Indexed OCR Text
Pages 81-100
٧٢۔ (بابُ مَنْ یُسألُ ولا يُعْطِی) - حديث رقم ٢٥٦٦ ٨١ بابي، فما أجد له شيئا، أعطيه إياه، فقال لها رسول اللَّه وَ له: ((إن لم تجدي شيئا تعطينه إياه، إلا ظلفا محرقا، فادفعيه إليه)) (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ لَهِّ قَالَ: ((رُدُّوا السَّائِلَ) كناية عن إعطائه (وَلَوْ بِظِلْفٍ) -بكسر الظاء المعجمة، وسكون اللام، بعدها فاء- هو من الشاء، والبقر، ونحوه، كالظفر من الإنسان، والجمع أظلاف، مثلُ حِمْل وأَحمَال. وقوله (فِي حَدِيثٍ هَارُونَ: مُخْرَقٍ) يعني أن لفظ رواية هارون بن عبد الله : ((ولو بظلف محرق)) بزيادة ((محرق)). وهو كناية عن الشيء القليل، والمقصود المبالغة في الحثّ على الصدقة. والمعنى: تصدّقوا بما تيسّر، وإن قلّ، ولا تجعلوا السائل محرومًا، بل أعطوه شيئًا، ولو كان شيئًا يسيرًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أمّ بُجيد رضي اللَّه تعالى عنها هذا صحيح. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا - ٢٥٦٥/٧٠ و٢٥٧٤/٧٦ - وفي ((الكبرى)) ٢٣٤٦/٧٢ و٢٣٥٥/٧٨. وأخرجه (د) في ((الزكاة)) ١٦٦٧ (ت) في ((الزكاة)) ٦٦٥ (أحمد) في ((باقي مسند الأنصار)) ٢٦٦٠٧ و٢٦٦١٠ (مالك) في ((الموطإ)) ١٧١٤. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أُنيب)). ٧٢- (بَابُ مَنْ يُسْأَلُ وَلَا يُعْطِي) أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على ذمّ الشخص الذي يُسأل شيئًا، وهو يقدر عليه، فيمنعه السائل. والله تعالى أعلم بالصواب. ٢٥٦٦ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ (١)، قَالَ: سَمِعْتُ بَهْزَ بْنَ حَكِيمٍ يُحَدِّثُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ، يَقُولُ: ((لَا يَأْتِي رَجُلٌ (١) - وفي نسخة: ((معتمرٌ)). ٨٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ مَوْلَاهُ، يَسْأَلُهُ مِنْ فَضْلِ عِنْدَهُ، فَيَمْتَعَهُ إِيَّاهُ، إِلَّا دُعِيَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعٌ أَقْرَعُ، يَتَلَمَّظُ فَضْلَهُ الَّذِي مَنَعَ»). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١- (محمد بن عبد الأعلى) الصنعاني البصري، ثقة [١٠] ٥/٥ . ٢- (المعتمر) بن سليمان بن طرخان، أبو محمد البصري، ثقة، من كبار [٩]١٠/١٠. ٣- (بهز بن حكيم) القشيري، أبو عبد الملك البصري، صدوق [٦]٢٤٣٦/١. ٤- (أبوه) حكيم بن معاوية بن حيدة القشيري، صدوق [٣]٢٤٣٦/١. ٥- (جده) معاوية بن حَيْدَةَ بن معاوية بن كعب القشيري، صحابي نزل البصرة، ومات بخراسان، تقدم في ٢٤٣٦/١ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم ثقات. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين. (ومنها): أن فيه رواية الراوي عن أبيه، عن جده. والله تعالى أعلم. شرح الحديث عن معاوية بن حَيْدة رضي اللَّه تعالى عنه أنه (قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ وَهِ، يَقُولُ: «لَا يَأِْي رَجُلٌ مَوْلَاهُ، يَسْأَلُهُ)حال من ((رجل»، أي حال كونه سائلًا له وجاز إتيان الحال من النكرة؛ لوقوعها في سياق النفي، كما قال في ((الخلاصة)): وَلَمْ يُنَكَّزْ غَالِيَا ذُو الْحَالِ إنْ لَمْ يَتَأْخَّرْ أَوْ يُخَصَّصْ أَوْيَبِنْ مِنْ بَعْدِ نَفْي أوْ مُضَاهِيهِ كَلَا يَبْغِي آمْرُؤْ عَلَى أَمْرِئٍ مُسْتسْهِلَا (مِنْ فَضْلٍ عِنْدَهُ) أي بعض شيء فاضل عن حاجته، وفيه إشارة إلى أنّ الشخص لا يلام في منع ما لم يفضل عن حاجه (فَيَمْتَعَهُ إِيَّاهُ) بنصب الفعل بـ((أَنْ)) مضمرة بعد الفاء السببيّة الواقعة بعد النفي، كما قال في «الخلاصة)): وَبَعْدَ نَا جَوَابٍ نَفْي أَوْ طَلَبْ مَخْضَيْنِ ((أَنْ)) وَسَتْرُهُ حَتْمٌ نَصَبْ (إِلَّا دُعِيَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) أي لذلك المولى المانع فضلَ ما عنده (شُجَاعٌ) بالرفع على أنه نائب الفاعل ((دُعِي)). وفي بعض النسخ ((شجاعًا)) بالنصب، وعلى هذا فهو حال مقدّمة على صاحبها، وهو ((فضله الذي منع)) الآتي، وهو النائب عن الفاعل. وهذا الوجه يحتمل أيضًا على الصورة الأولى، ولا يعترض بعدم كتابته بالألف؛ لأنه يُحمَل على لغة ربيعة، وعادة القدماء الذين كانوا يرسمون المنصوب المنون بصورتي ٨٣ ٧٢- (بابُ مَنْ يُسألُ ولا يُعْطِي) - حديث رقم ٢٥٦٦ المرفوع والمجرور. والمعنى: إلا دُعِيَ له يوم القيامة فضلُهُ الذي منعه، حال كونه شجاعًا أقرع. ولفظ أبي داود: ((إلا دُعي له يوم القيامة فضلُهُ الذي منعه، شجاعًا أقرعَ))، وهي واضحة. و((الشجاع)) : -بضمّ الشين المعجمة، وكسرها، كغُراب، وكِتاب -: الحيّة مطلقًا، أو الذكر منها، أو ضَرْبٌ منها صغير، جمعه شِجْعانٌ -بالكسر والضمّ -. أفاده في ((القاموس)). وفي ((اللسان)): ((الشجاع)) ضرب من الحيّات دقيقٌ، زعموا أنه أجرؤها، قال ابن أحمر [من الكامل]: وَحَبَتْ لَهُ أُذُنْ يُرَاقِبُ سَمْعَهَا بَصَرْ كَنَاصِبَةِ الشُّجَاعِ الْمُسْخَدِ حَبَت: انتصبت. و((ناصبة الشجاع)): عينه التي ينصبها للنظر إذا نظر انتهى. (أَقْرَعُ) صفة لشجاع، قال أبو داود في ((سننه)) بعد أن أخرج الحديث ما نصّه: الأقرع الذي ذهب شعر رأسه من السمّ انتهى. وقال ابن منظور: الأقرع هو الذي لا شعر على رأسه، يريد حيّة قد تمغط جلد رأسه؛ لكثرة سمّه، وطول عمره. وقيل: سمّي أقرع لأنه يَقْرِي السمّ، ويجمعه في رأسه، حتى تتمغّط منه فَرْوَة رأسه. قال ذو الرّمّة يصف حيّة [من الطويل]: قَرَى السُّمَّ حَتَّى انْمَازَ فَرْوَةُ رَأْسِهِ عَنِ الْعَظْمَ صِلِّ فَاتِكُ اللَّسْعِ مَارِدُهُ(١) (يَتَلَمَّظُ) أي يُخرج لسانه، يقال: تَلَمّظتِ الحيّةُ: إذا أخرجت لسانها. قاله في ((القاموس)). أو معناه: يُحرّك لسانه عليه، ويتبع أثره. وقالٍ في ((اللسان)): التلمّظ: الأخذ باللسان ما يبقى في الفم بعد الأكل. وقيل: هو تتبّع الطعم والتذوّق. وقيل: هو تحريك اللسان في الفم بعد الأكل، كأنه يتتبّع بقيّة من الطعام بين أسنانه. قال: وقال الجوهريّ: لَمَظَ يَلمُظُ - بالضمّ - لمظًّا: إذا تتبّع بلسانه بقيّة الطعام في فمه، أو أخرج لسانه، فمسَحَ به شفتيه، وكذلك التلمّظ انتهى. وقوله (فَضْلُهُ الَّذِي مَنَعَ) بالرفع على أنه النائب عن الفاعل على تقدير نصب ((شجاع))، وعلى تقدير رفعه، فهو بدلٌ منه، ولا يقال: إن المبدل منه في نيّة الطرح؛ لأن ذلك أغلبيّ، أو أنّ طرحه بالنسبة للعامل، أي أن عامله مطروح ليس عاملًا في البدل، أو معنى ذلك -كما قال الدمامينيّ -: إن البدل مستقلّ بنفسه، لا متمّمّ لمتبوعه، كعطف البيان، والنعت(٢). وقد جوّزوا في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكََّةَ أَلِنَّ﴾ الآية. كون: ((الجنّ)) بدلًا من (١) - راجع ((لسان العرب)) في مادة شجع. (٢) - راجع ((حاشية الخضريّ على شرح ابن عقيل)) عند قول ابن مالك: ((أحمد ربي الله خير مالك)). ٨٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ («شُرَكاء)»، مع أنه لا معنى لقوله: ((وجعلوا للَّه الجنّ)) بدون ((شركاء)). أو هو خبرٌ لمبتدإ محذوف، أي هو فضله. ويحتمل أن يُنصب بتقدير ((أعني))، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جدّه هذا صحيح. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا - ٢٥٦٦/٧١ - وفي ((الكبرى)) ٢٣٤٧/٧٣. وأخرجه (د) في ((كتاب الأدب)) ٥١٣٩ (أحمد) في ((مسند البصريين)) ١٩٥٢٨ و١٩٥٤٣. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو ذمّ منع السائل مافضل عن الحاجة (ومنها): الوعيد الشديد لمن بخل على عبده بما أنعم الله به عليه (ومنها): أن اللَّه تعالى يُعاقب البخيل بنفس ما بخل به، حيث حمله على البخل به ظنه أنه ينفعه مستقبلًا، فجازاه الله تعالى بأن جعله شجاعًا أقرع، فعذّبه به. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب)). ٧٣- (مَنْ سَأَلَ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ) أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على حكم من سأل بالله تعالى، وهو وجوب إعطائه والله تعالى أعلم بالصواب. ٢٥٦٧ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((مَنِ اسْتَعَاذَ بِاللَّهِ، فَأَعِيذُّوهُ، وَمَنْ سَأَلَكُمْ بِاللَّهِ، فَأَعْطُوهُ، وَمَنِ اسْتَجَارَ بِاللَّهِ، فَأَجِيرُوهُ وَمَنْ آتَى إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا، فَكَافِتُوهُ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَادْعُوا لَهُ، حَتَّى تَعْلَمُوا أَنْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ)). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١- (قتيبة) بن سعيد المذكور قبل باب. ٧٣- (مَنْ سَأَلَ بِاللهِ عَزَّ وَجَلّ) - حديث رقم ٢٥٦٧ ٨٥= ٢- (أبو عوانة) الوضاح بن عبد الله اليشكري الواسطي، ثقة ثبت [٧]٤٦/٤١. ٣- (الأعمش) سليمان بن مهران، أبو محمد الكوفي ثقة ثبت ورع، إلا أنه يدلس [٥]١٨/١٧. ٤- (مجاهد) بن جبر، أبو الحجاج المخزومي مولاهم المكي، ثقة إمام في التفسير والعلم [٣]٣١/٢٧ . ٥- (ابن عمر) عبد الله رضي اللّه تعالى عنهما ١٢/١٢. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي، وفيه ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما من المكثرين السبعة، والعبادلة الأربعة . والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) رضي اللَّه تعالى عنهما، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهُ: ((مَنِ اسْتَعَاذَ بِاللَّهِ) ولفظ أحمد، وأبي داود: ((من استعاذكم بالله)) (فَأَعِيذُوهُ) أي من طلب منكم أن تدفعوا عنه شرّكم، أو شرّ غيركم بالله، مثل أن يقول: يا فلان بالله عليك، أو أسألك بالله أن تدفع عنّ شرّك، أو شرّ فلان، أو احفظني من فلان، فأجيبوه، واحفظوه تعظيمًا لاسم الله تعالى. وقال الطيبيّ: أي من استعاذ بكم، وطلب منكم دفع شرّكم، أو شرّ غيركم عنه قائلًا: بالله أن تدفع عنّي شرّك، فأجيبوه، وادفعوا عنه الشرّ، تعظيمًا لاسم الله تعالى، فالتقدير: من استعاذ منكم، متوسّلًا بالله، مستعطفًا به. ويحتمل أن تكون الباء صلةً ((استعاذ))، أي من استعاذ بالله، فلا تتعرّضوا له، بل أعيذوه، وادفعوا عنه الشرّ، فوُضِعَ ((أَعِيذوا)) موضع ادفعوا، ولا تتعرّضوا، مبالغةً. (١) . انتھی (وَمَنْ سَأَلَكُمْ بِاللَّهِ) ولفظ أبي داود: ((ومن سأل باللّه)) (فَأَعْطُوهُ) تعظيمًا لاسم الله تعالى، وشفقةً على عباده. (وَمَنِ اسْتَجَارَ بِاللَّهِ، فَأَجِيرُوهُ) أي من طلب الأمان، والحفظ، فأمّنوه، واحفظوه (وَمَنْ آتَى إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا) ((أتى)) بلا مدّ، بمعنى فَعلَ، أي من أحسن إليكم إحسانًا قوليًّا، أو فعليًّا. ويحتمل أن يكون ((آتى)) كأعطى وزنًا ومعنّى، وإنما عدّه بـ((إلى)) لتضمينه معنى (١) - راجع ((المرعاة)) ج٦ ص٣٧٩. ٨٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ الوصول، أو الإحسان. والله تعالى أعلم (فَكَافِئُوهُ) من المكافأة بالهمز، وهي المجازاة بالمثل، يقال: كافأه مكافأةً، وكِفَاءً: مائله. و كلّ شيء ساوی شيئًا حتى يكون مثله، فهو مكافىء له. قاله في ((اللسان)). والمعنى: أحسنوا إليه بمثل ما أحسن إليكم (فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا) زاد في رواية أحمد: ((ما تكافئوه)). والأصل تكافئونه، فسقطت النون بلا ناصب، وجازم، تخفيفًا، على حدّ قول الشاعر [من الرجز]: أَبِيتُ أَسْرِي وَتَبِيتِي تَذْلُكِي وَجْهَكِ بِالْعَثَبَرِ وَالْمِسْكِ الذّكِي (فَادْعُوا لَهُ) أي کافئوه بالدعاء له، بأن تسألوا الله تعالى أن یکافئه على معروفه (حَتَّی تَعْلَمُوا أَنْ قَدْ کَافَاْتُمُوهُ) أي کرّروا الدعاء، وبالغوا فیه حتی تعلموا مكافآتکم له باستجابة دعائكم له. قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: الظاهر أن الأمر في الأشياء المذكورة في هذا الحديث للوجوب، إذ الأمر للوجوب، إلا لصارف، والظاهر أنه لا صارف هنا، لكنه مشروط بأمرين : [أحدهما]: أن يكون قادرًا عليه؛ للأدلّة الأخرى، كقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ الآية. وقوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلََّ مَآ ءَاتَنِهَا﴾ الآية، وقوله: ﴿فَأَنَّقُواْ اَللَّهَ مَا أَسْتَطَعْتُمْ﴾ الآية، ولحديث أبي هريرة ◌َظنّه: ((ما نهيتكم عنه، فاجتنبوه، وما أمرتكم به، فافعلوا منه ما استطعتم ... )) الحديث. متفق عليه. [الثاني]: أن يكون السائل بالله محتاجًا، لا يسأل تكثّرًا، وإلا كان سؤاله محرمًا، فيكون إعطاؤه إعانةً على الإثم، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَا نَعَاوَنُواْ عَلَى اُلْإِثْرِ وَاَلْعُدْوَنِ﴾ الآية. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان . مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما هذا صحيح. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا - ٢٥٦٧/٧٢ - وفي ((الكبرى)) ٢٣٤٨/٧٤. وأخرجه (د) في ((الأدب)) ٥١٠٩ (أحمد) في ((مسند المكثرين)) ٥٣٤٢. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو مشروعيّة إعطاء من سأل بالله ٧٤- (مَنْ سَأَلََ بِوَجْهِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلّ) - حديث رقم ٢٥٦٨ = = ٨٧ عزّ وجلّ (ومنها): إعاذة من استعاذ بالله عز وجل (ومنها): إجارة من استجار باللّه عز وجل (ومنها): مكافأة من أحسن بالمال، فإن لم يوجد المال، فبالدعاء. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [فائدة]: أخرج الترمذيّ رحمه الله تعالى في ((جامعه)) بإسناد رجاله ثقات، عن أسامة ابن زيد نَّهِ، قال، قال رسول اللَّهِ وَله: « من صُنِعَ إليه معروف، فقال لفاعله: جزاك الله خيرًا، فقد أبلغ في الثناء)). قال أبو عيسى هذا حديث حسن جيد غريب لا نعرفه من حديث أسامة بن زيد إلا من هذا الوجه. وقد روي عن أبي هريرة، عن النبي ◌ّلۇ بمثله، وسألت محمدا، فلم يعرفه، حدثني عبد الرحيم بن حازم البلخي، قال: سمعت المكي بن إبراهيم يقول: كنا عند ابن جريج المكي، فجاء سائل، فسأله، فقال ابن جريج لخازنه: أعطه دينارا، فقال: ما عندي إلا دينار، إن أعطيته لَجُعتَ وعيالُك، قال: فغضب، وقال: أعطه، قال المكي: فنحن عند ابن جريج، إذ جاءه رجل بكتاب، وصُرَّة، وقد بعث إليه بعض إخوانه، وفي الكتاب: إني قد بعثت خمسين دينارا، قال: فَحَلَّ ابن جريج الصُّرَّة، فعدّها، فإذا هي أحد وخمسون دينارا، قال: فقال ابن جريج لخازنه: قد أعطيت واحدا، فرده الله عليك، وزادك خمسين دينارا. انتهى (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللّه، عليه توكّلت، وإليه أنیب)). ٧٤- (مَنْ سَأَلَ بِوَجْهِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ) أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على جواز السؤال بوجه اللَّه عزّ وجلّ. ٢٥٦٨ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثْنَا الْمُعْتَمِرُ، قَالَ: سَمِعْتُ بُهْزَّ بْنَ حَكِيم، يُحَدِّثُ عَنْ أَبِهِ، عَنِ جَدِّهِ، قَالَ: قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، مَا أَتَيْتُكَ حَتَّى حَلَفْتُ أَكْثَرَ مِنْ عَدَدِهِنَّ - لِأَصَابِعِ يَدَنِهِ- أَلَّا آتِيَكَ، وَلَا آتِيَ دِينَكَ، وَإِنِّي كُنْتُ امْرَأَ، لَا أَعْقِلُ شَيْئًا، إِلَّا مَا عَلَّمَنِ اللَّهُ وَرَّسُولُهُ، وَإِنِّي أَسْأَلُكَ بِوَجْهِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، بِمَا بَعَثَكَ رَبُّكَ إِلَيْنَا؟، قَالَ: ((بِالْإِسْلَام))، قَالَ: قُلْتُ: وَمَا آيَاتُ الْإِسْلَام؟، قَالَ: ((أَنْ تَقُولَ: أَسْلَمْتُ وَجْهِي إِلَى (١) - راجع ((جامع الترمذيّ)) ج٤ ص ٣٨٠ ((كتاب البرّ والصلة)). = ٨٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَتَخَلَّيْتُ، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، كُلُّ مُسْلِمٍ عَلَى مُسْلِمٍ مُحَرَّمٌ، أَخَوَانٍ، نَصِيرَانٍ، لَا يَقْبَلُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ مُشْرِكٍ، بَعْدَمَا أَسْلَمَ عَمَلًا، أَوْ يُفَارِقَ الْمُشْرِكِينَ إِلَى الْمُسْلِمِينَ»). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد هم المذكورون قبل باب، والحديث تقدّم للمصنّف رحمه الله تعالى في ((باب وجوب الزكاة)) برقم-٢٤٣٦/١- سندًا، ومتنا، أورده هناك استدلالًا على وجوب الزكاة، وتقدّم هناك شرحه، والكلام على مسائله، وبالله تعالى التوفيق. ومحلّ الاستدلال على الترجمة هنا قوله: ((أسألك بوجه اللَّه عز وجل))، فإن النبيّ وَل أقرّه عليه، فدلّ على أنّ السؤال بوجه اللّه عز وجل مشروع. والله تعالى أعلم. [فإن قلت]: كيف تجمع بين حديث الباب، وحديث: ((ملعونٌ من سأل بوجه اللَّه، وملعونٌ من يُسأل بوجه اللّه، ثم منع سائله ما لم يسأله هُجْرًا)). رواه الطبرانيّ، قال المنذريّ: رجاله رجال الصحيح، إلا شيخه، يحيى بن عثمان بن صالح، وهو ثقة انتهى؟. [قلت]: الذي يظهر لي -والله تعالى أعلم - أن يُجمَعُ بينهما بحمل حديث الطبرانيّ على من يسأل بوجه الله تعالى بلا حاجة تدعوه لذلك، وإنما لمجرّد عدم مبالاته بعظمة اسم الله تعالی. وأما الحديث الذي أخرجه أبو داود من طريق سليمان بن معاذ التميمي، حدثنا ابن المنكدر، عن جابر، قال: قال رسول اللَّه وَ له: ((لا يسأل بوجه اللّه، إلا الجنة)). فإنه حديث ضعيف؛ لأن في سنده سليمان بن معاذ، وهو سليمان بن أرقم بن معاذ، نُسب لجدّه، وهو ضعيف. والله تعالى أعلم. وقوله: ((وإني كنت امرأ)) ((كان)) هنا زائدة، ويحتمل أن تكون بمعنى ((صار))، وإني صِرْتُ امرأً الخ. وقوله: ((بما بعثك اللَّه)) ((ما)) استفهاميّةٌ، والغالب فيها أن تحذف ألفها إذا جُرّت، وتقدّم تمام البحث فيه في الباب المذكور. وقوله: ((مُخْرِم)) تقدّم ضبطه بصيغة اسم الفاعل من أحرم رباعيًّا، بمعنى أنه يُحرِّمُ أذاك عليه. ويحتمل أن يكون بصيغة اسم المفعول المضعّف، من حُرِّمَ، أي حَرّم اللَّه تعالى تعرّض مسلم على مسلم بالأذى، إلا بما شرعه الشارع، كالقصاص، وإقامة الحدود عليه، وتضمينه المال إذا أتلف مال غيره، ونحو ذلك. وقوله: ((أخوان)) خبر