Indexed OCR Text

Pages 21-40

٢١ ==
٣- (بابُ مانع الزكاة) - حدیث رقم ٢٤٤٣
عن أبي هريرة تَّ. ورواه أيضًا ابن عمر، وجابر، وطارق الأشجعيّ عند مسلم.
وأخرجه أبو داود، والترمذيّ من حديث أنس، وأصله عند البخاريّ. وأخرجه الطبريّ
من وجه آخر عن أنس، وهو عند ابن خزيمة من وجه آخر عنه، لكن قال: ((عن أنس،
عن أبي بكر)). وأخرجه البزّار من حديث النعمان بن بشير. وأخرجه الطبرانيّ من
حديث سهل بن سعد، وابن عباس، وجرير البجليّ. وفي ((الأوسط)) من حديث سمرة،
وسيأتي ما في رواياتهم من فائدة زائدة، إن شاء اللّه تعالى(١).
(لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ، وَاسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْرٍ بَعْدَهُ) ببناء الفعلين للمفعول (وَكَفَرَ مَنْ
كَفَرَ مِنَ الْعَرَبِ) وفي حديث أنس عند ابن خزيمة: ((لما توفي رسول اللَّه ◌َلّ ارتدّ عامّة
العرب)).
قال القاضي عياض وغيره: كان أهل الرّدّة ثلاثة أصناف: صنف عادوا إلى عبادة
الأوثان. وصنف تبعوا مسيلمة، والأسود العنسيّ، وكان كلّ منهما ادعى النبوة قبل
موت النبيّ وَّرَ، فصدّق مسيلمةَ أهلُ اليمامة، وجماعةٌ غيرهم، وصدّق الأسودَ أهلُ
صنعاء، وجماعةٌ غيرهم، فَقُتِل الأسودُ قبل موت النبيّ بَّه بقليل، وبقي بعض من آمن
به، فقاتلهم عُمّال النبيّ وَّه في خلافة أبي بكر تَظريه . وأما مسيلمة فجهّز إليه أبو بكر
الجيش، وعليهم خالد بن الوليد، فقتلوه.
وصنف ثالثٌ استمرّوا على الإسلام، لكنهم جحدوا الزكاة، وتأوّلوا بأنها خاصّة
بزمن النبيّ وَِّ، وهم الذين ناظر عمرُ أبا بكر في قتالهم، كما وقع في حديث الباب.
وقال أبو محمد بن حزم في ((الملل والنحل)): انقسمت العرب بعد موت النبيّ وَلـ
على أربعة أقسام: طائفة بقيت على ما كانت عليه في حياته، وهم الجمهور. وطائفة
بقيت على الإسلام أيضًا، إلا أنهم قالوا: نقيم الشرائع إلا الزكاة، وهم كثير، لكنهم
قليل بالنسبة إلى الطائفة الأولى. والثالث أعلنت بالكفر، والردة، كأصحاب طُلَيحة،
وسَجَاح، وهم قليل بالنسبة لمن قبلهم، إلا أنه كان في كلّ قبيلة من يقاوم من ارتدّ.
وطائفة توقّفت، فلم تُطع أحدًا من الطوائف الثلاثة، وتربّصوا لمن تكون الغلبة، فأخرج
أبو بكر إليهم البعوث، وكان فيروز، ومن معه غلبوا على بلاد الأسود، وقتلوه، وقُتل
مسيلمة باليمامة، وعاد طلیحة إلى الإسلام، وكذا سجاح، ورجع غالب من کان ارتدّ
إلى الإسلام، فلم يَحُلِ الحولُ إلا والجميع قد راجعوا دين الإسلام، ولله الحمد
(٢)
انتھی(٢).
(١) - راجع ((الفتح)) ج١٤ ص٢٧٨ -٢٧٩.
(٢) - المصدر السابق.

٢٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
(قَالَ عُمَرُ لِأَبِي بَكْرِ) رَّهَا (كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ؟) وفي حديث أنس: ((أتريد أن تقاتل
العرب (وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بِّهِ) الواو واو الحال («أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ، حَتَّى يَقُولُوا:
لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) كذا ساقه الأكثر، وفي رواية طارق عند مسلم: ((من وحّد اللَّه، وكفر بما
يُعبّد من دونه حَرُمَ دمه وماله)). وأخرجه الطبرانيّ من حديثه كرواية الجمهور. وفي
حديث ابن عمر: ((حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول اللَّه، ويقيموا
الصلاة، ويؤتوا الزكاة)). ونحوه في حديث أبي العنبس. وفي حديث أنس عند أبي
داود: ((حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن يستقبلوا قبلتنا،
ويأكلوا ذبيحتنا، ويصلّوا صلاتنا)). وفي رواية العلاء بن عبد الرحمن: ((حتى يشهدوا أن
لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، ويؤمنوا بي، وبما جئت به)).
قال الخطّابِيّ رحمه اللّه تعالى: زعم الروافض أن حديث الباب متناقض؛ لأن في
أوله أنهم كفروا، وفي آخره أنهو ثبتوا على الإسلام؛ إلا أنهم منعوا الزكاة، فإن كانوا
مسلمين ، فكيف استَحَلّ قتالهم وسبي ذراريهم؟، وإن كانوا كفّارًا، فكيف احتجّ على
عمر بالتفرقة بين الصلاة والزكاة؟، فإن في جوابه إشارة إلى أنهم كانوا مقرّين بالصلاة.
قال: والجواب عن ذلك أن الذين نُسبوا إلى الردّة كانوا صنفين: صنف رجعوا إلى
عبادة الأوثان. وصنف منعوا الزكاة، وتأولوا قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَلِهِمْ صَدَقَّةٌ تُطَهِّرُهُمْ
وَتُزَكْبِهِم بِهَا وَصَلّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَوْتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ الآية [التوبة: ١٠٣]، فزعموا أن دفع الزكاة
خاصّ به والقر؛ لأن غيره لا يطهّرهم، ولا يصلي عليهم،، فكيف تكون صلاته سكنًا
لهم، وإنما أراد عمر بقوله: ((تقاتل الناس)) الصنف الثاني؛ لأنه لا يتردّد في جواز قتل
الصنف الأول؛ كما أنه لا يتردّد في قتال غيرهم من عبّاد الأوثان، والنيران، واليهود،
والنصارى، قال: وكأنه لم يستحضر من الحديث إلا القدر الذي ذكره، وقد حفظ غيره
في الصلاة والزكاة معًا، وقد رواه عبد الرحمن بن يعقوب بلفظ يعمّ جميع الشريعة،
حيث قال فيها: ((ويؤمنوا بي، وبما جئت به))، فإن مقتضى ذلك أن من جحد شيئًا مما
جاء به ◌َّه ودُعي إليه، فامتنع، ونَصَب القتالَ أنه يجب قتاله، وقتله إذا أصرّ، قال:
وإنما عَرَضت الشبهة لما دخله من الاختصار، وكأن راويه لم يقصد سياق الحديث على
وجهه، وإنما أراد سياق مناظرة أبي بكر وعمر، واعتمد على معرفة السامعين بأصل
الحديث انتهى مُلَخّصًا.
قال الحافظ رحمه الله تعالى: وفي هذا الجواب نظر؛ لأنه لو كان عند عمر في
الحديث ((حتى يقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة)) ما استشكل قتالهم؛ للتسوية في كون غاية
القتال ترك كلّ من التلفّظ بالشهادتين، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة. قال عياض: حديث

