. وقيل: يقتضيه. وقيل: بل يُتوقّف فيما زاد على مرّة. وحديث الباب يتمسّك به لذلك؛ لما في سببه أن السائل قال في الحجّ: ((أكلّ عام؟))، فلو كان مطلقه يقتضي التكرار، أو عدمه لم يحسُن السؤال، ولا العناية بالجواب. وقد يقال: إنما سأل استظهارًا واحتياطًا. وقال المازريّ: يحتمل أن يقال: إن التكرار إنما احتمل من جهة أن الحجّ في اللغة قصد فيه تكرارٌ، فاحتمل عند السائل التكرار من جهة اللغة، لا من صيغة الأمر. وقد تمسّك به من قال بإيجاب العمرة؛ لأن الأمر بالحجّ إذا كان معناه تكرار قصد البيت بحكم اللغة والاشتقاق، وقد ثبت في الإجماع أن الحجّ لا يجب إلا مرّة، فيكون العود إليه مرّة أخرى داًّا على وجوب العمرة. وسيأتي الكلام على هذا في الباب التالي، إن شاء الله تعالى. (ومنها): أنه استدل به على النهي عن كثرة المسائل، والتعمّق في ذلك. قال البغويّ رحمه الله تعالى في ((شرح السنّة)): المسائل على وجهين: ((أحدهما)): ما كان على وجه التعليم لما يُحتاج إليه من أمر الدين، فهو جائز، بل مأمور به؛ لقوله تعالى: ﴿فَسَثَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ الآية [النحل: ٤٣]، وعلى ذلك تتنزّل أسئلة الصحابة رضي اللّه تعالى عنهم عن الأنفال، والكلالة، وغيرهما. ((ثانيهما)): ما كان على وجه التعنّت والتكلّف، وهو المراد في هذا الحديث. والله أعلم. ويؤيّده ورود الزجر في الحديث عن ذلك، وذمّ السلف، فعند أحمد من حديث ١- (بَابُ وُجُوب الْحَجْ) - حديث رقم ٢٦١٩ = ٢٨٧ = معاوية: ((أن النبيّ وَلّ نهى عن الأغلوطات)). قال الأوزاعيّ: هي شداد المسائل، وقال الأوزاعيّ أيضًا: إن الله إذا أراد أن يحرم عبده بركة العلم ألقى على لسانه المغاليط، فلقد رأيتهم أقلّ الناس علما. وقال ابن وهب: سمعت مالكًا يقول: المراء في العلم يذهب بنور العلم من قلب الرجل. وقال ابن العربيّ: كان النهي عن السؤال في العهد النبويّ خشية أن ينزل ما يشقّ عليهم، فأما بعده فقد أُمِن ذلك، لكن أكثر النقل عن السلف بكراهة الكلام في المسائل التي لم تقع. قال: وإنه لمكروه إن لم يكن حرامًا إلا للعلماء، فإنهم فرّعوا، ومهّدوا، فنفع اللَّه من بعدهم بذلك، ولا سيّما مع ذهاب العلماء، ودروس العلم انتهى ملخّصا. قال الحافظ: وينبغي أن يكون محلّ الكراهة للعالم، إذا شغله ذلك عمّا هو أهمّ منه. وكان ينبغي تلخيص ما يكثر وقوعه مجرّدًا عما يندر، ولا سيّما في المختصرات؛ ليسهل تناوله. والله المستعان انتهى. (ومنها): أن فيه إشارةً إلى الاشتغال بالأهمّ المحتاج إليه عاجلًا عما لا يحتاج إليه في الحال، فكأنه قال: عليكم بفعل الأوامر، واجتناب النواهي، فاجعلوا اشتغالكم بها عوضًا عن الاشتغال بالسؤال عما لم يقع. فينبغي للمسلم أن يبحث عما جاء عن اللّه تعالى ورسوله وَّر، ثم يجتهد في تفهّم ذلك، والوقوف على المراد به، ثم يتشاغل بالعمل به، فإن كان من العلميّات يتشاغل بتصديقه، واعتقاد أحقيته، وإن كان من العمليّات بذَلَ وُسْعه في القيام به، فعلًا وتركًا، فإن وجد وقتًا زائدًا على ذلك فلا بأس بأن يصرفه في الاشتغال بتعرّف حكم ما سيقع على قصد العمل به أن لو وقع، فأما إن كانت الهمّة مصروفةً عند سماع الأمر والنهي إلى فرض أمور قد تقع، وقد لا تقع مع الإعراض عن القيام بمقتضى ما سمع، فإن هذا مما يدخل في النهي، فالتفقّه في الدين إنما يُحمد إذا كان للعمل، لا للمراء والجدل(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): عقد الإمام البخاريّ رحمه اللّه تعالى في ((صحيحه)) في ((كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة)) بابًا مهمًّا جدًّا، له شدّة ارتباط بحديث الباب، وكتب الحافظ رحمه الله تعالى في شرحه كلامًا نفيسًا أحببت إيراده تتميمًا للفائدة، ونشرًا للعائدة، قال رحمه الله تعالى : (١) -راجع لهذه الفوائد فتح الباري)) في ((كتاب الاعتصام بالكتاب والسنّة)) ج١٥ ص١٨٨ - ١٩٢ طبعة دار الفكر. = ٢٨٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ ((باب ما يكره من كثرة السؤال، وتكلّف ما لا يعنيه، وقول الله تعالى: ﴿لَا تَسْئَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُّبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾)) [المائدة: ١٠١]. ثم ساق بسنده عن سعد بن أبي وقّاص رضي اللّه تعالى عنه، أن النبيّ وَ ◌ّ قال: ((إن أعظم المسلمين جُزْمًا من سأل عن شيء، لم يُحرَّم، فحرّم من أجل مسألته))، ثم أورد بعده