Indexed OCR Text
Pages 61-80
٦٨ - (بَأَبُ أَجْرِ الْخَازِنِ إِذَاَ تَصَدَّقَ ...- حديث رقم ٢٥٦٠ ٦١ = (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٢٥٥٩/٦٦- وفي ((الكبرى)) ٢٣٤٠/٦٨. وأخرجه (ق) في ((اللباس)) ٢٦٠٥ (أحمد) في ((مسند المكثرين)) ٦٦٥٦ و٦٦٦٩ . والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان ذمّ الخيلاء في الصدقة، على الوجه الذي قررناه آنفًا (ومنها): إباحة أكل الطيّبات، والمستلذّات، بشرط أن لا يصل إلى حدّ الإسراف (ومنها): إباحة التجمّل باللباس، إذا لم يؤدّ إلى الإسراف أيضًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب)). ٦٨- (بَابُ أَجْرِ الْخَازِنِ إِذَا تَصَدَّقَ بِإِذْنِ مَوْلَاهُ) قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: كان الأولى للمصنّف رحمه الله تعالى أن يذكر هذا الباب بعد باب ((صدقة العبد))، وقبل باب ((صدقة المرأة من بيت زوجها)) رقم ٥٧/ ٢٥٣٩ - رعايةً للمناسبة بين الأبواب، وقد -- فعل ذلك الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى في (صحيحه))، وإن لم يكن عنده باب ((صدقة العبد))، فترجم ((باب أجر الخادم إذا تصدّق بأمر صاحبه، غير مفسد)»، ثم «باب أجر المرأة إذا تصدّقت، أو أطعمت من بيت زوجها، غير مفسدة)). والله تعالى أعلم بالصواب. ٢٥٦٠ - أَخْبَرَنِي(١) عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْهَئِثَم بْنِ عُثْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ بُرَيْدِ بْنِ أَبِي بُرَدَةَ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ: الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُثْيَانٍ، يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا))، وَقَالَ: ((الْخَازِنُ الْأَمِينُ، الَّذِي يُعْطِي مَا أُمِرَ بِهِ، طَيْبَابِهَا نَفْسُهُ، أَحَدُ الْمُتَصَدِّقَيْنِ))). رجال هذا الإسناد: ستة: ١- (عبد الله بن الْهَيْثَم) أبو محمد البصريّ، نزيل الرقّة، لا بأس به [١١] ٦٧/ ١ (١) -وفي نسخة: ((أخبرنا)). ٦٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ ٢٣٢٤ من أفراد المصنف. ٢- (عبد الرحمن بن مهدي) بن حسان العنبري مولاهم، أبو سعيد البصري، ثقة ثبت حافظ عارف بالرجال والحديث [٩]٤٩/٤٢. والباقون تقدموا قبل باب. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح غير شيخه، كما سبق آنفًا. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين من سفيان، وشيخه، وشيخ شيخه بصريان. (ومنها): أن فيه رواية الراوي، عن جده عن أبيه. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي مُوسَى) عبد الله بن قيس الأشعريّ الصحابيّ الشهير رضي الله تعالى عنه، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ) اللام في ((المؤمن)) للجنس، والمراد بعض المؤمنين للبعض (كَالْبُنْيَانِ) بضمّ الباء الموحّدة، أي كالحائط، والمراد أنّ من شأن المؤمن أن يكون على الحقّ الذي هو مقتضى الإيمان، ويلزم منه توافق المؤمنين على ذلك الحقّ، وتناصرهم، وتأييد بعضهم بعضًا (يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا) جملة في محلّ نصب على الحال من ((البنيان))، أو صفة له على قاعدة أنّ المحلّى بـ((أل)) الجنسيّة كالنكرة، كما في قول الشاعر [من الوافر]: وَلَقَدْ أَمُرُّ عَلَى اللَِّيمِ يَسُبُّنِي فَمَضَيْتُ ثُمَّتَ قُلْتُ لَا يَعْنِيِنِي والجملة فيها بيان وجه الشبه. قال الكرمانيّ: نُصِبَ ((بعضًا)) بنزع الخافض. وقال غيره: بل هو مفعول ((يشُدُّ)). قال الحافظ: ولكلّ وجه. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: بل الثاني هو الصواب؛ لأن ((يشدّ)) يتعدّى إلى المفعول به بنفسه، ولأنّ النصب بنزع الخافض سماعيّ، كما هو مقرّرٌ في محلّه. والله تعالى أعلم. وقال ابن بطال: والمعاونة في أمور الآخرة، وكذا في الأمور المباحة من الدنيا مندوب إليها، وقد ثبت حديث أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه، مرفوعًا: ((والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه)). رواه مسلم في حديث طويل. زاد في رواية البخاريّ: ((ثم شبّك بين أصابعه)). قال في ((الفتح)): هو بيان لوجه الشبه أيضًا، أي يشدّ بعضهم بعضًا، مثل هذا الشّدّ. ويستفاد منه أنّ الذي يريد المبالغة ٦٣ = ٦٨- (بابُ آخرِ الخَازِنِ إِذاَ تَصَدُقَ ...- حديث رقم ٢٥٦٠ في بيان أقواله يمثلها بحركاتها؛ ليكون أوقع في نفس السامع انتهى (١). (وَقَالَ) وَ (الْخَازِنُ) زاد في رواية الشيخين: ((المسلم)). قيّده به لإخراج الكافر؛ لأنه لا نيّة له (الْأَمِينُ) قيده به لإخراج الخائن؛ لأنه مأزور، لا مأجور (الَّذِي يُعْطِي مَا أَمِرَ بِهِ) زاد في رواية الشيخين: ((كاملًا موفّرًا)). والمراد أنه يعطي من غير نقص شيء منه بهواه. وإنما رتّب الأجر على إعطائه ما أمر به غير ناقص؛ لأنه إذا خالف شيئًا من ذلك يكون خائنا، فلا يستحقّ الأجر (طَيِّا) وفي نسخة ((طيّبة))، بتاء التأنيث؛ لأنه مسند إلى ((نفس"، وهي مؤنثة، وللأول وجه، وهو أن تأنيثها مجازيّ، ولأنه مفصول بالجاز والمجرور (بَهَا) أي بالصدقة (نَفْسُهُ) أي يكون راضيًا بذلك، وإنما قيّده به تنبيهًا على تحقّق النيّة؛ لأنّ بعض الناس، من أصحاب النفوس المريضة بالبخل لا يرضى بخروج شيء من يده، وإن كان ملكًا لغيره، فربما يخرجها كارهًا بلا نيّة، فيفقد الأجر. زاد في رواية الشيخين: «فيدفعه إلى الذي أمر له به)). قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: هذه الأوصاف لا بدّ من اعتبارها في تحصيل أجر الصدقة للخازن، فإنه إن لم يكن مسلمًا لم يصحّ منه التقرّب، وإن لم يكن أمينًا كان عليه وزر الخيانة، فكيف يحصل له أجر الصدقة؟