Indexed OCR Text

Pages 41-60

٦٦- (بابُ التّخریض على الصّدقةِ) - حديث رقم ٢٥٥٤
٤١ =
(وَ) قرأ أيضًا الآية التي في سورة الحشر، وهي قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا
أَتَّقُواْ اللَّهَ﴾ أمرٌ من اللّه تعالى للمؤمنين بتقواه، وهو يشمل فعل ما به أمر، وترك ما عنه
زجر ﴿وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَّا قَّدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ [الحشر: ١٨]) أي حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا،
وانظروا ما ذا اذخرتم لأنفسكم من الأعمال الصالحة ليوم معادكم، وعَرْضكم على
ربّکم .
وسبب قراءته ويل هذه الآية أنها أبلغ في الحثّ على الصدقة، كما أن الآية المتقدّمة
أبلغ في الترابط بين أجناس بني آدم. والله تعالى أعلم.
(تَصَدَّقَ رَجُلٌ مِنْ دِينَارِهِ) قال أبو البقاء الْعُكبَريّ رحمه الله تعالى في ((إعراب
الحدیث» : یحتمل أحد وجهين:
[أحدهما]: أن يكون أراد الشرط، أي إن تصدّق رجلٌ، ولو بشيء حقير من ماله
أُثيب، وحُذف حرف الشرط وجوابه للعلم به، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَّجُعَ فِيَهَا وَلَا
تَعْرَى وَأَنَّكَ لَا تَظْمَؤُأْ فِيَهَا وَلَا تَضْحَى﴾ [طه: ١١٨] تقديره: إن أقمتَ على الطاعة.
[والوجه الثاني]: أن يكون الكلام محمولًا على الدعاء، فكأنّه قال: رَحِم الله امرأً
تصدّق، كما قالوا: امرءًا اتقى الله، أي رحم الله، وجعل الفاعل، وهو قوله: ((رجلٌ))
مفسّرًا للمنصوب المحذوف.
ويحتمل وجهًا ثالثًا: وهو أن يكون على الخبر، أي تصدّق رجلٌ من غيركم بكذا
وكذا، فأُثيب، والغرض منه حثّهم على الصدقة، وأنّ غيرهم تصدّق بمثل ذلك،
فأُثیب، فحكمهم کحکمه انتهى(١).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذه الأوجه الثلاثة التي ذكرها العكبريّ فيها بعدٌ،
وتكلّفُ لا يخفى.
وقيل: هو مجزومٌ بلام أمر مقدّرة، أصله ليتصدّق، وهذا الحذف مما جوّزه بعض
النحاة .
وفيه أنّ حقّه حينئذ أن يكون يتصدّق - بياء تحتيّة، بعدها تاء فوقيّةٌ- ولا وجه لحذفها.
فالصواب عندي أنّ صيغته صيغة خبرٍ ومعناه الأمر، ولا يقال: إن كونه خبرًا لا
يساعده قوله: ((ولو بشقّ تمرة))؛ لأنّنا نقول: إنّما يتوجّه ذلك لو كان خبرًا معنّى أيضًا،
وأما إذ كان أمرًا معنَى فلا يتوجّه هذا الاستشكال.
والحاصل أنّ هذا خبر بمعنى الأمر، أي ليتصدّق، وإنما عبّر بصيغة الخبر؛ حثًّا
(١) - راجع ((إعراب الحديث النبويّ)) للعكبريّ ص١٥٨ -١٥٩.

٤٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
للمخاطبين على امتثاله، وترغيبًا لهم في حصوله منهم، وكونه بصيغة الماضي أبلغ في
ذلك. والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: ذكر ابن مالك رحمه الله تعالى نحو هذا الإعراب في كتابه ((شواهد التوضيح
والتصحيح لمشكلات الجامع الصحيح)) في أثر عمر بن الخطّاب رضي اللَّه تعالى عنه:
((إذا وسّع الله، فأوسعوا، صلّى رجلٌ في إزارٍ ورداء، في إزارٍ وقميصٍ، في إزارٍ
وقباء)). قال: تضمّن هذا الحديث فائدتين :
[إحداهما]: ورود الفعل الماضي بمعنى الأمر، وهو ((صلّى رجلٌ))، والمعنى: ليصلّ
رجلٌ، ومثله في كلام العرب: اتقى الله امرؤٌ فعل خيرًا يُئب عليه. والمعنى: ليتّق، وليفعل.
ولكونه بمعنى الأمر جيء بعده بجواب مجزوم، كما يُجاء بعد الأمر الصريح. وأكثر مجيء
الماضي بمعنى الطلب في الدعاء، نحو نصر الله من والاك، وخَذَل من عاداك.
[والفائدة الثانية]: حذف حرف العطف، فإن الأصل: صلى رجلٌ في إزار ورداء، أو في
إزار وقميص، أو في إزار وقباء، فحذف حرف العطف مرّتين؛ لصحّة المعنى بحذفه.
ونظير هذا الحديث في تضمّن الفائدتين قول النبيّ وَّ: «تصدّق امرؤٌ من ديناره، من
درهمه، من صاع برّه، من صاع تمره)) انتهى كلام ابن مالك رحمه اللّه تعالى(١) وهو
توجيه نفيس. والله تعالى أعلم.
(مِنْ دِرْهَمِهِ) معطوفٌ بحرف عطف مقدّر، كما بيّنه ابن مالك في كلامه المذكور
آنفًا، وكذا ما بعده (مِنْ ثَوْبِهِ، مِنْ صَاعِ بُرِّهِ، مِنْ صَاعِ تَمْرِهِ، حَتَّى قَالَ) النبيّ ◌َِّ (وَلَوْ
بِشِقٌ تَمْرَةٍ) أي ليتصدّق، ولو كانت صَدقته قليلة، كشَقّ تمرة، أي نصفها (فَجَاءَ رَجُلٌ
مِنَ الْأَنْصَارِ بِصُرَّةٍ) بضمّ الصاد المهملة، وتشديد الراء: وعاء الدراهم، والدنانير، جمعها
صُرَرٌ، مثلُ غُرْفَة وغُرَفِ (كَادَتْ كَفُّهُ تَعْجِزُ عَنْهَا) بكسر الجيم، من باب ضَرَب، ،
وعَجِزَ -بكسر الجيم - يَعْجَز -بفتحها-عَجَزًا - بفتحتين، من باب تَعِبَ، لغةٌ لبعض قَیسٍ
عَيْلَانَ، ذكرها أبو زيدٍ. وهذه اللغة غير معروفة عندهم، وقد روى ابن فارس بسنده إلى
ابن الأعرابيّ أنه لا يُقال: عَجِزَ الإنسان - بالكسر - إلا إذا عَظُمت عَجِيزَته. ذكره في
((المصباح)) (بَلْ قَدْ عَجَزَتْ) ((بل)) في مثل هذا للإضراب الإبطاليّ، أخبر أوّلًا بأنّ كفّ
الرجل قاربت العجز، ثم تبيّن له أنها عجزت حقيقة، فأخبر به، والمراد أن الرجل
تصدّق بمال کثیر.
(ثُمَّ تَتَابَعَ النَّاسُ) أي تبع بعضهم بعضًا في المجيء بالصدقة (حَتَّى رَأْنِتُ كَوْمَيْنِ)
(١) - راجع (شواهد التوضيح، والتصحيح لمشكلات الجامع الصحيح)) ص٦٢ -٦٣ .

