Indexed OCR Text
Pages 1-20
شرح مُْ النَّسَائِيّ المُسَمَّى ذَخِيرَة الْعُقْبَى فِي شَرَّح المُجْتَبَى لجامِعِه الفَقِيُ إلى مَؤُلَهِ الفَنِيّالقَدِير مَّ بِ الشّيخ العَامَة ◌َ بْ آدَمْبُوَ الْأُوْنِى الْوَلَّوِّ المُرّسْ بَدَارُ الحَديث الخيريَّةِ بمكّة المكرّمة عَفَا اللّه عَنْه وَعَنْ وَالَيُّه آمِينٌ الجزء الثالث والعشرون مَكتب تنسيق وتحمر يج وتحقيق عَ زَخِصْ عُلاء قيم: ٠ ٢٥٢٤ دَارَآلْ بُروم للنشر وَالتّوزيع ٠٣٠. جميع الحقوق محفُوظُعَّة الطّبَعَّة الأولى ١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣م وَازُالْ بُرُويُمْ لِلنِرِوَالتَّريخ المملكة العَربيّة السّعوديّة - مكّة المكرّمة - المكتب الرئيسيّ التّعيم صَبْ: ٠٤١٤٥ (تلفاكس ٥٢١١٥٧٦ - حوال ٠٥٥٥٤١٠٢٦) شرح سفرلنَّّائي بسمالله الرحمن الرحيم ٦٠ - (بَابٌ أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟) - حديث رقم ٢٥٤٢ ٦٠- (بَابٌ أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟) ٢٥٤٢ - أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عُمَارَةَ ابْنِ الْقَعْقَاعِ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟، قَالَ: ((أَنْ تَصَدَّقَ، وَأَنْتَ صَحِيحٌ، شَحِيحٌ، تَأْمُلُ الْعَيْشَ، وَتَخَشَى الْفَقْرَ))). رجال هذا الإسناد: ستة: ١- (محمود بن غيلان) أبو أحمد المروزي، نزيل بغداد، ثقة [١٠] ٣٧/٣٣ . ٢- (وكيع) بن الجرّاحن أبو سفيان الرؤاسي الكوفين ثقة حافظ[٩] ٢٥/٢٣. ٣- (سفيان) بن سعيد الثوري الكوفي الإمام الثقة الحجة [٧]٣٧/٣٣ . ٤- (عمارة بن القعقاع) بن شُبرمة الضبي الكوفي، ثقة [٦]٦٠/٤٨. ٥- (أبو زرعة) هرم بن عمرو، وقيل: غيره البجلي الكوفي، ثقة [٣]٥٠/٤٣ . ٦- (أبو هريرة) رضي اللّه تعالى عنه ١/١ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه اللّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين غير شيخه فمروزيٍّ. (ومنها): أن فيه أبا هريرة تَظّمه من المكثرين السبعة روى (٥٣٧٤) حديثًا. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رَّهِ، أنه (قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ) قال الحافظ: لم أقف على تسميته، ويحتمل أن يكون أبا ذرّ ◌َظنّه، ففي ((مسند أحمد)) عنه، أنه سأل أيّ الصدقة أفضل؟، لكن في الجواب: ((جهدٌ من مقلّ، أو سرِّ إلى فقير)). وكذا رواه الطبرانيّ من حديث أبي أمامة، أنّ أبا ذرّ سأل، فأجيب انتهى. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الاحتمال فيه بُعدٌ، لاختلاف الجوابين، فالظاهر أن السائل هنا غير أبي ذرّ رَّ . والله تعالى أعلم. (أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟) مبتدأ وخبر. وفي رواية البخاريّ، من طريق عبد الواحد بن زياد، عن عمارة بن القعقاع: ((أيّ الصدقة أعظم أجرًا؟ . (قَالَ) وَلِّ ((أَنْ تَصَدَّقَ) يحتمل أن يكون بتشديد الصاد المهملة، وأصله: تتصدّق، فأدغمت التاء بعد قلبها في الصاد. ويحتمل أن يكون بتخفيف الصاد، وحذف إحدى ٦ === شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ التاءين، وأصله تتصدّق، كما قال ابن مالك رحمه اللّه تعالى في ((الخلاصة)): وَمَا بِتَاءَيْنِ ابْتُدِي قَدْ يُقْتَصَرْ فِيهِ عَلَى تَا كَتَبَيَّنُ الْعِبَزْ وهو في تأويل المصدر خبر لمحذوف، أي هي صدقتك، أو مبتدأ خبره محذوفٌ: أي صدقتك، وأنت صحيح الخ أفضل أنواع الصدقة. والله تعالى أعلم. (وَأَنْتَ صَحِيحٌ) جملة من مبتدأ وخبر في محلّ نصب على الحال، أي والحال أنك صحيح. والمراد بالصحيح في هذا الحديث من لم يدخل في مرض مخوف. كذا قيل. (شَحِيحٌ) صفة ((صحيح))، أو خبر بعد الخبر، أي من شأنه الشّحّ للحاجة إلى المال. وقال ابن الملك: قوله: ((شحيح)) تأكيد، وبيانٌ ل((صحيح))؛ لأن الرجل في حال صحّته يكون شحيحًا. وفي رواية للبخاريّ في ((الوصايا)): ((وأنت صحيح حريصٌ)). قال في ((القاموس)): الشخّ -مثلثة -: البخل والحرص. انتهى. وفي ((اللسان)): الشُّخْ - أي بالضمّ - والشَّحَّ - أي بالفتح -: البُخْلُ، والضمّ أعلى. وقيل: هو البخل مع الحرص، وفي الحديث: ((إيّاكم والشّخ)). والشخّ أشدّ البخل، وهو أبلغ في المنع من البخل. وقيل: البخل في أفراد الأمور، وآحادها، والشحّ عامّ. وقيل: البخل بالمال، والشحّ بالمال والمعروف. انتهى. وقال في ((المصباح)): شحَّ يَشِخُ، من باب قتل، وفي لغة من بابي ضرب، وتَعِبَ، فهو شَحِيحٌ، وقومٌ أشحَاءُ، وأشخّة انتهى. وقال في ((الفتح)): قال صاحب ((المنتهى)): الشّحّ: بُخلّ مع حرص. وقال صاحب ((المحكم)): (الشّحَ)) مثلّثْ الشين، والضمّ أعلى. وقال صاحب ((الجامع)): كأنّ الفتح في المصدر، والضمّ في الاسم. (تَأْمُلُ الْعَيْشَ) أي ترجو الحياة. قال في ((القاموس)): الأَمَلُ، كجَبَلٍ، ونَجْم، وشِبْرِ: الرجاء، جمعه آمالٌ، وأَمَلَهُ أَمْلًا، وأَمَّلَه: رجاه انتهى. وقال في ((المصباح)): أَمِّل يأمُلُ أَمَلًا، من باب طَلَب: ترَقّبه، وأكثر ما يُستعمل الأمَلُ فيما يُستبعَدُ حصوله، قال كعب بن زُهَير بن أبي سُلْمَى [من البسيط]: أَرْجُو وَآَمُلُ أَنْ تَذْنُو مَوَدَّتُهَا وَمَا إِخَالُ لَدَيْنَا مِنْكِ تَثْوِيلُ ومَنْ عَزَمَ على السفر إلى بلد بعيدٍ يقول: أَمَلْتُ الوصولَ، ولا يقولُ: طَمِعْتُ إلا إذا قرب منها، فإن الطمع لا يكون إلا فيما قرُبَ حصوله، والرجاء بين الأمل والطمع، فإنّ الراجي قد يخاف أن لا يحصل مأموله، ولهذا يُستعمل بمعنى الخوف، فإذا قوي الخوف استُعمل استعمالَ الأمل، وعليه بيت كعب بن زُهير، وإلا استُعمل بمعنى الطمع، فأنا آَمِلٌ، وهو مأمولٌ على فاعل ومفعول. وأَمّلته تأميلاً مبالغةٌ وتكثيرٌ، وهو أكثر من استعمال المخفّف. انتهى. ٧ ٦٠- (بابٌ أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَل؟) - حديث رقم ٢٥٤٢ قال الجامع عفا الله تعالى عنه: المناسب هنا كون الأَمَل بمعنى الرجاء. والله تعالى أعلم. و((العيش)) -بفتح، فسكون -: الحياة. وفي الرواية الآتية في ((الوصايا)): ((وتأمل البقاء)). وهو بمعناه. وفي رواية للشيخين: ((تأمل الغنى))، أي ترجوه، وتطمع فيه، وتقول: أترك مالي في بيتي؛ لأكون غنيًّا، ويكون لي عزّ عند الناس بسببه. والجملة خبر بعد خبر، أو حالٌ بعد حال، أو مستأنفةٌ، سيقت لبيان حال الصحيح. (وَتَخْشَى الْفَقْرَ))) بإخراج المال من يدك. وموضع الجملة كسابقتها. وإنما خصّ هاتين الحالتين، وهما أمل العيش، وخشية الفقر؛ لأنّ الصدقة في هاتين الحالتين أشدّ مُراغمة للنفس . زاد في الرواية الآتية في ((الوصايا)) من طريق محمد بن فُضيل، عن عمارة: ((ولا تُمْهِل حتى إذا بلغت الحلقوم، قلت لفلان كذا، وقد كان لفلان)). ولفظ البخاريّ: ((لفلان كذا، ولفلان كذا، وقد كان لفلان)). فقوله: ((ولا تُمهل)) بالجزم، على أنه نهيٌ عن الإمهال، وبالرفع على أنه نهي له. ويجوز النصب عطفًا على ((أن تصدّق)). وقوله: ((حتى إذا بلغت الحلقوم)). كلمة ((حتّى)) للغاية، والضمير في ((بَلَغَت)) يرجع إلى الروح، بدلالة سياق الكلام عليه، والمراد منه قارَبَتِ البلوغَ، إذ لو بلغته حقيقة، لم تصحّ وصيّته، ولا شيءٌ من تصرّفاته. و((الْحُلْقُوم)): هو الحلق. وفي ((المخصّص)) عن أبي عبيدة: هو مجرى النفس، والسعال من الجوف(١). وقوله: ((لفلان كذا، ولفلان كذا، وقد كان لفلان)) كناية عن الموصى له. وقوله: «کذا» كناية عن الموصى به. وحاصل المعنى أنّ أفضل الصدقة أن تتصدّق في حال حياتك، وصحّتك، مع احتياجك إليه، واختصاصك به، لا في حال سقمك، وسياقٍ موتك؛ لأنّ المالَ حينئذٍ خرج عنك، وتعلّق بغيرك. وقال الخطّابيّ رحمه اللَّه تعالى: فلانٌ الأول، والثاني الموصى له، وفلان الأخير الوارث؛ لأنه إن شاء أبطله، وإن شاء أجازه. وقال غيره: يحتمل أن يكون المراد بالجميع من يُوصَى له، وإنما أدخل ((كان)) في الثالث إشارةً إلى تقدير القدَرِ له بذلك. وقال الكرمانيّ رحمه الله تعالى: يحتمل أن يكون الأول الوارثَ، والثاني المورّث، (١) - راجع ((عمدة القاري)) ج٨ ص ٢٨٠ . شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ والثالث الموصى له (١). ٨ قال الحافظ رحمه الله تعالى: ويحتمل أن يكون بعضها وصيّةً، وبعضها إقرارًا، وقد وقع في رواية ابن المبارك، عن سفيان، عند الإسماعيليّ: قلتَ: اصنعوا لفلان كذا، وتصدّقوا بكذا)). ووقع في حديث بُسْر بن جِحَاش -بضمّ الموحّدة، وسكون المهملة- وأبوه بكسر الجيم، وتخفيف المهملة، وآخره شینٌ معجمةٌ- عند أحمد، وابن ماجه، بإسناد صحيح، واللفظ لابن ماجه: ((بزق النبيّ وَّ في كفّه، ثمّ وضع إصبعه السبّابة، وقال: يقول اللَّه أنَّى تُعجزني ابنَ آدم، وقد خلقتك من قبلُ، من مثل هذه، فإذا بلغت نفسك إلى هذه - وأشار إلى حلقه- قلت: أتصدّق، وأنّى أوانُ الصدقة؟)). وزاد في رواية أحمد: ((حتى إذا سوّيتك، وعدلتك، مشيت بين بُردين، وللأرض منك وئيدٌ(٢) ، وجمعتَ، ومنعتَ، حتى إذا بلغت التراقي، قلت: لفلان كذا، وتصدّقوا بكذا)). أفاده في ((الفتح))(٣). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي هريرة ◌َظّه هذا متفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا- ٦٠/ ٢٥٤٢ وفي (كتاب الوصايا)) ٢٦٣٧/١ - وفي ((الكبرى)) ٦٢/ ٢٣٢٢ وفي ((كتاب الوصايا)) ٦٤٣٨/١. وأخرجه (خ) في ((الزكاة)) ١٣٣٠ وفي ((الوصايا)) ٢٥٤٣ (م) في ((الزكاة)) ١٧١٣ و١٧١٤ (د) في ((الوصايا)) ٢٤٨١ (أحمد) في ((باقي مسند المكثرين)) ٦٨٦٢ و٧١٠٠ و٩٠٠٩ و٩٣٩٢. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما بوّب له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان جواب سؤال من سأل أيّ الصدقة أفضل؟