لمحذوف، أي هما أخوان. وقوله: ((أو يفارق الخ)) بالنصب . بـ((أن)) مضمرة وجوبًا بعد ((أو)) التي بمعنى ((إلى))، أي إلى أن يفارق المشركين، وفيه ٧٤- (منْ يَسْأَلُ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَلَا يُعْطِي) - حديث رقم ٢٥٦٩ ٨٩ وجوب الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام، فمن لم يهاجر فلا تقبل له الأعمال، والظاهر أن هذا قبل فتح مكّة، أو يحمل على ما إذا لم يتمكّن من إقامة دينه في بلاد المشركين، وإلا فالهجرة تكون مستحبّة. فافهم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب». ٧٤- (منْ يَسْأَلُ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَلَا يُغطِي) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: يحتمل بناء الفعل الأول للفاعل، وللمفعول، فيكون المعنى على الأوّل: هذا باب ذكر ذمّ من يَسأل شيئًا باللّه تعالى لنفسه، ولا يعطي إذا سأله به سائل، حيث جمع بين قبيحين، سؤاله بالله تعالى لنفسه، ومنعه من سأله به، فاستخفّ باسم الله تعالى في الحالتين. ويكون المعنى على الثاني: ذمّ من يسأله الناس شيئًا بالله تعالى، فلا يُعطيهم ما سألوه، أي مع القدرة عليه. والله تعالى أعلم بالصواب. ٢٥٦٩ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا (١) ابْنُ أَبِي قُدَيْكِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ خَالِدِ الْقَارِظِيّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِّهِ، قَالَ: ((أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ النَّاسَ مَنْزِلَا))، قُلْنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: ((رَجُلٌ آخِذٌ بِرَأْسٍ فَرَسِهِ، فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، حَتَّى يَمُوتَ، أَوْ يُقْتَلَ، وَأُخْبِرُكُمْ بِالَّذِي يَلِهِ))، قُلْنَا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: ((رَجُلٌ مُغْتَزِلٌ فِي شِعْبٍ، يُقِيمُ الصَّلَاةَ، وَيُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَيَعْتَزِلُ شُرُورَ النَّاسِ، وَأُخْبِرُكُمْ بِشَرِّ النَّاسِ))، قُلْنَا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: ((الَّذِي يُسْأَلُ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَلَا يُعْطِي بِهِ)). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١- (محمد بن رافع) أبو عبد الله النيسابوري، ثقة عابد [١١] ١١٤/٩٢ . (١) -وفي نسخة: ((أخبرنا)). ٩٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ ٢ - (ابن أبي قُدَيكَ) هو: محمد بن إسماعيل بن مسلم الدِّيليُّ مولاهم، أبو إسماعيل المدنيُّ، صدوق من صغار [٨] ٩٦٢/٥١. ٣- (ابن أبي ذئب) هو: محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث أبي ذئب القرشيّ المدنيّ، ثقة [٧] ٤١ /٦٨٥. ٤- (سَعِيدِ بْنِ خَالِدٍ) بن عبد الله بن قارظ -بالظاء المشالة- الكنانيّ الْقَارِظِيّ المدنيّ، حليف بني زهرة، صدوق [٣]. قال النسائيّ في ((الجرح والتعديل)): ثقة. وقال الدار قطنيّ: مدنيّ يُحتجّ به. وذكره ابن حبّان في ((الثقات))(١). وقال ابن سعد: توفّي في آخر سلطان بني أُميّة، وله أحاديث. روى له «أبو داود، والمصنّف، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث برقم ٢٥٦٩ و٤٢٦٢ و٤٣٥٥ . ٥- (إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الرَّحمَنِ) بن ذُؤيب، وقيل: ابن أبي ذئب الأسديّ، ثقة [٣] ٤٥ / ٥٩١ . ٦- ((عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ) الهلاليّ مولاهم، أبو محمد المدنيّ، مولى ميمونة رضي اللَّه تعالى عنها، ثقة فاضل، صاحب مواعظ، وعبادة، من صغار [٣] ٦٤ /٨٠. ٧- (ابن عباس) البحر الحبر رضي اللّه تعالى عنهما. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سباعيات المصنف؛ وأنه مسلسل بالمدنين غير شيخه، فيسابوري، وفيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: سعيد عن إسماعيل عن عطاء، وهو من رواية الأقران، فإنهم من الطبقة الثالثة، وفيه ابن عباس رضي الله عنهما من العبادلة الأربعة والمكثرين السبعة، روى (١٦٩٦) حديثًا. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي اللَّه تعالى عنهما (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ، قَالَ: ((أَلَا أُخْبِرُكُمْ) ((ألا)) مركبة من همزة الاستفهام التقريريّ، و((لا)) النافية (بِخَيْرِ النَّاسِ) أي بمن هو من خير الناس، وكذلك قوله: ((بِشَرّ الناس))، أي بمن هو من شرّ الناس. وقيل: أطلق للمبالغة في الحثّ على الأوّل، والتحذير عن الثاني. (١) - ذكر في ((تهذيب الكمال)) عن النسائيّ، أنه قال: ضعيف. قال في ((تهذيب التهذيب)) بعد ما نقل عنه عن ((الجرح والتعديل)) أنه قال: ثقة: ما نصه: فينظر في أين قال: إنه ضعيف. انتهى. ٩١ ٧٤- (منْ يَسْأَلَُ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَلَا يُعْطِي) - حديث رقم ٢٥٦٩ وقال القاضي عياض: وهذا عامّ مخصوص، وتقديره: ((من خير الناس))، وإلّا فالعلماء الذين حملوا الناس على الشرائع، والسنن، وقادوهم إلى الخير أفضل، وكذا الصّدّيقون، كما جاءت به الأحاديث، ويؤيّده أنّ في رواية للنسائيّ: «إن من خير الناس رجلًا عَمِلَ في سبيل اللّه على ظهر فرسه)) بـ((من)) التي للتبعيض انتهى. وقال الحافظ: وفي رواية للحاكم: سئل أَيُّ المؤمنين أكمل إيمانًا؟