ثمانية أحاديث. قال الشارح رحمه الله تعالى: كأنه يريد أن يستدلّ بالآية على المدْعَى من الكراهة، وهو مصير منه إلى ترجيح بعض ما جاء في تفسيرها، وقد ذكرتُ الاختلاف في سبب نزولها في ((تفسير سورة المائدة)»، وترجيح ابن المنير أنه في كثرة المسائل عما كان، وعمّا لم يكن، وصنيع البخاريّ يقتضيه، والأحاديث التي ساقها في الباب تؤيّده. وقد اشتدّ إنكار جماعة من الفقهاء ذلك، منهم: القاضي أبو بكر بن العربيّ، فقال: اعتقد قوم من الغافلين منع السؤال عن النوازل إلى أن تقع تعلّقًا بهذه الآية، وليس كذلك؛ لأنها مصرّحة بأن المنهيّ عنه ما تقع المسألة في جوابه، ومسائل النوازل ليست كذلك انتهى. قال الحافظ: وهو كما قال؛ لأن ظاهرها اختصاص ذلك بزمان نزول الوحي، ويؤيّده حديث سعد الذي صدّر به المصنّف الباب: ((من سأل عن شيء، لم يحرّم، فحرم من أجل مسألته»، فإن مثل ذلك قد أُمن وقوعه، ويدخل في معنی حدیث سعد ما أخرجه البزار، وقال: سنده صالح، وصححه الحاكم، من حديث أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه، رفعه: «ما أحلّ اللَّه في كتابه، فهو حلال، وما حرّم فهو حرام، وما سكت عنه، فهو عفو، فاقبلوا من اللّه عافيته، فإن اللَّه لم يكن ينسى شيئًا، ثم تلا هذه الآية: ﴿وما كان ربّك نسيًّا﴾)). وأخرج الدار قطنيّ من حديث أبي ثعلبة رضي الله تعالى عنه، رفعه: ((إن الله فرض فرائض، فلا تضيعوها، وحدّ حدودًا، فلا تعتدوها، وسكت عن أشياء رحمة لكم، غيرَ نسيان، فلا تبحثوا عنها)). وله شاهد من حديث سلمان رضي اللّه تعالى عنه، أخرجه الترمذيّ. وآخر من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، أخرجه أبو داود. وقد أخرج مسلم، وأصله في البخاريّ، من طريق ثابت، عن أنس رضي الله تعالى عنه، قال: ((كنّا نُهينا أن نسأل رسول اللَّه وَ له عن شيءٍ، وكان يعجبنا أن يجيء الرجل العاقل من أهل البادية، فيسأله، ونحن نسمع ... )) فذكر الحديث. وللبخاريّ في قصّة اللعان من حديث ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما: ((فكره رسول اللَّه ◌َ ﴿ المسائل، وعابها)). ولمسلم عن النواس بن سمعان رَّه، قال: ((أقمت مع رسول اللّه وَ لقر سنة بالمدينة ما يمنعني من الهجرة إلا المسألة، كان أحدنا إذا هاجر لم يسأل النبيّ وَل9)). ومراده أنه قدم وافدًا، فاستمرّ بتلك الصورة لِيُحَصِّلَ = ٢٨٩ ١- (بَأَبُ وُجُوب الْحَجّ) - حديث رقم ٢٦١٩ المسائل، خشية أن يخرج من صفة الوفد إلى استمرار الإقامة، فيصير مهاجرًا، فيمتنع عليه السؤال. وفيه إشارة إلى أن المخاطب بالنهي عن السؤال غير الأعراب، وفودًا کانوا، أو غيرهم. وأخرج أحمد عن أبي أمامة رضي اللَّه تعالى عنه، قال: لَمّا نزلت: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَسْشَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ﴾ الآية. كنّا قد اتقينا أن نسأله وَلهر، فأتينا أعرابيًّا، فرشوناہ بُردًا، وقلنا: سل النبيّ وَّهِ. ولأبي يعلى عن البراء: ((إن كان ليأتي عليّ السَّنَةُ أريد أن أسأل رسول اللّه وَ ليل عن الشيء، فأتهيّب، وإن كنّا لنتمنّى الأعراب -أي قدومهم؛ ليسألوا، فيسمعوا هم أجوبة سؤالات الأعراب، فيستفيدوها -. وأما ما ثبت في الأحاديث من أسئلة الصحابة، فيحتمل أن يكون قبل نزول الآية. ويحتمل أن النهي في الآية لا يتناول ما يحتاج إليه مما تقرّر حكمه، أو مالهم بمعرفته حاجةٌ راهنةٌ، كالسؤال عن الذبح بالقصب، والسؤال عن وجوب طاعة الأمراء، إذا أَمروا بغير الطاعة، والسؤال عن أحوال يوم القيامة، وما قبلها من الملاحم والفتن، والأسئلة التي في القرآن، كسؤالهم عن الكلالة، والخمر، والميسر، والقتال في الشهر الحرام، واليتامى، والمحيض، والنساء، والصيد، وغير ذلك، لكن الذين تعلّقوا بالآية في كراهية كثرة المسائل عما لم يقع أخذوه بطريق الإلحاق من جهة أن كثرة السؤال لما كانت سببًا للتكليف بما يشقّ، فحقّها أن تُجتنب. وقد عقد الإمام الدارميّ رحمه الله تعالى في أوائل («مسنده» لذلك بابًا، وأورد فيه عن جماعة من الصحابة والتابعين آثارًا كثيرةً في ذلك، منها: عن ابن عمر: ((لا تسألوا عما لم يكن، فإني سمعت عمر يلعن السائل عما لم يكن)). وعن عمر: ((أحرّج عليكم أن تسألوا عما لم يكن، فإن لنا فيما كان شغلًا)). وعن زيد بن ثابت أنه كان إذا سئل عن الشيء يقول: كان هذا، فإن قيل: لا، قال: دعوه حتى يكون. وعن أبيّ بن كعب، وعن عمّار كذلك. وأخرج أبو داود في ((المراسيل)) من رواية يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، مرفوعًا. ومن طريق طاوس، عن معاذ، رفعه: ((لا تعجلوا بالبليّة قبل نزولها، فإنكم إن تفعلوا لم يزل في المسلمين من إذا قال سُدّد، أو وفق، وإن عجلتم تشتت بکم السبل». وهما مرسلان، يقوّي بعضّ بعضًا. ومن وجه ثالث عن أشياخ الزبير بن سعيد، مرفوعًا: ((لا يزال في أمتي من إذا سُئل سُدّد، وأُرشد، حتى يتساءلوا عما لم ينزل)) ... الحديث نحوه. قال بعض الأئمة: والتحقيق في ذلك أن البحث عما لا يوجد فيه نصّ على قسمين: (أحدهما): أن يُبحث عن دخوله في دلالة النصّ على اختلاف وجوهها، فهذا ٢٩٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ مطلوب، لا مكروه، بل ربّما كان فرضًا على من تعيّن عليه من المجتهدين. (ثانيهما): أن يدقّق النظر في وجوه الفروق، فيفرّق بين متماثلين بفرق ليس له أثرٌ في الشرع مع وجود وصف الجمع، أو بالعكس، بأن يجمع بين مترّقين بوصف طرديّ مثلًا، فهذا الذي ذمّه السلف، وعليه ينطبق حديث ابن مسعود، رفعه: ((هلك المتنطّعون)). أخرجه مسلم، فرأوا أن فيه تضييع الزمان بما لا طائل تحته، ومثله الإكثار من التفريع على مسألة لا أصل لها في الكتاب، ولا في السنّة، ولا الإجماع، وهي نادرة الوقوع جدًّا، فيصرف فيها زمانًا كان صرفه في غيرها أولى، ولا سيّما إن لزم من ذلك إغفال التوسّع في بيان ما يكثر وقوعه، وأشدّ من ذلك في كثرة السؤال، البحثُ عن أمور مغيبة ورد الشرع بالإيمان بها، مع ترك كيفيتها، ومنها ما لا يكون له شاهد في عالم الحسّ، كالسؤال عن وقت الساعة، وعن الروح، وعن مدّة هذه الأمّة، إلى أمثال ذلك مما لا يُعرف إلا بالنقل الصِّرْف، والكثير منه لم يثبت فيه شيء، فيجب الإيمان به من غير بحث، وأشدّ من ذلك ما يوقع كثرة البحث عنه في الشكّ والحيرة. وقال بعض الشّاح مثال التنطّع في السؤال حتى يفضي بالمسؤول إلى الجواب بالمنع بعد أن يفتي بالإذن أن يسأل عن السّلَع التي توجد في الأسواق، هل يكره شراؤها ممن هي في يده من قبل البحث عن مصيرها إليه، أو لا؟، فيجيبه بالجواز، فإن عاد، فقال: أخشى أن يكون من نهب، أو غصب، ويكون ذلك الوقت قد وقع شيء من ذلك في الجملة، فیحتاج أن یجیبه بالمنع، ویقیّد ذلك، إن ثبت شيء من ذلك حرم، وإن تردّد كره، أو كان خلاف الأولى، ولو سكت السائل عن هذا التنطّع لم يزد المفتي على جوابه بالجواز. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: في التمثيل للتنطّع في السؤال بهذا المثال نظر لا يخفى لمن تأمّل. والله تعالى أعلم. قال: وإذا تقرّر ذلك، فمن يسدّ باب المسائل حتى فاته معرفة كثير من الأحكام التي يكثر وقوعها، فإنه يقلّ فَهْمُهُ وعلمه، ومن توسّع في تفريع المسائل، وتوليدها، ولا سيّما فيما يقلّ وقوعه، أو يندر، ولا سيّما إن كان الحامل على ذلك المباهاة والمغالبة، فإنه يذمّ فعله، وهو عين الذي كرهه السلف. ومن أمعن في البحث عن معاني كتاب الله، محافظًا على ما جاء في تفسيره عن رسول اللَّه وَله، وعن أصحابه الذين شاهدوا التنزيل، وحصل من الأحكام ما يستفاد من منطوقه، ومفهومه، وعن معاني السنّة، وما دلّت عليه كذلك، مقتصرًا على ما يصلح للحجّيّة منها، فإنه الذي يُحمَد، ويُتنفع به، وعلى ذلك يُحمل عمل فقهاء الأمصار، من التابعين، فمن ٢٩١ ١- (بَأَبُ وُجُوب الْحَجْ) - حديث رقم ٢٦٢٠ بعدهم حتى حدثت الطائفة الثانية، فعارضتها الطائفة الأولى، فكثر بينهم المراء والجدال، وتولّدت البغضاء، وتسمَّوْا خُصُومًا، وهم من أهل دين واحد، والواسط هو المعتدل من كلّ شيء، وإلى ذلك يشير قوله وَلهير في حديث الباب: ((فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة مسائلهم، واختلافهم على أنبيائهم))، فإن الاختلاف يجرّ إلى عدم الانقياد. وهذا كلّه من حيث تقسيم المشتغلين بالعلم. وأما العمل بما ورد في الكتاب والسنّة، والتشاغل به، فقد وقع الكلام في أيّهما أولى، والإنصاف أن يقال: كلُّ ما زاد على ما هو في حقّ المكلّف فرض عين، فالناس فيه على قسمين: مَنْ وجد في نفسه قوّةً على الفهم، والتحرير، فتشاغله بذلك أولى من إعراضه عنه، وتشاغلِهِ بالعبادة؛ لما فيه من النفع المتعدّي. ومن وجد في نفسه قصورًا، فإقباله على العبادة أولى لعسر اجتماع الأمرين(١)، فإن الأول لو ترك العلم لأوشك أن يضيع بعض الأحكام بإعراضه. والثاني لو أقبل على العلم، وترك العبادة فاته الأمران؛ لعدم حصول الأول له، وإعراضه