٣- (بابُ مانع الزکاةِ) - حدیث رقم ٢٤٤٣
٢٣ ===
ابن عمر نصّ في قتال من لم يُصلّ، ولم يزد، كمن لم يقرّ بالشهادتين، واحتجاج عمر
على أبي بكر، وجواب أبي بكر دلّ على أنهما لم يسمعا في الحديث الصلاة والزكاة، إذ
لو سمعه عمر لم يحتجّ على أبي بكر، ولو سمعه أبو بكر لردّ به على عمر، ولم يَختجْ
إلى الاحتجاج بعموم قوله: ((إلا بحقّه)).
قال الحافظ: إن كان الضمير في قوله: ((بحقّه)) للإسلام، فمهما ثبت أنه من حقّ
الإسلام تناوله، ولذلك اتفق الصحابة على قتال من جحد الزكاة انتهى (١).
(فَمَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّ اللَّهُ، عَصَمَ مِنِّي) أي منع مني، وأصل العصمة من العصام،
وهو الخيط الذي يُشدّ به فم القِرْبَة؛ ليمنع سيلان الماء (مَالَهُ، وَنَفْسَهُ، إِلَّا بِحَقْهِ) المراد
بالحقّ بالنسبة للمال، فهو الزكاة، ونحوها من الحقوق المتعلّقة به.
وأما بالنسبة للنفس فهو ما سيأتي بيانه للمصنّف في ((كتاب تحريم الدم)) - ١٤/
٤٠٥٧- بسند صحيح عن ابن عمر، أن عثمان، قال: سمعت رسول اللّه وَلَه، يقول:
((لا يحل دم امرئ مسلم، إلا بإحدى ثلاث: رجل زنى بعد إحصانه، فعليه الرجم، أو
قَتَل عمدا، فعليه الْقَوَد، أو ارتد بعد إسلامه، فعليه القتل)). والله تعالى أعلم.
(وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ)) أي حساب سريرته على اللَّه تعالى؛ لأنه المطّلع عليه، فمن
أخلص في إيمانه، وأعماله، جازاه الله عليها جزاء المخلصين، ومن لم يُخلص في
ذلك كان من المنافقين، يُحكم له في الدنيا بأحكام المسلمين، وهو عند الله من أسوإ
الكافرين.
ويستفاد منه أن أحكام الإسلام إنما تُدار على الظواهر الجليّة، لا الأسرار الخفيّة.
قاله القرطبيّ رحمه الله تعالى(٢) .
وقال النوويّ رحمه اللّه تعالى: معنى قوله: ((وحسابه على اللَّه)) أي فيما يستسرون
به، ويُخفونه، دون ما يُخِلُّون به في الظاهر، وهذا قول أكثر العلماء. وذهب مالك إلى
أن توبة الزنديق لا تُقبل. ويُحكى ذلك أيضًا عن أحمد بن حنبل رحمهما الله. هذا كلام
الخطابيّ. وذكر القاضي عياض معنى هذا، وزاد عليه، وأو ضحه، فقال: اختصاص
عصمة المال والنفس بمن قال: لا إله إلا اللَّه تعبير عن الإجابة إلى الإيمان، وأن المراد
بهذا مشركو العرب، وأهل الأوثان، ومن لا يوحّد، وهم كانوا أول من دُعي إلى
الإسلام، وقوتل عليه، فأما غيرهم ممن يقرّ بالتوحيد، فلا يُكتفى في عصمته بقوله: لا
إله إلا الله، إذ كان يقولها في كفره، وهي من اعتقاده، فلذا جاء في الحديث الآخر:
(١) - ((فتح)) ج١٤ ص٢٧٩ - ٢٨٠.
(٢) - ((المفهم) ج ٣ ص١٨٩.
-

٢٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
((وأني رسول اللّه، ويقم الصلاة، ويؤتي الزكاة)). هذا كلام القاضي.
قلت(١): ولا بدّ مع هذا من الإيمان بجميع ما جاء به رسول اللّه وَالخير، كما جاء في
الرواية الأخرى لأبي هريرة رَمالي، هي مذكورة في ((صحيح مسلم)): ((حتى يشهدوا أن
لا إله إلا الله، ويؤمنوا بي، وبما جئت به)). والله أعلم.
قال: واختلف أصحابنا في قبول توبة الزنديق، وهو الذي ينكر الشرع جملة، فذكروا
فيه خمسة أوجه لأصحابنا: أصحها، والأصوب منها قبولها مطلقًا، للأحاديث
الصحيحة المطلقة. والثاني: لا تُقبل، ویتحثّم قتله، لكنه إن صدق في توبته نفعه ذلك
في الدار الآخرة، وكان من أهل الجنّة. والثالث: إن تاب مرة واحدة قبلت توبته، فإن
تكرّر ذلك منه لم تقبل. والرابع: إن أسلم ابتداءً من غير طلب قبل منه، وإن كان تحت
السيف فلا. والخامس: إن كان داعيًا إلى الضلال لم يقبل منه، وإلا قبل منه. والله
تعالى أعلم انتهى كلام النوويّ(٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما صححه النووي رحمه الله تعالى من قبول توبة
الزنديق مطلقًا هو الأرجح عندي؛ لما ذكره، ولإطلاق قوله تعالى: ﴿قُل لِّلَّذِينَ
كَفَرُوَاْ إِن يَنْتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ الآية [الأنفال: ٣٨]، والزنديق كافر، تعمّه
هذه الآية، ولحديث عمرو بن العاص وَّه مرفوعًا: ((أما علمت أن الإسلام يُهْدِمُ ما
كان قبله)). أخرجه مسلم. والله تعالى أعلم.
(فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ: لَأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ) وفي رواية:
((والله لأقاتلنّ الخ)). قال النوويّ: ضبطناه بوجهين، ((فَرَقَ))، و((فَرَّق)) بتشديد الراء،
وتخفيفها، ومعناه: من أطاع في الصلاة، وجحد الزكاة، أو منعها. انتهى.
وعبارة الحافظ: يجوز تشديد ((فرّق)) وتخفيفه، والمراد بالفرق من أقرّ بالصلاة،
وأنكر الزكاة، جاحدًا، أو مانعًا مع الاعتراف، وإنما أطلق في أول القصّة الكفر ليشمل
الصنفين، فهو في حقّ من جحد حقيقةٌ، وفي حقّ الآخرين مجازٌ تغليبًا، وإنما قاتلهم
الصدّيق وَالثّه، ولم يَعْذُرهم بالجهل، لأنهم نصبوا القتال، فجهّز إليهم من دعاهم إلى
الرجوع، فلما أصرّوا قاتلهم. قال المازريّ: ظاهر السياق أن عمر كان موافقًا على قتال
من جحد الصلاة، فألزمه الصدّيق بمثله في الزكاة، لورودهما في الكتاب والسنّة مَوْرِدًا
(٣)
واحدًا انتهى(٣).
(١) - القائل هو النوويّ رحمه الله تعالى.
(٢) - ((شرح مسلم)) ج ١ ص١٥٦ - ١٥٧ .
(٣) - ((فتح)) ج ١٤ ص ٢٨٠.

٢٥
٣- (بابُ مانع الزكاة) - حديث رقم ٢٤٤٣
(فَإِنَّ الرَّكَاةَ حَقُّ الْمَالِ) يشير إلى دليل منع التفرقة التي ذكرها أن حقّ النفس الصلاة،
وحقّ المال الزكاة، فمن صلّى عصم نفسه، ومن زكّى عصم ماله، فإن لم يصلّ قوتل
على ترك الصلاة، ومن لم يُزك أخذت الزكاة من ماله قهرًا، وإن نصب الحرب لذلك
قوتل، وهذا يوضّح أنه لو كان سمع في الحديث: ((ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة)) لما
احتاج إلى هذا الاستنباط، لكنه يحتمل أن يكون سمعه، واستظهر بهذا الدليل النظريّ.
(وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عِقَالًا) هكذا وقع بلفظ: ((عِقَالًا)) هنا-٢٤٤٣/٣ وفي ((تحريم الدم))
-١/ ٣٩٧٠ - ووقع في ((الجهاد))-٣٠٩١/١ و٣٠٩٢ و٣٠٩٣ و٣٠٩٤ - وفي ((تحريم
الدم)) أيضًا في١/ ٣٩٧٣ و٣٩٧٥ بلفظ: ((عَنَاقًا)) بدل ((عِقَالًا)).
قال الحافظ رحمه اللّه تعالى في ((الفتح)) بعد أن ذكره بلفظ («عناقًا)): ووقع في رواية
قتيبة، عن الليث، عند مسلم ((عقالًا))، وأخرجه البخاريّ في ((كتاب الاعتصام)) عن
قتيبة، فكنى بهذه اللفظة، فقال: ((لو منعوني كذا)).
واختلف في هذه اللفظة، فقال قوم: هي وَهَم، وإلى هذا أشار البخاريّ بقوله في
((الاعتصام)) عقب إيراده: قال لي ابنُ بُكير -يعني شيخه فيه هنا- وعبدالله -يعني ابن
صالح- عن الليث: ((عَنَاقًا))، وهو أصحّ، ووقع في رواية ذكرها أبو عبيدة: ((لو منعوني
جَذْيَا أَذْوَط))، وهو يؤيّد أن الرواية ((عَناقًا)). و((الأذوط)) الصغير الفَكّ والذَّقَنِ. قال:
و((العَنَاق)) -بفتح المهملة، والنون -: الأنثى من ولد المعز. انتهى(١)
وقال النوويّ رحمه اللّه تعالى في ((شرح مسلم)): هكذا في مسلم ((عِقَالًا)) وكذا في
بعض روايات البخاريّ، وفي بعضها ((عَنَاقًا)) - بفتح العين، وبالنون، وهي الأنثى من
ولد المعز، وكلاهما صحيح، وهو محمول على أنه كرّر الكلام مرتين(٢)، فقال في
مرّة: ((عقالًا))، وفي الأخرى: ((عناقًا))، فرُوي عنه اللفظان.
فأما رواية العَنّاق، فهي محمولة على ما إذا كانت الغنم صغارًا كلها بأن ماتت أمهاتها
في بعض الحول، فإذا حال حول الأمهات زُكي السّخَال الصغار بحول الأمهات، سواء
بقي من الأمهات شيء، أم لا. هذا هو الصحيح المشهور. وقال أبو القاسم الأنماطيّ
من الشافعية: لا يزكى الأولاد بحول الأمهات، إلا أن يبقى من الأمهات نصاب. وقال
(١) - ((فتح)) ج ١٤ ص ٢٨٠ .
(٢) - قد اعترض الحافظ على النووي هذا التأويل، فقال: وهو بعيد، مع اتحاد المخرج والقصّة
انتهى. لكن الذي يظهر لي أن ما قاله النوويّ ليس ببعيد، لأنه يمكن أن يكرر أبو بكر تظلثه
الكلام في مجلس واحد تأكيدًا، وتشديدًا، فيتلفّظ باللفظين، فينقل عنه، وهذا لا إشكال فيه،
فما قاله النووي قريب، لا بعيد. والله تعالى أعلم.