، قال: ((الذي يجاهد في سبيل اللَّه بنفسه، وماله الخ)). وكأنّ المراد بالمؤمن من قام بما تعين عليه القيام به، ثمّ حصّل هذه الفضيلة، وليس المراد من اقتصر على الجهاد، وأهمل الواجبات العينيّة، وحينئذ فيظهر فضل المجاهد؛ لما فيه من بذل نفسه، وماله لله تعالى، ولما فيه من النفع المتعدّي(١) (مَنْزِلًا) قال الباجيّ: أي أكثرهم ثوابًا، وأرفعهم درجةً . (قُلْنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: ((رَجُلٌ) بالرفع خبر لمبتدإ محذوف، أي هو رجلٌ (آخِذٌ) صفة لـ((رجل)) (بِرَأْسِ فَرَسِهِ، فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ) كناية عن مداومة الجهاد. وفي رواية ((الموطّا)): ((رجل آخذ بعنان فرسه، يجاهد في سبيل اللَّه)). ولفظ الترمذيّ: ((ممسكٌ بعنان فرسه)). و((العِنَان)) - بالكسر -: اللَّجَام. قال الباجيّ: يريد - والله أعلم- أنه مواظبٌ على ذلك، ووصفه بأنه آخذ بعنان فرسه، يجاهد في سبيل اللّه بمعنى أنه لا يخلو في الأغلب من ذلك، راكبًا له، أو قائدًا معظم أمره، ومقصوده من تصرّفه، فوصفٍ بذلك جميع أحواله، وإن لم يكن آخذًا بعنان فرسه في كثير منها انتهى (حَتَّى يَمُوتَ، أَوْ يُقْتَلَ، وَأَخْبِرُكُمْ بِالَّذِي يَلِيهِ») أي يتبعه في الخيريّة، وفي رواية الترمذيّ: ((بالذي يتلوه)). وفي رواية «الموطًا)): ((ألا أخبركم بخير الناس منزلًا بعده)). قال الباجيّ رحمه الله تعالى: وصف رسول اللَّه وَل أفضل المنازل، ونصّ عليها، ورغّب فيها من قَوِيَ عليها، وأخبر بعد ذلك من قَصَرَ عن هذه الفضيلة، وضَعُف عنها، فليس كلّ الناس يستطيع الجهاد، ولا يقدر على أن يكون آخذًا بعِنَان فرسه فيه، ففي الناس الضعيف، والكبير، وذو الحاجة، والفقير انتهى (قُلْنَا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: ((رَجُلٌ مُعْتَزِلٌ) خبر لمحذوف: أي هو رجلٌ معتزل، بصيغة اسم الفاعل من اعتزل عن الناس: إذا انفرد عنهم، أي متباعدٌ عن الناس، منفرد عنهم (فِي شغبٍ) - بكسر الشين المعجمة، وسكون العين المهملة -: هو الطريق، أو الطريق في الجبل، والجمع شِعَاب -بالكسر أيضًا. والمراد أنه منفرد عن الناس في موضع خال من (١) - راجع ((الفتح)) ج٦ ص٨١ . ٩٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ البوادي، والصحارى. ولفظ الترمذيّ: رجلٌ معتزلٌ في غُنيمة له، يؤدّي حقّ اللَّه فيها)). وهو تصغير غَنَم، وهو مؤنّث سماعيّ، ولذلك صُغّر بالتاء، والمراد قطعة من الغنم، وفيه إشارة إلى قلّتها . قال الحافظ أبو عمر رحمه الله تعالى: إنما وردت الأحاديث بذكر الشّغب، والجبل؛ لأن ذلك في الأغلب يكون خاليًا من الناس، فكلّ موضع يبعد عن الناس، فهو داخلٌ في المعنى. انتهى. (يُقِيمُ الصَّلَاةَ، وَيُؤْتِي الزَّكَاةَ) زاد في رواية ((الموطًا)): ويعبد الله، لا يشرك به شيئًا)) (وَيَعْتَزِلُ شُرُورَ النَّاسِ) يحتمل أن تكون الإضافة فيه بمعنى اللام، فيكون المعنى: يبتعد عن إيصال شروره للناس، فيكون بمعنى حديث أبي سعيد الخدريّ رَّه عند الشيخين: ((ويَدَعُ الناس من شرّه)). والمراد أن من أسباب اعتزاله عن الناس أن لا يصيب أحدًا من المسلمين بسوء. ويحتمل أن تكون الإضافة بمعنى ((من))، ويكون المعنى: يبتعد عن وصول الشرور من الناس إليه. والله تعالى أعلم. قال الباجيّ رحمه الله تعالى: فمنزلة هذا منزلة بعد منزلة المجاهد من أفضل المنازل؛ لأداء الفرائض، وإخلاصه لله تعالى العبادة، وبُعْده عن الرياء والسمعة، إذا خفي، ولم يكن ذلك شهرة له؛ ولأنه لا يؤذي أحدًا، ولا يذكره، ولا تبلغ درجته درجة المجاهد؛ لأن المجاهد يذبّ عن المسلمين، ويجاهد الكافرين حتى يُدخلهم في الدين، فيتعدّى فضله إلى غيره، ويكثر الانتفاع به، وهذا المعتزل لا يتعدّى نفعه إلى غيره. وفي حديث أبي سعيد الخدري تَظثه: قيل: يا رسول اللّه، أيّ الناس أفضل؟، فقال رسول اللَّه وَله: ((مؤمن يجاهد في سبيل اللّه بنفسه وماله))، قالوا: ثم من؟ قال: (مؤمن في شِعب من الشعاب، يتقي الله، ويَدَعُ الناسَ من شره)). متّفق عليه. قال الحافظ رحمه اللّه تعالى: وإنما كان المؤمن المعتزل يتلو المجاهد في الفضيلة؛ لأنّ الذي يُخالط الناس لا يَسلَّم من ارتكاب الآثام، فقد لا يفي هذا بهذا، وهو مقيّدٌ بوقوع الفتن. انتهى بتصرّف(١). (وَأَخْبِرُكُمْ بِشَرِّ النَّاسِ))، قُلْنَا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: ((الَّذِي يَسْأَلُ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، (١) - راجع ((الفتح) ج٦ ص٨١ . ٧٤- (منْ يَسْأَلَُ بِاللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَلَا يُعْطِي) - حديث رقم ٢٥٦٩ = ٩٣ وَلَا يُعْطِي بِهِ) يحتمل بناء الفعلين للفاعل، ويكون المعنى: يسأل غيره بحقّ اللَّه، ثمّ إذا سئل هو به لا يُعطي، بل يَنْكُص، ويبخل. ويحتمل بناء الأول للمفعول: أي يسأله غيرُهُ بالله، فلا يجيب، يعني أنه يسأله صاحب حاجة، بأن يقول له: أعطني باللّه، وهو يقدر، ولا يُعطيه شيئًا، بل يردّه خائبًا . قال الطيبيّ رحمه اللّه تعالى: الباء فيه كالباء في ((كتبتُ بالقلم))، أي يسأل بواسطة ذكر اسم الله تعالى. أو هي للقسم، والاستعطاف، أي يقول السائل: أعطني شيئًا بحقّ الله تعالى. وقال ابن حجر الهيتميّ رحمه اللّه تعالى: أي مُقْسِمًا عليه بالله، استعطافًا إليه، وحملًا له على الإعطاء، بأن يقال له: بحقّ اللَّه أعطني كذا لله، ولا يعطي مع ذلك شيئًا، أي والصورة أنه مع قدرته عَلِمَ اضطرار السائل إلى ما سأله. وعلى هذا يُحمل قول الْحَلِيميّ رحمه الله تعالى، أخذًا من هذا الحديث وغيره: إنّ ردّ السائل بوجه اللَّه كبيرة انتهى(١). واختار السنديّ رحمه الله تعالى الاحتمال الأوّل، واستبعد الثاني، حيث قال: قوله: ((الذي يسأل بالله)) على بناء الفاعل، أي الذي يجمع بين القبيحين: أحدهما: السؤال بالله. والثاني: عدم الإعطاء لمن يسأل به تعالى، فما يُراعي حرمة اسمه تعالى في الوقتين جميعًا. وأما جعله مبنيًّا للمفعول، فبعيد، إذ لا صُنْعَ للعبد في أن يسأله السائل باللّه، فلا وجه للجمع بينه وبين ترك الإعطاء في هذا المحلّ، والوجه في إفادة ذلك المعنى أن يقال: الذي لا يعطي إذا سئل بالله ونحوه. والله تعالى أعلم. (٢) انتھی . قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الذي استبعده السنديّ عندي غير مستبعد، فإنّ المعنى عليه صحيح أيضًا، ووجه ذلك أن معناه: شرّ الناس هو الذي يُسأل بالله تعالى، أي يسأله الناس شيئًا مما يقدر عليه بالله تعالى، ثم لا يعطيهم ما سألوه بالله تعالى. والحاصل أن الاحتمالين صحيحان. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث ابن عبّاس رضي اللَّه تعالى عنهما هذا صحيح. (١) - راجع ((المرعاة)) ج٦ ص٣١٣. (٢) - راجع ((شرح السندي)) ج٥ص ٨٥ . ٩٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا - ٢٥٦٩/٧٤ - وفي ((الكبرى)) ٢٣٥٠/٧٦. وأخرجه (ت) في ((الجهاد)) ١٦٥٢ (الموطأ) في ((الجهاد)) ٩٧٦ (الدارمي) في ((الجهاد)» ٢٢٩٥ . والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه اللَّه تعالى، وهو بيان ذمّ من يسأل بالله تعالى، ولا يعطي (ومنها): بيان فضل الجهاد في سبيل الله تعالى (ومنها): فضل العزلة عن الناس، مع أداء حقوق اللَّه تعالى، لما فيه من السلامة من الغيبة، واللغو، ونحو ذلك لكن قال الجمهور محلّ ذلك عند وقوع الفتن. والله تعالى أعلم. المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم العزلة: اختلف السلف رحمهم الله تعالى في أصل العزلة، فذهب الجمهور إلى أن الاختلاط أولى؛ لما فيه من اكتساب الفوائد الدينيّة للقيام بشعائر الدين، وتكثير سواد المسلمين، وإيصال أنواع الخير إليهم، من إعانة، وإغاثة، وعيادة، وغير ذلك. وقال قوم: العزلة أولى؛ لتحقّق السلامة بشرط معرفة ما يتعيّن. وقال النووي رحمه اللَّه تعالى: المختار تفضيل المخالطة لمن لا يغلب على ظنّه أنه يقع في معصية، فإن أشكل الأمر، فالعزلة أولى. وقال غيره: يختلف باختلاف الأشخاص، فمنهم من يتحتّم عليه أحد الأمرین. ومنهم من یترجّح، ولیس الكلام فيه، بل إذا تساويا، فيختلف باختلاف الأحوال، فإن تعارضا اختلف باختلاف الأوقات، فمن يتحثّم عليه المخالطة من كانت له قدرة على إزالة المنكر، فيجب عليه إما عينًا، وإما كفايةً بحسب الحال والإمكان. وممن يترجّح من يغلب على ظّه أنه يسلم في نفسه إذا قام في الأمر في المعروف، والنهي عن المنكر. وممن يستوي من يأمن على نفسه، ولكنه يتحقّق أنه لا يطاع. وهذا حيث لا يكون هناك فتنة عامّة، فإن وقعت الفتنة ترجّحت العزلة لما ينشأ فيها غالبًا من الوقوع في المحذور، وقد تقع العقوبة بأصحاب الفتنة، فتعمّ من ليس من أهلها، قال تعالى: ﴿وَأَتَّقُواْ فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ نَاضَةٌ﴾. قال الحافظ: ويؤيّد التفصيل المذكور حديث أبي سعيد تَظّه أيضًا: ((خير الناس رجلٌ جاهد بنفسه وماله، ورجلٌ في شعب من الشعاب يعبد ربه، ويدع الناس من شرّه)). انتهى(١). (١) - ((فتح)) ج١٤ ص٥٤١ - ٥٤٢ . = ٩٥ ٧٤- (منْ يَسْأَلَُ بِاللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَلاَ يُعْطِي) - حديث رقم ٢٥٦٩ وقد كتب الإمام الحافظ أبو عمر ابن عبد البرّ رحمه اللَّه تعالى في كتابه ((التمهيد)) بحثًا نفيسًا فيما يتعلّق بالعزلة، أحببت إيراده هنا تتميمًا للفائدة، وتكميلًا للعائدة، وهاك خلاصته : قال -عند شرح حديث الباب -: ما حاصله: في الحديث حضّ على الانفراد عن الناس، واعتزالهم، والفرار عنهم. قال: وقد فضّلها رسول اللّه وَ له كما ترى، وفضّلها جماعة العلماء والحكماء، لا سيّما في زمن الفتن، وفساد الناس، وقد يكون الاعتزال عن الناس مرّةً في الجبال والشعاب، ومرّةً في السواحل والرباط، ومرّةً في البيوت. وقد جاء في غير هذا الحديث: ((إذا كانت الفتنة، فَأَخْف مكانَك، وكُفَّ لسانك))(١). ولم يخصّ موضعًا من موضع. وقد قال عقبة بن عامر رضي لرسول الله و الخل ما النجاة يا رسول الله؟ فقال: ((يا عقبة أمسك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك))(٢). وبمثل هذا أوصى ابن مسعود نَظّ رجلا، قال له: أوصني. ثم أخرج أبو عمر بسنده أنّ ابن مسعود رَّهِ أُهدي له طائرٌ، فقال: وددت أني حيث صِيد هذا الطائر، لا يكلّمني أحدٌ، ولا أكلمه. (١) - رواه أحمد في ((مسنه)) مطوّلا، ونصّه: ٤٢٧٤ - حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن رجل، عن عمرو بن وابصة الأسدي، عن أبيه، قال: إني بالكوفة في داري، إذ سمعت على باب الدار السلام عليكم، أألج؟، قلت: عليكم السلام، فَلِجْ، فلما دخل، فإذا هو عبد الله بن مسعود، قلت: يا أبا عبد الرحمن، أية ساعة زيارة هذه، وذلك في نحر الظهيرة، قال: طال علي النهار، فذكرت من أتحدث إليه، قال: فجعل يحدثني عن رسول الله وَ لير، وأحدثه، قال: ثم أنشأ يحدثني، قال: سمعت رسول الله 45* يقول: ((تكون فتنة، النائم فيها خير من المضطجع، والمضطجع فيها خير من القاعد، والقاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي خير من الراكب، والراكب خير من المجري، قتلاها كلها في النار))، قال: قلت: يا رسول الله، ومتى ذلك؟ قال: ((ذلك أيام الهرج))، قلت: ومتى أيام الهرج؟ قال: ((حين لا يأمن الرجل جليسه))، قال: قلت: فما تأمرني إن أدركت ذلك؟ قال: ((اكفف نفسك ويدك، وادخل دارك))، قال: قلت: يا رسول الله، أرأيت إن دخل رجل علي داري، قال: ((فادخل بيتك))، قال: قلت: أفرأيت إن دخل علي بيتي؟ قال: ((فادخل مسجدك، واصنع هكذا))، وقبض بيمينه على الكوع، ((وقل: ((ربي الله حتى تموت علی ذلك)). حدثنا علي بن إسحاق أخبرنا عبد الله يعني ابن المبارك أخبرنا معمر عن إسحاق بن راشد عن عمرو بن وابصة الأسدي. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد ثقات، فإن الرجل المبهم في السند الأول سمي في الثاني بأنه إسحاق بن راشد، وهو ثقة، وعمرو بن وابصة، وثّقه ابن حبّان، لكن في إسناد أبي داود زاد سالمًا بين إسحاق بن راشد وبين عمرو بن وابصة، فالحديث ضعيف. (٢) - رواه الترمذيّ، والبيهقيّ، وهو ضعيف؛ لأن في سنده علي بن يزيد الألهانيّ، وهو ضعيف. ٩٦ === شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي اللّه تعالى عنهما، أنه قال: بينما نحن حَوْلَ رسول اللَّه وَله، إذ ذَكَرَ الفتنةَ، فقال: ((إذا رأيتم الناس قد مَرِجَت(١) عهودهم، وخَفَّت أماناتهم، وكانوا هكذا)) -وشبك بين أصابعه- قال: فقمت إليه، فقلت: كيف أفعل عند ذلك اللَّهُمَّ جعلني الله فداك- قال: ((الزم بيتك، وامْلِكْ عليك لسانك، وخذ بما تعرف، ودع ما تنكر، وعليك بأمر خاصة نفسك، ودَغْ عنك أمر العامة)). وأخرجه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه بإسناد