Indexed OCR Text
Pages 381-400
٥٦- (صدقة العبدِ) - حديث رقم ٢٥٣٨ ٣٨١ = قَالَ: أَخْبَرَنِ ابْنُ أَبِي بُرْدَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي، يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَِّيِّ ◌َِّ، قَالَ: ((عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ))، قِيلَ: أَرَأَنْتَ إِنْ لَمْ يَجِدْهَا؟، قَالَ: ((يَعْتَمِلُ بِيَدِهِ، فَيَنْفَعُ نَفْسَهُ، وَيَتَصَدَّقُ))، قِيَّلَ: أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ يَفْعَلْ؟، قَالَ: ((يُعِينُ ذَا الْحَاجَةِ الْمَلْهُوفَ))، قِيلَ: فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ؟ قَالَ: ((يَأْمُرُ بِالْخَيْرِ))، قِيلَ: أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ يَفْعَالْ؟، قَالَ: ((يُمْسِكُ عَنِ الشَّرُّ، فَإِنَّا صَدَقَةٌ))). رجال هذا الإسناد: ستة: ١- (محمد بن عبد الأعلى) الصنعاني البصري، ثقة [١٠]٥/٥ . ٢- (خالد) بن الحارث الْهُجَيمي البصريّ، ثقة ثبت [٨]٤٧/٤٢. ٣- (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة الثبت [٧]٢٧/٢٤. ٤- (ابن أبي بردة) هو: سعيد بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعريّ الكوفيّ، ثقة ثبت [٥]. قال الميمونيّ عن أحمد بن حنبل: بَخ، ثبت في الحديث. وقال ابن معين، والنسائيّ، والعجليّ: ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق ثقة. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). وقال ابن أبي حاتم في ((المراسيل)): لم يسمع ابن أبي بردة من ابن عمر شيئًا، إنما يروي عن أبيه عنه، وروايته عن جدّه منقطعة، لم يسمع منه شيئًا. وقال الصريفينيّ: مات سنة (١٦٨) قال الحافظ: كذا بخطّ مغلطاي، ولعلّه ((وثلاثین)) بدل ((وستين)) انتهى. روى له الجماعة، وله عند المصنف في هذا الكتاب أربعة أحاديث برقم ٢٥٣٨ و٥٣٨٤ و ٥٤٢٦ و ٥٥٩٧ . ٥- (أبوه) أبو بردة عامر، وقيل: الحارث، ابن أبي موسى الأشعريّ الكوفي، ثقة [٣]٣/٣ . ٦- (أبو مُوسَى) عبد الله بن قيس الأشعريّ الصحابيّ الشهير نَّه، تقدم في ٣/٣. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن نصفه الأول مسلسل بالبصريين، والثاني بالكوفيين. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه عن جدّه، وتابعي، عن تابعي. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي مُوسَى) الأشعريّ رَِّ، (عَنِ النَِّيِّ وََّ) أنه (قَالَ: ((عَلَى كُلِّ مُسْلِم ٣٨٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ صَدَقَةٌ))) أي على سبيل الاستحباب المتأكّد، أو على ما هو أعمّ من ذلك، والعبارة صالحة للإيجاب، والاستحباب، كقوله وَلير: ((على المسلم ست خصال ... ))، فذكر منها ما هو مستحبّ اتفاقًا. وزاد أبو هريرة ◌َظّم في حديثه تقييد ذلك بكلّ يوم. ولمسلم من حديث أبي ذر تَظّه، عن النبي وَّل، أنه قال: ((يُصبح على كل سُلامَى من أحدكم صدقة، فكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، ويجزئ من ذلك ركعتان، يركعهما من الضحى)). و((السُّلَامى)) بضمّ المهملة، وتخفيف اللام: المفصل. وله من حديث عائشة تعانيها، عن رسول اللّه وَله، قال: ((إنه خلق كل إنسان، من بني آدم، على ستين وثلاثمائة مفصل، فمن كبراللَّه، وحمد اللَّه، وهلل الله، وسبح اللَّه، واستغفر الله، وعزل حجرا عن طريق الناس، أو شوكة، أو عظما، عن طريق الناس، وأَمَر بمعروف، أو نهى عن منكر، عَدَدَ تلك الستين والثلاثمائة السُّلامَى، فإنه يمشي يومئذ، وقد زحزح نفسه عن النار))(١) . (قِيلَ) وفي نسخة)): ((فقيل))، وفي رواية البخاريّ: ((قالوا: يا نبيّ اللّه، فمن لم يجد)) (أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ يَجِذْهَا؟) أي إن لم يجد الصدقة. قال في ((الفتح)): كأنهم فهموا من لفظ الصدقة العطية، فسألوا عمن ليس عنده شيء من المال، فبيّن لهم أن المراد بالصدقة ما هو أعمّ من ذلك، ولو بإغاثة الملهوف، والأمر بالمعروف. وهل تلتحق هذه الصدقة بصدقة التطوّع التي تحسب يوم القيامة من الفرائض الذي أخلّ به؟ فيه نظر، الذي يظهر أنها غيرها؛ لما تبيّن من حديث عائشة ◌َّها المذكور أنها شُرعت بسبب عتق المفاصل، حيث قال في آخر هذا الحديث: ((فإنه يُمسي يومئذ، وقد زَخْزَح نفسه عن (٢) النار)). انتھی ٠ (قَالَ: ((يَعْتَمِلُ) افتعال من العمل، للمبالغة، وفي رواية البخاريّ: ((فيعمل)) (بِيَدِهِ) وفي نسخة: ((بيديه)) (فَيَنْفَعُ نَفْسَهُ) بما يكتسبه من صناعة، وتجارة، ونحوهما بإنفاقه عليها، ومن تلزمه نفقته، ويستغني بذلك عن ذلّ السؤال لغيره (وَيَتَصَدَّقُ) وفي نسخة: ((فيتصدّق))، أي ينفع غيره بإعطاء الصدقة، ويكتسب الأجر. قال القسطلّانيّ: وقوله: ((فيعمل، وينفع، ويتصدّق)) بالرفع في الثلاثة خبر بمعنى الأمر. قاله ابن مالك. (١) - راجع ((صحيح مسلم)) ج ٧ص ٩٣ - ٩٤. (٢) - راجع ((الفتح)) ج ٤ ص٦٣ . -٣٨٣ = ٥٦- (صّدَقَةِ الْعَبْدِ) - حديث رقم ٢٥٣٨ (قِيلَ: أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ يَفْعَالْ؟) ذلك عجزًا، أو كسلًا. وفي رواية البخاريّ: ((فإن لم يجد)). وفي رواية مسلم: ((أرأيت إن لم يستطع)) (قَالَ: ((يُعِينُ) أي بالفعل، أو بالقول، أو بهما (ذَا الْحَاجَةِ) أي صاحب الاحتياج إلى المعونة (الْمَلْهُوفَ) بالنصب نعت ل((ذا الملهوف)). أي المستغيث، وهو أعمّ من أن يكون مظلومًا، أو عاجزًا. قاله في ((الفتح)). وقال النوويّ: الملهوف عند أهل اللغة يُطلق على المتحسّر، وعلى المضطرّ، وعلى المظلوم، وقولهم: يا لهفَ نفسي على كذا كلمة يُتحسّر بها على ما فات، ويقال: لَهِفَ - بكسر الهاء- يَلْهَفُ -بفتحها- لَهْفًا، - بإسكانها -: أي حزن، وتحسّر، وكذلك التلهّف (١) انتهى(١). (قِيلَ: فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ؟) ولمسلم: ((أرأيت إن لم يستطع)) (قَالَ: ((يَأْمُرُ بِالْخَيْرِ) يشمل الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والإفادة العلميّة، والإفادة العمليّة، والنصيحة العمليّة. وللبخاريّ: ((فليعمل بالمعروف)). ولمسلم: ((يأمر بالمعروف، أو الخير)) (قِيلَ: أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ يَفْعَالْ؟) أي لم يتيسر له ذلك (قَالَ: ((يُمْسِكُ عَنِ الشَّرِّ، فَإِنَّا صَدَقَةٌ) قال في ((الفتح)): كذا وقع بضمير المؤنّث، وهو باعتبار الخصلة من الخير، وهو الإمساك، ووقع في رواية ((الأدب)): ((فإنه)) أي الإمساك ((له)) أي للممسك. قال الزين ابن المنير: إنما يحصل ذلك للممسك عن الشرّ، إذا نوى بالإمساك القربة، بخلاف محض الترك، والإمساك أعمّ من أن يكون عن غيره، فكأنه تصدّق عليه بالسلامة منه، فإن كان شرّه لا يتعدّى نفسه، فقد تصدّق على نفسه بأن منعها من الإثم، قال: وليس ما تضمّنه الخبر من قوله: ((فإن لم يجد)) ترتيبًا، وإنما هو للإيضاح لما يفعله مَنْ عجز عن خصلة من الخصال المذكورة، فإنه يمكنه خصلة أخرى، فمن أمكنه أن يعمل بيده، فيتصدّق، وأن يُغيث الملهوف، وأن يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، ويمسك عن الشرّ، فليفعل الجميع. ومحصّل ما ذُكر في حديث الباب أنه لا بدّ من الشفقة على خلق اللَّه تعالى، وهي إما بالمال، أو غيره، والمال إما حاصلٌ، أو مكتسبٌ، وغير المال إما فعلٌ، وهو الإغاثة، وإما تركٌ، وهو الإمساك. وقال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة رحمه الله تعالى: ترتيب هذا الحديث أنه نَدَبَ إلى الصدقة، وعند العجز عنها ندب إلى ما يقرُب منها، أو يقوم مقامها، وهو العمل، (١) - ((شرح مسلم)) ج ٧ ص ٩٥ - ٩٦. ٣٨٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ والانتفاع، وعند العجز عن ذلك ندب إلى ما يقوم مقامه، وهو الإغاثة، وعند عدم ذلك ندب إلى فعل المعروف، أي مِن سوى ما تقدّم كإماطة الأذى، وعند عدم ذلك ندب إلى الصلاة، فإن لم يُطق، فترك الشرّ، وذلك آخر المراتب. قال: ومعنى الشرّ هنا ما منعه الشرع، ففيه تسلية للعاجز عن فعل المندوبات، إذا كان عجزه عن ذلك من غير اختیار انتھی. قال الحافظ: وأشار بالصلاة إلى ما وقع في آخر حديث أبي ذرّ تَّ عند مسلم: ((ويُجزىء عن ذلك كلّه ركعتا الضحى)). وهو يؤيّد ما قدّمناه أن هذه الصدقة لا يكمّل منها ما يختلّ من الفرض؛ لأن الزكاة لا تكمّل بالصلاة، ولا العكس، فدلّ على افتراق الصدقتین . واستشكل الحديث مع تقدّم ذكر الأمر بالمعروف، وهو من فروض الكفاية، فكيف تجزىء عنه صلاة الضّحى، وهي من التطوّعات؟. وأجيب بحمل الأمر هنا على ما إذا حصل من غيره، فسقط به الفرض، وكان في كلامه هو زيادة في تأكيد ذلك، فلو تركه أجزأت عنه صلاة الضّحى. قال الحافظ: كذا قيل. وفيه نظرٌ، والذي يظهر أن المراد أن صلاة الضحى تقوم مقام الثلاثمائة وستين حسنةً التي يُستحبّ للمرء أن يسعى في تحصيلها كلّ يوم؛ لِيُعتق مفاصله التي هي بعددها، لا أنّ المراد أن صلاة الضحى تغني عن الأمر بالمعروف، وما ذُكر معه، وإنما كان كذلك؛ لأن الصلاة عملٌ بجميع الجسد، فتتحرّك المفاصل كلّها فيها بالعبادة. ويحتمل أن يكون ذلك لكون الركعتين تشتملان على ثلاثمائة وستين ما بین قول وفعل، إذا جعلت كلّ حرف من القراءة مثلًا صدقةً، وكأنّ صلاة الضحى خُصّت بالذكر؛ لكونها أوّل تطوّعات النهار بعد الفرض، وراتبته. وقد أشار في حديث أبي ذرّ تَّه إلى أن صدقة السّلامَى نهاريّة؛ لقوله: ((يصبح على كلّ سُلامَى من أحدكم)). وفي حديث أبي هريرة رَّه: ((كلّ يوم تطلع فيه الشمس)). وفي حديث عائشة تَعَّها: ((فيمسي، وقد زحزح نفسه عن النار)). انتهى كلام الحافظ رحمه اللّه تعالى(١) وهو بحث نفيس جدًّا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي موسى الأشعريّ رَّه هذا متفقٌ عليه. (١) - راجع ((الفتح)) ج ٤ ص ٦٤ . ٥٧ - (صدقةُ المرأةِ مِنْ بَيْتِ زوجها) - حديث رقم ٢٥٣٩ ٣٨٥ = (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٢٥٣٨/٥٦- وفي ((الكبرى)) ٢٣١٨/٥٨. وأخرجه (خ) في ((الزكاة١٤٤٥ (م) فيها ١٠٠٨ (أحمد) في ((مسند الكوفيين)» ١٩٠٢٧ و١٩١٨٧ (الدارميّ) في ((الرقاق)) ٢٧٤٧. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو جواز صدقة العبد ، ومحلّ الاستدلال من حديث أبي موسى بنمي هذا قوله: ((على كلّ مسلم صدقة))، ووجه ذلك أن العبد داخلٌ في عموم ((كلّ مسلم))، فهو مأمور بأن يتصدّق، كما أمر غيره من عموم المسلمين. (ومنها): أن أنواع الصدقة لا يُقتصر فيها على الأموال فقط، بل كلّ ما كان فيه نفعٌ يُعَدّ صدقة (ومنها): أن الأحكام تجري على الغالب؛ لأن في المسلمين من يأخذ الصدقة المأمور بصرفها، وقد قال: ((على كلّ مسلم صدقة)) (ومنها): أن فيه مراجعة العالم في تفسير المجمل، وتخصيص العامّ (ومنها): أن فيه فضل التكسب؛ لما فيه من الإعانة (ومنها): أن فيه التنبية على العمل، والتكسّب؛ ليجد المرء ما ينفق على نفسه، ويتصدّق به، ويُغنيه عن ذلّ السؤال (ومنها): أنّ فيه الحثّ على فعل الخير، مهما أمكن، وأنّ من قصد شيئًا منها، فتعسّر عليه، انتقل إلى غيره، مما يسهل عليه (ومنها): أن فيه تقديم النفس على الغير في الإحسان، والمراد بالنفس ذات الشخص، وما يلزمه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)). ٥٧ - (صَدَقَةُ الْمَرْأَةِ مِنْ بَيْتِ زَوْجِھَا) ٢٥٣٩ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا وَائِلِ، يُحَدِّثُ عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ التَّبِيِّ نَِّ، قَالَ: ((إِذَا تَصَدَّقَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا، كَانَ لَهَّا أَجْرٌ، وَلِلزَّوْجِ مِثْلُ ذَلِكَ، وَلِلْخَازِنِ مِثْلُ ذَلِكَ، وَلَا يَنْقُصُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، مِنْ أَجْرِ صَاحِبِهِ شَيْئًا،َ لِلزَّوْجِ بِمَا ٣٨٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ كَسَبَ، وَلَهَا بِمَا أَنْفَقَتْ))). رجال هذا الإسناد : سبعة : ١- (محمد بن المثنى) المذكور قبل بابين ٦٤/ ٨٠. ٢- (محمد بن بشار) أبو بكر بُندار البصري، ثقة حافظ [١٠] ٢٧/٢٤. ٣- (محمد بن جعفر) غندر البصري، ثقة [٩] ٢٢/٢١. ٤- (شعبة) المذكور في الباب الماضي ٢٤/ ٤٧ . ٥- (عمرو بن مرّة) بن عبد الله بن طارق الجملي الكوفي الأعمى، ثقة عابد، رمي بالإرجاء [٥]٢٦٥/١٧١. ٦- (أبو وائل) شقيق بن سلمة الكوفي، ثقة مضرم [٢]٢/٢. ٧- (عائشة) أم المؤمنين رضي الله تعالى عنه ٥/٥ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه اللَّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين إلى شعبة، وبالكوفيين بعده. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيٍّ، وفيه عائشة رضي اللّه تعالى عنها من المكثرين السبعة روت (٢٢١٠) أحاديث. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَائِشَةَ) رضي اللَّه تعالى عنها (عَنِ النَّبِيِّ نَّهَ) أنه (قَالَ: «إِذَا تَصَدَّقَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا) أي بشرط عدم إسرافها، كما هو مقيّد به في روايات أَخْرَى، ففي رواية للشيخين: ((إذا أنفقت المرأة من طعام بيتها، غيرَ مفسدة)). وفي رواية للبخاريّ: ((إذا تصدّقت المرأة من طعام زوجها، غير مفسدة)). وفي رواية له: ((إذا أطعمت المرأة من بيت زوجها، غير مفسدة)). فقوله: ((غير مفسدة)) بالنصب على الحال، أي غير مسرفة في التصدّق بأن لا تتعدّى إلى الكثرة المؤذية إلى النقص الظاهر. وهذا محمولٌ على إذن الزوج لها بذلك صريحًا، أو دلالةً، كعادة أهل الحجاز، ومن كان مثلهم في الكرم، فإن عادتهم أنهم يأذنون لزوجاتهم، وخَدَمهم بأن يضيفوا الأضياف، ويُطعموا السائل، والمسكين، والجيران، فحرّض رسول اللَّه ◌َليل أمته على هذه العادة الحسنة، والخصال المستحسنة. قال الخطّابيّ رحمه الله تعالى في ((المعالم)): هذا الكلام خارج على عادة الناس بالحجاز، وبغيرها من البلدان في أنّ ربّ البيت قد يأذن لأهله، ولعياله، وللخادم، مما ٥٧ - (صدقةُ المرأةِ مِنْ بَيْتٍ زوجها) - حديث رقم ٢٥٣٩ ٣٨٧ يكون في البيت، من طعام، وإدام، ونحوه، ويطلق أمرهم في الصدقة منه، إذا حضرهم السائل، ونزل بهم الضيف، فحضّهم رسول اللّه ب لتر على لزوم هذه العادة، واستدامة ذلك الصنيع، ووعدهم الأجر والثواب عليه، وأفرد كلّ واحد منهم باسمه، ليتسارعوا إليه، ولا يتقاعدوا عنه انتهى كلام الخطّابيّ رحمه اللّه تعالى(١). (كَانَ لَهَا أَجْرٌ، وَلِلْزَّوْجِ مِثْلُ ذَلِكَ) الأجرِ (وَلِلْخَازِنِ) هو الذي يكون بيده حفظ الطعام والمأكول، من خادم، وَقَهْرَمان، وَقَيِّم لأهل المنزل ونحو ذلك، من أمر الناس، وعاداتهم في كلّ أرض، وبلد، وليس ذلك بأن تفتات المرأة، أو الخازن على ربّ البيت بشيء، لم يؤذَّنْ لهما فيه، ولم يُطلق لهما الإنفاق منه، بل يُخاف أن يكونا آئمين إن فعلا ذلك. قاله الخطّابيّ رحمه اللّه تعالى (مِثْلُ ذَلِكَ) الأجر(وَلَا يَنْقُصُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا) أي من الزوج والزوجة، وهما الأصل، والخادم تابعٌ لهما، فلذا ترك ذكره (مِنْ أَجْرٍ صَاحِهِ شَيْئًا، لِلزَّوْجِ بِمَا كَسَبَ) أي بسسب كسبه المال الذي منه تلك الصدقة (وَلَهَا) أي للزوجة (بِمَا أَنْفَقَتَْ)) أي بسبب إنفاقها. قال النووي رحمه اللّه تعالى: معنى هذه الأحاديث -يعني حديث عائشة هذا، وحديث أبي هريرة عند الشيخين، بلفظ: ((إذا أنفقت المرأة من كسب زوجها من غير أمره(٢)، فلها نصف أجره))، وحديث أبي موسى عندهما، بلفظ: ((الخازنُ المسلمُ الأمين الذي يُتَفِّذُ ما أُمر به كاملاً موفّرًا، طيّبٌ به نفسه، فيدفعه إلى الذي أمر له به أحد المتصدّقين)) -: أن المشارك في الطاعة، مشارك في الأجر، ومعنى المشاركة أن له أجرًا كما لصاحبه أجرٌ، وليس معناه أن يزاحمه في أجره، والمراد المشاركة في أصل الثواب، فيكون لهذا ثوابٌ، ولهذا ثوابٌ، وإن كان أحدهما أكثر، ولا يلزم أن يكون مقدار ثوابهما سواءً، بل قد يكون هذا أكثر، وقد يكون عكسه، فإذا أعطى المالك لخازنه، أو امرأته، أو غيرهما مائة درهم، أو نحوها ليوصلها إلى مستحقّ الصدقة على باب داره، أو نحوه، فأجر المالك أكثر، وإن أعطاه رُمّانة، أو رغيفًا، ونحوهما مما ليس له كثير قيمة، ليذهب به إلى محتاج في مسافة بعيدة، بحيث يقابل مشي الذاهب إليه بأجرة تزيد على الرمّانة والرغيف، فأجر الوكيل أكثر، وقد يكون عمله قدر الرغيف (١) - راجع ((معالم السنن)) ج٢ ص٢٥٦ -٢٥٧ . (٢) - قال النوويّ: معناه من غير أمره الصريح في ذلك المقدار المعيّن، ويكون معها إذن عامّ سابقٌ، متناولٌ لهذا القدر وغيره، وذلك الإذن قد بيّاه سابقًا، إما بالصريح، وإما بالعرف، ولا بدّ من هذا التأويل؛ لأنه ◌َ﴿ جعل الأجر مناصفةً، وفي رواية أبي داود: «فلها نصف أجره))، ومعلومٌ أنها إذا أنفقت من غير إذن صريح، ولا معروف من العرف، فلا أجر لها، بل عليها وزرٌ، فتعيّن تأويله انتهى ((شرح مسلم)) ج٧ص١١٤ - ١١٥. ٣٨٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ مثلًا، فيكون مقدار الأجر سواء. انتهى(١) . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته : حديث عائشة رَّها هذا صحيحٌ، وهو متفقٌ عليه، لكن بذكر مسروق بين أبي وائل، وعائشة تعيّتها . (تنبيه): أخرج المصنف رحمه الله تعالى حديث عائشة تعطيثها هذا هنا من طريق شعبة، عن عمرو بن مرّة، عن أبي وائل، عنها. وأخرجه في ((عشرة النساء)) من طريق منصور، عن أبي وائل، عن مسروق، عنها. وأخرجه الشيخان من طريق الأعمش، ومنصور، عن أبي وائل، عن مسروق، عنها. وأخرجه الترمذيّ بالإسنادين، وقال: إن رواية منصور والأعمش بذكر مسروق فيه أصح. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحاصل أن طريق رواية منصور، والأعمش، أصحّ من طريق عمرو بن مرّة؛ لكونهما أرجح منه، لكن هذا الاختلاف لا يضرّ بصحة متن الحديث، فليُتنبّه. والله تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٢٥٣٩/٥٧ - وفي ((الكبرى)) ٢٣١٩/٥٩. وأخرجه (ت) في ((الزكاة)) ٦٧١ (أحمد) في (باقي مسند الأنصار))٢٤١٥٩. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو جواز صدقة المرأة من بيت زوجها، وهذا محمول على ما إذا أذن لها الزوج، إما صريحًا، أو دلالة، كما تقدّم، بدليل حديث الباب التالي (ومنها): ترغيب المرأة في التصدّق مما في بيتها، إذا أذن لها الزوج أو بما جرى به العرف (ومنها): ترغيب الخادم في التصدّق من مال سيّده إذا أذن له، أو بما جرى به العرف (ومنها): حث الرجل على أن يسمح لأهل بيته بالتصدّق على الفقراء والمساكين، وأن له بذلك الأجر والثواب. والله تعالى أعلم. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في صدقة المرأة من بيت زوجها: قال الإمام البغويّ رحمه الله تعالى: العمل على هذا عند عامّة العلماء أن المرأة ليس لها أن تتصدّق بشيء من مال الزوج دون إذنه، وكذلك الخادم، ويأثمان، إن فعلا (١) - ((شرح صحيح مسلم)) ج٧ص ١١٣ . ٥٧ - (صَدَقَةُ الْمَرْأَةِ مِنْ بَیْتِ زَوْجِهَا) - حديث رقم ٢٥٣٩ = ٣٨٩ ذلك، وحديث عائشة رضيّها خارج على عادة أهل الحجاز أنهم يُطلقون الأمر للأهل، والخادم في الإنفاق، والتصدّق، مما يكون في البيت إذا حضرهم السائل، أونزل بهم الضيف، فحضّهم على لزوم تلك العادة، كما قال ◌َله الأسماء دَاثُها: ((لا توعي، فيوعي عليك))، وعلى هذا يخرّج ما روي عن عُمير مولى آبي اللحم، قال: كنت مملوكًا، فسألت رسول اللّه وَ له أتصدّق من مال مواليّ بشيء؟، قال: ((نعم، والأجر بينهما نصفان)). انتهى(١). وقال الحافظ في ((الفتح)): قال ابن العربيّ: اختلف السلف فيما إذا تصدّقت المرأة من بيت زوجها، فمنهم من أجازه، لكن في الشيء اليسير الذي لا يؤبه له، ولا يظهر به النقصان. ومنهم من حمله على ما إذا أذن الزوج، ولو بطريق الإجمال، وهو اختيار البخاريّ، ولذا قيّد الترجمة بالأمر به، حيث قال: ((باب أجر الخادم، إذا تصدّق بأمر صاحبه، غير مفسد)). ويحتمل أن يكون ذلك محمولًا على العادة، وأما التقييد بغير الإفساد فمتّفقٌ عليه. ومنهم من قال: المراد بنفقة المرأة، والعبد، والخازن النفقة على عيال صاحب المال في مصالحه، وليس ذلك بأن يفتئتوا على ربّ البيت بالإنفاق على الفقراء بغير إذن. ومنهم من فرق بين المرأة والخادم، فقال: المرأة لها حقّ في مال الزوج، والنظرِ في بيتها، فجاز لها أن تتصدّق، بخلاف الخادم، فليس له تصرّف في متاع مولاه، فيشترط الإذن فيه. وهو متعقّبٌ بأن المرأة إذا استوفت حقّها، فتصدّقت منه، فقد تخصّصت به، وإن تصدّقت من غير حقّها رجعت المسألة كما كانت، والله أعلم. انتهى(٢) . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يترجّح عندي أن تصدّق المرأة، والخادم من مال الرجل جائز بشرطين: (أحدهما): الإذن صريحًا، أو دلالةً، وذلك بأن يجري العرف في التصدّق بمثله، فيجري ذلك مجرى الإذن الصريح. (والثاني): عدم الإفساد، وهذا مجمع علیه، کما سبق قريبًا، وما عدا ذلك، لا يجوز؛ لحديث الباب الآتي؛ وبهذا تجتمع الأدلة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)). (١) - راجع ((شرح السنة)) ج٦ ص ٢٠٥ . (٢) - راجع ((الفتح) ج٤ ص٥٦ . ٣٩٠ = شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ ٥٨- (عَطِيَةُ الْمَرْأَةِ بِغَيْرِ إِذْنِ زَوْجِهَا) ٢٥٤٠- (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُسَيْنَ الْمُعَلِّمُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، أَنَّ أَبَاهُ، حَدَّثَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِوٍ، قَالَ: لَمَّا فَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ وَ لِ مَكَّةَ، قَامَ خَطِيبًا، فَقَالَ فِي خُطْبَتِهِ: ((لَا يَجُوزُ لِمْرَأَةٍ عَطِيَةٌ، إِلَّا بِإِذْنِ زَوْجِهَا ... )). مُخْتَصَرٌ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (إسماعيل بن مسعود) الجحدري البصريّ، ثقة [١٠]٤٧/٤٢. ٢- (خالد بن الحارث) الْهُجيمي المذكور قبل باب. ٣- (حسين المعلم) ابن ذكون المكتب البصري، ثقة ربما وهم [٦]١٢٢ /١٧٤. ٤ - (عمرو بن شعيب) بن محمد المدني، أو الطائفي، صدوق [٥]١٠٥/ ١٤٠. ٥- (أبوه) شعيب بن محمد بن عبد الله الطائفي، صدوق [٣]١٤٠/١٠٥. ٦- (جده) عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما١١١/٨٩. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم موثقون. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين إلى حسين، والباقون طائفيون. (ومنها): أن فيه رواية الراوي عن أبيه عن جده، وتابعي عن تابعي. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو) بن العاص رضي اللَّه تعالى عنهما، أنه (قَالَ: لَمَّا فَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ وَ لِ مَكَّةَ) في العام الثامن من الهجرة (قَامَ خَطِيبًا، فَقَالَ فِي خُطْيَتِهِ: ((لَا يَجُوزُ لِمْرَأَةِ عَطِيئَةٌ) يعني أنه لا يجوز أن تتصدّق من مال زوجها، وهو الظاهر من تصرّف المصنّف، حيث أورده بعد حديث الباب السابق الذي هو نصّ في التصدق من ماله، ويحتمل أن يكون المراد من مال نفسها، وهذا الاحتمال هو الذي تدلّ عليه الرواية الآتية في ((كتاب الْعُمْرَى)) ٣٧٥٦/٥ بلفظ: ((لا يجوز لامرأة هبة في مالها، إذا ملك زوجها عصمتها)»، فإنها صريحة في كون النهي في التصدّق من مالها. وعلى هذا فلا بدّ من تأويله بحمله على الأدب، وحسن العشرة، أو على من كانت ٥٨- (عطُّ المرأة بغير إِذْنِ زَوْجِهَا) - حديث رقم ٢٥٤٠ = ٣٩١ غير رشيدة في مالها، وإنما تأوّلنا بذلك؛ لثبوت جواز التصدّق للمرأة من مالها من دون إذن الزوج في نصوص كثيرة، كما سنذكر بعضها قريبًا. وقال الخطّابيّ: أخذ به مالك. قال السنديّ: ما أخذ بإطلاقه، ولكن أخذ به فيما زاد على الثلث. وهو عند أكثر العلماء على معنى حسن