، وهو أنه ما كان في حال الصحة. (ومنها): أن تنجيز الصدقة، ووفاء الدين في الحياة، وحال الصحّة أفضل منه بعد الموت، وفي المرض، كما أشار النبيّ وَله إلى ذلك بقوله: ((وأنت صحیح، شحيح، 3 (١) - هكذا نقل في ((الفتح)) عبارة الكرماني، لكن الذي في شرح الكرماني أن الثالث هو المورّث، لأنه بعد نقل كلام الخطابي أن الأولين كناية عن المُوصَى له، والثالث عن الوارث، وذكر احتمال كونه أي الثالث كناية عن المورث، وهذا أقرب مما نقله في ((الفتح)) انظر ((شرح الكرماني)) جـ ٧ ص ١٨٨ - ١٨٩ . (٢) - الوئيد: صوت شدّة الوطء على الأرض. (٣) - راجع ((الفتح)) ج٦ ص٢٦ . ونقلته بتصرّف. ١ ٩ ٦٠ - (بابٌ أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَل؟) - حديث رقم ٢٥٤٣ تأمل الغنى، وتخشى الفقر))؛ لأنه في حال الصحّة يصعُب عليه إخراج المال غالبًا لما يخوّفه به الشيطان، ويُزيّن له، من إمكان طول العمر، والحاجة إلى المال، كما قال تعالى: ﴿الشَّيْطَنُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾ الآية [البقرة: ٢٦٨]. وأيضًا، فإن الشيطان ربّما زيّن له الْخَيْفَ في الوصيّة، أو الرجوع عن الوصيّة، فيتمخّض تفضيل الصدقة الناجزة. قال بعض السلف عن بعض أهل التّرَف: يعصون الله في أموالهم مرّتين، يبخلون بها، وهي في أيديهم - يعني في الحياة - ويُسرفون فيها إذا خرجت عن أيديهم -يعني بعد الموت۔(١) وأخرج الترمذيّ، بإسناد حسن، وصححه ابن حبّان، عن أبي الدرداء، مرفوعًا، قال: ((مثلُ الذي يُعتقُ، ويتصدّق عند موته، مثلُ الذي يُهُدي إذا شَبع)). وهو يرجع إلى معنى حديث الباب. وروى أبو داود، وصححه ابن حبّان، من حديث أبي سعيد الخدريّ رضي الله عنه، مرفوعًا: «لأن يتصدّق الرجل في حیاته، وصحّته بدرهم، خيرٌ له من أن يتصدّق عند موته بمائة)). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٥٤٣ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْبَى، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو(٢) بْنُ عُثْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ مُوسَى بْنَ طَلْحَةَ، أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ حَدَّثَهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهِم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنْى، وَالْيَدُ الْعُلْيَّا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَّى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ» ). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وقد تقدموا غير مرة. و((عمرو بن عليّ)): هو الفلاس. و((يحيى)): هو ابن سعيد القطّان. و((عمرو بن عثمان)) بن عبد الله بن مَوْهَب التيميّ الكوفيّ الثقة ٤٦٨/١٠. و((موسى بن طلحة)) بن عبيدالله التيميّ المدنيّ، نزيل الكوفة الثقة الجليل ٤٦٨/١٠ . والحديث أخرجه البخاريّ، وقد تقدّم في ٢٥٣١/٥٠- وتقدّم تمام البحث فيه هناك مستوفّی، فراجعه تستفد. ودلالته على ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى واضحة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. (١) - وعبارة العينيّ في ((عمدته)): ولَمّا بلغ ميمون بن مِهْرَان أنّ رقيّة امرأة هشام ماتت، وأعتقت كلّ مملوك لها، قال: يعصون الله في أموالهم مرّتين، يبخلون بما في أيديهم، فإذا صارت لغيرهم أسرفوا فیھا. انتھی. ج٨ ص٢٨١ . (٢) -وقع في بعض النسخ: ((عُمر)) بدل ((عَمْرو)) وهو غلط فاحش، فتنبّه. ١٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ ٢٥٤٤- (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ سَوَادِ بْنِ الأَسْوَدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ ابْنٍ وَهْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبَ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهُ: (خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرٍ غِنَّى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ))). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وقد تقدموا غير مرة. والحديث صحيح، وقد تقدّم في ٢٥٣٤/٥٤ - وتقدّم تمام البحث فيه هناك، فراجعه تستفد، ودلالته على الترجمة واضحة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٥٤٥ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَدِيُّ ابْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَزِيدَ الأَنْصَارِيَّ، يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ وَ﴿، قَالَ: ((إِذَا أَنْفَقَ الرَّجُلُ عَلَى أَهْلِهِ، وَهُوَ يَحْتَسِبُهَا، كَانَتْ لَهُ صَدَقَةٌ))). رجال هذا الإسناد: ستة: ١- (عدي بت ثابت) الأنصاري الكوفي، ثقة رمي بالتشيع [٤]٦٠٥/٤٩. ٢- (عبد الله بن يزيد الأنصاري) الخطمي، -بفتح المعجمة، وسكون الطاء المهملة-، وهو صحابيٍّ صغيرٌ، ولي الكوفة لابن الزبير » وتقدّم في ٦٠٥/٤٩ . ٣- (أبو مسعود) عقبة بن عمرو بن الأنصاري البدري الصحابي الشهير، مات رَظُلّيه قبل الأربعين، وقبل: بعدها وتقدم ٦/ ٤٩٤ . والباقون تقدموا قبل بابين. و((محمد)) شيخ ابن بشّار، هو محمد بن جعفر، المعروف بـ((غُندَر)). والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن نصفه الأول مسلسل بالبصريين، والثاني بالكوفيين. (ومنها): أن شيخ المصنف أحد التسعة الذين روى عنهم أصحاب الأصول الستة بلا واسطة، وقد مرّ ذلك غير مرّة. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعي، عند من يقول: إن عبد الله ابن يزيد تابعي، ورواية صحابي عن صحابي عند من يقول بصحبته، وهو الأصح. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَدِيٍّ بْنِ ثَابِتٍ) الأنصاريّ، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَزِيدٌ) بن زيد بن حُصين (الأَنْصَارِيَّ) الخطميّ لَّه (يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ) ◌َّهَ (عَنِ النَّبِيِّ ◌َّهِ ، = ١١ ٦٠ - (بَابٌ أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَل؟) - حديث رقم ٢٥٤٥ قَالَ: إِذَا أَنْفَقَ الرَّجُلُ عَلَى أَهْلِهِ) يحتمل أن يشمل الزوجة، والأقارب. ويحتمل أن يخُصّ الزوجة، ويُلحق بها من عداها بطريق الأولى؛ لأنّ الثواب إذا ثبت فيما هو واجب، فثبوته فیما ليس بواجبٍ أولى. وقال الطبريّ رحمه اللَّه تعالَى: ما مُلخّصه: الإنفاق على الأهل واجبٌ، والذي يُعطيه يؤجر على ذلك بحسب قصده، ولا منافاة بين كونها واجبةً، وبين تسميتها صدقةً، بل هي أفضل من صدقة التطوّع. وقال المهّب: النفقة على الأهل واجبة بالإجماع، وإنما سمّاها الشارع صدقة خشية أن يظنّوا أنّ قيامهم بالواجب لا أجر لهم فيه، وقد عرفوا ما في الصدقة من الأجر، فعرّفهم أنها لهم صدقةٌ، حتى لا يخرجوها إلى غير الأهل إلا بعد أن يَكْفُوهم؛ ترغيبًا لهم في تقديم الصدقة الواجبة قبل صدقة التطوّع. وقال ابن الْمُنْيِّر رحمه الله تعالى: تسمية النفقة صدقةً، من جنس تسمية الصداق نِخْلَةً، فلما كان احتياج المرأة إلى الرجل كاحتياجه إليها -في اللذّة والتأنيس، والتحصين، وطلب الولد- كان الأصل أن لا يجب لها عليه شيء، إلا أنّ الله خصّ الرجل بالفضل على المرأة بالقيام عليها، ورَفَعَه عليها بذلك درجةٌ، فمن ثَمَّ جاز إطلاق النحلة على الصداق، والصدقة على النفقة. انتهى(١). (وَهُوَ يَخْتَسِبُهَا) الضمير المنصوب يعود إلى النفقة المفهومة من ((أنفق)). والجملة في محلّ نصبٍ على الحال من الفاعل. قال في ((الفتح)): المراد بالاحتساب القصد إلى طلب الأجر. وقال النوويّ رحمه الله تعالى: معناه أراد بها وجه الله عزّ وجلّ، فلا يدخل فيه من أنفق عليها ذاهلاً، ولكن يدخل المحتسب، وطريقه في الاحتساب أن يتذكّر أنه يجب عليه الإنفاق على الزوجة، وأطفال أولاده، والمملوك، وغيرهم، ممن تجب نفقته على حسب أحوالهم، واختلاف العلماء فيهم، وأنّ غيرهم ممن يُنفَقُ عليه مندوبٌ إلى الإنفاق عليهم، فينفق بنيّة أداء ما أُمر به، وقد أُمر بالإحسان إليهم انتهى (كَانَتْ لَهُ صَدَقَّةٌ) يحتمل أن تكون ((كان)» هنا ناقصةً، واسمها ضمير يعود إلى النفقة المفهومة من قوله: ((إذا أنفق))، كما تقدّم، و((صدقةٌ)) خبرها: أي كانت النفقة صدقةً له. ويحتمل أن تكون تامّةً، و((صدقةٌ)) بالرفع فاعلها، أي حصلت له صدقةٌ. قال في ((الفتح)): المراد بالصدقة الثواب، وإطلاقها عليه مجازٌ، وقرينته الإجماع على (١) - راجع ((الفتح)) ج١٠/ ٦٢٤-٦٢٥. =١٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ جواز الإنفاق على الزوجة الهاشميّة مثلًا، وهو من مجاز التشبيه، والمراد به أصل الثواب، لا في كمّيّته، ولا في كيفيّته. ويستفاد منه أن الأجر لا يحصل بالعمل إلا مقرونًا بالنيّة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي مسعود رضي اللَّه تعالى عنه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٢٥٤٥/٦٠- وفي ((الكبرى)) ٢٣٢٥/٦٢. وأخرجه (خ) في ((الإيمان)) ٥٣ وفي ((المغازي)) ٣٧٠٥ وفي ((النفقات)) ٤٩٣٢ (م) في ((الزكاة)) ١٦٦٩ (ت) في ((البرّ والصلة)) ١٨٨٨ (أحمد) في ((مسند الشاميين)) ١٦٤٦ و١٦٤٨٧ و((باقي مسند الأنصار)) ٢١٣١٦ (الدارميّ) في ((الاستئذان)) ٢٥٤٩. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما بوّب له المصنّف رحمه الله تعالى، ووجه دلالته عليه أن النبيّ وَُّ سمّى الإنفاق على الأهل صدقة، وقد ثبت عنه وَّهِ أنّ الصدقة على ذي القرابة صدقة وصِلَة، فسيأتي للمصنّف في ٢٥٨٢/٨٢ -من حديث سلمان بن عامر رضي اللّه تعالى عنه بإسناد صحيح، عن النبي صلى اللّهم عليه وسلم، أنه قال: ((إن الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم اثنتان: صدقة، وصلة)). فثبت بهذا مطابقة حديث أبي مسعود رضي الله تعالى عنه للترجمة. (ومنها): أن الأعمال لا يوجد ثوابها إلا بإخلاص النيّة لله تعالى (ومنها): أن ثواب الصدقة يحصل بالنفقة الواجبة، فمن أنفق على أهله من غير احتساب، لم يحصل له ثواب الصدقة، وإن سقط عنه الوجوب، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٥٤٦ - أَخْبَرَنَا قُتَنْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ أَبِ الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: أَعْتَقَ رَجُلٌ، مِنْ بَنِي عُذْرَةَ، عَبْدًا لَهُ، عَنْ دُبُرٍ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: ((أَلَكَ مَالٌ غَيْرُهُ؟))