صحيح. وقالت عائشة رضي اللّه تعالى عنها: كان أول ما بُدىء به رسول اللَّه ◌َلّ من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا، إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، فكان يلحق بغار حراء، فيتحنث فيه، الليالي ذوات العدد، قبل أن يرجع إلى أهله، ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة، فيتزود بمثلها، حتى فَجِئَه الحق، وهو في غار حراء ... )) الحديث. متّفق عليه. قال: وكان يقال قديمًا: طوبى لمن خزن لسانه، ووسعه بيته، وبكى على خطيئته. ثم أخرج بسنده، عن سليم بن عامر، قال: قال أبو الدرداء ◌َظ ◌ّمه : نعم صومعة الرجل بيته، يكفّ فيه بصره، ونفسه، وفرجه، وإياكم والمجالس في الأسواق، فإنها تُلغي، وتُلهي. ثم أخرج بسنده: أن عمر بن الخطّاب ◌َظّه قال: إن اليأس غنى، وإن الطمع فقر حاضر، وإن العزلة راحة من خُلَطاء السوء. وقد روي من مرسل الحسن، وغيره، عن النبيّ وَّر، أنه قال: ((صوامع المؤمنين بيوتهم)). وأخرج عن يسار بن عبد الرحمن، قال لي بكير بن الأشجّ: ما فعل خالك؟ قال: قلت: لزم البيت منذ كذا وكذا، فقال: ألا إن رجالًا من أهل بدر لزموا بيوتهم بعد قتل عثمان، فلم يخرجوا إلا إلى قبورهم. وأخرج عن قيس بن أبي حازم، قال: قال طلحة بن عبيدالله: أقلُّ لعيب الرجل لزومه بيته. قال: وعن حذيفة رَّه أنه قال: لو ددت أني وجدت من يقوم لي في مالي، فدخلت بيتي، فأغلقت بابي، فلم يدخل عليّ أحد، ولم أخرج إلى أحد، حتى ألحق بالله عز وجل. وقال غيره: طوبى لمن كان غنيًّا خفيًّا. وكان طاوس يجلس في البيت، فقيل له: لم تكثر الجلوس في البيت؟ فقال: حَيْفُ الأئمة، وفساد الناس. قال أبو عمر رحمه الله تعالى: فرّ الناس قديمًا من الناس، فكيف بالحال اليوم، مع ظهور فسادهم، وتعذّر السلامة منهم، ورحم الله منصورًا الفقيه، حيث يقول [من (١) - مرج كفرح: اختلط. ٧٤- (منْ يَسْأَلَُ بِاللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَلَا يُعْطِي) - حديث رقم ٢٥٦٩ ٩٧= مجزوّ الخفيف]: وَالْبُعْدُ عَنْهُمْ سَفِيئَا النَّاسُ بَخْرٌ عَمِيقٌ الْمُسْتَكِينَة وَقَدْ نَصَحْتُكَ فَانْظُرْ لِنَفْسِكَ وقال رجلٌ لسفيان الثوريّ: أوصني، فقال: هذا زمان السكوت، ولزوم البيوت. وأخذ هذا منصورٌ، فقال (من مجزوّ الكامل]: الْخَيْرُ أَجْمَعُ فِي السُّكُوْ تِ وَفِي مُلَازَمَةِ الْبُيُوتْ فَإِذَا اسْتَوَى لَكَ ذَا وَذَ لِكَ فَاقْتَنِغْ بِأَقَلِّ قُوتْ وأخرج عن سفيان الثوريّ، قال: ما رأيت لأحد خيرًا من أن يدخل في جُحر. وقال يحيى بن يمان: قال لي سفيان: أَنكِرْ من تَعرف، ولا تتعرّف من لا تعرف. وأخرج عن سفيان بن عيينة، قال: رأيت سفيان الثوريّ في النوم، فقلت: أوصني، فقال: أقلّ من معرفة الناس، أقلّ من معرفة الناس. قال ابن عيينة: كأنه ملدوعٌ من مجالسة الناس. وقال داود الطائيّ: فِرَّ من الناس كما تفرّ من الأسد، واستوحش منهم كما تستوحش من السباع. ومما يُروى عن الشافعيّ رحمه الله تعالى، وزمانه لا محالة خيرٌ من زماننا هذا [من البسيط]: وَلَيْثَنَا لَا نَرَى مِمَّنْ نَرَى أَحَداً لَيْتَ السِّبَاعَ لَنَا كَانَتْ مُجَاوِرَةً وَالنَّاسُ لَيْسَ بِهَادٍ شَرُّهُمْ أَبَداً إِنَّ السِّبَاعَ لَتَهْدَا فِي مَرَابِضِهَا تَعِشْ سَلِيمًا إِذَا مَا كُنْتَ مُنْفَرِداً فَاهْرُنْ بِنَفْسِكَ وَاسْتَأْتِسْ بِوَخْدَمِها وقال الفضيل بن عياض: أقِلَّ من معرفة الناس، وليكن شغلك في نفسك. وقال وُهيب بن الورد: خالطت الناس خمسين سنة، فما وجدت رجلًا غفر لي ذنبًا فيما بيني وبينه، ولا وصلني إذا قطعته، ولا ستر عليّ عورةً، ولا أمنته إذا غضب، فالاشتغال بهؤلاء حُمْقٌ. وقال مالك بن دينار: قال لي راهبٌ من الرهبان: يا مالك، إن استطعت أن تجعل بينك وبين الناس سُورًا من حديد، فافعل، فانظر كلّ جليس لا تسفيد منه خيرًا في دينك، فانبذه عنك. وأخرج عن عمر بن الخطّاب، قال: خذوا بحظّكم من العزلة. وكان سعيد بن المسيب يقول: العزلة عبادة. وذكر عبد الله بن حبيق، قال: قال لي يوسف بن أسباط: قال لي سفيان الثوريّ -وهو يطوف حول الكعبة- والذي لا إله إلا هو، لقد حلّت العزلة. وقال بعض الحكماء: الحكمة عشرة أجزاء، تسعة منها في الصمت، العاشرة عزلة الناس، قال: وعالجت نفسي على الصمت، فلم أظفر به، فرأيت أن العاشرة خير الأجزاء، وهي عزلة الناس. ٩٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ قال أبو عمر: وقد جَعَلَتْ طائفة من العلماء العزلة، اعتزال الشرّ، وأهله بقلبك وعملك، وإن كنت بين ظهرانيهم، ذكر ابن المبارك، قال: حدّثنا وهيب بن الورد، قال: جاء رجل إلى وهب بن منبه، فقال: إنّ الناس قد وقعوا فيما فيه وقعوا، وقد حدّثت نفسي أن لا أخالطهم، فقال: لا تفعل، إنه لا بدّ لك من الناس، ولا بدّ لهم منك، ولك إليهم حوائج، ولهم إليك حوائج، ولكن كن فيهم أصمّ سميعًا، أعمى بصيرًا، سَكُوتًا نَطُوقًا. وقال ابن المبارك في تفسير العزلة: وإن خاضوا في غير ذلك، فاسکت. قال أبو عمر: يشبه أن يكون من ذهب هذا المذهب مِنْ حجته: ما رواه أحمد، والترمذيّ، وابن ماجه، عن ابن عمر رضي اللَّه تعالى عنهما، عن النبيّ وَّل، قال: ((المؤمن الذي يُخالط الناس، ويصبر على أذاهم أعظم أجرًا من المؤمن الذي لا يخالطهم، ولا يصبر على أذاهم)). قال: وروينا عن الأحنف بن قيس، أنه قال: الكلام بالخير أفضل من السكوت، والسكوت خير من الكلام باللغو والباطل، والجليس الصالح خير من الوحدة، والوحدة خير من جليس السوء. ثم أخرج الأحاديث المرفوعة بأسانيده: (منها): حديث ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما المذكور في الباب. (ومنها): حديث أبي سعيد الخدريّ رضي اللَّه تعالى عنه: أن رجلا أتى رسول اللَّه وَلَه، فقال: يا رسول الله، أيّ الناس أفضل؟ قال: ((مؤمنٌ يجاهد في سبيل اللَّه بنفسه وماله))، فقال: ثمّ من يا رسول الله؟ قال: ((ثمّ مؤمنٌ في شعب من الشعاب يتقي الله، ويَدَعُ الناس من شرّه)). متفق عليه. (ومنها): حديث أبي سعيد أيضًا: قيل: يا رسول اللَّه، أيّ الأعمال أفضل؟