٦٦- (بابُ التّخریض عَلَى الصَّدقةِ) - حديث رقم ٢٥٥٤
٤٣
=
=
بفتح الكاف، وضمّها. قال القاضي عياض رحمه اللّه تعالى: ضبطه بعضهم بالفتح،
وبعضهم بالضمّ. قال ابن سراج: هو بالضمّ اسمٌ لما كُوْمَ، وبالفتح المرّة الواحدة،
قال: والكُومة - بالضمّ -: الصُّبْرة، والكُوم العظيم من كلّ شيءٍ، والكوم المكان
المرتفع، كالرابية. قال القاضي: فالفتح هنا أولى؛ لأنّ مقصوده الكثرة، والتشبيه
بالرابية انتهى (١) (مِنْ طَعَام وَثِيَابٍ) بيان للكوم (حَتَّى رَأَيْتُ وَجْهَ رَسُولِ اللَّهِ وَهِ يَتَهَلَّلُ)
أي يَستنير فرَحًا وسُرورًا (كَأَنَّهُ مَّذْهَبَةٌ)
وقال النوويّ رحمه الله تعالی: ضبطوه بوجهين :
[أحدهما]: وهو المشهور، وبه جزم القاضي، والجمهور «مُذْهَبٌ)) بذال معجمة،
وفتح الهاء، وبعدها باءٌ موحّدة.
[والثاني] : -ولم يذكر الحُمَيديّ في ((الجمع بين الصحيحين)) غيره- ((مُدْهُنَة)) -بدال
مهملة، وضم الهاء، وبعدها نون- وشرحه الحميديّ في كتابه ((غريب الجمع بين
الصحيحين))، فقال: هو وغيره ممن فسّر هذه الرواية، إن صحّت: الْمُدهُن: الإناء
الذي يُدهَن فيه، وهو أيضًا اسمٌ للنقرة في الجبل التي يُستَنْقَع فيها ماءُ المطر، فشبّه
صفاء وجهه الكريم وَّ بإشراق السرور بصفاء هذا الماء الْمُستَنقع في الحجر، أوبصفاء
الدُّهْنِ والْمُذْهُن.
وقال القاضي عياض في ((المشارق)) وغيره من الأئمّة: هذا تصحيفٌ، وهو بالذال
المعجمة، والباء الموحدة، وهو المعروف في الروايات، وعلى هذا ذكر القاضي
وجهين في تفسيره:
[أحدهما]: معناه فضّة مُذهبة، كما قال الشاعر:
كَأَنَّهَا فِضَّةٌ قَدْ مَسَّهَا ذَهَبُ
ويعني به تشبيه إشراق وجهه وتنويره، فهو أبلغ في ذلك.
[والثاني]: شبهه في حسنه، ونوره بالمذهبة من الجلود، والسُّرُوج، والأقداح،
وغير ذلك، وجمعها مذاهب، وهي شيءٌ كانت العرب تصنعه من جلود، وتَجَعَل فيها
خطوطًا مُذْهَبَةٍ، يُرَى بعضها إثرَ بعض.
وأما سبب سروره وَّر، فهو الفرح بمبادرة المسلمين إلى طاعة اللَّه تعالى، وبذلٍ
أموالهم للَّه، وامتثال أمر رسول اللّه ◌َله، ولدفع حاجة هؤلاء المحتاجين، وشفقة
المسلمين بعضهم على بعض، وتعاونهم على البرّ والتقوى، فينبغي للإنسان إذا رأى
(١) - راجع ((شرح مسلم)) للنوويّ ج٧ص ١٠٥ .

٤٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
شيئًا من هذا القبيل أن يفرح، ويُظهر سروره، ويكون فرحه لما ذكرناه انتهى كلام
النوويّ رحمه الله تعالى في ((شرحه))، بزيادة من ((المفهم))(١).
(فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلّهِ: ((مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةٌ حَسَنَةً) أي من أتى بطريقة مرضيّة،
يُقتَدَى به فيها، كما فعل الأنصاريّ الذي أتى بصُرّة، يقال: سنّ الطريقةَ: إذا سار فيها،
كاستسنّها، قاله في القاموس.
والسنّة الحسنة هي: الطريقة المحمودة، التي يدلّ عليها الكتاب والسنّة (فَلَهُ أَجْرُهَا) أي
أجر عملها (وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا) ظاهره أنه يحصل له الأجر، ولو لم ينو المبتدىء أن يُتْبع
فيها، ففيه ثبوت الأجر مع عدم نيّة الفاعل، فيكون مخصّصًا لحديث ((إنما الأعمال بالنيّة))،
والله تعالى أعلم (مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا) ((نقص)) يتعدّى، ويلزم، يقال: نَقَصَ
المالُ نَقْصًا، وانتقص: إذا ذهب منه شيء بعد تمامه، ونقصته يتعدّى، ولا يتعدّى، هذه
اللغة الفصيحة، وبها جاء القرآن في قوله تعالى: ﴿نَقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ [الرعد: ٤١] الآية،
وقوله: ﴿غَيْرَ مَنْقُوصٍ﴾ [هود: ١٠٩]، وفي لغة ضعيفة يتعدّى بالهمزة والتضعيف، ولم
يأت في كلام فصيح، ويتعدّى أيضًا بنفسه إلى مفعولين، فيقال: نقصت زيدا حقّه،
وانتقصته مثله. أفاده الفيّوميّ . وما هنا من المتعدّي بنفسه، ولهذا نَصَبَ قوله: ((شيئًا))
(وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةٌ سَيِّئَةً) أي من فعل فعلًا قبيحًا، فاقتدِي به فيه.
والسنّة السيّئة هي الطريقة المذمومة، وهي التي تُبتدَع بعد تمام الدين على أنها منه،
وهي الْمَعْنِيّة بقوله وََّ: ((كلّ بدعة ضلالة، وكلّ ضلالة في النار)) (فَعَلَيْهِ وِزْرُهَا) -
بكسر، فسكون -: الإثم، والثّقَل، يقال: وَزَرَ يَزِرُ، من باب وَعَدَ: إذا حمل الإثمَ،
وفي التنزيل: ﴿وَلَ نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ الآية [الأنعام: ١٦٤]. والجمع أوزارٌ، مثلُ
حِمْلٍ وأحمالٍ. أي عليه إثم فعلها (وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا) أي ومثل وزر من عمل بها،
وهذا لا يعارض قوله تعالى: ﴿وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾؛ لأن هذا فعله، لا فعل غيره،
وذلك لأنه ابتدأ هذه السنّة السيّئة، وتبعه عليها غيره، فصار سببًا في الشرّ، فالإثم جاءه
من تسبّبه. والله تعالى أعلم. (مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْئًا))) يعني أنهم يتحمّلون
أوزار عملهم السيّء كاملة، وهو يتحمّل وزر تسبّبه في ذلك.
قال النوويّ رحمه الله تعالى: وسبب هذا الكلام في هذا الحديث، أنه قال في أوّله:
((فجاء رجلٌ بِصُرَّة، كادت كفّه تَعْجِزُ عنها))، ثمّ تتابع الناس))، وكان الفضل العظيم
للبادىء بهذا الخير، والفاتح لباب هذا الإحسان.
وفي هذا الحديث تخصيص قوله وَالر: ((كلّ محدثة بدعة، وكلّ بدعة ضلالة))، وأن
(١) - (شرح مسلم للنوويّ)) ج٧ص ١٠٥. و((المفهم)) للقرطبيّ ج٣ص٦٢-٦٣.