، وإن لم يَطِب بذلك نفسًا لم يكن له نيّةٌ، فلا يؤجر انتهى(٢) . (أَحَدُ الْمُتَصَدْقَيْنِ) أي يشارك صاحب المال في الصدقة، فيصيران متصدّقَين، ويكون هو أحَدَهُما، هذا على أن الرواية بفتح القاف، وهو الذي صرّحوا به، قال في ((الفتح)): ضُبِطَ في جميع الروايات بفتح القاف انتهى. وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: لم نَرْوِهِ إلا بالتثنية، ومعناه أنه بما فَعَلَ متصدّق، والذي أخرج الصدقة بما أخرج متصدّقٌ آخر، فهما متصدّقان. ويصحّ أن يقال على الجمع، ويكون معناه: أنه متصدّقٌ من جملة المتصدقين انتهى (٣). والحاصل أن الروايات صحت بضبط ((المتصدُقَين)) بالتثنية، فتتعيّن، وإن كان المعنى يستقيم على الجمع أيضًا بالمعنى المذكور. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: (١) - ((فتح) ج١٢ ص٦٥ . (٢) - راجع ((المفهم)) ج٣ص٦٨. وراجع ((الفتح)) أيضًا ج٤ ص٥٦ . (٣) - ((المفهم) ج ٣ص٦٨ . ٦٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ حديث أبي موسى الأشعريّ رضي اللّه تعالى عنه هذا متفق عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٦٧ /٢٥٦٠ - وفي ((الكبرى)) ٢٣٤١/٦٩. وأخرجه (خ) في ((الصلاة)) ٤٨١ و((الزكاة)) ١٤٣٨ و((الإجارة)) ٢٢٦٠ و((الوكالة)) ٢٣١٩ و((المظالم)) ٢٤٤٦ و((الأدب)) ٦٠٢٧ (م)١٠٢٣ و((البرّ والصلة)) ٢٥٨٥ (د) في ((الزكاة)) ١٦٨٤ (ت) في ((البرّ والصلة))١٩٢٨ (أحمد) في ((مسند الكوفيين)) ١٩٠١٨ و١٩١٢ و١٩١٨٣. والله تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان أجر الخازن إذا تصدّق بإذن المالك (ومنها): أن حصول الأجر للخازن مشروط بهذه الأوصاف المذكورة في هذا الحديث، فمهما اختلّ منها شرط لا يحصل له الأجر، فينبغي أن يَعتَنِي بها، ويُحافِظ عليها (ومنها): أن ثواب الصدقة لا يقتصر على المالك فقط، بل كلّ من تسبب في إيصالها إلى مستحقها بنيّة خالصة مع بقية الشروط حصل له ثوابها، وهذا من فضل اللَّه تعالى على من لا يجد مالًا للتصدّق به، فينبغي للمسلم أن يحرص على هذا الفضل العظيم . (ومنها): حثّ الإسلام على تحقّق التناصح، والتناصر، والتعاضد في المسلمين، حتى يكون المجتمع مجتمع خير، وبركة، يسوده الإخاء والمحبّة، ويكونَ يدًا واحدةً على أعدائه، فشبّهه النبيّ وَّر، وهو في تلك الحالة بالبنيان الذي يقوّي بعض أجزائه بعضه، كماشبهه في حديثه الآخر بالجسد الواحد، فقد أخرج الشيخان من حديث النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنهما، قال: قال رسول اللّه وَلاغير: ((ترى المؤمنين في تراحمهم، وتوادهم، وتعاطفهم، كمثل الجسد، إذا اشتكى عضوا، تداعى له سائر جسده بالسهر والحمى)). وأخرجا أيضًا من حديث عبد الله بن عمر بعثها: أن رسول اللَّه ◌َلير قال: ((المسلم أخو المسلم لا يظلمه، ولا يُسْلِمُهُ، ومن كان في حاجة أخيه، كان اللَّه في حاجته، ومن فَرّج عن مسلم كربة، فرج الله عنه كربة، من كربات يوم القيامة، ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة)). وأخرج مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول اللَّه ◌َلت: ((لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانا، المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يَخذُّلُه، ولا ٦٥ ٦٩ - (بَابُ الْمُسِرْ بِالصَّدقةِ) - حديث رقم ٢٥٦١ = يحقره، التقوى هاهنا)) -ويشير إلى صدره ثلاث مرات- ((بحسب امرئ من الشر، أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام دمه، وماله، وعرضه)). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)). ٦٩- (بَابُ الْمُسِرِّ بِالصَّدَقَةِ) أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على فضل صدقة المسرّ على المجاهر، وهذا عند جمهور أهل العلم محمول على صدقة التطوّع، كما سيأتي بيانه قريبًا، إن شاء الله تعالى والله تعالى أعلم. ٢٥٦١ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ بَحِيرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، عَنْ كَثِيرٍ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ : "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ لِ قَالَ: ((الْجَاهِرُ بِالْقُرْآنِ، كَالْجَاهِرِ بِالصَّدَقَةِ، وَالْمُسِرُ بِالْقُرْآنِ، كَالْمُسِرٌ بِالصَّدَقَةِ»). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((محمد بن سَلَمَة)): هو المراديّ الْجَمَليّ المصريّ الثقة الثبت [١١]٢٠/١٩. و((معاوية بن صالح)): هو الحمصيّ قاضي الأندلس، صدوق له أوهام[٧]٥٠ / ٦٢. و(بَحِير)) -بفتح الموحّدة، وكسر المهملة- ابن سَعْد -بفتح، فسكون-، وقد يقع تصحيفه في كتب الرجال كثيرًا إلى سعيد، فليُتنبّه: هو السَّحُولي، أبو خالد الحمصيّ ثقة ثبت [٦]٦٨٨/١. و((خالد بن مَغْدان)): هو الْكَلَاعِيّ الحمصيّ، ثقة عابد [٣]٦٨٨/١. و(كثير بن مُرّة)): هو الحضرميّ، أبو شجرة، أو أبو القاسم الحمصيّ، ثقة [٢]، ووهم من عدّه في الصحابة ١/ ٦٨٨. وهذا الحديث صحيح، وقد تقدّم للمصنّف رحمه الله تعالى في ٢٤/ ١٦٦٣ - وتقدّم شرحه مستوفّى هناك، وكذا الكلام على مسائله، فلم يبق إلا الكلام على ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان فضل صدقة المسرّ على صدقة المجاهر بها، فأقول : (مسألة): اختلف أهل العلم في صدقة السرّ، والعلانية أيهما أفضل: ٦٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ فذهب طائفة إلى أن الإسرار بالصدقة مطلقًا أفضل، وهو ظاهر مذهب البخاريّ - كما يأتي قريبًا- والمصنّفِ رحمهما الله تعالى، وإليه ذهبت الظاهريّة. وذهبت طائفة إلى أن الإسرار في التطوّع أفضل، بخلاف الفرض، فإعلانه أفضل، وهو مذهب الجمهور. قال الإمام أبو محمد بن حزم رحمه اللّه تعالى: إظهار الصدقة -الفرض، والتطوّع- من غير أن ينوي بذلك رياءٌ حسنٌ، وإخفا ذلك أفضل، وهو قول أصحابنا. وقال مالك: إعلان الفرض أفضل انتهى. وقد ترجم الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى في ((صحيحه)) بنحو ترجمة المصنّف، فقال: (باب صدقة السّرّ)). ثم استدلّ عليه بقوله: وقال أبو هريرة رضي اللَّه تعالى عنه، عن النبيّ وَلقال: ((ورجلٌ تصدّق