به عن الثاني انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى، وهو بَحْثْ نفيس جدًّا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٦٢٠ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْتِى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ النَّيْسَابُورِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا مُوسَى بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الْجَلِيلِ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي ◌ِنَانِ الدُّؤَلِيّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ قَامَ، فَقَالَ: ((إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَثِّبَ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ))، فَقَالَ الْأَقْرَعُ بَنُ حَابِسِ التَّمِيمِيُّ: كُلُّ عَام ◌ِيَا رَسُولَ اللَّهِ؟، فَسَكَتَ، فَقَالَ: ((لَوْ قُلْتُ: نَعَمْ لَوَجَبَتْ، ثُمَّ إِذَا لَا تَسَّمَعُونَ، وَلَا تُطِيعُونُ، وَلَكِنَّهُ حَجَّةٌ وَاحِدَةٌ)). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم تقدّموا غير اثنين: ١- (موسى بن سلمة) بن أبي مريم المصريّ، مولى بني جُمَح، مقبول [٧]. قال أبو عمر الكنديّ: كان من أكتب الناس للعلم في زمانه. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). وقال ابن القطّان: مجهول. قال ابن يونس: يقال: مات سنة (١٦٣) ولم يُسِنّ. انفرد به المصنّف، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. ٢- (أبو سنان الدؤليّ) يزيد بن أميّة المدني، مشهور بكيته، ويقال: اسمه ربيعة، ثقة [٢] . قال أبو زرعة: ثقة. وقال أبو حاتم: وُلد زَمَن أحد. وذكره ابن حبّان في ((الثقات))، (١) -ولقد أحسن بعضهم حيث قال فيمن هذا حاله: وَمَنْ يَكُنْ فِي فَهْمِهِ الْبَلَادَهْ فَلْيَصْرِفِ الْوَقْتَ إِلَى الْعِبَادَة ٢٩٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ وقال: أراده هشام بن إسماعيل على أن يسبّ عليًّا فأبى. وذكر هذه الحكاية البخاريّ في ((تاريخه الكبير)) بإسناده. وذكره في ((الأوسط)) في ((فصل من مات ما بين الثمانين إلى التسعين)). وذكره ابن عبد البرّ في ((أسماء الصحابة)). روى له أبو داود، والمصنّف، وابن ماجه حديث الباب فقط. و((محمد بن يحيى بن عبد اللَّه النيسابوريّ)): هو الإمام الحظ الثبت الذهليّ [١١]٣١٤/١٩٦ . و((سعيد بن أبي مريم)): هو سعيد بن الحكم بن محمد بن سالم بن أبي مريم الجمحيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ الثقة الثبت الفقيه، من كبار[١٠]٢٠٩٨/٣ . و((عبد الجليل بن حُميد)): هو اليحصبيّ، أبو مالك المصريّ، لا بأس به [٧]٢٨/ ٢٤٩٢ . من أفراد المصنّف. وشرح الحدیث یُعلم مما قبله. وقوله: ((ثم إذًا لا تسمعون)) أي ثم إذا وجبت كلّ عام لا تسمعون سماع قبول. وقوله: ((لا تطيعون)) كالتميم للأول، والتأكيد له، أو لبيان أن الطاعة تنتفي أصالة؛ لتعذّرها، أو تعسّرها؛ لاستلزام انتفاء السمع انتفاءها. والله تعالى أعلم. قاله السنديّ رحمه الله تعالى(١) . والحديث صحيح، أخرجه المصنّف هنا -١/ ٢٦٢٠ - وفي ((الكبرى)) ٣٥٩٩/١. وأخرجه (د) في ((المناسك)) ١٧٢١ (ق) في ((المناسك)) ٢٨٨٦ (أحمد) في ((مسند بني هاشم)) ٢٣٠٤ و٢٦٣٧ و٣٥٠٠ (الدارمي) في ((المناسك)) ١٧٨٨. [تنبيه]: [فإن قيل]: كيف يصحّ هذا الحديث، وفي سنده موسى بن سلمة، وقد تقدّم عن ابن القطّان أنه قال مجهول، وقال في ((التقريب)): مقبول، يعني أنه يحتاج إلى متابع؟ . [أجيب]: بأن للحديث عدّة طرق يصحّ بها، فقد أخرجه أبو داود رقم - ١٧٢١ - من طريق سفيان حسين، عن الزهريّ، بلفظ: أن الأقرع بن حابس، سأل النبيّ وَّر، فقال: يا رسول الله الحجّ في كلّ سنة، أو مرّة واحدةً؟ قال: ((بل مرّةً واحدة، فمن زاد، فهو تطوّع)). وسفيان بن حسين، عن الزهريّ، وإن كان فيه مقال، لكنه يصلح للمتابعات. ورواه أحمد ج١ ص٣٠١ و٣٢٣ و٣٢٥-من طريق سماك، عن عكرمة. وسماك، (١) - ((شرح السنديّ)) ج٥ ص١١١ . ٢- (وُجُوبُ الْعُمْرَةِ) - حديث رقم ٢٦٢١ -٢٩٣ = عن عكرمة، وإن كان فيه مقال، لكنه يصلح للمتابعات. ورواه البيهقيّ ج ٤ ص٣٢٦- من طريق سليمان بن كثير، عن الزهريّ، بلفظ: ((قال: خطبنا رسول اللَّه وَ لّر، قال: ((يا أيها الناس إن الله كتب عليكم الحجّ، فقام الأقرع بن حابس، فقال: أفي كلّ عام يا رسول اللَّه؟