٤٥
٦٦- (بابُ التّخریض على الصَّدقة) - حديث رقم ٢٥٥٤
المراد به المحدثات الباطلة، والبدع المذمومة، قال: والبدع خمسة أقسام: واجبة،
ومندوبة، ومحرّمة، ومكروهة، ومباحة. انتهى كلامه.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: كلام النوويّ هذا فيه نظرٌ من وجهين:
[الأول]: دعواه التخصيص المذكور، فإنه غير صحيح، بل عموم حديث كلّ محدثة
بدعة الخ)) باق على ظاهره، فإن المراد بالبدعة هي البدعة الشرعيّة، وهي التي ابتدعت
بعد إكمال اللّه تعالى الدينَ بقوله تعالى: ﴿اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَنْتَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى
وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَمَ دِينًا﴾ الآية، فلا يشهد لها كتابٌ، ولا سنّة، كما بيّن ذلك النبيّ وَّل
فيما أخرجه الشيخان، بقوله: ((من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه)) الحديث، فقد بيّن
أن إحداث ما دلّ عليه الكتاب والسنّة ليس من البدعة شرعًا، وإن كان يسمّى بها لغة.
والحاصل أن البدعة اللغويّة أعمّ من البدعة الشرعيّة، حيث إنها تطلق على ما يدلّ
عليه النصّ، وما لا يدلّ عليه، بخلاف الشرعيّة، فإنها لا تطلق إلا على ما لا يدلّ عليه
دليل، فكلّ بدعة شرعيّة بدعة لغويّة، ولا عكس، فقوله: ((كلّ محدثة بدعة، وكلّ بدعة
ضلالة)) لا يُخصّ منه شيء، فتبصّر بالإنصاف، ولا تتحيّر بالاعتساف.
[والثاني]: أن تقسيمه لمطلق البدعة إلى خمسة أقسام غير صحيح، فإن هذا التقسيم
للبدعة اللغويّة، لا للشرعيّة، فإنها قسم واحد مذموم.
والحاصل أن الذي يقبل التقسيم المذكور هو اللغويّ، ومنه قول عمر بن الخطّاب
رضي الله تعالى عنه: ((نعمت البدعة)) للتراويح، فإنه محمول على المعنى اللغويّ،
وكذلك ما نُقل عن الشافعيّ رحمه الله تعالى، وغيره من تقسيمهم البدعة إلى محمودة
ومذمومة، أو بدعة حسنة، وبدعة غير حسنة محمول على هذا المعنى، فتبصّر، ولا
تتحيّر. وقد بسطت الكلام على هذا في غير هذا المحلّ من هذا الشرح(١). والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث جرير بن عبد الله رضي الله تعالى عنه هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٢٥٥٤/٦٤- وفي ((الكبرى)) ٢٣٣٥/٦٦. وأخرجه (م) في ((الزكاة))
١٠١٧ (ت) في ((العلم)) ٢٦٧٥ (ق) في ((المقدّمة)) ٢٠٣ (أحمد) في مسند الكوفيين))
١٨٦٧٥ و١٨٦٩٣ و١٨٧٠١ (الدارميّ) ٥١٢. والله تعالى أعلم.
(١) - راجع شرح ((كتاب صلاة العيدين)) برقم ٢٢/ ١٥٧٨ .

٤٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما بوّب له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو التحريض على الصدقة (ومنها):
كمال رحمة النبيّ وَ ﴿ لأمته، وشدة رأفته بهم، كما وصفه اللَّه تعالى بذلك في كتابه
بقوله: ﴿لَقَدْ جَءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنْتُمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم
بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] (ومنها): استحباب جمع الناس للأمور المهمّة،
ووعظهم، وحثّهم على مصالحهم، وتحذيرهم من القبائح (ومنها): الحثّ على الابتداء
بالخيرات، وسَنّ السنن الحسنات (ومنها): التحذير من البدع والخرافات التي لا يؤيّدها
دليلٌ شرعيّ، بل يردّها، ويبطلها (ومنها): أن بعض الأفعال لا ينقطع ثوابها، وكذا لا
ينتهي وزرها، وهي التي تكون سببًا للاقتداء بفاعلها، فيجب على العاقل أن يكون
مفتاحًا للخير، لا مفتاحًا للشرّ، أخرج ابن ماجه عن سهل بن سعد رَّه أن رسول الله
وَله قال: ((إن هذا الخير خزائن، ولتلك الخزائن مفاتيح، فطوبى لعبد جعله الله مفتاحًا
للخير، مِغْلاقًا للشرّ، وويلٌ لعبد جعله اللَّه مفتاحًا للشرّ، مِغْلاقًا للخير)). وسنده
ضعيف، وقد حسنه الشيخ الألباني ◌َّلهُ، وإن كان في تحسينه نظر، راجع ((السلسلة
الصحيحة)) جـ ٣ ص ٣٢٠ - ٣٢١ رقم ١٣٣٢ . جعلنا الله تعالى من عباده الذين
جعلهم مفتاحًا للخيرات، ومغلاقًا للشرّ والسيئات، إنه سميعٌ قريبٌ مجيب الدعوات.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٥٥٥ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ
مَعْبَدٍ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ حَارِثَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَيهِ، يَقُولُ: ((تَصَدَّقُوا، فَإِنَةُ سَيَأْتِي
عَلَيْكُمْ زَمَانٌ، يَمْشِي الرَّجُلُ بِصَدَقَتِهِ، فَيَقُولُ الَّذِي يُعْطَاهَا: لَوْ جِئْتَ بِهَا بِالْأَمْسِ قَبِلْتُهَا،
فَمَّا الْيَوْمَ فَلَا»).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١- (محمد بن عبد الأعلى) الصنعاني البصري، ثقة [١٠] ٥/٥.
٢- (خالد) بن الحارث الهجيميّ البصري الحافظ الثبت [٨] ٤٧/٤٢.
٣- (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة الثبت [٧] ٢٤ / ٢٧ .
٤- (معبد بن خالد) الْجَدَليّ الكوفيّ، ثقة عابد [٣] ١٤٢٢/٣٩.
٥- (عَنْ حَارِثَةَ) بن وهب الخزاعيّ صحابيّ، نزل الكوفة، وكان عمر رضي الله
تعالى عنهما زوج أمه، تقدم في ١٤٤٥/٣ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
منها: أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال
الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين إلى شعبة، والباقيان كوفييان. (ومنها): أن

٤٧
٦٦ - (بَابُ التَّخْرِيض عَلَى الصَّدقةِ) - حديث رقم ٢٥٥٥
صحابيه من المقلين من الرواية، فليس له في الكتب الستة إلا خمسة أحاديث فقط،
حديث الباب عند الشيخين، والمصنف، وحديث في الصلاة عندهم إلا ابن ماجه،
وحديث ((ألا أخبركم بأهل الجنة ... )) عندهم إلا أبا داود، وحديث الحوض عند
الشيخين، وحديث ((لا يدخل الجنة الْجَوَّاظ ... )) عند أبي داود انظر ((تحفة الأشراف))
١٢/١٠/٣ . والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ حَارِثَةً) بن وهب الخزاعيّ ◌َثُمِ أنه (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ يَقُولُ:
(تَصَدَّقُوا) أَمَرٌ بالصدقة، ثم عّل الأمر بها بالفاء التعليليّة، فقال (فَإِنَةً سَيَأْتِي عَلَيْكُمْ
زَمَانٌ، يَمْشِي الرَّجُلُ بِصَدَقَتِهِ) طالبًا للمحتاج حتى يدفعها إليه (فَيَقُولُ الَّذِي يُعْطَاهَا)
بالبناء للمفعول، والنائب عن الفاعل ضمير الموصول، والمنصوب يعود إلى الصدقة،
والمعنى: يقول الذي يُراد أن يُعطَى الصدِقة، أي يريد المتصدّق إعطاءه إيّاها (لَوْ جِثْتَ
بِهَا بِالْأَمْسِ قَبِلْتُهَا) لاحتياجي إليها فيه (فَأَمَّا الْيَوْمَ فَلَا) وفي رواية البخاريّ: ((فلا حاجة
لي بها))، وفي أخرى: «فيها)). والظاهر أنّ ذلك يقع في آخر الزمان، حين يَفيض المال،
كثرةً، عند قرب الساعة، ومن ثمّ أورده البخاريّ رحمه اللّه تعالى في ((كتاب الفتن))؛
لأن كثرة المال من الفتن. ويدلّ عليه حديث أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه، ((قال:
قال النبي ◌ُّيقول: ((لا تقوم الساعة حتى يكثر فيكم المال، فَيَفِيضَ، حتى بُهُمّ ربَّ المال،
من يقبل صدقته، وحتى يَعرِضَهِ، فيقول الذي يَعرِضه عليه: لا أرب لي)). متّفق عليه.
وحديثُ أبي موسى رضي الله عنه، عن النبي وََّ، قال: ((ليأتينّ على الناس زمان،
يطوف الرجل فيه بالصدقة، من الذهب، ثم لا يجد أحدا يأخذها منه، ويُرَى الرجلُ
الواحد، يتبعه أربعون امرأة، يَلُذْنَ به، من قِلَّةِ الرجال، وكثرة النساء)). متّفق عليه.
وقال ابن التين رحمه الله تعالى: إنما يقع ذلك بعد نزول عيسى عليه السلام، حين
تُخْرِجُ الأرض بركاتها، حتّى تُشبع الرُّمّانةُ أهل البيت، ولا يبقى في الأرض كافر انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله ابن التين رحمه اللّه تعالى محتملٌ.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث حارثة بن وهب رضي اللّه تعالى عنه هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا - ٢٥٥٥/٦٤ - وفي ((الكبرى)) ٢٣٣٦/٦٦. وأخرجه (خ) في ((الزكاة))
١٤١١ (م) في ((الزكاة)) ١٠١١ (أحمد) في ((مسند الكوفيين)) ١٨٢٥١. والله تعالى أعلم.