، قَالَ: لَا(١)، فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ نَّهِ: ((مَنْ يَشْتَرِيهِ مِنِّي، فَاشْتَرَاهُ نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعَذَوِيُّ بِثَمَانِ مِائَةِ دِرْهَم، فَجَاءَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَّيْهِ وَسَلَّمَ، (١) -وفي نسخة: ((قال: ولا)). والأول أولى. ١٣ ٦٠ - (بَابٌ أَيَّ الصَّدَقَةِ أَفْضَل؟) - حديث رقم ٢٥٤٦ فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: ((ابْدَأْ بِنَفْسِكَ، فَتَصَدَّقْ عَلَيْهَا، فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٍ، فَلِأَهْلِكَ، فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٍ عَنْ أَهْلِكَ، فَلِذِي قَرَابَتِكَ، فَإِنْ فَضَلَ عَنْ ذِي قَرَابَتِكَ شَيْءٍ، فَهَكَذَا، وَهَكَذَا))، يَقُولُ: بَيْنَ يَدَيْكَ، وَعَنْ يَمِينِكَ، وَعَنْ شِمَالِكَ). رجال هذا الإسناد: أربعة : ١- (قتيبة) بن سعيد الثقفي البغلاني، ثقة ثبت [١٠]١/١ . ٢- (الليث) بن سعد الإمام الحجة الثبت المصري [٧]٣٥/٣١. ٣- (أبو الزبير) محمد بن مسلم بن تدرُس المكي، صدوق، يدلس [٤]٣٥/٣١. ٤- (جابر) بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري الصحابي ابن الصحابي رضي اللَّه تعالى عنهما٣٥/٣١. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من رباعيات المصنف رحمه الله تعالى، وهو أعلى ما وقع له من الأسانيد، وهو (١٣٢) من رباعيات الكتاب. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه جابرًا تَّه من المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثًا. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ جَابِر) بن عبد الله رضي اللَّه تعالى عنهما، أنه (قَالَ: أَعْتَقَ رَجُلٌ) وفي الرواية الآتية في ((البيوع)) من طريق أيوب، عن أبي الزبير: ((أن رجلًا من الأنصار، يقال له: أبو مذكور)) (مِنْ بَنِي عُذْرَةَ) بضمّ العين المهملة، وسكون الذال المعجمة، بعدها راء- حَيٍّ من قُضاعة، وهو عُذرة بن زيد اللات بن رُفيدة بن ثور بن كعب بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن إلحاف بن قُضاعة، وهي قبيلة معروفة(١). (عَبْدًا لَهُ، عَنْ دُبُرٍ) زاد في رواية أيوب المذكورة: ((يقال له: يعقوب، لم يكن له مالٌ غيره)). وفي رواية لمسلم عن إسحاق بن إبراهيم، وأبي بكر بن أبي شيبة، جميعًا عن سفيان، بلفظ: ((دبّر رجلٌ من الأنصار غلامًا له، لم يكن له مالٌ غيره، فباعه رسول اللَّه وَلّ، فاشتراه ابن النحّام، عبدًا قبطيّا، مات عامَ أوّلَ، في إمارة ابن الزبير ... )) الحديث (فَبَلَغَ ذَلِكَ) أي عتقُهُ المذكورُ (رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ) ◌َِّ (أَلَكَ مَالٌ غَيْرُهُ؟، قَالَ: لَا) أي قال الرجل ليس لي مالٌ غيره. فيه دلالة على أنّ سبب بيعه كونه لا يملك شيئًا غيره، وأصرح من هذا رواية (١) - راجع ((الأنساب)) للسمعانيّ ج٤ ص١٧١ - ١٧٢ . ١٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ للبخاريّ، من طريق عطاء بن أبي رباح، عن جابر: ((أنّ رجلًا أعتق غلامًا له عن دبر، فاحتاج ، فأخذه النبيّ وَّر، فقال: ((من يشريه منّي)) .. الحديث. ففيها التصريح بأنّ سبب بيعه هو احتیاجه إلی ثمنه، وقد جاءت رواية أخری فیها بیان أن سببه هو الدین، فقد أخرج الإسماعيليّ، من طريق أبي بكر بن خلّاد، عن وكيع، عن إسماعيل بن أبي خالد، وفيه: (( أعتق غلامًا له، وعليه دينٌ))، وقد جاءت رواية أخرى بينت السببين معًا، فقد أخرج النسائيّ من طريق الأعمش، عن سلمة بن كهيل، بلفظ: ((أنّ رجلاً من الأنصار أعتق غلاما له عن دبر، وكان محتاجًا، وكان عليه دينٌ، فباعه رسول اللّهِ وَلتر بثمانمائة درهم، فأعطاه، وقال: اقض دینك)). والحاصل أنّ سبب بيعه كونه فقيرًا محتاجًا إليه، حيث لا مال له سواه، وتحمّله الدين. والله تعالى أعلم. (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مَنْ يَشْتَرِيهِ مِنِّي) فيه جواز بيع المدبّر، وفيه خلاف بين أهل العلم، والراجح جوازه مطلقًا، وهو قول الشافعيّ، وأهل الحديث. ومنهم من منع مطلقًا، وهو قول مالك، والأوزاعيّ، والكوفيين. ومنهم من أجازه للحاجة، وهو قول اللیث بن سعد. وقال السنديّ رحمه الله تعالى في ((شرحه)): من لا يرى بيع المدبّر، منهم من يحمله على أنه كان مدبّرًا مقيّدًا بمرض، أو بمدّة، كعلمائنا -يعني الحنفيّة- ومنهم من يحمله على أنه دبّره، وهو مديونٌ، كأصحاب مالك، والأول بعيدٌ، والثاني يردّه آخر الحديث انتهى(١) . قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الذي قاله السنديّ رحمه الله تعالى إنصاف منه حيث ردّ على أهل مذهبه، وغيرهم؛ لمخالفتهم الحديث، فيا ليت أصحاب المذاهب المتأخّرين كلهم كانوا هكذا، وانقادوا للنصّ إذا اتّضح لهم الحقّ، وأن لا يعاندوا، ولا يتعصّبوا لمذهبهم، ولا يتعلّلوا بتعليلات باردة في إعراضهم عن النصّ بالتأويل البعيد. اللَّهم أرنا الحقّ حقًّا، وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلا، وارزقنا اجتنابه، إنك أرحم الراحمين . وسيأتي لنا عودة إلى إتمام البحث في هذه المسألة في محلّه من ((كتاب البيوع)) في ((باب بيع المدبّر)) ٨٤/ ٤٦٥٢- إن شاء الله تعالى. (فَاشْتَرَاهُ نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعَدَوِيُّ) هو نُعيم بن عبد الله