=٢٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
بعض الشافعية: إلا أن يبقى من الأمهات شيء. ويتصوّر ذلك فيما إذا مات معظم
الكبار، وحدثت صغار، فحال حول الكبار على بقيّتها، وعلى الصغار. والله أعلم.
وأما رواية ((عِقَالًا)) فقد اختلف العلماء قديمًا وحديثًا فيها، فذهب جماعة منهم إلى أن
المراد بالعِقَال زكاة عام، وهو معروف في اللغة بذلك. وهذا قول النسائيّ، والنضر بن
شُميل، وأبي عُبيدة، والمبرّد، وغيرهم من أهل اللغة، وهو قول جماعة من الفقهاء،
واحتجّ هؤلاء على أن العِقَال يُطلق على زكاة العام بقول عمرو بن الْعَدَّاء الكَلْبِيّ:
سَعَى عِقَالًا فَلَمْ يَتْرُكْ لَنَا سَبَدًا (١) فَكَيْفَ لَوْ قَدْ سَعَى عَمْرٌو عِقَالَيْنِ
لِأَصْبَحَ الْحَيُّ أَوْبَادًا وَلَمْ يَجِدُوا عِنْدَ التَّفَرُّقِ فِي الْهَيْجَا جَالَيْنٍ(٢)
أراد مُدّة عقال، فنصبه على الظرف. وعمرو هذا الساعي هو عمرو بن عتبة بن أبي
سفيان وَلّاه عمه معاوية بن أبي سفيان رَ ◌ّت صدقات كلب، فاعتدى عليهم، فقال فيه
قائلهم ذلك.
قالوا: ولأن العقال الذي هو الحبل الذي يُعقل به البعير لا يجب دفعه في الزكاة، فلا
يجوز القتال عليه، فلا يصح حمل الحديث عليه.
وذهب كثيرون من المحققين إلى أن المراد بالعقال الحبل الذي يُعقل به البعير. وهذا
القول يُحكى عن مالك، وابن أبي ذئب، وغيرهما، وهو اختيار صاحب ((التحرير))،
وجماعة من حُذّاق المتأخّرين.
قال صاحب ((التحرير)): قول من قال: المراد صدقة عام تعسّف، وذهابٌ عن طريقة
العرب؛ لأن الكلام خرج مخرج التضييق، والتشديد، والمبالغة، فيقتضي قلّة ما علق به
القتال، وحقارته، وإذا حُمل على صدقة العام لم يحصل هذا المعنى. قال: ولست
أشبه هذا إلا بتعسّف من قال في قوله وَله: ((لعن الله السارق يَسرق البيضة، فتُقطع يده،
ويَسرق الحبل، فتقطع يده)) أن المراد بالبيضة بيضة الحديد التي يُغطّى بها الرأس في
الحرب، وبالحبل الواحدُ من حبال السفينة، وكلّ واحد من هذين يبلغ دنانير كثيرة. قال
بعض المحقّقين: إن هذا القول لا يجوز عند من يعرف اللغة، ومخارج كلام العرب؛
لأن هذا ليس موضع تكثير لما يسرقه، فيصرفَ إليه بيضةٌ تساوي دنانير، وحبلٌ لا يقدر
السارق على حمله، وليس من عادة العرب والعجم أن يقولوا: قبّح اللَّه فلانًا عرّض
نفسه للضرب في عقد جوهر، وتعرّض لعقوبة الغلول في جراب مسك، وإنما العادة في
(١) - السبد: البقية من النبت، والقليل من الشعر. أي لم يترك شيئًا قليلًا.
(٢) - البيت الثاني مزيد من ((لسان العرب))، وكذا جملة قوله: ((فاعتدى عليهم)).

٢٧
٣- (بابُ مانع الزكاةِ) - حديث رقم ٢٤٤٣
مثل هذا أن يقال: لعنه اللَّه تعرّض لقطع اليد في حبل رَثِّ، أو في كُبَّة شعر، وكلّما كان
من هذا أحقر كان أبلغ.
فالصحيح هنا أنه أراد به العقال الذي يُعقَّل به البعير، ولم يُرد عينه، وإنما أراد قدر
قيمته، والدليل على هذا أن المراد به المبالغة، ولهذا قال في الرواية الأخرى: ((عَنَاقًا))،
وفي بعضها: ((لو منعوني جَذْيًا أذوط)). والأذوط صغير الفكّ والذقن. هذا آخر كلام
صاحب ((التحرير)).
قال النوويّ: وهذا الذي اختاره هو الصحيح الذي لا ينبغي غيره.
وعلى هذا اختلفوا في المراد بـ((منعوني عِقالًا))، فقيل: قدر قيمته، وهو ظاهر متصوَّرٌ
في زكاة الذهب والفضّة، والمعشرات، والمعدن، والركاز، وزكاة الفطر، وفي
المواشي أيضًا في بعض أحوالها، كما إذا وجب عليه سنّ، فلم يكن عنده، ونزل إلى
سنّ دونها، واختار أن يردّ عشرين درهما، فمعنه من العشرين قيمة عقال، وكما إذا
كانت غنمه سِخالًا، وفيها سَخْلة، فمنعها، وهي تساري عقالًا، ونظائر ما ذكرته كثيرة
معروفة في كتب الفقه، وإنما ذكرت هذه الصورة تنبيهًا بها على غيرها، وعلى أنه
متصوّرٌ ليس بصعب، فإني رأيت كثيرين ممن لم يعان الفقه يستصعب تصوّره حتى
حمله بعضهم -وربما وافقه بعض المتقدّمين- على أن ذلك للمبالغة، وليس متصوّرًا،
وهذا غلطٌ قبيحٌ، وجهلٌ صريحٌ.
وحكى الخطّابيّ عن بعض العلماء أن معناه: منعوني زكاة العقال، إذا كان من
عروض التجارة. وهذا تأويل صحيحٌ أيضًا. ويجوز أن يراد منعوني عقالًا، أي منعوني
الحبل نفسه على مذهب من يُجوّز القيمة، ويتصوّر على مذهب الشافعيّ رحمه الله
تعالى على أحد أقواله، فإن للشافعيّ في الواجب في عروض التجارة ثلاثة أقوال:
أحدها: يتعيّن أن يأخذ منها عرضًا، حبلًا أو غيره، كما يأخذ من الماشية من جنسها.
والثاني: أنه لا يأخذ إلا دراهم، أو دنانير، ربع عشر قيمته، كالذهب والفضّة.
والثالث: يتخيّر بين العرض والنقد. والله أعلم.
وحكى الخطابيّ عن بعض أهل العلم أن العقال يؤخذ مع الفريضة، لأن على
صاحبها تسليمها، وإنما يقع قبضها التامّ برباطها .
قال الخطّبيّ: قال ابن عائشة: كان من عادة الْمُصَدِّق إذا أخذ الصدقة أن يَعْمِد إلى
قَرَن - وهو بفتح القاف، والراء- وهو حبلٌ، فيقرن به بين بعيرين، أي يشدّه في أعناقهما
لئلا تشرد الإبل. وقال أبو عبيد: وقد بعث النبيّ وَل محمد بن مسلمة على الصدقة،
فكان يأخذ مع كلّ فريضتين عقالهما، وقرانهما. وكان عمر رَّه أيضًا يأخذ مع كلّ