٤٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما بوّب له المصنّف رحمه اللّه تعالى، وهو الحثّ على الصدقة (ومنها):
استحباب المبادرة إلى الخير قبل فوات وقته (ومنها): أن فيه علمًا من أعلام النبوّة،
حيث أخبر النبيّ وَّه بما سيقع في آخر الزمان (ومنها): أن فيه دلالة على أن فتح الدنيا
لا خير فيه؛ لأنه لو كان فيه خير لكان زمان النبيّ وَّر، وزمان أصحابه، والتابعين تُفتح
فيه الدنيا أكثر من آخر الزمان، فدلّ على أنه من جملة الفتن التي تقع عند قرب الساعة،
نسأل الله تعالى أن يجنّبنا الفتن، ما ظهر منها، وما بطن، إنه سميع قريب مجيب
الدعوات، وغافر السيّئات آمين. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب)).
٦٥ - (الشَّفَاعَةُ فِي الصَّدَقَةِ)
أي هذا باب ذكر الحديثين الدّالّين على مشروعيّة الشفاعة في الصدقة، وأن ذلك
ليس من المسألة المذمومة الآتي بيانها في باب ((المسألة))، إن شاء اللّه تعالى.
ومعنى الشفاعة في الصدقة أن يشفع الشخص للفقير عند الغنيّ حتى يدفع إليه
الصدقة. والله تعالى أعلم بالصواب.
٢٥٥٦ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْتِى، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ:
أَخْبَرَنِي أَبُو بُرْدَةَ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ جَدِهِ أَبِي بُزْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ
وَِّ، قَالَ: ((اشْفَعُوا، تُشَفَّعُوا، وَيَقْضِي اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، عَلَى لِسَانِ نَبِّهِ مَا شَاءَ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١- (محمد بن بشار) بندار البصريّ الثقة الحافظ [١٠]٢٧/٢٤.
٢- (يحيى) بن سعيد القطان الإمام الحجة الثبت [٩]٤/٤.
٣- (سفيان) بن سعيد الإمام الثبت الحجة [٧]٣٧/٣٣ .
٤- (أبو بُزْدة) هو: بُريد بن عبد الله بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعريّ الكوفيّ،
ثقة يخطىء قليلًا [٦]١٥٠٣/٢٥.
٥- (أبو بردة) بن أبي موسى الأشعري الكوفي، اسمه: عامر، وقيل: الحارث، ثقة
[٣]٣/٣ .

٤٩
٦٥ - (الشَّفاًعَةُ فِي الصَّدقةِ) - حديث رقم ٢٥٥٦
٦- (أبو موسى الأشعري) عبد الله بن قيس بن سُليم بن حضار الصحابي الشهير،
توفي سنة (٥٠) وقيل: بعدها، وتقدم ٣/٣ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال
الصحيح، وأن شيخه هو أحد التسعة الذين روى عنهم أصحاب الكتب الستة بلا
واسطة. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين من سفيان، وشيخه، ويحيى بصريان.
(ومنها): أن فيه رواية الراوي، عن جده، عن أبيه. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي مُوسَى) الأشعريّ رضي اللَّه تعالى عنه (عَنِ النَّبِّنََّ) أنه (قَالَ: ((اشْفَعُوا) وفي
رواية البخاريّ: ((أنه كان إذا أتاه السائل، أو صاحب الحاجة قال: ((اشفعوا، فلتؤجروا،
ولْيَقْضِ اللَّهُ على لسان رسوله ما شاء)). وفي رواية لمسلم: ((كان إذا أتاه طالب حاجة أقبل
على جلسائه، فقال: اشفعوا فلتؤجروا، وليقض اللَّه على لسان نبيه ما أحبّ)).
[تنبيه]: قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: وقع في أصل مسلم: ((اشفعوا تؤجروا))
بالجزم على جواب الأمر المضمّن معنى الشرط، وهو واضح، وجاء بلفظ:
((فلتؤجروا))، وينبغي أن تكون هذه اللام مكسورةً؛ لأنها لام ((كي))، وتكون الفاء زائدةً،
كما زيدت في حديث: ((قوموا فلأصلّ لكم))، ويكون معنى الحديث: اشفعوا كي
تؤجروا. ويحتمل أن تكون لام الأمر، والمأمور به التعرّض للأجر بالشفاعة، فكأنّه
قال: اشفعوا، فتعرّضوا بذلك للأجر، وتكسر هذه اللام على أصل لام الأمر، ويجوز
تسكينها تخفيفًا؛ لأجل الحركة التي قبلها.
قال الحافظ: ووقع في رواية أبي داود: ((اشفعوا لتؤجروا))، وهو يقوّي أن اللام للتعليل.
وجوّز الكرمانيّ أن تكون الفاء سببيّةً، واللام بالكسر، وهي لام ((كي))، قال: وجاز
اجتماعهما لأنهما لأمر واحد. ويحتمل أن تكون جزائيّةً جوابًا للأمر. ويحتمل أن تكون
زائدةً على رأيٍ، أو عاطفةً على ((اشفعوا))، واللام لام الأمر، أو على مقدّر، أي اشفعوا
لتؤجروا، فلتؤجروا، أو لفظ ((اشفعوا تؤجروا)) في تقدير: إن تشفعوا تؤجروا، والشرط
يتضمّن السبيّة، فإذا أُتي باللام وقع التصريح بذلك.
وقال الطيبيّ: الفاء، واللام زائدتان للتأكيد؛ لأنه لو قيل: اشفعوا تؤجروا صحّ، أي إذا
عَرَضَ المحتاجُ حاجته عليّ، فاشفعوا له إليّ، فإنكم إن شفعتم حصل لكم الأجر، سواء
قَبِلتُ شفاعتكم، أم لا، ويُجرِي الله تعالى على لسان نبيّه وَّ ما شاء، أي من موجبات

شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
قضاء الحاجة، أو عدمها، أي إنْ قضيتُها، أو لم أقضها، فهو بتقدير اللَّه تعالى وقضائه(١).
(تُشَفَّعُوا) بالبناء للمفعول، من التشفيع، أي تُقبَلْ شفاعتكم أحيانًا، فتكون سببًا لقضاء
حاجة المحتاج، فإذا قصدتم ذلك يكون لكم أجر على الشفاعة. وفي رواية ((الصحيحين)):
(اشفعوا تؤجروا))، وهي في حديث معاوية رضي اللّه تعالى عنه التالي، وهي ظاهرة.
والمعنى: اشفعوا يحصل لكم الأجر مطلقًا، سواء قُضيت الحاجة، أولا .
وما هنا أيضًا له وجه صحيحٌ، كما بيناه آنفًا. والله تعالى أعلم.
(وَيَقْضِي اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ) وفي رواية للبخاريّ: ((وليقض اللَّه))، وفي رواية لمسلم:
((فليقض)). قال القرطبيّ: لا يصحّ أن تكون هذه اللام لام الأمر؛ لأنّ اللَّه لا يُؤمر، ولا
لام ((كي))؛ لأنه ثبت في الرواية ((وليقض)) بغير ياء مدّ، ثم قال: يحتمل أن تكون بمعنى
الدعاء، أي اللَّهمّ اقض، أو الأمرُ هنا بمعنى الخبر. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الوجه الثاني عندي أظهر. والله تعالى أعلم.
(عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ) وَلِّ (مَا شَاءَ) أي إنّ اللّه سبحانه وتعالى يقضي للمشفوع له على
لسان نبيّه وَّل ما شاء من قضاء حاجاته، أو عدم قضائها، يعني أن المطلوب منكم
حصول الشاعة، حتى يحصل لكم الأجر، وأما قضاء الحاجة، وعدم قضائها فموكول
إلى الله سبحانه وتعالى.
قال النوويّ رحمه اللّه تعالى: فيه استحباب الشفاعة لأصحاب الحوائج المباحة،
سواء كانت الشفاعة إلى سلطان، ووالٍ، ونحوهما، أو إلى أحد من الناس، وسواء
كانت الشفاعة إلى سلطان في كفّ ظلم، أو إسقاط تعزيرٍ، أو في تخليص عطاء
لمحتاج، أو نحو ذلك، وأما الشفاعة في الحدود فحرامٌ، وكذا الشفاعة في تتميم
باطلٍ،" أو إبطال حقّ، ونحو ذلك، فهي حرامٌ انتهى(٢).
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: وهذه الشفاعة المذكورة في الحديث هي في
الحوائج، والرغبات للسلطان، وذوي الأمر والجاه، كما شهد به صدر الحديث،
ومَسَاقه، ولا يخفى ما فيها من الأجر والثواب؛ لأنها من باب صنائع المعروف، وكشف
الكرب، ومعونة الضعيف؛ إذ ليس كلّ أحد يقدر على الوصول إلى السلطان، وذوي
الأمر، ولذلك كان النبيّ وَّر يقول مع تواضعه، وقربه من الصغير والكبير؛ إذ كان لا
يحتجب، ولا يُحجَبُ: ((أبلغوني حاجة من لا يستطيع إبلاغها))(٣). وهذا معنى قوله
(١) - راجع ((الفتح)) ج١٢ ص٦٦ .
(٢) - راجع ((شرح مسلم)) ج١٦ ص٣٩٣ - ٣٩٤.
(٣) - أخرجه الطبرانيّ من حديث أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه، بلفظ: ((أبلغوا حاجة من لا
يستطيع إبلاغ حاجته، فمن أبلغ سلطانًا حاجة من لا يستطيع إبلاغها، ثبّت الله قدميه على
الصراط يوم القيامة)). وهو حديث ضعيف. انظر ضعيف الجامع الصغير)) ص٩ .