، قال: لو قلتها لو وجبت، ولو وجبت لم تعملوا بها، ولم تستطيعوا أن تعملوا بها، الحجُّ مرّة، فمن زاد فهو تطوّع)). قال البيهقيّ: تابعه سفيان بن حسين، ومحمد بن أبي حفصة، عن الزهريّ، عن أبي سنان انتهى. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: وسليمان عن الزهريّ، وإن تكلّم فيه بعضهم، لكن قد احتجّ به مسلم، وأخرج له البخاريّ في المتابعات، وقال ابن عديّ: له عن الزهريّ أحاديث صالحة، ولا بأس به(١) ، وقد تابعه سفيان بن حسين، ومحمد بن أبي حفصة. والحاصل أن حديث ابن عبّاس رضي اللَّه تعالى عنهما هذا صحيح؛ لما ذُكر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أُنيب)). ٢- (وُجُوبُ الْعُمْرَةِ) قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على وجوب العمرة. ((العمرة)) -بضم العين المهملة، وسكون الميم -: في اللغة الزيارة. قال الشاعر: ◌ُلُّ بِالْفَرْقَدِ رُكْبَانُهَا كَمَا يُلُّ الرَّاكِبُ الْمُعْتَمِرُ(٢) وقيل: هي القصد ، يقال: اعتمر الأمرَ: أمّه، وقصد له، قال العجاج: لَقَدْ غَزَا ابْنُ مَعْمَرٍ حِينَ اعْتَمَرْ مَغْزّى بَعِيدًا مِنْ بَعِيدٍ وَضَبَرْ(٣) وقيل: القصد إلى مكان عامر. وقيل: إنها مشتقّة من عمارة المسجد الحرام، وفي (١) -انظر ترجمته في ((تهذيب التهذيب)) ج ٢ ص ١٠٦ . (٢) -أي إذا انجلى لهم السحاب عن الفرقد أهلوا، أي رفعوا أصواتهم بالتكبير كما يهلّ الراكب الذي يريد عمرة الحجّ؛ لأنهم كانوا يهتدون بالفرقد. وقيل: غير هذا المعنى راجع ((اللسان)). (٣) -المعنى: حين قصد مغزى بعيدًا، ومعنى ((ضَبَرَ)): جمع قوائمه ليَثِب. اهـ ((لسان)). ٢٩٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ الشرع: زيارة البيت الحرام، وقصده بكيفيّة مخصوصة. وقيل: هي في الشرع إحرام، وسعي، وطواف، وحلق، أو تقصير، سميت بذلك؛ لأنه يزار بها البيت، ويقصد. وقال الراغب: العمارة: نقيض الخراب، والاعتمار، والعمرة: الزيارة التي فيها عمارة الودّ، وجعل في الشريعة للقصد المخصوص انتهى(١). والله تعالى أعلم بالصواب. ٢٦٢١ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ النِّعْمَانَ بْنَ سَالِم، قَالَ: سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ أَوْسٍ، يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي رَزِينٍ(٢)، أَنَّهُ قَالَ: ((يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَبِي شَيْخٌ كَبِيرٌ، لَا يَسْتَطِيعُ الْحَجَّ، وَلَا الْعُمْرَةَ، وَلَاَ الَّعْنَ، قَالَ: ((فَحُجَّ عَنْ أَبِيكَ، وَاعْتَمِزْ))). رجال هذا الإسناد : ستة : ١- (محمد بن عبد الأعلى) الصنعاني، ثم البصري، ثقة [١٠] ٥/٥ . ٢- (خالد) بن الحارث الْهُجَيميّ، أبو عثمان البصري، ثقة ثبت [٨] ٤٧/٤٢. ٣- (شعبة) الحجاج الإمام الحجة المشهور [٧] ٢٧/٢٤ . ٤ - (النعمان بن سالم) الطائفي، ثقة [٤] ٦٧ /٨٣ . ٥- (عمرو بن أوس) الثقفي الطائفي التابعي الكبير، ثقة [٢] ٦٥٣/١٧. ٦- (أبو رَزين) العُقَيلي، واسمه لَقِيط - بفتح اللام، وكسر القاف - ابن عامر بن صَبِرة - بفتح الصاد المهملة، وكسر الموحّدة - ابن عبد الله بن المُنْتَفِقِ بن عامر بن عُقَيل بن كعب بن ربيعة بنن عامر بن صَعْصَعَة، صحابي مشهور تَّه ، روى له المصنف في هذا الكتاب برقم ٨٧ و١١٤ و ٢٦٢١ و٢٦٣٧ و ٤٢٣٣ وتقدمت ترجمته في ٧١ / ٨٧ . والله تعالى أعلم. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى، وأن رجاله رجال الصحيح، غير الصحابي فإنه من رجال الأربعة، وأن نصفه الأول. مسلسل بالبصريين، والثاني بالطائفیین، وفيه رواية تابعي عن تابعي، وأن صحابيه من المقلين من الرواية فليس له في الكتب الأربعة إلا نحو تسعة أحاديث، راجع ((تحفة الأشراف)) جـ ٨ ص ٣٣٢ - ٣٣٤. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي رَزِينٍ) الْعُقِيلَيّ رَِّ، (أَنَّهُ قَالَ: ((يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَبِي شَيْخْ كَبِيرٌ، لَا (١) راجع ((مفردات ألفاظ القرآن)) ص ٥٨٦ . (٢) -وفي نسخة: ((عن أبي رزين العقيليّ)). ٢٩٥ ٢- (وُجُوبُ الْعُمْرَةِ) - حديث رقم ٢٦٢١ يَسْتَطِيعُ الْحَجّ، وَلَا الْعُمْرَةَ) أي ماشيًا بنفسه (وَلَا الظَّعْنَ) -بفتحتين، أو بفتح، فسكون، والأولى معجمة، والثانية مهملة، أي الركوب على الدابة، يقال: ظَعَنَ يَظعَن - بالفتح فيهما- من باب منع، ظَعْنًا، ويحرّك: إذا سار، وأظعنه سيّره، والظعينة: الْهَوْدَج، فيه امرأةٌ، أم لا؟