٢٨
=
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
فريضة عقالًا. والله أعلم انتهى كلام النوويّ(١).
وحاصل ما ذكره القرطبيّ رحمه الله تعالى في كتابه ((المفهم)) من الأقوال في معنى
((العقال)) خمسة :
(الأول): أنه الفريضة من الإبل. رواه ابن وهب عن مالك، وقاله النضر بن شُميل.
(الثاني): أنه صدقة عام، قاله الكسائيّ، وأنشد البيت السابق.
(الثالث): أنه كلّ شيء يُؤخذ في الزكاة، من أنعام، وثمار؛ لأنه يُعقل عن مالكه.
قاله أبو سعيد الضرير.
(الرابع): هو ما يأخذه المصدِّق من الصدقة بعينها، فإن أخذ عوضها، قيل: أخذ
نقدًا، ومنه قول الشاعر:
وَلَمْ يَأْخُذْ عِقَالًا وَلَا نَقْدًا
(الخامس): أنه اسم لما يُعقل به البعير. قاله أبو عُبيد، وقال: قد بعث رسول الله
وَّ* محمد بن مسلمة على الصدقة، فكان يأخذ مع كلّ قرين عقالًا، ورِوَاء (٢).
قال: والأشبه بمساق أبي بكر أن يُراد بالعقال ما يُعقل به البعير؛ لأنه خرج مخرج
التقليل. والله أعلم (٣).
,٧
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الذي يترجّح لديّ أن رواية ((عِقَالًا)) صحيحة، وأن
أقرب تفسير العقال تفسير من فسّره بالحبل الذي تربط به الدواب، وأن من منع إعطاء
العقال إذا احتاج إليه الساعي يُعتبر مانعًا لبعض الزكاة. والله تعالى أعلم.
(كَانُوا يُؤَدُّونَهُ، إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَّه لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهِ، قَالَ عُمَرُ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ:
فَوَاللَّهِ مَا هُوَ) أي ما الأمر والشأن، فالضمير للشأن. وقال السنديّ: أي ما سبب
رجوعي إلى رأي أبي بكر انتهى (إِلَّا أَنْ رَأَيْتُ اللَّهَ) أي علمت، وأيقنت أن اللّه تعالى
(شَرَحَ) أي فتح، ووسع، وليّن (صَذْرَ أَبِي بَكْرٍ) ◌َِّ (لِلْقِتَالِ) قال النوويّ: معناه:
علمت بأنه جازم بالقتال؛ لما ألقى الله عز وجل، في قلبه من الطمأنينة لذلك،
واستصوابه ذلك (فَعَرَفْتُ أَنَّهُ الْحَقُّ) أي عرفت بما ظهر من الدليل، وأقامه أبو بكر تَنَّه
من الحجة أن ما عزم عليه هو الحقّ، وليس معنى ذلك أن عمر تَّه قلّد أبا بكر ◌َّه، فإن
المجتهد لا يقلّد المجتهد. وقد زعمت الرافضة أن عمر تنظيم إنما وافق أبا بكر تقليدًا،
(١) - ((شرح مسلم)) ج١ ص١٥٧ - ١٥٩.
(٢) - الرواء: الحبل الذي تربط به المزادتان. والمزادة: الراوية التي ينقل بها الماء. قلت: لم أر سند
هذا الحديث، فيحتاج إلى النظر في سنده، والله أعلم.
(٣) - راجع ((المفهم)) ج١ ص١٨٩ - ١٩٠.

٢٩
٣- (بابُ مانع الزكاة) - حديث رقم ٢٤٤٣
وبنوه على مذهبهم الفاسد في وجوب عصمة الأئمة، وهذه جهالة ظاهرة منهم. والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة ◌َظّ هذا متفق عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٢٤٤٣/٣ وفي ((الجهاد)١/ ٣٠٩٠ و٣٠٩١ و٣٠٩٢ و٣٠٩٣ و٣٠٩٤
و ٣٠٩٥ و ((تحریم الدم)»٣٩٦٩/١ و٣٩٧٠ و٣٩٧١ و٣٩٧٢ و ٣٩٧٣ و٣٩٧٤ و٣٩٧٥
و٣٩٧٦ و٣٩٧٧ و٣٩٧٨ - وفي ((الكبرى)) ٢٢٢٣/٣ و((الجهاد)»١/ ٤٢٩٩ و٤٣٠٠
و ٤٣٠١ و٤٣٠٢ .
وأخرجه (خ) في ((الزكاة)) ١٤٠٠ و((الجهاد والسير)) ٢٩٤٦ و((فضائل القرآن))٤٩٩٧
و((استتابة المرتدين)) ٦٩٢٤ و((الاعتصام بالكتاب والسنة)) ٧٢٨٥ (م) في ((الإيمان)) ٢٠
و٢١ (ت) في الإيمان)) ٢٦٠٦ و٢٦٠٧ (د) في ((الزكاة)) ١٥٥٦ و((الجهاد)) ٢٦٤٠ (ق)
في ((المقدّمة)) ٧١ و((الفتن)) ٣٩٢٧ (أحمد) في ((مسند العشرة)) ٦٨ و١١٨ و((باقي مسند
المكثرين)» ٨٦٨٧ و٩١٩٠ و١٠١٤٠ و١٠٤٥٩ . والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان حكم مانع الزكاة، وهو
مقاتلته، إن امتنع، وناصَبَ الحربَ، وإلا أُخِذت عنه قهرًا، كما يأتي في الباب التالي
(ومنها): أن فيه أدلّ دليل على شجاعة أبي بكر تَظّيه ، وتقدّمه في الشجاعة والعلم
على غيره، فإنه ثبت للقتال في هذا الموطن العظيم الذي هو أكبر نعمة، أنعم الله تعالى
بها على المسلمين بعد رسول اللّه وله. فقد استنبط تنظّ من العلم بدقيق نظره،
ورَصّانة فكره ما لم يشاركه في الابتداء به غيره، فلهذا وغيرِهِ مما أكرمه الله تعالى به
أجمع أهل الحقّ على أنه أفضل أمة رسول اللّه وَله. وقد صنّف العلماء رحمهم الله تعالى
في معرفة رجحانه أشياءً كثيرةٌ، مشهورةً في الأصول وغيرها. ومن أحسنها كتاب
ه)) للإمام أبي المظفّر منصور بن محمد السمعانيّ الشافعيّ قاله
((فضائل الصحابة
النوويّ رحمه اللَّه تعالى(١).
(ومنها): أن فيه دلالة ظاهرة لمذهب المحققين، والجماهير من السلف والخلف أن
(١) - (شرح مسلم)) ج١ ص١٦٠.

٣٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
الإنسان إذا قال: لا إله إلا الله محمد رسول اللَّه والتزم أحكام دين الإسلام، فإنه مؤمن
شرعًا، فإن النبيّ وَ له حكم بذلك، حيث قال: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا
إله إلا الله ... )) إلى أن قال: ((فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم ... )) الحديث.
وقد أوجب عليه تعلّم أدلة المتكلّمين كثير من المعتزلة، وبعض من يدّعي الانتساب
إلى أهل السنة من المغفّلين، من المتكلمين، وممن انصبغ بأفكار الفلاسفة الملحدين،
وهو مذهب مبتدع، لا يعرفه السلف، وإنما أحدثه المعتزلة، وأذنابهم من الذين لا صلة
لهم بالأدلة المنقولة، وإنما يخوضون في أفكارهم المنصبغة بأفكار الفلاسفة، فلاحقّ
عنده إلا ما أثبته عقله السخيف، فهذا هو عين الخذلان، نعوذ بالله من أن نُفْتَنَ عن
ديننا، أو نُردّ على أعقابنا بعد إذ هدانا الله، اللَّهم أرنا الحقّ حقا، وارزقنا اتباعه، وأرنا
الباطل باطلا، وارزقنا اجتنابه، إنك أرحم الراحمين.
(ومنها): جواز مراجعة الأئمة الأكابر، ومناظرتهم لإظهار الحقّ (ومنها): أن الإيمان
شرطه الإقرار بالشهادتين مع اعتقادهما، واعتقاد جميع ما أتى به رسول اللّه وَلته، وقد
جمع ذلك النبيّ وَّر -كما في رواية لمسلم- بقوله: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا:
لا إله إلا الله، ويؤمنوا بما جئت به)) (ومنها): وجوب الجهاد (ومنها): صيانة مال من
أتى بكلمة التوحيد، ونفسه، ولو كان عند السيف (ومنها): أن الأحكام تَجْرَى على
الظواهر، والله تعالى يتولّى السرائر (ومنها): أن الصحابة كانو قائلين بجواز القياس
والعمل به (ومنها): وجوب قتال مانعي الزكاة، أو الصلاة، أو غيرهما من واجبات
الإسلام، قليلًا كان أو كثيرًا؛ لقول أبي بكر تَظنّه: ((لو منعوني عقالًا))، أو («عناقًا))
(ومنها): جواز التمسّك بالعموم؛ لقوله: ((فإن الزكاة حقّ المال)) (ومنها): وجوب قتل
أهل البغي (ومنها): ما قيل: إِن فيه وجوبَ الزكاة في السخال تبعًا لأمهاتها (ومنها):
اجتهاد الأئمة في النوازل، وردّها إلى الأصول، ومناظرة أهل العلم فيها، ورجوع من
ظهر له الحقّ إلى قول صاحبه (ومنها): الأدب في المناظرة بترك التصريح بالتخطئة،
والعدول إلى التلطّف، والأخذ في إقامة الحجة إلى أن يظهر للمناظر، فلو عاند بعد
ظهورها، فحينئذ يستحقّ الإغلاظ بحسب حاله (ومنها): جواز الحلف على الشيء
لتأكيده، وإن كان دون استحلاف(ومنها): أن الإجماع لا ينعقد إذا خالف من أهل الحلّ
والعقد واحد. قال النوويّ رحمه اللّه تعالى: وهو الصحيح المشهور، وخالف فيه
بعض أصحاب الأصول (ومنها): أن فيه قبول توبة الزنديق، وقد تقدّم بيان الخلاف فيه
(ومنها): أن فيه منع قتل من قال: ((لا إله إلا اللّه))، ولو لم يزد عليه. قال الحافظ رحمه
الله تعالى: وهو كذلك، لكن هل يصير بمجرّد ذلك مسلمًا؟ الراجح لا، بل يجب