العشرة، واستطابة نفس الزوج. ونُقل عن الشافعيّ أن الحديث ليس بثابت، وكيف نقول به، والقرآن يدلّ على خلافه، ثمّ السنّة، ثم الأثر، ثم المعقول. ويمكن أن يكون هذا في غير الاختيار، مثلَ لَيْسَ لها أن تصوم، وزوجُها حاضر، إلا بإذنه، فإن فعلت جاز صومها، وإن خرجت بغير إذنه، فباعت جاز بيعها، وقد أعتقت ميمونة ريثها قبل أن يعلم النبيّ وَّر، فلم يَعب ذلك عليها، فدلّ هذا مع غيره على أن هذا الحديث، إن ثبت، فهو محمول على الأدب والاختيار. وقال البيهقيّ: إسناد هذا الحديث إلى عمرو بن شعيب صحيح، فمن أثبت عمرو بن شعيب، لزمه إثبات هذا، إلا أن الأحاديث المعارضة له أصحّ إسنادًا، وفيها، وفي الآيات التي احتجّ بها الشافعيّ دلالة على نفوذ تصرّفها في مالها، دون الزوج، فيكون حديث عمرو بن شُعيب محمولًا على الأدب والاختيار، كما أشار إليه الشافعيّ(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث عمرو بن شعيب الصحيح أنه صحيح، فلا بُدّ من حمله على الأدب، وحسن العشرة، لما ثبت من النصوص الصحيحة الكثيرة الصريحة في جواز تصدّق المرأة، من مالها بغير إذنه: (فمنها): حديث ابن عباس ◌َّهَا، أنه وَ لّ هِ صلّى العيد، ثم خطب، ثم أتى النساء، ومعه بلال، فوعظهن، وذَكَّرَهن، وأمرهن بالصدقة، فرأيتهن يهوين بأيديهن، يَقْذِفَه في ثوب بلال، ثم انطلق هو، وبلال إلى بيته)). وفي رواية: ((فجعلت المرأة تُلقي القُرْط، والخاتم في ثوب بلال ... )) متفق عليه. فقد ثبت أنه وَ ل﴿ لما أمرهنّ بالصدقة، وهو في المسجد، تصدّقن، من دون استئذان أزواجهنّ، وقَبِلَ ذلك بَّ منهنّ، ولم يستفسرهنّ، عن إذن أزواجهنّ لهنّ. (ومنها): قصّة عتق ميمونة رطيثها جاريتها، فقد أخرج الشيخان، وغيرهما، عن كريب، مولى ابن عباس، أن ميمونة بنت الحارث، رع يتها أخبرته، أنها أعتقت وليدة، ولم تستأذن النبي ◌َّر، فلما كان يومها، الذي يدور عليها فيه، قالت: أشعرت يا رسول الله، أني أعتقت وليدتي، قال: ((أَوَفعلتِ؟، قالت: نعم، قال: ((أَمَا إنك لو أعطيتها (١) - راجع ((شرح السنديّ)) ج٦ ص٢٧٩ . ٣٩٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ أخوالك، كان أعظم لأجرك)). ففيه أنّ النبيّ وَّه لم ينكر عليها ما فعلته، بل أرشدها إلى ما كان أولى من ذلك. (ومنها): قصّة عائشة رَثّها، حين أرادت أن تشتري بَرِيرة، وتُعتقها، فلما اشترط مواليها الولاء لهم، ذكرت ذلك للنبيّ وَله، فقال: ((خذيها، وأعتقيها، واشترطي لهم الولاء ... )). أخرجه الشيخان، وغيرهما، فقد أقرّها وَّر على شرائها من دون استئذانه، وغير ذلك من النصوص الدالّة على أن المرأة كانت في عهده بَّل﴿ تتصدّق، وتتبرّع من دون علم زوجها. والحاصل أن حديث الباب محمولٌ على حسن العشرة، وتطييب قلب الزوج، لا على التحريم. والله تعالى أعلم بالصواب. (إِلَّا بِإِذْنِ زَوْجِهَا) قال النوويّ: الإذن ضربان: أحدهما الإذن الصريح في النفقة، والصدقة. والثاني: الإذن المفهوم من اطراد العرف، كإعطاء السائل كسرةً، ونحوها، مما جرت العادة به، واطراد العرف فيه، وعُلم رضا الزوج به، فإنه في ذلك حاصلٌ، وإن لم يتكلّم، وهذا إذا عُلم رضاه بالعرف، وعُلِمِ أنّ نفسه كنفوس غالب الناس في السماحة بذلك، والرضا به، فإن اضطرب العرف، وشُكّ في رضاه، أو عُلم شُحَّهِ بذلك، لم يَجُز للمرأة، وغيرها التصدّق من ماله، إلا بصريح إذنه، قال: وهذا كلّه مفروضٌ في قدر يسيرٍ، يُعلم رضا المالك به في العادة، فإن زاد على المتعارف لم يجز انتهى (١) . وقوله (مُخْتَصَرٌ) أي هذا الحديث مختصرٌ من حديث طويل لعبد الله بن عمرو رَاليقين)، وقد ساقه الإمام أحمد رحمه اللّه تعالى بطوله في ((مسنده))، فقال: حدثنا يحيى، عن حسين، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: لَمَّا فُتِحَت مكةُ على رسول اللَّه ◌َِّ، قال: ((كُفُّوا السلاح، إلا خزاعة، عن بني بكر))، فأذن لهم، حتى صلى العصر، ثم قال: ((كفوا السلاحَ))، فلقي رجل من خزاعة، رجلا من بني بكر، من غد، بالمزدلفة، فقتله، فبلغ ذلك رسول اللّه وَلّته، فقام خطيبا، فقال، ورأيته، وهو مسند ظهره إلى الكعبة، قال: ((إن أعدى الناس على اللَّه، مَنْ قتل في الحرم، أو قتل غير قاتله، أو قتل بذُحُول (٢) الجاهلية))، فقام إليه رجل، فقال: إن فلانا (١) - راجع ((زهر الربى)) ج٥ص٦٦. (٢) - الذَّحُول -بضمّ الذال المعجمة، بعدها حاء مهملة- جمع ذَخْل -بفتح، فسكون -: الثأر، أو طلب مكفأة بجناية جُنِيت عليك، اوعداوةٍ أُتيت إليك، أو هو العداوة والْحِقْد، ويجمع أيضًا على أَذْحال. أفاده في ((القاموس المحيط)). i . ٥٩- (فَضْلُ الصَّدقة) - حديث رقم ٢٥٤١ ٣٩٣ ابني، فقال رسول اللّه وَله: ((لا دِغْوَة في الإسلام))، ذهب أمر الجاهلية، الولد للفراش، وللعاهر الأثلب))، قالوا: وما الأثلب؟ قال: ((الْحَجَرُ)) قال: ((وفي الأصابع عشر عشر))، وفي المواضح، خمس خمس))، قال: وقال: ((لا صلاة بعد الغداة، حتى تطلع الشمس، ولا صلاة بعد العصر، حتى تغرب الشمس))، قال: ((ولا تُنكّحُ المرأة، على عمتها، ولا على خالتها، ولا يجوز لامرأة عطية، إلا بإذن زوجها)). وفي رواية يزيد بن هارون، عن حسين المعلّم: ((فقال رجل يا رسول الله إن ابني فلانا عاهرت بأمه في الجاهلية))، وزاد في روايته في آخر الحديث: ((وأوفوا بحِلْفٍ الجاهلية، فإن الإسلام لم يزده إلا شِدَّةً، ولا تُحدِثُوا حِلْفًا في الإسلام)). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان، تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عبد الله بن عمرو تغطي هذا صحيح. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكره، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا- ٥٨/ ٢٥٤٠، وفي ((كتاب العمرى)) ٣٧٥٦/٥ و٣٧٥٧ - وفي ((الكبرى)) ٢٣٢٠/٦٠ و(كتاب العمرى)) ٦٥٩٠/٥ و٦٥٩١ و٦٥٩٢. وأخرجه (د) في ((البيوع)) ٣٥٤٦ و٣٥٤٧ (أحمد) في ((مسند المكثرين)) ٦٦٤٣ و٧٠١٨. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب)). ٥٩- (فَضْلُ الصَّدّقَةِ) ٢٥٤١- (أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَخْتِى بْنُ حَمَّادٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو عَوَانَةً، عَنْ فِرَاسٍ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، ◌ََّا، أَنَّ(١) أَزْوَاجَ النَّبِيِّ ◌ِِّهِ اجْتَمَعْنَ عِنْدَةٌ، فَقُلْنَ (٢): أَيْتُنَا بِكَ أَسْرَعُ لُحُوقًا؟، فَقَالَ: ((أَطْوَلُكُنَّ يَدَا))، فَأَخَذْنَ قَصَبَةٌ، فَجَعَلْنَ يَذْرَعْنَهَا، فَكَانَتْ سَوْدَةُ أَسْرَعَهُنَّ بِهِ(٣) لُحُوقًا، فَكَانَتْ أَطْوَلَهُنَّ يَدًا، فَكَانَ ذَلِكَ مِنْ كَثْرَةٍ (١) - وفي نسخة: ((قالت: إن)). (٢) - وفي نسخة: ((فقلنا)). (٣) -سقطت لفظة ((به)) من بعض النسخ. ٣٩٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ الصَّدَقَةِ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١- (أبو داود) سليمان بن سَيف الحرّانيّ ثقة حافظ [١١]١٣٦/١٠٣ من أفراد المصنّف . ٢- (يحيى بن حمّاد) بن أبي زياد الشيبانيّ مولاهم البصريّ، خَتَنُ أبي عَوَانة ثقة عابد، من صغار [٩] ٢٢٢٥/٤٣ . ٣- (أبو عوانة) الوضّاح بن عبد الله الشكريّ الواسطيّ ثقة ثبت [٧] ٤٦/٤١. ٤- (فِرَاس) -بكسر الفاء، بعدها راء مهملة- ابن يحيى الْهَمْدَانيّ الْخَارفيّ - بمعجمة، وفاء- أبو يحيى الكوفيّ الْمُكْتِبُ، صدوقٌ، ربّما وَهِمَ [٦]. قال أحمد، وابن معين، والنسائيّ: ثقة. وقال أبو حاتم: شيخٌ، ما بحديثه بأسٌ. وقال ابن المدينيّ، عن يحيى بن سعيد: ما بلغني عنه شيءٌ، وما أنكرتُ من حديثه، إلا حديث الاستبراء. وقال العجليّ: كوفيّ ثقةٌ، من أصحاب الشعبيّ، في عداد الشيوخ، ليس بكثير الحديث. وقال ابن شاهين في ((الثقات)): قال ابن عمّار: ثقة. وقال عثمان -يعني ابن أبي شيبة -: صدوقٌ، وقيل له: ثَبْتٌ؟ قال: لا. وقال يعقوب بن سفيان: كان مُكْتِبًا، وفي حديثه لِينْ، وهو ثقة. وذكره ابن حبّان في ((الثقات))، وقال: مات سنة (١٢٩)، وكان متقنًا. روى له الجماعة، وله عند المصنّف ستة أحاديث برقم ٢٥٤١ و ٣٣٥٦ و٣٦٣٦ و ٤٠١٣ و٤٣٩٦ و٤٨٧٠ . ٥- (عامرٌ) بن شراحيل الشعبيّ الإمام الشهير الثقة الفقيه [٣] ٨٢/٦٦. ٦- (مسروق) بن الأجدع بن مالك الهمداني، أبو عائشة الكوفي، مخضرم ثقة فقيه عابد [٢] ١١٢/٩٠ . ٧- (عائشة) رضي اللّه تعالى عنها المذكورة في الباب السابق. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سباعيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين من فراس، غير عائشة فمدنية. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي مخضرم. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَائِشَةَ، تَيْهَا، أَنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ ◌َِّ، اجْتَمَعْنَ عِنْدَهُ) زاد في رواية ابن حبّان: ((لم تغادر منهنّ واحدة)) (فَقُلْنَ) بصيغة جمع المؤنّث، ووقع عند ابن حبّان، من الوجه ٣٩٥ == ٥٩- (فَضْلُ الصَّدقةِ) - حديث رقم ٢٥٤١ الذي أخرجه المصنّف، بلفظ: ((فقلت)) بتاء المتكلّم، وعليه فالسائلة هي عائشة رَط ◌ّها (أَيِّثْنَا) مؤنّثُ ((أيَّ))، وهو قليلٌ في اللغة، ولفظ البخاريّ: ((أيّنا)) بالتذكير، وهو الموافق لأكثر الاستعمال، لكونها اسمًا جامدًا، والاسم لا تلحقه تاء التأنيث الفارقة بين المذكّر والمؤنّث، وعليه قوله تعالى: ﴿فَأَىَّ ءَايَتِ اَللَّهِ تُنكِرُونَ﴾ [غافر: ٨١]، وقوله: ﴿بِأَقِّ أَرْضٍ تَمُوتٌ﴾ الآية [لقمان: ٣٤]. وقد تُطابق في التذكير والتأنيث، كما قُرىء في الشاذّ: ((بأيّة أرض تموت)). وكقول الشاعر [من الطويل]: بِأَيُّ كِتَابٍ أَمْ بِأَيَّةِ سُنَّةٍ تَرَى حُبَّهُمْ عَارَا عَلَيَّ وَتْحْسَبُ (بِكَ) متعلّق بـ«لُحُوقًا)) (أَسْرَعُ) خبر «أيّتنا» (لُحُوقًا) منصوب على التمييز، أي من حيث اللحوق بك (فَقَّالَ) وَلِهِ (أَطْوَلُكُنَّ يَدًا) خبر لمبتدإ محذوف، أو مبتدأ خبره محذوف، أي أسرعكنّ لحوقًا بي أطولكنّ يدًا، أو أطولكنّ يدًا أسرعكنّ لحوقًا بي، و((يدًا)) منصوب على التمييز. [تنبيه]: إنما لم يقل: ((طُولاكنّ))، و((سُزْعاكنّ)) بلفظ التأنيث؛ لأن أفعل التفضيل إذا أريد به التفضيل، وكان مضافًا إلى معرفة، جاز فيه وجهان: المطابقة، وعدمها، بخلاف، المضاف إلى نكرة، والمجرّد، فيذكّران، ويفردان، وبخلاف المحلّى بـ((ال))، فإنه تلزم مطابقته، كما أشار ابن مالك رحمه الله تعالى في ((الخلاصة)) بقوله: أُلْزِمَ تَذْكِيرًا وَأَنْ يُوَخَّدَا وَإِنْ لِمَنْكُورٍ يُضَفْ أَوْ جُرِّدًا وَتِلْوَ ((أَلْ)) طِبْقٌ وَمَا لِمَعْرِفَه أُضِيفَ ذُو وَجْهَيْنِ عَنْ ذِي مَعْرِفَهُ لَمْ تَنْوِ فَهْوَ طِبْقُ مَا بِهِ قُرِنْ هَذَا إِذَا نَوَيْتَ مَعْنَى ((مِنْ)) وَإِنْ (فَأَخَذْنَ قَصَبَةً، فَجَعَلْنَ يَذْرَعْنَهَا) أي يقدّرنها بذراع كلّ واحدة منهنّ. ولفظ البخاريّ: ((يذرعونها)) بلفظ جمع المذكّر، نظرًا لمعنى الجمع، أو عدل إليه تعظيمًا، كقول الشاعر : وَإِنْ شِئْتِ حَرَّمْتُ النِّسَاءَ سِوَاكُمُ (١) (فَكَانَتْ سَوْدَةُ) زاد ابن سعد، عن عفّان، عن أبي عوانة بهذا الإسناد: ((بنت زمعة بن قيس)) (أَسْرَعَهُنَّ بِهِ لُحُوقًا) أي ماتت بعده وَِّ، ولحِقَت به قبل بقيّة أزواجه رضي الله عنهنّ. [تنبيه]: رواية المصنف رحمه اللّه تعالى هذه ظاهرةٌ في كون سودة هي التي لحقت به وسجلار قبل بقيّة زوجاته، لكن المشهور -وهو الصواب- أن زينب بنت جحش رحلتها (١) - راجع ((عمدة القاري)) ج٨ص٢٨٢ . ٣٩٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ هي التي لحِقَّت به وَّه قبلهنّ، لا سودة رضي الله تعالى عنها، ففي هذه الرواية وَهَمّ من بعض الرواة، وأصل الكلام: ((فكانت سودة أطولهنّ يدًا، وكانت زينب أسرعهنّ به لحوقًا، وكان ذلك من كثرة الصدقة))، ففيه تقديمٌ، وتأخير، وحذفٌ، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة الرابعة، إن شاء الله تعالى. (فَكَانَتْ أَطْوَلَهُنَّ يَدَا، فَكَانَ ذَلِكَ مِنْ كَثْرَةِ الصَّدَقَّةِ) يعني أن مراد النبيّ نَّه بقوله: ((أطولكنّ يدًا)) كثرة الصدقة، لا طول الجارحة. قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: معناه: فهمن ابتداءً ظاهره، فلما ماتت زينب، علمن أنه لم يُرد باليد العضو، وبالطول طولها، بل أراد العطاء، وكثرته، فاليد هنا استعارة للصدقة، والطولُ ترشيح انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عائشة تعطيها هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٢٥٤١/٥٩- وفي ((الكبرى)) ٢٣٢١/٦١. وأخرجه (خ) في ((الزكاة)) ١٤٢٠ (م) في ((فضائل الصحابة)) ٢٤٥٢ (أحمد) في ((باقي مسند الأنصار)) ٢٤٣٧٨. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان فضل الصدقة (ومنها): أن فيه عَلَمًا من أعلام النبوة، حيث أخبر النبيّ وَّر بأوّل من يموت من أزواجه رضي اللَّه عنهنّ، فكان كما قال (ومنها): أن فيه جوازَ إطلاق اللفظ المشترك بين الحقيقة والمجاز بغير قرينة، وهو لفظ ((أطولكنّ))، إذا لم يكن هناك محذور. قال الزين ابن المنير: لما كان السؤال عن آجال مقدّرة، لا تُعلم إلا بالوحي، أجابهنّ بلفظ غير صريح، وأحالهنّ على ما لا يتبيّن إلا بآخره، وساغ ذلك؛ لكونه ليس من الأحكام التكليفيّة انتهى (ومنها): ما ذكره في ((الفتح)) من أنّ من حَمَلَ الكلام على ظاهره، وحقيقته، لم يُلَمْ، وإن كان مراد المتكلّم مجازه؛ لأنّ نسوة النبيّ وَله حملن طول اليد على الحقيقة، فلم ينكر عليهنّ. هكذا قال في ((الفتح)). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: قوله: ((فلم ينكر عليهنّ)) فيه نظر؛ إذ لا دليل على أنه وَلِّ اطلع على ذرعهنّ للقصبة، حتّى يُنكر عليهنّ، فليُتأمّل. والله تعالى أعلم. ٣٩٧ ٥٩- (فَضْلُ الصَّدقةِ) - حديث رقم ٢٥٤١ قال: وأما ما رواه الطبرانيّ في ((الأوسط)) من طريق يزيد بن الأصمّ، عن ميمونة رَّهَا، أنّ النبيّ وَّه قال لهنّ: ((ليس ذلك أعني، إنما أعني أصنعكنّ يدًا)). فهو ضعيف جدًّا، ولو كان ثابتًا، لم يحتجن بعد النبيّ بَّهِ إلى ذرع أيديهنّ، كما يأتي في رواية عمرة، عن عائشة (ومنها): ما قاله المهلّب: فيه دلالة على أن الحكم للمعاني، لا للألفاظ؛ لأنّ النسوة فَهِمنَ من طول اليد الجارحة، وإنما المراد بالطول كثرة الصدقة. قال الحافظ: وما قاله لا يمكن اطراده في جميع الأحوال انتهى (١) . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): قد تقدّم أن رواية المصنف رحمه اللّه تعالى فيها وَهَمّ، ومثلها رواية البخاريّ رحمه الله تعالى، ولفظه: ١٤٢٠ حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا أبو عوانة، عن فراس، عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة، وَيّها، أن بعض أزواج النبي وَّل، قُلن للنبي وَّ: أينا أسرع بك لحوقا؟، قال: ((أطولكن يدا))، فأخذوا قصبة، يذرعونها، فكانت سودة أطولهن يدا، فعلمنا بعدُ، أنما كانت طول يدها الصدقة، وكانت أسرعنا لحوقا به، وكانت تحب الصدقة)) . قال في الفتح)): ((وكانت أسرعنا)) كذا وقع في ((الصحيح)) بغير تعيين، ووقع في ((التاريخ الصغير)) للبخاريّ، عن موسى بن إسماعيل بهذا الإسناد: ((فكانت سودة أسرعنا الخ))، وكذا أخرجه البيهقيّ في ((الدلائل))، وابن حبّان في (صحيحه)) من طريق العبّاس الدُّوريّ، عن موسى. وكذا وقع في رواية عفّان عند أحمد، وابن سعد، قال ابن سعد: قال لنا محمد بن عمر -يعني الواقديّ -: هذا الحديث وَهَلَ في سودة، وإنما هو في زينب بنت جحش، فهي أول نسائه به لُحوقًا، وتوفّيت في خلافة عمر، وبقيت سودة إلى أن توفّيت في خلافة معاوية، في شوال سنة أربع وخمسين. وقال ابن بطّال: هذا الحديث سقط منه ذكر زينب؛ لاتفاق أهل السير على أن زينب أوّل من ماتت من أزواج النبيّ وَلتر -يعني أن الصواب: وكانت زينب أسرعنا الخ. قال الحافظ: ولكن يعكر على هذا التأويل تلك الروايات المتقدّمة المصرّح فيها بأن الضمير لسودة. وقرأت بخطّ الحافظ أبي عليّ الصدفيّ: ظاهر هذا اللفظ أن سودة كانت أسرع، وهو خلاف المعروف عند أهل العلم أن زينب أوّل من مات من الأزواج، ثم نقله عن مالك، (١) - راجع ((الفتح)) ج٤ ص٣٨. ٣٩٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ من روايته عن الواقديّ، قال: ويقوّيه رواية عائشة بنت طلحة. وقال ابن الجوزيّ: هذا الحديث غلطً من بعض الرواة، والعجب من البخاريّ، كيف لم يُنبّه عليه، ولا أصحاب التعاليق، ولا عَلِمَ بفساد ذلك الخطّابيّ، فإنه فسّره، وقال: لُحُوق سودة به من أعلام النبوّة. وكلّ هذا وَهَمِّ، وإنما هي زينب، فإنها كانت أطولهنّ يدًا بالعطاء، كما رواه مسلم، من طريق عائشة بنت طلحة، عن عائشة، بلفظ : ((فكانت أطولنا يدًا زينب؛ لأنها كانت تعمل، وتتصدّق)) انتهى. وتلقّى مغلطاي كلام ابن الجوزيّ، فجزم به، ولم ینسبه له. وقد جمع بعضهم بين الروايتين، فقال الطيبيّ: يمكن أن يقال فيما رواه البخاريّ: المراد الحاضرات من أزواجه، دون زينب، وكانت سودة أوّلهنّ موتًا. قال الحافظ: وقد وقع نحوه في كلام مغلطاي، لكن يعكر على هذا أن في رواية يحيى بن حمّاد، عند ابن حبّان ((أن نساء النبيّ وَّر اجتمعن عنده، لم تغادر منهنّ واحدة)). ثمّ هو مع ذلك إنما يتأتّى على أحد القولين في وفاة سودة، فقد روى البخاريّ في ((تاريخه)) بإسناد صحيح إلى سعيد بن هلال، أنه قال: ماتت سودة في خلافة عمر رَاليه. وجزم الذهبيّ في ((التاريخ الكبير)) بأنها ماتت في آخر خلافة عمر ◌َّثه. وقال ابن سيد الناس: إنه المشهور. وهذا يخالف ما أطلقه الشيخ محيي الدين -يعني النوويّ- حيث قال: أجمع أهل السير على أن زينب أوّل من مات من أزواجه. وسبقه إلى نقل الاتفاق ابن بطّال، كما تقدّم. ويمكن الجواب بأن النقل مقيّدٌ بأهل السير، فلا يرد نقل قول من خالفهم من أهل النقل، ممن لا يدخل في زمرة أهل السير. وأما قول الواقديّ الذي تقدّم، فلا يصحّ، وقد تقدّم عن ابن بطّال أن الضمير في قوله: ((فكانت)) لزينب، وذكرتُ ما يعكر عليه. لكن يمكن أن يكون تفسيره بسودة من بعض الرواة؛ لكون غيرها لم يتقدّم له ذکرٌ، فلما لم يطّلع على قصّة زينب، وكونها أوّل الأزواج لحوقًا به، جعل الضمائر كلها لسودة، وهذا عندي من أبي عوانة، فقد خالفه في ذلك ابن عيينة، عن فِرَاس، كما قرأت بخطّ ابن رشيد أنه قرأه بخطّ أبي القاسم بن الورد، ولم أقف إلى الآن على رواية ابن عُيينة هذه، لکن روی يونس بن بكير في ((زيادات المغازي))، والبيهقيّ في ((الدلائل) بإسناده عنه، عن زكريّا بن أبي زائدة، عن الشعبيّ التصريح بأن ذلك لزينب، لكن قصر زکریًا في إسناده، فلم يذكر مسروقًا، ولا عائشة، ولفظه: ((قُلن النسوة لرسول اللَّه وَلّ: أيّنا أسرع بك لحوقًا؟ قال: أطولكنّ يدًا، فأخذن يتذارعن أيتهنّ أطول يدًا، فلما توفّيت زينب عَلِمِنَ أنها كانت أطولهنّ يدًا في الخير والصدقة)). ويؤيّده أيضًا ما روى الحاكم في ٥٩- (فَضْلُ الصَّدقةِ) - حدیث رقم ٢٥٤١ ٣٩٩ ((المناقب)) من ((مستدركه)) من طريق يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة، قالت: قال رسول اللّه وَله الأزواجه: ((أسرعكنّ لُحوقًا بي أطولكنّ يدًا))، قالت عائشة: فكنّا إذا اجتمعنا في بيت إحدانا بعد وفاة رسول اللّه وَ ل نمد أيدينا في الجدار، نتطاول، فلم نزل نفعل ذلك حتى توفّيت زينب بنت جحش، وكانت امرأة قصيرة، ولم تكن أطولنا، فعرفنا حينئذ أنّ النبيِّي وَلّ إنما أراد بطول اليد الصدقةَ، وكانت زينب امرأةً صناعة باليد، وكانت تدبغ، وتخرز، وتصدّق في سبيل اللَّه. قال الحاكم: على شرط مسلم انتهى. وهي رواية مفسّرةٌ، مبيّنةٌ، مرجحةٌ لرواية عائشة بنت طلحة في أمر زينب. قال ابن رُشيد: والدليل على أن عائشة لا تعني سودة قولها: ((فعلمنا بعدُ))، إذ قد أخبرت عن سودة بالطول الحقيقيّ، ولم تذكر سبب الرجوع عن الحقيقة إلى المجاز إلا الموت، فإذا طلب السامع سبب العدول لم يجد إلا الإضمار، مع أنه يصلح أن يكون المعنى، فعلمنا بعدُ أن الْمُخْبَرَ عنها إنما هي الموصوفة بالصدقة لموتها قبل الباقيات، فينظر السامع، ويبحث فلا يجد إلا زينب، فيتعيّن الحمل عليه، وهو من باب إضمار ما لا يصلح غيره، كقوله تعالى: ﴿حَّى تَوَارَتْ بِاَلِجَابِ﴾ [ص: ٣٢]. وقال الزين ابن الْمُنَيِر رحمه الله تعالى: وجه الجمع أنّ قولها: ((فعلمنا بعدُ)) يُشعر إشعارًا قويًّا أنّهنّ حملن طول اليد على ظاهره، ثمّ علمن بعد ذلك خلافه، وأنه كناية عن كثرة الصدقة، والذي علمنه آخرًا خلاف ما اعتقدنه أوّلًا، وقد انحصر الثاني في زينب؛ للاتفاق على أنها أوّلهنّ موتًا، فتعيّن أن تكون هي المرادة، وكذلك بقيّة الضمائر بعد قوله: ((فکانت))، واستغنى عن تسميتها لشهرتها بذلك انتهى. وقال الكرمانيّ رحمه الله تعالى: يحتمل أن يقال: إن في الحديث اختصارًا، أو اكتفاء بشهرة القصّة لزينب، ويؤول الكلام بأنّ الضميررجع إلى المرأة التي علم رسول اللَّه وَله أنها أوّل من يلحق به، وكانت كثيرة الصدقة. قال الحافظ رحمه الله تعالى: الأوّل هو المعتمد، وكأنّ هذا هو السرّ في كون البخاريّ حذف لفظ سودة من سياق الحديث لَمَّا أخرجه في ((الصحيح))؛ لعلمه بالوَهَم فيه، وأنّه لَمَّا ساقه في ((التاريخ)) بإثبات ذكرها ذكر ما يُرُدّ عليه من طريق الشعبيّ أيضًا عن عبد الرحمن بن أبزى، قال: ((صلّيت مع عمر على أمّ المؤمنين زينب بنت جحش، وكانت أوّل نساء النبيّ وَّر لحوقًا به)). وقد تقدّم الكلام على تاريخ وفاتها في ((كتاب الجنائز))، وأنّه سنة عشرين. وروى ابن سعد من طريق بزرة بنت رافع، قالت: ((لَمّا خرج العطاء أرسل عمر إلى زينب بنت جحش بالذي لها، فتعجّبت، وسترته بثوب، وأمرت بتفرقته، إلى أن كشفت الثوب، فوجدت تحته خمسة وثمانين درهمًا، ثمّ قالت: ٤٠٠ جـ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ اللّهمّ لا يُدركني عطاء لعمر بعد عامي هذا، فماتت، فكانت أوّل أزواج النبيّ وَلّ لحوقًا به)). وروى ابن أبي خيثمة من طريق القاسم بن معن، قال: ((كانت زينب أوّل نساء النبيّ ﴿﴿ لحوقًا به)). فهذه رواياتٌ يعضد بعضها بعضا، ويحصُلُ من مجموعها أنّ في رواية أبي عوانة وَهَمًا . وقد ساقه يحيى بن حمّاد عنه، مختصرًا، ولفظه: «فأخذن قصبةً يتذارعنها، فماتت سودة بنت زمعة، وكانت كثيرة الصدقة، فعلمنا أنه قال: أطولكنّ يدًا بالصدقة))، هذا لفظه عند ابن حبّان، من طريق الحسن بن مدركٍ عنه. ولفظه عند النسائيّ، عن أبي داود، وهو الحرّانيّ، عنه: «فأخذن قصبةً، فجعلن يذرعنها، فكانت سودة أسرعهنّ به لحوقًا، وكانت أطولهنَ يدًا، فكان ذلك من كثرة الصدقة)). وهذا السياق لا يحتمل التأويل، إلا أنه محمولٌ على ما تقدّم ذكره من دخول الوهم على الراوي في التسمية خاصّة. والله أعلم انتهى ما ذكره الحافظ رحمه الله تعالى في ((الفتح)) (١). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد تَبَيِّنَ بما ذُكر أنّ في رواية أبي عوانة المذكورة في هذا الباب وَهَمّا، وأن الصواب أن التي لحقت بالنبيّ بَّ من أزواجه هي زينب بنت جحش رضي الله تعالى عنها، وأما سودة رضي اللّه تعالى عنها فإنما ذُكرت لطول يدها عند ذرع القصبة، وهو المعنى الحقيقيّ لطول اليد، لا لكونها أول من لحقت به وَلير، لكثرة صدقتها، وهو المعنى المجازيّ لطول اليد المقصود هنا. قال الحافظ السيوطيّ رحمه الله تعالى: وعندي أنه وقع في رواية المصنّف تقديمٌ وتأخيرٌ، وسَقَطَ لفظة ((زينب))، وأنّ أصل الكلام: ((فأخذن قَصَبَة، فجعلن يذرعنها، فكانت سودة أطولهنّ يدًا -أي حقيقة- ((وكانت أسرعهنّ لحوقًا به زينب، وكان ذلك من كثرة الصدقة))، فأسقط الراوي لفظة ((زينب))، وقدّم الجملة الثانية على الجملة الأولى. انتهى كلام الحافظ السيوطيّ رحمه اللَّه تعالى في ((شرحه))(٢). وهو كلام حسنٌ جدًّا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنیب». (١) - راجع ((الفتح)) ج٤ ص٣٦-٣٨ . (٢) - راجع ((زهر الربى)) ج٥ ص٦٨.