، جمعه ◌ُعْنٌ بالسكون، وظَعُنّ بضمتين، وأَظْعان، والمرأة ما دامت في الهَوْدَج. أفاده في ((القاموس)). وقال الفيّوميّ: ظَعَنَ ظَعْنَا، من باب نَفَع: ارتحل، والاسم ظَعَنْ - بفتحتين- ويتعدّى بالهمزة، وبالحرف، فيقال: أظعنته، وظَعَنت به، والفاعل ظاعنٌ، والمفعول مظعون، والأصل مظعون به، لكن حُذفت الصلة لكثرة الاستعمال انتهى. والمراد به هنا أنه لا يستطيع الركوب، وحاصل ما ذكره الرجل عن أبيه أنه لا يَقوَى على السير، ولا على الركوب؛ لكبر سنّه (قَالَ) بِهِ (فَحُجَّ عَنْ أَبِيكَ، وَاعْتَمِزْ) أي إذا كان أبوك لا يستطيع الحجّ، ولا العمرة، كما وصفته، فحجّ أنت بدلًا عنه، واعتمر. [تنبيه]: قال الحافظ وليّ الدين العراقيّ رحمه الله تعالى: في هذا الحديث ردّ على ابن بشكوال، حيث قال في ((مبهماته)) في حديث: أنّ رجلًا قال: يا رسول الله أين أبي؟، قال: ((أبوك في النار)): إنه أبو رزين العُقَيليّ، فإن مقتضاه أن أباه كان كافرًا محكومًا له بالنار، وهذا الحديث يدلّ على أنه مسلم، مخاطب بالحجّ انتهى(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته : حديث أبي رزين رضي اللَّه تعالى عنه هذا صحيح. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا - ٢٦٢١/٢ - وفي ((الكبرى)) ٣٦٠٠/٢. وأخرجه (د) في ((المناسك))١٨١٠ (ت) في ((الحجّ) ٩٣٠ (ق) في ((المناسك)) ٢٩٠٦ (أحمد) في (مسند المدنيين)) ١٥٧٥١ و١٥٧٥٧ و١٥٧٦٦ . والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما بوّب له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان وجوب العمرة، واستدلال (١) -راجع ((زهر الربى)) ج٥ص١١١- ١١٢. ٢٩٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْخَجْ المصنف رحمه الله تعالى بهذا الحديث على وجوب العمرة واضح، وقد سبقه إلى ذلك الإمام أحمد رحمه الله تعالى، فقد أخرج البيهقيّ في ((سننه الكبرى)) بسنده إلى أحمد بن سلمة، قال: سألت مسلم بن الحجّاج عن هذا الحديث -يعني حديث أبي رزين هذا- فقال: سمعت أحمد بن حنبل يقول: لا أعلم في إيجاب العمرة حديثًا أجود من هذا، ولا أصحّ منه، ولم يُجَوِّده أحد كما جوّده شعبة انتهى (١). وسيأتي بيان مذاهب العلماء في حكم العمرة في المسألة التالية، إن شاء الله تعالى. (ومنها): مشروعيّة النيابة عمن لا يستطيع الحجّ ولا العمرة، كالشيخ الكبير (ومنها): وجوب الحج والعمرة على من وجد مالًا، ولم يستطع أن يحجّ بنفسه، لاستطاعة بغيره، وهو مذهب الشافعيّ رحمه الله تعالى، وسيأتي بيان الخلاف في ذلك في -٩/ ٢٦٣٥- إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في وجوب العمرة: ذهب الجمهور إلى أن العمرة واجبة، وممن نقل عنه هذا: عمر، وابن عبّاس، وابن عمر، وجابر، وطاوس، وعطاء، وابن المسيّب، وسعيد بن جُبير، والحسن البصريّ، وابن سيرين، والشعبيّ، ومسروق، وأبو بردة بن أبي موسى الأشعريّ، وعبد الله بن شدّاد، والثوريّ، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وداود، ذكره النوويّ في ((المجموع))(٢)، وبه قال ابن حزم، وزاد في ((المحلّى)): زيد بن ثابت، وابن مسعود، وعلي بن الحسن، ونافعا مولى ابن عمر، وهشام بن عروة، والحكم بن عتيبة، وقتادة، والأوزاعيّ قال: ولا يصحّ عن أحد من الصحابة خلاف لهم في هذا، إلا رواية ساقطة من طريق أبي معشر، عن إبراهيم أن عبد الله قال: العمرة تطوّع، والصحيح عنه خلاف هذا كما ذكرنا، قال: ولا من التابعين، إلا إبراهيم النخعي وحده، وروايةً عن الشعبيّ، قد صحّ عنه خلافها، كما ذكرنا. وذهب مالك، وأبو حنيفة، وأبو ثور إلى أنها سنة، وليست بواجبة، وحكاه ابن . المنذر عن النخعيّ(٣). وإلى المذهب الأول ميلُ المصنّف رحمه الله تعالى، كما أوضحه في ترجمته، جازمًا، حيث ((باب وجوب العمرة))، وإليه ميلُ الإمام البخاريّ أيضًا في ((صحیحه))، حيث قال: ((باب وجوب العمرة، وفضلها))، وقال ابن عمر رضي اللَّه تعالى عنهما: (١) - ((السنن الكبرى)) ج٤ ص ٣٥٠. (٢) - ((المجموع)) ج٧ص ١١ - ١٢. (٣) -المصدر المذكور. ٢٩٧ ٢- (وُجُوبُ الْعُمْرَةِ) - حديث رقم ٢٦٢١ ليس أحدٌ إلا وعليه حجة وعمرة. وقال ابن عبّاس رضي اللّه تعالى عنهما: إنها لقرينتها في كتاب اللَّه عزّ وجلّ: ﴿وَيِقُواْ الْحَجَّ وَالْعُبْرَةَ لِلَّهِ ﴾ [البقرة: ١٩٦] انتهى. قال الحافظ رحمه الله تعالى: وجزم المصنّف بوجوب العمرة، وهو متابع في ذلك للمشهور عن الشافعيّ، وأحمد، وغيرهما، من أهل الأثر، والمشهور عن المالكية أن العمرة تطوّع، وهو قول الحنفيّة. واستدلّوا بما رواه الحجاج بن أرطاة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر: أتى أعرابيّ النبيّ وَله، فقال: يا رسول الله أخبرني عن العمرة، أواجبة هي؟