، قال: ((الجهاد في سبيل الله عز وجل ((، قيل: ثمّ مه؟ قال: ((رجلٌ في شعب من الشعاب، يتقي ربّه عز وجل، ويذَرُ الناس من شرّه)). (ومنها): حديثه أيضًا: قال: قال رسول اللَّه وَله: ((يوشك أن يكون خير مال المسلم غنمٌ، يتبع بها شَعَفَ الجبال، ومواقع القطر، يفرّ بدينه من الفتن)). رواه البخاريّ. (ومنها): حديث أبي هريرة رَّه، قال: قال رسول اللّه ◌َله: ((يأتي على الناس زمانٌ يكون فيه خير الناس فيه منزلةً من أخذ بعنان فرسه في سبيل الله، كلّما سمع بَهَيْعَة استوى على متنه، ثم يطلب الموت في مظانّه، ورجلٌ في شعب من هذه الشعاب، یقیم الصلاة، ويؤتي الزكاة، ويَدَعُ الناس إلا من خير)). رواه أحمد بسند رجاله ثقات (ومنها): حديث أم مبشّر بنت البراء بن معرور رضي اللّه تعالى عنها، قالت: سمعت رسول اللّه وَ ل يقول لأصحابه: ((ألا أخبركم بخير الناس، رجلًا؟))، قالوا: بلى، يا (١) - حديث صحيح . ٩٩ = = ٧٥ - (ثَوَابُ مَنْ يُغْطِي) - حديث رقم ٢٥٧٠ رسول اللّه، فأشار بيده إلى الشام، وقال: ((رجلٌ أخذ بعنان فرسه في سبيل اللَّه، ينتظر أن يُغِير، أو يُغار عليه))، ثمّ قال: ((ألا أخبركم بخير الناس بعده؟ قالوا: بلى، يا رسول اللَّه، فأشار بيده نحو الحجاز، ثمّ قال: ((رجلٌ في غُنيمة، يقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، ويُقیم حقّ اللّه في ماله، قد اعتزل شرور الناس)). قال أبو عمر رحمه الله تعالى: إنما جاءت هذه الأحاديث بذكر الشعاب والجبال، واتّباع الغنم - والله أعلم- لأن ذلك هو الأغلب في المواضع التي يَعتزِلُ فيها الناس، فكلّ موضع يبعد عن الناس، فهو داخلٌ في هذا المعنى، مثل الاعتكاف في المساجد، ولزوم السواحل، للرباط والذكر، ولزوم البيوت فرارًا عن شرور الناس؛ لأن من نأى عنهم سلموا منه، وسلم منهم؛ لما في مجالستهم، ومخالطتهم من الخوض في الغيبة، واللغو، وأنواع اللغط. انتهى كلام أبي عمر رحمه اللّه تعالى بتصرّف(١). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: الذي يترجّح عندي أن الأحاديث الواردة في العزلة محمولة على أيام الفتن، وأما في سائر الأزمان فالأفضل للمسلم أن يخالط جماعة المسلمين، ويكون معهم، بل ربّما يجب عليه ذلك، وذلك فيما إذا كان قادرًا على إزالة المنكر، ونحو ذلك. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أُنيب)). ٧٥ - (ثَوَابُ مَنْ يُعْطِي) أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على فضل من يعطي السائل باللّه تعالى. ٢٥٧٠ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رِبْعِيًّا، يُحَدِّثُ عَنْ زَيْدِ بْنِ ظَيْيَانَ، وَفَعَهُ إِلَى أَبِي ذَرِّ، عَنِ النَّبِيِّ وَِّ، قَالَ: ((ثَلاثَةٌ يُحِبُّهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَثَلَاثَةٌ يَبْغَضُهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، أَمَّا الَّذِينَ يُحِبُّهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، فَرَجُلٌ أَتَى قَوْمًا، فَسَأَلَهُمْ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَلَمْ يَسْأَلْهُمْ بِقَرَابَةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ، فَمَنَعُوهُ، فَتَخَلَّقَهُ رَجُلٌ بِأَعْقَابِهِمْ، فَأَعْطَاهُ سِرًّا، لَا يَعْلَمُ بِعَطِيَّتِهِ إِلَّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَالَّذِي أَعْطَاهُ، وَقَوْمٌ سَارُوا لَيْلَتَهُمْ، حَتَّى إِذَا كَانَ النَّوْمُ، أَحَبَّ إِلَيْهِمْ، مِمَّا يُعْدَلُ بِهِ نَزَلُوا، فَوَضَعُوا رُءُوسَهُمْ، فَقَامَ يَتَمَّلَّقُنِي، وَيَتْلُو آيَاتِي، وَرَجُلٌ كَانَ فِي سَرِيَّةٍ، فَلَقُوا الْعَدُوَّ، (١) - ((التمهيد)) ج١٧ ص٤٣٩ -٤٥٠ . ١٠٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ فَهُزِمُوا، فَأَقْبَلَ بِصَدْرِهِ، حَتَّى يُقْتَلَ، أَوْ يَفْتَحَ اللّهُ لَهُ، وَالثَّلَاثَةُ الَّذِينَ يَبْغُضُهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، الشَّيْخُ الزَّانِ، وَالْفَقِيرُ الْمُخْتَالُ وَالْغَنِيِّ الظَّلُومُ»). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذا الحديث صحيح(١)، تقدّم للمصنّف في (كتاب الصلاة)) ((فضل صلاة الليل في السفر)) رقم ١٦١٥/٧- وتقدّم شرحه، والكلام على مسائله هناك. و((محمد)» هو ابن جعفر غندر. و((منصور)): هو ابن المعتمر. و((رِبْعِيّ)) بن حِرَاش التابعيّ الجليل الكوفيّ العابد الثقة. و((زيد بن ظبيان)) الكوفيّ، وثّقه ابن حبّان. ودلالة الحديث على الترجمة واضحة، حيث إنه يدلّ على ثواب من أعطى السائل بالله تعالى، ولا سيّما في حالة منع الناس له، فإنه يدل على تعظيم اسم الله تعالى، فأثابه الله تعالی بمحبته له. وقوله: ((فرجل)) أي فأحدهم معطي رجل. وقوله: ((فتخلّفه)) أي مشى خلفه. وقوله: ((وقوم)) أي والثاني)) قارىء قوم. وقوله: ((مما يُعْدل به)) أي يساويه. وقوله: «يتملّقني) أي يتضرّع لديّ بأحسن ما يكون. وأما الثلاثة الذين يُبغضهم الله تعالى، فسيأتي شرحهم بعد باب، إن شاء اللّه تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أُنيب)). ٧٦- (تَفْسِيرُ الْمِسْكِينِ) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: غرض المصنف رحمه الله تعالى، بهذا بيان معنى المسكين الذي ذكره الله تعالى في آية الصدقات، حيث قال: ﴿إِنَّمَا الضَّدَقَتُ لِلْفُقَرَآءِ وَالْمَسَكِينِ﴾ الآية بما أورده من الأحاديث، وسيأتي اختلاف أهل العلم في الفرق بينه، وبين الفقير في المسألة الرابعة، إن شاء اللّه تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب. ٢٥٧١ - أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: أَنْبَأْنَا إِسْمَاعيلُ، قَالَ: حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ عَطَاءِ (١) - تقدّم في الباب المذكور أن سنده ضعيف من أجل زيد بن ظبيان، فإنه مجهول الحال، لم يرو عنه غير ربعيّ بن حراش، لكن قدمت هناك شاهدًا من رواية أحمد بسند صحيح نحوه، فراجعه تستفد. وبالله تعالى التوفيق.