=
٥١
٦٥ - (الشَّفاَعَةُ فِي الصَّدقة) - حديث رقم ٢٥٥٦
تعالى: ﴿مَّن يَشْفَعْ شَفَعَةٌ حَسَنَّةُ يَكُنْ لَّهُ نَصِيبٌ مِنْهًا﴾ الآية [النساء: ٨٥].
قال القاضي: ويدخل في عموم الحديث الشفاعة للمذنبين، فيما لا حدّ فيه عند
السلطان وغيره، وله قبول الشفاعة فيه، والعفو عنه إذا رأى ذلك كلّه ، كما له العفو عن
ذلك ابتداءً، وهذا فيمن كانت منه الزّلّة والفلتة، وفي أهل الستر، والعفاف، وأما
المصرّون على فسادهم، المستهترون في باطلهم، فلا تجوز الشفاعة لأمثالهم، ولا تَركُ
السلطان عقوبتهم ليزدجروا عن ذلك، وليرتدع غيرهم بما يُفعَلُ بهم، وقد جاء الوعيد
بالشفاعة في الحدود انتهى كلام القرطبيّ رحمه اللّه تعالى(١).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: قوله: ((وقد جاء الوعيد إلخ)) أشار به إلى ما أخرجه
أحمد، وأبو داود وغيرهما بإسناد صحيح عن ابن عمر تطائها مرفوعًا: ((من حالت
شفاعته دون حدّ من حدود الله، فقد ضاذ اللَّه في أمره، ومن مات وعليه دين فليس ثَمَّ
دينار ولا درهم، ولكنها الحسنات والسيئات، ومن خاصم في باطل، وهو يعلم لم يزل
في سخط الله حتى يَنْزع، ومن قال في مؤمن ما ليس فيه، حُبسَ في ردغة الخَبَال، حتى
يأتي بالخرج مما قال))(٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي موسى الأشعريّ رضي اللّه تعالى عنه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٢٥٥٦/٦٥- وفي («الكبرى)) ٢٣٣٧/٦٧. وأخرجه (خ) في ((الزكاة))
١٤٣٢ وفي (الأدب)) ٦٠٢٧ و٦٠٢٨ وفي ((التوحيد)) ٧٤٧٦ (م) في ((البرّ والصلة))
٢٦٢٧ (د) في ((الأدب)) ٥١٣١ و٥١٣٢ (ت) في ((العلم)) ٢٦٧٢ (أحمد) في ((مسند
الكوفيين)) ١٩٠٨٧ و١٩١٦٣ و١٩٢٠٧ . والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو مشروعيّة الشفاعة في الصدقة
(ومنها): الحضّ على الخير بالفعل، وبالتسبب إليه بكلّ وجه (ومنها): الشفاعة إلى
الكبير في كشف كربة، ومعونة ضعيف؛ إذ ليس كلّ أحد يقدر على الوصول إلى
الرئيس، أولا يتمكّن لو دخل عليه، في توضيح مراده له؛ ليعرف حاله على وجهه،
(١) - راجع ((المفهم)) ج٦ ص ٦٣٢ - ٦٣٣.
(٢) أبو داود ٢/ ١١٧ والحاكم ٢٧/٢ وأحمد ٢/ ٧٠.

٥٢
=
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
وإلا فقد كان ◌ََّ لا يحتجب، ولا يُحجب عن ذوي الحاجات. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٥٥٧ - أَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنِ ابْنِ مُنَيِّهِ، عَنْ
أَخِيهِ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ نَّهِ، قَالَ: إِنَّ الرَّجُلَ لَيَسْأَلُنِي الشَّيْءَ،
فَأَمْتَعُهُ، حَتَّى تَشْفَعُوا فِيهِ، فَتُؤْجَرُوا، وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ بِ لِ قَالَ: ((اشْفَعُوا، تُؤْجَرُوا))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١- (هارون بن عبد اللَّه) الأيليّ السعدي مولاهم، أبو جعفر، نزيل مصر، ثقة فاضل
[١٠] ٢٤٨٨/٢٥ .
٢- (سفيان) بن عيينة، أبو محمد الكوفي، ثم المكيّ، ثقة ثبت حجة [٨] ١/١.
٣- (عمرو) بن دينار، أبو محمد الأثر الجمحي مولاهم المكيّ، ثقة ثبت [٤]
١٥٤/١١٢.
٤- (ابن منبه) هو: وهب بن منبه بن كامل بن سِيج بن ذي كِبار الذِّمَاريّ الأبناويّ-
بفتح الهمزة، وسكون الموحّدة، بعدها نون- أبو عبد الله اليمانيّ الصنعانيّ، ثقة [٣].
قال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: كان من أبناء فارس. وقال العجليّ: تابعيّ ثقة،
وكان على قضاء صنعاء. وقال أبو زرعة، والنسائيّ: ثقة. وذكره ابن حبّان في
(الثقات)). وقال عمرو بن عليّ الفلّاس: كان ضعيفًا(١).
وقال أحمد بن محمد بن الأزهر: سمعت مسلمة بن همّام بن مسلمة بن همّام بن
منبه، يذكر عن آبائه، قال: أصل منبّه من خراسان، من أهل هَرَاة، أخرجه كسرى من
هراة -يعني إلى اليمن- فأسلم في عهد النبيّ وَّر، فحسن إسلامه، فسكن ولده اليمن،
وكان وهب بن منبه يختلف إلى هراة، ويتفقّد أمرها. وقال أحمد، عن عبد الرزاق، عن
أبيه: حجّ عامّة الفقهاء سنة مائة، فحجّ وهب، فلما صلّوا العشاء أتاه نفرٌ فيهم عطاء،
والحسن، وهم يريدون أن يذاكروه القدر، قال: فافتنّ(٢) في باب من الحمد، فما زال
فيه حتى طلع الفجر، فافترقوا، ولم يسألوه عن شيء. قال أحمد: كان يُتّهم بشيء من
القدر، ثم رجع. وقال أحمد بن سلمة، عن أبي سنان: سمعت وهب بن منبه يقول:
كنت أقول بالقدر حتى قرأت بضعة وسبعين كتابًا من كتب الأنبياء في كلها: من جعل
إلى نفسه شيئًا من المشيئة، فقد كفر، فتركت قولي. وقال الجوزجانيّ: كان وهبٌ کتب
(١) - قال الجامع عفا الله تعالى عنه: تضعيف الفلاس تضعيفًا مجملًا مخالفا للجمهور لا يؤثّر في
وهب، فهو ثقة، فلیتنبه.
(٢) -يقال: افتنّ: أخذ في فنون من القول. انتهى ((القاموس)).