بصدقة، فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما صنعت يمينه)). وقوله: ﴿إِن تُبْدُوأ الصَّدَقَتِ فَنِعِمَا هِىَّ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوُهَا الْفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ الآية [البقرة: ٢٧١]. انتھی . وحديث أبي هريرة رضي اللَّه تعالى عنه الذي أشار إليه هو ما أخرجه الشيخان، وغيرهما من طريق حفص بن عاصم، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي وَّر، قال: ((سبعة يظلهم الله تعالى في ظله، يوم لا ظل إلا ظله: إمام عدل، وشاب نشأ في عبادة اللَّه، ورجل قلبه معلق في المساجد، ورجلان تحابا في الله، اجتمعا عليه، وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة، ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة، فأخفاها، حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خاليا، ففاضت عیناه)) . وقال في ((الفتح)): والحديث أقوى الأدلة على أفضليّة إخفاء الصدقة، وأما الآية، فظاهرة في تفضيل صدقة السرّ أيضًا. ولكن ذهب الجمهور إلى أنها نزلت في صدقة التطوّع، ونقل الطبريّ وغيره الإجماع(١) على أن الإعلان في صدقة الفرض أفضل من الإخفاء، وصدقة التطوّع على العكس من ذلك. وخالف يزيد بن أبي حبيب، فقال: إن الآية نزلت في الصدقة على اليهود والنصارى، قال: فالمعنى إن تؤتوها أهل الكتابين ظاهرةً، فلكم فضل، وإن تؤتوها (١) - دعوى الإجماع غير صحيحة، كما سيأتي. ٦٧ === ٦٩ - (بأبُ الْمُسِرّ بِالصَّدقةِ) - حديث رقم ٢٥٦١ فقراءهم سرًّا، فهو خيرٌ لكم، وأما ما أعطى فقراء المسلمين من زكاة، وصدقة تطوّع، فإخفاؤه أفضل من علانيته(١). ونقل أبو إسحاق الزّجّاج أنّ إخفاء الزكاة في زمن النبيّ وَلّ كان أفضل، فأما بعده فإن الظنّ يُساء بمن أخفاها، فلهذا كان إظهار الزكاة المفروضة أفضل. قال ابن عطية: ويشبه في زماننا أن يكون الإخفاء بصدقة الفرض أفضل، فقد كثر المانع لها، وصار إخراجها عُرضةً للرياء انتهى. وأيضًا فكان السلف يُعطون زكاتهم للسعاة، وكان من أخفاها اتُّهم بعدم الإخراج، وأما اليوم فصار كلّ أحد يُخرج زكاته بنفسه، فصار إخفاؤها أفضل. وقال ابن المنيّر رحمه الله تعالى: لو قيل: إن ذلك يختلف باختلاف الأحوال لما كان بعيدًا، فإذا كان الإمام مثلًا جائرًا، ومالُ من وجبت عليه مخفيًّا، فالإسرار أولى، وإن كان المتطوّع ممن يُقتدى به، ويتّبع، وتنبعث الهمم على التطوّع بالإنفاق، وسَلِمَ قصده، فالإظهار أولى انتهى (٢). وقال القرطبيّ: قوله: ((ورجل تصدّق بصدقة، فأخفاها)) هذه صدقة التطوّع في قول ابن عبّاس، وأكثر العلماء. وهو حضّ على الإخلاص في الأعمال، والتستّر بها، ويستوي في ذلك جميع أعمال البرّ التطوّعيّة، فأما الفرائض فالأولى إشاعتها، وإظهارها؛ لتنحفظ قواعد الدين، ويجتمع الناس على العمل بها، فلا يضيع منها شيء، ويظهر بإظهارها جمال دين الإسلام، وتُعلم حدوده وأحكامه، والإخلاص واجبٌ في جميع القرب، والرياء مفسد لها انتهى (٣). وقال أبو جعفر الطبريّ بعد أن ذكر الخلاف السابق: ما نصّه: ولم يخصص اللَّه من قوله: ﴿إن تبدوا الصفات، فنعمّاهي﴾ شيئًا دون شيء، فذلك على العموم، إلا ما كان من زكاة واجبة، فإن الواجب من الفرائض قد أجمع الجميع على أن الفضل في إعلانه، وإظهاره، سوى الزكاة التي ذكرنا اختلاف المختلفين فيها، مع إجماع جميعهم على أنها واجبة، فحكمها في أن الفضل في أدائه علانية، حكم سائر الفرائض غيرها انتهى (٤) . قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: قد تبيّن بما ذكر من الأقوال أن دعوى الإجماع على أن الإعلان في صدقة الفرض أفضل غير صحيحة؛ لما علمت من الخلاف فيه أيضًا. (١) - انتهى ((فتح)) بزيادة من ((تفسير الطبريّ)) ج٥ص٥٨٣ . (٢) - راجع ((الفتح)) ج٤ ص٣٨- ٤٠ . (٣) - راجع ((المفهم)) ج٣ص٧٦ . (٤) - (تفسير الطبريّ)) ج٥ ص٥٨٣ -٥٨٤ . تحقيق محمود محمد شاكر. = ٦٨ = شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ والحاصل أن القول الراجح في المسألة قول من أطلق الأفضليّة على الفرض والنفل، عملًا بإطلاق النصوص السابقة، فإنها لم تخصّ تطوّعًا عن الفرض، فالأفضل فيهما الإخفاء، إلا إذا كان هناك حاجة إلى الإعلان بالزكاة، كأن يولّي السلطان السعاةً لجمع الزكوات، ونحو ذلك، كما كان في زمنه وَ لهوه وزمن الخلفاء الراشدين، فإنه يتعيّن الإعلان بها، وكذلك إذا كان الشخص يُتّهم بعدم أدائها، أو نحو ذلك، فيكون الإعلان أفضل. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)). ٧٠- (الْمَنَّانُ بِمَا أَعْطَى) ٢٥٦٢ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيَّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ( ثَلَاثَةٌ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَيْهِمْ، يَوْمَ الْقِيَامَةِ: الْعَاقُّ لِوَالِدَيْهِ، وَالْمَزْأَةُ الْمُتَرَجُلَةُ، وَالدَّيُّوثُ، وَثَلَاثَةٌ لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ: الْعَاقُّ لِوَالِدَيْهِ، وَالْمُدْمِنُ عَلَى الْخَمْرِ، وَالْمَنَّنُ بِمَا أَعْطَى)). رجال هذا الإسناد: ستة: ١- (عمرو بن علي) الفلاس الصيرفي البصري، ثقة حافظ [١٠]٤/٤. ٢- (يزيد بن زريع) أبو معاوية البصري، ثقة ثبت [٨]٥/٥ . ٣- (عمر بن محمد) بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطّاب المدنيّ ، نزيل عسقلان، ثقة [٦]. قال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث، مات بعد أخيه أبي بكر بقليل. وقال عبد الله ابن أحمد، عن أبيه: شيخٌ، ليس به بأس، روى عنه الثوريّ، وأثنى عليه. وقال حنبلٌ عن أحمد: ثقة. وكذا قال ابن معين، والعجليّ، وأبو داود. ووثقه ابن حبّان، وابن الْبَزْقِيّ، والبزّار. وقال الدُّوريّ، عن ابن معين: مات بعسقلان، وكان مرابطًا بها، وكان ولده بها، وكان صالح الحديث. وقال أبو حاتم: هم خمسة إخوة، أوثقهم عمر، وهو ثقة صدوق. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال عليّ بن نصر الجهضميّ، عن عبد الله ٦٩ ٧٠- (الْمُنَانُ بِمَا أَعْطَى) - حديث رقم ٢٥٦٢ ابن داود الْخُرَيبيّ، عن سفيان الثوريّ: لم يكن في آل عمر أفضل من عمر بن محمد بن زيد العسقلانيّ. وقال ابن عيينة: حدّثني الصدوق الْبَرُّ عمر بن محمد بن زيد. وقال یحیی بن حكيم، عن أبي عاصم: كان من أفضل أهل زمانه، كان أكثر مقامه بالشام، قَدِمَ بغداد، فانجفل الناس إليه، وقالوا: ابن عمر بن الخطّاب، ثمّ قدم الكوفة، فأخذوا عنه، وكان له قَدْرٌ وجلالةٌ. وقال الآجرّيّ، عن أبي داود: قال عبد الله بن داود - يعني الخُرَيبيّ -: ما رأيت رجلاً قطّ أطول منه، وبلغني أنه كان يلبس درع عمر، فيسحبها. قال الواقديّ: مات بعد أخيه أبي بكر بقليل، ومات أبو بكر بعد خروج محمد بن عبد الله بن حسن، وخرج محمد سنة (١٤٥) وقتل سنة (١٥٠). قال الحافظ: بل قُتل في السنة التي خرج فيها، أجمع على ذلك أهل التاريخ انتهى. روى له الجماعة، سوى الترمذيّ، وله عند المصنف هذا الحديث فقط، وله عند ابن ماجه حديث: ((لا ترجعوا بعدي كُفّارًا». ٤- (عبد الله بن يسار) المكيّ الأعرج، مولى ابن عمر، مقبولٌ [٥]. روى عن سهل بن سعد، وسالم بن عبد الله بن عمر، ومسلم المكيّ. وعنه عمر بن محمد بن زيد العمريّ، ويزيد بن إبراهيم التستريّ، وإبراهيم بن محمد بن أبي يحيى، وسليمان بن بلال. ذكره ابن حبّان في ((الثقات)). تفرد به المصنّف، روی له حدیث الباب فقط . ٥- (سالم بن عبد الله) بن عمر العدوي المدني الثقة الثبت الفقيه [٣]٤٩٠/٣٣. ٦- (أبوه) عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي اللَّه تعالى عنهما١٢/١٢. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير عبد الله بن يسار، فإنه من أفراد المصنّف. (ومنها): أن فيه أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، وهو سالم. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي، وفيه ابن عمر من المكثرين السبعة، والعبادلة الأربعة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنهما، أنه (َقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بِ: ((ثَلَاثَةٌ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَيْهِمْ) أي نظرَ رحمة، ومغفرة، وإلا فلا يغيب أحد عن نظره، والمؤمن مرحوم في الآخرة قطعًا (يَوْمَ ٧٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ الْقِيَامَةِ) خصّ يوم القيامة؛ لأنها مَظهَرُ الرحمة واللطف. هذا كلّه فيما إذا ماتوا قبل التوبة، فأما إذا تابوا، وماتوا، فإن الله تعالى يتوب عليهم (الْعَاقُّ لِوَالِدَيْهِ) أي المقصّر في أداء الحقوق إليهما. يقال: عقَّ الولد أباه عُقُوقًا، من باب قَعَدَ: إذا عصاه، وترك الإحسان إليه، فهو عاقّ، والجمعُ عَقَّقَةٌ، كبَارَ وَبَرَرَة (وَالْمَرْأَةُ الْمُتَرَجْلَةُ) أي التي تتشبّه بالرجال في زِيهم، وهيئاتهم، فأما في العلم والرأي، فمحمود. قاله ابن الأثير(١). (وَالدَّيُّوثُ) بالثاء المثلّة: هو الذي لا غيرة له على أهله. من داث الشيءُ دَيْئًا، من باب باع: لَانَ، وسَهُل، ويُعَدَّى بالتثقيل، فيقال: دَيَّئَه غيرُهُ، والدِّياثَةُ فعله. قاله الفيّوميّ. وقيل: هو سريانيّ مُعَرَّب. قاله في ((زهر الربى)). وفي رواية لأحمد في ((مسنده): ((والديّوث الذي يُقِرّ في أهله الْخُبْث)). (وَثَلَاثَةٌ لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ) أي لاستحلالهم الذنوب التي ارتكبوها، فيكون على ظاهره، أو المراد لا يدخلون الجنّة دخولًا أوّليًّا، بل بعد تقدّم العذاب لهم، إن لم يستحلّوها. وهذا كلّه فيما إذا ماتوا قبل التوبة، كما تقدّم (الْعَاقَّ لِوَالِدَيْهِ) تقدم تفسيره قريبًا (وَالْمُدْمِنُ عَلَى الْخَمْرِ) أي المديم لشربها (وَالْمَنَّنُ بِمَا أَعْطَى))) وفي نسخة: ((والمنّان عطاءه)). قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: ((المنّان)): فَعّالٌ من الْمَنّ، وقد فسّره في الحديث، فقال: ((هو الذي لا يُعطي شيئًا إلا منّه)). أي إلا امتنّ به على المعطَى له، ولا شكّ في أنّ الامتنان بالعطاء مبطلٌ لأجر الصدقة والعطاء، مؤذٍ للمعطَى له، ولذلك قال تعالى: ﴿لَا نُبْطِلُواْ صَدَقَتِكُمْ بِأَلْمَنِّ وَاَلْأَذَى﴾ [البقرة: ٢٦٤]. وإنما كان المنّ كذلك؛ لأنّه لا يكون غالبًا إلا عن البخل، والعجب، والكبر، ونسيان منّة الله تعالى فيما أنعم به عليه، فالبخيل يُعّم في نفسه العطيّةَ، وإن كانت حقيرة في نفسها، والعجبُ يحمله على النظر لنفسه بعين العظمة، وأنّه مُنعم بماله على الْمُعطَى له، ومتفضِّلٌ عليه، وإن كان له عليه حقّ يجب عليه مراعاته، والكبر يحمله على أن يحتقر المعطَى له، وإن كان في نفسه فاضلًا، ومُوجِب ذلك كلّه الجهل، ونسيان منّة اللَّه تعالى فيما أنعم به عليه، إذ قد أنعم عليه مما يُعطي، ولم يَخرِمه ذلك، وجعله ممن يُعطي، ولم يجعله ممن يسأل، ولو نظر ببصيرته لعلم أنّ المنّة للآخذ؛ لما يُزيل عن المعطي من إثم المنع، وذمّ المانع، ومن الذنوب، ولما يحصل له من الأجر الجزيل، والثناء الجميل. وقيل: المنّان في هذا الحديث هو من المنّ الذي هو القطع، كما قال الله تعالى: (١) - ((النهاية)) ج٢ ص٢٠٣. = ٧١ ٧٠- (المنانُ بِمَا اعطَى) - حديث رقم ٢٥٦٢ ﴿لَهُمْ أَجْرُ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [فصلت: ٨] أي غير مقطوع، فيكون معناه: البخيل بقطعه عطاء ما يجب عليه للمستحقّ، كما جاء في حديث آخر: ((البخيل المنّان))(١) ، فنعته به. والتأويل الأول أظهر. أفاده القرطبيّ رحمه اللَّه تعالى(٢). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: الحديث الذي أشار إليه القرطبيّ أخرجه أحمد في ((مسنده))، فقال: ٢١٠٢٠ - حدثنا يزيد، أخبرنا الأسود بن شيبان، عن يزيد أبي العلاء، عن مطرف ابن عبد الله بن الشخير، قال: بلغني عن أبي ذر حديث، فكنت أحب أن ألقاه، فلقيته، فقلت له: يا أبا ذر، بلغني عنك حديث، فكنت أحب أن ألقاك، فأسألَكَ عنه، فقال: قد لقيت، فاسأل، قال: قلت: بلغني أنك تقول: سمعت رسول اللّه وَله، يقول: ((ثلاثة يحبهم الله عز وجل، وثلاثة يبغضهم الله عز وجل))، قال: نعم، فما أخالني، أكذب على خليلي محمد بَّه، ثلاثا، يقولها، قال: قلت: مَن الثلاثة الذين يحبهم الله عز وجل؟