بن أسيد بن عبد عوف بن (١) - راجع ((شرح السندي)) لهذا الكتاب ج٥ص٧٠ . ١٥ ٦٠- (بَابٌ أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَل؟) - حدیث رقم ٢٥٤٦ عبيد بن عويج بن عديّ بن كعب القرشيّ العدويّ، المعروف بـ((النخام))، قيل له ذلك؛ لأنّ النبيّ وَّ قال له: ((دخلت الجنّة، فسمعت نَخمة من نُعيم)). وأخرج ابن قتيبة في ((الغريب)) من طريق عبد الرحمن بن أبي سعيد، عن أبيه، قال: خرجنا في سريّة زيد بن حارثة التي أصاب فيها بني فَزَارةَ، فأتينا القوم خلوفًا، فقاتل نعيم بن النخّام العدويّ يومئذ قتالًا شديدًا. و(النحْمَةُ)) هي السَّعْلَة التي تكون في آخر النّخْنَحَة الممدود آخرها. وقال خليفة: أمّه فاختة بنت حرب بن عبد شمس، وهي عدويّةٌ أيضًا، من رهط عمر. وقال البخاريّ: له صحبة. وقال مصعبٌ الزبيريّ: كان إسلامه قبل عمر، ولكنّه لم يُهاجر إلا قبيل فتح مكة، وذلك لأنه كان يُنفق على أرامل بني عديّ، وأيتامهم، فلما أراد أن يهاجر، قال له قومه: أقم ودِنْ بأيّ دين شئت، وكان بيت بني عديّ بيته في الجاهليّة، حتى تحوّل في الإسلام لعمر في بني رَزَاح. وقال الزبير: ذكروا أنه لما قدم المدينة قال له النبيّ وَله: ((يا نُعيم، قومك كانوا خيرًا لك من قومي))، قال: بل قومك خير يا رسول اللّه، قال: ((إن قومي أخرجوني، وإن قومك أقرّوك))، فقال نعيم: يا رسول اللَّه، إن قومك أخرجوك إلى الهجرة، وإن قومي حبسوني عنها. وقال الواقديّ: حدّثني يعقوب بن عمرو، عن نافع العدويّ، عن أبي بكر بن أبي الجهم، قال: أسلم نعيم بعد عشرة، وكان يكتم إسلامه. وقال ابن أبي خيثمة: أسلم بعد ثمانية وثلاثين إنسانًا. وذكر موسى بن عقبة في ((المغازي)) عن الزهريّ، أنّ نعيمًا استشهد بأَجْنَادِين، في خلافة عمر. وكذا قال ابن إسحاق، ومصعبٌ الزبيريّ، وأبو الأسود، وعروة، وسيفٌ في ((الفتوح))، وأبو سليمان بن زَبْر. قال الواقديّ: وكانت أجنادينُ قبل اليرموك، سنة خمس عشرة. وقال ابن الْبَزقيّ: يقول بعض أهل النسب: إنه قتل يوم مؤتة في حياة النبيّ وَّرَ. وكذا قال ابن الكلبيّ. وأما ما ذكره عمر بن شبّة في ((أخبار المدينة)) عن أبي عبيد المدنيّ، قال: ابتاع مروان من النخام داره بثلثمائة درهم، فأدخلها في داره، فهو محمولٌ على أن المراد به إبراهيم بن نعيم المذكور، فإنه يقال له أيضًا: النخام. ذكر هذا كلّه في ((الإصابة))(١). (بِثَمَانِ مِائَةِ دِرْهَم) قال في ((الفتح)): اتفقت الطرق على أنّ ثمنه ثمانمائة درهم، إلا ما أخرجه أبو داود من طريق هشيم، عن إسماعيل، قال: ((سبعمائة، أو تسعمائة)) انتهى (فَجَاءَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ) زاد في رواية الأوزاعيّ، عن (١) - راجع ((الإصابة في تمييز الصحابة)) ج١٠ ص١٧٤ - ١٧٦ . === ١٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ عطاء بن أبي رباح، عند أبي داود في آخره: ((أنت أحقّ بثمنه، واللّه أغنى عنه)). وهذا كلّه صريح في كونه # باع ذلك المدبّر في حياة ذلك الرجل، وفيه دلالة على وَهَم شريك، في روايته عن سلمة بن كهيل، عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر بلفظ: ((أن رجلًا مات، وترك مدبرًا، ودينًا، فأمرهم النبيّ وَّر، فباعه في دينه بثمانمائة درهم)). أخرجه الدارقطنيّ، ونقل عن شيخه أبي بكر النيسابوريّ أنّ شريكًا أخطأ فيه، والصحيح ما رواه الأعمش، وغيره، عن سلمة، وفيه: ((ودفع ثمنه إليه)). وقد رواه أحمد عن أسود بن عامر، عن شريك بلفظ: ((أن رجلًا دبّر عبدًا له، وعليه دينٌ، فباعه النبيّ وَ﴿ في دين مولاه)). قال الحافظ رحمه اللّه تعالى: وهذا شبية برواية الأعمش، وليس فيه للموت ذكر، وشريك كان تغيّر حفظه لَمّا ولي القضاء، وسماع من حمله عنه قبل ذلك أصحّ، ومنهم أسود المذكور انتهى(١). (ثُمَّ قَالَ) بَرِ ( ((ابْدَأْ بِنَفْسِكَ، فَتَصَدَّقْ عَلَيْهَا) وفي رواية: ((إذا كان أحدكم فقيرًا، فليبدأ بنفسه)) (فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ، فَلأَهْلِكَ) أي فهو لأهلك، فتنفقه عليهم (فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ عَنْ أَهْلِكَ، فَلِذِي قَرَابَتِكَ) أي لأقربائك الذين ليسوا من أهلك (فَإِنْ فَضَلَ عَنْ ذِي قَرَابَتِكَ شَيْءٍ، فَهَكَذَا، وَهَكَذَا))) أي تتصدّق به في وجوه الخير، كما بيّن المشار إليه بقوله (يَقُولُ: بَيْنَ يَدَيْكَ، وَعَنْ يَمِينِكَ، وَعَنْ شِمَالِكَ) هذا التفسير من بعض الرواة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث جابر رضي اللَّه تعالى عنه هذا متفق عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا- ٢٥٤٦/٦٠ وفي ((البيوع)) ٤٦٥٢/٨٤ و٤٦٥٣ - وفي ((الكبرى)) ٦٢/ ٢٣٢٦ وفي ((البيوع)) ٦٢٤٨/٨٥ و٦٢٤٩ و٦٢٥٠. وأخرجه (خ) في ((البيوع)) ١٩٩٧ (م) في ((الزكاة)) ١٦٦٣ وفي ((الأيمان)) ٣١٥٥ (د) في ((العتق)) ٣٤٤٥ و٣٤٤٦ (ت) في ((البيوع)» ١١٤٠ (ق) في ((الأحكام)) ٢٥٠٤ (أحمد) في ((باقي مسند المكثرين)) ١٣٦١٩. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان جواب السؤال بـ((أي (١) - راجع ((الفتح)) ج٥ ص١٧٣ - ١٧٤ . ١٧ ٦١ - (صدقةُ البخِیل) - حديث رقم ٢٥٤٧ الصدقة أفضل))، وهو أن أفضل الصدقة الصدقة على النفس، ثم الأهل، ثم الأقرباء (ومنها): مشروعيّة تدبير المملوك (ومنها): أنّ الحقوق إذا تزاحمت قُدّم الأوكد، فالأوكد (ومنها): أن الأفضل في صدقة التطوّع أن ينوّعها في جهات الخير، ووجوه البرّ، بحسب المصلحة، ولا ينحصر في جهة بعينها (ومنها): أن فيه دلالةً ظاهرة لما ذهب إليه الشافعيّ، وأهل الحديث، من جواز بيع المدبّر، وهو المذهب الراجح، وسيأتي تمام البحث فيه في محلّه، إن شاء اللَّه تعالى (ومنها): أن الدين مقدّم على التبرّع بالتدبير (ومنها): أن للإمام أن يبيع أموال الناس بسبب ديونهم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)) . ٦١ - (صَدَقَةُ الْبَخِيلِ) ٢٥٤٧- أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدْثَتَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ طَاوُسٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ ... ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنَاهُ أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِنَّ مَثَلَ الْمُتْفِقِ الْمُتَصَدِّقِ، وَالْبَخِيلِ، كَمَثَلِ رَجُلَيْنٍ، عَلَيْهِمَا جُبَّتَانٍ، أَوْ جُنَّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ، مِنْ لَدُنْ ◌ُدِيهِمَا إِلَى تَرَاقِيهِمَا، فَإِذَا أَرَادَ الْمُنْفِقُ أَنْ يُنْفِقَ، اتَّسَعَتْ عَلَيْهِ الدِّرْعُ، أَوْ مَرَّتْ حَتَّى ثُنَّ بَنَانَهُ، وَتَعْفُوَ أَثَرَهُ، وَإِذَا أَرَادَ الْبَخِيلُ أَنْ يُتْفِقَ، قَلَصَتْ، وَلَزِمَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ مَوْضِعَهَا، حَتَّى إِذَا أَخَذَتْهُ بِتَرْقُوَتِهِ، أَوْ بِرَقَبَتِهِ))، يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَشْهَدُ أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يُوَسِعُهَا، فَلَا تَتَّسِعُ، قَالَ طَاوُسٌ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، يُشِيرُ بِيَدِهِ، وَهُوَ يُوَسِّعُهَا، وَلَا تَتَوَسَّعُ))). رجال هذا الإسناد: ثمانية : ١- (محمد بن منصور) الجوّاز المكيّ، ثقة [١٠] من أفراد المصنف. ٢- (سفيان) بن عيينة الإمام الحجة الثبت [٨]١/١. ٣- (ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، أبو الوليد، وابو خالد المكي، ثقة فقسيه فاضل، يدلس يرسل [٦]٣٢/٢٨ . ـ= ١٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ ٤- (الْحَسَن بْن مُسْلِم) بن يَتّاق -بفتح التحتانيّة، وتشديد النون، آخره قاف- المكّيّ، ثقة [٥]. قال ابن معين، وأبو زرعة، والنسائيّ: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح الحديث. وقال أبو داود: كان من العلماء بطاوس. وقال ابن سعد: مات قبل طاوس، وكان ثقة، وله أحاديث. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). مات قديمًا قبل المائة بقليل. روى له الجماعة، سوى الترمذيّ، وله عند المصنف في هذا الكتاب تسعة أحاديث برقم ٢٥٤٧ و٢٧٢١ و٢٩٢٢ و٢٩٨٧ و٣٥٣٥ و٣٦٩٢ و٣٧٠٤ و٥٠٩٧ . ٥- (طاوس) بن كيسان اليماني الثقة الثبت الفقيه [٣] ٣١/٢٧ . ٦- (ابو الزناد) عبد الله بن ذكوان المدني، ثقة فقيه [٥]٧/ ٧. ٧- (الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز المدني، ثقة ثبت [٣] ٧/ ٧ . ٨- (أبو هريرة) رضي اللّه تعالى عنه ١/١. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى بالنسبة للسند الأول، ومن خماسياته بالنسبة للثاني. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه كما سبق آنفًا. (ومنها): أن السند الأول مسلسل بالمكيين غير طاوس فيمني، وأبي هريرة فمدني والثاني مسلسل بالمدنيين غير شيخه، وسفيان فمكيان. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعي، وفيه أبو هريرة ◌َّه من المكثرين السبعة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ طَاؤُسٍ) بن كيسان رحمه اللَّه تعالى أنه (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَة) رضي اللّه تعالى عنه، ولم يسق المصنّف رحمه الله تعالى متن هذا السند، وقد ساقه البخاريّ رحمه الله تعالى في ((صحيحه))، في (كتاب اللباس))، فقال: ٥٣٥١ حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا أبو عامر، حدثنا إبراهيم بن نافع، عن الحسن، عن طاوس، عن أبي هريرة، قال: ضرب رسول اللَّه وَّل، مثل البخيل والمتصدق، كمثل رجلين، عليهما جبتان، من حديد، قد اضطُرَّت أيديهما إلى تُدِيهما، وتَرَاقيهما، فجعل المتصدق كلما تصدق بصدقة، انبسطت عنه، حتى تُغْشِى أنامله، وتَعِفُوَ أَثَرَه، وجعل البخيل كلما هَمَّ بصدقة، قلصت، وأخذت كلُّ حَلْقَة بمكانها))، قال أبو هريرة: فأنا رأيت رسول اللَّه بَله، يقول بإصبعه هكذا، في جيبه، فلو رأيته يوسعها، ولا تتوسع. تابعه ابن طاوس، عن أبيه، وأبو الزناد، عن الأعرج ((في ١٩ ٦١ - (صدقةُ البخيل) - حديث رقم ٢٥٤٧ الجبتين)). وقال حنظلة: سمعت طاوسا، سمعت أبا هريرة، يقول: ((جبتان)) وقال جعفر بن حيان، عن