Indexed OCR Text
Pages 361-380
٥٠- (الْيَدُ العُليا) - حديث رقم ٢٥٣١ ٣٦١ (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما بوّب له المصنف رحمه الله تعالى، وهو كون اليد العليا -وهي المنفقة خيرًا من اليد السفلى -وهي السائلة- كما سيأتي تمام البحث فيه بعد باب، إن شاء الله تعالى. (ومنها): ما قاله المهلّب: إن سؤال السلطان الأكبر ليس بعار (ومنها): أن السائل إذا ألحف لا بأس برذه، وموعظته، وأمره بالتعفف، وترك الحرص (ومنها): أن الإنسان لا يسأل إلا عند الحاجة والضرورة؛ لأنه إذا كانت يده السفلى مع إباحة المسألة، فهو أحرى أن يمتنع من ذلك عند غير الحاجة (ومنها): أن من كان له حقّ عند أحد، فإنه يأخذه إذا أتى، فإن كان مما لا يستحقّه إلا ببسط اليد فلا يجبر على أخذه (ومنها): ما قاله ابن أبي جمرة: قد يقع الزهد مع الأخذ، فإن سخاوة النفس هو زهدها، تقول: سَخَتْ بكذا: أي جادت، وسخت عن كذا: أي لم تلتفت إليه (ومنها): أن الأخذ مع سخاوة النفس يُحصِّل أجر الزهد، والبركة في الرزق، فظهر أن الزهد يُحَصِّل خيري الدنيا والآخرة (ومنها): ضرب المثل لما لا يعقله السامع من الأمثلة؛ لأن الغالب من الناس لا يعرف البركة إلا في الشيء الكثير، فبيّن بالمثال المذكور أن البركة هي خلق من خلق الله تعالى، وضرب لهم المثل بما يعهدون، فالآكل إنما يأكل ليشبع، فإذا أكل، ولم يشبع، كان عَناءً في حقّه بغير فائدة، وكذلك المال، ليست الفائدة في عينه، وإنما هي لما يتحصّل به من المنافع، فإذا كثر المال عند المرء بغير تحصيل منفعة، كان وجوده كالعدم (ومنها): أنه ينبغي للإمام أن لا يبيّن للطالب ما في مسألته من المفسدة إلا بعد قضاء حاجته؛ لتقع موعظته له الموقع؛ لئلا يتخيّل أن ذلك سبب لمنعه حاجته (ومنها): جواز تكرار السؤال ثلاثًا، وجواز المنع في الرابعة (ومنها): أن ردّ السائل بعد ثلاث ليس بمكروه (ومنها): أن الإجمال في الطلب مقرون بالبركة. وزاد إسحاق بن راهويه في («مسنده)) من طريق معمر، عن الزهريّ في آخره: ((فمات حين مات، وإنه لمن أكثر قريش مالًا)). وفيه أيضًا سبب ذلك، وهو أن النبيّ وَلّ أعطى حكيم بن حزام دون ما أعطى أصحابه، فقال: يا رسول اللَّه، ما كنت أظنّ أن تُقَصِّرَ بي، دون أحد من الناس، فزاده، ثم استزاده حتى رضي))، فذكر نحو الحديث. قاله في ((الفتح))(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)). (١) - ((فتح)) ج ٤ ص ٩٩ - ١٠٠ . ((عمدة القاري)) ج٩ ص ٥٣. - ٣٦٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ ٥١- (بَابٌ أَيَّتُهُمَا الْيَدُ الْعُلْيَا؟) ٢٥٣٢- (أَخْبَرَنَا يُوسُفُ بْنُ عِيسَى، قَالَ: أَنْبَأَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ وَهُوَ ابْنُ زِيَادِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ - عَنْ جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ، عَنْ طَارِقِ الْمُحَارِبِيِّ، قَالَ: قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ، فَإِذَا رَسُولُ اللّهِ بِهِ، قَائِمٌ عَلَى الْمِثْبَرِ، يَخْطُبُ النَّاسَ، وَهُوَ يَقُولُ: ((يَدُ الْمُعْطِي الْعُلْيَا، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ، أُمَّكَ، وَأَبَاكَ، وَأُخْتَكَ، وَأَخَاكَ، ثُمَّ أَدْنَاكَ، أَدْنَاكَ)). مُخْتَصَرٌ). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١- (يوسف بن عيسى) بن دينار الزهريّ، أبو يعقوب المروزيّ ثقة فاضل [١٠] ٩٢٤/٣٢ . ٢- (الفضل بن موسى) السيناني المذكور قبل باب. ٣- (يزيد بن زياد بن أبي الجعد) الأشجعيّ الغَطّفَانيّ الكوفيّ، صدوق [٧]. قال أبو زرعة: شيخٌ. وقال أبو حاتم: ما بحديثه بأس، صالح الحديث. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). روى له البخاريّ في ((خلق أفعال العباد))، والمصنّف، وابن ماجه، وله عند المصنف أربعة أحاديث برقم ٢٥٣٢ و٣٧٣٤ و٤٤٣٥ و ٤٨ ٤١ . ٤- (جامع بن شدّاد) المحاربيّ، أبو صخرة الكوفيّ ثقة [٥]١٤٥/١٠٨. ٥- ((طَارِقِ الْمُحَارِبِيِّ) هو: طارق بن عبد الله المحاربيّ، من مُحارب خَصَفَة، صحابيٌّ نزل الكوفة، وله عند المصنّف ثلاثة أحاديث، تقدم أحدها في -٧٢٦/٣٣ - : ((إذا كنت تصلّي، فلا تبزقنّ بين يديك، ولا عن يمينك، وابصُق خلفك، أو تلقاء شمالك، إن كان فارغًا، وإلا فهكذا، وبزق تحت رجله، ودلكه)). والثاني: حديث الباب. والثالث(١): سيأتي في ٤٨٣٩/٤٢: أن رجلا قال: يا رسول اللَّه، هؤلاء بنو ثعلبة الذين قتلوا فلانًا في الجاهليّة، فخذ لنا بثأرنا، فرفع يديه حتى رأيت بياض إبطيه، وهو يقول: ((لا تجني أمِّ على ولد)) مرّتين . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : منها: أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير يزيد كما مرّ آنفًا، وطارق، فإنه من رجال الأربعة. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين غير شيخه، وشيخ شيخه، فمروزيان. (ومنها): أن صحابيه من المقلين، (١) سيأتي قريبًا أن الثاني والثالث حديث واحد، وإنما فرق بينهما الرواد بالاختصار. = ٣٦٣ ٥١- (بَبٌ أَيَتُهُمَا الْيَدُ العُليا؟) - حديث رقم ٢٥٣٢ فليس له إلا الأحاديث، الثلاثة المذكورة آنفًا، الأول عند المصنف، وأبي داود، وابن ماجه، والثاني عند المصنف فقط، والثالث عنده، وعند ابن ماجه. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ طَارِقٍ الْمُحَارِبِيِّ) ◌َِّ أنه (قَالَ: قَدِمْنَا) بكسر الدال المهملة (الْمَدِينَةَ، فَإِذَا رَسُولُ اللّهِ وَلَّهِ، قَائِمٌ عَلَى الْمِنْبَرِ، يَخْطُبُ النَّاسَ، وَهُوَ يَقُولُ: ((يَدُ الْمُعْطِي الْعُلْيَا) هذا نصّ واضح في أن معنى الحديث السابق: ((واليد العليا خير من اليد السفلى))، وسيأتي تمام الكلام عليه في الباب التالي، إن شاء الله تعالى (وَابْدَأْ) أي في العطاء (بِمَنْ تَعُولُ) أي بمن تجب عليك نفقته، يقال: عال الرجل أهله عَوْلًا، من باب قال: إذا مانهم، أي قام بما يحتاجون إليه، من قوت، وكسوة. وفيه تقديم نفقة نفسه وعياله؛ لأنها منحصرة فيه، بخلاف نفقة غيرهم (أُمَّكَ) يحتمل أن يكون منصوبًا بفعل محذوف، أي أعني أمّك الخ. أو منصوبًا على نزع الخافض، أي بأمّك الخ. ويحتمل أن يكون مجرورًا بدلًا من قوله: ((من تعول)). ويحتمل أن يكون مرفوعًا بتقدير: وهم أمّك الخ، فعلى الوجهين الأخيرين يكون قوله (وَأَبَاكَ) - ومثله ((أخاك))- مقصورًا معربًا على الألف، على حدّ قول الشاعر: إِنَّ أَبَاهَا وَأَبَا أَبَاهَا قَدْ بَلَغَا فِي الْمَجْدِ غَايَتَاهَا وهي لغة مشهورة، كما قال ابن مالك في ((الخلاصة)): وَقَصْرُهَا مِنْ نَقْصِهِنَّ أَشْهَرُ (وَأُخْتَكَ، وَأَخَاكَ، ثُمَّ أَدْنَاكَ) أي الأقرب إليك نسبًا (أَذْنَاكَ) الظاهر أنه معطوف بحرف الترتيب مقدّرًا، أي فأدناك (مُخْتَصَرٌ) خبر لمحذوف، أي هذا الحديث مختصر من حديث طارق المحاربيّ رضي اللَّه تعالى عنه المطوّل. وقد ساقه الإمام الدارقطنيّ رحمه الله تعالى بطوله في ((سننه)) جـ٣ص ٤٤-٤٥، فقال: حدّثنا أبو عبيد القاسم بن إسماعيل، نا أحمد بن محمد بن يحيى بن سعيد القطّان، نا ابن نُمير، عن يزيد بن زياد بن أبي الجعد، نا أبو صخرة، جامع بن شدّاد، عن طارق ابن عبد الله المحاربيّ، قال: رأيت رسول اللّه ◌َ ل مرّتين، مرّة بسوق ذي المجاز، وأنا في تباعة لي هكذا، قال: أبيعها، فمرّ، وعليه حلّة حمراء، وهو ينادى بأعلى صوته: (يا أيها الناس قولوا: لا إله إلا اللَّه تفلحوا))، ورجلٌ يتبعه بالحجارة، وقد أدمى كعبيه، وعرقوبيه، وهو يقول: يا أيها الناس لا تطيعوه، فإنه كذّابٌ، قلت: من هذا؟ فقالوا: هذا غلام بني عبد المطلب، قلت: من هذا الذي يتبعه، يرميه؟ قالوا: هذا عمه عبد العزى، وهو أبو لهب، فلما ظهر الإسلام، وقدم المدينة أقبلنا في ركبٍ من الرَّبَذَة، ٣٦٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الرَّكَاةِ وجنوب الربذة، حتى نزلنا قريبًا من المدينة، ومعنا ظعينة لنا، قال: فبينا نحن قُعُودٌ، إذ أتانا رجلٌ عليه ثوبان أبيضان، فسلّم علينا، فرددنا عليه، فقال: ((من أين أقبل القوم؟))، قلنا: من الرَّبَذَة، وجنوب الربذة، قال: ومعنا جمل أحمر، قال: ((تبيعوني جملكم؟))، قلنا: نعم، قال: ((بكم؟))، قلنا: بكذا وكذا صاعًا من تمر، قال: فما استوضعنا شيئًا، وقال: ((قد أخذته))، ثم أخذ برأس الجمل حتى دخل المدينة، فتوارى عنّا، فتلاومنا بيننا، وقلنا: أعطيتم جملكم من لا تعرفونه، فقالت الظعينة: لا تَلَاوَمُوا، فقد رأيت وجه رجل ما كان ليَحقِركم، ما رأيت وجه رجل أشبه بالقمر ليلة البدر من وجهه، فلما كان العشاء أتانا رجلٌ، فقال: السلام عليكم، أنا رسول رسول اللَّه وَله إليكم، وأنه أمركم أن تأكلوا من هذا حتى تشبعوا، وتكتالوا، حتى تستوفوا، قال: فأكلنا حتى شبعنا، واكتلنا حتى استوفينا، فلما كان من الغد دخلنا المدينة، فإذا رسول اللّه بَّر قائم على المنبر، يخطب الناس، وهو يقول: ((يد المعطي العليا، وابدأ بمن تعول، أمّك، وأباك، وأختك، وأخاك، وأدناك، أدناك))، فقام رجل من الأنصار، فقال: يا رسول اللَّه، هؤلاء بنو ثعلبة بن يربوع الذين قتلوا فلانًا في الجاهليّة، فخذ لنا بثأرنا، فرفع يديه حتى رأينا بياض إبطيه، فقال: ((ألا لا يجني والد على ولده)). انتهى(١) . والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث طارق المحاربيّ رَّه هذا صحيح، وهو من أفراد المصنّف رحمه اللَّه تعالى، لم يخرجه من أصحاب الأصول غيره، أخرجه هنا - ٢٥٣٢/٥١- وفي ((الكبرى)) ٢٣١١/٥٣. وأخرجه (الداقطنيّ) في («سننه)) ٤٤/٣-٤٥ و(الطبراني) برقم ٨١٧٥. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)). ٥٢- (الْيَدُ السُّفْلَى) ٢٥٣٣ - (أَخْبَرَنَا قُتَنِبَةُ، عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ، قَالَ -وَهُوَ يَذْكُرُ الصَّدَقَةَ، وَالتَّعَفُّفَ عَنِ الْمَسْأَلَةِ -: ((الْيَدُ الْعُلْيَا، خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ (١) - (سنن الدار قطنيّ)) ج٣ ص ٤٤-٤٥. ٣٦٥ = ٥٢- (الیدُ السُّفلی) - حدیث رقم ٢٥٣٣ السُّفْلَى، وَالْيَدُ الْعُلْيَا الْمُنْفِقَةُ، وَالْيَدُ السُّفْلَى السَّائِلَةُ))). رجال هذا الإسناد: أربعة، وكلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من رباعيات المصنف رحمه الله تعالى، وهو (١٣٠) من رباعيات الكتاب. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين غير شيخه، وقد دخل المدينة للأخذ عن مالك. (ومنها): أن هذا السند أصحّ الأسانيد على الإطلاق، على ما نقل عن الإمام البخاريّ رحمه اللّه تعالى. (ومنها): أن فيه ابن عمر رَواتها أحد العبادلة الأربعة المشهورين بالفتوى، والمكثرين السبعة، روى (٢٦٣٠) حديثًا. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ) دَا (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلَّهِ قَالَ -وَهُوَ يَذْكُرُ الصَّدَقَةَ) جملة حاليّة، أي والحال أنه رَّ يذكر فضل الصدقة، ويحضّ الغنيّ عليها (وَالتَّعَفُّفَ عَنِ الْمَسْأَلَةِ -) ولفظ البخاريّ من طريق أيوب، عن نافع: ((قال -وهو على المنبر، وذكر الصدقة، والتعفّف، والمسألة)). والمعنى أنه وَّر يحضّ الغنيّ على الصدقة، والفقير على التعفّف عن المسألة، أو يحضّه على التعفّف، ويذمّ المسألة. (الْيَدُ الْعُلْيَا، خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى) هذه الجملة هي مقول ((قال)». أي قال ◌َّر، والحال أنه يذكر الصدقة، والتعفّف: ((اليدُ العليا خير من اليد السفلى))، ثم فسّر ذلك بقوله (وَالْيَدُ الْعُلْيَا الْمُنْفِقَةُ، وَالْيَدُ السُّفْلَى السَّائِلَةُ) قال أبو داود: قال الأكثر عن حماد بن زيد: ((المنفقة))، وقال واحد عنه: ((المتعفّفة))، وكذا قال عبد الوارث، عن أيوب انتهى. قال الحافظ: فأما الذي قال عن حماد: ((المتعفّفة)) - بالعين، وفاءين- فهو