٣١
٣- (بابُ مانع الزكاة) - حدیث رقم ٢٤٤٣
الكفّ عن قتله حتى يُخْتَبَر، فإن شهد بالرسالة، والتزم أحکام الإسلام حُكِم بإسلامه،
وإلى ذلك الإشارة بالاستثناء بقوله: ((إلا بحقّ الإسلام)).
قال البغويّ رحمه الله تعالى: الكافر إذا كان وثنيًّا، أو ثنويّا، لا يقرّ بالواحدانيّة، فإذا
قال: ((لا إله إلا الله)) حُكم بإسلامه، ثم يُجبر على قبول جميع أحكام الإسلام، وأن يتبرّأ
من كلّ دين يُخالف دين الإسلام، وأما من كان مقرًا بالوحدانيّة، منكرًا للنبوّة، فإنه لا
يحكم بإسلامه حتى يقول: ((محمد رسول اللَّه))، فإن كان يعتقد أن الرسالة المحمدية
إلى العرب خاصّة، فلا بدّ أن يقول: ((إلى جميع الخلق))، فإن كان كفر بجحود واجب،
أو استباحة محرّم، فيحتاج أن يرجع عما اعتقده، ومقتضى قوله: ((يجبر)) أنه إذا لم يلتزم
تُجرى عليه أحكام المرتدّ، وبه صرّح القفّال، واستدلّ بحديث الباب، فادعى أنه لم يرد
في خبر من الأخبار: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا اللَّه، وأن محمدًا
رسول اللّه))، كذا قال، وهي غفلة عظيمة، فالحديث في ((صحيحي البخاري ومسلم))
في ((كتاب الإيمان)) من كلّ منهما، من رواية ابن عمر بلفظ: ((حتى يشهدوا أن لا إله إلا
اللَّه، وأن محمدًا رسول اللَّه))، ويحتمل أن يكون المراد بقول: ((لا إله إلا الله)) هنا
التلفّظ بالشهادتين؛ لكونها صارت علمًا على ذلك، ويؤيّده ورودهما صريحًا في الطرق
الأخرى.
(ومنها): أنه استُدلّ به على أن الزكاة لا تسقط عن المرتدّ. قال الحافظ: وتُعُقّب بأن
المرتدّ كافر، والكافر لا يُطالب بالزكاة، وإنما يُطالب بالإيمان، وليس في فعل الصديق
حجة، لما ذكرنا، وإنما فيه قتال من منع الزكاة، والذين تمسّكوا بأصل الإسلام،
ومنعوا الزكاة بالشبهة التي ذكروها لم يحكم عليهم بالكفر قبل إقامة الحجّة.
وقد اختلف الصحابة فيهم بعد الغلبة عليهم، هل تُغنم أموالهم، وتُسبى ذراريهم
كالكفّار، أو لا، كالبغاة؟ فرأى أبو بكر الأول، وعمل به، وناظره عمر في ذلك،
وذهب إلى الثاني، ووافقه غيره في خلافته على ذلك، واستقرّ الإجماع عليه في حقّ من
جحد شيئًا من الفرائض بشبهة، فيطالب بالرجوع، فإن نصب القتال قوتل، وأقيمت
عليه الحجة، فإن رجع، وإلا عومل معاملة الكفار حينئذ. ويقال: إن أصبغ من المالكية
استقرّ على القول الأول، فعُدّ من ندرة المخالف.
وقال القاضي عياض رحمه الله تعالى: يستفاد من هذه القصّة أن الحاكم إذا أداه
اجتهاده في أمر لا نصّ فيه إلى شيء تجب طاعته فيه، ولو اعتقد بعض المجتهدين
خلافه، فإن صار ذلك المجتهد المعتقد خلافه حاكمًا وجب عليه العمل بما أداه إليه
اجتهاده، وتسوغ له مخالفة الذي قبله في ذلك؛ لأن عمر أطاع أبا بكر رَاتها فيما رأى

٣٢
=
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
من حقّ مانعي الزكاة مع اعتقاده خلافه، ثم عمل في خلافته بما أداه إليه اجتهاده،
ووافقه أهل عصره من الصحابة وغيرهم. وهذا مما يُنبّه عليه في الاحتجاج بالإجماع
السكوتيّ، فيشترط في الاحتجاج به انتفاء موانع الإنكار، وهذا منها.
(ومنها): ما قاله الخطّابيّ رحمه الله تعالى: في الحديث أن من أظهر الإسلام
أُجريت عليه أحكامه الظاهرة، ولو أسرّ الكفر في نفس الأمر، ومحلّ الخلاف إنما هو
فيمن اطُّلِع على مُعتَقَده الفاسد، فأظهر الرجوع، هل يُقبل منه، أو لا؟، وأما من جُهل
أمره، فلا خلاف في إجراء الأحكام الظاهرة عليه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب)).
٤- (بَابُ عُقُوبَةِ مَانِعِ الزَّكَاةِ)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الفرق بين هذه الترجمة والتي قبلها أن تلك لمن حجد
وجوبها، ونصب القتال، فإنه يعاقب بالقتل، وأما هذه فلمن منعها بُخْلًا، من غير جحد
لوجوبها، فمعاقبته تكون بأخذها منه قهرًا، وزيادة العوبة المالية، لا بالقتل. والله تعالى
أعلم بالصواب.
٢٤٤٤- (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْتِى، قَالَ: حَدَّثَنَا بُهْزُ بْنُ حَكِيمٍ، قَالَ:
حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي، قَالَ: سَمِعْتُ النَِّيّ ◌َّهِ، يَقُولُ: ((فِي كُلِّ إِلِ سَائِمَةٍ،َ فِي كُلْ
أَرْبَعِينَ ابْنَةٌ لَبُونٍ، لَا يُفَرَّقُ إِلٌ عَنْ حِسَابِهَا، مَنْ أَعْطَاهَا مُؤْتَجِرًا، فَلَهُ أَجْرُهَا، وَمَنْ أَبَى، فَإِنَّا
آخِذُوهَا، وَشَطْرَ إِبِلِهِ، عَزْمَةٌ مِنْ عَزَمَاتِ رَبِّنَا، لَا يَحِلُّ لِآلِ مُحَمَّدٍ، وََّه مِنْهَا شَيْءٌ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١- (عمرو بن عليّ) الفلاس الصيرفي البصري، ثقة حافظ [١٠]٤/٤.
٢- (يحيى) بن سعيد القطان البصري الإمام الحجة الثبت [٩]٤/٤.
وأما (بهز بن حكيم))، و((أبوه))، و((جدّه)) فقد تقدم الكلام عليهم قبل بابين. والله
تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
منها: أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم ثقات.