، فقال: ((لا، وأن تعتمر خيرٌ لك)). أخرجه الترمذيّ. والحجّاج ضعيف. وقد روى ابن لَهِيعة، عن عطاء، عن جابر، مرفوعًا: ((الحجّ والعمرة فريضتان)). أخرجه ابن عديّ. وابن لهيعة ضعيف، ولا يثبت في هذا الباب عن جابر شيء، بل رَوَى ابن الجهم المالكيّ بإسناد حسن عن جابر: ((ليس مسلم إلا عليه عمرة)). موقوف على جابر. واستدلّ الأولون بما ذُكر في هذا الباب، وبقول صُبَيّ بن مَعْبَد لعمر: رأيت الحجّ والعمرة مكتوبين عليّ، فأهللت بهما، فقال له: هُديت لسنة نبيّك)). أخرجه أبو داود. وروى ابن خزيمة وغيره في حديث عمر لسؤال جبريل عن الإيمان، والإسلام، فوقع فيه: ((وأن تحجّ، وتعتمر))، وإسناده قد أخرجه مسلم، لكن لم يسق لفظه، وبأحاديث أخرى غير ما ذُكر، وبقول اللَّه تعالى: ﴿وَيِقُواْ الَّْ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهَ﴾ الآية [البقرة: ١٩٦] أي أقيموهما. وزعم الطحاويّ أن معنى قول ابن عمر: ((العمرة واجبة)) أي وجوب كفاية. ولا يخفى بُعدُه مع اللفظ الوارد عن ابن عمر، فقد أخرجه ابن خزيمة، والدار قطنيّ، والحاكم بإسناد صحيح، عن نافع، أن ابن عمر كان يقول: ليس من خلق اللَّه أحد إلا عليه حجة وعمرة واجبتان من استطاع سبيلًا، فمن زاد فهو خير وتطوّع. وقال سعيد بن أبي عروبة، في ((المناسك)): عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، قال: الحجّ والعمرة فریضتان . وأثر ابن عبّاس وصله الشافعيّ، وسعيد بن منصور، بإسناد صحيح . انتهى ما في ((الفتح)) بتصرّف(١). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ما ذهب إليه الجمهور، من وجوب العمرة، هو الحقّ؛ لقوة الأدلة، ومن أقواها حديث الباب، كما أسلفته عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى في كلامه السابق في المسألة الماضية، ومنها الآية المذكورة. ومن قال: إن المراد (١) - ((فتح)) ج ٤ ص ٤٣١- ٤٣٢ . ٢٩٨ = شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ بها الإتمام بعد الشروع يردّه قراءة علقمة، ومسروق، وإبراهيم النخعيّ -كما أخرجه الطبريّ عنهم بأسانيد صحيحة- بلفظ: ((وأقيموا))، فإن هذه القراءة صحيحة الأسانيد، وإن كانت آحادًا، فتبيّنُ المراد من القراءة المشهورة. وقد ردّ ابن حزم على من قال: إن الآية لا تدلّ على كونها فرضًا، وإنما تدلّ على وجوب إتمامها على من دخل فيها، وكذا على بقية حججهم بأبلغ ردّ لا تجده في غير كتابه، راجع ((المحلّى)) .٣٦/٧-٤٢. ومن أقوى الأدلّة أيضًا على وجوبها ما أخرجه الدار قطني، والبيهقيّ بإسناد صحيح، من حديث عمر بن الخطّاب رضي اللّه تعالى عنه في قصّة سؤال جبريل للنبيّ وَّل المشهور، وفيه: فقال: يا محمد ما الإسلام؟ قال: ((أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول اللّه، وأن تقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتحجّ البيت، وتعتمر، وتغتسل من الجنابة، وتتمّ الوضوء، وتصوم رمضان ... )) الحديث. قال البيهقي: رواه مسلم في ((الصحيح)) عن حجاج بن الشاعر، عن يونس، إلا أنه لم يسق متنه (١). وأخرجه أيضا ابن خزيمة، وابن حبّان، والدار قطنيّ. والحاصل أن الحقّ وجوب العمرة كالحجّ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أُنيب)) . ٣- (فَضْلُ الْحَجِّ الْمَبْرُورِ) وفي نسخة: ((فضل الحجة المبرورة)). ٢٦٢٢ - أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّفَّارِ، الْبَصْرِيّ، قَالَ: حَدَّثَنَا(٢) سُوَيْدٌ -وَهُوَ ابْنُ عَمْرِو الْكَلْبِيُّ - عَنْ زُهَيْرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُهَيْلٌ، عَنْ سُمَّيٍّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((الْحَجَّةُ الْمَبْرُورَةُ، لَيْسَ لَهَا جَزَاءُ، إِلَّا الْجَنَّةُ، وَالْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ، كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا). (١) - ((السنن الكبرى)) ج ٤ ص٣٤٩ -٣٥٠. (٢) -وفي نسخة: ((أنا)). ٢٩٩ ٣- (فَضْلُ الْحَجِ المَبْرُورِ) - حديث رقم ٢٦٢٢ رجال هذا الإسناد : سبعة: ١- (عبدة بن عبد اللَّه الصفّار) أبو سهل البصريّ، كوفيّ الأصل، ثقة [١١] ١٨/ ٨٠٠ . ٢- (سُويد بن عمرو الكلبيّ) أبو الوليد الكوفيّ العابد، من كبار [١٠] ٦٧ /١٨٠٩. ٣- (زُهير) بن معاوية بن حُدَيج الجعفيّ، أبو معاوية الكوفيّ، ثقة ثبت [٧] ٤٢/٣٨. ٤- (سهيل) بن أبي صالح السمّان المدنيّ، صدوق، تغيّر بآخره [٦]٨٢٠/٣٢. ٥- (سُميّ) مولى أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، المدنيّ، ثقة [٦] ٢٢ /٥٤٠ . ٦- (أبو صالح) ذكوان السمّان الزّيّات المدنيّ، ثقة ثبت [٣] ٤٠/٣٦. ٧- (أبو هريرة) رضي اللّه تعالى عنه. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : منها: أنه من سباعيات المصنف ◌َّلهُ، وأن رجاله كلهم رجال الصحيح، وأنه مسلسل بالمدنيين من سهيل والباقون كوفيون، وأن فيه أبا هريرة رضيه أحفظ من روى الحديث في دهره، روى (٥٣٧٤) حديثًا. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ سُمَيَّ) قال الحافظ أبو عمر رحمه اللّه تعالى: تفرّد سميّ بهذا الحديث، واحتاج إليه الناس فيه، فرواه عنه مالك، والسفيانان، وغيرهما، حتى إن سهيل بن أبي صالح حدّث به عن سُميّ، عن أبي صالح، فكأن سهيلًا لم يسمعه من أبيه، وتحقّق بذلك تفرّد سميّ به، فهو من غرائب الصحيح. انتهى. (عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً) رضي اللَّه تعالى عنه، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَله : ((الْحَجَّةُ الْمَبْزُورَةُ) قال ابن الأثير رحمه اللّه تعالى: هو الذي لا يخالطه شيء من المآثم. وقيل: هو المقبول الْمُقَابَلُ بالبرّ، وهو الثواب، يقال: بَرّ حجّه - بالبناء للفاعل - وبُرَّ حجّه -بالبناء للمفعول- وبرّ اللَّهُ حجّه وأبرّه بِرًّا بالكسر، وإبرارًا انتهى (١). وقال الحافظ أبو عمر رحمه الله تعالى: ((الحج المبرور)): هو المتقبّل. وقيل: الذي لا رياء فيه، ولا سمعة، ولا رفث، ولا فسوق، وكانت النفقة فيه من المال الطيّب. وعن ابن عمر، قال: الحجّ المبرور إطعام الطعام، وحسن الصحبة. وروى ضمرة بن (١) - ((النهاية)) ج١ ص ١١٧ . ٣٠٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ ربيعة، عن ثور بن يزيد، قال: من أمّ هذا البيت، ولم يكن فيه ثلاث خصال، لم يَسلّم له حجه، من لم يكن له حلم يضبط به جهله، ووَرَعُ عما حرّم الله عليه، وحسن الصحبة لمن صحبه. ثم أخرج بسنده عن جابر رضي اللّه تعالى عنه، قال: سئل رسول اللّهِ وَله: ما برّ الحجّ؟، قال: ((إطعام الطعام، وطيب الكلام))(١). قال: وذكر ابن شاهين بسنده، قال رجل للحسن: يا أبا سعيد ما الحجّ المبرور؟، قال: أن يدفع زاهدًا في الدنيا، راغبًا في الآخرة انتهى كلام ابن عبد البرّ رحمه اللّه تعالى باختصار(٢). وقال النوويّ: الأصحّ الأشهر أن المبرور هو الذي لا يخالطه إثم، مأخوذ من البرّ، وهو الطاعة. وقيل: هو المقبول، ومن علامة القبول أن يرجع خيرًا مما كان، ولا يعاود المعاصي. وقيل: هو الذي لا رياء فيه. وقيل: هو الذي لا يعقبه معصية، وهما داخلان فيما قبلهما انتهى (٣) . وقال الحافظ في ((الفتح)): قال ابن خالويه: المبرور المقبول. وقال غيره: الذي لا يخالطه شيء من الإثم. ورجّحه النوويّ. وقال القرطبيّ: الأقوال التي ذكرت في تفسيره متقاربة المعنى، وهي أنه الحجّ الذي وُفّيَت أحكامه، ووقع موقعًا لما طُلب من المكلّف على الوجه الأكمل. وقيل: إنه يظهر بآخره، فإن رجع خيرًا مما كان عُرف أنه مبرور. ولأحمد، والحاكم من حديث جابر: قالوا: يا رسول اللَّه ما برّ الحجّ؟ قال: ((إطعام الطعام، وإفشاء السلام)). وفي إسناده ضعف، فلو ثبت لكان هو المتعيّن، دون غيره انتهى كلام الحافظ بتصرّف يسير (٤). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: الحديث المذكور قال الحاكم: صحيح الإسناد، وقال الذهبيّ: صحيح. وحسّن سنده المنذريّ في الترغيب، والهيثميّ في ((مجمع الزوائد». لكن الحقّ تضعيفه كما قال الحافظ، لأن في سند أحمد محمد بن ثابت مجمع على ضعفه(٥)، وفي سند الحاكم أيوب بن سويد، ضعّفه الجمهور، بل قال ابن معين: يسرق الأحاديث(٦). والله تعالى أعلم. وقال ابن العربيّ: الحجّ المبرور هو الذي لا معصية بعده. قال الأبيّ: وهو الظاهر؛ (١) -قال الحافظ الهيثميّ في ((مجمع الزوائد» ج٣ ص٢٠٧: رواه الطبرانيّ في ((الأوسط))، وإسناده حسن، وسيأتي تعقبه قريبًا. (٢) -راجع (الاستذكار)) ج١١ ص٢٣٠-٢٣٥. (٣) - ((شرح مسلم)) ج٩ ص ١٢٢ . (٤) - «فتح» ج٤ ص ١٥٧ . (٥) -راجع ترجمته في ((تهذيب التهذيب)) ج٣ص ٥٢٤-٥٢٥. (٦) -انظر ترجمته في ((تهذيب التهذيب)) ج١ ص٢٠٤-٢٠٥.