٥٣
٦٥ - (الشَّفاعةُ فِي الصَّدقةِ) - حدیث رقم ٢٥٥٧
كتابًا في القدر، ثم حُدّثت أنه نَدِم. وقال ابن عيينة، عن عمرو بن دينار: دخلت على
وهب داره بصنعاء، فأطعمني جَوزًا من جوزة في داره، فقلت له: وددت أنك لم تكن
كتبت في القدر، فقال: أنا واللَّه وددت ذلك.
قال إسحاق بن إبراهيم بن عبد الرحمن الْهَرَويّ: ولد سنة (٣٤) في خلافة عثمان
رضي الله تعالى عنه، وقال ابن سعد، وجماعة: مات سنة (١١٠) وقيل: (١٣) وقيل:
(١١٤) وقيل: (١١٦) وقيل: إن يوسف بن عمر ضربه حتى مات. روى له الجماعة،
سوى ابن ماجه، فأخرج له في التفسير، روى له البخاريّ حديثًا واحدًا في ((كتاب العلم))
من ((صحيحه))، وله عند المصنف في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا ٢٥٥٧ وأعاده
برقم ٢٥٩٣ و٤٣١١ حديث ((من سكن البادية جفا .. )) الحديث.
٥- (أخوه) همّام بن منبه بن كامل الأبناوي، أبو عقبة الصنعاني، ثقة [٤]٣٩٧/١.
٦ - (مُعَاوِيَةَ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ) صخر بن حرب بن أمّة الأمويّ، أبو عبد الرحمن الصحابيّ
ابن الصحابي رضي اللّه تعالى عنهما، أسلم قبل الفتح، وكتب الوحي، ومات في رجب
سنة (٦٠ هـ) وقد قارب (٨٠) تقدمت ترجمته في ٢٩٤/٢٨٦ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال
الصحيح. (ومنها): أن فيه رواية الأخ عن أخيه، وتابعي عن تابعي. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ) رضي اللَّه تعالى عنهما (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بِ، قَالَ: إِنَّ
الرَّجُلَ لَيَسْأَلُنِي الشَّيْءَ) هذا صريحٌ في كونه مرفوعًا، ورواية أبي داود صريحة في
الوقف، ولفظه: عن معاوية: اشفعوا تؤجروا، فإني لأريد الأمر فأؤخره، كيما تشفعوا،
فتؤجروا، فإن رسول اللَّه وَالله قال: ((اشفعوا تؤجروا)).
وقال السنديّ رحمه الله تعالى: اللفظ صريح في الرفع، لكن السوق يقتضي أنّ
قوله: ((إن الرجل ليسألني الخ)) من قول معاوية، وإنما المرفوع: ((اشفعوا تؤجروا))،
وهو الموافق لما في بعض روايات أبي داود، وهو مقتضى سوق روايته المشهورة،
وسوقها أقوى في اقتضاء الوقف، والله تعالى أعلم انتهى(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لا مانع من رفع الجزأين: ((إن الرجل ليسألني الخ)»،
و(اشفعوا تؤجروا))، ورواية أبي داود المذكورة، لا تنافي ذلك؛ لاحتمال أن يكون
(١) - راجع ((شرح السنديّ)) ج٥ ص٧٨ .

٥٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
معاوية رواه مرفوعًا تارة، وقاله من نفسه تارةً أخرى. والله تعالى أعلم.
(فَأَمْنَعُهُ، حَتَّى تَشْفَعُوا فِيهِ، فَتُؤْجَرُوا) فيه كمال شفقة النبيّ ◌ََّ، حيث إنه، وإن كان
يريد قضاء حاجة المحتاج، إلا أنه يحبّ مشاركة الصحابة في الأجر، فيؤخر قضاءها
حتى يشفع له إليه بعض الصحابة، فيحصلَ له الأجر (وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلِ قَالَ:
(اشْفَعُوا، تُؤْجَرُوا))) تقدّم شرح هذه الجملة في الحديث الماضي. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث معاوية بن أبي سفيان رضي اللَّه تعالى عنهما هذا صحيح.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٦٥/ ٢٥٥٧- وفي ((الكبرى)) ٢٣٣٨. وأخرجه (د) في ((الأدب)) ٥١٣٢.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب)).
٦٦- (الاخْتِيَالُ فِي الصَّدَقَةِ)
أي هذا باب ذكر الحديثين الدّالّين على حكم الاختيال في حال دفع الصدقة
لمستحقها .
و((الاختيال)) مصدر اختال الرجلُ: إذا تكبّر، وأُعْجِبَ بنفسه. وأشار المصنّف رحمه
الله تعالى بالترجمة إلى أن الاختيال في الصدقة نوعان:
(أحدهما): محمود، وهو الذي دلّ عليه الحديث الأول، كما سيأتي إيضاحه.
(الثاني): مذموم، وهو الذي دلّ عليه الحديث الثاني، كما سيأتي إيضاحه أيضًا، إن
شاء اللَّه تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب.
٢٥٥٨ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ حَدَّثَنَا
الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ يَخْتِىِ ابْنِ أَبِي كَثِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيِمِيُّ،
عَنِ ابْنِ جَابِرٍ، عَنْ أَبِهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((إِنَّ مِنَ الْغَيْرَةِ مَا يُحِبُّ اللَّهُ عَزَّ
وَجَلَّ، وَمِنْهَا مَا يُبْغِضُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَمِنَ الْخُيَلَاءِ مَا يُحِبُّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَمِنْهَا مَا

٥٥
٦٦ - (الاختِيَالُ فِي الصَّدقة) - حديث رقم ٢٥٥٨
يَبْغُضُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، فَأَمَّا الْغَيْرَةُ الَّتِي يُحِبُّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، فَالْغَيْرَةُ فِي الرِّبَةِ، وَأَمَّا الْغَيْرَةُ
الَّتِي يُبْغِضُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، فَالْغَيْرَةُ فِي غَيْرٍ رِيبَةٍ، وَالإِخْتِيَالُ الَّذِي يُحِبُّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ،
احْتِيَالُ الرَّجُلِ بِنَفْسِهِ عِنْدَ الْقِتَالِ، وَعِنْدَ الصَّدَقَةِ، وَالإِخْتِيَالُ الَّذِي يُبْغِضُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ،
الْخُيَلَاءُ فِي الْبَاطِلِ»).
رجال هذا الإسناد: سبعة :
١- (إسحاق بن منصور) الكوسج، أبو يعقوب المروزيّ الثقة الثبت [١١]٨٨/٧٢.
٢- (محمد بن يوسف) الفريابيّ الثقة الفاضل [٩]١٤ /٤١٨.
٣- (الأوزاعي) عبد الرحمن بن عمرو الإمام الحجة المشهور [٧] ٥٦/٤٥ .
٤- (يحيى بن أبي كثير) صالح بن المتوكل الطائي مولاهم، أبو نصر اليمامي، ثقة
ثبت، يدلسُ، ويرسل [٥]٢٤/٢٣.
٥- (محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي) أبو عبد الله المدني، ثقة له أفراد[٤]٦٠/
٧٥ .
والباقيان يأتي الكلام فيهما قريبًا. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سباعيات المصنف رحمه اللَّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال
الصحيح، غير جابر، وابنه. (ومنها): أن فيه رواية ثلاثةٍ من التابعين بعضهم عن بعض :
يحيى عن محمد بن إبراهيم، عن ابن جابر. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ ابْنِ جَابِرٍ) لم يُسَمَّ، وقد ذكروا في ترجمة جابر بن عَتِيك، أنه روى عنه ابناه، أبو
يوسف، وعبد الرحمن، فأما أبو يوسف، فلم أر من ترجمه، وأما عبد الرحمن، فقال
عنه ابن القطّان الفاسيّ: مجهول، كما في ((تهذيب التهذيب)) جـ ٢ ص٤٩٦.
والحاصل أن ابن جابر هذا مجهول (عَنْ أَبِيهِ) جابر بن عَتِيك بن قيس الأنصاريّ
الصحابيّ المشهور رضي اللَّه تعالى عنه، اختُلِف في شهوده بدرًا، مات سنة (٦١هـ)
وهو ابن (٩١) سنة، تقدّمت ترجمته في ١٨٤٦/١٤، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ: ((إِنَّ
مِنَ الْغَيْرَةِ) - بفتح، فسكون -: الْحَمِيَّةُ والأَنَفَة، يقال: رجلٌ غَيورٌ، وامرأةٌ غَيُّور، بلا
هاء؛ لأنّ فَعُولًا يشترك فيه الذكر والأنثى. قاله ابن الأثير(١) . وقال الفيّوميّ: وغار
(١) - ((النهاية في غريب الحديث)) ج٣ص٤٠١.