٣٣
٤- (بابُ عُقوبة مانع الزكاة) - حدیث رقم ٢٤٤٤
(ومنها): أنه مسلسل بالبصريين. (ومنها): أن شيخه هو أحد مشايخ الأئمة الستة الذين
رووا عنهم بلا واسطة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
عن بهز بن حكيم أنه (قال: حَدَّثَنِي أَبِي) حكيم (عَنْ جَدِّي) معاوية بن حَيْدَة رَّهِ،
أنه (قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ وَِّ، يَقُولُ: ((فِي كُلِّ إِبِلِ سَائِمَةٍ) اسم فاعل من سامت الماشيةُ
سَوْمًا، من باب ((قال)): إذا رَعَت بنفسها، ويتعدّى بالهمزة، فيقال: أسامها راعيها. قال
ابن خَالَوَيْهِ: ولم يُستعمل اسم مفعول من الرباعيّ، بل جُعل نسيًا منسيًا، ويقال:
أسامها، فهي سائمة. قاله في ((المصباح)).
(فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ) بدل من الجارّ والمجرور قبله. والظاهر أن هذا إذا زادت الإبل على
مائة وعشرين، فلا يخالف الأحاديث الأخرى، على ما سيأتي بيانها في الباب التالي، إن
شاء الله تعالى (ابْنَةُ لَبُونٍ) هي التي دخلت في السنة الثالثة، من أولاد الناقة، والذكر ابن
لبون، سميت بذلك؛ لأن أمها ولدت غيرها، فصار لها لبن، وجمع الذكور کالإناث،
يقال: بنات لبون.
(لَا يُفَرَّقُ إِلٌ عَنْ حِسَابِهَا) ببناء الفعل للمفعول، أي لا يجوز لأحد الخليطين أن
يُفرّق إبله عن إيل صاحبه؛ فرارًا من الصدقة، فقوله: ((عن حسابها)): أي عن مقدارها،
وعددها الذي تجب فيه الزكاة، كما إذا كان لأحد الخليطين ثلاث من الإبل، وللآخر
اثنان، فإن في مجموعها شاة، ولو فرقاها لا يجب عليهما شيء (١).
وقال السنديّ: قوله: ((لا يفرّق الخ)): أي يُحَاسَبُ الكلُّ في الأربعين، ولا يُترك
هزال، ولا سمين، ولا صغير، ولا كبير، نعم العامل لا يأخذ إلا الوسط(٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: التفسير الأول أوضح. والله تعالى أعلم.
(مَنْ أَعْطَاهَا مُؤْتَجِرًا) بالهمز، أي طالبًا للأجر (فَلَهُ أَجْرُهَا، وَمَنْ أَبَّى) أي امتنع من
إعطائها طوعًا (فَإِنَّا آخِذُوهَا) أي آخذون إياها منه قهرًا.
واستُدلّ به على أنه يجوز للإمام أن يأخذ الزكاة قهرًا إذا لم يَرْضَ ربُّ المال، وعلى
أنه يُكتَفَى بنية الإمام، كما ذهب إليه الشافعيّ، وبعض أهل العلم. وعلى أن ولاية قبض
الزكاة إلى الإمام. وإلى هذا ذهب الحنفيّة، ومالك، والشافعيّ في أحد قوليه(٣) (وَشَطْرَ
إِيلِهِ) أي نصف إبله عقوبةً له على منع الزكاة. وفي نسخة: ((وشطر ماله)). وأفادت رواية
(١) - راجع ((المنهل)) ج٩ ص١٧٠.
(٢) - انظر ((شرح السنديّ)) ج٥ص١٦.
(٣) - انظر ((نيل الأوطار)) ج٤ ص ١٤٧.

٣٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
((إبله)) أن العقوبة بأخذ نصف المال إنما تكون في نوع المال الذي وجبت فيه الزكاة، لا
في جميع ماله الذي يملكه، والله تعالى أعلم.
فقوله: ((شطرَ)) بالنصب عطفًا على الضمير في ((آخِذُوها)) باعتبار محلّه.
وقال السنديّ: المشهور رواية سكون الطاء من ((شطر)) على أنه بمعنى النصف، وهو
بالنصب عطف على ضمير ((آخذوها))؛ لأنه مفعول، وسقط نون الجمع للاتصال، أو
هو مضاف إليه، إلا أنه عطف على محلّه، ويجوز جرّه أيضًا. انتهى.
وقال ابن الأثير الجزريّ رحمه الله تعالى في ((النهاية)): قال الحربيّ: غَلِطَ بهزّ
الراوي في لفظ الرواية، إنما هو ((وشُطْرَ مالُهُ))، أي يجعل ماله شطرين، ويَتخيّر
الْمُصَدِّق، فيأخذ الصدقة من خير النصفين، عقوبةً لمنعه الزكاة، فأما ما لا تلزمه فلا.
وقال الخطّابيّ في قول الحربيّ: لا أعرف هذا الوجه. وقيل: معناه إن الحقّ مُسْتَوْفّى
منه، غيرُ متروك عليه، وإن تلف شطر ماله، كرجل كان له ألف شاة مثلًا، فتلفت، حتى
لم يبقَ له إلا عشرون، فإنه يُؤخذ منه عشر شِياه لصدقة الألف، وهو شطر ماله الباقي.
وهذا أيضًا بعيد؛ لأنه قال: ((إنا آخذوها، وشطر ماله))، ولم يقل: إنا آخذو شطر ماله.
وقيل: إنه كان في صدر الإسلام يقع بعض العقوبات في الأموال، ثم نُسخ، كقوله في
الثمر المعلّق: ((من خرج بشيء منه، فعليه غرامة مثليه، والعقوبة)). وكقوله في ضالّة
الإبل المكتومة: ((غرامتها، ومثلها معها)). وله في الحديث نظائر. وقد أخذ أحمد بن
حنبل بشيء من هذا، وعمل به، وقال الشافعيّ في القديم: من منع زكاة ماله أُخذت
منه، وأُخذ شطر ماله، عقوبةً على منعه، واستدلّ بهذا الحديث، وقال في الجديد: لا
يؤخذ منه إلا الزكاة لا غير، وجعلَ هذا الحديث منسوخًا، وقال: كان ذلك حيث كانت
العقوبات في المال، ثم نُسخت. ومذهب عامة الفقهاء أن لا واجب على متلف الشيء
أكثر من مثله، أو قيمته انتهى كلام ابن الأثير(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: سيأتي تحقيق الخلاف، وترجيح الراجح في هذا في
المسألة الرابعة، إن شاء الله تعالى.
(عَزْمَةٌ مِنْ عَزَمَاتِ رَبِّنَا) بالرفع على أنه خبر لمحذوف، أي هذه عزمةٌ. ويجوز نصبه
على أنه مفعول مطلق لفعل محذوف، أي عَزَمَ اللَّهُ تعالى علينا هذا عزمةً. والعزمة في
اللغة: الجدّ في الأمر، والمراد بها هنا الحقّ الواجب، وعزمات اللَّه تعالى حقوقه،
وواجباته(٢).
(١) - انظر ((النهاية)) ج ٢ ص ٤٧٣-٤٧٤ .
(٢) - راجع ((النهاية)) ج٣ص٢٣٢ .

=
٣٥
٤- (بابُ عُقوبة مانع الزكاة) - حديث رقم ٢٤٤٤
(لَا يَحِلُّ لِآلِ مُحَمَّدٍ، وَّهِ، مِنْهَا شَيْءٍ))) يعني أن الزكاة حقٌّ من حقوق الله تعالى،
ليس لآل محمد وَ لّ فيها نصيب، وإنما أصحابها المستحقّون لها هم الذين بيّنهم الله
تعالى في قوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَتُ لِلْفُقَرَآءِ وَالْمَسَكِينِ﴾ الآية [التوبة: ٦٠]. والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، معاوية بن حَيْدَة ◌َّه هذا صحيح.
[تنبيه]: مما يتعيّن توضيحه هنا الكلام في بهز بن حكيم، وحديثِهِ، فإنه قد تكلّم فيه
بعض أهل العلم:
(اعلم): أن بَهْزَ بن حكيم رحمه الله تعالى قد وثقه أكثر الأئمة(١): أحمد، وابن
معين، وابن المدينيّ، والنسائيّ. وقال ابن معين: بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جدّه
إسناد صحيح، إذا كان دون بهز ثقة. وقال أبو زرعة: صالح. وقال أبو داود: هو عندي
حجة. وقال الترمذيّ: ثقة عند أهل الحديث. وكان شعبة يتكلم فيه، فلما تبيّن له كونه
ثقة روى عنه.
وقال أبو جعفر السبتيّ: إسناد بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جدّه صحيح. وقال ابن
قتيبة: کان من خيار الناس. وقال ابن عديّ: قد روی عنه ثقات الناس، وقد روى عنه
الزهريّ حديثين، ذكرهما، ولم أر أحدًا من الثقات تخلّف عنه في الرواية، ولم أر له
حديثًا منكرًا، وأرجو أنه إذا حدث عنه ثقة فلا بأس بحديثه، .
وتكلم فيه بعضهم، فمنهم: الشافعيّ، وأبو حاتم، وابن حبّان، والحاكم، وأحمد
ابن بشير، وابن حزم، وابن الطلّاع:
فأما الشافعيّ، فقال: ليس بهز بحجة، وهذا الحديث لا يثبته أهل العلم بالحديث.
والظاهر عنه أنه إنما تكلم فيه لهذا الحديث، فجوابه أنه وثقه جماهير المحدثين،
وصححوا حديثه، کما تقدّم قريبًا.
وأما أبو حاتم، فقال: هو شيخ يُكتب حديثه، ولا يحتج به. وقال أيضًا: عمرو بن
شعيب، عن أبيه عن جدّه أحبّ إليّ.
ومن المعلوم أن أبا حاتم متشددٌ، فجرحه مخالفًا للأئمة المتقدمين غير مؤثّر في
صحة حديث بهز. وقد قال الحافظ أبو الحسن ابن القطان: وقول أبي حاتم: لا يحتجّ
(١) - راجع كلام الأئمة في ((تهذيب التهذيب)) ج١ ص٢٥١- ٢٥٢.

= ٣٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
به لا ينبغي أن يُقبل منه إلا بحجة، وبهز ثقة عند من علمه، وقد وثقه غير من ذُكر -وقد
وثقه ابن معين، وابن المدينيّ، والنسائيّ، وابن الجارود، وصحّح الترمذيّ روايته عن
أبيه، عن جدّه. انتهى ببعض تصرّف (١) .
وأما ابن حبان فإنه قال: کان یخطیء کثیرًا، فأما أحمد، وإسحاق فهما یحتجان به،
وتركه جماعة من أئمتنا، ولولا حديثه: ((إنا آخذوها، وشطر ماله)) لأدخلناه في ((الثقات))،
وهو ممن أستخير الله فيه انتھی.
والجواب عن هذا أن ابن حبّان إنما ضعفه لأجل حديث الباب، لا لأمر آخر، فقد
صرح بقوله: لولا هذا الحديث لأدخلته في ((الثقات))، وهذا منه غير مقبول، فإن الثقة
إذا تفرّد برواية حديث، بلا مخالفة، فكيف لا يقبل حديثه؟، إن هذا لشيء
عجيب .
وأما الحاكم، فقال: كان من الثقات، ممن يُجمع حديثه، وإنما أَسقط من الصحيح
روايته عن أبيه، عن جدّه، لأنها شاذة، لا متابع له عليها انتهى.
والجواب عنه هو الجواب عن كلام ابن حبّان لأن الظاهر أن كلامه نظير كلامه
فجواهما واحد.
وأما أحمد بن بشير، فقال: أتيت البصرة في طلب الحديث، فأتيت بهزًا، فوجدته
يلعب بالشّطْرنج مع قوم، فتركته، ولم أسمع منه انتهى.
وقد أجاب عنه الحافظ ابن القطّان، فقال: وليس ذلك بضائر له، فإن استباحة
الشطرنج مسألة فقهيّة مجتهدٌ فيها(٢).
وأما ابن حزم، فقال: غير مشهور. وأما ابن الطلاع، فقال: إنه مجهول.
وقد تُعُقّبا بأنه قد قد عرفه الأئمة الكبار الذين تقدّم ذكرهم، ووثّقوه، فلا يضرّه
جهلهما له. والله تعالى أعلم.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذكر أن بهز بن حكيم ثقة وأن حديثه
صحيح. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب(٣).
(١) - كتاب ((بيان الوهم والإيهام)) ج٥ ص٥٦٦ .
(٢) - بيان الوهم والإيهام ج٥ ص٥٦٦ .
(٣) - إنما أطلت الكلام في هذا الحديث لأن الشيخ الألباني في کتبه یحسن أحاديث بهز بن حكيم،
عن أبيه، عن جدّه، ويعتذر عن عدم تصحيحه له بالكلام في بهز، فقال في ((الإرواء)) -ج٣
ص٢٦٤ - بعد قوله: وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ووافقة الذهبيّ : قلت: وإنما هو حسن،
للخلاف المعروف في بهز بن حکیم انتھی. فأوضحت الأمر فیه، وأن الكلام فيه غير مؤثر،
فحدیثه صحيح. والله تعالى أعلم.

٤- (بابُ عُقوبة مانع الزكاة) - حديث رقم ٢٤٤٤
=
=
٣٧
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا- ٢٤٤٤/٤ و٢٤٤٩/٧- وفي ((الكبرى)) ٢٢٢٤/٤ و٢٢٢٩/٧.
وأخرجه (د) في ((الزكاة)) ١٥٧٥٠ (أحمد) في ((مسند البصريين)) ١٩٥٣٤ (الدارميّ) في
(الزكاة)) ١٦٧٧ . والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو مشروعية عقوبة مانع الزكاة
بأخذ شطر ماله الذي وجب فيه الزكاة (ومنها): بيان أن الواجب في كلّ أربعين من الإبل
ابنة لبون، وهذا كما سبق إنما هو بعد مائة وعشرين، كما هو المعروف في كتب
الصدقات التي كتبها أبو بكر لأنس بن مالك تطقنا، كما سيأتي بيانه في -٢٤٤٧/٥ - إن
شاء الله تعالى (ومنها): أنه لا تجب الزكاة في المعلوفة، لتقييده بقوله: ((سائمة))، وفيه
خلاف، سيأتي تحقيقه في -٢٤٤٩/٧ - إن شاء الله تعالى (ومنها): أنه لا يجوز التفريق
للخليطين بين إبليهما، خشية الصدقة (ومنها): أن من أَعطَى زكاته عن طيب نفس،
طالبًا الأجر من الله تعالى، فله الأجر العظيم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في مشروعية العقوبة بأخذ المال:
ذهب الأئمة: أحمد، وإسحاق، والشافعيّ في القديم عنه إلى جواز العقوبة بالمال،
أخذًا بظاهر حديث الباب، وبالحديث المتفق عليه في همّ النبيّ وَّ بتحريق بيوت
المتخلّفين عن الجماعة، وقد تقدم ذلك في بابه.
وبحديث عمر رَّه، مرفوعًا: ((إذا وجدتم الرجل قد غلّ، فأحرقوا متاعه)).
أخرجه أبو داود. لكن في سنده صالح بن محمد بن زائدة المدنيّ، ضعيف. وقال
البخاريّ: عامة أصحابنا يحتجون به، وهو باطل. وقال الدارقطنيّ: أنكروه على
صالح، ولا أصل له، والمحفوظ أن سالمًا أمر بذلك في رجل غلّ في غزاة مع الوليد
ابن هشام. قال أبو داود: وهذا أصح.
وبحديث عبد الله بن عمرو بن العاص رَؤيته: ((أن النبيّ وَّرَ، وأبا بكر، وعمر
أحرقوا متاع الغالّ، وضربوه)). أخرجه أبو داود، والحاكم. لكن في سنده زهير بن
محمد، قيل: هو الخراسانيّ، وقيل: غيره، وهو مجهول.
وبحديث سعد بن أبي وقاص وَ ◌ّ، قال: سمعت النبيّ وَل يقول: ((من وجدتموه
يصيد فيه -يعني حرم المدينة- فخذوا سَلَبَه)). أخرجه مسلم.
وبحديث ابن عمر تَضرائب: أن النبيّ وَ لَّ سُئل عن الثمر المعلّق؟ فقال: ((من أصاب