الأعرج: ((جبتان)) انتهى(١). (ثُمَّ قَالَ) أي سفيان بن عيينة، فلسفيان في هذا الحديث طريقان: أحدهما: طريق ابن جريج، عن الحسن بن مسلم، عن طاوس، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. والثاني: طريق أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة رضي اللَّه تعالى عنه (حَدَّثَنَاه) أي الحديث الآتي (أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان القرشيّ (عَنِ الْأَعْرَج) عبد الرحمن بن هُزْمُز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً) رضي اللَّه تعالى عنه، وفي رواية البخاريّ: ((أنّ عبد الرحمن حدّثه، أنه سمع أبا هريرة رضي اللَّه تعالى عنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِنَّ مَثَلَ الْمُنْفِقِ، الْمُتَصَدِّقِ) أي صفة المنفق على نفسه، وأهله، وصفة المتصدّق في سُبُل الخير، فإن البخيل يمنع الأمرين جميعًا، فلذلك جمع بينهما، وقد جاء الاقتصار على أحدهما؛ لكونهما كالمتلازمين عادة. أفاده السنديّ(٢) (وَالْبَخِيلِ) ووقع في رواية مسلم: ((مثل المنفق، والمتصدّق)) بحذف ((والبخيل))، قال النوويّ في ((شرحه)): هكذا وقع هذا الحديث، في جميع النسخ، من رواية عمرو -يعني ابن محمد الناقد- قال القاضي عياض وغيره: هذا وَهَمٌ، وصوابه مثل ما وقع في باقي الروايات: ((مثل البخيل، والمتصدّق))، وتفسيرهما آخر الحديث يبيّن هذا. وقد يحتمل أن صحّة رواية عمرو هكذا أن تكون على وجهها، وفيها محذوفٌ، تقديره: ((مثل المنفق، والمتصدّق، وقسيمهما، وهو البخيل))، وحذف ((البخيل))؛ لدلالة المنفق والمتصدّق عليه، كقول الله تعالى: ﴿سَرَبِيلَ تَفِيكُمُ الْحَرَّ﴾ الآية: [النحل: ٨١]: أي ((والبرد))، وحُذف ذكر البرد لدلالة الكلام عليه انتهى كلام النوويّ رحمه اللّه تعالى(٣). وقال الحافظ رحمه الله تعالى: قد رواه الحميديّ، وأحمد، وابن أبي عمر، وغيرهم في ((مسانيدهم)) عن ابن عيينة، فقالوا في رواياتهم: ((مثل المنفق، والبخيل))، كما في رواية شعيب، عن أبي الزناد، وهو الصواب انتهى (٤). (كَمَثَلِ رَجُلَيْنٍ) هذا هو الصواب، ووقع في رواية مسلم: ((كمثل رجل)) بالإفراد، قال النوويّ رحمه الله تعالى: هكذا وقع في الأصول كلّها ((كمثل رجل)) بالإفراد، والظاهر أنه تغيير من بعض الرواة، وصوابه: ((كمثل رجلين)) انتهى (عَلَيْهِمَا جُبَّتَانِ) - (١) - راجع ((صحيح البخاري)) ج١١ ص٤٤١ (كتاب اللباس)) بنسخة ((الفتح)). (٢) - راجع ((شرح السنديّ)) ج٥ص٧١ . (٣) - راجع ((شرح مسلم)) للنوويّ ج٧ص ١٠٧- ١٠٨ . طبعة دار الريان للتراث. (٤) - راجع ((الفتح)) ج٤ ص ٦٠ . ٢٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ بضمّ الجيم، وتشديد الموحّدة، تثنية جُبّة، وهو ثوب مخصوص (أَوْ جُنَّتَانٍ) بالنون بدل الباء الموحدة، وهي الدرع، وهذا شكّ من الراوي، وصوّبوا النون؛ لقوله: ((من حديد))، وقوله: ((واتسعت عليه الدرع))، وغير ذلك. ذكره النوويّ. وأفاد الحافظ في ((الفتح)) أن المحفوظ في هذه الرواية بالموحّدة، ومَن رواه فيها بالنون، فقد صحّف. قال: ورُجّحت رواية النون لقوله: ((من حديد)). والجنّة في الأصل الحصن، وسمّيت بها الدرع؛ لأنها تُجِنّ صاحبها، أي تحصنه. والجبّة - بالموحدة ثوب مخصوص، ولا مانع من إطلاقه على الدرع انتهى (١). وقال السنديّ: نعم إطلاق الجبّة -بالباء- على الجنّة - بالنون- مجازًا غير بعيد، فينبغي أن تكون الجنّة -بالنون- هي المرادة في الروايتين انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الظاهر أن الروايتين بالموحّدة، والنون صحيحتان. والله تعالى أعلم. (مِنْ حَدِيدٍ) ((من)) لبيان الجنس، فتكون بيانًا للجنّتين، وتتعلّق بمحذوف، صفةٍ لهما، أي كائنين من حديد (مِنْ لَدُنْ ثُدِيهِمَا) ((من)) ابتدائيّة متعلّق بحال محذوف، أي حال كون الجبّتين، أو الجنتين كائنتين من ثُديهما. و ((التُّدِيُّ)) -بضمَ المثلّثة، وكسر الدال المهملة، وتشديد الياء، جمع ثَذي -بفتح، فسكون، كفلس، وفُلُوس، وأصله تُدُويٌ))، اجتمعت الواو والياء في كلمة، وسبقت إحداهما بالسكون الأصليّ، فقلبت الواو ياء، ثم أدغمت في الياء، كما قال ابن مالك رحمه الله تعالى في ((الخلاصة)): إِنْ يَسْكُنِ السَّابِقُ مِنْ وَاوٍ وَيَا وَاتَّصَلَا وَمِنْ عُرُوضِ عَرِيَا فَيَاءَ الْوَاوَ اقْلِيَنَّ مُذْغِمَا وَشَذَّ مُعْطَى غَيْرَ مَا قَدْ رُسِمَا قال في ((المصباح)): الثّذيُ للمرأة، وقد يقال في الرجل أيضًا. قاله ابن السّكّيت. ويُذكّر، ويؤنّث، فيقال: هو الثّذِيُ، وهي الثديُ، والجمع أَثْدٍ، وتُدِيٍّ، وأصلهما أَفْعُلٌ، وفُعُولٌ، مثل أفلُسِ، وقُلُوسٍ، وربّما جمع على ثِدَاءٍ، مثلُ سَهْم وسِهَام انتهى (٢). وفي ((القاموس)): ((الثَّذِيُ - أي بالفتح- ويُكسر، وكالثَّرَى: خاصَّ بالمرأة، أو عامّ، ويؤنّث، وجمعه أَقْدٍ، وتُدِيٍ، كَحُليَّ انتهى. قال الشارح المرتضى: قوله: ((كحليّ)) أي بالضمّ على فُعُولٍ، كما في ((الصحاح))، قال: و((ثِدِيّ) أيضًا بكسر الثاء إتباعًا انتهى. (١) - راجع ((الفتح)) ج ٤ ص ٦٠. (٢) - ((المصباح المنير)).