مسدّدٌ، كذلك رويناه في ((مسنده))، رواية معاذ بن المثنّى عنه، ومن طريقه أخرجه ابن عبد البرّ في ((التمهيد))، وقد تابعه على ذلك أبو الربيع الزَّهْرانيّ، كما رويناه في ((كتاب الزكاة)) ليوسف بن يعقوب القاضي، حدثنا أبو الربيع. وأما رواية عبد الوارث، فلم أقف عليها موصولة، وقد أخرجه أبو نُعيم في ((المستخرج)) من طريق سليمان بن حرب، عن حماد بلفظ: ((واليد العليا يد المعطي)). وهذا يدلّ على أن من رواه عن نافع بلفظ ((المتعفّفة)) فقد صحف. قال ابن عبد البرّ: ورواه موسى بن عقبة، عن نافع، فاختلف عليه أيضًا، فقال حفص بن ميسرة، عنه: ((المنفقة))، كما قال مالك. قال الحافظ: وكذا قال فضيل بن سليمان، عنه، أخرجه ابن حبّان من طريقه، قال: ورواه إبراهيم بن طهمان، عن موسى، فقال: ((المنفقة))، قال = ٣٦٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ ابن عبد البرّ: رواية مالك أولى، وأشبه بالأصول، ويؤيّده حديث طارق المحاربيّ، عند النسائيّ، قال: قدمنا المدينة، فإذا النبيّ وَله قائم على المنبر، يخطب الناس، وهو يقول: ((يد المعطي العليا)) انتهى. ولابن أبي شيبة، والبزار، من طريق ثعلبة بن زهدم مثله. وللطبرانيّ بإسناد صحيح، عن حكيم بن حزام، مرفوعًا: ((يد اللَّه فوق يد المعطي، ويد المعطي فوق يد المعطَى، ويد المعطَى أسفل الأيدي)). وللطبرانيّ من حديث الجذاميّ، مرفوعًا مثله. ولأبي داود، وابن خزيمة، من حديث أبي الأحوص عوف بن مالك، عن أبيه، مرفوعًا: ((الأيدي ثلاثة: فيد اللَّه العليا، ويد المعطي التي تليها، ويد السائل السفلى)). ولأحمد، والبزار، من حديث عطيّة السعديّ: ((اليد المعطية هي العليا، والسائلة هي السفلى)). (تنبيه): هذه الأحاديث كلها واضحة في أن التفسير المذكور مرفوع، قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: وقع تفسير اليد العليا والسفلى في حديث ابن عمر هذا، وهو نصّ يرفع الخلاف، ويدفع تعسّف من تعسّف في تأويله انتهى. قال الحافظ رحمه الله تعالى: لكن ادعى أبو العبّاس الدانيّ في ((أطراف الموطإ)) أن التفسير المذكور مدرجٌ في الحديث، ولم يذكر مستنده لذلك، ثم وجدت في ((كتاب العسكريّ في الصحابة)) بإسناد له، فيه انقطاعٌ، عن ابن عمر أنه كتب إلى بشر بن مروان أني سمعت النبيّ وَّهِ: ((اليد العليا خير من اليد السفلى، ولا أحسب اليد السفلى إلا السائلة، ولا العليا إلا المعطية)). فهذا يشعر بأن التفسير من كلام ابن عمر، ويؤيّده ما رواه ابن أبي شيبة من طريق عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، قال :: ((كنا نتحدّث أن العليا هي المنفقة)) انتهى(١). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: عندي أن دعوى الإدراج المذكور غير صحيحة؛ لأن الحديث اتفق عليه الشيخان، مرفوعًا، وما ذكره الحافظ مما يؤيّد الدعوى المذكورة، فغير مقبول؛ لأن ما نقله من كتاب العسكري منقطع، كما اعترف هو به، وكذا ما نقله عن ابن أبي شيبة، ففي سنده سفيان الثوريّ، وهو وإن كان إمامًا، إلا أنه مدلّسٌ، وقد رواه بالعنعنة(٢)، فكيف يُعارَض بمثل هذا ما اتفق الشيخان على صحته مرفوعًا؟، فتبصّر بالإنصاف، ولا تتحيّر بالاعتساف. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. (١) - ((فتح) ج٤ ص٤٩ . (٢) - انظر ((مصنّف ابن أبي شيبة)) ج٣ص٢١١. ٣٦٧ ٥٢- (الیدُ السُّفلی) - حدیث رقم ٢٥٣٣ مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عبد الله بن عمر تَطيها هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٢٥٣٣/٥٢ - وفي ((الكبرى)) ٢٣١٢/٥٤. وأخرجه (خ) في ((الزكاة)) ١٤٢٩ (م) في ((الزكاة)) ١٠٣٣ (د) في ((الزكاة)١٦٤٨ (أحمد) في ((مسند المكثرين)) ٤٤٦٠ و٥٣٢٢ و٥٦٩٥ و٦٠٠٣ و٦٣٦٦ (الموطأ) ١٨٨١. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما بوّب له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان أن اليد السفلى هي السائلة، كما أن الباب السابق فيه بيان أن اليد العليا هي المعطية، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة التالية، إن شاء اللّه تعالى (ومنها): إباحة الكلام للخطيب أثناء خطبته بكلّ ما يصلح من موعظة، وعلم، وقُرَبٍ (ومنها): الحثّ على الإنفاق في وجوه الطاعة (ومنها): تفضيل الغِنَى مع القيام بحقوقه على الفقر؛ لأن العطاء إنما يكون مع الغنى (ومنها): كراهة السؤال، والتنفير عنه، ومحلّه إذا لم تدع إليه ضرورةٌ، من خوف هلاك ونحوه. وقد روى الطبرانيّ من حديث ابن عمر رَبِيهَا بإسناد فيه مقالٌ، مرفوعًا: ((ما المعطي من سَعَة بأفضل من الآخذ إذا كان محتاجًا. قاله في ((الفتح))(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): دلّت الأحاديث المتقدّمة المتضافرةُ على أن اليد العليا هي المنفقة المعطية، وأن السفلى هي السائلة، وهذا هو المعتمد، وهو قول الجمهور. وقيل: اليد السفلى الآخذة، سواء كان بسؤال، أم بغير سؤال. وهذا أباه قومٌ، واستندوا إلى أن الصدقة تقع في يد اللَّه قبل يد المتصَدَّق عليه. قال ابن العربيّ: التحقيق أن السفلى يد السائل، وأما يد الآخذ فلا؛ لأن يد اللَّه هي المعطية، ويد اللَّه هي الآخذة، وكلتاهما يمين انتهى. قال الحافظ: وفيه نظر؛ لأن البحث إنما هو في أيدي الآدميين، وأما يد الله تعالى، فباعتبار كونه مالك كلّ شيء نسبت يده إلى الإعطاء، وباعتبار قبوله للصدقة، ورضاه بها نسبت يده إلى الأخذ، ويده العليا على كلّ حال، وأما يد الآدميّ، فهي أربعة: (أحدها): يد المعطي، وقد تضافرت الأخبار بأنها عليا. (١) - ((فتح) ج٤ ص٥١ . ٣٦٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ ثانيها: يد السائل، وقد تضافرت الأخبار أيضًا بأنها سفلى، سواء أخذت، أم لا، وهذا موافق لكيفيّة الإعطاء والأخذ غالبًا، وللمقابلة بين العلو والسفل المشتقّ منهما. (ثالثها): يد المتعفّف عن الأخذ، ولو بعد أن تَمُدّ إليه يد المعطي مثلاً، وهذه توصف بكونها