=٣٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
بفيه من ذي حاجة، غير متّخذ خُبْنة (١)، فلا شيء عليه، ومن خرج بشيء منه، فعليه
غرامة مثليه، والعقوبة، ومن سرق منه شيئًا بعد أن يُؤويه الْجَرِين، فبلغ ثمن الْمِجَنّ،
فعليه القطع)). أخرجه أبو داود، والنسائيّ، والحاكم، وصححه.
وبقصّة المدديّ الذي أغلظ لأجله الكلامَ عوفُ بنُ مالك على خالد بن الوليد لَمّا
أخذ سَلَبه، فقال النبيّ وَلّر: ((لا تردّ عليه)). أخرجه مسلم.
وبإحراق عليّ رټ طعام المحتکرین، ودور قوم یبیعون الخمر، وهدمه دار جرير
ابن عبد اللّه، ومُشاطرة عمر لسعد بن أبي وقاص في ماله الذي جاء به من العمل الذي
بعثه إليه. وتضمينه لحاطب بن أبي بلتعة مثلي قيمة الناقة التي غصبها عبيده،
وانتحروها. وتغليظه هو، وابن عباس الدية على من قتل في الشهر الحرام في البلد
الحرام.
وذهب الجمهور إلى أن العقوبة بالمال غير مشروعة، ولا فرق في ذلك بين مانع
الزكاة، والغالّ في الصدقة، والغنيمة، وغيرهما.
وأجابوا عن الأدلة المتقدّمة بأجوبة:
أما عن حديث بهز بأنه لم يثبت، فقد قال الشافعيّ: ليس بهز حجة، وهذا الحديث
لا يثبته أهل العلم بالحديث، ولو ثبت لقلنا به، وكان قال به في القديم. وسئل عنه
أحمد؟ فقال: لا أدري ما وجهه؟، فسئل عن إسناده؟ فقال: صالح الإسناد.
وتعقب بأنه حدیث صحیح ثابت، فقد قال ابن معين: إسناده صحيح. وسئل عنه
أحمد؟ فقال: صالح الإسناد، وصححه غيرهما، وقد تقدّم تمام الكلام عليه في المسألة
الأولى الماضية قريبًا، وباللّه تعالى التوفيق.
وقال البيهقيّ وغيره: حديث بهز هذا منسوخ.
وتعقّبه النوويّ بأن الذي ادعوه من كون العقوبة كانت بالأموال في أول الإسلام ليس
بثابت، ولا معروف، ودعوى النسخ غير مقبولة مع الجهل بالتاريخ.
وزعم الشافعيّ أن الناسخ له حديث ناقة البراء تَنَ ◌ّه، لأنه وَّر حكم عليه بضمان ما
أفسدت، ولم يُنقل أنه وَلَّ في تلك القضيّة أضعف الغرامة.
وفيه ما تقدّم من الجهل بالتاريخ، وبأن تركه ول# للمعاقبة بأخذ المال في هذه القضيّة
لا يستلزم الترك مطلقًا، ولا يصحّ للتمسّك به على عدم الجواز، وجعله ناسخًا البتّة.
وأجابو أيضًا بما تقدّم من كلام إبراهيم الحربيّ بأن الراوي وَهِمَ فيه، والصواب:
(١) - -بضم الخاء المعجمة، وسكون الباء الموحدة -: معطف الإزار، وطرف الثوب، أي لا يأخذ
منه في ثوبه.

٣٩
٤- (بابُ عُقوبة مانع الزكاة) - حديث رقم ٢٤٤٤
((فإنا آخذوها من شطر ماله))، أي يُجعل ماله شطرين، ويتخيّر عليه المصدّق، ويأخذ
الصدقة من خير الشطرين، عقوبة لمنعه الزكاة، وأما ما لا يلزمه فلا.
وبما قال بعضهم: إن لفظة: ((وشُطِرَ مالُهُ)) بضم الشين المعجمة، وكسر الطاء
المهملة، فعل مبنيّ للمجهول، أي جعل ماله شطرين، يأخذ المصدّق من أي الشطرين
أراد.
وتعقّب بأن الأخذ من خير الشطرين يصدق عليه اسم العقوبة بالمال؛ لأنه زائد على
الواجب، وبأنه يستلزم تغليط الثقة بدون ضرورة.
وأجابو عن حديث همّ النبيّ وَّر بالإحراق بأن السنة أقوال، وأفعال، وتقريرات،
والهمّ ليس من الثلاثة .
وتعقّب بأن الهمّ من النبيّ وَّر من السنّة عند المحققين، كما هو موضّح في كتب
مصطلح أهل الحديث، وفي كتب الأصول أيضًا، وبأنه بََّ لا يهمّ إلا بالجائز.
وأما حديثا عمر، وعبد الله بن عمرو، فأجابو عنهما بما تقدم من ضعف الإسناد.
وأجابوا عن حديث قصة أخذ سَلَب من يصيد في المدينة؛ بأنه ◌َّ عيّن نوع الفدية
هنا بأنها سَلَبُ الصائد فيُقتصر فيه على السبب، لقصور العلّة التي هي هتك الحرمة عن
التعدية .
وعن قصة المدديّ بأنها واردة على سبب خاص، فلا يُجاوَزُ بها إلى غيره؛ لأنها،
وسائر أحاديث الباب مما ورد على خلاف القياس لورود الأدلة كتابًا، وسنّةً بتحريم مال
الغير، قال الله تعالى: ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة﴾ الآية،
وقال: ﴿وَلَا تَأْكُلُواْ أَمْوَلَكُمْ بَيْنَكُم بِالْبَطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْمُكَّامِ﴾ الآية [البقرة: ١٨٨].
وقال رَّ في خطبة حجة الوداع: ((إن دماءكم، وأموالكم، وأعراضكم بينكم
حرام ... )) الحديث.
وأما تحريق عليّ طعام المحتكرين، ودور القوم، وهدمه دار جرير، فبعد تسليم
صحّة الإسناد إليه، وانتهاض فعله للاحتجاج به يجاب عنه بأن ذلك من قطع ذرائع
الفساد، كهدم مسجد الضرار، وتكسير المزامير. وأما المرويّ عن عمر من ذلك،
فيجاب عنه إن ثبت بأنه أيضًا قول صحابيّ، لا ينتهض للاحتجاج به، ولا يَقوَى على
تخصيص عمومات الكتاب والسنّة. وكذلك المرويّ عن ابن عباس رَبطائهنا. أفاده العلامة
الشوكانيّ رحمه الله تعالى في كتابه ((نيل الأوطار))، ونقلته عنه بتصرّف(١).
(١) - ((نيل الأوطار)) ج٤ ص ١٤٧ -١٤٩.

٤٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: قد تبيّن بما ذكر أن الصحيح أن عقوبة مانع الزكاة
بأخذ شطر ماله مشروع لصحة حديث الباب، وأما قياس جواز العقوبة بالمال في غير
موارد النصّ، فغير صحيح، لما مرّ آنفا.
وخلاصة المسألة أن قول الجمهور بعدم مشروعيّة العقوبة بالمال مطلقًا حتى في
المواضع التي صحت عن النبيّ وَّر، مثل حديث الباب، محتجين بالنصوص العامة
المتقدمة ونحوها في تحريم مال المسلم فيه نظرٌ، لأن حرمة مال المسلم مشروط بقوله
وَالر: ((إلا بحقه))، وما ثبت عنه وَلّ كحديث الباب، فإنه من حقّه، فلا تتناوله نصوص
التحريم. وكذلك القول بجواز العقوبه به مطلقًا، كما يقول الآخرون فيه نظر أيضًا؛
لقوة نصوص منع مال المسلم إلا بحقّه، فما لم يصحّ عنه ◌َطّ لا يجوز استعمال القياس
فيه؛ لتلك النصوص، فالقياس مع النص باطل. وما صحّ عنه استثناؤه، فالعمل به
واجب .
والحاصل أن عقوبة مانع الزكاة بأخذ شطر ماله مشروع؛ للأدلة المذكورة. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب)).
٥- (بَابُ زَكَاةِ الإِبِلِ)
قال الفيّوميّ رحمه الله تعالى: ((الإِبُل)) -بكسرتين -: اسم جمع لا واحد لها، وهي
مؤنّثة؛ لأن اسم الجمع الذي لا واحد له من لفظه إذا كان لما لا يعقل يلزمه التأنيث،
وتدخله الهاء إذا صُغْر، نحو أُبَيلةٍ، وغُنَيمةٍ، وسُمع إسكان الباء للتخفيف، ومن
التأنيثِ، وإسكانٍ الباء قولُ أبي النَّجْم [من الرجز]:
وَالإِبْلُ لَا تَضْلُحُ لِلْبُسْتَانِ وَحَتَّتِ الإِبْلُ إِلَى الأَوْطَانِ
والجمع آبال، وأَبِيل، وزانُ عَبِيد، وإذا ثُنَّي، أو جُمع، فالمراد به قَطِيعان، أو
قَطِيعاتٌ، وكذلك أسماء الجموع، نحوُ أبقارٍ، وأغنام. والإِبِلُ بناء نادرٌ، قال سِيبَوَيهِ:
لم يجىء على فِعِلٍ - بكسر الفاء والعين- من الأسماءَ إلا حرفان(١): إِلّ، وحِبِرٌ، وهو
(١) - لم يذكر سيبويه من الكلمات على فِعِل إلا إبلًا فقط، قال: ويكون فعلًا في الاسم، نحو إبل،
وهو قليل، لا نعلم في الأسماء والصفات غيره. انتهى ((الكتاب)) ج٢ ص٣١٥.