، قال: ((رجل غزا في سبيل الله، فلقي العدوّ، مجاهدا محتسبا، فقاتل حتى قُتِلٍ))، وأنتم تجدون في كتاب الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَتِلُونَ فِی سَبِيلِهِ، صَفًّا﴾ [الصف: ٤]، ((ورجل له جار يؤذيه، فيصبر على أذاه، ويحتسبه، حتى يكفيه الله إياه بموت، أو حياة، ورجل يكون مع قوم، فيسيرون حتى يشق عليهم الْكَرَى)»، أو ((النعاس))، فينزلون في آخر الليل، فيقوم إلى وضوئه، وصلاته))، قال: قلت: مَن الثلاثة الذين يبغضهم اللّه؟ قال: ((الفخور المختال، وأنتم تجدون في كتاب الله عز وجل: ﴿وَاَللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [الحديد: ٢٣]، والبخيل المنان، والتاجر، والبَيّاع الحلاف))، قال: قلت: يا أبا ذر، ما المال؟ قال: فرق لنا، وذود -يعني بالفرق غنما يسيرة- قال: قلت: لست عن هذا أسأل، إنما أسألك عن صامت المال، قال: ما أصبح لا أمسى، وما أمسى لا أصبح، قال: قلت: يا أبا ذر، ما لك ولإخوتك قريش؟ قال: والله لا أسألهم دنيا، ولا أستفتيهم عن دين الله تبارك وتعالى، حتى ألقى الله ورسوله ثلاثا يقولها. انتهى (٣). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عبد الله بن عمر رضي اللَّه تعالى عنهما هذا حسنٌ. وعبد الله بن يسار روی (١) - رواه أحمد من حديث أبي ذرّ رضي الله تعالى عنه بإسناد صحيح (٢) - راجع ((المفهم) ج١ ص٣٠٤ -٣٠٥ . (٣) -الحديث رجاله رجال الصحيح، ويزيد هو ابن هارون. والله تعالى أعلم. ٧٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ عنه جماعة - كما تقدّم- ووثقه ابن حبّان، فهو حسن الحديث. والله تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٢٥٦٢/٦٩ - وفي ((الكبرى)) ٢٣٤٣/٧١ . وأخرجه (أحمد) في ((مسند المكثرين)) ٦٠٧٨ . والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنف رحمه اللَّه تعالى، وهو ذمّ المنّان بما أعطى (ومنها): تحريم عقوق الوالدين، وأنه من الكبائر (ومنها): تحريم تشبّه النساء بالرجال في الزّيّ والهيئة (ومنها): ذمّ الدياثة، وهي إقرار الخبث في أهله، كما بيّنت في رواية أحمد المتقدّمة، وأنها من الكبائر (ومنها): تحريم إدمان شرب الخمر، وأنه من الكبائر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٥٦٣ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَلِيّ بْنِ الْمُذْرِكِ(١)، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ خَرَشَةَ بْنِ الْحُرِّ، عَنْ أَبِي ذَرِّ، عَنِ النَِّيِّ وَِّ، قَالَ: (( ثَلَاثَةٌ لَّا يُكَلْمُهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ،َ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ، فَقَرَأَهَا رَسُولُ اللَّهِ وَهِ، فَقَالَ أَبُوْ ذَرُّ: ((خَابُوا، وَخَسِرُوا، خَابُوا، وَخَسِرُوا، قَالَ: ((الْمُسْبِلُ إِزَارَهُ، وَالْمُنَفَّقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ، وَالْمَنَّانُ عَطَاءَهُ))). رجال هذا الإسناد : سبعة: ١ - (محمد بن بشار) بندار أبو بكر البصري، ثقة [١٠]٢٧/٢٤. ٢- (محمد) بن جعفر غُندر البصري، ثقة [٩]٢٢/٢١. ٣- (شعبة) بن الحجاج المذکور قريبًا . ٤- (عليّ بن المدرك) النخعيّ، أبو مدرك الكوفيّ، ثقة [٤]٢٦١/١٦٨. ٥- (أبو زرعة بن عمرو بن جرير) بن عبد الله البجليّ الكوفيّ، قيل: اسمه هَرِم، وقيل: غيره، ثقة [٣]٥٠/٤٣. ٦- (خَرَشَة)-بفتح الخاء المعجمة، والراء، والشين المعجمة- ابن الحرّ -بضمّ المهملة - الفَزاريّ، كان يتيمًا في حَجْر عمر بن الخطّاب رضي اللَّه تعالى عنه. قال الآجريّ، عن أبي داود: خَرَشَة بن الحرّ له صحبةٌ، وأخته سلامة بنت الحرّ لها صحبة. وذكره ابن حبّان في ثقات التابعين. وقال العجليّ: كوفيّ تابعيّ، من كبار التابعين. وقد ذكره ابن عبد البرّ، وأبو نعيم، وابن منده في الصحابة. وقال أبو موسى (١) -وفي نسخة: ((ابن مدرك)) بدون ((أل)). = ٧٣ ٧٠- (الْمُنَانُ بِمَا أَعْطَى) - حديث رقم ٢٥٦٣ المدينيّ: خلط أبو عبد الله - يعني ابن منده- بينه، وبين خَرَشَة المراديّ، والظاهر أنهما اثنان. وقال ابن سعد: توفّي في ولاية بشر بن مروان على الكوفة. وقال خليفة: مات سنة (٧٤هـ). روى له الجماعة، وله عند المصنف هذا الحديث فقط، كرره خمس مرات برقم ٢٥٦٣ و٢٥٦٤ و٤٤٦٠ و٤٤٦١ و٥٣٣٥ . ٧- (عَنْ أَبِي ذَرِّ) جندب بن جنادة الصحابيّ الشهير رضي اللّه تعالى عنه، تقدم ٣٢٢/٢٠٣. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سباعيات المصنف رحمه اللَّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، وأن شيخه أحد مشايخ الأئمة الستة بلا واسطة. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين إلى شعبة، وبالكوفيين بعده. (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين، يروي بعضهم عن بعض: علي عن أبي زرعة، عن خرشة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث - (عَنْ أَبِي ذَرِّ) ◌َّ (عَنِ النَّبِيِّ نَِّ، قَالَ: ((ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ) قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: أي بكلام من رضي عنه، ويجوز أن یکلّمھم بما یکلّم به من سَخِط عليه، كما جاء في صحيح البخاريّ، من حديث أبي هريرة رضي اللَّه تعالى عنه، مرفوعًا: ((يقول الله لمانع الماء: اليوم أمنعك فضلي، كما منعتَ فضلَ ما لم تعمل يداك)). وقد حكى الله تعالى أنه يقول للكافرين: ﴿اَخْسَنُواْ فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨]. وقيل: معناه لا يكلّمهم بغير واسطة، استهانةً بهم. وقيل: معنى ذلك: الإعراض عنهم، والغضب عليهم انتهى(١). وقال النووي رحمه اللّه تعالى: قوله: ((ثلاثة لا