= ٥٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
الرجل على امرأته، والمرأة على زوجها يَغار، من باب تَعِب غَيرًا، وغَيْرَةٌ - بالفتح-
وغَارًا. قال ابن السّكّيت: ولا يقال: غِيرًا، وغِيَّرَةً - بالكسر- فالرجل غَيورٌ، وغَيْرانُ،
والمرأة غَيورٌ أيضًا، وغَيْرَى، وجمع غَيُورٍ غُيُرٌ، مثلُ رَسُولٍ ورُسُل، وجمع غَيْرَان، وغَيْرَى
غُيَارى - بالضمّ، والفتح - وأغار الرجل زوجته: تزوّج عليها، فغارت عليه انتهى(١).
(مَا يُحِبُّ) بضمّ حرف المضارعة، من أحبّه يُحبّه، وفي لغة قليلة: حبّه يَحبّه،
ثلاثيًّا، من بابي نصر، وضرب، حبًّا بالضمّ (اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَمِنْهَا مَا يَبْغُضُ) بضمّ الياءِ،
من الإبغاض، يقال: بَغُض الشيءُ، ككرم، ونصر، وفرِح، بَغَاضةً، فهو بَغِضٌ،
ويتعدّى بالألف، فيقال: أبغضته إيغاضًا، فهو مُبغَضٌ، ولا يقال: بَغَضته بغير ألف،
والاسم الْبُغْضُ. أفاده في ((المصباح))، و((القاموس)). وما هنا من المتعدي، فيجب ضمّ
حرف المضارعة منه. والبُغض: ضدّ الحبّ (اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَمِنَ الْخُيَلَاءِ) -بضمْ،
ففتح -: التكبّر (مَا يُحِبُّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَمِنْهَا مَا يَبْغُضُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ) وعائد الموصول
في الفعلين وكذا فيما بعدُ محذوف: أي ما يحبه، ويبغضه (فَأَمَّا الْغَيْرَةُ الَّتِي يُحِبُّ اللَّهُ عَزَّ
وَجَلَّ، فَالْغَيْرَةُ فِي الرِيبَةِ) بكسر الراء: أي موضع الظنّ والشّكّ، وجمعها رِيَبٌ، مثلُ
سِذْرة وسِدَرٍ. يقال: رابني الشيءُ يَرِيبني رَيْبًا، من باب باع يَبِيع: إذا جعلك شاكًا.
وقال أبو زيد: رابني من فلانٍ أمرٌ يَريبني ريبًا: إذا استيقنت منه الرِّيبةَ، فإذا أسأت به
الظنّ، ولم تستيقن منه الرِّيبة قلتَ: أرابني منه أمرٌ هو فيه إرابةً. وأراب فلانٌ إرابةً، فهو
مُرِيبٌ: إذا بلغك عنه شيءٌ، أو توهّمته. وفي لغة هُذَيلِ: أرابني بالألف، فَرِبْتُ أنا،
وارتبتُ: إذا شككتَ، فأنا مرتاب، وزيدٌ مرتابٌ منه، والصلةُ فارقةٌ بين الفاعل
والمفعول. أفاده الفيّوميّ.
ومعنى الحديث: أنّ الغَيْرَة في محلّ الظّنّ والشكّ، نحو أن يغار الرجل على زوجته
أن تُظهِر محاسنها، وزينتها عند من لا يحلّ لها الإظهار عنده، أو نحو ذلك، أو على
محارمه إذا رأى منهنّ فعلًا غير مشروع مع الأجانب، فإن ذلك مما يُحبّه اللَّه تعالى؛
لظهور فائدته، وهي الرهبة والانزجار.
وفي حديث ابن مسعود رضي اللَّه تعالى عنه، مرفوعًا: ((ما أحدٌ أغير من الله، من
أجل ذلك حرّم الفواحش)). متفقٌ عليه، وفي لفظ لمسلم: ((ولذلك حرّم الفواحش ما
ظهر منها، وما بطن)).
(وَأَمَّا الْغَيْرَةُ الَّتِي يُبْغِضُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، فَالْغَيْرَةُ فِي غَيْرِ رِيبَةٍ) كأن يغار الرجل على أمه
(١) - ((المصباح المنير)).

٥٧
٦٦ - (الاختیالُ فِي الصَّدقةِ) - حدیث رقم ٢٥٥٨
أن تنكح زوجًا بعد أبيه مثلًا، وكذلك سائر محارمه، فإنّ هذا مما يُبغضه اللَّه تعالى؛
لأنه مما يورث البغضاء، والحقد بين الأرحام، والأصدقاء، ولأنّ ما أحلّه اللَّه تعالى
الواجب فيه الرضا به، فإذا لم يَرْضَ به كان ذلك من آثار حميّة الجاهليّة التي جاء الشرع
بمحاربتها، وإزالتها، وهو مناف لمقتضى الإيمان، قال اللَّه تعالى: ﴿فَلَ وَرَبِّكَ لَا
يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكْمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِى أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ
وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥].
(وَالإِخْتِيَالُ الَّذِي يُحِبُّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، اخْتِيَالُ الرَّجُلِ بِنَفْسِهِ عِنْدَ الْقِتَالِ) أي إظهاره
الاختيال والتكبّر في نفسه، وذلك أن يمشي مشي المتكبّرين، ويُقبل على الحرب،
ويدخل في المعركة بنشاط النفس، وقوّة القلب، وإظهار الْجَلادة، والتبختر فيه،
والاستهانة، والاستخفاف بالكفّار؛ لما في ذلك من إدخال الرعب والرَّهْبَة في قلوب
أولياء الشيطان، وإدخال النشاط والرغبة في قلوب أولياء الرحمن (وَعِنْدَ الصَّدَقَةِ) هو أن
تُهزّه سجيّة السخاء، فيُعطيها المستحقّ بطيب نفس، وانشراح صدر، وانبساط وجه، فلا
يَمُنُّ، ولا يستكثر كثيرًا، ولا يُبالي بما أعطى، ولا يُعطي منها شيئًا، إلا وهو مستقلّ؛
وذلك لأنه يكون سببًا للاستكثار، والرغبة في الزيادة منها (وَالإِخْتِيَالُ الَّذِي يَبْغُضُ اللَّهُ
عَزَّ وَجَلَّ، الْخُيَلَاءُ) بضمٌ، ففتح، ويروى بكسرٍ، ففتح: الكبر، والإعجاب (فِي
الْبَاطِلِ))) وفي لفظ أبي داود ((فاختياله في البغي))، وفي لفظ له: ((فاختياله في الفخر)).
ومعنى الخيلاء في الباطل، أن يذكر الرجل أنه قتل فلانًا ظلمًا، وأخذ مال فلان
ظلمًا، يتطاول بذلك على أقرانه، ويظهر الشجاعة لهم، أو يَصدُر منه الاختيال في حال
البغي على مال الرجل، أو نفسه.
وأما الاختيال في الفخر، نحو أن يذكر ما له من الحَسَب، والنسب، وكثرة المال،
والجاه، والشجاعة، والكرم؛ لمجرّد الافتخار، ثم يحصل منه الاختيال عند ذلك، فإن
مثل هذا الاختيال مما يُبغضه اللَّه تعالى أيضًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث جابر بن عتيك رضي اللّه تعالى عنه هذا صحيحٌ.
[فإن قلت]: في سنده ابن جابر، وهو مجهول، كما تقدّم، فكيف يصحّ؟.
[قلت]: للحديث شاهد، فقد أخرجه ابن ماجه بسند صحيح في ((سننه))، فقال:
١٩٩٦ - حدثنا محمد بن إسمعيل، حدثنا وكيع، عن شيبان، أبي معاوية، عن يحيى