عُلْيا علوًا معنويًّا. (رابعها): يد الآخذ بغير سؤال، وهذه قد اختلف فيها، فذهب جمع إلى أنها سفلى، وهذا بالنظر إلى الأمر المحسوس، وأما المعنويّ فلا يطّرد، فقد تكون عليا في بعض الصور، وعليه يُحمل كلام من أطلق كونها عليا. قال ابن حبّان في ((صحيحه)): عندي أن اليد المتصدّقة أفضل من السائلة، لا الآخذة دون السؤال؛ إذ محالٌ أن تكون اليد التي أبيح لها استعمال فعل باستعماله، دون(١) من فرض عليه إتيان شيء، فأتى به، أو تقرّب إلى بارئه متنفّلًا فيه، وربما كان المعطي في إتيانه ذلك أقلّ تحصيلًا في الأسباب من الذي أتى بما أبيح له، وربما كان هذا الآخذ لِمَا أبيح له أفضل، وأورع من الذي يعطي، فلما استحال هذا على الإطلاق دون التحصيل بالتفضيل، صحّ أن معناه أن المتصدّق أفضل من الذي يسألها انتهى (٢). وعن الحسن البصريّ: اليد العليا المعطية، والسفلى المانعة، ولم يوافق عليه. وأطلق آخرون من المتصوّفة أن اليد الآخذة أفضل من المعطية مطلقًا. ونقل ابن قتيبة في ((غريب الحديث)) ذلك عن قوم، ثم قال: وما أرى هؤلاء إلا قومًا استطابوا السؤال، فهم يحتجّون للدناءة، ولو جاز هذا لكان المولى مِن فوقُ هو الذي كان رقيقًا، فأُعتق، والمولى من أسفلُ هو السيّد الذي أعتقه انتهى. قال الحافظ: وقرأت في ((مطلع الفوائد)) للعلامة جمال الدين ابن نُباتة في تأويل الحديث المذكور معنى آخر، فقال: اليد هنا هي النعمة، وكأنّ المعنى أن العطيّة الجزيلة خيرٌ من العطية القليلة. قال: وهذا حثّ على المكارم بأوجز لفظٍ، ويشهد له أحد التأويلين في قوله: ((ما أبقت غنى))، أي ما حصل به للسائل غنى عن سؤاله، كمن أراد أن يتصدّق بألف، فلو أعطاها لمائة إنسان لم يظهر عليهم الغنى، بخلاف ما لو أعطاها لرجل واحد، قال: وهو أولى من حمل اليد على الجارحة؛ لأن ذلك لا يستمرّ؛ إذ فيمن يأخذ من هو خيرٌ عند الله ممن يعطي. قال الحافظ: التفاضل هنا يرجع إلى الإعطاء والأخذ، ولا يلزم منه أن يكون المعطي أفضل من الآخذ على الإطلاق. وقد روى إسحاق في ((مسنده)) من طريق عمر بن (١) - عبارة ابن حبان ((أحسن)) وما هنا من ((الفتح))، وهو الظاهر. (٢) - ((صحيح ابن حبّان)) ج٨ ص١٥٠ - ١٥١ بتحقيق شعيب الأرنؤوط. ٥٣- (الصّدقةُ عَنْ ظَهْرِ غِنَی) - حدیث رقم ٢٥٣٤ ٣٦٩ عبد الله بن عروة بن الزبير: أن حكيم بن حزام، قال: يا رسول اللَّه، ما اليد العليا؟ قال: ((التي تعطي، ولا تأخذ)). فقوله: ((ولا تأخذ)) صريحٌ في أن الآخذة ليست بعليا. والله أعلم. قال: وكلّ هذه التأويلات المتعسّفة تَضمَحِلّ عند الأحاديث المتقدّمة المصرّحة بالمراد، فأولى ما فُسّر الحديث بالحديث. ومُحصّل ما في الآثار المتقدّمة أن أعلى الأيدي المنفقة، ثم المتعفّفة عن الأخذ، ثم الآخذة بغير سؤال، وأسفل الأيدي السائلة، والمانعة. والله أعلم انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله الحافظ رحمه الله تعالى كلام حسنٌ جدًّا. والحاصل أن المذهب الحقّ في المسألة هو ما ذهب إليه الجمهور من أن اليد العليا هي المنفقة، والسفلى هي السائلة؛ لوضوح دليله، وأما العكس فلا يؤيّده النقل، بل يدفعه، ويبطله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب)). ٥٣- (الصَّدَقَةُ عَنْ ظَهْرِ غِنّى) ٢٥٣٤ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا بَكْرٌ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ، قَالَ: ((خَيْرُ الصَّدَقَةِ، مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنَى، وَالْيَدُ الْعُلْيَا، خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ))). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١- (قتيبة المذكور في الباب الماضي. ٢- ((بكرٌ) بن مضر، أبو محمد المصريّ ثقة ثبت [٨]١٧٣/١٢٢. ٣- (ابن عجلان) محمد المدني، صدوق اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة[٥]٣٦/ ٤٠ . ٤- (أبوه) عجلان مولى فاطمة بنت عتبة بن ربيعة المدنيّ، لا بأس به [٤]. روى عن مولاته،، وأبي هريرة، وزيد بن ثابت. وعنه ابنه محمد، وبُکیر بن بن (١) - (فتح)) ج ٤ ص ٤٩- ٥٠ . ٣٧٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ عبد الله بن الأشجّ، وإسماعيل بن أبي حبيبة، إن كان محفوظًا. قال النسائيّ: لا بأس به. وقال الآجرّيّ، عن أبي داود: لم يرو عنه غير ابنه محمد. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). علّق له البخاريّ، وأخرج له الباقون، وله عند المصنف حدیثان، هذا ٢٥٣٤ و٢٥٧٥ حديث: ((ثلاثة لا يكلهم اللَّه عز وجل .. )) الحديث. ٥- (أبو هريرة) تَظّه ١/١. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : منها: أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين غير شيخه فبغلاني، وشيخ شيخه، فمصري. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وتابعي، عن تابعي، وفيه أبو هريرة تَّ أحفظ من روى الحديث في دهره. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) لَّهِ (عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَِّ) أنه (قَالَ: ((خَيْرُ الصَّدَقَةِ، مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنّى) جملة من مبتدأ وخبر. أي إن أفضل الصدقة ما وقع من غير محتاج إلى ما يتصدّق به لنفسه، أو لمن تلزمه نفقته، وسيأتي اختلاف أهل العلم في تفسير المراد بقوله: ((عن ظهر غنّى)) في المسألة الثالثة، إن شاء اللَّه تعالى. وقوله: (وَالْيَدُ الْعُلْيَا، خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ) قد تقدّم شرحه في الأبواب الماضية، فليُراجَع. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث : (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي هريرة رَزّ هذا أخرجه البخاريّ. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا - ٢٥٣٤/٥٣ و٢٥٤٤/٦٠ - وفي («الكبرى» ٢٣١٣/٥٥ و٢٣٢٢/٦٢. وأخرجه (خ) في ((الزكاة)) ١٤٢٦ و((النفقات)) ٥٣٥٥ و٥٣٥٦ (د) في ((الزكاة)) ١٦٧٦ (أحمد) في باقي مسند المكثرين)) ٧١١٥ و٧٣٠١ و٧٣٨١ و٧٦٨٣ و٧٨٠٧ و٨٨٧٨ و٨٩٧٠ و٩٣٣٠ و٩٨١٦ و٢٧٢٧٨ و١٠٤٠٦ و١٠٤٣٧ (الدارميّ) في ((الزكاة)) ١٦٥١. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في معنى قوله: ((ما كان عن ظهر غنّى)): ٣٧١ ٥٣- (الصَّدقةُ عَنْ ظَهْرِ غِنی) - حدیث رقم ٢٥٣٤ قال الخطّابيّ رحمه اللّه تعالى: لفظ ((الظهر)) يَرِد في مثل هذا إشباعًا للكلام، والمعنى أفضل الصدقة ما أخرجه الإنسان من ماله بعد أن يستبقي منه قدر الكفاية، ولذلك قال بعده: ((وابدأ بمن تعول)). وقال البغويّ رحمه الله تعالى: المراد غِنَّى يَستظهر به على النوائب التي تنوبه، ونحوه قولهم: ركب متن السلامة. والتنكير في قوله: ((غنّى)) للتعظيم، هذا هو المعتمد في معنى الحديث. وقيل: المراد خير الصدقة ما أغنيت به من أعطيته عن المسألة. وقيل: ((عن)) للسببية، و((الظهر)) زائد، أي خير الصدقة ما كان سببها غنى في المتصدّقِ. وقال النوويّ رحمه الله تعالى: مذهبنا أن التصدّق بجميع المال مستحب لمن لا دين عليه، ولا له عيالٌ لا يصبرون، ويكون هو ممن يصبر على الإضاقة والفقر، فإن لم يجمع هذه الشروط فهو مكروه(١). وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى في ((المفهم)): قوله: ((خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى)): أي ما كان من الصدقة بعد القيام بحقوق النفس، وحقوق العيال. وقال الخطّابيّ: أي متبرّعًا، أو عن غنّى يعتمده، ويستظهر به على النوائب. والتأويل الأول أولى، غير أنه يبقى علينا النظر في درجة الإيثار التي أثنى الله بها على الأنصار، إذ قال: ﴿ وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ رِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ الآية [الحشر: ٩]. وقد روي أن هذه الآية نزلت بسبب رجل من الأنصار ضافه ضيفٌ، فَتَوّمَ صبيانه، وأطفأ السّراج، وآثر الضيف بقوتهم(٢). وكذلك قوله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ اَلّعَامَ عَلَى حُبِّهٍ﴾ الآية [الإنسان: ٨]. أي على شدّة الحاجة إليه، والشهوة له، ولا شكّ أن صدقةً مَن هذه حاله أفضل. وفي حديث أبي ذرّ ◌َّه: ((أفضل الصدقة جهد مقلّ))(٣). وفي حديث أبي هريرة ◌َطّه: (سبق درهم مائة ألف ... )) (٤). فقد أفاد مجموع ما ذكرنا أن صدقة المؤثر، والمقلّ أفضل، وحينئذ يثبت التعارض بين هذا المعنى، وبين قوله: ((خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى)) على تأويل الخطّابيّ، فأما على ما أولنا به الغنى، فيرتفع التعارض. وبيانه أن الغِنَى يُعنى به في الحديث حصول ما تُدفع به الحاجة الضروريّة، كالأكل (١) - ((فتح)) ج ٤ ص ٤٧ - ٤٨ . (٢) - أخرجه البخاريّ في ((صحيحه)) في تفسير ((سورة الحشر)). (٣) - صحيح تقدم للمصنّف قبل ثلاثة أبواب، بلفظ «فأيّ الصدقة أفضل؟ قال: ((جهد المقلّ)). (٤) -صحيح، تقدم في الباب المذكور أيضًا. ٣٧٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ عند الجوع المشوّش، الذي لا صبر عليه، وستر العورة، والحاجة إلى ما يدفع به عن نفسه الأذى، وما هذا سبيله، فهذا ونحوه مما لا يجوز الإيثار به، ولا التصدّق، بل يحرم، وذلك أنه إذا آثر غيره بذلك أدى إلى هلاك نفسه، أو الإضرار بها، أو كشف عورته، فمراعاة حقّه أولى على كلّ حال، فإذا سقطت هذه الواجبات صحّ الإيثار، وكانت صدقته هي الأفضلَ؛ لأجل ما يتحمّل من مضض الفقر، وشدّة مشقّته. انتهى كلام القرطبيّ رحمه اللّه تعالى(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي وجه به القرطبيّ رحمه اللّه تعالى هذا الحديث حسنٌ جدًّا، حيث تجتمع به الأدلّة، ويندفع به التعارض بينها. وحاصله أن المراد بالغنى في قوله: ((ما كان عن ظهر غنى)) الغنى الذي يقوم معه على حقوق نفسه، وحقوق العيال، من دفع الحاجات الضروريّة التي لا بدّ للإنسان، كالأكل من جوع، واللبس من عري، ونحوهما، فما كان بعد ذلك من الصدقة، فهو أفضل؛ للنصوص التي وردت في مدح الإيثار، وإن كان معه نوع احتياج. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنیب)). ٥٤- (تَفْسِيرُ ذَلِكَ) أي هذا باب في ذكر الحديث الدّالّ على تفسير قوله وَليه: ((لا صدقة إلا عن ظهر غِنِّى))، ووجه ذلك أن المراد بالغنى هو أن يستغني المتصدّق عما يتصدّق به، فلا يحتاجه لنفقة نفسه، ولا لنفقة من تلزمه نفقته، من زوجة، وولد، وخادم، ولا يراد الغنى المعروف عند الناس، وهو أن يكون كثير المال. والله تعالى أعلم بالصواب. ٢٥٣٥ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالًا: حَدَّثَنَا يَخْتِى، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((تَصَدَّقُوا))، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عِنْدِي دِينَارٌ، قَالَ: ((تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى نَفْسِكَ)»، قَالَ عِنْدِي آخَرُ، قَالَ: (تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى زَوْجَتِكَ))، قَالَ: عِنْدِي آخَرُ، قَالَ: (تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى وَلَدِكَ))، قَالَ: عِنْدِي (١) - ((المفهم)) ج٣ ص ٨٠-٨١. ٣٧٣ ٥٤- (تفسِیرُ ذلِكَ) - حديث رقم ٢٥٣٥ آخَرُ، قَالَ: ((تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى خَادِمِكَ))، قَالَ: عِنْدِي آخَرُ، قَالَ: ((أَنْتَ أَبْصَرُ))). رجال هذا الإسناد : ستة: ١- (عمرو بن علي) الفلاس البصريّ، ثقة حافظ [١٠]٤/٤. ٢- (محمد بن المثنى) العنزي البصريّ، الثقة الثبت [١٠]. ٣- (يحيى) بن سعيد القطّان البصري الحجة الثبت [٩]٤/٤. والباقون تقدموا قريبًا، وسعيد هو المقبريّ. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من خماسيات المصنف رحمه اللَّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من ابن عجلان، والباقون بصريون. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رَّيِ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: (تَصَدَّقُوا، فَقَالَ رَجُلٌ) لم أر من سمّاه (يَا رَسُولَ اللَّهِ، عِنْدِي دِينَارٌ) أي وأريد أن أتصدّق به (قَالَ) بَرِ ( «تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى نَفْسِكَ) أي اقض به حوائج نفسك، وإنما قدّم النفس؛ لأنها أقرب قريب للإنسان، فتكون حقوقها مقدّمة على غيرها (قَالَ عِنْدِي آخَرُ، قَالَ: ((تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى زَوْجَتِكَ) اختلفت الرواية في تقديم الولد على الزوجة، فقدّمها عليه في رواية المصنّف، وأحمد، وابن حبّان، وابن حزم. وقدّمه عليها في رواية الشافعيّ، وأبي داود، والحاكم. قال ابن حزم: اختلف يحيى القطّان، والثوريّ، عن ابن عجلان، عن سعيد المقبريّ، عن أبي هريرة، فقدّم يحيى الزوجة على الولد، وقدّم سفيان الولد على الزوجة، فينبغي أن لا يقدّم أحدهما على الآخر، بل يكونان سواء؛ لأنه صح أن النبيّ * كان إذا تكلّم تكلّم ثلاثًا، فيحتمل أن يكون في إعادته إياه مرّة قدّم الولد، ومرّة قدّم الزوجة، فصارا سواءً. قال الحافظ في ((التلخيص)) بعد ذكر كلام ابن حزم: ما نصّه: قلت: وفي ((صحيح مسلم)) من رواية جابر تقديم الأهل على الولد، من غير تردّد، فيمكن أن تُرجّح به إحدی الروایتین انتهى. ولفظ حديث جابر عند مسلم، قال: ((ابدأ بنفسك، فتصدّق عليها، فإن فَضَل شيء، فلأهلك، فإن فضل عن أهلك شيء، فلذي قرابتك، فإن فضل عن ذي قرابتك شيء، فهكذا، وهكذا، يقول: فبين يديك، وعن يمينك، وعن شمالك)). ٣٧٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ قال الشوكانيّ: يمكن ترجيح تقديم الزوجة على الولد بما وقع من تقديمها في حديث جابر رضي الله عنه انتهى. وقال الطيبيّ: إنما قدّم الولد على الزوجة -أي في رواية الشافعيّ، وأبي داود، والحاكم- لشدّة افتقاره إلى النفقة، بخلافها، فإنه لو طلّقها لأمكنها أن تتزوّج بآخر. وقال الخطّابيّ في ((المعالم): هذا الترتيب إذا تأملته علمت أنه ◌َ ﴿ قدّم الأولى، فالأولى، والأقرب، وهو أنه أمره بأن يبدأ بنفسه، ثمّ بولده لأن ولده كبعضه، فإذا ضيّعه هلك، ولم يجد من ينوب عنه في الإنفاق عليه، ثم ثلّث بالزوجة، وأخرها عن درجة الولد لأنه إذا لم يجد ما يُنفق عليها فرّق بينهما، وكان لها من يمونها، من زوج، أو ذي رحم، تجب نفقتها عليه، ثم ذكر الخادم؛ لأنه يباع عليه إذا عجز عن نفقته، فتكون النفقة على من يبتاعه، ويملكه انتهى(١). (قَالَ: عِنْدِي آخَرُ، قَالَ: ((تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى وَلَدِكَ))) فيه دليلٌ على أن الأب يلزمه نفقة ولده المعسر، فإن کان صغيرًا، فذلك بالإجماع، وإن کان کبیرًا ففيه اختلاف. قال الإمام ابن المنذر رحمه الله تعالى: اختلف في نفقة من بلغ من الأولاد، ولا مال له، ولا كسب، فأوجبت طائفة النفقة لجميع الأولاد، أطفالًا كانوا، أو بالغين، إناثًا، وذكرانًا، إذا لم يكن لهم أموال، يستغنون بها. وذهب الجمهور إلى أن الواجب أن ينفق عليهم حتى يبلغ الذكر، أو تتزوّج الأنثى، ثم لا نفقة على الأب إلا إن كانوا زمنى، فإن كانت لهم أموالٌ، فلا وجوب على الأب. وألحق الشافعيّ ولد الولد، وإن سفل بالولد في ذلك انتهى (٢). (قَالَ: عِنْدِي آخَرُ، قَالَ: ((تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى خَادِمِكَ) أي لأن نفقته واجبة على السيّد، حيث إنه يباعِ عليهِ إذا عجز عن نفقته، فتقدّم على الصدقة على سائر الأقرباء (قَالَ: عِنْدِي آخَرُ، قَالَ: ((أَنْتَ أَبْصَرُ) أي أعلم بشأنه، فإن شئت تصدّقت به، وإن شئت أمسكته. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي هريرة تَّ هذا صحيح. [فإن قيل]: في إسناده محمد بن عجلان، وقد اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة - (١) - راجع ((المرعاة)) ج ٦ ص٣٧٦. (٢) - راجع ((المرعاة)) ج ٦ ص٣٦٦. ٥٥- (باب إِذاَ تَصَدَّقَ، وَهُوَ مُختاجٌ ... - حديث رقم ٢٥٣٦ ٣٧٥ == رضا ، فكيف يصح؟ [قلت]: يصحّ بشواهده، فقد تقدم قريبًا حديث جابر تز ، وغيره، وصححه ابن حبّان، والحاكم، وقال: على شرط مسلم (١)، ووافقه الذهبيّ، وصححه أيضا الشيخ أحمد شاكر، والشيخ الألباني. والله تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا - ٢٥٣٥/٥٤- وفي ((الكبرى)) ٢٣١٤/٥٦. وأخرجه (د) في ((الزكاة)) ١٦٩١ (الشافعيّ) في ((مسنده)) ٢٠٩ (أحمد) ٧٤١٣ و١٠٠٨٨ (ابن حبّان) في ((صحيحه)) ٤٢١٩ (الحاكم) في ((المستدرك)) ج١ ص٤١٥. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما بوّب له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان معنى ((الصدقة عن ظهر غنی)). (ومنها): أن الواجب على الشخص في النفقة أن يقدّم نفسه، ثم الأقرب، فالأقرب (ومنها): وجوب نفقة الزوجة، وهو مجمع عليه (ومنها): وجوب نفقة الأولاد، وقد تقدم قريبًا اختلاف أهل العلم فيه (ومنها): وجوب نفقة الخادم (ومنها): أن المتطوّع بالصدقة مخيّرٌ بين أن يتصدّق، وبين أن يترك، فلا تجب عليه الصدقة، إلا الزكاة، وصدقة الفطر، أو ما يكون لعارض، كما إذا وجد مضطرًّا، على ما قدّمنا تفصيله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)). ٥٥- (بَابٌ إِذَا تَصَدَّقَ، وَهُوَ مُخْتَاجٌ إِلَيْهِ، هَلْ يُرَدُّ عَلَيْهِ) أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على أن من تصدّق بما يحتاج إليه هل تبطل صدقته، وتردّ عليه، والجواب نعم، كما هو القول الراجح، وسيأتي تحقيق الخلاف في ذلك قريبًا، إن شاء الله تعالى . والله تعالى أعلم بالصواب. (١) - لكن فيه نظر، فإن محمد بن عجلان لم يخرج له مسلم، إلا في المتابعات، لا محتجًّا به، انظر (تهذيب التهذيب)) ج٣ص ٦٤٧ . = ٣٧٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ ٢٥٣٦ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْتِى، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَجْلَانَ، عَنْ عِيَاضٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ الْمَسْجِدَ، يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَرَسُولُ اللَّهِ وَهـ يَخْطُبُ، فَقَالَ: ((صَلِّ رَكْعَتَيْنٍ))، ثُمَّ جَاءَ الْجُمُعَةَ الثَّانِيَّةَ، وَالنِّّ وَِّ يَخْطُبُ، فَقَالَ: ((صَلِّ رَكْعَتَيْنِ))، ثُمَّ جَاءَ الْجُمَّعَةَ الثَّالِثَةَ، فَقَالَ: ((صَلِّ رَكْعَتَيْنِ))، ثُمَّ قَالَ: ((تَصَدَّقُوا))، فَتَصَدَّقُوا، فَأَغْطَاهُ ثَوْبَيْنٍ، ثُمَّ قَالَ: ((تَصَدَّقُوا))، فَطَرَحَ أَحَدَ ثَوْبَيْهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَّهِ: (أَلَمْ تَرَوْا إِلَى هَذَا، أَنَّهُ دَخَلَ الْمَسْجِدَ بِهِيْئَةٍ بَذَّةٍ، فَرَجَوْتُ، أَنْ تَفْطِئُوا لَهُ، فَتَتَصَدَّقُوا(١) عَلَيْهِ، فَلَمْ تَفْعَلُوا، فَقُلْتُ: تَصَدَّقُوا، فَتَصَدَّقْتُمْ، فَأَعْطَيْتُهُ ثَوْبَيْنٍ، ثُمَّ قُلْتُ: تَصَدَّقُوا، فَطَرَحَ أَحَدَّ ثَوْبَيْهِ، خُذْ ثَوْبَكَ))، وَانْتَهَرَهُ). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد: خمسة: وقد تقدموا في الباب الماضي، سوى: ١- (عياض) بن عبد الله بن سعد بن أبي سرح القرشي العامري المكي، ثقة [٣]١٤٠٨/٢٦ . ٢- (أبو سعيد) سعد بن مالك بن سنان الخدري رضي الله تعالى عنهما ٢٦٢/١٦٩. والحديث صحيح، وقد تقدّم في١٤٠٨/٢٦ - رواه عن محمد بن عبد الله بن يزيد، عن سفيان، عن ابن عجلان به، وتقدّم شرحه، والكلام على مسائله، وبقي الكلام على ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، فأقول: (مسألة): في حكم التصدّق مع الحاجة إلى المال: قال الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى في «صحيحه)): ومن تصدّق، وهو محتاجٌ، أو أهله محتاجٌ، أو عليه دين، فالدين أحقّ أن يُقضَى من الصدقة، والعتق، والهبة، وهو ردِّ عليه، ليس له أن يُتلِفَ أموال الناس، قال النبيّ وَله: ((من أخذ أموال الناس يُريد إتلافها أتلفه اللَّه))، إلا أن يكون معروفًا بالصبر، فيؤثر على نفسه، ولو كان به خصاصةٌ، كفعل أبي بكر ◌َظّه حين تصدّق بماله. وكذلك آثر الأنصار المهاجرين. ونهى النبيّ وَلّ عن إضاعة المال، فليس له أن يضيّع أموال الناس بعلّة الصدقة. وقال كعب بن مالك تَنَّه : قلت: يا رسول اللَّه، إن من تمام توبتي أن أنخلع من مالي صدقةً إلى اللَّه، وإلى رسوله وَله، قال: ((أمسك عليك بعض مالك، فهو خيرٌ لك))، قلت: أُمسِك سهمي الذي بخيير. انتهى كلام البخاريّ رحمه اللَّه تعالى(٢). وقال الطبريّ وغيره: قال الجمهور: من تصدّق بماله كلّه في صحّة بدنه وعقله، (١) - وفي نسخة: ((فتصدقوا)) باتء واحدة. (٢) - راجع ((صحيح البخاريّ)) ج٤ ص ٤٥ بنسخة ((الفتح)). ٣٧٧ = ٥٥- (بابِّ إِذاَ تَصَدَّقَ، وَهُوَ مُخْتَاجٌ ... - حديث رقم ٢٥٣٦ حيث لا دينَ عليه، وكان صبورًا على الإضافة، ولا عيال له، أو له عيالٌ يصبرون أيضًا، فهو جائزٌ، فإن فُقد شيء من هذه الشروط گُرِه. وقال بعضهم: هو مردودٌ. ورُوي عن عمر رَّه ، حيث رَدّ على غيلان الثقفيّ قسمة ماله. ويمكن أن يُحتجّ له بقصّة المدبّر، الذي سيأتي للمصنّف برقم - ٢٥٥٦/٦٠- وأخرجه الشيخان، عن جابر نَّهِ، قال: أعتق رجل من بني عُذْرَة، عبدا له، عن دبر، فبلغ ذلك رسول اللّه ◌َ له، فقال: ((ألك مال غيره؟))، فقال: لا، فقال رسول الله وَالقر: ((من يشتريه مني؟))، فاشتراه نعيم بن عبد الله العدوي، بثمان مائة درهم، فجاء بها رسول اللَّه وَالخير، فدفعها إليه، ثم قال: ((ابدأ بنفسك، فتصدق عليها، فإن فضل شيء فلأهلك، فإن فضل شيء عن أهلك، فلذي قرابتك، فإن فضل عن ذي قرابتك شيء، فهكذا، وهكذا، يقول: بين يديك، وعن يمينك، وعن شمالك. وفي لفظ للبخاريّ أن رجلًا أعتق غلاما له عن دبر، فاحتاج ... )) الحديث. فهذا الحديث يدلّ على أن من تصدّق، وهو محتاجٌ يردّ عليه، ولا تنفذ صدقته. وقال آخرون: يجوز من الثلث، ويُردّ عليه الثلثان. وهو قول الأوزاعيّ، ومكحول. وعن مكحول أيضًا يُردّ ما زاد على النصف. قال الطبريّ رحمه الله تعالى: والصواب عندنا الأول، من حيث الجواز، والمختار من حيث الاستحباب أن يجعل ذلك من الثلث، جمعًا بين قصّة أبي بكر، وحديث کعب. انتهى(١) . قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: عندي أن ما قال الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى هو الأرجح، وحاصله أن من تصدّق بماله، وهو محتاجٌ، أو أهله، أو عليه دينٌ، بطلت صدقته، إلا أن يكون معروفًا بالصبر، كفعل أبي بكر تَّه ، وبهذا تجتمع الأدلّة، من غير تعارض. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنیب)) . (١) - راجع ((الفتح)) ج٤ ص ٤٥- ٤٧. ٣٧٨ = شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ ٥٦- (صّدَقَةِ الْعَبْدِ) أي هذا باب ذكر الحديثين الدّالّين على جواز صدقة العبد . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أما الحديث الأول فدلالته على الترجمة واضحة، وأما الحديث الثاني، فمحلّ الاستدلال منه قوله: ((على كل مسلم الخ))، حيث إن العبد داخل في جملة ((كلّ مسلم))، فعليه ما عليهم، ومنه الصدقة. والله تعالى أعلم بالصواب. ٢٥٣٧ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَاتِمْ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عُمَيْرًا، مَوْلَى آبِي اللَّحْمِ، قَالَ: أَمَرَنِي مَوْلَايَ، أَنْ أَقَدْدَ لَحْمًا، فَجَاءَ مِسْكِينٌ، فَأَطْعَمْتُهُ مِنْهُ، فَعَلِمَ بِذَلِكَ مَوْلَايَ، فَضَرَبَنِي، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَِّ، فَدَعَاهُ، فَقَالَ: ((لِمَ ضَرَبْتَهُ؟))