يكلّمهم اللّه، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم)) هو على لفظ الآية الكريمة. قيل: معنى ((لا يكلّمهم)): أي لا يكلّهم تكليم أهل الخيرات، وبإظهار الرضى، بل كلام أهل السخط والغضب. وقيل: المراد الإعراض عنهم. وقال جمهور المفسّرين: لا يكلّمهم كلامًا ينفعهم، ويَسُرّهم. وقيل: لا يرسل إليهم الملائكة بالتحيّة انتهى(٢). (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) قيّده به إشارة إلى أنه محلّ الرحمة المستمرّة، بخلاف رحمة الدنيا، فإنها قد تنقطع بما يتجدّد من الحوادث. قاله في ((الفتح))(٣). (١) - ((المفهم)) ج١ ص ٣٠٢. (٢) - ((شرح صحيح مسلم)» للنوويّ ج٢ ص ٢٩٧ . (٣) - راجع ((الفتح)) ج١١ ص٤٣٠. ٧٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ (وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ) أي نظر رحمة، ولطف، وإحسان إليهم. قال في ((الفتح)): أي لا يرحمه، فالنظر إذا أضيف إلى اللّه تعالى كان مجازًا، وإذا أضيف إلى المخلوق كان كناية. ويحتمل أن يكون المراد لا ينظر الله إليه نظر رحمة. وقال شيخنا -يعني العراقيّ- في ((شرح الترمذيّ)): عبّر عن المعنى الكائن عند النظر بالنظر؛ لأنّ من نظر إلى متواضع رَحِمَه، ومن نظر إلى متكبّر مَقَتَه، فالرحمة والمقت متسبّبان عن النظر. وقال الكرمانيّ: نسبة النظر لمن يجوز عليه النظر كناية؛ لأنّ من اعتدّ بالشخص التَفَتَ إليه، ثمّ كثر عبارةً عن الإحسان، وإن لم يكن هناك نظر، ولمن لا يجوز عليه حقيقة النظر، وهو تقليب الحدقة، والله منزه عن ذلك، فهو بمعنى الإحسان، مجاز عما وقع في حقّ غيره كناية. قال: ويؤيّد ما ذُكر من حمل النظر على الرحمة، أو المقت ما أخرجه الطبرانيّ، وأصله في أبي داود، من حديث أبي جُرَيٍّ: ((إن رجلا ممن كان قبلكم، لَبِسَ بردةً، فتبختر فيها، فنظر اللَّه إليه، فمقته، فأمر الأرض، فأخذته)) الحديث انتهى ما في ((الفتح)). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الذي ذكروه من نفي نظر اللّه تعالى حقيقةٌ، وأنه ليس له نظر، وإنما هو مجاز عن الرحمة غير صحيح، وإنما حملهم على ذلك أنهم ظنّوا أن النظر لا معنى له إلا تقليب الحدقة، وهذا خطأ، لأن هذا في النظر المضاف إلى المخلوقين، وأما نظر الخالق، فهو نظر يليق بجلاله، لا نعلم كيفيّته، كما لا نعلم حقيقة ذاته العليّة؛ لأن الصفة فرع عن الذات. فالحقّ أن النظر ثابت للَّه تعالى حقيقة، لا مجازًا، وأما تفسير نظره هنا بأنه نظر رحمة، وإحسان، فلا يتنافى مع ما فسّرنا به آنفًا، لأن هذا بيان للمقصود هنا بقرينة الأدلة الأخرى؛ لأن نظر اللّه تعالى محيط بجميع مخلوقاته، لا يخفى عليه شيء، فكان المراد هنا نظرًا خاصًا، وهو الذي يكون لأوليائه سبحانه، وتعالى، وهو نظر الرحمة، واللطف، والإحسان. والفرق بين إثبات النظر، وكون المراد نظرًا خاصًا، وهو نظر الرحمة، وبين نفي النظر، وكونه بمعنى الرحمة واضح، لا يخفى للمتأمّل. والحديث الذي ذكره الحافظ عن الطبرانيّ، وادعى أنه يؤيّد ما ذكر مَن حَمَلَ النظر على الرحمة، أو المقت، لا يؤيّد مُدّعاه، بل هو موضّحْ لما قلناه، فإنه أثبت أولًا النظر لله تعالى، ثم رتّب المقت عليه بالفاء التعقيبيّة، فقال: ((فمقته، فأَمَرَ الأرضَ الخ))، فإن هذا واضح في إثبات النظر لله تعالى، وهو الذي قلناه، وقد أوضحت المسألة بأكثر من هذا في غير هذا الموضع، فتبصّر بالإنصاف، ولا تَتَهوَّر بتقليد ذوي الاعتساف، والله . = ٧٥ ٧٠- (الْمُنَانُ بِمَا أَعْطَى) - حديث رقم ٢٥٦٣ تعالى وليّ التوفيق. (وَلَا يُزَكِّيهِمْ) أي لا يطهّرهم من دنس ذنوبهم؛ لعظيم جُزْمهم. قال الزجاج: لا يُثني عليهم، ومن لم يثن عليه عذّبِهِ (وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) أي شديد الألم الْمُوجع. قال الواحديّ: هو العذاب الذي يَخلُصُ إلى قلوبهم وَجَعُه، قال: والعذاب: كلّ ما يُغْيِي الإنسان، ويَشُقّ عليه، قال: وأصل العذاب في كلام العرب من العذب، وهو المنع، يقال: عذبته عَذْبًا: إذا منعته، وعَذَب عُذوبًا: أي امتنع، وسمّي الماء عذْبًا؛ لأنه يمنع العطش، فسمّي العذاب عذابًا؛ لأنه يمنع المعاقَبَ من معاودة جُزْمه، ويمنع غيره من مثل فعله. ذكره النوويّ في شرحه لصحيح مسلم(١). وقال الراغب في ((مفرداته)»: واختلف في أصله، فقال بعضهم: هو من قولهم: عَذَبَ الرجلُ: إذا ترك المأكل والنوم، فهو عاذِبٌ، وعَذُوبٌ، فالتعذيب في الأصل حَملُ الإنسان أن يَعْذِبَ: أي يجوعَ، ويسهَرَ. وقيل: أصله من الْعَذْبِ، فعذّبتُهُ: أي أزلتُ عَذْبَ حياته، على بناء مَرَّضته، وقَذْيته. وقيل: أصل التعذيب إكثار الضرب بعَذَّبَة السّوط، أي طرفها. وقد قال بعض أهل اللغة: التعذيب هو الضرب. وقيل: هو من قولهم: ماءٌ عَذَبٌ، إذا كان فيه قَذّى وكَدَرٌ، فيكون عذّبته، كقولك: كدّرت عيشَهُ، وزَلَّقتُ حياته. وعَذَبَة السوط، واللسان، والشجر: أطرافها. انتهى(٢). (فَقَرَأَهَا رَسُولُ اللَّهِ ◌َِّ﴾ أي قرأ هذه الجُمَل المذكورة (فَقَالَ أَبُو ذَرِ) رضي اللَّه تعالى عنه (خَابُوا) أي لم يظفروا بمرادهم، والكلام يحتمل أن يكون دعاء عليهم بالخيبة، وأن يكون إخبارًا بخيبتهم. يقال: خاب يخيب خيبة: إذا لم يظفر بما طلب، وخيّه اللَّه تعالى -بالتشديد -: جعله خائبًا. أفاده الفيّوميّ (وَخَسِرُوا) أي هلكوا، والكلام عليه كسابقه (خَابُوا، وَخَسِرُوا) كرره مرّتیت للتأكید. زاد في رواية مسلم: ((من هم يا رسول اللَّه». (قَالَ) وَ (الْمُسْبِلُ إِزَارَهُ) من الإسبال، وهو الإرخاء عن الحدّ الذي ينبغي الوقوف عنده . يعني: أنّ أحد الثلاثة الذين لهم هذا الوعيد الشديد: هو الرجل الذي يُرخِي إزاره، ويجرّ طَرَفه خُيَلاءً، كما جاء مفسّرًا في حديث ابن عمر رضي اللَّه تعالى عنهما المتّفق عليه: ((لا ينظر الله إلى من جرّ ثوبه خيلاء)). والخيلاء الكبر، والعجب. قال النوويّ رحمه الله تعالى: وهذا التقييد بالجرّ خيلاءً يُخصّص عموم المسبل (١) - ((شرح صحيح مسلم)) للنوويّ ج٢ ص ٢٩٧-٢٩٨. (٢) - ((مفرادت ألفاظ القرآن)) ص ٥٥٥. ٧٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ إزاره، ويدلّ على أن المراد بالوعيد من جرّ خُيّلَاءٌ، وقد رَخْص النبيّ وَّ في ذلك لأبي بكر الصديق رضي اللّه تعالى عنه، فقد أخرج الشيخان، من حديث عبد الله بن عمر رَهَا، قال: قال رسول اللّه وَله: ((مَن جَرَّ ثوبه خيلاء، لم ينظر الله إليه يوم القيامة))، فقال أبو بكر: إنّ أحد شقي ثوبي يسترخي، إلا أن أتعاهد ذلك منه، فقال رسول اللَّه مَله: ((إنك لست تصنع ذلك خيلاء))(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحاصل أن الوعيد المذکور خاصّ بمن جرّه خيلاء، وأما جرّه بغير الخيلاء، فحرامٌ؛ لما أخرجه البخاريّ، من حديث أبي هريرة رضي اللَّه عنه، عن النبي ◌ََّ، قال: ((ما أسفَلَ من الكعبين، من الإزار ففي النار)). [تنبيه]: يستثنى من ذلك النساء؛ لما أخرجه الترمذيّ، وصححه، من طريق أيوب، عن نافع، عن ابن عمر رضي اللَّه تعالى عنهما، متّصلًا بحديثه المذكور في قصّة أبي بكر رضي اللّه تعالى عنه: فقالت أم سلمة: فكيف تصنع النساء بذيولهنّ؟ فقال: (يُرخين شبرًا))، فقالت: إذًا تنكشف أقدامهنّ، قال: ((فيرخينه ذراعًا، لا يزدن علیه)). لفظ الترمذيّ. قال الحافظ: وقد عزا بعضهم هذه الزيادة لمسلم، فوهم، فإنها ليست عنده، وكأنّ مسلمًا أعرض عن هذه الزيادة للاختلاف فيها على نافع، فقد أخرجه أبو داود، والنسائيّ(٢) وغيرهما، من طريق عبيدالله بن عمر، عن سليمان بن يسار، عن أم سلمة. وأخرجه أبو داود من طريق أبي بكر بن نافع، والنسائيّ، من طريق أيوب بن موسى، ومحمد بن إسحاق، ثلاثتهم، عن نافع، عن صفيّة بنت أبي عبيد، عن أم سلمة. وأخرجه النسائيّ من رواية يحيى بن أبي كثير، عن نافع، عن أم سلمة نفسها، وفيه اختلاف آخر، ومع ذلك فله شاهد من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أخرجه أبو داود من رواية أبي الصّدّيق، عن ابن عمر، قال: ((رخّص رسول اللّهِ وَيّ لأمهات المؤمنين شبرًا، ثم استزدنه، فزادهنّ شبرًا، فكن يرسلن إلينا، فنذرع لهنّ ذراعًا)). وأفادت هذه الرواية قدر الذراع المأذون فيه، وأنّه شبران بشبر اليد المعتدلة. قال الحافظ: ويستفاد من هذا الفهم التعقّب على من قال: إن الأحاديث المطلقة في الزجر عن الإسبال مقيّدة بالأحاديث الأخرى المصرّحة بمن فعله خيلاء. وسيأتي تمام البحث في هذه المسألة في ((كتاب الزينة))، في أواخر الكتاب - ٥٣٣٦/١٠٥ - إن شاء الله تعالى. [تنبيه]: قال الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبريّ، وغيره: وذَكَر إسبال الإزار (١) - سيأتي للمصنف برقم ٥٣٣٥/١٠٤. (٢) - سيأتي للمصنف برقم ٥٣٣٦/١٠٥ و٥٣٣٧ و٥٣٣٨ و٥٣٣٩ . ٧٧ ٧٠- (المنانُ بمَا أَعْطَی) - حديث رقم ٢٥٦٣ وحده؛ لأنه كان عامّة لباسهم، وحكم غيره من القميص وغيره حكمه. قال النوويّ: وقد جاء ذلك مبيّنًا منصوصًا عليه من كلام رسول اللّه وَلقره من رواية سالم بن عبد الله، عن أبيه، عن النبي بَ لي، قال: ((الإسبال في الإزار، والقميص، والعمامة، مَنْ جَرَّ منها شيئا، خُيّلاء، لم ينظر الله إليه يوم القيامة))(١) . وسيأتي تمام البحث فيه في ((كتاب الزينة)) - ١٠١٥٣٢٦ - وما بعدها من الأبواب، إن شاء الله تعالى. (وَالْمُتَفَّقُ) بتشديد الفاء، من نَفَّقَ السِّلْعَة: إذا رَوَّجَها، قاله في ((القاموس))، وفي ((المصباح)): ونَفَقَتِ السِّلْعَةُ، والمرأةُ نَفَاقًا، بالفتح: كثُر طُلَّابها، وخُطّابها انتهى (سِلْعَتَهُ) بكسر السين المهملة، وسكون اللام: البِضَاعة، جمعها سِلَعٌ، مثلُ سدر وسِدَرٍ. ومثله سِلْعة الجسد (٢)، وهي الغذّة، وأما السَّلْعَة بالفتح، فهي الشجّة، وجمعها سَلّعات، مثل سجدة وسَجَدات، وقد نظم ذلك بعضهم بقوله [من الرجز]: وَسِلْعَةُ الْمَتَاعِ سِلْعَةُ الْجَسَدْ كُلِّ بِكَسْرِ السِّينِ هَكَذَا وَرَدْ أَمَّا الْتِي بِالْفَتْحِ فَهْيَ الشَّجَّهِ عِبَارَةُ ((الْمِصْبَاح)) فَاسْلُكْ نُهُجَة (بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ) بكسر اللام، وإسكانها، وممن ذكر الإسكان ابنُ السّكّيت في أول ((إصلاح المنطق)). قاله النوويّ. (وَالْمَنَّنُ عَطَاءَهُ) تقدّم تفسيره في الحديث الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي ذرّ رضي اللَّه تعالى عنه هذا أخرجه مسلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٦٩ / ٢٥٦٣ و٢٥٦٤ وفي ((البيوع)) ٤٤٥٨/٥ و٤٤٥٩ وفي ((الزينة)) ٥٣٣٢/١٠٤ ٥٣٣٣- وفي ((الكبرى)) ٢٣٤٤/٧١ و٢٣٤٥ و ((البيوع)) ٦٠٥٠/٥ و٦٠٥١ و((الزينة))٩٧٠١/١٠٣ و٩٧٠٢. وأخرجه (م) في ((الإيمان)) ١٠٦ (د) في ((اللباس)) ٤٠٨٧ (ت) في ((البيوع)) ١٢١١ (ق) في ((التجارة)) ٢٢٠٨ (أحمد) في ((مسند (١) - سيأتي للمصنف برقم ١٠٤/ ٥٣٣٤. (٢) - قال في ((المصباح)): السَّلْعة -أي بكسر، فسكون -: خُرَاجْ كهيئة الغُدّة، تتحرّك بالتحريك، قال الأطباء: هي وَرَمٌ غير ملتزق باللحم، يتحرّك عند تحريكه، وله غلاف، وتقبل التزيّد، لأنها خارجة عن اللحم، ولهذا قال الفقهاء: يجوز قطعها عند الأمن انتهى ((المصباح)) في مادة سلع. ٧٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ الأنصار)) ٢١٠٣٤ (الدارميّ) في ((البيوع)) ٢٦٠٥. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو ذمّ المنّان بما أعطى، وأنّ المنّ مُحرَّم (ومنها): أن الله سبحانه وتعالى ينظر إلى عباده المؤمنين المستقيمين، ويزكيهم، يوم القيامة، وينجيهم من عذابه، وأن من أجرم بالإسبال، وتنفيق السلعة باليمين الكاذبة، والمنّان بما أعطي لا ينظر إليهم، ولا يزكّيهم، ولهم عذابٌ أليم (ومنها): أن هذه الأفعال المذكورة من الكبائر؛ لأنه تعالى لا يتوعّد بهذا الوعيد الشديد إلا من ارتكب الذنوب الكبائر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٥٦٤ - أَخْبَرَنَا بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ سُلَيْمَانَ- وَهُوَ الْأَعْمَشُ - عَنْ سُلَيْمَانَ بْنٍ مُسْهِرٍ، عَنْ خَرَشَةَ بْنِ الْحُرِّ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: (ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلَّمُهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، يَوَمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: الْمَنَّانُ بِمَا أَعْطَى، وَالْمُسْبِلُ إِزَارَهُ، وَالْمُتَفَّقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِب»). قالَ الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، وكلّهم تقدّموا، غیر: ١- (سليمان بن مُسهر) الفزاريّ الكوفيّ، ثقة [٤]. روى عن خَرَشَة بن الحرّ. وعنه إبراهيم النخعيّ، وهو من أقرانه، والأعمش. قال النسائيّ، والعجليّ: ثقة. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)) في الطبقة الثالثة. وذكره ابن منده في ((کتاب الصحابة))، وخطاه أبو نعيم، وقال: بل هو تابعيّ. روی له مسلم، وأبو داود، والمصنّف، وله عند المصنف هذا الحديث كرره ثلاث مرات برقم ٢٥٦٤ و٤٤٦١ و ٥٣٣٥ . و((بشر بن خالد)): هو العسكريّ، أبو محمد الفرائضيّ، نزيل البصرة، ثقة يُغرب [١٠]٢٦ /٨١٢ . والحديث صحيح، وقدم شرحه، والكلام على مسائله في الحديث الذي قبله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)). ٧٩ ٧١- (بابُ رَدِ السَّائِل) - حديث رقم ٢٥٦٥ ٧١- (بَابُ رَدِّ السَّائِلِ) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أراد المصنف رحمه اللّه تعالى بردّه ردَّهُ بإعطاء شيء مما تيسّر، لا ردّه خائبًا، كما يوضّحه الحديث الذي أورده في الباب. والله تعالى أعلم بالصواب . ٢٥٦٥ - أَخْبَرَنِي (١) هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْنٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ ح وَأَنْبَأَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكِ، عَنْ زَيْدِ (٢) بْنِ أَسْلَمَ، عَنِ ابْنِ بُجَيْدِ الْأَنْصَارِيِّ، عَنْ جَدْتِهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ قَالَ: ((رُدُوا السَّائِلَ، وَلَوْ بِظِلْفٍ))، فِي حَدِيثٍ هَارُونَ: ((مُخرَقٍ)). رجال هذا الإسناد : سبعة : ١- (هارون بن عبد اللَّه) الحمال، أبو موسى البغدادي، ثقة حافظ [١٠]٥٠/ ٦٢. ٢- (قتيبة بن سعيد) الثقة الثبت [١٠]١/١. ٣- (معن) بن عيسى القزاز، أبو يحيى المدني، ثقة ثبت، قال أبو حاتم: هو أثبت أصحاب مالك، من كبار [١٠]٥٠/ ٦٢. ٤- (مالك) بن أنس الإمام الحجة الفقيه الشهير [٧]٧/ ٧. ٥- (زيد بن أسلم) العدوي المدني الفقيهن ثقة، يرسل [٣]٨٠/٦٤. ٦- (ابن بُجيد) هو: عبد الرحمن بن بُجَيد - بموحّدة مصغّرًا- ابن وهب بن قيظيّ بن قيس ابن لوذان بن ثعلبة بن عليّ بن مجدعة بن حارثة الأنصاريّ الحارثيّ المدنيّ، مختلف في صحبته. روی عن النبيّ ◌ُآلڑ، وعن جدّته، أم بُجید. وعنه زيد بن أسلم، ومحمد بن إبراهيم ابن الحارث، وسعيد المقبريّ. قال ابن عبد البرّ: أنكر على سهل بن أبي حَثمة حديثَ القسامة، وكان يُذكّر بالعلم، وفي صحبته نظر، إلا أنه روى عن النبيّ بَّ، فمنهم من يقول: إنه حديثٌ مرسل. وذكره ابن حبّان في ثقات التابعين، وقال: يقال: إنّ له صحبة. وقال أبو القاسم البغويّ: لا أدري له صحبةٌ، أم لا؟. وقال أبو نُعيم: قال ابن أبي داود: له صحبة. (١) -وفي نسخة: ((أخبرنا)). (٢) -وقع في بعض النسخ: ((يزيد)) بدل ((زيد)) وهو غلط فاحش، فتنبه. ٨٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ قال الحافظ: وأشار أبو عمر بقوله: ((أنكر إلخ)) إلى ما وقع في سياقه عند أبي داود أنّ سهل ابن أبي حثمة وَهِمَ. وروى قاسم بن أصبغ حديثه المذكور في ((القسامة)) من طريق محمد بن إبراهيم بن الحارث التيميّ، وما هو بأكثر علمًا منه، ولكنّه كان أسنّ منه انتهى. ولم يذكر أبو داود هذه الزيادة. وعند النسائيّ من طريق مالك، عن زيد بن أسلم، عن ابن بُجَيد، عن جدّته حديثٌ غير هذا -يعني حديث الباب- قال: وكذا وقع غير مسمّى لأكثر رواة ((الموطًا))، وسمّاه يحيى بن بكير محمدًا، وجزم بهذا، فكان يلزم المزّيّ أن يترجم لمحمد بن بُجيد، وكأنه اعتمد على ما وقع في ((الأطراف)) في مسند أم بُجيد، فقال في رواية النسائيّ من طريق مالك، عن زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن بُجيد، وليس هو في شيء من ((الأطراف))، وذلك أنه وقع من طريق أخرى عن سعيد المقبريّ، عن عبد الرحمن بن بُجيد، عن جدّته، أم بُجيد -يعني الآتي للمصنف برقم ٢٥٧٤/٧٦ -فظنّ مصنّف ((الأطراف)) اتحاد الروايتين، فجزم بأن شيخ ابن أسلم هو عبد الرحمن بن بُجيد، وفيه نظر؛ لأنه لا مانع أن يكون محمد بن بجيد شيخ زيد بن أسلم، غير عبد الرحمن بن بجيد شيخ سعيد المقبريّ، وأن كلّا منهما يروي عن جدّته انتهى كلام الحافظ. روى له أبو داود، والترمذيّ، والمصنّف، وله عنده هذا الحديث، وأعاده برقم ٢٥٧٤ . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله الحافظ من تعدّد الروایتین، وکون شيخ زید ابن أسلم غير شيخ سعيد القبريّ عندي محلّ توقّف. والله تعالى أعلم. ٧- (جدته) أم بُجيد الأنصارية رضي اللّه تعالى عنها، كانت من المبايعات، أخرج لها أبو داود، والترمذي، والمصنف، ولها في هذا الكتاب هذا الحديث، وأعاده برقم (٢٥٧٤). والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى بالنسبة للسند الأول، ومن خماسياته بالنسبة للثاني، فهو أعلى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير ابن بجيد، وجدته، فأخرج لهما أبو داود، والترمذي، والمصنف. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَن) عبد الرحمن (ابْنِ بُجَيْدِ الْأَنْصَارِيِّ، عَنْ جَدْتِهِ) أمّ بُجَيد الأنصاريّة، يقال: اسمها حَوّاء، وكانت من المبايعات، رضي اللّه تعالى عنها، وفي الرواية الآتية -٧٦/ ٢٥٧٤- من طريق سعيد المقبريّ، عن عبد الرحمن بن بُجيد، عن جدّته أمّ بُجيد، وكانت ممن بايعت رسول اللّه وَل أنها قالت لرسول اللَّه وَله: إن المسكين ليقوم على