٥٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
ابن أبي كثير، عن أبي سهم، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللّه وَله: ((من الْغَيْرة ما
يحب الله، ومنها ما يكره اللَّه، فأما ما يحب، فالغيرة في الريبة، وأما ما يكره، فالغَيْرَة
في غير ريبة)).
فهذا إسناد صحيح، رجاله رجال الصحيح، غير شيخه محمد بن إسماعيل
الأحمسيّ، وهو ثقة أيضًا.
[تنبيه]: قوله: ((أبو سهم))، وفي نسخة: ((أبو شهم)) بالمعجمة، غلطٌ، والصواب:
((أبو سلمة))، وهو ابن عبد الرحمن بن عوف الفقيه الحجة المدنيّ المشهور، كما بينه
الحافظ المزيّ في ((تحفة الأشراف)) ج١١ص٨٣ وكذا في ((تهذيب الكمال)) ج٣٣
ص٤٠٧ و(تهذيب التهذيب)) ج٤ ص٥٣٧ و(تقريب التهذيب)) ص٤١١ .
وأخرجه أحمد في ((مسنده))، من حديث عقبة بن عامر الجهنيّ رضي اللّه تعالى عنه،
فقال :
١٦٩٤٧ - حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن زيد بن
سَلّام، عن عبد الله بن زيد الأزرق، عن عقبة بن عامر الْجُهَنيّ، قال: قال رسول اللَّه
وَالر: ((غيرتان: إحداهما يحبها الله عز وجل، والأخرى يبغضها الله، ومَخِيلتان
إحداهما يحبها الله عز وجل، والأخرى يبغضها الله، الغيرة في الرمية(١) ، يحبها اللَّه
عز وجل، والغيرة في غيره، يبغضها الله، والمخيلة إذا تصدق الرجل، يحبها الله،
والمخيلة في الكبر يبغضها الله)). انتهى.
فهذا الإسناد رجاله رجال الصحيح، غير عبد الله بن زيد بن الأزرق، وقد وثقه ابن
حبّان، فمثله يصلح في الاستشهاد.
والحاصل أنّ حديث الباب صحيح؛ لما ذُكِر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٢٥٥٨/٦٦- وفي ((الكبرى)) ٢٣٣٩/٦٨. وأخرجه (د) في ((الجهاد))
٢٦٥٩ (أحمد) في ((مسند الأنصار)) ٢٢٢٣٥ و٢٢٢٤٠ و٢٢٢٦ . والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما بوّب له المصنف رحمه اللّه تعالى، وهو جواز الاختيال في الصدقة،
بمعنى أن تهزّه أَزْيَحِيّة (٢) السخاء، فيعطي طيّبة بها نفسه، فلا يستكثر كثيرًا، ولا يُعطي
(١) - هكذا نسخة ((المسند): ((في الرمية))، والظاهر أنه مصحف من ((الريبة)). والله تعالى أعلم.
(٢) - الأَزْيَجِيّ: الواسع الْخُلُق، وأخذته الأَرْبحيّة: ارتاح للنّدَى. قاله في ((القاموس).

٦٦ - (الاختِيَالُ فِي الصَّدقةِ) - حدیث رقم ٢٥٥٩
=
٥٩
منها شيئًا، إلا وهو مستقلّ، فلا تنافي بين الاختيال المذكور هنا، والاختيال الآتي في
الحديث التالي.
(ومنها): أن الغيرة على المحارم محمودة إذا ظهر للشخص أمارات منهنّ مما يوقع
في الريبة (ومنها): أن الغيرة عليهنّ مذمومة، وذلك إذا لم تقم قرينة على الريبة، بل
لمجرّد الشكّ فقط (ومنها): أن الاختيال في الحرب محمود؛ لما فيه من إرهاب أعداء
الدين، وتنشيطٍ للمسلمين المجاهدين (ومنها): أن الاختيال في الباطل حرام. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٥٥٩ - أَخْبَرَنَا أَخْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ،
عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَليهِ: ((كُلُوا، وَتَصَدَّقُوا،
وَالْبَسُوا، فِي غَيْرِ إِسْرَافٍ، وَلَا مَخِيلَةٍ)).
رجال هذا الإسناد : سبعة:
١- (أحمد بن سليمان) بن عبد الملك، أبو الحسين الرُّهاويّ، ثقة حافظ [١١]٣٨/
٤٢ من أفراد المصنّف.
٢- (يزيد) بن هارون السلمي مولاهم، أبو خالد الواسطيّ ، ثقة متقن عابد
[٩]٢٤٤/١٥٣ .
٣- (همّام) بن يحيى بن دينار الْعَوْذيّ البصريّ، ثقة ربما وهم [٧]٤٦٥/٥.
٤- (قتادة) بن دعامة البصري الثقة الثبت الحجة، لكنه يدلس [٤]٣٤/٣٠.
٥- (عمرو بن شعيب) بن محمد المدني، أوالطائفي، صدوق [٥]١٤٠/١٠٥.
٦ - (أبوه) شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، صدوق، ثبت سماعه
من جدّه عبد الله بن عمرو رضي اللّه تعالى عنهما [٣] تقدم في ١٤٠/١٠٥.
٧- (جدّه) عبد الله بن عمرو بن العاص الصحابي ابن الصحابي رضي اللَّه تعالى
عنهما، تقدم ٨٩/ ١١١ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سباعيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم ثقات.
(ومنها): أن فيه رواية الراوي عن أبيه، عن جده، وتابعي، عن تابعي. والله تعالى
أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ) شعيب بن محمد بن عبد الله (عَنْ جَدِهِ) عبد الله بن

٦٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
عمرو بن العاص، فالضمير لشعيب، لا لعمرو، فتنبه، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّ:
((كُلُوا) أي جميع أنواع الطيّبات، فحذف المفعول لإرادة التعميم، فهو كقوله تعالى:
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُلُوا مِن طَيَِّتِ مَا رَزَقْتَكُمْ﴾ الآية [البقرة: ١٧٢]، والأمر للإباحة
(وَتَصَدَّقُوا) أي على المحتاجين، من الفقراء والمساكين، فحذف المفعول أيضًا؛ لما
ذُكر (وَالْبَسُوا) أي الحلال، من أنواع الملابس (فِي غَيْرِ إِسْرَافٍ) قيد في الثلاثة، وكذا ما
بعده، فإباحة الأكل، واللبس، والصدقة مشروطة بالخلوّ من الإسراف، والخيلاء.
والإسراف: هو إنفاق المال الكثير في الغرض الخسيس. وقيل: صرف شيء فيما
ينبغي زيادةً على ما ينبغي، بخلاف التبذير، فإنه صرف الشيء فيما لا ينبغي. كذا قاله
الجرجانيّ. وقال أبو البقاء الكفويّ: الإسرافُ: تجاوز في الكميّة، فهو جهلٌ بمقادير
الحقوق. والتبذير: تجاوز في موضع الحقّ، فهو جهل بمواقعها، يرشد إلى هذا قوله
تعالى في تعليل الإسراف: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: ٣١] وفي تعليل التبذير:
﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِنَ كَانُواْ إِخْوَنَ الشَّيَاطِينِ﴾ الآية [الإسراء: ٢٧] انتهى(١).
(وَلَا مَخِيلَةٍ))) بفتح الميم، وكسر الخاء المعجمة: بمعنى الْخُيَلاء، أي من غير تكبر،
وفخر، وتطاول على الناس.
وحاصل المعنى أنه أباح الأكل، واللبس، والتصدق، إذا لم يُتَجَاوَز بها الحدّ
المشروع، وهو معنى الإسراف، وخلا ذلك عن الخيلاء، وإلا حرم الجميع. والله
تعالى أعلم.
[فإن قلت]: هذا الحديث يعارض الحديث الذي قبله، فإن هذا يدلّ على تحريم
الخيلاء في الصدقة، وذاك يدلّ على مدحه فيها، فكيف التوفيق بينهما؟ .
[قلت]: لا تعارض بينهما؛ لأن المراد بالاختيال هناك أن يكون طيّب النفس،
منشرح الصدر، منبسط القلب، لا يستكثر، ولا يمنّ، بخلافه هنا، فإنه التكبّر على
الفقراء، ورفع نفسه عنهم، والتطاول بلسانه عليهم، والمنّ بما أعطاه لهم، والإعجاب
بنفسه، وحبّ المحمدة على فعله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،
وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه صحيح.
(١) - ((الكليات)) لأبي البقاء الكفويّ ص ١١٣.