، فَقَالَ: يُطْعِمُ طَعَامِ، بِغَيْرِ أَنْ آمُرَهُ، وَقَالَ مَرَّةً أُخْرَى: بِغَيْرٍ أَمْرِي، قَالَ: ((الْأَجْرُ بَيْنَكُمَا))). رجال هذا الإسناد: ستة: ١- (قتيبة) بن سعيد المذكور قبل بابين. ٢- (حاتم) بن إسماعيل الحارثيّ مولاهم، أبو إسماعيل المدنيّ، كوفيّ الأصل، صدوق تِهِم، صحيح الكتاب [٨]٥٤٣/٢٤. ٣- (يزيد بن أبي عبيد) الأسلميّ مولى سلمة بن الأكوع، ثقة [٤] تقدم في ٦٧ / ١٩١. ٤- (عمير مَوْلَى آبِي اللَّخم) الغفاريّ، صحابيّ شهد خيبر، وعاش إلى آخر السبعين، وتقدّمت ترجمته في ١٥١٤/٩ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من رباعيات المصنف رحمه الله تعالى، وهو أعلى الأسانيد له، وهو (١٣١) من رباعيات الكتاب. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن صحابيه من المقلين من الرواية، فليس له في الكتب الستة، إلا ثلاثة أحاديث، حديث الباب عند مسلم، والمصنف، وابن ماجه، وحديث: ((شهدتُ خيبر مع سادتي، فكلموا فيّ رسول اللّه وَالر ... )) الحديث عند أبي داود، والترمذي، والمصنف في (الكبرى))، وابن ماجه، وحديث ((أنه رأى النبي وَلّ يستسقي عند أحجار الزيت ... )) الحديث عند أبي داود، والمصنف تقدم في ٩/ ١٥١٤ . والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ) الأسلميّ مولى سلمة بن الأكوع أنه (قَالَ: سَمِعْتُ عُمَيْرًا) ٣٧٩ ٥٦- (صدقة العبد) - حديث رقم ٢٥٣٧ بالتصغير (مَوْلَى آبِي اللَّخم) الغفاريّ رَّهِ (قَالَ: أَمَرَنِي مَوْلَايَ أَنْ أُقَدِّدَ لَحْمًا) بضم الهمزة، وكسر الدال المشدَّدة، من القَدّ، وهو الشقّ طولًا (فَجَاءَ مِسْكِينٌ، فَأَطْعَمْتُهُ مِنْهُ) أي أعطيته من ذلك اللحم (فَعَلِمَ بِذَلِكَ مَوْلَايَ، فَضَرَبَنِي، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ، فَدَعَاهُ، فَقَالَ: ((لِمَ ضَرَبْتَهُ؟))، فَقَالَ) وفي نسخة: ((قال)) (يُطْعِمُ طَعَامِي، بِغَيْرِ أَنْ آمُرَهُ) أي بغير إذني (وَقَالَ مَرَّةً أُخْرَى: بِغَيْرِ أَمْرِي) الظاهر أنّ ضمير ((قال)) لعمير، أي أنه حدّثه بهذا الحديث مرّتين، فمرّة قال: ((بغير أن آمره))، ومرّة قال: ((بغير أمري)) (قَالَ) وَلّ ((الْأَجْرُ بَيْنَكُمَا))) أي إن رضيت بذلك يحلّ له إعطاء مثل هذا، مما يجري فيه المسامحة، وتؤجران معًا. قال الطيبيّ أخذًا عن التوربشتيّ: لم يرد به إطلاق يد العبد ، بل كره صنيع مولاه في ضربه على أمر تبيّن رشده فيه، فحثّ السيّد على اغتنام الأجر، والصفح عنه، فهذا تعليم، وإرشاد لآبي اللحم، لا تقرير لفعل العبد انتهى. وقال النوويّ: هذا محمول على أن عميرًا تصدّق بشيء ظنّ أن مولاه يرضى به، ولم يرض به مولاه، فلعمير أجرٌ؛ لأنه فعل شيئًا يعتقده طاعة بنيّة الطاعة، ولمولاه أجرٌ؛ لأن ماله أُتلف عليه، وقوله: ((الأجر بينكما)): أي لكلّ منكما أجرٌ، وليس المراد أنّ أجر نفس المال يتقاسمانه. فهذا الذي ذكرته من تأويله هو المعتمد، وقد وقع في كلام بعضهم ما لا يُرتضى من تفسيره. وقال قبل ذلك: وقوله وَ لير: ((الأجر بينكما)): ليس معناه أن الأجر الذي لأحدهما يزدحمان فيه، بل معناه أن هذه الصدقة التي أخرجها الخازن، أو المرأة، أو المملوك، ونحوهم بإذن المالك يترتّب على جملتها ثوابٌ على قدر المال والعمل، فيكون ذلك مقسومًا بينهما، لهذا نصيبٌ بماله، ولهذا نصيبٌ بعمله، فلا يزاحم صاحب المال العامل في نصيب عمله، ولا يزاحم العامل صاحب المال في نصيب ماله. (واعلم): أنه لا بدّ للعامل، وهو الخازن، وللزوجة، والمملوك من إذن المالك في ذلك، فإن لم يكن أذن أصلًا، فلا أجر لأحد من هؤلاء الثلاثة، بل عليهم وزرٌ بتصرّفهم في مال غيرهم بغير إذنه، والإذن ضربان: أحدهما: الإذن الصريح في النفقة، والصدقة. والثاني: الإذن المفهوم من اطراد العرف والعادة، كإعطاء السائل كسرةً ونحوها، مما جرت العادة به، واطّرد العرف فيه، وعُلم رضاء الزوج، والمالك به، فإذنه في ذلك حاصلٌ، وإن لم يتكلّم، وهذا إذا عُلم رضاه لاطراد العرف، وعُلم أن نفسه كنفوس غالب الناس في السماحة بذلك، والرضا به، فإن اضطرب العرف، وشُكّ في رضاه، أو كان شخصًا يشحّ بذلك، وعُلم من حاله ذلك، أو شكّ فيه، لم يجز للمرأة، وغيرها التصدّق مما ماله إلا بصريح إذنه. انتهى (١). (١) - ((شرح مسلم)) ج٧ ص ١١٤ . ٣٨٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ وفي رواية لمسلم، من طريق محمد بن زيد، عن عمير، قال: كنت مملوكًا، فسألت رسول اللَّه وَله: أتصدق من مال مواليّ بشيء؟، قال: ((نعم، والأجر بينكما نصفان)» . قال النوويّ: معنى قوله: ((نصفان)): قسمان، وإن كان أحدهما أكثر، كما قال الشاعر : إِذَا مِتُ كَانَ النَّاسُ نِصْفَانِ شَامِتٌ وَآخَرُ مُثْنٍ بِالَّذِي كُنْتُ أَصْنَعُ وأشار القاضي إلى أنه يحتمل أيضًا أن يكون سواء؛ لأن الأجر فضلٌ من الله تعالى، يؤتيه من يشاء، ولا يُدرك بقياس، ولا هو بحسب الأعمال، بل ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. والمختار الأول انتهى (١) . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما قاله القاضي هو المختار. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عمير رضي هذا أخرجه مسلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٢٥٣٧/٥٦ - وفي ((الكبرى)) ٢٣١٧/٥٨. وأخرجه (م) في ((الزكاة)) ١٠٢٥ (ق) في ((الزكاة)) ٢٢٩٧. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه اللّه تعالى، وهو جواز تصدّق العبد من مال سيّده بغير إذنه، وهذا كما تقدم، محمول على ما جرى به العرف، من الطعام، ونحوه (ومنها): أن العبد والسيّد يؤجران به، السيد بماله، والعبد بعمله (ومنها): جواز تأديب السيّد عبده إذا أساء، فإن النبيّ وَ لو ما لام مولى عُمير على ضربه مطلقًا، وإنما أرشده أن فعله هذا لا يستحقّ الضرب، حيث إنه مأذون له شرعًا، نظرًا لما جرى به العرف، وأنه يؤجر عليه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٥٣٨ - (أَخْبَرَنِي (٢) مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، (١) - ((شرح مسلم)) ج٧ص ١١٣. (٢) - وفي نسخة: ((أخبرنا)).